← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

مباحًا، فالشارع لم يُبح (١) سببَ الإثم، وإنما شرعها اللَّه حلا لعقد اليمين كما شرع [اللَّه] (٢) الاستثناءَ مانعًا من عقدها؛ فظهر الفرق بين ما التزمه للَّه وبين ما التزم باللَّه؛ فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يُخَيرُ فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك، وسِرُّ هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به، فإنّ الأوَل متعلق بإلاهيَّته، والثاني بربوبيته؛ فالأول من أحكام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والثاني من أحكام: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وإياك نعبد قِسْمُ اللَّه من هاتين الكلمتين، وإياك نستعين قسم العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي: "هذه بيني وبين عَبْدي نصفين" (٣) وبهذا يخرجُ الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه الثاني، وأن (٤) ما نَذَره للَّه من هذه الطاعات يجبُ الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يُخيَّر بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلق بإلاهيَّته، والثاني بربوبيته، فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويُخير الحالف في القسم الثاني، وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمتها (٥). ويزيد ذلك وضوحًا أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصدُه ألا تكون، ولكراهته للزومها له حلف بها (٦)، فقصده ألا يكون الشرطُ فيها ولا الجزاءُ، ولذلك يُسمى نذر اللّجاجِ والغَضَب، فلم يُلزمه الشارع به إذا كان غير مريد له ولا مُتقرِّب به إلى اللَّه، فلم يعقده للَّه، وإنما عقده به، فهو يمينٌ محضة، فإلحاقُه بنذر القربة إلحاقٌ له بغير شَبَهِه، وقطع له عن الإلحاق بنظيره، وعُذر من ألحقه بنذر القربة شبهه به في اللفظ والصورة، ولكن المُلْحِقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني، وقد اتفق الناس على أنه لو قال: "إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني" فحنث أنه لا يَكْفُر بذلك [إن قصد اليمين] (٧)؛ لأن قَصْد اليمين منع من الكفر (٨). [الحلف بالطلاق والعتاق كنذر اللجاج والغضب] وبهذا وغيره احتج شيخ الإسلام ابن تيمية (٩) على أن الحلف بالطلاق

стр. 1157

والعتاق كنذر اللجاج والغضب، وكالحلف بقوله: "إنْ فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني" وحكاه إجماع الصحابة في العتق، وحكاه غيره إجماعًا لهم في الحلف بالطلاق على أنه لا يلزم. قال: لأنه قد صَحَّ عن علي بن أبي طالب (١) ولا يُعرف له في الصحابة مخالف، ذكره ابن بَزيزة في "شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي" (٢)، فاجتهد خصومه في الرد عليه بكل ممكن، وكان حاصل ما ردوا به [قوله] (٣) أربعة أشياء: أحدها -وهو عمدة القوم- أنه خلاف مرسوم السلطان، [و] (٣) الثاني: أنه خلاف الأئمة الأربعة، والثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: "إن أبرأتني فأنتِ طالق" ففعلَتْ (٤)، والرابع: أن العمل قد استمر على خلاف هذا القول، فلا يلتفت إليه، فنقَضَ حُجَجَهم وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول، وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة، ثم مضى لسبيله راجيًا من اللَّه أجرًا أو أجرين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون. فصل [الحكمة في التفرقة بين الضبع وغيره من ذي الناب] [وأما قولهم] (٥): "وحَرم كل ذي ناب من السباع وأباح الضبع (٦) ولها ناب" فلا ريب أنه حرم كل ذي ناب من السباع، وإن كان بعض العلماء خفي عليه تحريمه فقال بمبلغ علمه، وأما الضبع فروي [عنه] (٧) فيها حديث صححه كثير من

стр. 1158

أهل العلم [بالحديث] (١) فذهبوا إليه وجعلوه مخصصًا لعموم أحاديث التحريم، كما خصت العرايا لأحاديث المزابنة (٢) وطائفة لم تصححه وحرّموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب، وقالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وصحت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشني (٣).

стр. 1159

[الرد على حديث إباحة أكل الضبع] قالوا: وأما حديث الضبع (١) فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار (٢)، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه. قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل (٣) إلى النبي ﷺ ، وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جواز أكلها، فظن جابر أن كونها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به من قوله ورفع إلى النبي ﷺ ما سمعه من كونها صيدًا. ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبين ما ذكرناه، فروى الترمذي في "جامعه" من حديث [عبد اللَّه بن] (٤) عُبيد بن عُمير الليثي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار (٢) قال: قلت لجابر بن عبد اللَّه: آكُلُ الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: أسمعت ذلك من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم (٥). قال الترمذي: سألت

стр. 1160

محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح. فهذا (١) يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن [عبد اللَّه بن] (٢) عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار (٣)، عن جابر عن رسول اللَّه ﷺ أنه سُئل عن الضبع فقال: "هي صيد، وفيها كَبْش" (٤) قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: "الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مُسِن ويؤكل" (٥)، قال الحاكم: حديث صحيح، وقوله: "ويؤكل" يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تُعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم. قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادَّعى الطحاويُّ (٦) وغيره (٧) تواترها، فلا يقدم حديث جابر عليها. قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه (٨)، وهو مُغْرًى (٩) بأكل لحوم الناس ونَبْش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، وأكل الجيف، ويكسر بنابه (١٠).

стр. 1161

قالوا: واللَّه سبحانه قد حرم علينا الخبائث، وحَرَّم رسول اللَّه ﷺ ذوات الأنياب (١)، والضبع لا يخرج عن هذا وهذا (٢). [وقالوا: وغاية حديث] (٣) جابر يدل على أنها صيد يُفدَى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سُئل أبو عبد اللَّه -يعني الإمام أحمد- عن محرم قتل ثعلبًا فقال: عليه الجزاء، هي صيد، ولكن لا يؤكل. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد اللَّه سُئل عن الثعلب، فقال: الثعلب سبع. فقد نص على أنه سبع وأنه يُفْدى في الإحرام، ولمَّا جعل النبي ﷺ في الضبع كبشًا، ظن جابر أنه يُؤكل فأفتى به. [رأي الذين صححوا الحديث] والذين صَحَّحوا الحديث جعلوه مخصصًا لعموم تحريم [ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرم أكل] (٤) كل ذي ناب من السباع [إلا الضبع] (٤)، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلًا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما. وبحمد اللَّه إلى ساعتي هذه ما رأيت في الشريعة مسألة واحدة كذلك، أعني شريعة التنزيل لا شريعة التأويل. ومن تأمل ألفاظه ﷺ الكريمة تبين له اندفاع هذا السؤال؛ فإنه إنما حَرَّم ما اشتمل على الوصفين: أن يكون له ناب، وأن يكون من السباع العادِيَة بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد. وأما الضبع فإنما فيه أحدُ الوصفين، وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية. ولا ريب أن السِّباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها؛ فإن الغَاذِي شبيهٌ بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب (٥) التسوية بينهما في

стр. 1162

التحريم، ولا يعد الضبع من السباع لغة ولا عرفًا (١)، واللَّه أعلم. فصل [سر تخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده] وأما قوله "وجعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادتين (٢) دون غيره ممن هو أفضل منه" فلا ريب أن هذا من خصائصه، ولو شهد عنده ﷺ أو عند غيره لكان بمنزلة شاهدين اثنين (٣)، وهذا التخصيص إنما كان لمخصِّص اقتضاه، وهو مبادرته دون من حَضَر (٤) من الصحابة إلى الشهادة لرسول اللَّه ﷺ أنه قد بايعَ الأعرابيّ، وكان فرْضٌ على كل من سمع هذه القصة أن يشهدَ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قد بايع الأعرابي، وذلك من لوازمِ الإيمان والشهادة بتصديقه ﷺ ، وهذا مستقر عند كل مسلم، ولكن خزيمة تفطَّن لدخول هذه القضية المعينة تحت عموم الشهادة لصدقه (٥) في كل ما يُخبر به؛ فلا فرق بين ما يخبر به عن اللَّه وبين ما يخبر به عن غيره في صدقه في هذا وهذا، ولا يتم الإيمان إلا بتصديقه في هذا وهذا؛ فلما تفطّن خُزيمة دون من حضر لذلك استحق أن تُجعل شهادته بشهادتين. فصل [سر تخصيص أبي بردة بإجزاء تضحيته بعناق] وأما تخصيصه أبا بُردة بن نيَار بإجزاء التضحية بالعناق دون من بعده (٦) فلموجب أيضًا، وهو أنه ذبح قبل الصلاة متأولًا غير عالمٍ بعدم الإجزاء، فلما أخبره النبي ﷺ أن تلك ليست تجزئ (٧) وإنما هي شاة لحم أراد إعادة الأضحية، فلم (٨) يكن عنده إلا عناق هي أحب إليه من شاتَيْ لحم؛ فرخص له في التضحية بها (٩)؛ لكونه معذورًا وقد تقدم منه ذبحٌ تأوَّلَ فيه، وكان معذورًا بتأويله، وذلك كله قبل [استقرار] (١٠) الحكم، فلما استقر الحكم لم يكن بعد ذلك يجزئ إلا ما وافق الشرع المستقر، وباللَّه التوفيق.

стр. 1163

فصل [سر التفرقة في الوصف بين صلاة الليل وصلاة النهار] وأما التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار في الجهر والإسرار ففي غاية المناسبة والحكمة؛ فإن الليل مظنة هدوِّ الأصوات وسكون الحركات وفراغ القلوب واجتماع (١) الهمم المـ[ـشتتة بالنهار] (٢)، فالنهار محل السبح الطويل بالقلب والبدن، والليل محل مواطأة القلب للسان ومُواطأة اللسان للأذن؛ ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر على سائر الصلوات (٣)، وكان رسول اللَّه ﷺ يقرأ فيها بالستين إلى المائة (٤). وكان الصِّدِّيقُ يقرأ فيها بالبقرة (٥)، وعُمر بالنحلِ وهود وبني إسرائيل ويونس

стр. 1164

ونحوها من السور (١)؛ لأن القلب أفْرغُ ما يكون من الشواغل حين انتباهه من النوم، فإذا كان أول ما يقْرع سمعه كلام اللَّه الذي فيه الخير كله بحذافيره صادفه خاليًا من الشواغل فتمكَّن فيه من غير مزاحم؛ وأما النهار فلما كان بضد ذلك كانت قراءة صلاته سرًا (٢) إلا إذا عارض في ذلك معارض أرجح منه؛ كالمجَامع العِظام في العيدين والجمعة والاستسقاء والكسوف؛ فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام اللَّه [عليهم] (٣) وتبليغه في المجامع العِظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة، واللَّه أعلم. فصل [السر في تقديم العصبة البعداء على ذوي الأرحام وإن قربوا] وأما قوله: "وورَّث ابنَ ابن العم وإن بعُدت درجته دون الخالة التي هي شقيقة للأم" فنعم، وهذا من كمال الشريعة وجلالتها؛ فإنَّ ابنَ العم من عصبته القائمين بنصرته وموالاته والذَّبِّ عنه وحمل العقل عنه، فبنُو أبيه هم أولياؤه

стр. 1165

وعصبته والمحامون دونه، وأما (١) قرابة الأم فإنهم بمنزلة الأجانب، وإنما ينتسبون (٢) إلى آبائهم، فهم بمنزلة أقارب البنات كما قال القائل (٣): بنُونا بنُو أبنائِنا، وبناتُنا ... بنوهُنّ أبناءُ الرجال الأباعِدِ فمن كمال حكمة الشارع أن جعل الميراث لأقارب الأب، وقدَّمهم على أقارب الأم، وإنما ورث معهم من أقارب الأم مَنْ ركضَ الميت معهم في بطن الأم، وهم إخوته (٤) أو من قربت قرابته جدًا وهن (٥) جداته لقوة إيلادهن وقرب أولادهن (٦) منه؛ فإذا عدمت قرابة الأب انتقل الميراث إلى قرابة الأم، وكانوا أولى من الأجانب فهذا الذي جاءت به الشريعة [أكملُ شيء] (٧) وأعْدلُه وأحسنُه. فصل [الفرق بين الشفعة وأخذ مال الغير] وأما قوله: "وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه، ثم سَلَّطه على أَخْذِ عقاره وأرضه بالشُّفعة، ثم شرع الشفعة فيما يمكن التَّخلص من ضرر الشركة فيه بالقسمة دون ما لا يمكن قسمته كالجوهرة والحيوان" فهذا السؤال قد أورده على وجهين: أحدهما: على أصل الشُّفعة وأن الاستحقاق بها منافٍ لتحريم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه. والثاني: أنه خَصَّ بعض المبيع بالشفعة دون بعض مع قيام السبب الموجب للشفعة، وهو ضرر الشركة. ونحن بحمد اللَّه وعونه نجيب عن الأمرين؛ فنقول: [ورود الشرع بالشفعة دليل على الحكمة] من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة (٨)، ولا

стр. 1166

يليق بها غير ذلك؛ فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر (١) عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقّاه (٢) على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به، ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخُلَطاءَ يكثر (٣) فيهم بَغي بعضهم على بعض شرع اللَّه سبحانه رفع هذا الضرر: بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك؛ فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي، وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان؛ فكان الشريك أحقّ بدفع العوض من الأجنبي، فيزول (٤) عنه ضرر الشركة، ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفِطر ومصالح العباد، ومن هنا يعلم أن التحيّل لإسقاط الشفعة مناقضٌ لهذا المعنى الذي قصده الشارع ومضاد له. ثم اختلفت أفهام العلماء في الضرر الذي قصد الشارع رفعه بالشفعة. فقالت طائفة: هو الضَّررُ اللاحق بالقسمة؛ لأن كل واحد من الشريكين إذا طالب شريكه بالقسمة كان عليه في ذلك من الكلفة والمؤنة والغرامة والضيق في مرافق المنزل ما هو معلوم؛ فإنه قبل القسمة ربما ارتفق بالدار والأرض كلها وبأي موضع شاء منها، فإذا وقعت الحدود ضاقت به الدار وقصر على موضع منها، وفي ذلك من الضرر عليه ما لا خفاء به، فمكَّنه الشارع بحكمته ورحمته من رفع هذه المضرة عن نفسه؛ بأن يكون أحق بالمبيع من الأجنبي الذي يريد الدخول عليه، وحرم الشارع على الشريك أن يبيع نصيبه حتى يُؤذنَ شريكه، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وإن أذن في البيع وقال: لا غرض لي فيه لم يكن له الطلب بعد البيع؛ هذا مُقتضى حكم رسول اللَّه ﷺ (٥)، ولا معارض له بوجه، وهو الصواب المقطوع به، وهذه طريقة من يرى أنه لا شفعة إلا فيما يقبل القسمة. وقالت طائفة أخرى: إنما شُرعت الشفعة لرفع الضرر اللاحق بالشركة؛ فإذا كانا شريكين في عين من الأعيان بإرثٍ أو هبةٍ أو وصيةٍ أو ابتياع أو نحو ذلك لم يكن رفع ضرر أحدهما بأولى من رفع ضرر الآخر؛ فإذا باع نصيبه كان شريكه

стр. 1167

أحق به من الأجنبي؛ إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه، فإنه يصل إليه حقه من ذلك الثمن (١)، ويصل هذا إلى استبداده بالبيع (٢)، فيزول الضرر عنهما جميعًا، وهذا مذهب من يرى الشفعة في الحيوان والثياب والشجر والجواهر والدور الصغار التي لا يمكن قسمتها، وهذا قول أهل مكة وأهل الظاهر، ونصَّ عليه الإمام أحمد في "رواية حنبل"، قال: قيل لأحمد: فالحيوان دابة تكون بين رجلين أو حمار أو ما كان (٣) من نحو ذلك، قال: هذا كله أوْكدُ؛ لأن خليط الشريك أحق به بالثمن (٤)، وهذا لا يمكن قسمته؛ فإذا عرضه على شريكه وإلا باعه بعد ذلك (٥). [فيم تكون الشفعة] وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن الرجل يَعرضُ على شريكه عقارًا بينه وبينه أو نخلًا، فقال الشريك: لا أريد، فباعه، ثم طلب الشفعة بعد، قال: له الشفعة في ذلك. واحتج لهذا القول بحديث جابر [الصحيح] (٦): "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشُّفعة في كل ما لم يُقسم" (٧) وهذا يتناول المنقول والعقار، وفي

стр. 1168

كتاب "الخراج" عن يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كان له شِرْكٌ في نخل أو ربْعة (١) فليس له أن يبيع حتى يؤْذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك" (٢)، وهذا الإسناد على شرط مسلم؛ وفي الترمذي من حديث عبد العزيز بن رُفيع، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الشريكُ شفيعٌ (٣)، والشُّفعة في كُلِّ شيء" (٤) تفرّد به أبو

стр. 1169

حمزة السكري عن عبد العزيز بهذا الإسناد، ورواه أبو الأحوص سَلَّام بن سُليم عن عبد العزيز ولم يذكر ابن عباس، ولفظه: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة في كل شيء: الأرض والدار والجارية والخادم"، وكذلك رواه أبو بكر بن عَيّاش وإسرائيل بن يونس عن عبد العزيز مرسلًا؛ فهذا علة هذا الحديث، على أن أبا حمزة السكري ثقة احتجّ به صاحبا "الصحيح" (١)، وإن قلنا: "الزيادة من الثقة مقبولة" (٢) فرفع الحديث إذن صحيح، وإلا فغايته أن يكون مرسلًا قد عضدته الآثار المرفوعة والقياس الجلي. وقد روى أبو جعفر الطحاوي: عن محمد بن خُزيمة، عن يوسف (٣) بن عديِّ، عن عبد اللَّه (٤) بن إدريس، عن ابن جُريج، عن عطاء، عن جابر قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة في كل شيء" (٥) ورواة هذا الحديث ثقات، وهو غريب بهذا الإسناد. قالوا: ولأن الضررَ بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر [بالعقار] (٦) الذي يقبل القسمة؛ فإذا كان الشارع مُريدًا لرفع الضرر الأدنى فالأعلى أولى بالرفع، قالوا: ولو كانت الأحاديثُ مختصةً بالعقار والأرض (٧) المنقسمة فإثباتُ الشفعة فيها تنبيه على ثبوتها فيما لا يقبل القسمة.

стр. 1170

وقال الآخرون: الأصل عدم انتزاع المال من غيره (١) إلا برضاه، ولكن تركنا ذلك في [الأرض و] (٢) العقار لثبوت النص (٣) فيه، وأما الآثار المتضمنة لثبوتها في المنقول فضعيفة معلولة؛ وقوله في الحديث الصحيح: "فإذا وقعتِ الحدودُ وصُرِفت الطُّرق فلا شفعة" (٤) يدل على اختصاصها بذلك، وقول جابر عن النبي ﷺ : "الشفعةُ في كلِّ شِرْك (٥) في أَرضٍ أو رَبْعٍ أو حائطٍ" (٦) يقتضي انحصارها في ذلك، قالوا: وقد قال عثمان [بن عفان] (٧) ﵁: "لا شفعة في بئرٍ ولا فَحْلٍ، والأُرَفُ (٨) يقطع كلَّ شفعة" (٩)، والفَحْل: النخل، والأُرَف -بوزن الغُرف-: المعالم والحدود (١٠)، وقال أحمد: ما أصحه من حديث (١١)!

стр. 1171

قالوا: والفرق بين المنقول وغيره أن الضرر في غير المنقول يتأبّدُ بتأبّده، وفي المنقول لا يتأبد؛ فهو ضرر عارض فهو كالمكيل والموزون. قالوا: والضرر في العقار يكثر جدًا؛ فإنه يحتاج الشريك إلى إحداث المرافق، وتغيير الأبنية، وتضييق الواسع، وتخريب العامر، وسوء الجوار، وغير ذلك مما يختص بالعقار، فأين ضرر الشركة في العبد والجوهرة والسيف من هذا الضرر؟ [رأي المثبتين للشفعة] قال المثبتون للشفعة: إنما كان الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه لما فيه من الظلم له والإضرار به، فأما ما لا يتضمن ظلمًا ولا إضرارًا بل مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه؛ فليس الأصل عدمه، بل هو مقتضى أصول الشريعة، فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة، وإن لم يرض صاحب المال، وترْكُ معاوضته هاهنا لشريكه مع كونه قاصدًا للبيع ظلمٌ منه وإضرار بشريكه فلا يمكّنه الشارع منه، بل من تأمل [مصادر] (١) الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يُمكِّن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه مع أنه لا مصلحة له في ذلك. وأما الآثار (٢) فقد جاءت بهذا وهذا، ولو قدر عدم صحتها بالشفعة في المنقول فهي لم تنف ذلك، بل نَبهت عليه كما ذكرنا؛ وأما تأبيد (٣) الضرر وعدمه ففرق فاسد، فإن من المنقول ما يكون تأبيده كتأبيد (٤) العقار كالجوهرة والسيف والكتاب والبئر، وإن لم يتأبد ضرره مدى الدهر فقد يطول ضرره كالعبد والجارية، ولو بقي ضرره مدة فإن الشارع مريدٌ لدفع الضرر بكل طريق ولو قصرت مدته، وأما تفريقكم بكثرة الضرر في العقار وقلته في المنقول فلعمر اللَّه! إن الضرر في العقار يَكْثرُ من تلك الجهات، ولكن يمكن رفعه بالقسمة، وأما الضرر في المنقول فإنه لا يمكن رفعه بقسمته، على أن هذا مُنتَقِضٌ بالأرض الواسعة التي ليس فيها شيء مما ذكرتم.

стр. 1172

فصل [رأي القائلين بشفعة الجوار] وقالت طائفة ثالثة: بل الضرر الذي قصد الشارع رفعه هو ضرر سوء الجوار والشركة في العقار والأرض؛ فإن الجار قد يسيء الجوار غالبًا أو كثيرًا، فيُعلي الجدارَ، [ويتبع العثار] (١)، ويمنع الضوء، ويشرف على العورة، ويطلع على العثرة، ويؤذي جاره بأنواع الأذى، ولا يأمن [جارُهُ] (٢) بوائقه، وهذا مما يشهد به الواقع. [حق الجار] وأيضًا فإن الجار (٣) له من الحرمة والحق والذِّمَام ما جعله اللَّه له في كتابه، ووَصَّى به جبريل رسول اللَّه ﷺ غاية الوصية (٤)، وعَلَّق النبي ﷺ الإيمان باللَّه واليوم الآخر بإكرامه (٥)، وقال الإمام أحمد: الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حق، وهو الذمي الأجنبي له حق الجوار، وجارٌ له حَقَّان، وهو المسلم الأجنبي له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق، وهو المسلم القريب له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة؛ ومثل هذا [ولو] (٦) لم يَرِد في الشريك فأدنى المراتب مساواته به فيما يندفع به الضرر، لاسيما والحكم بالشفعة ثبت في الشركة

стр. 1173

لإفضائها إلى ضرر المجاورة فإنهما إذا اقتسما تجاورا (١). [ثبوت الحكم بالشفعة في الشركة وللجار] قالوا: ولهذا [السبب] (٢) اختصت بالعقار دون المنقولات؛ إذ المنقولات لا تتأتَّى فيها المجاورة، فإذا ثبتت في الشركة (٣) في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. قالوا: وهذا معقول النصوص لو لم يرد بالثبوت فيها، فكيف وقد صَرَّحت بالثبوت فيها أعظم من تصريحها بالثبوت للشريك؟ ففي "صحيح البخاري" من حديث عمرو بن الشريد قال: جاء المسْور بن مَخْرمة فوضع يده على منكبي، فانطلقت معه إلى سعد بن أبي وقاص، فقال أبو رافع: ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي الذي في داره، فقال: لا أزيده على أربع مئة مُنَجَّمة، فقال: قد أُعطيت خمس مئة نقدًا فمنعته، ولولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "الجارُ أحقُّ بصقَبِه" (٤) ما بعُتك (٥). وروى عمرو بن الشَّريد أيضًا عن أبيه الشَّريد بن سُويد الثقفي قال: قلت: يا رسول اللَّه أرضٌ ليس لأحد فيها قسم ولا شِرْكٌ إلا الجوار قال: "الجار أحقُّ بسَقَبه" (٦) أخرجه الترمذيُّ والنَّسائيُّ وابنُ ماجه، وإسناده صحيح.

стр. 1174

وقال البخاري: "وهو أصح من رواية عمرو عن أبي رافع" (١) يعني المتقدم، وقال أيضًا: "كلا الحديثين عندي صحيح" (٢). وعن الحسن عن سمرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "جارُ الدار أولى (٣) بالدار" (٤) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، انتهى. وقد صح سماع الحسن من سمرة، وغاية هذا أنه كتاب (٥)، ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديمًا وحديثًا، وأجمع الصحابة على العمل بالكتب، وكذلك الخلفاء بعدهم، وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يُعمل بما فيها

стр. 1175

تعطّلت الشريعة، وقد كان رسول اللَّه ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه، ولا يقول: هذا كتاب، وكذلك خلفاؤه [من] (١) بعده، والناس إلى اليوم؛ فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل، والحفظ يخون (٢)، والكتاب لا يخون، وروى قتادة عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "جار الدار أحق بالدار" (٣) رواه ابن ماجه من طريق عيسى بن يونس عن سعيد عن

стр. 1176

قتادة، وكلهم أئمة ثقات، ورَوى أهل "السنن الأربعة" من حديث ميزان الكوفة عبد الملك بن أبي سُليمان العَرْزمي، عن عطاء، عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الجارُ أحق بشفعة جاره، يُنتظرُ بها وإن كان غائبًا، إذا كان طريقُهما واحدًا" (١). وهذا حديث صحيح بلا تردد (٢).

стр. 1177

[حديث العرزمي في الشفعة والكلام عليه] فإن قيل: قد قال الترمذي: "تكلَّم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث"، وقال وكيعٌ عنه: لو أن عبد الملك روى حديثًا آخر مثل حديث الشفعة لطرحت حديثه، وكذلك قال يحيى القطان (١). وقال أحمد: هو حديث منكر، وقال يحيى بن معين: هو حديث لم يحدث به إلا عبد الملك، فأنكَر الناس عليه، ولكنه ثقة صدوق (٢). [تصحيح الحديث] فالجواب أن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق، ولم يتعرض له أحد بجرح ألبتَّة، وأثنى عليه أئمة زمانه وَمنْ بعدهم، وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنًا منهم أنه مخالف لرواية الزّهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر عن النبي ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصُرِفت الطرق فلا شفعة (٣) " ولا يحتمل مخالفة العرزمي (٤) لمثل الزهري، وقد صح هذا عن جابر من رواية الزهري عن أبي سلمة عنه (٥)، ومن رواية ابن جُريج عن أبي الزبير عنه (٦)، ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، فخالفهم العرزمي (٤)، ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه، ولم يُقدّموه على حديث هؤلاء، قال مُهنَّا بن يحيى الشاميّ: سألت أحمد بن حنبل عن حديث عبد الملك هذا، فقال: قد أنكره شعبة، فقلت: لأي شيء أنكره؟ فقال: حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ خلاف ما قال عبد الملك عن عطاء عن جابر عن النبي ﷺ ، وسنبين إن شاء اللَّه أن حديث عبد الملك [عن عطاء] (٧) عن جابر لا يناقض حديث أبي سلمة عنه، بل مفهومه موافق (٨) منطوقه، وسائر أحاديث جابر يصدق بعضها بعضًا.

стр. 1178

[أحاديث أخرى] وروى جَرير بن عبد الحميد، عن مَنْصور، عن الحَكَم، عن علي وعبد اللَّه قالا: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة للجوار" (١) وهذا وإن كان منقطعًا فإن الثوري رواه عن منصور عن الحكم عَمَّن سمع عليًا وعبد اللَّه؛ فهو يصلح للاستشهاد وإن لم يكن عليه وحده الاعتماد، وفي "سنن ابن ماجه" من حديث شَريك القاضي، عن سِماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من كان له أرض وأراد بيعها فليَعْرضها على جاره" (٢) ورجال هذا الإسناد محتجٌ بهم في الصحيح، وفي "سنن النسائي" من حديث أبي الزبير، عن جابر قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة للجوار" (٣) رواه عن الفَضْل بن موسى السِّيناني (٤)، عن الحُسين بن واقد، عن أبي الزبير، [عن جابر] (٥)، وهو على شرط مسلم.

стр. 1179

وقال شُعيب بن أيوب الصّريفيني (١): ثنا أبو أمامة، عن سعيد بن أبي عَروبة: ثنا قتادة، عن سُليمان اليشكري، عن جابر بن عبد اللَّه أن النبي ﷺ قال: "من كان له جار في حائطٍ أو شريكٍ فلا يَبعْهُ حتى يعرضه عليه" (٢) وهؤلاء ثقات كلهم، وعلة هذا الحديث ما ذكره الترمذي قال: سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: سُليمان اليشكري يقال: إنه [مات] (٣) في حياة جابر بن عبد اللَّه، قال: ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بِشْر، قال: ويقال: إنما يحدث قتادة عن (٤) صحيفة سليمان اليَشْكُري، وكان له كتاب عن جابر بن عبد اللَّه. قلت: وغاية هذا أن يكون كتابًا، والأخذ من الكتب حجة. وقال محمد بن عمران بن أبي ليلى، عن أبيه: حدثني ابنُ أبي ليلى -يعني: محمد بن عبد الرحمن-، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الجار أحق بسقبِهِ ما كان" (٥). وقال ابن أبي شيبة: ثنا وكيع، عن هشام بن المغيرة الثقفي قال: سمعت

стр. 1180

الشعبي يقول: قال رسول اللَّه ﷺ (١): "الشَّفيع أَولى من الجار، والجار أولى من الجَنْبِ" (٢) وإسناده إلى الشعبي صحيح، قالوا: ولأن حق الأصيل وهو الجار أسْبق من حَقِّ الدَّخيل، وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار؛ فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتًا فاحشًا، ويتأذى بعضهم من بعض (٣)، ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود [بينهم] (٤) بذلك دائمًا متأبدًا، ولا يندفع ذلك إلا برضاء الجار؛ إن شاء أقرَّ الدخيل (٥) على جواره [له]، وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مُؤنة المجاورة ومفسدتها. وإذا كان الجار يخاف التأذي بالمجاورة على وجه اللزوم، كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم. قالوا: ولا يَرِدُ علينا المستأجر مع المالك؛ فإن منفعة الإجارة لا تتأَبَّد عادة، وأيضًا فالملك بالإجارة ملك منفعة، ولا لزوم بين ملك الجار وبين منفعة دار جاره، بخلاف مسألتنا؛ فإن الضرر بسبب اتصال الملك بالملك كما أنه في الشركة حاصلٌ بسبب اتصال الملك بالملك؛ فوجب بحكم عناية (٦) الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعًا على وجه لا يضر البائع، وقد أمكن هاهنا، فيبعد القول به، فهذا تقريرُ قولِ هؤلاء نصًا وقياسًا. [رد المبطلين لشفعة الجوار] قال المبطلون لشفعة الجوار (٧): لا تُضرب سُنَّة رسول اللَّه ﷺ بعضها

стр. 1181

ببعض؛ فقد ثبت في "صحيح البخاري" من حديث الزهري عن أبي سلمة عن جابر قال: "إنما جَعل رسولُ اللَّه ﷺ الشُّفعةَ في كل ما لم يُقْسم، فإذا وقَعتِ الحدودُ وصُرفِت الطُّرقُ فلا شفعة" (١)، وفي "صحيح مسلم" من حديث أبي الزبير عن جابر قال: "قضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم رَبْعة أو حائطٍ، ولا يحل له أن يبيع حتى يُؤذنَ شريكه، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإن باع ولم يُؤْذنه فهو أحق [به] " (٢)، قال الشافعي: ثنا سعيد بن سالم (٣): ثنا ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "الشفعة فيما لم يُقسم، فإذا وَقعتِ الحدودُ فلا شُفعةَ" (٤)، [وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا قسمت الأرض وحُدَّت فلا شفعة فيها"] (٥) وفي "الموطأ" من حديث ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي

стр. 1182

هريرة قال: "قَضى رسول اللَّه ﷺ بالشفعة فيما لم يُقسم، فإذا صُرِفَت الطرق ووَقَعتِ الحدودُ فلا شفعةَ" (١)، وقال سعيد بن منصور: ثنا إسماعيل بن زكريا،

стр. 1183

عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عون (١) بن عبد اللَّه، عن عبيد اللَّه [بن عبد اللَّه] عن (٢) عمر بن الخطاب قال: "إذا صُرفت الحدود وعرف الناس حُدودَهم فلا شفعة بينهم" (٣).

стр. 1184

وقال أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عثمان بن عفان: "إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها" (١)، وهذا قول ابن العباس (٢). قالوا: ولا ريب أن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والإحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة ملكه عليه. [الفرق بين الشريك والجار] قالوا: وقد فَرَّق اللَّه بين الشريك والجار شرعًا وقدرًا؛ ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار؛ فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز، ولكل من الشريكين على صاحبه مطالبةٌ شرعية ومنعٌ شرعي؛ أما المطالبة ففي القسمة، وأما المنع فمن التصرف؛ فلما كانت الشركة محلًا للطلب و [محلًا للمنع كانت] (٣) محلًا للاستحقاق، بخلاف الجوار، فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف! والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤنة المقاسمة، وهي مؤنة كثيرة، والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عَرَّضه لمؤنة (٤) عظيمة، فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشِّقص (٥) على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري، ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل البيع؛ لأن شريكه مثله ومُساو له في الدرجة، فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه، فإذا باع

стр. 1185

صار المشتري دخيلًا، والشريكُ أصيل، فرُجِّح جانبه وثبت له الاستحقاق. قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضًا يقصد رفع الضرر عن المشتري، ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري؛ فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله، فإذا سُلِّط الجار على إخراجه وانتزاع داره منه أضر به إضرارًا بينًا، وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا، وتطلُّبه دارًا لا جار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر (١)؛ فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق؛ لئلا يضر الناس بعضهم بعضًا، ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده، وهذا بخلاف الشريك، فإن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها، والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه، فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائه ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ فتعين (٢) حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة؛ فيكون لفظ [الجار فيها] (٣) مرادًا به الشريك، ووجه هذا الإطلاق المعنى والاستعمال، أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه، فهما جاران حقيقة، وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران، ولذا سميت الزوجة جارة كما قال الأعشى: أجارتنا بِيني فإنك طالقه (٤) فتسمية الشريك جارًا أولى وأحرى، وقال حَمَل بن مالك: "كنت بين جارتين لي" (٥) [ومثل] (٦) هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة، [فأما إن] (٧) كان

стр. 1186

المرادُ بالحق فيها حَقَّ الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة، وأيضًا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد البيع، فأين [ثبوت] (١) حق الانتزاع من المشتري؟ ولا يلزم من ثبوت هذا الحق ثبوت حق الانتزاع، فهذا منتهى أقدام الطائفتين في هذه المسألة. [القول الوسط في حق الشفعة] والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا تحتمل سواه، وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث، أنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة، وإن لم يكن بينهما حق مشترك ألبتة -بل كان كُلُّ واحد منهما متميزا ملكه وحقوق ملكه- فلا شفعة (٢)، وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة: لمن هي؟ فقال: إذا كان طريقهما واحدًا، فإذا صُرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، وهو قول عمر بن عبد العزيز (٣)، وقول القاضيين: سوَّار بن عبد اللَّه (٤)، وعُبيد اللَّه بن الحسن العنبري (٥)، وقال أحمد في رواية ابن مشيش: [رأي البصريين] أهل البصرة يقولون: إذا كان الطريق [واحدًا] كان بينهم الشفعة مثل دارنا هذه، على معنى حديث جابر الذي يُحدِّثُه عبد الملك (٦)، انتهى.

стр. 1187

[رأي الكوفيين وأهل المدينة] فأهل الكوفة يثبتون شفعة الجوار مع تميز الطرق والحقوق، وأهل المدينة يسقطونها مع الاشتراك في الطريق والحقوق، وأهل البصرة يوافقون أهل المدينة إذا صُرفت الطرق ولم يكن هناك اشتراك في حق من حقوق الأملاك، ويوافقون أهل الكوفة إذا اشترك الجاران في حق من حقوق الأملاك كالطريق وغيرها، وهذا هو الصواب، وهو أعدل الأقوال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١). [رأي ابن القيم في حديث العرزمي] وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريحٌ [فيه] (٢)، فإنه قال: "الجَارُ أحَقُّ بسقبه يُنتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" (٣) فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق، ونفاها به مع اختلاف الطرق بقوله: "فإذا وقعت الحدود وصُرِفت الطرق فلا شُفعةَ" (٤) فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سلمة، فأحدهما يُصدق الآخر ويوافقه، لا يعارضه ويناقضه، وجابر روى اللفظين؛ فالذي دَلَّ عليه حديث أبي سلمة عنه من إسقاط الشفعة عند تصريف الطرق وتمييز الحدود هو بعينه الذي دل عليه حديث عبد الملك عن عطاء عنه بمفهومه، والذي دل عليه حديث عبد الملك بمنطوقه هو الذي دَلَّت عليه سائر أحاديث جابر بمفهومها، فتوافقت السنن بحمد اللَّه وائتلفت، وزال عنها ما يُظن بها من التعارض، وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري (٥) يدل على مثل ما دل عليه حديث عبد الملك؛ فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق، فإن البيتين كانا في نفس دار سعد، والطريق واحد بلا ريب. [القياس الصحيح يؤيد مفهوم حديث العرزمي] والقياس الصحيح يقتضي هذا القول؛ فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك، والضرر الحاصل بالشركة فيها [نظير الضرر] (٦) الحاصل

стр. 1188

بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري؛ فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه؛ فهذا المذهب أوسط المذاهب، وأجمعها للأدلة، وأقربها إلى العدل، وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁؛ فحيث قال: "لا شُفعةَ" ففيما إذا وَقعتِ الحدود وصُرِفت الطرق، وحيث أثبتها ففيما إذا لم تصرف الطرق، فإنه قد روي عنه هذا وهذا (١)، وكذلك ما روي عن علي (٢)، فإنه قال: "إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" (٣) وَمن تأمَّل أحاديث شفعة الجوار رآها صريحة في ذلك، وتَبيَّن له بطلان حملها على الشريك وعلى حق الجوار غير الشفعة، وباللَّه التوفيق. [اعتراض] فإن قيل: بقي عليكم أن في حديث جابر وأبي هريرة: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة" (٤) فأسقط الشُّفعةَ بمجرد وقوع الحدود، وعند أرباب هذا القول إذا حصل الاشتراك في الطريق فالشفعة ثابتة، وإن وقعت الحدود، وهذا خلاف الحديث. [الجواب عن الاعتراض] فالجواب من وجهين؛ أحدهما: أن من الرواة من اختصر أحد اللفظين، ومنهم من جَوَّد الحديث فذكرهما، ولا يكون إسقاط مَنْ أسقط أحد اللفظين مبطلًا لحكم اللفظ الآخر. الثاني: أن تَصريفَ الطرق داخل في وقوع الحدود؛ فإن الطريق إذا كانت مشتركة لم تكن الحدود كلها واقعة، بل بعضها حاصل، وبعضها مُنتف، فوقوع الحدود من كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق، واللَّه أعلم.

стр. 1189

فصل [الحكمة في الفرق بين بعض الأيام وبعضها الآخر] وأما قوله: "وحَرَّم صوم أول يوم من شوال، وفَرضَ صوم آخر يوم من رمضان مع تساويهما" فالمقدمة الأولى صحيحة، والثانية كاذبة؛ فليس اليومان مُتساويين وإن اشتركا في طلوع الشَّمسِ وغروبها؛ فهذا يومٌ من شهر رمضان الذي فرضه اللَّه على عباده، وهذا يومُ عيدِهم وسرورهم الذي جعله اللَّه تعالى شكران صومهم وإتمامه، فهم فيه أضيافه سبحانه، والجوادُ الكريم يُحب من ضيفه أن يقبل قِرَاه، ويكره أن يمتنعَ من قبول ضيافته بصومٍ أو غيره، ويُكره للضيف أن يصوم إلا بإذن صاحب المنزل؛ فمن أعظم محاسن الشريعة فرض صوم آخر يوم من رمضان فإنه إتمام لما أمر اللَّه به وخاتمة العمل، وتحريم صوم أول يوم من شوال فإنه يوم يكون فيه المسلمون أضياف ربهم ﵎، وهم في شكران نعمته عليهم، فأيُّ شيء أبلغ وأحسن من هذا الإيجاب والتحريم؟. فصل [الحكمة في الفرق بين بنت الأخ وبنت العم ونحوها] وأما قوله: "وحَرَّم عليه نكاح بنت أخيه وأخته، وأباح له نكاح بنت أخي أبيه [وبنت] (١) أخت أمه، وهما سواء" فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية كاذبة؛ فليستا (٢) سواء في نفس الأمر، ولا في العُرْفِ، ولا في العُقولِ، ولا في الشريعة، وقد فَرَّق اللَّه سبحانه بين القريب والبعيد شرعًا وقدرًا [وعقلًا] (٣) وفطرةً، ولو تساوت القرابة لم يكن فرقٌ بين البنت وبنت الخالة (٤) وبنت العمة، وهذا من أفسد الأمور، والقرابةُ البعيدةُ بمنزلة الأجانب؛ فليس من الحكمة والمصلحة أن تُعطى حكم القرابة القريبة، وهذا مما فطر اللَّه عليه العقلاء، وما خالف شرعه في ذلك فهو إما مجوسية تتضمن التسوية بين البنت والأم وبنات الأعمام والخالات في نكاح الجميع، وإما حرجٌ عظيم على العباد في تحريم نكاح بنات أعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتِهم؛ فإن الناس -ولاسيما العرب- أكثرهم بنو عَمٍّ

стр. 1190

بعضهم لبعض إما بنوّة عم دانية وإما قاصية، فلو مُنِعوا من ذلك لكان عليهم فيه حرج عظيم وضيق؛ فكان ما جاءت به الشريعة أحسن الأمور وألصقها بالعقول السليمة والفطر المستقيمة، والحمد للَّه رب العالمين. فصل [حمل العاقلة دية الخطأ] وأما قوله: "وحمَّل العاقلة جناية الخطأ على النفوس دون الأموال" فقد تقدم أن هذا من محاسن الشريعة، وذكرنا من الفرق بين الأموال والنفوس ما أغنى عن إعادته. فصل [الحكمة في الفرق بين المستحاضة والحائض] وأما قوله: "وحرم وطء الحائض لأجل الأذى، وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى، وهما متساويان" فالمقدمة الأولى صادقة، والثانية فيها إجمال، فإن أريدَ أن أذى الاستحاضة مساوٍ لأذى الحيض كَذبَت المقدمة، وإن أريد أنه نوع آخر من الأذى لم يكن التفريقُ بينهما تفريقًا بين المتساويين، فبطل سؤاله على كلا التقديرين. ومن حكمة الشارع تفريقه بينهما؛ فإنَّ أذى الحيضِ أعَظمُ وأدومُ وأضرُّ من أذى الاستحاضة، ودم الاستحاضة عِرق، وهو في الفرج بمنزلة الرعاف في الأنف، وخروجه مضر، وانقطاعه دليل على الصحة، ودم الحيض عكس ذلك، ولا يستوي الدمان حقيقة ولا عرفًا ولا سببًا ولا حكمًا؛ فمن كمال الشريعة تفريقها بين الدمين في الحكم كما افترقا في الحقيقة، وباللَّه التوفيق. فصل [الحكمة في الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا] وأما قوله: "وحرم بيع مدِّ حِنطة بمد وحفنة، وجوز بيعه بقفيز (١) شعير" فهذا من محاسن الشريعة التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة، ونحن نشير إلى

стр. 1191

حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، وشرع الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا، فنقول (١): [الربا نوعان: جليّ وخفي، والجلي النسيئة] الربا نوعان: جَلي، وخفي، فالجلي حُرِّم لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم لأنه ذريعة إلى الجلي فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني وسيلة (٢)، فأما الجلي فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، مثل أن يُؤخِّر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاد في المال، حتى تصير المئة عنده [آلافًا] (٣) مؤلفة؛ وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدمٌ محتاج؛ فإذا رأى أن المُستحق يُؤخِّر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلَّف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقت إلى وقت، فيشتد ضرره، [وتعظم مصيبته] (٤)، ويعلوه الدَّيْن حتى يستغرقَ جميع مَوْجوده، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه، فيأكل مال أخيه بالباطل، ويحصل أخوه على غاية الضرر، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حَرَّم الربا، ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه (٥)، وآذن من لم يَدَعْه بحربه وحرب رسوله، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر (٦). وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال: [هو] أن يكون له دين فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل (٧) وقد

стр. 1192

جعل اللَّه سبحانه الربا ضد الصدقة، فالمُرابي ضد المُتصدِّق، قال اللَّه تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٠ - ١٣١] ثم ذكر الجنة التي أُعدت [للمتقين الذين] (١) ينفقون في السَّراء والضَّرَّاء، [والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس] (٢) وهؤلاء ضد المرابين، فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم. وفي "الصحيحين" من حديث ابن عباس، عن أسامة بن زيد أن النبي ﷺ قال: "إنما الرِّبا في النَّسيئة" (٣) ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] وكقول ابن مسعود: "إنما العالم الذي يخشى اللَّه" (٤). فصل (٥) [ربا الفضل] وأما [تحريم] (٦) ربا الفَضْل فتحريمه من باب سد الذرائع، كما صَرَّح به

стр. 1193

[في] (١) حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ : "لا تبيعوا الدِّرهم بالدرهمين؛ فإني أخاف عليكم الرِّمَاء، والرَّماء هو الربا" (٢)، فمنعهم من ربا الفَضْل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يُفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين -إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك- تذرعوا (٣) بالربح المُعجَّل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذه ذريعة قريبة جدًا؛ فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئة؛ فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول، وهي تسد عليهم باب المفسدة. [الأجناس التي يحرم فيها ربا الفضل وآراء العلماء في ذلك] فإذا تبين هذا فنقول: الشارع نص على تحريم ربا الفَضْل في ستة أعيان، وهي: الذَّهب، والفضة، والبر والشعير، والتمر، والملح، فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها؛ فطائفة قَصَرَت التحريم عليها، وأقدم من يُروى عنه هذا قتادة (٤)، وهو مذهب أهل الظاهر (٥)،

стр. 1194

واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته (١) مع قوله بالقياس، قال: لأن عللَ القياسيين في مسألة الربا عللٌ ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة امتنع القياس. وطائفة حَرَّمته في كل مكيل وموزون بجنسه، وهذا مذهب عمار (٢) وأحمد في ظاهر مذهبه (٣) وأبي حنيفة (٤)، وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلًا ولا موزونًا، وهو قول الشافعي (٥) ورواية (٦) عن أحمد (٧)، [وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلًا أو موزونًا (٨)، وهو قول سعيد بن المسيب (٩) ورواية عن أحمد (١٠) وقول

стр. 1195

للشافعي] (١)، وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه، وهو قول مالك (٢)، وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه. [علة تحريم ربا الفضل في الدراهم والدنانير] وأما الدراهم والدنانير، فقالت طائفة: العلة فيهما كونهما موزونين، وهذا مذهب أحمد (٣) في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة (٤)، وطائفة قالت: العلة فيهما الثمنية، وهذا قول الشافعي (٥) ومالك (٦) وأحمد (٧) في الرواية الأخرى، وهذا هو الصحيح بل الصواب، فإنهم أجمعوا على جواز إسلافهما (٨) في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما؛ فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدًا؛ فإن ما يجري فيه الربا إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النَّسَاء، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها. [وأيضًا] (٩) فالتعليلُ بالوزن ليس فيه مناسبة، فهو طَرْدٌ محض، بخلاف التعليل بالثمنية، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محدودًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات، بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة،
следующие страницы →