← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17792

نشر ألوية التشريف بالإعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف

ابن علان

Полный текст (83 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

في التبريح صبح يوم الجمعة، وتمامه يوم الأحد ثالث عشري شعبان. [ذكر المجلس الذي عقد للعلماء لمناقشة الوضع]: وقد عقد مجلس (١) في موضع المكبرين من المقام الحنفي في شأن البدار بعمارة الساقط منه وهدم ما قال أهل الخبرة أنه آيل إلى السقوط خشية التضرر به، وفيما يعمر به. [رأي المؤلف "القديم" في شأن العمارة]: فكنت أرى أخذًا مما في "المناهل العذبة في إصلاح ما وهي من الكعبة"، للشيخ المحقق شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي، من طلب عمل ما كان فيه خلل في البيت، أو حاجة أو استحسان -وكذا رأى الجماعة-، وأن ذلك يبادر به مبادرةً للقُرب، ومسارعةً لمرضاة الرب، وأن عمارته تكون مما به من المال، إذ لم يعلم لمرصَده اعتبارُ مصرِفٍ معين، وما كان كذلك يصرف منه للعمارة، وكذا يعمر مما تبرع به متبرعٌ غالبُ الظن حِلُّ مالِه، أو من مال بيت مالٍ خَلِي عن الحرام فيما يظهر، وأن ذلك لا يحتاج لمراجعة مولانا السلطان الأعظم، بل يشرع في العمل ويرسل إليه بالأمر. وكُتِب في المسألة سؤال، وكتب عليه مفتو العصر بذلك، وكتبت معهم (٢) ...

стр. 37

[عدول المؤلف عن رأيه الأول]: ثم تأملتُ بعدُ ونظرت، وراجعتُ الفكْرَ وتفكرت، فرأيت أن ما ألَّف فيه ابنُ حجر إنما هو في أمر رُفع للسلطان وبرز أمره بالعمل، ثم اختُلف بعد تحقق وجود الأمر السلطاني الذي يرجع فيه إلى ذلك: أيكفي مسوِّغًا لهدم ما آل إلى السقوط وقال أهل الخبرة به؟ أو لا بدَّ بعد تحقُّق الإِذن من وجود السقوط بالفعل؟ فموضوع رسالته في حكم ما خُشي سقوطه ولم يسقُط بعد، وقد رُفع للسلطان فأذن بالهدم (١). وكون ابن حجر لما نقل أقوال الأئمة بعدُ لم يذكر اعتبار ذلك لا يضر، لأن الأصل الانسحاب والاستصحاب حتى يأتي ما يعارضه. وأيضًا، فانظر لجميع عماراته منذ أيام قريش إلى الآن، لم ينقل أنه عمل فيها إلَّا بعد عرض ذلك الداعي للعمل على السلطان في ذلك، والوقوف عند أمره. ولما كان الأمر زمن قريش منتشرًا في بطونه، لم يعمرها إلَّا مجموع البطون الذي لهم الأمر بمكة، ومن أراد ذلك فلينظر "تاريخ الفاسي" وغيره، وقد لخصه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (٢). [الرد على من أنكر جواز تأخير العمارة إلى ورود أمر السلطان]: وقول بعض الناس أن يؤدي عدم المبادرة بعمارتها إلى سقوط منزلتها ونقصان هيبتها، وقد جاء في حديث مرفوع حسن رواه الإِمام أحمد وابن ماجه:

стр. 38

"لا تزال هذه الأمة بخير ما عظموا هذه الحرمة حق تعظيمها فإذا ضيَّعوها هلكوا" (١)، يُرَدُّ بأن ذلك ليس بالقوي كما أشار إليه ابن حجر الهيتمي بقوله بعد سوقه: (إنه استدلال لا بأس به عند من يراعي المصالح المرسلة التي قال المحققون أنها لا تختص بالمالكية بل ما من مذهب من المذاهب الأربعة إلَّا وعمل بها في مسائل كثيرة، لكن المالكية لما أكثروا من رعايتها نسب القول بها إليهم). انتهى (٢). فتأمل قوله: (إنه استدلال لا بأس به)، ولم يصفه بالدقة أو القوة أو نحو ذلك، مما يدل على وقعه عنده، فإن نفي البأس إنما يستعمل في محل يتوهم فيه ثبوته ويقوى ذلك الوهم، فيحتاج للنص على نفيه. ويبين ذلك ابن حجر نفسه، قال في رد قول من قال بأن منع مالك للمنصور أو لولده من الهدم والإِعادة علي بناء ابن الزبير خوف ذهاب الهيبة، ما لفظه: (إذ تغيير الملوك لها حتى تذهب هيبتها من القلوب مع ما استقر في النفوس من تعظيمها، بعيد جدًّا، فهو متوهم لا مظنون). انتهى (٣).

стр. 39

[رأي المصنف في ستر الكعبة بالألواح]: وبتسليمِ ذلك وقوّته فيندفع بأن يسد ما تهدم بأعواد ونحوها يسدل عليها الثوب، كما فعل ابن الزبير ﵄ في زمنه، على أنه لا يقاس على ما وقع من ابن الزبير, لأن ابن الزبير هدمها أجمع، وصيَّر أرضها بلقع، وأخلى الأبنية من جوانبها الأربع، فطلب منه أن يجعل تلك الأعمدة ويكسوها ليطوف الناس حول ذلك (١)، ولتصح صلاة من يرى توقف صحة الصلاة ولو للخارج على وجود الشاخص. [ذكر من قال باشتراط وجود الشاخص]: وقد قال به من الأئمة الأربعة مالك ﵁، وفصل إمامنا الشافعي ﵁ بين المصلي داخلها، فاعتبره لصحتها بشرط أن يكون طوله ثلثي ذراع، والمصلي خارجها فلا يعتبره (٢).

стр. 40

[بيان أن تعظيم الكعبة إنما هو بحفظ حرمتها والوقوف عند حدود الشرع لا بمجرد عمارتها]: وفرق الأصحاب مما يرد به قول بعض: إن قول الشافعي بما ذكر حكم عجيب، وفرق غريب، وما نحن فيه: الأبنية باقية حتى في الجوانب المتساقطة، وتعظيم الحرمة منه الانكفاف عن المعاصي وحفظ الأوامر عنده. فقد ذكر الحافظ السيوطي في "الدر المنثور" (١) عن مجاهد: أنه رأى البيت في المنام يشكو إلى النبي ﷺ المعاصي التي تفعل عنده، وقال: لئن لم يتركوا ذلك لأنتقضن من بين أيديهم حجرًا حجرًا. وروي عن وهب بن الورد (٢) أنه سمع بين ثوب البيت والبيت صوتًا فيه لين: لئن لم ينته الطائفون حولي عن التفكّه بالحديث لأنتقضن من بين أيديهم ... ، الأثر (٣). وأنه أوَّل ذلك بأن البيت يشكو لجبريل ما يلقاه من ذلك. فليس ترك التعظيم المرتب عليه الهلاك مجرد ترك البدار إلى العمارة، بل

стр. 41

هو ترك حفظ الحدود والوقوف عند أمر المعبود. وإن كانت عمارتها من حفظ حرمتها، إلَّا أنه لما عارضها ما يأتي صار تأخيرها غير مخل بتعظيم المسلمين حرمتها, لأن ما ترك لعذر كالمفعول. [شروع المصنف في التأليف]: وحين إذ علمت ذلك، رجعت ورأيت أن الخطاب بإشادة البيت الحرام وتعميره وتشييده وإحكامه [...] (١) إنما هو لخليفة الله في أرضه، المنصوب لنشر راية أحكام الله في طول البلد وعرضه، خادم الحرمين الشريفين، مولانا السلطان مراد خان (٢)، زاده الله من المكانة، ووفقه لإِقامة الحق وأعانه ونصره، ثم يتوجه الخطاب بعده لمن وجهه فيه، ورفع ذكره بهذا الشرف النبيه. وكتبت على السؤال المكتوب ثانيًا لترك السؤال الأول، وما كتب عليه ما لفظه: وإمام المخاطبين بهذا الفرض المقدم، مولانا سلطان الإِسلام والمسلمين المكرم (٣). فرأيت بعضًا توقف في ذلك، وبعضًا أبى من سلوك هذه المسالك،

стр. 42

واستعنت الله تعالى في تحرير هذا الجزء اللطيف، والعقد المنيف، وسميته: نشر ألوية التشريف بالإِعلام والتعريف بمن له ولاية عمارة ما سقط من البيت الشريف وبالله أعتضد، وعليه أعتمد، وهو حسبي ونعم الوكيل، لا رب غيره ولا خير إلَّا خيره. * * * (الشاهد الأول) فمن الشواهد لما ذكرته: قصَّة سيل أم نهشل (١)، وهو سيل كان في عهد خلافة عمر ابن الخطاب ﵁، فحمل المقام (٢) من مكانه، ووجد بأسفل مكة، وغبي مكانه الذي كان فيه، فربط بلصق الكعبة، بأستارها، وكتب إلى عمر فجاء فزعًا، ودخل مكة محرمًا بعمرة، ورد المقام لمكانه الذي كان به, لأن المطلب بن أبي وداعة السهمي (٣) كان وقع في باله احتمالًا وقوع هذا الأمر، فأخذ قدر

стр. 43

ما بينه بين البيت، وبين زمزم وبين الركن. وقد بسطنا القصة في الباب الرابع من كتابنا "إعلام سائر الأنام بقصة السيل الذي سقط منه البيت الحرام، وما يتعلق به من عمارة وحكم وأحكام". وجه الاستشهاد: أنه كان بمكة من الصحابة عدد كثير من مسلمة الفتح وغيرهم ومن التابعين ما لا يمكن حصره، فلو كان مثل هذا الأمر المهم الشأن مما يطلب عمله من عموم الناس على سبيل فرض الكفاية ولا يتوقف على إذن الإِمام وما يصدر عن نظره لما توانوا في ذلك ولا فتروا فيه، ولبحثوا عن علم مكانه كما بحث عنه فوقفوا عليه، لكن إمساكهم اليد عن تعاطي عمل ذلك دليل على أن المخاطب بعمل أمثال ذلك إنما هو أئمة المسلمين وخلفاؤهم لا الآحاد ولو كانوا ذوي قدرة، ولا عمال الخلفاء على البلاد. ولا شك أن المقام الإِبراهيمي له شرف ومكانة (١)، ويتعلق به بعض الأحكام كطلب صلاة ركعتي الطواف خلفه، وبتأخير وضعه محله خصوصًا مع اشتباهه يفوت هذا الفضل، فاغتفروا التأخير المترتب عليه فوات هذه السنّة مع إمكان وقوفهم على حقيقة الأمر واستكشاف موضعه ووضعه فيه إلى أن يصل الأمر للخليفة إذ ذاك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. فدل على أن المخاطب بعمارة ذلك وما شابهه من المواضع الأكيدة الحرمة كالكعبة وحدود الحرم وعمارة موضع حجرته ﷺ إنما هو الإِمام الأعظم، مع ما في مباشرة الآحاد لذلك من التعريض للفتنة ولإِهمال أمر الخلافة ولا شك أن ما يؤدي لذلك ممنوع.

стр. 44

وإذا ترك ﷺ هدم بناء قريش للكعبة -وقد أخرجوا منها أذرعًا أدخلوها في الحجر- خوفًا من قالة الناس، على ما قاله ابن هبيرة على ما فيه، فترك ما فيه الفتنة مع السلطان الأعظم أولى، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فهذا -لو سلم أن العمارة لما انهدم منه فرض كفاية- مبين أن البعض المبهم المخاطب به هو إمام المسلمين لا بعضٌ غيرُه. [توجيه كلام النووي في شرح مسلم]: قال الإِمام النووي في "شرح مسلم": أخبر ﷺ أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن عارضه مفسدة أعظم منه خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، ويرون تغييرها عظيمًا، فتركها النبي ﷺ . وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح أو مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم, لأن النبي ﷺ أخبر بأن إعادتها لقواعد إبراهيم ﵇ مصلحة، تَرَكَها درءًا لمفسدة فتنة حديثي العهد بالإِسلام منهم، أي ردة بعض من أسلم منهم بنقض بنائهم الذي يعدونه من أكمل شرفهم. انتهى ملخصًا (١). وقال البدر الدماميني في "المصابيح" (٢): في الحديث دليل على ارتكاب

стр. 45

أيسر الضررين دفعًا لأكبرهما, لأنَّ قصور البيت أيسر من افتتان طائفة من المسلمين، ورجوعهم عن دينهم، انتهى. مع ما في توجيه خطاب سنيته ذلك إلى ذوي القدرة من جميع المسلمين من التنازع والتدافع والإِفضاء إلى التجاذب والـ ... (١)، فإن في نفس كل محبة التقدم لهذا الأمر والأثرة به، ودفع من يعارضه فيه، وفي ذلك مفسدة أي مفسدة. وأيضًا فإذا وُجِّهَ فرضُ الكفاية لذوي القدرة من كل المسلمين زعم كل ذي يسار أنه قادر على ذلك الدخول في ذلك الأمر والاختصاص به أنه من أهل الوجوب (٢)، فربما يحاول الشروع ويوكل الأمر لدعواه إليه أنه من جملة من توجه إليه الخطاب، ولا قدرة له في نفس الأمر على ذلك، فقد يمتنع غيره من أصحاب القدرة من إتمام العمل أنفَةً من تقدُّم ذلك الغير عليه كما هو شأن نفوس أرباب الدنيا وأهلها، وبجعل الخطاب متوجهًا في ذلك للخليفة الأعظم يندفع هذا كله. [الاستئناس بكلام لابن الصلاح]: وقد جاء ما يستأنس به لذلك؛ فقد نقل علماء الأثر عن ابن الصلاح أنه منع التصحيح والتحسين للحديث في الأعصر الأخيرة. قال مَن بَعده مِن المحققين: عَمِل ابن الصلاح نفسه بخلاف ما قاله هو، فصحح أحاديث، فدل على أن كلامه إنما هو من باب سد الباب، وأن لا يتوهم من حصلت له شَمّةٌ من ذلك الفن أنه أهل لذلك، وليس أهلًا في نفس الأمر، فيقع في ما ليس له، فسَدّ الباب رأسًا (٣).

стр. 46

وإنما لم يلاحظ هذا الملحظ الأولون (١): أولًا: لقوة العلم وتمكنهم منه. وثانيًا: لعلمهم بما عند أهله من قوة الدين المانعة من دخول المرء فيما لم يصل إليه، ولا كذلك أهل العصر الأخير؛ "بدأ الإِسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ" (٢). * * * (الشاهد الثاني) ومن الشواهد لما ذكرناه أيضًا: أن الحريق الواقع بالمدينة النبوية ليلة الجمعة أول شهر رمضان سنة ستمائة وأربع وخمسين (٣)، وعمل في الحجرة المحيطة بالقبور الشريفة الثلاثة، وتساقطت الأبنية عليها وأخذ الحريق جميع سقف المسجد النبوي، وبقيت الدعائم تتمايل عند هبوب الرياح، وذهب رصاص بعض الأساطين فسقطت، وكان إذ ذلك بالمدينة من العلماء الصالحين والأتقياء والفالحين ما يومئ إليه "تاريخ ابن فرحون" (٤)، إذ ذكر خلفهم من بقايا أهل ذلك القرن وأهل القرن الثامن.

стр. 47

وقال السيد المحقق القدوة المدقق عالِمُ طيبةَ السمهوديُّ (١) في تاريخه "خلاصة الوفاء": في صبيحة الجمعة عزلوا موضعًا للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المعتصم بالله ابن المستنصر بالله العباسي (٢)، فوصلت الآلات صحبة الصناع مع الركب العراقي في أوائل سنة خمس وخمسين وستمائة، وقصدوا إزالة ما وقع من السقف على القبور الثلاثة الكريمة، فلم يجسروا على ذلك. واتفق رأي المنيف بن شيحه بن هاشم بن مهنا الحسني (٣) مع رأي أكابر الحرم أن يطالَع الإِمام المعتصم بذلك فيفعل ما يصل إليه أمره، فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج التتار لهم واستيلائهم على جميع أعمال بغداد في تلك السنة، فترك الرد على حاله ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدام، ولا يتأتى من أحد بادئ بدئه الدخول فيه والإِقدام، انتهى (٤).

стр. 48

وفيه أيضًا (١): قيل في فصل تاريخ العمارة المتجددة بالحجرة الشريفة: أن السلطان قايتباي (٢) لما ذكر له الحاجة بالحجرة للعمارة فوض أمر ذلك للشمس ابن الزمن وذلك عام أحد وثمانين (٣)، وأن بعد عمارته لها أخرج ما سقط من السقف في الحريق المذكور على القبور الثلاثة، وأنه لم يتأت إزالته إلَّا بالعتلة والمساحي. قال السمهودي في الفصل الذي ذكر فيه الحريق: وكنت أتعجب من ذلك -أي إبقاء ما سقط من ... (٤) على القبور الثلاثة، وأرى الأدب والتعظيم في المبادرة لإِزالة ذلك، وظننته ... (٥) لارتكاب شيء من سوء أدب، ووضعت فيه تأليفًا، حتى رأيت ما فعلوا حال إزالة ذلك فعلمت عذر أهل ذلك الزمان ووجه توقفهم، ولذا لم أحضر إزالة ما في جوف الحجرة الشريفة بعد الاستخارة، انتهى (٦). [الحريق الذي وقع زمن السمهودي]: وقال السمهودي أيضًا: ثم احترق المسجد النبوي ثانيًا في الثلث الأخير ليلة الثالث عشر من شهر رمضان سنة إحدى (٧) وثمانين وثمانمائة، واستولى

стр. 49

الحريق على سائر سقف المسجد، وبدأوا منه لما أصبحوا بطفئ ما وقع على القبة اللطيفة التي جعلت بدلًا عن سقف الحجرة الشريفة. وكان الساقط عليها حريق القبة الزرقاء الطاهرة بالسقف الأعلى ورضاضها وسقف المسجد الذي كان بين القبتين، ولم يصل إلى جوف الحجرة شيء من هدم هذا الحريق لسلامة القبة السفلى المذكورة وعدم تأثير النار فيها مع ما سقط عليها كأمثال الجبال، مع أن بعضها من الحجر الأبيض الذي يسرع تأثره بالنار. وقد أثرت هذه النار في أحجار الأساطين وهي من الحجر الأسود حتى تفتت بعضها وتهشم، وعدة ما سقط منها مائة وبضع وعشرون أسطوانة، وَمَنَّ الله بسلامة الأسطوانات الملاصقة للحجرة الشريفة، ثم كتبوا لسلطان زماننا الأشرف قايتباي ذلك، ونظفوا مقدم المسجد ونقلوا هدمه إلى مؤخره. وفي ذلك كله عبرة تامة وموعظة أبرزها الله للإِنذار، فخص بها حضرة النبي ﷺ ، وقد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه، فلما ساءت منا الأعمال المعروضة ناسب ذلك الإِنذار بظهور عنوان النار المجازى بها في موضع عرضها، وأنا وجل مما يعقب ذلك حيث لم يحصل الاتعاظ والانزجار، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾ [الزمر: ١٦]، انتهى كلام المحقق السيد السمهودي ملخصًا. وجه الاستشهاد لما قلناه: أنه كان بالمدينة من العلماء الكرام والأولياء الفخام في الحريق الأوّل (١) ما ينبيءُ عنهم ذِكْرُ ابن فرحون لخلَفِهم في "تاريخه" لمن أدركه من أهل المدينة تركَهُم المبادرةَ لعمارةٍ ذلك الموضع اللطيف بالقبر الذي هو أشرف من الكعبة

стр. 50

اتفاقًا بل ومن العرش والكرسي (١)، ورفعهم أمر ذلك للخليفة، وانتظارهم لما برز منه من الأمر دليل أنهم رأوا الخطاب بعمارة مثل ذلك المحل الجليل العظيم ليس متوجهًا لكل ذي قدرة من المسلمين بل لخليفتهم القائم بإقامة أحكام شريعتهم وملتهم. وكان بالمدينة في الحريق الثاني (٢) محققُها السيدُ السَّمهوديُّ الذي قال في حقه الحافظ السيوطي (٣): (وناهيك به حافظ طيبة، وقد كان من أئمة الدين علمًا ودينًا، وعدم مبالاة في إقامة الحق بأحد)، فموافقته على ترك التعمير لما احترق منه ورفع الأمر لسلطان عصره شاهدٌ وأيُّ شاهد. وقول بعض الأفاضل لما استشهدت بذلك: -هذا سَوقُ حكايةِ ما وقع لا شاهدَ فيه للمدَّعَى- مردودٌ، فإن سياقَه قضيةٌ لما صدر في الحريق الثاني أنه ممن أقرَّ على ما فعلوه في كَتْبِهم بذلك لسلطان عصره ورضاهُ به، وأنه الشرعُ، إذ لو كان غير مُقِرٍّ على ذلك لأنكره عليهم باللسان [...] (٤) إنه منكر كما أنكر غيره، وألف فيه وما خاف من معارضه. وبفرض وجود ما يمنع من التصريح بالإِنكار على الكاتبين في ذلك فكان يذكره في أنهم ارتكبوا بالتأخير للعمل انتظارًا لمجيء جواب السلطان ترك ما توجه عليهم من الخطاب بالفرض الكفائي بعمل ذلك، كما ذكر فيه أشياء من

стр. 51

المنكرات وحذر منها، وحرص على إزالتها. فعَدَمُ إنكاره ذلك دليلٌ على أنه رأَى توجُّه فرضِ عمارةِ ذلك وما شاكله للسلطان دون غيره. وقد ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي في رسالته نظير ذلك في أول المقدمة فقال ما لفظه: (وما يقال: يحتمل أنهم كانوا -يعني جماعة القضاة بمكة إذ ذاك- مُكرَهِين فهو فاسد!، وما الحاملُ للإِمام الفاسيّ على أن يحضر هو والقضاةَ مكْرَهين ثم لا يدركون ذلك؟، بل يذكُرُ ما هو صريح في رضي الحاضرين وأن ذلك ما فعل إلَّا بإذنهم ...)، انتهى (١). وقال في أثناء البحث الثالث في الكلام على أن يحتمل أن عدم إنكار العلماء لعلمهم بعدم التأثير ما لفظه: (ولئن تنزّلنا فالإِنكار لا ينحصر في ذلك، بل من جملته بيان حكم ذلك في كتبهم وأنه منكر وممنوع)، انتهى (٢)، وهو مؤيِّد لما ذكرته من الاستشهاد بإقرارِ السيد السمهودي، والحمد لله. وقد أفتى شيخنا شيخ الإِسلام علي بن جار الله الحنفي (٣)، والشيخ

стр. 52

شمس الدين محمَّد البهنسي الشافعي (١) باعتماد ما يسوقه ثقات المؤرخين المعروفين بالصدق والأمانة والدين وترتب الأحكام على ما يذكرونه وهذا منه. وبعد حين رأيت كثيرًا ممن يعارض أخذ هذا الذي ذكرته وصار يستدل به على ما قلته. فالحمد لله على وضوح الأمر وانجلائه للمخالف. وقد قال إمامنا الشافعي ﵁: وددت لو أن الناس أخذوا هذا العلم ولم ينسب إلى منه شيء. * * * (الشاهد الثالث) [اقتلاع القرامطة للحجر الأسود] ومن الشواهد لذلك: أن الحجر الأسود (٢) لما قلعته القرامطة (٣) من مكانه من البيت الحرام عام فتنتهم سنة سبع عشرة وثلثمائة، ونقلوه إلى جامع الكوفة وعلقوه بالأسطوانة

стр. 53

الرابعة عشر (١) منه لزعمهم الفاسد أن الحج ينتقل إليهم، واستمر كذلك بضعة وعشرين عامًا (٢) لم ينتدب لاستنقاذه من أيديهم وإعادته لمكانه ببذل المال أحد من مياسير المسلمين، ولا نقل عن أحد من علماء عصرهم توجيه خطاب فرض الكفاية إلى أحد منهم، حتى انتدب له الخليفة العباسي المقتدر بالله وقيل المطيع لله (٣)، مع أن رده لمكانه فرض معلوم بإظهار فرضيته، فقد استعيذ بالله من رفعه من مكانه (٤). قال الفقهاء: ولو رفع الحجر من مكانه والعياذ بالله تعالى، انتقلت أحكامه للركن (٥). فتخَلُّفُ أهل ذلك العصر من العلماء أو الصالحين المياسير

стр. 54

عن استنقاذه بأنفسهم أو أمر الاعتناء به من المتغلب عليه وإعادته لمحله ووكول فرض مثل ذلك إلى الخليفة شاهد على توجه فرض مثل هذه الأعمال للخليفة دون الآحاد، فتقاعدوا عنه لئلا يقعوا في الافتئات على ولي الأمر. [توجيه المصنف لمعنى ما ورد في صحيح مسلم]: ومما فتح الله علي به: أن حديث الصحيح يومئ إلى توجه فرض الخطاب بعمارة الكعبة للخليفة عن المصطفى ﷺ ، وهو خليفة كل عصر وسلطانه على الحرم المكي، وذلك أنه ﷺ قال: "لولا حِدْثان (١) قومك بعهد لهدمت الكعبة ... " الحديث (٢). وقال في الحديث الآخر: "إن بدا لقومك أن يهدموها فتعالي ... "، إلى آخر الحديث (٣).

стр. 55

وجه الإِيماء في الحديث الأول: [...] (١) الهدم وإدخال الحجر وجعل البابين لها إليه دون غيره من باقي المسلمين، فدل على أنه المخاطب بذلك دون غيره، وإذ لو كان الخطاب عامًّا على الكفاية لقال: "لَهُدِمت الكعبة وبُنِيَت" بالأفعال المجهولة، إيماءً إلى عدم توجيه الخطاب إلى واحد بعينه, لأنَّ القصد وجودُ الفعلِ من غير نظرٍ إلى خصوصِ الفاعل إذ ذلك شأنُ فرضِ الكفاية. أو قال: "لولا حِدْثانُ قومك بجاهلية لطُلِب من المسلمين هدمُه وإعادتُه ... " إلى آخره، فيكون ذلك نظير قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. فكلٌّ من الثلاثة المذكورةِ في الآية فرضُ كفاية على الأمة، وعُبِّر عنه بما ذكر فيها، وهو في حقه فرض عين كما ذكروه في الخصائص. ولذا خص بالخطاب بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. فيؤخذ من عدول المصطفى ﷺ عن كلٍّ من ذينك العبارتين وما في معناهما إلى ما عبَّر به أنّ الخطابَ بعمارةِ البيتِ الحرام متوجِّهٌ لإِمام المسلمين وملاذِهم وهو النبيُّ ﷺ وبعده الخلفاء عنه في الأمة. ووجهه في الحديث الثاني: أنه لم يبْدُ لأحد من قوم عائشة أن يعيدَ البيتَ لقواعدِ إبراهيم سوى ابن أختها (٢) عبد الله بن الزبير (٣) ﵄، وهو كان خليفة على الحجاز

стр. 56

ومصر والعراق واليمن (١). فـ (قومٌ) وإن كان عامًّا في الخبر لفظًا لأنه اسم جمع واحده رجل كما في "المصباح المنير" للفيومي، أو جمع قائم، أو مصدرٌ وصِفَ به كما قاله القاضي البيضاوي، ومضافٌ، إلَّا أن المرادَ منه بشهادة الوِجْدانِ واحدٌ وهو ابنُ الزبير، فيكون عامًّا مخصوصًا أو مرادًا به خاص. ولم يقع تعميرُ البيت من أحد من قوم عائشة غير ابن الزبير، وأضيف لها (٢) مع أنه من بني أسد بن عبد العزى (٣) وهي من بني تيم (٤) لأنها كانت تبنته حتى كنّيت به (٥)، ولذا خصها بالتعريف لما بينها وبينه من الاختصاص، فيكون فيه الإِيماءُ إلى مُغَيّبٍ هي خلافتُه، فتعمِيرُه البيتَ الحرام، والله أعلم. * * *

стр. 57

(الشاهد الرابع) ومن الشواهد لما قلناه: ما ذكره الأزرقي في "تاريخه" فيما جاء في تجريد الكعبة وأول من جردها، قال: فلما كان معاوية كساها الديباج مع القباطي، فقال شيبة بن عثمان (١): لو طرح عنها ما عليها من كسى (كذا) الجاهلية. فخفف عنها حتى لا يكون عليها مما مسه المشركون شيء لنجاستهم، فكتب في ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام فكتب إليه أن جردها. انتهى (٢).

стр. 58

وجه الشاهد: أن شيبة الصحابي إذ رأى توقف هذا الأمر اليسير في الكعبة على العرض على الخليفة دون عامله على مكة، فلأن يتوقف تعمير البيت على العرض عليه بالأولى، ولعل هذا أقوى شاهد لما نحن فيه. * * * (الشاهد الخامس) ومن الشواهد لما قلناه: قول الماوردي (١) في "الأحكام السلطانية": والذي يلزم الإِمام من أمور المسلمين عشرة أشياء: أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من زلل ... ثم قال: الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، انتهى ملخصًا (٢).

стр. 59

[وجه الاستشهاد]: فإذا كان أمر الثغور الذي لا يترتب على إغفاله شيء من الضرر، ولا يحتاج أمرها ما تحتاج إليه عمارة البيت الشريف من التدقيق والنظر متوجهًا أمره وإتقان شأنه للإِمام، فتوجُّه فرضية إصلاح ما وهَى من الكعبة الغراءِ إليه أولَى. وكذلك إذا طُلب منه رفعُ البدع ودفع الزيغ والزلل عن المباني الشريفة الشرعية، والملة المحمدية المرضيَّة، فلأن يتوجه إليه وجوبُ إصلاح ما أُمِر العبادُ بالتعبد به استقبالًا: حياةً في الصلاة وغيرِها من مجالس الذكر وغيره، وحالَ الاحتضار، وموتًا في القبر، وطوافًا، ونظرًا ... بالطريق الأولى. * * * (الشاهد السادس) ومن الشواهد له أيضًا: قول من قيل في حقه: (لم تُخرِجُ مكّةُ بعد إمامنا الشافعي أعلمَ منه) (١) -وهو المحب الطبري (٢) - في كتابه "استقصاء البيان عن مسألة

стр. 60

الشاذروان" (١): (يجب على متولي البيت الحرام والناظرِ في المشاعر الكرام، رعايةُ مصالحهما والاهتمام بعمارتهما). وقوله أيضًا في أثناء كلام متعلق بعمل ما يتعلق بالكعبة ما لفظه: (ولا يتمكن كلُّ أحدٍ من تغييره بيده، وإنما ذلك منوطٌ بولاةِ الأمر فيه)، انتهى. [وجه الاستشهاد]: فنبه على أن عمارة ما يتعلق بها فضلًا عن عمارتها كلها إنما هو لولي الأمر عليها، وهو أصالة سلطان الإِسلام والمسلمين مراد خان، دام له العز والنصر والإِمكان. فإن قلت: ذكر المحِبُّ بعد سياق حديث عائشة في قوله: "فإن بدا لقومك ... " إلى آخره: (تصريح بالإِذن في أن يفعل ذلك عند القدرة عليه والتمكن منه، وفي قوله: "لولا حدثان قومك بشرك لهدمت الكعبة" حثٌّ على ذلك، ودلالةٌ على أن المانعَ منه حِدْثَانُهم بالشرك، فنبّه على أنه من مهمات الدين عند تمكنِ الإِسلام، وهذا الذي حثّ ابنَ الزبير على هدمِ الكعبة وبنائها على قواعدها، فلم يكن ملومًا، ولا عُدّ متهتكًا حرمته، بل قائمًا في ذلك الحرمة، متبعًا للسنّة. ومدلولُ هذا الحديث تصريحًا وتلويحًا ينتج التغيير في البيت الحرام

стр. 61

بالعمارة إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة)، انتهى (١). فهذا يوهم إطلاق إباحةِ التعمير للأمورِ المذكورة، وأنّ ذلك غير مقيد بالإِمام؟ قلتُ: صَدْرُ رسالته وصدر كلامه في أثنائها يدفع هذا الوهم، وإنما مراده أنه يباح التغيير لمن له ولايةُ ذلك عند أحدِ تلك الأمور، وإلَّا فلا يجوز للسلطان الأعظم أن يخرق حرمة البيت ويهدمه أو شيئًا منه بغير ضرورة ولا حاجة ولا أمر مستحسن، إنما له ولاية العمارة عند وجود سببها. ويدل عليه: أنه ذكر عمارة ابن الزبير والحاجة الحاقّة، والثناء عليه، ولم يذكر وقوع عمل فيها من أحد من الناس لمصلحة ما ذكر، وأثنى عليه، وكلامه أوله يسدد آخره، وآخره يسدد أوله، فللَّه دره من إمام. قال ابن حجر الهيتمي -بعد نقل الخلاف في هدم الجدار الذي أراد المنصور أو ولده هدمه وإعادته على قواعد إبراهيم ومنع منه- ما لفظه: (هذا إذا حملنا كلامه هو -لا كما هو المتبادر منه- على هدم ما صنعه الحجاج وردها علي بناء ابن الزبير، أما إذا لم نحمله على تلك الصورة الخاصة بل على ما عداها ... فالإِجماع على الامتناع من هدم جدرانها أو تغيير بنائها (٢) أمر حقيقي واقع لا مرية فيه، وليس ذلك من خصوصيات الكعبة بل هو جار في كل مسجد، إذ من البديهي فيها أنه لا يجوز لأحد هدم أبنيتها ولا تغييرها عما هي عليه الآن من غير ضرورة أو حاجة ماسة)، انتهى (٣). [رأي المصنف في هدم الجدار اليماني]: فاحفظْه لينفَعْك تذكرُه في التنبيه عند منع هدم الجدار اليماني عند فقد

стр. 62

إجماع ثقات المعلمين المتقنين المتقين على خربه وأيلولته للسقوط، وأنه لا يجوز هدمه لمجرد إلحامه (١) بالجدر التي يبنونها عوض الساقط, لأن تحصيل هذا الغرض لا يرتكب له خرق حرمة البيت بهدم ما هو صحيح منه قائم. وبتأمل ما ذكرنا يعلم أن المنع من هدم الجدار اليماني عند فقد الإِجماع من ثقات المعلمين المذكورين منصوص عليه, لأن ما دخل تحت عموم كلامهم من جملة المنصوص عليه، كما في "شرح المهذب" للنووي (٢). * * * (الشاهد السابع) ومن الشواهد لما قلناه: قول ابن حجر الهيتمي في أثناء البحث الثالث من المقدمة، في أثناء كلام له: (ويؤيده أن العلماء وغيرهم أقروا الملوك ونحوهم على تغيير بابها المرة بعد المرة)، انتهى (٣).

стр. 63

ومراده من (نحوهم): ١ - من باشر ذلك من متغلب. ٢ - أو افتياتًا على ملك زمانه لقوة شوكته وبعد الملِكِ عنه إذ ذاك، والله أعلم. وقوله في آخر البحث المذكور: (فتأمل هذا الاستدلال من هذا الإِمام تجده قاضيًا بصحة ما سلكه هو وغيره من العلماء من أن سكوت العلماء وغيرهم على ما فعل في الكعبة المعظمة من الإِصلاحات في الأعصر من غير نكير دال على جوازه وحسنه، فإنه ينبغي للملوك تحريه والعمل بمثله في الكعبة إذا حصل فيها ما يقتضي الإِصلاح ولمِّ الشعث الذي لا يليق بأدنى المساجد أن يبقى عليه، فكيف بما هو أشرفها وأفضلها)، انتهى (١). [وجه الشاهد]: فتأمل قوله: (فينبغي للملوك ...) إلى آخره، فإنه صريح المسألة الواقعة، وجَمَع الملوك باعتبار تعدد الأزمنة وتداول الأيام بين الناس، وإلَّا فأمر إصلاح الكعبة إنما هو لملك البلاد التي هي فيها وسلطانها لا لغيره من باقي السلاطين بباقي البلاد. نعم، إنْ تقَاعَدَ الخليفةُ سلطانُ بلادِها عن عمارتها، وتوانَى في شأنها فليبادر غيره لذلك منها إنْ لم يؤدّ إلى فتنةٍ قويةٍ جدًّا وشقَّ عصا المسلمين. [شواهد أخرى]: وقد ذكرت شواهد أخرى لاختصاص هذا العمل بصاحبه المكتسب به شرفًا وفخرًا في كتابي "إعلام سائر الأنام بقصة السيل الذي سقط منه البيت الحرام، وما يتعلق به من عمارة وإشارة وحكم وأحكام".

стр. 64

(تتمة) [وجوب المباشرة بسد مواقع الهدم حفظًا لها من التنجيس]: لا شبهة في وجوب سد ما ظهر بالانهدام من الجدار والسقف المحاذي بما يمنع وصول ما يحصل منه التنجيس لداخل الكعبة من طير، سيما (أبابيل) (١) ,. فإنه في أقل زمن يبني بيوته في الأماكن التي يتمكن منها ويفرخ فيها ويحصل منه مزيد التنجيس، ومن هرة. ويكون السد موثقًا بأخشاب أو بحِفْش (٢)، ويطلب أن يسدل عليه ثوب ويكون ذلك على الفور، ولا يتوقف في ذلك على إذن السلطان الأعظم في ذلك, لأنه لا ينتظر لعمارة مثل ذلك وعمله، وإنما ينتظر لعمل الذي يكون على الدوام من الجدار والسقف ونحوهما، لما فيه مع كمال الأجر عند صحة النية من إشادة الكف المنظورة للملوك (٣).

стр. 65

[بيان أن الخطابَ في سد مواقع الهدم يتوجه إلى مياسير المسلمين ولا يجب رفعه إلى الخليفة]: وقد قدّمنا أن من جملة حِكَم توجّه خطاب العمارة للسلطان الأعظم أنه شرَفٌ -على جعل الفرض فيه متوجهًا لذوي القدرة من المسلمين أجْمَعَ-: الافتياتُ على السلطان الأعظم، وعُظمُ الضرر. ولا كذلك في وضع ما يُسَد به ما ظهر بالانهدام, لأن ذلك بصدد الزوال، ومدار الملوك على ما فيه تخليدُ الذكرِ وتشييدِ القَدرِ كما مر، فيُطلب المبادرةُ بالسدِّ المذكور، ولو من عموم الناس، لعدم الضرر المرتَّب على تعاطي ذلك مع ما فيه من التوصل إلى تطهيره الواجب بنص: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦]، فليباشَرْ ذلك وليبادَرْ به. [ذكر الفرق بين سقوط سقف الحجرة النبوية وسقوط جدران الكعبة الشريفة، والرد على إشكالات قد تعرض]: فإن قيل: من جملة ما قدمت وقست عليه: قصتا الحريق، وأن علماء المدينة وصلحاءها وأميرها وأركان دولتها لم يحدثوا شيئًا حتى رفعوا الأمر لسلطان عصرهم، وجاءهم منه ما يفعلون ففعلوا، فلم يباشروا عمارة ما طاف بالقبر الذي هو أفضل من الكعبة بل أمهلوا يخطيء الأمر، فليكن البيت الحرام فيما ظهر منه بالسقوط كذلك. قلت: الفرق واضح, لأن في قصة الحريق الأول سقط بالحريق السقف الذي يُخْشى أن يتعلق به طير فيحصل منه بالتلويث لذلك المحل السامي والهرة ونحوهما مما يخشى منه التنجيس، ممنوعة لوجود الحجرة وهي البناء المطيف بالقبور الثلاثة الكريمة، إذ هو مبني قائم، ولا كذلك في مسألتنا، فإنه لا مانع لما يخشى منه التنجيس لداخل البيت، وحفظه من التنجيس واجب، ولا يتم إلَّا بالسد، وما لا يتم الواجب المطلق إلَّا به فهو واجب.

стр. 66

فإن قلت: قد عد من آيات الكعبة أن الطير لا يوقع (١) عليها إلَّا مستشفيًا بها من مرضه، فيؤمن من تنجيس الطير (٢)، واحتمال الهرة في غاية الندور.

стр. 67

قلت: الأحكام الشرعية إنما تبنى على أسبابها العادية ولا تعلق فيها بالحقائق، على أنه مشاهد جلوس كثير من الطير على جدار الكعبة والتنجيس على ثوبها، وإنما لم تجبْ مراعاةُ ذلك بجلوس من يذب عنه في السطح لغاية المشقة التي لا يُعتاد ورود الشرع بها, ولا كذلك السدّ هنا، فوجب على جميع المسلمين وتعينت المبادرة به ولو من مال فيه شبهة, لأنه ليس مجعولًا من أجزائها على سبيل الدوام حتى يبالغ في الاحتياط في شأنه، بل هو بعرضة الزوال، وقد اعتيد تخليقُها بالمال (١) الذي يجمع من المكوس وذلك لما ذكرناه، وهذا ما فتح الله به علي وهو أعلم بالصواب. * * * (تذييل) [في حصول الثواب للناظر إلى المتهدم من الكعبة] ينبغي حصول الثواب برؤية ما ظهر من الجدار مما انسلخ عنه أحد وجهيه من الجانب الغربي وبطن الجدار الشرقي، فإنه من أجزاء البيت، وشمله ما ورد في فضل النظر إلى البيت (٢).

стр. 68

وأما ما ظهر من سقف البيت وأعالي جدران بواطنه: ١ - فيحتمل أن لا يحصل برؤيته ثواب, لأنه مأمور بالغض عن رفع الطرف إليها حرمة وأدبًا، والأمر بالشيء نهي عن ضده، ولا يجتمع كون الشيء مأمورًا به منهيًا عنه في آن واحد بكل اعتبار. ٢ - ويحتمل أن يحصل برؤيتها، ويكون النهى عن النظر لأمر خارجي، كل محتمِل، والله أعلم. * * * (تنبيه) (١) [في حكم هدم ما آل إلى السقوط من حجارة الكعبة] إذا علم مما ذكرته توجه فرض العمارة إلى سلطان المسلمين مولانا مراد خان نصره الله، فليعلم أنه لا شبهة في جواز هدم ما هو ظاهر السقوط كالأحجار الناتئة عن الباب مما هو قطعي السقوط ظاهر الوهى، وكذا ما وهي من السقف وتبدل خشبه، وما تلف من العمد القائمة عليه. [متي يؤخذ بكلام معلمي البناء ؟]: أما ما لم ينته الأمر فيه إلى سقوطه إلى هذا المقدار ويرى في ظاهر الأمر مستقيمًا، فلا شبهة أنه لا يجوز التعرض له بالهدم إلَّا إن قال العرفاء (٢) المتقنون

стр. 69

المحررون المتقون: إن هذا آيل إلى السقوط حالًا أو عن قرب جدًّا، واتفقوا على ذلك. أو قال بأيلوليته للسقوط أكثر المعلمين العرفاء وكانوا غير متهمين بأن قصدهم توسيع العمل وتطوير الشغل ليأخذوا الأجرة ويطول زمن عملهم. [التحذير من الأخذ بقولهم مجازفة]: فإن علم من أحد من المعلمين أن قصده ذلك ولو بقرائن الأحوال فليلطم بقوله الجدار ولا يلتفت إليه في هدم هذا البيت الحرام، فإن كثيرًا من العملة كما هو مشاهد في مباشرتهم الأبنية يوسعونها على أصحابها ويطولون فيها ويقترون في مباشرتها، وقصدهم ما يزيد لهم من أجرة شغل يوم أو يومين، ويبيعون ما أوجب الله عليهم من النصيحة بالعرَض الفاني الذي يأخذونه بالخديعة. فإذا كانت هذه معاملتهم في أبنيةِ من يعلمون فَقْرَه! فكيف حالهم في عملٍ يعلمون أن المباشر له السلطان؟ فهم فيه أطمع!! [نصيحة وتوجيه إلى عمال البناء]: وحاصل الأمر: على الفَعَلة أن يقولوا الحق ويطلبوا مرضاة الله، ويتركوا عرض الدنيا وراء ظهورهم، وينصحوا لله ورسوله، فإن عملوا بذلك فازوا بأجورهم وسمع قولهم وهدم ما رأوه غير صالح للبقاء، وأنه متداع للسقوط عن قرب جدًّا. وأما ما ليس كذلك فلا يجوز التعرض له كالجانب اليماني، وكونه فيه ميل خفيف لا يضر ولا يخشى منه الضرر، فالحذر الحذر من هدم ذلك الجدار إلَّا إذا أجمع المعلمون المتقون لله المتقنون أو أكثرهم على احتياجه للهدم، فيعمل بقولهم حينئذ (١). وإن اتُّهِمَ المعلمون في قولهم بخرب ذلك الجدار حلّفَهم الحاكمُ

стр. 70

الشرعي بطلبِ الناظرِ على العمارة أن الخرَبَ في الجدار حقيقةٌ، وأنهم لم يحكموا بخرْبه لطمَعٍ دُنيوي، وذلك احتياطًا لأمر البيت الحرام. وقد صرح الفقهاء بأن الحاكم الشرعي يحلّفُ للتهمة في أقل من هذا الأمر. [رد إشكال حول هدم ما لم يكن آيلًا للسقوط من البناء الشريف]: فإن قلت: في "صحيح مسلم" عن عطاء (١): أن البيت لما احترق زمن يزيد بن معاوية (٢)، إذ أرسل جيشًا لغزو ابن الزبير، وأن ابن الزبير بعد انصرافهم عنه استشار الناس: أنقضها ثم أبني بناها؟ أم أصلح ما وهَى منها؟. فقال ابن عباس: فإني أرى أن تصلح ما وهى منها وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أُسْلِم عليها (٣)، وبُعِثَ عليها رسولُ الله ﷺ . فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف ببيت ربكم ... الحديث (٤). ففيه أنه هدم ما يمكن بقاؤه مع إصلاح الواهي المحترق طلبًا لصنعه كله على أكمل حال، فليكن الجانب الشامي فيما نحن فيه كذلك، وإن لم يقل بأيلوليته للسقوط.

стр. 71

قلت: الفرق بين ما نحن فيه وما جاء عن ابن الزبير واضح, لأن المحترق من البيت كان البناء مدماكًا (١) من خشب ساج ومدماكًا من حجر، كما ذكره الأزرقي في تاريخ مكة. قال: بناؤها كذلك من أسفلها إلى أعلاها، وعليها الكسوة فاحترقت من نار لبعض أصحاب ابن الزبير وطارت الرياح بلهب النار فاحترقت كسوة الكعبة والساج الذي بين البناء، وكان احتراقها يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين (٢)، فضعفت جدران الكعبة، حتى أنها لينقض أعلاها إلى أسفلها، ويقع عليها الحمام فتناثر حجارتها وهي مجرد متوهية من كل جانب. قال الأزرقي: وكان أشد الناس إباء لهدمها ابن عباس، وقال: دعها على ما أقرها رسول الله ﷺ فإني أخشى أن يأتي بعدك من يهدمها فلا تزال تهدم وتبنى فيتهاون الناس بحرمتها, ولكن ارقعها. فقال ابن الزبير ﵄: والله ما يرضى أحدكم أن يرقع بيت أبيه وأمه، فكيف أرقع بيت الله وأنا أنظر إليه ينقض من أعلاه إلى أسفله، حتى أن الحمام ليقع عليه فتتناثر حجارته؟! انتهى. فحينئذ كان الحريق أثر في كل مدماك من الساج بإحراقه، وفي المدماك الحَجَر إلى جانبه بالتسويد صار في بناء ما تآكل من الساج وإبقاء ما بقي من مداميك الأحجار قُبْحٌ في الصورة وإخلال بتعظيم الكعبة، فهدمها أجمع لتبنى على أكمل الوجوه، ولئلا يحصل الترقيع في بنائه الذي لا يرتضي به ذو القدرة في بيت أبيه، فكيف في بيت الله تعالى.

стр. 72

وما نحن فيه لا يترتب على إبقاء الجدار اليماني عند فقد اتفاق المعلمين المتقين الثقات المتقنين على أيلولته للسقوط عن قرب شيء من الترقيع، ولا إخلال بتعظيم البناء، فيجب الكف عن هدمه وترك التعرض له عند فقد اتفاق من ذكر على أيلولته له عن قرب، فتأمل الفرق فهو واضح جلي. فلا يؤخذ من هدم ابن الزبير جميع بناء البيت جواز هدم الجدار اليماني لدفع الترقيع بين البناء الجديد والعتيق، ولطلب تلاحم البناء، فذلك عَرَضٌ يسير لا يُرتكبُ لأجله هدمُ شيء من بيت الله تعالى لم تدع إليه ضرورة ولا حاجة، وليس ذلك أمرًا مستحسنًا. [كون ما عمله ابن الزبير أصوليًّا (مذهب صحابي) وبيان الخلاف في حجيته]: على أن ما رأى ابن الزبير من هدم الجميع مذهب صحابي خالفه فيه غيره، وفي حجية مثل ذلك خلاف للأصوليين (١). [ما ينبغي فعله قبل الشروع في هدم ما تخرَّب من الجدران الشريفة]: وينبغي قبل الشروع في هدم المتخرب من جدار الكعبة أن يذرع الكعبة الشريفة من جميع جوانبها بحضرة سلطان البلاد مولانا السيد الشريف (٢)

стр. 73

وفقه الله تعالى لمرضاته، وحضرة شيخ الإِسلام (١) الحاكم الشرعي أيد الله به الدين، وبحضرة مشايخ الإِسلام، ويضبط ذلك ويبالغ في تحريره، ويكتب في السجل، ويحفظ عند الحاكم الشرعي. وكذا يذرع سمكها وسمك علو العتبة، وسمك الباب وعرضه، ليعاد البناء على ما كان عليه (٢). وإذا أسرع في المدماك الذي على وجه الأرض -وعليه ميزان العمل لما يبنى عليه- أحضر الناظر (٣) على العمارة من ذكر، ونزلوا للعمل على ما عندهم من الذرع المحفوظ، فلا يزاد في القبلة شيء ولا ينقص من أي جهة كانت، وكذا يضبط ذرع الشاذروان (٤) من جهاته، ويعاد على ما كان. وقد أحضر ابن الزبير ﵄ وجوه الناس وأشرافهم، وأشهدهم على أساس إبراهيم ﵇، وقال لهم: اشهدوا. ووضع البناء على ذلك بحضورهم. قاله الأزرقي رحمه الله تعالى.

стр. 74

[ما يجب على الناظر على العمارة فعله]: وليبالغ الناظر في اختيار المتقنين من المعلمين، وليسأل عن الأعرف الأتقى لله ، الأحفظ لحدود الله، فيقدمه على غيره في بناء بيت الله تعالى. قال الله : ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨]، وكذا ينبغي لعَمَلة هؤلاء المعلمين. [ندب أشراف الناس وسادتهم للعمل بأنفسهم في عمارة الكعبة الشريفة]: وليباشر ذلك العلماء والسادة الشرفاء اقتداء بفعل المصطفى ﷺ ، فإنه حمل الأحجار مع قريش في عمارة الكعبة لعمارتها (١)، وكان يحمل اللّبِنَ (٢) في عمارة مسجده مع الصحابة ﵃ (٣)، ويحمل التراب من الخندق (٤). ففيه ندبُ العملِ فيما فيه التقربُ إلى الله تعالى، والحث على ذلك، وأن لا يتوقف عن ذلك متوقف، ولا يقل المتكبر: هذا لا يليقُ بمرُوّتي أن أحمِل حَجَرًا أو أشِيلَ مِكْتَلًا (٥)!، فصُدُورُ مثل ذلك إنما هو لجهله وعدم معرفته بمقام نفسه، والله الموفق. * * *

стр. 75

وحاصل الأمر [التنبيه على تحري اختيار ذوي التقوى للعمل في العمارة]: إنه ينبغي أن يكون المباشرة لأعمال هذا البيت من أهل التقوى والصلاح والدين والفلاح لينصحوا في عمله لله ولرسوله، ولا يكونوا من الذين انطمست بصائرُهم بحب الدنيا، فهي مرادُهم ومرامُهم، فأولئك عن الكرامة مبعدون، وينبغي أن يكون كل من المعلمين وعمالهم حالَ العمل في البيت على طهارةٍ عن الحدث الأكبر وجوبًا، وعن الأصغر ندبًا وأدبًا. وليجتهد مولانا السلطان في أن يكون ما يعمر به مالًا حلالًا خالصًا من غصب وسوء معاملة كرِبًا، وغش، وخديعة، فإن كان من أموال الجزية الخالصة من الظلم والحيف فهو مالٌ حلالٌ طيب، وكونُ المال المأخوذ من الذمّي لا يُعَلمُ حالَ طريقِ وصولِه للذمّيِّ لا يضر, لأن الأصلَ الحلُّ ما لم يُعلَم وصولُه إليه بطريقٍ حرامٍ فيبقى على حرمته, لأن الأيدي المترتبة على الغصب غاصبةٌ، والشَّرعُ لم يكلّف بالتنقيبِ ولا البحثِ عن بواطِنِ الأُمور، والله المستعان. [ما ينبغي فعله عند الهدم من وضع الساتر ونحوه ...]: وإذا هُدِمَ البيت، فعلى متولّي العمارة أن ينصبَ أخشابًا مطبقة بقدْر البيت، ويصنع عليها الساتر كما فعل ابن الزبير ﵁ وقت هدمه له، كما في "صحيح مسلم" (١)، وكان ذلك بإشارة ابن عباس ﵄، كما ذكره الأزرقي في "تاريخه". وفيه: أن البُنَاةَ كانوا يبنون من وراء الستر والناس يطوفون من خارج، انتهى (٢).
следующие страницы →