← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17792

نشر ألوية التشريف بالإعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف

ابن علان

Полный текст (83 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٤) نشر ألوية التشريف بالإعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف تأليف الشيخ محمد بن علان البكري الصديقي المكي الشافعي (المولود سنة ٩٩٦ والمتوفى سنة ١٠٥٧) اعتنى به محمد أبو بكر عبد الله باذيب ساهم بطبعه بعض أهل الخير من الحرمين الشريفين ومحبيهم دار البشائر الإسلامية

стр. 2

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع هاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ بيروت - لبنان ص ب: ٥٩٥٥/ ١٤ e-mail: bashaer@cyberia.net.lb

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمَّد وآله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن من النفحات الربانية والعطايا الإِلهية، تكاتف الجهود وتظافر الهمم، وتشمير السواعد لخدمة التراث الإِسلامي وإبراز مكنوناته ... وما هذه المجالس التي تعقد في رحاب البيت الحرام في أجواء العشر الأواخر منه -في جو مفعم بالإِيمان والمحبة والشوق إلى الله سبحانه واستنزال رحماته التي وعد بها المؤمنين من عباده في هذا الشهر العظيم خاصة وفي غيره من الأيام والشهور عامة- إلَّا مظهر من مظاهر النعمة والرحمة والنفحات .. ولما كانت هذه المجالس العشرية الآخرية تعقد في صحن المسجد الحرام أمام الكعبة المشرفة المعظمة، فقد عرضت على الإِخوان الكرام القائمين على هذه المجالس المباركة هذه الرسالة اللطيفة للإِمام ابن علان رحمه الله تعالى والمتعلقة بهذه البَنِيَّة المعظمة المشرفة، أول بيت وضع للناس ... فكان لها وقع طيب وقبول عند الجميع .. لأن موضوع الرسالة جديد ومهم، ولم يسبق أن طبع كتاب مستقل يتحدث عن الموضوع نفسه، وإن كانت كتب التاريخ المكي طافحة بتفاصيل ما ورد فيه وغير

стр. 4

ذلك، أضف إلى أنه لم ينشر من كتب ابن علان إلَّا النزر اليسير، فهو على شهرته الكبيرة لم يطبع من كتبه إلَّا شرحيه على رياض الصالحين والأذكار للإِمام النووي، وغير شرحه على "التعرف" لابن حجر الهيتمي ... هذا حسب علمي. وإن كانت رسالته أو كتابه الفريد "إنباء المؤيد" قد حُقِّق تحقيقًا علميًّا ونيل به بعض الشهادات العلمية، إلَّا أنه لم يخرج أو بالأحرى لم يدخل حيز الطباعة ... وهناك مميزات أخرى لهذه الرسالة لا أطيل بذكرها ... ولعل من أهم المميزات لخدمة ونشر هذه الرسالة الهامة واللطيفة في بابها ... هو مناسبتها التامة لزمان ومكان انعقاد هذه المجالس الرمضانية، التي نسأل الله أن يديم عافيته على أعضائها ويوفقهم لإِخراج وإبراز الجديد والمفيد دائمًا. كما نسأل الله تعالى أن ينفع بهذه الرسالة كل من قرأها، ونرجو أن نكون قد وفقنا في الاختيار، وحسن الخدمة والعرض، ورحم الله امرءًا أهدى إلينا عيوبنا ... وصلَّى الله وسلَّم على سيدنا ونبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم. محمَّد أبو بكر عبد الله باذيب جدة في ١٢ ربيع الأول ١٤٢٢ هـ

стр. 5

ترجمة المصنف (١) (٩٨٠ - ١٠٥٨ هـ) هو الشيخ الإِمام العلامة الفقيه المؤرخ المحدث المتفنن محمَّد علي بن محمَّد علان بن إبراهيم بن محمَّد علان بن عبد الملك بن علي بن علي بن مبارك شاه الصديقي البكري المكي (٢).

стр. 6

مولده بمكة المشرفة، حدود عام ٩٨٠ كما ذكر العجيمي (١)، وبها نشأ وطلب العلم، وأخذ عن كبار علماء الحرمين الشريفين والوافدين عليها. أسرته: آل علان من الأسر المكية العلمية العريقة، وقد اشتهر أفرادها بين القرنين الثامن والحادي عشر الهجريين ... ومرجعهم في النسب إلى الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁ كما أطبق عليه المؤرخون. وقد عرف من هذه الأسرة الكريمة عدد من العلماء والأفاضل، وفيهم أو غالبهم مصنفون ذووا مصنفات نافعة جليلة. ونذكر أولًا أصولهم في النسب ثم نعرض لمشاهير (آل علان): ١ - الجد الأعلى للأسرة: علي بن مباركشاه (٢) بن أبي بكر بن محمود بن محمَّد بن أبي محمَّد بن طاهر بن حنون بن علان بن حسين بن عبد الله بن يونس بن يوسف بن إسحاق بن عمر بن زيد بن محمَّد بن الصدِّيق الأكبر خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر بن أبي قحافة التيمي القرشي .. البكري الصديقي. وهذا النسب ساقه المحبي منظومًا على لسان الشيخ العلامة أحمد بن إبراهيم بن علان -ستأتي ترجمته- وهو قوله: أيا سائلي عن نسبتي كيف حالها ... جدود لي إلى الصديق عشرون فاعدد خليل وعلان وعبدُ مِليكِهِم ... عليٌّ عليٌّ ذو النعيم المؤبَّدِ مبارك شاه حاوي المجد بعدهم ... أبو بكر المحمود نجل محمَّد ... ووالده قد جاء يكنى باسمه ... فطاهر حنون الذي هو مهتدي وعلان كان جاء وهو حسينهم ... عفيف أتى فيهم ويونس ذو اليد

стр. 7

ويوسف إسحاق وعمران قد أتى ... وزيد به كل الخلائق تقتدي ومن بعده حاوي الفخار محمَّد ... ووالده الصديق ذخري ومنجدي (١) ٢ - عبد الملك بن علي بن علي بن مبارك شاه الصديقي، توفي سنة ٨٩٦ هـ، له كتاب "الحبل المتين" في الأذكار (٢). ٣ - الشيخ محمَّد علان بن عبد الملك بن علي بن علي الصديقي، من أهل القرن العاشر، لم يترجم له أحد من المؤرخين، وإنما ورد اسمه في ديباجة كتابه "مثير شوق الأنام"، ونقل المصنف -حفيده- عن كتابه في هذه الرسالة وقال: نقل جدي في كتابه "مثير شوق الأنام" ... إلخ (٣). ٤ - شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن محمَّد علان بن عبد الملك الصديقي البكري المكي النقشبندي المتوفى سنة ١٠٣٣ هـ، والمولود بها سنة ٩٧٥ هـ (٤). ٥ - غياث الدين بن محمَّد علي بن علان المكي ... من أهل القرن الحادي عشر، وهو ابن مصنف هذا الكتاب، لم يترجم له سوى مرداد في "نشر النور" فقال: غياث الدين بن جمال الدين العلامة محمَّد علي بن علان المكي الصديقي الشافعي، ولد بمكة المكرمة ونشأ بها، وجد واجتهد في تحصيل العلوم، فقرأ على والده وعلى غيره من أفاضل البلد الحرام. وألف التآليف المجيدة. فمن تآليفه: ذيل كتاب "روضة الصفا في آداب زيارة المصطفى لوالده". ولم أقف له على ولادة ووفاة إلَّا أنه من أهل القرن الحادي عشر. اهـ (٥).

стр. 8

* وأعتقد أن نسل هذه الأسرة الكريمة قد انقرض، فسبحان من له الدوام والبقاء (١). شيوخه: نعود إلى ترجمة مصنف هذه الرسالة وقد ذكرنا أشهر علماء آل علان المكيين ... فنذكر شيوخه. فمن أعلام شيوخه الذين تلقى عنهم العلوم الشرعية وآلاتها وأفاد منهم: العلامة عبد الملك العصامي (٢)، والمحدث المتفنن الشيخ العلامة محمَّد بن محمد بن جار الله بن فهد الهاشمي المكي (٣)، والسيد العلامة الفقيه عمر بن عبد الرحيم البصري (٤)، والعلامة الشيخ عبد الرحيم بن حسان الحنفي المكي (٥) تلقى عنه علم النحو، وعمه الشيخ أحمد بن علان (٦) أخذ عنه القراءات والحديث والفقه والتصوف، وعلي بن جار الله بن ظهيرة (٧) وطبقتهم. ومن الوافدين على مكة المشرفة: العلامة الجليل الشيخ عبد الرحمن بن

стр. 9

محمَّد الشربيني العثماني الشافعي (١) روى عنه صحيح البخاري وكتب السنة "إجازة". والعلامة مفتي الحنفية بمصر الشيخ عبد الله النحراوي، والعلامة الشيخ حسن البوريني الدمشقي (٢). والشيخ العلامة المحدث محمَّد حجازي الواعظ (٣)، أجازه عام ١٠٢٠ هـ. مكانته العلمية: وصفه معاصره والراوي عنه بالإِجازة العامة الشيخ العلامة حسن بن علي العجيمي الحنفي بقوله: حافظ عصره، وإمام وقته، فارس التفسير، وجهبذ الحديث، وفخر علماء مكة عند المصنفين في القديم والحديث .. ولم يزل في الاشتغال حتى اشتهر وارتفع صيته وولع بالتأليف، فصنف أكثر من أربعمائة مؤلف ما بين مطول ومختصر، ولذا كان الشيخ عبد الرحمن الخياري يقول: إنه سيوطي زمانه. وكان يعقد مجالس الإِملاء في الحديث وغيره فيقرأ ما بين المغرب والعشاء البخاري، وينشئ في كل ليلة خطبة مناسبة لمعنى الحديث الذي يقرأه، وكان يورد كلام الشراح عن حفظه بما يبهر عقول السامعين ... ومع ذلك لم تكن لأهالي مكة عناية بالقراءة عليه، فقلما يحضر منهم واحد أو اثنان، وأكثرهم من الجاويين وأهل اليمن، وكان من جملة الملازمين للقراءة عليه الإِمام فضل الطبري والشيخ أحمد الأسدي. وكان قوي الاستحضار حتى للفقه، فربما مر في السوق فيعرض عليه سؤال أو أسئلة فيكتب عليها وهو ماشٍ .. ثم قال: وشملتني ولله الحمد إجازته لمن سمع شيئًا منه.

стр. 10

ثم قال ﵀: واتفق له ختم البخاري أو قرأ مجلس الختم منه في باطن الكعبة لما انهدمت في سنة [١٠٣٩ هـ] (١)، فقام الشيخ محمَّد الشيبي وأعانه جمع من معاصريه ليمنعه الشريف، فما تم لهم، ولم يزل على كمال في الاشتغال بالعلم تدريسًا وتأليفًا حتى توفي إلى رحمة الله تعالى في سنة ثمان وخمسين بعد الألف ودفن بالمعلاة في مقبرة آبائه عند قبة السيدة خديجة الكبرى ﵂. انتهى كلام الشيخ حسن عجيمي، وهو مفيد في الباب ويغني عن غيره من أقوال غيره من المؤرخين. مصنفاته (٢): تقدم في كلام العجيمي أن مصنفات الإِمام ابن علان جاوزت الأربعمائة مصنف، وإذا أردنا أن نسردها ونعددها لطال بنا الكلام، ولكن سأورد أهمها وأشهرها، ثم أخصص بالذكر منها ما صنفه في خصوص البيت الحرام وما ألفه عن هذه الحادثة بالذات ... فمن مؤلفاته الشهيرة والمتداولة: ١ - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين: شرح على الكتاب المعروف للإِمام النووي، مطبوع ومتداول في ٤ مجلدات. ٢ - الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية: شرح على كتاب الأذكار الشهير للإِمام النووي، مطبوع في ٤ مجلدات هو الآخر. ٣ - التلطف شرح التعرف في الأصلين والتصوف: والمتن للشيخ الإِمام

стр. 11

الفقيه ابن حجر الهيتمي المكي، طبع بالمطبعة الماجدية بمكة. هذه أشهر مصنفاته، وقد انتشرت لا سيما الأولان منها وتداولها طلاب العلم في أرجاء العالم الإِسلامي. وعدد الدكتور الهيلة ٢٢ كتابًا له في غير علم التاريخ ... منها: ٤ - بدائع المعاني في بيان عقيدة الشيباني: منه نسخة بمكتبة الأوقاف، بغداد، رقم ٤٨١١/ ٢. ٥ - حدائق الألباب في علم قواعد الإِعراب: يوجد بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة، رقم (١٠٠) مجاميع. ٦ - العقد الفريد في تحقيق التوحيد: منه نسخة بمكتبة المتحف الوطني - جاكرتا أندونيسيا، رقم (DCLI). ٧ - المقرب في معرفة ما في القرآن من المعرب: نسخة بالمحمودية بالمدينة المنورة، (١٠٠) مجاميع. ٨ - مفتاح البلاد في فضائل الغزو والجهاد: نسخة بمكتبة برلين (٤٠٩١). ثم عدد الهيلة مصنفاته في التاريخ وجعلها خمسة أقسام (١): (أ) في السيرة النبوية: بلغت سبعة مؤلفات. (ب) في تاريخ مكة المكرمة: بلغت ٢١ مؤلفًا، منها عشرة مؤلفات خص بها حادثة السيل الذي هدم الكعبة الشريفة في عهد السلطان مراد خان، وسيأتي تفصيلها. (ج) في تاريخ آل عثمان: ٣ مؤلفات. (ع) في التراجم عامة: ٥ مؤلفات. (هـ) موضوعات أخرى: ٣ مؤلفات

стр. 12

مصنفات ابن علان في حادث السيل الذي هدم البيت الحرام عام ١٠٣٩ هـ: كان ذلك حدثًا هامًّا وتاريخيًّا يستحق التأليف فيه؛ لتعلقه بأقدس المواطن الشريفة التي تمس أهم رموز الدين الإِسلامي، وهو البيت الحرام ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾، والذي يتجه إليه المسلمون في أنحاء العالم الإِسلامي كل يوم خمس مرات في صلواتهم المفروضة فضلًا عن غيرها ... فقد راع ذلك الأمر الشيخ محمَّد علي بن علان وغيره من علماء الحرمين وعلماء مصر وإسطنبول، لا سيما بعد رجوع الخليفة العثماني وولاته على الحرمين إلى العلماء لمشاورتهم في كيفية إعادة بناء البيت الحرام وطريقة العمل في ذلك، وكثر السؤال عن حكم ذلك العمل ومن الذي يقوم به، هل هو الخليفة أم الوالي ... إلى غير ذلك من الأحكام المتعلقة بالموضوع وجوانبه. فكان أن صنف ابن علان عشر رسائل تناول فيها هذا الموضوع من جوانبه كلها، وهذه الرسالة واحدة منها، أما بقيتها فهي: ١ - إعلام سائر الأنام بقصة السيل الذي سقط منه بيت الله الحرام: ذكره المصنف في عدد من كتبه الأخرى، منها "نشر الألوية" -هذه الرسالة- و"إنباء المؤيد" وغيرها، وهو المسمى بالتاريخ الكبير، وقال: إنه استوفى فيه جميع عمارات الكعبة الإِحدى عشر. منه نسخة خطية بمكتبة برلين (٣٠٨٠)، ولكنها نسبت لغيره (١). ٢ - إنباء المؤيد الجليل مراد ببناء بيت الوهاب الجواد: وقد فصل فيه الحوادث اليومية التي واكبت بناء الكعبة الشريفة وعمارتها، وأرخها يومًا يومًا. وهو ملخص من كتابه السابق كما ذكر في ديباجته. وقد تابع المصنف العمل في عمارة الكعبة الشريفة متابعة دقيقة، بل إنه ساعد

стр. 13

في بناء البيت الشريف، وكان يحمل النورة والحجارة على كاهله معاونةً للبنائين، وكان كلما وصل العمال إلى جهة من جهات الكعبة صنف لهم رسالة تتعلق بذلك يرشدهم فيها للأصلح، وكان كلما اختلف مع النظار على البناء في أمر ما صنف رسالة يوضح لهم وجهة نظره الشرعية. وذكر د. الحبيب الهيلة أن للكتاب ٤ نسخ خطية، وأنه حقق بجامعة الملك سعود (الرياض سابقًا) على يد الباحث خالد عزام الخالدي ونال به رسالة الماجستير سنة ١٤٠٦ هـ، واعتمد على تلك النسخ الأربع (١). ٣ - نشر ألوية التشريف بالإِعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف: وهو هذا الذي نقدم له. ورومًا للاختصار فإنا نذكر سبب تأليفه في هذا الموضع ثم نرجئ الحديث عن النسخة المعتمدة وطريقة العمل فيها. قال العلامة المحبي في خلاصة الأثر ٤/ ١٨٨: سببه أن البيت العتيق لما سقط سأل الشريف مسعود -صاحب مكة إذ ذاك- العلماء عن حكم عمارته، فأجابوا بأنه فرض كفاية على سائر المسلمين، ولشريف مكة تعاطي ذلك، وأنه يعمره ولو أنه من القناديل التي لم يعلم أنها عينت من واقفها لعين العمارة، ووافقهم صاحب الترجمة أولًا، ثم ظهر له أن هذا العمل لا يتوجه إلَّا إلى السلطان الأعظم، وتوقف معظم العلماء عن موافقته فألف المؤلف المذكور، ثم بلغه توقفهم عن دليله في ذلك، فألف مؤلفًا آخر سماه: "البيان والإِعلام في توجيه فرضية عمارة الساقط من البيت لسلطان الإِسلام". انتهى. ٤ - البيان والإِعلام في توجيه عمارة الساقط من البيت لسلطان الإِسلام: وتقدم سبب تأليفه، وذكره أيضًا المصنف في "إنباء المؤيد الجليل" والشلّي في عقد

стр. 14

الجواهر. منه نسخة خطية بالمكتبة المحمودية بالمدينة المنورة مجموع (١٦٤٥) في ٣ ورقات (١). ٥ - رسالة في منع وضع الستائر لوجه الكعبة كلها بقدر سمكها: ذكرها بنفسه في "إنباء المؤيد الجليل" ص ٧٩، وقال: إنه بيَّن فيها وجه منع البنائين في عمارة الكعبة من سترها تمامًا عند قيامهم بعملهم، مما يؤدي إلى إخفائها وبطلان صلاة كثير من الناس (٢). ٦ - فتح الكريم الفتاح في حكم ما سد به البيت من حصر وأعواد وألواح: ذكره المؤلف في "إنباء المؤيد الجليل مراد" ص ٨، ٩، وقال عنه: بينت فيه عمل المهندسين والصناع أتم بيان، وعدد الأعواد وأصحابها، والحصر المسدود بها باقي العمارة وأصحابها. وذكره الشلِّي في عقد الجواهر، والبغدادي في إيضاح المكنون ٢/ ١٧٠ (٣). ٧ - فتح القدير في الأعمال التي يحتاج إليها من حصل له بالملك على البيت ولاية التعمير: رسالة في الأعمال التي يحتاجها النائب في عمارة البيت. ذكرها المؤلف في إنباء المؤيد الجليل مراد: ص ١٢، والشلِّي في الجواهر، والبغدادي في الإِيضاح. ٨ - إيضاح تلخيص بديع المعاني في بيان منع هدم الجدار اليماني: رسالة ذكرها المؤلف في "إنباء المؤيد الجليل" ص ٢٦، وقال: إنه كتبها حين أراد بعض البنائين في العمارة هدم الجدار اليماني وإعادة بنائه. وكان يرى عدم هدمه؛ لعدم وجود ضرورة لذلك، فوضع هذه الرسالة ونسخ منها ثلاث نسخ إحداها موجهة إلى قاضي مكة، والأخرى إلى ناظر عمارة الحرم، والثالثة إلى شيخ الحرم، وكان تأليفها

стр. 15

في جمادى الأولى سنة ١٠٤٠ هـ (١). ٩ - مؤلف في باب الكعبة: ذكره في "إنباء المؤيد" ص ٧٠، قال: وقد أفردت لباب الكعبة مؤلفًا استوعبت فيه عمارته وبيان تغييراته (٢). ١٠ - المواهب والفتوح بعمارة المقام الإِبراهيمي وباب الكعبة وسقفها والسطوح: ذكره الشلِّي والمحبي، والبغدادي في هدية العارفين ٢/ ٢٨٣، وفي إيضاح المكنون: ١/ ٨٢ (٣). منقبة كبيرة لابن علان ﵀: هذا ... ولابن علان شهرة عند المؤرخين بوصفه قارئ لصحيح البخاري في جوف الكعبة، وهذه منقبة جليلة اختص بها، وقد تقدم في كلام العجيمي الإِشارة إلى ذلك، ولما كثر عليه الانتقاد والكلام صنف في المسألة رسالة سماها: "القول الحق والنقل الصحيح بجواز أن يدرس في جوف الكعبة الحديث الصحيح"، وتحدث هو عن تفاصيل ما جرى في هذه المسألة في "إنباء المؤيد الجليل" ص ٧٩، ومن هذا الكتاب نسخة بالمحمودية بالمدينة المنورة (١٦٤٥) مجموع، في ١٨ ورقة (٤). وله فيما يتعلق بتاريخ مكة وفضائلها، والتاريخ عمومًا مصنفات أخرى أعرضنا عنها خشية التطويل، ومن أراد معرفتها فعليه بكتاب الدكتور الهيلة المذكور، ومقدمة تحقيق "إنباء المؤيد" للباحث الخالدي.

стр. 16

ذكر بعض من أَرَّخ لهذه الحادثة العظيمة: وللإِلمام بموضوع الرسالة والإِتيان عليها من جوانبها فإنه من المهم والمفيد معرفة أصداء الحادثة، وذكر من صنف فيها آنذاك غير المصنف، وهم قسمان: قسم أفردوا بعض المسائل بمصنفات مستقلة، وقسم تحدثوا عن الحادثة ضمن مؤلفاتهم التاريخية. * فممن أفرد مصنفًا في حادثة البناء من معاصري المؤلف ابن علان: ١ - العلامة خالد بن محمَّد الجعفري (ت ١٠٤٤ هـ) ... له رسالة تتعلق ببناء الكعبة نقل عنها ميرداد في نشر النور (المختصر: ١٨٦، ١٨٧) (١). ٢ - العلامة خليفة بن أبي الفرج الزمزمي (ت نحو ١٠٦٢ هـ) ... له رسالة "الدرر المنفية في تاريخ بناء الكعبة الشريفة" (٢). ٣ - العلامة إبراهيم بن يوسف المهتار الرومي (ت ١٠٧١ هـ): له "در النظم في وقوع أركان البيت المعظم" (٣). ٤ - العلامة الفقيه الشيخ حسن بن عمار بن علي الشرنبلالي (ت ١٠٦٩ هـ): الفقيه الحنفي مصنف "مراقي الفلاح"، له "إسعاد آل عثمان المكرم ببناء بيت الله المحرم"، ذكره في ذيل كشف الظنون، وله "أعظم القربة في تعظيم الكعبة" هدية: ٢/ ٣٣٨ (٤). ٥ - العلامة المؤرخ علي بن عبد القادر الطبري (ت ١٠٧٠ هـ): من تلامذة ابن علان ﵀، له في خصوص الموضوع "تحفة الكرام بأخبار عمارة السقف

стр. 17

والباب من البيت الحرام" (ذيل الكشف)، وله "الأقوال المعلمة في وقوع الكعبة المعظمة"، وله "شن الغارة على مانع الستارة"، رد بهذا الأخير على شيخه ابن علان في منعه وضع الستارة على الكعبة حال عمارتها (١). ٦ - العلامة إبراهيم بن محمَّد بن عيسى الميموني المصري (٩٩١ - ١٠٧٩ هـ): وصنف: "تهنئة أهل الإِسلام بتجديد بيت الله الحرام" منه نسخة بالمكتبة الوطنية بتونس، وطبع مؤخرًا عام ١٤١٨ هـ، وصدر عن دار الباز بمكة (٢). ٧ - العلامة عبد العال ... مصري، له "الزلف والقربة في تعمير ما سقط من الكعبة"، ذكره صاحب هدية العارفين: ١/ ٢٤٥ (٣). * وأما الذين تحدثوا عن هذه الحادثة ضمن مصنفاتهم في تاريخ مكة عمومًا، أو في مصنفات أخرى؛ فمن المعاصرين للحادثة: ١ - العلامة علي بن عبد القادر الطبري (ت ١٠٧٠ هـ) تقدم ذكره، في كتابه "الأرج المسكي في التاريخ المكي" (٤). ٢ - العلامة محمَّد بن أحمد الأسدي المكي (ت ١٠٦٦ هـ) في كتابه "إخبار الكرام بأخبار بيت الله الحرام" (٥)، وهو والطبري السابق من تلامذة ابن علان. ٣ - العلامة علي بن برهان الدين الحلبي صاحب السيرة الحلبية (ت ١٠٤٤ هـ) ضمن المجلد الأول من سيرته المذكورة. ٤ - العلامة المتفنن المؤرخ الفلكي الأديب السيد محمَّد بن أبي بكر الشلِّي باعلوي الحسيني الحضرمي ثم المكي (ت ١٠٩٣ هـ) في كتابيه: "الجواهر والدرر"

стр. 18

في حوادث عام ١٠٣٩ هـ و"النهر المورود في أخبار ملوك مكة القتاديين أهل النجدة والجود" وهو لدي مصور عن نسخة نادرة، يسر الله تحقيقه وإخراجه. ٥ - السيد العلامة الأديب عبد الله بن جعفر العلوي الحسيني الحضرمي ثم المكي (ت ١١٦٦ هـ) في رسالته "تذكرة المتذكر بما جرى من السيل المستبحر"، لدي مصورة عن نسخة بخط مصنفه محفوظة بالتيمورية برقم (١٢٥٧). ٦ - العلامة المؤرخ علي بن تاج الدين السنجاري المكي (ت ١١٢٥ هـ) في كتابه النفيس المفيد: "منائح الكرم في أخبار مكة والبيت وولاة الحرم" (١). * وكل من أتى من بعدهم فإنما استقى من هذه المصنفات كالإِمام أحمد زيني دحلان في تاريخ أمراء البلد الحرام، والعلامة حسين باسلامة في تاريخ الكعبة المشرفة، وشيخنا العلامة المتفنن عبد الفتاح رواه في كتابه عن أمراء مكة، وغيرهم. ملاحظة: المؤرخون الذين عاصروا حادثة سقوط الكعبة الشريفة وصنفوا فيها كان معظمهم مكيين، إلَّا أن هناك عددًا منهم من علماء مصر، وإنما صنفوا في الحادثة مع بعدهم عنها لأن والي مصر الوزير محمَّد باشا سبط الوزير رستم باشا (ت ١٠٥٦ هـ) كان جمع العلماء بعد أن وصلته فتاوى علماء الحجاز بشأن عمارة ما سقط من البيت، فاجتمع لديه: العلامة حسن الشرنبلالي، والعلامة الحلبي صاحب السيرة، والعلامة إبراهيم الميموني وغيرهم ... وقد تقدم ذكر مصنفاتهم وغيرهم آنفًا (٢) ... * * *

стр. 19

بنايات الكعبة المشرفة عبر العصور وأسبابها، ونبذة عن السيول التي دهمت المسجد الحرام عبر العصور التاريخية، ومنذ قديم الزمن تعرض البيت الحرام إلى إعادة بنائه ثلاث عشرة مرة، منذ أن بنته الملائكة على بعض الأقوال إن صحّت ... وكان العمل في بعضها ترميمًا وعمارة فقط وليس بناء من الأساس ... وهذه المرات هي: ١ - بناء الملائكة. ٢ - بناء آدم أبي البشر ﵇. ٣ - بناء شيث بن آدم ﵉. ٤ - بناء إبراهيم الخليل أبي الأنبياء ﵇. ٥ - بناء جُرهم. ٦ - بناء العماليق. ٧ - بناء قصي بن كلاب نحو عام ٤٥٠ للميلاد. ٨ - بناء قريش قبل البعثة بخمس سنوات (نحو عام ٦٠٦ للميلاد). ٩ - بناء ابن الزبير ﵄ عام ٦٥ هـ. ١٠ - بناء الحجاج بن يوسف الثقفي عام ٧٤ هـ. ١١ - عمارة السلطان العثماني مراد خان عام ١٠٣٩ هـ - ١٠٤٠ هـ، والذي يدور موضوع هذه الرسالة حولها. ١٢ - ترميم عام ١٣٧٧ هـ، في عهد الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود ﵀.

стр. 20

١٣ - ترميمها مؤخرًا عام ١٤١٨ هـ، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وفقه الله. ولجماعة من المؤرخين رأي في بعض ما ذكر، قال العلامة الحلبي في سيرته "الحلبية": "والحق أن الكعبة لم تبن جميعها إلَّا ثلاث مرات: الأول بناء إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم. والثاني: بناء قريش، وكان بينهما ألفا سنة وسبعمائة سنة وخمس وسبعون سنة. والثالثة: بناء عبد الله بن الزبير، أي وكان بينهما نحو اثنتين وثمانين سنة. وأما بناء الملائكة وبناء آدم وبناء شيث فلم يصح. وأما بناء جرهم والعمالقة وقصي فإنما كان ترميمًا، ولم تبن بعد هدمها جميعها إلَّا مرتين: مرة زمن قريش، ومرة زمن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه. اهـ (١). ومن جملة أسباب إعادة البناء أو العمارة: الحرائق، كما حدث زمن قريش وزمن ابن الزبير. ومنها أو من أعظم الأسباب وأدعاها لذلك: السيول العظيمة التي تدهم المسجد الحرام بين الفينة والأخرى. نبذة عن السيول بمكة: وقد بلغت إحصائية السيول التي دهمت المسجد الحرام، من زمن جرهم في الجاهلية إلى سنة ١٣٨٤ هـ: (٨٩) تسعة وثمانين سيلًا، حسبما ورد في "التاريخ القويم" للمؤرخ المكي محمَّد طاهر الكردي ﵀ (٢). وكان من أعظم تلك السيول سيل عام ١٠٣٩ هـ، والذي هدمت بسببه الكعبة المشرفة وطاحت جدرانها كما سيأتي تفصيله في هذه الرسالة ...

стр. 21

وسبب دخول هذه السيول إلى المسجد الحرام هو الموقع الجغرافي لمكة المكرمة، إذ أنها واقعة في وادٍ تحف به الجبال من كل جانب، فإذا نزلت الأمطار عليها بشدة نزلت المياه من جميع الجبال، ومن المرتفعات وغيرها إلى المواضع المنخفضة بمكة، فتجمعت في أزقتها وشوارعها، وإذا زادت الأمطار في ضواحيها جاءت السيول من أعاليها من جهة منى إلى داخل مكة، فتدخل المسجد الحرام فتحدث به الأضرار الجسيمة، وكذا تفعل بالبيوت القديمة الواقعة حوله (١). مجرى السيل بمكة قديمًا: كانت السيول قديمًا تنزل من جهة منى ومن جهة حراء إلى مكة، ثم ينزل بطن الوادي من طريق المدعى أي من الموضع الذي كان يرى منه البيت الحرام، وكان هذا الموضع في عهده ﷺ غير مرتفع، ولم يرتفع إلَّا بعد أن ردمه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ بالصخور العظام ليمنع السيل عن المسجد الحرام، وكان يسمى "ردم بني جمح". وبعد حدوث هذا الردم امتنع السيل من الدخول من جهة المدعى، لكنه صار يأتي من جهة سوق الليل ومن جهة الغزة إلى جهة الحرم ومنه إلى المسفلة، ولكن هناك سيل يسمى "سيل جياد" كان يسيل كل عشر سنوات ويصطدم بسيل وادي إبراهيم فيوقفه عن المسيل فيدخل المسجد الحرام، كما ذكر ذلك القطبي في "الإِعلام" وأيده عليه المؤرخ الكردي رحمهما الله (٢). ثم قال الكردي بعد أن ساق كلام القطبي: فمن عصره بل من قبل عصره [أي من القرن العاشر] والسيول لا تزال تدخل المسجد الحرام إذا عظمت وقويت إلى عصرنا هذا، أي إلى سنة ١٣٧٥ هـ، ألف وثلاثمائة وخمس وسبعين هجرية. ثم لما ابتدأوا بتوسيع المسجد الحرام في السنة المذكورة عملوا نفقًا خاصًّا للسيول خلف المسعى من جهة الصفا تمر منه السيول وتخرج إلى المسفلة من جهة

стр. 22

السوق الصغير فلا تدخل المسجد الحرام، اللهم إلَّا ما يتجمع من مياه الأمطار النازلة عليه. فلما صدر أمر جلالة الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود بتوسعة المسجد الحرام وباشروا العمل فعلًا في أول سنة ١٣٧٥ هـ ... جعلوا ممر السيل عن طريق الهجلة وبالمسفلة تحت الأرض في نفق خاص لذلك (١). و ملخص ما عملته حكومة جلالة الملك سعود ﵀ في هذا الصدد: ١ - أنشئت تحت الطبقة الأولى -بالحرم- طبقة من الأقبية ارتفاعها ثلاثة أمتار ونصف المتر، وسطحها في مستوى الأرض. ٢ - أنشئ مجرى خاص يمتد من أسفل رصيف الجهة الجنوبية من شارع القشاشية ويمر تحت منطقة الصفا، ثم تحت رصيف الشارع الجديد، ويبلغ عرض هذا المجرى خمسة أمتار وارتفاعه ما بين أربعة أمتار وستة، والغاية منه تحويل مجرى السيل الذي طالما اخترق المسعى وتسبب في تسرب المياه من أبواب المسجد. ٣ - وفي المرحلة الثانية من التوسعة السعودية ١٣٧٩ هـ أنهي بناء وسقف القسم المتبقي من مجرى السيل، فامتد إلى الجهة المقابلة لباب أم هاني، وإلى الطريق الجديدة في السوق الصغير, ثم إلى طريق الهجلة، حيث انتهى بفوّهة يندفع منها الماء إلى أرض منخفضة فنحو المسفلة. وهكذا تم التغلب -بصورة كبيرة- على السيول المداهمة للمسجد الحرام بجهد وصبر وتفانٍ وسهر من حكومة المملكة العربية السعودية على راحة المصلين في أشرف بقعة وأفضل موقع، ويمثل هذا العمل جزءًا عزيزًا وغاليًا من أجزاء كثيرة تقدمها هذه الدولة المشرفة لخدمة الإِسلام والمسلمين، وخدمة بيوت الله والحرمين الشريفين منها بخاصة، بسخاء لا نظير له على مر التاريخ (٢).

стр. 23

جهود وأعمال الدولة السعودية حرسها الله في ترميم الكعبة الشريفة وإصلاحها: إضافة إلى ما ذكر عن عناية هذه الدولة حرسها الله من كيد حسادها بالحفاظ على سلامة المسلمين والوافدين على مكة المكرمة وحماية المسجد الحرام من السيول المداهمة له، فإن لها أيضًا -أيد الله حكامها لنصرة الدين- عناية واهتمام بذات البيت الحرام والكعبة المعظمة ... فمن ذلك: ١ - ما تم في عهد الملك سعود رحمه الله تعالى، إذ حصل لسقف الكعبة المعظمة الأعلى خراب ملزم لإِصلاحه وتغييره بكامله، وأما الأسفل فكان قد تآكل بفعل الأرضة والسوس. فأمر جلالته ﵀ بتشكيل هيئة علمية وهيئة فنية، كان ضمن الأولى معالي الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ، والسيد العلامة علوي بن عباس المالكي، ومعالي الشيخ محمَّد علي الحركان. ومن الأخرى: محمَّد بن لادن، ومحمد صالح قزاز، وغيرهم. وبعد أن رفع تقرير بما يلزم إصلاحه، صدر أمر ملكي في أواخر محرم ١٣٧٧ هـ، وبدأ العمل فعلًا في ٢١ جمادى الثانية من نفس العام، وكان تمامه والفراغ منه ليلة الاثنين ٢٧ شعبان من العام نفسه (١٣٧٧ هـ) (١). ٢ - ومن مظاهر عناية الحكومة السعودية أيدها الله أيضًا في هذا الصدد: ما تم عمله في سقف الكعبة الشريفة وأساساتها المعظمة عام ١٤١٨ هـ في عهد

стр. 24

حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود أَيَّده الله. آخر عمليات ترميم البيت الحرام (١): في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -أيده الله- تمت أعمال ترميم الكعبة الشريفة، ونظرًا لكونها تمثل امتدادًا لموضوع هذا الكتاب فإنه لا يحسن بنا أن نغفلها عن الذكر في هذه المقدمة، ولأنها عمل تاريخي وحدث هام في تاريخ الكعبة الشريفة، ولا سيما أنها وُثِّقت ودُوِّنت مراحلها بأعلى درجات التوثيق من تصوير وكتابة ومتابعة شخصية من قبل كبار الشخصيات في الدولة والمفوضين للإِشراف على هذا العمل الجليل ... البداية: في أوائل شهر ذي الحجة من عام ١٤١٥ هـ صدر الأمر السامي الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود بإصلاح فواصل الحجارة الخارجية للكعبة المشرفة لوجود بعض الفجوات بها بسبب تآكلها وتعريها الناتجة عن عوامل الزمن والتجوية، التي أثرت في أوجه الحجارة الخارجية وعملت فجوات بها بل ونخرت في لياسة الفواصل بين الحجارة سواء العليا أو السفلى. فجرى العمل فيها على أكمل الصور وأتقنها، واتخذ لها طريقة فنية حديثة تضمن سلامة أحجار الكعبة المشرفة وصيانتها عن حدوث مثل هذا لمدة طويلة (أكبر عمر افتراضي). وبعد فراغ العمل وسد الفجوات وجد أن الأَرَضَة والفطريات كانت هي السبب الأكبر في حدوث ذلك الخلل، مما لا يستبعد معه أن تكون تلك الآثار قد تغلغلت إلى داخل جدر الكعبة (أي في جوفها).

стр. 25

فتم القيام بمجهودات دراسية وأعمال فنية وهندسية في داخل الكعبة المشرفة للوقوف على جلية الأمر، فتبين وجود أعداد مهولة من حشرات الأرضة والفطريات في جوف الكعبة، أما السقف فقد تبين تآكل وتلف كبير فيه، فكانت النتيجة الحتمية لهذا الوضع هو القيام بأعمال الترميم والإِصلاحات التي أصبحت ضرورة ملحة. وقد باشرت "مجموعة بن لادن السعودية" كافة أعمال الترميم، ونالت شرف خدمة البيت الحرام. وكانت بداية أعمال الترميم في العاشر من شهر محرم عام ١٤١٧ للهجرة ... وأول ما بدئ به هو عمل ستار خشبي أبيض يحيط بالكعبة، وسمح في الأسابيع الأولى لكافة الناس بالدخول إلى الكعبة من خلال ذلك الستار، فدخل ألوف من الناس إلى جوف الكعبة المشرفة وشهدوا بأنفسهم ما بداخلها من شقوق وأمور مهولة تستدعي وجوب تلك الأعمال وضرورة الترميم ... وهذا الإِشهاد لم يكن بدعًا، فقد أشهد ابن الزبير ﵄ من قبل على ما قام به من ترميم وبناء في زمنه ... وأيضًا فالملك سعود أشهد أيضًا في العصر الأخير. وقد تمت أعمال الترميم على النحو التالي: المرحلة الأولى: اشتملت على الفحص على المداميك (الصفوف) الأربعة العليا. المرحلة الثانية: من أسفل المداميك إلى الأرضية الداخلية للكعبة. ففي هاتين المرحلتين تم تصفية الفجوات بين الأحجار، وحقنت الفراغات بمواد (خلطة) إسمنتية ذات مواصفات عالية. وعولجت أيضًا البطانة الداخلية للكعبة الشريفة معالجة تامة، ودعمت الجوانب بدعائم خشبية أفقية، على مسافات متناسبة، ونظفت بالمياه النقية، ثم حشيت بالمادة (الخلطة) القوية أيضًا. المرحلة الثالثة: وتعتبر أهم هذه المراحل على الإِطلاق، إذ أنه تم الكشف على الأساسات بحفر أرضية الكعبة الشريفة إلى مستوى منسوب المطاف الحالي

стр. 26

بمقدار ٢.٢ م، بل وزيد في الحفر بمقدار ٤٠ إلى ٧٠ سم، وعوينت من خلال الحفر الأساسات الشريفة فوجدت سليمة بدرجة عالية. يقول الأستاذ عبيد الله كردي: ولم يكن الإِقدام على ذلك الحفر بالأمر الهين أو السهل أو مما يحسن التسرع فيه، كما أنه ليس من الحكمة أن يتم ترميم جدار الكعبة ترميمًا شاملًا دون تفقد القاعدة التي هي أصل فيها. لهذا كانت الخطوة الأولى في هذه المرحلة هو الاستكشاف للتعرف على مدى الحاجة للنزول في أعماق الترميم إلى القاعدة. وبعد الخبر والمعاينة وجد أن الحال فيها أفضل بكثير بكثير مما كان عليه الحال في الحوائط العليا، إلَّا أن بوادر التأثيرات السلبية للمستقبل كانت ظاهرة، وذلك فيما إذا ترك الوضع على ما هو عليه، فاستقر القرار بضرورة الحفر والترميم. فتم الحفر الكامل لأرضية الكعبة المشرفة، ثم الترميم بنفس الأسلوب الذي تم به ترميم الحوائط العليا، وبنفس التقسيم للشرائح الرأسية، وكأن العملية امتداد متطابق لما تم من عمل في الحوائط العلوية، إلَّا أنه من باب الاحتياط امتد العمل إلى أسفل منسوب المطاف بما يتراوح بين نصف المتر وثلاثة أرباع المتر تقريبًا، وهي المسافة التي تصل إلى الأحجار القوية المتماسكة، والتي لا تحتاج إلى إعادة بناء، انتهى. ثم تكلم مصنف ذلك الكتاب أو التقرير عن بقية الأعمال التي نفذت أثناء عمليات الترميم الشاملة التابعة كحجر إسماعيل ﵇، وبسط الكلام عن كيفية إعادة بناء السقف والأعمدة الداخلية للكعبة وما إلى ذلك، وقد نقلت هنا ما يتعلق بهذا الحدث التاريخي الهام بما يناسب المقام، ولأن هذا الحديث الكبير من صميم موضوع هذه الرسالة، نسأل الله أن يجزي من قام على ذلك خير الجزاء. * * *

стр. 27

وصف النسخة المعتمدة في التحقيق ومنهج العمل في تحقيقها حصلت على النسخة التي لعلها الوحيدة من هذه الرسالة بالتصوير من مكتبة "الأحقاف" للمخطوطات الكائنة بجامع (تريم) بحضرموت، وهي تحت رقم (٢٧٢٧) ضمن مجموع. كتبت هذه النسخة في حياة المصنف سنة ١٠٤٠ هـ "نهار الثلاثاء خامس عشري جمادى الأخرى ... " على يد ناسخها: عمر بن علي بن أحمد بن عمر العرشاني الموزعي الشافعي الأشعري ... وتقع في (٩) ورقات، ١٨ صفحة، ٢٧ سطرًا. وكتب على صفحة العنوان (١): كتاب نشر ألوية الشَّريف (٢)، بالإِعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف. تأليف سيدنا ومولانا الشيخ العلامة العمدة الفهامة القدوة المحقق النحرير المدقق، خادم السنّة النبوية بالحرم المكي، مولانا الشيخ محمَّد بن علي بن علان البكري الصديقي الشافعي، متع الله بوجوده الوجود، ونفع به وبعلومه كل موجود، آمين اللهم آمين، م.

стр. 28

وأسفل ذلك بخط الناسخ: للمؤلف في تاريخ قصة السيل: يا من سنا مصباحه ... يضيء بغير زيت ومن له تطلع ... إلى معالي الصوت إن تبغ عام سيلنا ... سيل به كم ميْتِ وفيه هدم كعبة ... أكرِمْ به من بيت مُقدِّر كل كذا ... تاريخه في بيت بالقَدَر الإِلهي ... بدا سقوط البيت سنة ١٠٣٩ هـ عملي في الرسالة لما حصلت على الرسالة بالتصوير من الأصل بالمكتبة المذكورة، بحثت في فهارس مكتبة مكة المكرمة ومكتبة الحرم المكي، وغيرها، وتتبعت مواضع ترجمة لابن علان، وخاصة كتاب العلامة الدكتور الهيلة "التاريخ والمؤرخون في مكة" أملًا في الحصول على نسخة أخرى منها فلم أظفر بذلك. وبعد أن وقع اختياري عليها في لقاء العشر الأواخر وموافقة الإِخوة الأجلاء الأفاضل، قمت بالاتصال بالدكتور الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان لمعرفته واطلاعه على نفائس التراث المكي، فأخبرني أنه لم يقف على هذه الرسالة، وقال: ابدأ بالعمل فيها فلعلها الوحيدة. وبالفعل، قمت بالعمل عليها كما يرى القارئ الكريم: ١ - قمت بنسخها من الأصل ثم مقابلتها به مع شيخنا الفاضل نظام يعقوبي حفظه الله، بصحن الحرم الشريف. ٢ - قدمت للرسالة بتعريف عن مؤلفها، وتحدَّثت عن مصنفاته العشرة في خصوص حادثة السقوط والعمارة وغير ذلك، وعرَّفت بأسرته ومشاهير علمائها بإيجاز، وذكرت من صنف في موضوع الرسالة من معاصريه وغيرهم.

стр. 29

٣ - خرجت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الواردة. ٤ - عرفت بالأعلام في الغالب. ٥ - رجعت إلى بعض مصادر المؤلف لا سيما رسالة ابن حجر الهيتمي "المناهل العذبة" وهي مخطوطة زوّدني بمصورة لها الأخُ الفاضل أمجد رشيد محمَّد الأردني -أحد طلاب العلم النابهين من أهل عمّان- فجزاه الله خيرًا، وقد أخبرني أنه يعمل على تحقيقها، فأرجو له التوفيق. ٦ - واجهت بعض الصعوبة في قراءة بعض الكلمات بالمخطوط، وأيضًا وجود خروم في غالب الصفحات. فما تمكنت من قراءته أوردته، وما لم أتمكن، أثبته كما ورد وعلقت عليه. ٧ - علقت على بعض المواضع بما يزيد القارئ فائدة من بعض المراجع الهامة. والله أسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني إنه جواد كريم، كما أرجو من القراء الكرام أن لا ينسوني ووالدي وشيوخي من دعوة صالحة بظهر الغيب! وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم. وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا وأسعدنا محمَّد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. محمَّد أبو بكر باذيب حرر بجدة في ١٩ صفر الخير ١٤٢٢ هـ

стр. 30

صورة عنوان الرسالة من النسخة المعتمدة في التحقيق

стр. 31

صورة الصفحة الأولى من المخطوط

стр. 32

صورة الصفحة الأخيرة من الرسالة

стр. 33

لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (٢٤) نشر ألوية التشريف بالإعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف تأليف الشيخ محمد بن علان البكري الصديقي المكي الشافعي (المولود سنة ٩٩٦ والمتوفى سنة ١٠٥٧) اعتنى به محمد أبو بكر عبد الله باذيب

стр. 34

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمدك اللهم يا من أدرج ألطافه في أقضيته، وأظهر بتصاريف مقدراته باهر قدرته، ونصلي ونسلِّم على نبيك محمَّد وإخوانه وآل كل وصحبه وعترته، صلاةً وسلامًا دائمين بدوام التجليات الربانية على بيت الله وكعبته، وبعد: [سبب تأليف الكتاب]: فقد ظهر في صفحات عالم الشهادة ما جرى به القلم في عالم القضاء والقدر، وبرز ما أدهش الألباب وأذهل العقول والفكر، من المصيبة التي لم يصب العباد بعد مصيبتهم بموت المصطفى ﷺ بأعظم منها بلية، ولم ينقل نظيرها في الإِسلام أصلًا ولا صح مثلها في الجاهلية. وذلك: سقوط الجانب الشامي الذي بناه الحَجَّاج من البيت الحرام، وجملة صالحة من سقف البيت من ذلك الجانب الشام (١). ومن الجانب الشرقي إلى حد عضادتي الباب (٢)، وسلخ الجانب الغربي لنحو النصف بلا ارتياب، وبعض الركن الباقي من الركنين المنهدم بعضها آيل إلى السقوط، من غير شبهةٍ ولا شكٍّ في تداعيه للهبوط، وكذا أسقف البيت الشريف نزلت بعض أخشابه، وكثير منها ذاب لغلبة أَرَضَةِ ترابه.

стр. 35

[وصف ما حل بالبيت الحرام بسبب الأمطار]: وكان ذلك لمطر غزير، وسيل كبير (١)، دخل الكعبة وعلا عن قفلها نحو ذراع، وذلك في عصر يوم الأربعاء تاسع شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وألف -بتقديم الفوقية -[١٠٣٩ هـ]. وكان سقوط ما ذكر من البيت المكرم، في عصر يوم الخميس التالي لليوم المقدم، فعُلّقت من البساتل (٢) الثلاثة اثنان. فالذي يلي الحِجْر بثلاث قوائم قائمة رأي العيان: واحد بجانب الدعامة، وآخران في الجانبين تحصيلًا للسلامة. والبستل الوسط علق بقائم من جانب الجدار الغربي. وبُرِّح (٣) ما كان في الحجر والمطاف من أحجار البيت الحرام، والجبس والجير اللذين كان بهما البناء التام، وأخذ الرخام الذي كان في تلك الجدر الكريمة، وجمع أولًا في مقام الحنفي ثم جمع في حجرة مقابلة له وسيمة، وجمعت القضب النطاق وجمعت في خزانة المال لصق سقاية العباس (٤)، وكان الشروع

стр. 36

في التبريح صبح يوم الجمعة، وتمامه يوم الأحد ثالث عشري شعبان. [ذكر المجلس الذي عقد للعلماء لمناقشة الوضع]: وقد عقد مجلس (١) في موضع المكبرين من المقام الحنفي في شأن البدار بعمارة الساقط منه وهدم ما قال أهل الخبرة أنه آيل إلى السقوط خشية التضرر به، وفيما يعمر به. [رأي المؤلف "القديم" في شأن العمارة]: فكنت أرى أخذًا مما في "المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة"، للشيخ المحقق شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي، من طلب عمل ما كان فيه خلل في البيت، أو حاجة أو استحسان -وكذا رأى الجماعة-، وأن ذلك يبادر به مبادرةً للقُرب، ومسارعةً لمرضاة الرب، وأن عمارته تكون مما به من المال، إذ لم يعلم لمرصَده اعتبارُ مصرِفٍ معين، وما كان كذلك يصرف منه للعمارة، وكذا يعمر مما تبرع به متبرعٌ غالبُ الظن حِلُّ مالِه، أو من مال بيت مالٍ خَلِي عن الحرام فيما يظهر، وأن ذلك لا يحتاج لمراجعة مولانا السلطان الأعظم، بل يشرع في العمل ويرسل إليه بالأمر. وكُتِب في المسألة سؤال، وكتب عليه مفتو العصر بذلك، وكتبت معهم (٢) ...

стр. 37

[عدول المؤلف عن رأيه الأول]: ثم تأملتُ بعدُ ونظرت، وراجعتُ الفكْرَ وتفكرت، فرأيت أن ما ألَّف فيه ابنُ حجر إنما هو في أمر رُفع للسلطان وبرز أمره بالعمل، ثم اختُلف بعد تحقق وجود الأمر السلطاني الذي يرجع فيه إلى ذلك: أيكفي مسوِّغًا لهدم ما آل إلى السقوط وقال أهل الخبرة به؟ أو لا بدَّ بعد تحقُّق الإِذن من وجود السقوط بالفعل؟ فموضوع رسالته في حكم ما خُشي سقوطه ولم يسقُط بعد، وقد رُفع للسلطان فأذن بالهدم (١). وكون ابن حجر لما نقل أقوال الأئمة بعدُ لم يذكر اعتبار ذلك لا يضر، لأن الأصل الانسحاب والاستصحاب حتى يأتي ما يعارضه. وأيضًا، فانظر لجميع عماراته منذ أيام قريش إلى الآن، لم ينقل أنه عمل فيها إلَّا بعد عرض ذلك الداعي للعمل على السلطان في ذلك، والوقوف عند أمره. ولما كان الأمر زمن قريش منتشرًا في بطونه، لم يعمرها إلَّا مجموع البطون الذي لهم الأمر بمكة، ومن أراد ذلك فلينظر "تاريخ الفاسي" وغيره، وقد لخصه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (٢). [الرد على من أنكر جواز تأخير العمارة إلى ورود أمر السلطان]: وقول بعض الناس أن يؤدي عدم المبادرة بعمارتها إلى سقوط منزلتها ونقصان هيبتها، وقد جاء في حديث مرفوع حسن رواه الإِمام أحمد وابن ماجه:

стр. 38

"لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا ضيَّعوها هلكوا" (١)، يُرَدُّ بأن ذلك ليس بالقوي كما أشار إليه ابن حجر الهيتمي بقوله بعد سوقه: (إنه استدلال لا بأس به عند من يراعي المصالح المرسلة التي قال المحققون أنها لا تختص بالمالكية بل ما من مذهب من المذاهب الأربعة إلَّا وعمل بها في مسائل كثيرة، لكن المالكية لما أكثروا من رعايتها نسب القول بها إليهم). انتهى (٢). فتأمل قوله: (إنه استدلال لا بأس به)، ولم يصفه بالدقة أو القوة أو نحو ذلك، مما يدل على وقعه عنده، فإن نفي البأس إنما يستعمل في محل يتوهم فيه ثبوته ويقوى ذلك الوهم، فيحتاج للنص على نفيه. ويبين ذلك ابن حجر نفسه، قال في رد قول من قال بأن منع مالك للمنصور أو لولده من الهدم والإِعادة علي بناء ابن الزبير خوف ذهاب الهيبة، ما لفظه: (إذ تغيير الملوك لها حتى تذهب هيبتها من القلوب مع ما استقر في النفوس من تعظيمها، بعيد جدًّا، فهو متوهم لا مظنون). انتهى (٣).

стр. 39

[رأي المصنف في ستر الكعبة بالألواح]: وبتسليمِ ذلك وقوّته فيندفع بأن يسد ما تهدم بأعواد ونحوها يسدل عليها الثوب، كما فعل ابن الزبير ﵄ في زمنه، على أنه لا يقاس على ما وقع من ابن الزبير, لأن ابن الزبير هدمها أجمع، وصيَّر أرضها بلقع، وأخلى الأبنية من جوانبها الأربع، فطلب منه أن يجعل تلك الأعمدة ويكسوها ليطوف الناس حول ذلك (١)، ولتصح صلاة من يرى توقف صحة الصلاة ولو للخارج على وجود الشاخص. [ذكر من قال باشتراط وجود الشاخص]: وقد قال به من الأئمة الأربعة مالك ﵁، وفصل إمامنا الشافعي ﵁ بين المصلي داخلها، فاعتبره لصحتها بشرط أن يكون طوله ثلثي ذراع، والمصلي خارجها فلا يعتبره (٢).

стр. 40

[بيان أن تعظيم الكعبة إنما هو بحفظ حرمتها والوقوف عند حدود الشرع لا بمجرد عمارتها]: وفرق الأصحاب مما يرد به قول بعض: إن قول الشافعي بما ذكر حكم عجيب، وفرق غريب، وما نحن فيه: الأبنية باقية حتى في الجوانب المتساقطة، وتعظيم الحرمة منه الانكفاف عن المعاصي وحفظ الأوامر عنده. فقد ذكر الحافظ السيوطي في "الدر المنثور" (١) عن مجاهد: أنه رأى البيت في المنام يشكو إلى النبي ﷺ المعاصي التي تفعل عنده، وقال: لئن لم يتركوا ذلك لأنتقضن من بين أيديهم حجرًا حجرًا. وروي عن وهب بن الورد (٢) أنه سمع بين ثوب البيت والبيت صوتًا فيه لين: لئن لم ينته الطائفون حولي عن التفكّه بالحديث لأنتقضن من بين أيديهم ... ، الأثر (٣). وأنه أوَّل ذلك بأن البيت يشكو لجبريل ما يلقاه من ذلك. فليس ترك التعظيم المرتب عليه الهلاك مجرد ترك البدار إلى العمارة، بل
следующие страницы →