← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الرجل وطَرَها (١) فتَرتْ (٢) شهوتُها، وانكسرت نفسُها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين، فتطابقت حكمه الشرع والقدر والخلق والأمر، وللَّه الحمد (٣). فصل [الحكمة في جواز استمتاع السيد بأمته دون العبد بسيدته] وأما قوله: "أباح للرجل أن يستمتع من أمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره" فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة وحكمتها، فإن السيدَ قاهرٌ لمملوكه، حاكمٌ عليه، مالك له، والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سُلطانِه وحُكمِه تُشبه الأسير؛ ولهذا مُنع العبد من نكاح سيدته للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته وموطوءته، وهذا أمر مشهورٌ بالفطرة والعقول قُبْحُه، وشريعة أحكم الحاكمين منزَّهةٌ عن أن تأتي به. فصل [التفريق بين أحكام الطلقات] وأما قوله: "وفَرَّق بين الطلقات فجعل بعضها مُحرِّمًا للزوجة وبعضها غير محرم" فقد تقدم [من] (٤) بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية. فصل [التفريق بين لحم الإبل وغيرها في إيجاب الوضوء] وأما قوله: "وفرَّق بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء" فقد تقدم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وفق الحكمة ورعاية المصلحة.

стр. 1122

فصل [الحكمة في التفريق بين الكلب الأسود وغيره] وأما قوله: "وفرق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة" فهذا سؤال أورده عبد اللَّه بن الصَّامت على أبي ذر، وأورده (١) أبو ذر على النبي ﷺ ، وأجاب عنه بالفرق البيِّن فقال: "الكلب الأسود شيْطان" (٢)، وهذا إن أُريد به أن الشَّيطانَ يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرًا كما هو الواقع فظاهر (٣)، وليس بمستنكر أن يكونَ مرورُ عدو اللَّه بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ويكون مرورُه قد جعلَ تلك الصلاةَ بغيضةَ إلى اللَّه مكروهة له، فيُؤمر المصلي باستئنافها (٤)، وإن كان المراد به أن الكلبَ الأسودَ شيطانُ الكلاب فإن كل جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين وهي ما عَتَا منها وتمرد، كما أن شياطين الإنس عُتاتهم ومتمردوهم، والإبلُ شياطينُ الأنعام، وعلى ذرْوة كل بعيرٍ شيطان (٥)؛ فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب -وهو من أخبثها وشرها- مبغضًا لتلك الصلاة إلى اللَّه تعالى؛ فيجب على المصلي أن يستأنفها (٦)، وكيف يُستبعدُ أن يقطعَ مرورُ العدو بين الإنسان

стр. 1123

وبين وليه حُكم مناجاته له كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهةٌ أو ريحٌ أو ألقى عليه الغير نجاسة أو نوّمه الشيطان فيها؟ وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحة ليقْطع عليَّ صلاتي" (١). وبالجملة؛ فللشارع [ ﷺ ] (٢) في أحكام العبادات أسرارًا لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة. فصل [الحكمة في التفرقة بين الريح والجُشاء] وأما قوله: "وفرق بين الريح الخارجة من الدُّبر وبين الجشوة؛ فأوجب الوضوء من هذه دون هذه "فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرق بين البَلْغم الخارج من الفَم وبين العَذِرَة في ذلك، ومَنْ سوّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوّى بين البلغم والعذرة، والجشاء من جنس العُطاس الذي هو ريحٌ تُحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذًا فتخرج من الخياشيم فيحدث العُطاس، وكذلك الجُشاء ريحٌ تُحبس (٣) فوق المعدة (٤) فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحبس تحت المعدة، ومن سوى بين الجشوة والضّرْطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحس. فصل [الحكمة في التفرقة بين الخيل والإبل في الزكاة] وأما قوله: "أوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن آلاف من

стр. 1124

الخيل" فلعمرُ اللَّه إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا كما في "سنن أبي داود" من حديث عاصم بن ضَمْرة عن علي (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : قد عفوتُ [لكم] (٢) عن الخيلِ والرَّقِيقِ، فهاتوا صدقةَ الرقةِ (٣) من كل أربعين درهمًا درهمًا (٤)، وليس في تسعين ومئة شيء، فإذا بلغت مئتين ففيها خمسةُ دراهم" (٥) ورواه سفيان عن أبى إسحاق عن الحارث عن علي ﷺ (٦)، وقال بقية: حدثني

стр. 1125

أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه، "عفوتُ لكم عن صدقةِ الجَبْهَةِ والكُسْعَة والنُّخَّة" (١) قال بقية: الجبهة الخيل،

стр. 1126

والكسعة: البغال والحمير، والنُّخة: المربيات في البيوت، وفي "كتاب عمرو بن حزم": "لا صدقة في الجبهة والكسعة، والكسعة: الحمير، والجبهة: الخيل" (١). وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، [عن النبي ﷺ ]: "ليس على المسلم في عبْدِه ولا فرسه صدقة" (٢). والفرق بين الخيل والإبل أن الخيل تُراد لغير ما تُراد له الإبل؛ فإن الإبل تراد للدَّرِّ والنَّسل والأكل وحمل الأثقال والمتاجر والانتقال عليها من بلد إلى بلد، وأما الخيل فإنما خُلقت للكرِّ والفَرِّ والطلب والهرب، وإقامة الدين، وجهاد أعدائه، وللشارع قصدٌ أكيد في اقتنائها وحفظها والقيام عليها، وترغيب النفوس في ذلك بكل طريق، ولذلك عفا عن أخذ الصدقة منها؛ ليكون ذلك أرغب للنفوس (٣) فيما يحبه اللَّه ورسوله من اقتنائها ورباطها، وقد قال [اللَّه] (٤) تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] فرباطُ الخيل من جنسِ آلاتِ السلاح والحرب، فلو كان عند الرجل منها ما عَسَاه أن يكون ولم يكن للتجارة لم يكن عليه فيه زكاة، بخلاف ما أُعدّ للنفقة؛ فإن الرجل إذا ملك منه نصابًا ففيه الزكاة، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا بعينه في قوله: "قد عفوتُ لكم عن صدقةِ الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة" (٥) أفلا تراه كيف فرف بين ما أُعدَّ للإنفاق [وبين] (٤) ما أعد لإعلاء كلمة اللَّه ونصر دينه وجهاد أعدائه؟ فهو من جنس السيوف والرماح والسهام، وإسقاط الزكاة في هذا الجنس من محاسن الشريعة وكمالها (٦).

стр. 1127

فصل [الحكمة في التفريق بين بعض مقادير الزكاة] وأما قوله: "أوجب في الذهب والفضة والتجارة ربع العشر، وفي الزروع والثمار نصف العشر أو العشر، وفي المعدن الخُمس" فهذا أيضًا من كمال الشريعة ومراعاتها للمصالح (١)؛ فإن الشارع أوجب الزكاة مواساةً للفقراء، وطُهرةً للمال، وعبوديةً للرب، وتقربًا إليه بإخراج محبوب العبد له وإيثار مرضاته، ثم فرضها على أكمل الوجوه، وأنفعها للمساكين، وأرفقَها بأرباب الأموال؛ ولم يفرضها في كل مال، بل فَرضَها في الأموال التي تحتمل المواساة، ويكثر فيها الربح والدَّرُّ والنسل، ولم يفرضها فيما يحتاج العبد إليه من ماله ولا غنى له عنه كعبيده وإمائه ومركوبه وداره وثيابه وسلاحه، بل فرضها في أربعة أجناس من المال: المواشي، والزروع والثمار، والذهب والفضة، وعروض التجارة؛ فإن هذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وعامة تصرفهم فيها، وهي التي تحتمل المواساة، دون ما أَسقَطَ الزكاة فيه، ثم قسم كل جنس من هذه الأجناس بحسب حاله وإعداده للنماء إلى ما فيه الزكاة وإلى ما لا زكاة فيه، فقسم المواشي إلى قسمين: سائمة؛ ترعى بغير كلفة ولا مشقة ولا خسارة، فالنعمة فيها كاملةٌ والمنَّةُ فيها وافرةٌ والكلفة فيها يسيرة والنَّماء فيها كثير؛ فخص هذا النوع بالزكاة، وإلى معلوفة بالثمن أو عاملة في مصالح أربابها في زكاة دواليبِهم وحروثِهم (٢) وحملِ أمتعتهم؛ فلم يجعل في ذلك زكاة، لكلفة العلوفة (٣) وحاجة المالكين إلى العوامل فهي كثيابهم وإمائهم وعبيدهم وأمتعتهم. ثم قسّم الزروع والثمار إلى قسمين: قسمٌ يجري مجرى السائمة من بهيمة الأنعام في سقيه من [ماء] (٤) السماء بغير كلفة ولا مشقة فأوجب فيه العشر، وقسم يُسقى بكلفة ومشقة ولكن كلفته دون كلفة المعلوفة بكثير إذ تلك تحتاج إلى العلف كل يوم فكان مرتبة بين مرتبة السائمة والمعلوفة، فلم يوجب فيه زكاة ما شَرِب بنفسه، ولم يسقط زكاته جملة [واحدة] (٤)، فأوجب فيه نصف العشر.

стр. 1128

ثم قسم الذهب والفضة إلى قسمين: أحدهما ما هو معدٌّ لتنميته (١) والتجارة به والتكسب ففيه الزكاة كالنقدين والسبائك ونحوها، وإلى ما هو معد للانتفاع دون الربح والتجارة كحلي (٢) المرأة وآلات السلاح التي يجوز استعمال مثلها فلا زكاة فيه (٣). ثم قسم العروض إلى قسمين: قسم أعد للتجارة ففيه الزكاة، وقسم أعد للقِنْية والاستعمال فهو مصروف عن جهة النماء فلا زكاة فيه. ثم لما كان حصول النماء والربح بالتجارة من أشق الأشياء وأكثرها معاناة وعملًا خفَّفها بأن جعل فيها ربع العشر، ولما كان الربح والنماء بالزروع والثمار التي تُسقى بالكلفة (٤) أقل كلفة والعمل أيسر ولا يكون في كل السنة جعله ضعفه وهو نصف العشر، ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقل والمؤنة أيسر جعله ضعف ذلك وهو العشر، واكتفى فيه بزكاة عامة خاصة؛ فلو أقام عنده بعد ذلك عدة أحوال لغير التجارة لم تكن فيه زكاة لأنه قد انقطع نماؤه وزيادته، بخلاف الماشية، وبخلاف [ما لو أعِدَّ للتجارة] (٥)؛ فإنه عُرْضة للنماء، ثم لما كان الرِّكازُ مالًا، مجموعًا محصلًا وكلفَة تحصيله أقل من غيره، ولم يحتج إلى أكثر من استخراجه كان الواجب فيه ضعف ذلك وهو الخمس. فانظر إلى تناسب هذه الشريعة الكاملة التي بهر (٦) العقولَ حسنُها وكمالها، وشهدت الفِطر بحكمتها، وأنه لم يطرق العالم شريعة أكمل منها (٧). ولو اجتمعت عقول العقلاء وفِطر الألِبَّاء واقترحت شيئًا يكون أحسنُ مُقترحًا (٨) لم يصل اقتراحها إلى ما جاءت به. ولما لم يكن كل مال يحتمل المواساة قدَّر الشارع لما يحتمل المواساة نُصُبًا مقدرة لا تجب الزكاة في أقل منها، ثم لما كانت تلك النصب تنقسم إلى مالا يجحف المواساة ببعضه أوجب الزكاة منها، وإلى ما يجحف المواساة ببعضه

стр. 1129

فجعل الواجب من غيره كما دون الخمس والعشرين من الإبل، ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كل يوم ولا كل شهر إذ فيه إجحاف بأرباب الأموال جعلها كل عام مرة كما جل الصيام كذلك، ولما كانت الصلاة لا يشق فعلها كل يوم وضعها (١) كل يوم وليلة، ولما كان الحج يشق تكرر وجوبه كل عام جعله وظيفة العمر. وإذا تامل العاقل مقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة وجده مما لا يضر المخرج فقده وينفع الفقير أخذه، ورآه قد راعى فيه حال صاحب المال وجانبه حق الرعاية، ونفع آخذيه (٢)، وقصد إلى كل جنس من أجناس الأموال فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه؛ فأوجب زكاة العين في الذهب والورق دون الحديد والرصاص والنحاس ونحوها، وأوجب زكاة السائمة في الإبل والبقر والغنم دون الخيل والبغال والحمير ودون ما يقل اقتناؤه كالصيود على اختلاف أنواعها ودون الطير كله، وأوجب زكاة الخارج من الأرض في أشرفه وهو الحبوب والثمار دون البقول والفواكه والمقاثي والمباطخ والأنوار (٣). وغير خافٍ تميز ما أوجب فيه الزكاة عما لم يوجبها فيه في جنسه ووصفه ونفعه وشدة الحاجة إليه وكثرة وجوده، وأنه جارٍ مجرى الأموال (٤) لما عداه من أجناس الأموال، بحيث لو فقد لأضر فقده بالناس، وتعطل عليهم كثير من مصالحهم، بخلاف ما لم يوجب فيه الزكاة فإنه جار مجرى الفضلات [والتتمات] (٥) التي لو فقدت لم يعظم الضرر بفقدها، وكذلك راعى في المستحقين لها أمرين مهمين: أحدهما حاجة الآخذ، والثاني نفعه؛ فجعل المستحقين لها نوعين: نوعًا لحاجته، ونوعًا يأخذ لنفعه، وحرّمها على من عداهما (٦). فصل [حكمة قطع يد السارق دون لسان القاذف مثلًا] وأما قوله: "وقطع يد السارق التي باشر بها الجناية (٧)، ولم يقطع فرج

стр. 1130

الزاني وقد باشر به الجناية، ولا لسان القاذف وقد باشر به القذف" فجوابه أن هذا من أدلِّ الدلائل على أن هذه الشريعة منزلة من عند أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. ونحن نذكر فصلًا نافعًا في الحدود ومقاديرها، وكمال ترتيبها (١) على أسبابها، واقتضاء كل جناية لما رُتِّب عليها دون غيرها (٢)، وأنه ليس وراء ذلك للعقول اقتراح، ونورد أسئلة لم يوردها هذا السائل، وننفصل عنها بحول اللَّه وقوته (٣) أحسن انفصال، واللَّه المستعان وعليه التكلان. إن (٤) اللَّه جل ثناؤه وتقدَّست أسماؤُه لمَّا خلق العباد وخلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها ليبلوَ عباده وليختبرهم أيهم أحسنُ عملًا لم يكن في حكمته بد من تهيئة أسباب الابتلاء في أنفسهم وخارجًا عنها، فجعلَ في أنفسهم العقولَ الصحيحةَ والأسماعَ والأبصارَ والإراداتِ (٥) والشهواتِ والقوى والطبائعَ والحبَّ والبغضَ والميلَ والنُّفورَ والأخلاقَ المتضادة المقتضية لآثارها اقتضاء السبب لمسبِّبه والتي في الخارج الأسباب التي تطلب النفوس حصولها فتنافس فيه، وتكره حصولها (٦) فتدفعه عنها، ثم أكَّد أسباب هذا الابتلاء بأن وكَّل بها قُرناءَ من الأرواح الشريرة الظالمة الخبيثة وقرناء من الأرواح الخيّرة العادلة الطيبة، وجعل دواعي القلب وميوله مترددة بينهما؛ فهو إلى داعي الخير مرة وإلى داعي الشر أخرى (٧)، ليتمَّ الابتلاء في دار الامتحان، وتظهر حكمة الثواب والعقاب في دار الجزاء، وكلاهما من الحق الذي خلق اللَّه السماوات والأرض به ومن أجله، وهما مقتضى ملك الرب وحمده؛ فلا بد أن يَظهَر ملكُه وحمدُه فيهما كما ظهر في خلق السماوات والأرض وما بينهما، وأوجب ذلك في حكمته ورحمته وعدله بحكم إيجابه على نفسه أن أرسل رُسُله وأنزل كتبه وشرع شرائعه ليتم ما اقتضته حكمته في خلقه وأمره، وأقام سوقَ الجهاد لما حصل من المُعاداة والمُنافرة بين هذه الأخلاق والأعمال والإرادات كما حصل بين من قامت به، فلم يكن بُد من حصول مقتضى الطبائع البشرية (٨) وما قارنها من الأسباب من التنافس

стр. 1131

والتحاسد والانقياد لدواعي الشهوة والغضب وتعدّي ما حَدَّ له والتقصير عن كثير مما تعبد به، وسهّل ذلك عليها اغترارَها بموارد المعصية مع الإعراضِ عن مصادِرِها، وإيثارها ما تتعجله من يسير اللذة في دنياها على ما تتأجَّله من عظيم اللذة في أخراها، ونزولها على الحاضر المشاهد، وتجافيها عن الغائب الموعود، وذلك موجَبُ ما جُبلت عليه من جهلها وظلمها؛ فاقتضت أسماءُ الربِّ الحُسنى وصفاتُه العليا وحكمتُه البالغةُ ونعمتُه السابغةُ ورحمتُه الشاملةُ (١) وجودَه الواسع أن لا يضْرب عن عباده الذكر صفحًا، وأن لا يتركهم سُدى، ولا يُخفيهم ودواعي نفوسهم (٢) وطبائعهم، بل ركَّب في فطرهم وعقولهم معرفةَ الخير والشر والنافع والضار والألم واللذة (٣) ومعرفة أسبابها، ولم يكتف بمجرد ذلك حتى عَرَّفهم به مفصلًا على ألسنة رسله، وقطع معاذيرهم بأن أقام على صِدْقهم من الأدلة والبراهين ما لا يبقى معه لهم عليه حجة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢] وصرّف لهم طُرقَ الوَعْد والوعيد والترغيب والترهيب، وضربَ لهم الأمثالَ وأزال عنهم كُلَّ إشكال، ومكَّنهم من القيام بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه غاية التمكين، وأعانهم عليه بكل سبب، وسَلَّطهم على قهر طباعهم بما يجرُّهم إلى إيثار العواقب على المبادئ ورفض اليسير الفاني من اللذة إلى العظيم الباقي منها، وأرشدهم إلى التفكر والتدبُّر وإيثار ما تقضي به عقولهم وأخلاقهم من هذين الأمرين، وأكمل لهم دينَهم، وأتمَّ عليهم نعمته بما أوصله إليهم على ألسنة رسله من أسباب العقوبة والمثوبة والبشارة والنذارة والرغبة والرهبة، وتحقيق ذلك بالتعجيل لبعضه في دار المحنة ليكون عَلمًا وأمارةً لتحقيق ما أَخَّره عنهم في دار الجزاء والمثوبة، ويكون العاجل مذكرًا بالآجل، والقليل المُنقطع بالكثير المُتّصل، والحاضر الفائت مُؤذنًا بالغائب الدائم، فتبارك [اللَّه] (٤) رب العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، وسبحانه وتعالى عما يظنه به من لم يقْدُرْه حقَّ قدره ممن أنكر أسماءَه وصفاتِه وأَمْرَه ونهيه ووَعْدَه ووعيده، وظن به ظن السوء فأرداهُ ظنُّه فأصبح من الخاسرين.

стр. 1132

[من حكمة اللَّه شرع الحدود] فكان من بعض حكمته سبحانه ورحمته أن شَرَع العقوبات في الجنايات الواقعة بين الناس [من] (١) بعضهم على بعض، في النفوس والأبدان والأعراض والأموال، كالقَتْل والجرح (٢) والقذت والسرقة؛ فأحْكم سبحانه وجوهَ الزّجرِ الرادعةِ عن هذه الجنايات غايةَ الإحكام، وشرعها على أكمل الوجوه المتضمنة لمصلحة الرح والزجر، مع عدم المجاوزة لما يستحقه (٣) الجاني من الرح؛ فلم يشرع في الكذب قَطعَ اللسان ولا القتل، ولا في الزنا الخصاء، ولا في السّرقةِ إعدام النفس. وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائِه وصفاتِه من حكمتِه ورحمتِه ولُطفه وإحسانه وعدله لتزول النوائب، وتنقطع الأطماع عن التظالم والعدوان، ويقنع (٤) كلُّ إنسان بما آتاه مالكُه وخالقه؛ فلا يطمع في استلاب غير (٥) حقه. [تفاوتت الجنايات فتفاوتت العقوبات] ومعلوم أن لهذه الجنايات الأربع مراتب متباينة في القلة والكثرة، ودرجات متفاوتة في شدة الضرر وخفته، كتفاوت سائر المعاصي في الكبر والصغر وما بين ذلك. ومن المعلوم أن النظرةَ المحرَّمةَ لا يصلح إلحاقها في العقوبة بعقوبة مرتكب الفاحشة، ولا الخدشة بالعود بالضربة بالسيف، ولا الشتم الخفيف بالقذف بالزنا والقدح في الأنساب؛ ولا سرقة اللقمة والفلس بسرقة المال الخطير العظيم، فلما تفاوتت مراتب الجنايات لم يكن بدٌّ من تفاوت مراتب العقوبات، وكان من المعلوم أن الناس لو وُكلوا إلى عقولهم في معرفة ذلك وترتيب كل عقوبة على ما يناسبها من الجناية جنسًا ووصفًا وقدرًا لذهبت بهم الآراءُ كُلَّ مَذْهَب، وتشعبت بهم الطُّرق كل شعب (٦)، ولعَظُمَ الخلاف (٧) واشتد الخَطْب، فكفاهم أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين مؤنةَ ذلك، وأزال عنهم كلفته، وتولى بحكمته وعلمه ورحمته تقديرَه نوعًا وقدرًا، ورتَب على كل جناية ما يناسبها من العقوبة ويليق بها

стр. 1133

من النّكال، ثم بلغ من سعة جوده ورحمته أن جعل تلك العقوبات كفارات لأهلها، وطُهْرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة؛ فرحمهم بهذه العقوبات أنواعًا من الرحمة في الدنيا والآخرة، وجعل هذه العقوبات دائرة على ستة أصول: قتْل، وقطْع، وجلْد، ونفْي، وتغريم مال، وتعزير (١). [القتل وموجبه] فأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس؛ فكانت عقوبته من جنسه (٢)، وكالجناية على الدِّين بالطعن فيه والارتداد عنه، وهذه الجناية أولى بالقتل وكَفِّ عدوان الجاني [عليه] (٣) من كل عقوبة؛ إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم، ولا خير يُرجى (٤) في بقائِه ولا مصلحة؛ فإذا حَبسَ شَرَّه [وأمسكَ] (٥) لسانَه وكفَّ أذاه والتزم الذُّلَّ والصغار وجريان أحكام اللَّه ورسوله عليه وأداء الجزية لم يكن في بقائه بين أظهر المسلمين ضررٌ عليهم، والدنيا بلاغ ومتاع إلى حين، وجعله أيضًا عقوبة الجناية، على الفروج المحرمة؛ لما فيها من المفاسد العظيمة واختلاط الأنساب والفساد العام (٦). [القطع وموجبه] وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلًا، وعقوبة السارق؛ فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل؛ فكانت (٧) أليقَ العقوباتِ به إبانةُ العضو الذي جعله وسيلةً إلى أذى الناس، وأَخْذِ أموالهم، ولما كان ضررُ المُحاربِ أشدَّ من ضرر السارق وعدوانه أعظم ضَمّ إلى قطع يده قطع رجله؛ ليكف عدوانه، وشر يده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى (٨) بها، وشرع أن يكون ذلك من خلاف لئلا يُفوِّت عليه منفعة الشق بكماله، فكف ضرره وعدوانه، ورحمه بأن أبقى له يدًا من شق ورجلًا من شق (٩).

стр. 1134

[الجلد وموجبه] وأما الجلد فجعله عقوبةَ الجنايةِ على الأَعراض، وعلى العقول، وعلى الأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة الطرف (١)، إلا الجناية على الأبضاع فإن مفسدتَها قد انتهضت سببًا لأشنع القتلات، ولكن عارضها في البكر شدة الداعي وعدم العوض (٢)، فانتهض ذلك المعارض سببًا لإسقاط القتل، ولم يكن الجلد وحده كافيًا في الزجر فغُلِّظ بالنفي والتغريب؛ ليذوق من ألم الغربة ومفارقة الوطن ومجانبة الأهل والخُلطاء ما يزجره عن المعاودة؛ وأما الجناية على العقول بالسكر فكانت مفسدتُها لا تتعدّى السكران غالبًا، ولهذا لم يُحرَّم السُّكر في أول الإسلام كما (٣) حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كل ملة وعلى لسان كل نبي، وكانت عقوبة هذه الجناية غير مقدرة من الشارع، بل ضرب فيها بالأيدي والنِّعال وأطراف الثياب والجريد، وضرب فيها أربعين (٤)، فلما استخف الناس بأمرها وتتابعوا في ارتكابها غلَّظها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ الذي أُمِرْنا بابتاع سنته، وسنته من سنة رسول اللَّه ﷺ ؛ فجعلها ثمانين بالسوط (٥)، ونَفَى فيها، وحَلَق الرَّأس (٦)، وهذا كله من فقه السنة؛ فإن النبي ﷺ أمر بقتل الشارب في المرة الرابعة (٧)، ولم يَنْسَخ

стр. 1135

ذلك، ولم يجعله حدًا لا بد منه؛ فهو عقوبة ترجع إلى اجتهاد الإمام في المصلحة، فزيادة أربعين والنفي والحلق أسهل من القتل (١). فصل [تغريم المال وموجبه] وأما تغريم المال -وهو العقوبة المالية- فشرعها في مواضع: منها تحريقُ متاعِ الغالِّ من الغنيمة (٢)، ومنها حرمان سهمه (٢)، ومنها إضعافُ الغرم على سارق الثمار المعلقة (٢)، ومنها إضعافه على كاتم الضَّالةِ المُلْتَقطة (٢)، ومنها أخذُ شَطْر مال مانع الزكاة (٣)، ومنها عزمه ﷺ على تحريق دور من لا يُصلي في الجماعة (٤) لولا ما منعه من إنفاذِ ما عَزمَ عليه من كَوْنِ الذرية والنساء فيها فتتعدى العقوبة إلى

стр. 1136

غير الجاني، وذلك لا يجوز كما لا يجوز عقوبة الحامل، ومنها عقوبة من أساء على الأمير في الغزو بحرمان سلب القتيل لمن قَتَله (١)، حيث شفع (٢) فيه هذا المسيء، وأمر الأمير بإعطائه، فحرم المشفوع له عقوبة للشافع الآمر. [التغريم نوعان: مضبوط، وغير مضبوط] وهذا الجنس من العقوبات نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط؛ فالمضبوط ما قابل المتلَف إما لحق اللَّه سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام أو لحق الآدمي كإتلاف ماله، وقد نَبَّه اللَّه سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبة بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان، كعقوبة القاتل لمورِّثه بحرمان ميراثه، وعقوبة المدبَّر (٣) إذا قتل سيده ببطلان تدبيره، وعقوبة المُوصى له ببطلان وصيته، ومن هذا الباب عقوبة الزوجة الناشز (٤) بسقوط نفقتها وكسوتها. وأما النوع الثاني غير المُقدَّر فهو الذي (٥) يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح، ولذلك لم تأت الشريعة فيه بأمر عام، وقدر لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود، ولهذا اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت؟ والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح، ويُرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان بحسب المصلحة؛ إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة (٦). [التعزير ومواضعه] وأما التعزير ففي كل معصية لا حد فيها ولا كفارة (٧)؛ فإن المعاصي ثلاثة

стр. 1137

أنواع: نوعٌ فيه الحد ولا كفارة فيه، ونوع فيه الكفارة ولا حد فيه، ونوع لا حد فيه ولا كفارة؛ فالأول كالسرقة والشرب والزنا والقذف، والثاني كالوطء في نهار رمضان والوطء في الإحرام، والثالث كوطء الأمة المُشتركة بينه وبين غيره وقُبْلة الأجنبية والخلوة بها ودخول الحمام بغير مئزر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ونحو ذلك؛ فأما النوع الأول فالحدُّ فيه مغنٍ عن التعزير، وأما [النوع] (١) الثاني فهل يجبُ فيه مع الكفارة تعزيرٌ أم لا؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد، وأما [النوع] (١) الئالث ففيه التعزير قولًا واحدًا، لكن هل هو كالحد فلا يجوز للإمام تركه، أو هو راجع إلى اجتهاد الإمام في إقامته وتركه كما يرجع إلى اجتهاده في قدره؟ على قولين للعلماء، والثاني (٢) قول الشافعي، والأول قول الجمهور (٣). وما كان من المعاصي مُحرَّمُ الجنس كالظلم والفواحش فإن الشارع لم يشرع له كفارة (٤)، ولهذا لا كفارة في الزنا وشرب الخمر وقذْف المحصنات والسرقة، وطرد هذا أنه لا كفارة في قتل العمد ولا في اليمين الغموس كما يقوله أحمد (٥) وأبو حنيفة (٦) ومن وافقهما، وليس ذلك تخفيفًا عن مرتكبهما، بل لأن الكفارة لا تعمل في هذا الجنس من المعاصي، وانما عملها [فيها] (٧) فيما كان مباحًا في الأصل وحُرِّم لعارض كالوطء في الصيام والإحرام، وطرد هذا وهو الصحيح وجوب الكفارة في وطء الحائض، وهو موجب القياس لو لم تأت الشريعة به، فكيف وقد جاءت به مرفوعة وموقوفة (٨)؟ وعكس هذا الوطء في الدبر ولا كفارة

стр. 1138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1140

فيه، ولا يصح قياسه على الوطء في الحيض؛ لأن هذا الجنس لم يُبَح قط، ولا تعمل فيه الكفارة، ولو وجبت فيه [الكفارة لوجبت في] (١) الزِّنا واللواط بطريق الأَوْلى: قاعدة الشارع في الكفارات، وهي في غاية المطابقة للحكمة والمصلحة.

стр. 1141

فصل [من حكمة اللَّه اشتراط الحجة لإيقاع العقوبة] وكان من تمام حكمته ورحمته أن لم يأخذ الجُناة بغير حُجَّة كما لم يعذبهم في الآخرة إلا بعد إقامة الحجة عليهم، وجعل الحجة التي يأخذهم بها إما منهم وهي الإقرار أو ما يقوم مقامه من إقرار الحال، وهو أبلغُ وأصدقُ من إقرار اللسان، فإن من قامت عليه شواهدُ الحال بالجناية كرائحةِ الخمر وقيْئها وحَبَل مَنْ لا زوجَ لها ولا سيّد ووجود المسروق في دار السارق وتحت ثيابه أولى بالعقوبة ممَّن قامت عليه شهادةُ إخباره عن نفسه التي تحتمل الصدق والكذب، وهذا متفق عليه بين الصحابة (١) وإن نازع فيه بعض الفقهاء، وإما أن تكون الحجة مِنْ خارج عنهم وهي البيِّنةُ، واشتُرط فيها العدالة وعدم التهمة؛ فلا أحسن في العقول والفطر في ذلك، ولو طُلب منها الاقتراح لم تقترح أحسن من ذلك ولا أوفق منه للمصلحة (٢). [السر في أن العقوبات لم يطرد جعلها من جنس الذنوب] فإن قيل: كيف تدَّعون أن هذه العقوبات لاصقةٌ بالعقول وموافقة للمصالح، وأنتم تعلمون أنه لا شيء بعد الكفر باللَّه أفظع، ولا أقبح من سفْك الدماء، فكيف تردعون عن سفك الدم بسفكه؟ وهل مثال ذلك إلا إزالة نجاسة بنجاسة؟ ثم لو كان ذلك مستحسنًا لكان أولى أن يُحرَّق ثوب من حَرَق (٣) ثوب غيره، وأن يُذبح حيوان من ذبح حيوان غيره، وأن يُخرَّب دار من خرب دار غيره، وأن يجوز لمن شَتمَ أن يشتم شاتمه، وما الفرق في صريح العقل بين هذا وبين قتل من قتل غيره أو قطع من قطعه؟ وإذا كان إراقة الدم الأقل (٤) مفسدة وقطع الطرف كذلك، فكيف زالت تلك المفسدة بإراقة الدم الثاني وقَطْع الطرف الثاني؟ وهل هذا إلا مضاعفة للمفسدة وتكثير لها؟ ولو كانت المفسدةُ الأولى تزولُ بهذه المفسدة

стр. 1142

[الثانية] لكان فيه ما فيه؛ إذ كيف تزال (١) مفسدة بمفسدة نظيرها من كل وجه؟ فكيف والأولى لا سبيل إلى إزالتها؟ وتقرير (٢) ذلك بما ذكرناه من عدم إزالة مفسدة تحريق الثياب وذبح المواشي وخراب الدور وقطع الأشجار بمثلها، ثم كيف حَسُن أن يُعاقب السارق بقطع يده التي اكتسب بها السرقة، ولم يحسن عقوبة الزاني بقطع فرجه الذي اكتسب به الزنا، ولا القاذف بقطع لسانه الذي اكتسب به (٣) القذف، ولا المزوِّر على الإمام والمسلمين بقطع أنامله التي اكتسب (٤) بها التزوير، ولا الناظر إلى ما لا يحل له بقلع عينه التي اكتسب (٥) بها الحرام؟ فعلم أن الأمر في هذه العقوبات جنسًا وقدرًا وسببًا ليس بقياس، وإنما هو محض المشيئة، وللَّه التصرف في خلقه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فالجواب -وباللَّه التوفيق والتأييد- من طريقين: مُجْمَلٍ، ومفصل: أما المُجمل فهو أَنَّ مَنْ شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسًا وقدرًا فهو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، ومن أحاط بكل شيء علمًا، وعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف [كان] (٦) يكون، وأحاط علمُه بوجوه المصالحِ دقيقِها وجليلِها وخفيِّها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم، وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة كما أن التخصيصات والتقديرات الواقعة في خلقه كذلك، فهذا في خلقه وذاك في أمره، ومصدرهما جميعًا عن كمال عِلْمه وحكمته ووضعه كلَّ شيء في مَوْضِعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إيَّاه، كما وَضعَ قوةَ البصر والنور للباصر في العين، وقوة السمع في الأذن، وقوة الشم في الأنف، وقوة النطق في اللسان والشفتين، وقوة البطش في اليد، وقوة المشي في الرجل، وخص كُلَّ حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يُعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره، فشَملَ إتقانُه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلأن

стр. 1143

يكون أمره على غاية من الإتقان (١) والإحكام أولى وأحرى، ومن لم يعرف ذلك مفصلًا لم يسعه أن ينكره مجملًا، ولا يكون جهلُه بحكمة اللَّه في خَلْقه وأَمره وإتقانِه كذلك وصدوره عن مَحضِ الجلم والحكمة مسوِّغًا له إنكاره (٢) في نفس الأمر. وسبحان اللَّه ما أعظم ظُلمَ الإنسان وجهله! فإنه لو اعترض على أيِّ صاحب صناعةٍ كانت مما (٣) تقصرُ عنها معرفتُه وإدراكُه على ذلك وسأله عما اختصت به صناعتُه من الأسبابِ والآلاتِ والأفعالِ والمقادير وكيف كان كل شيء من ذلك على الوجه الذي هو عليه لا أكبر ولا أصغر ولا على شكل غير ذلك يَسخر منه، ويهزأ به، وعَجبَ من سخف عقله وقلة معرفته. هذا مع تهيئته لمشاركته له (٤) في صناعته ووصوله فيها إلى ما وصل إليه والزيادة عليه والاستدراك عليه فيها، هذا مع أن صاحب تلك الصناعة غيرُ مدفوع عن العجز والقصور وعدم الإحاطة والجهل، بل ذلك عنده عتيدٌ حاضر، ثم لا يسعه إلا التسليم له، والاعتراف بحكمته، وإقراره بجهله، [وعجزه] (٥) عما وصل إليه من ذلك، فهلَّا وسعه ذلك مع أحكم الحاكمين وأعلم العالمين ومن أتقن كُلَّ شيء فأحكمه وأوقعه على وفق الحكمة والمصلحة؟ وقد كان هذا الوجه وحده كافيًا في دفع كُلِّ شُبْهة وجواب كل سؤال، وهذا غير الطريق التي سلكها نُفاة الحِكَمِ والتعليل، ولكن مع هذا فنتصدَّى للجواب المفصّل، بحسب الاستعداد وما يناسب علومنا الناقصة وأفهامنا الجامدة وعقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة، فنقول وباللَّه التوفيق: [ردع المفسدين مستحسن في العقول] أما قوله: "كيف تردعون عن سفك الدم بسفكه و [إن] (٦) ذلك كإزالة النجاسة بالنجاسة" سؤال في غاية الوهْن والفساد، وأول ما يقال لسائله: هل ترى ردْع المفسدين والجناة عن فسادهم وجناياتهم وكفِّ عُدوانهم مستحْسنًا في العقول موافقًا لمصالح العباد أو لا تراه كذلك؟

стр. 1144

فإن قال: "لا أراه كذلك" كفانا مؤنة جوابه بإقراره على نفسه بمخالفةِ جميع طوائف بني آدم على اختلاف مللهم ونحلهم ودياناتهم وآرائهم، ولولا عقوبة الجناة والمفسدين لأهلك الناس بعضَهم بعضًا، وفسد نظامُ العَالَم، وصارت حال الدوابِّ والأنعام والوحوش أحسن من حال بني آدم. وإن قال [قائل] (١): "بل لا تتم المصلحة إلا بذلك". قيل له: من المعلوم أن عقوبة الجناة والمفسدين لا تتمُّ إلا بمُؤلمٍ يردعُهم ويجعل الجاني نكالًا وعظةً لمن يريد أن يفعل مثل فعله، وعند هذا فلا بد من إفساد شيء منه بحسب جريمته في الكبر والصغر والقلة والكثرة. [التسوية في العقوبات مع اختلاف الجرائم لا تليق بالحكمة] ومن المعلوم ببدائه العقول أن التسوية في العقوبات مع تفاوت الجرائم غير مستحسن، بل منافٍ للحكمة والمصلحة؛ فإنه إن ساوى بينهم في أدنى العقوبات لم تحصل مصلحة الزجر، وإن ساوى بينها في أعظمها كان خلاف الرحمة والحكمة؛ إذ لا يليق أن يُقتل بالنظرة والقُبْلة (٢) ويُقطع بسرقة الحبة والدينار، وكذلك التفاوت بين العقوبات مع استواء الجرائم قبيحٌ في الفِطرِ والعقول، وكلاهما تأباه حكمةُ الرب تعالى وعَدلُه وأحسانُه إلى خلقه، فأوقع العقوبةَ (٣) تارة بإتلاف النفس إذا انتهت الجناية في عظمها إلى غاية القبح كالجناية على النفس أو الدِّين أو الجناية التي ضَرَرها عام؛ فالمفسدة التي في هذه العقوبة خاصة، والمصلحة الحاصلة بها أضعاف أضعاف تلك المفسدة، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. [حكمة القصاص] فلولا القصاص لفسد العَالَم، وأهلك (٤) الناسُ بعضَهَم بعضًا ابتداءً واستيفاءً، فكأن في القصاص دفعًا لمفسدة التجرِّي على الدماء بالجناية وبالاستيفاء، وقد قالت العرب في جَاهليَّتِها: "القتلُ أَنْفى للقتل"، وسفك الدماء يحقِنُ الدماء (٥)؛ فلم

стр. 1145

تُغسل النجاسةُ بالنجاسة، بل الجناية نجاسة والقصاص طُهْرة، وإذا لم يكن بد من موت القاتل ومن استحق القتل فموته بالسيف أنفعُ له في عاجلته وآجلته، والموتُ به أسرع الموتات، وأوحاها (١) وأقلها ألمًا، [فموته به مصلحة له] (٢) ولأولياء القتيل ولعموم الناس، وجرى ذلك مَجرى إتلاف الحيوان بذبحه لمصلحة الآدمي، فإنه حَسَن، وإن كان في ذبحه إضرار بالحيوان؛ فالمصالحُ المترتبةُ على ذبحه أَضعافُ أضعافِ مفسدة إتلافه (٣)، ثم هذا السؤال الفاسد يظهر فساده وبطلانه بالموت الذي [حتّمه] (٤) اللَّه على عباده وساوى فيه بين جميعهم، ولولاه لما هنأ العيش، ولا وسعتهم الأرزاق، ولضاقت عليهم المساكن والمدن والأسواق والطُّرقات، وفي مفارقة البغيض من اللَّذة والرَّاحة ما في مواصلة الحبيب، والموت مُخلِّص للحي، والموت (٥) مريح لكل منهما من صاحبه، ومخرج (٦) من دار الابتلاء والامتحان وباب (٦) للدخول في دار الحيوان (٧). جزى اللَّه عنا الموت خيرًا فإنه ... أبرُّ بنا مِنْ كُلِّ بِرٍّ وألطفُ (٨) يُعَجِّل تخليصَ النفوس من الأذى ... ويُدْني إلى الدَّارِ التي هي أشرفُ فكم للَّه سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمة لا تُحصى، فكيف إذا كان فيه طُهرة للمقتول، وحياة للنوع الإنساني، وتشفٍّ للمظلوم (٩)، وعدلٍ بين القاتل والمقتول؛ فسبحان من تنزهَت شريعتُه عن خِلَاف ما شرعها عليه من اقتراح العقول الفاسدة والآراء الظالمة (١٠) الجائرة. وأما قوله: "لو كان ذلك مستحسنًا في العقول لاستُحسنَ في تَحريقِ ثوبه وتخريبِ داره وذبحِ حيوانه بمقابلته (١١) بمثله".

стр. 1146

[مقابلة الإتلاف بمثله في كل الأحوال شريعة الظالمين] فالجواب عن هذا أن مفسدة تلك الجنايات تندفعُ بتغريمه نظيرَ ما أتلفه عليه؛ فإن المِثْل يسدُّ مسدَّ المثل (١) من كل وجه؛ فتصير المقابلة مفسدة محضه (٢)، كما ليس له أن يقتلَ ابنَه أو غلامَه [مقابلة لقتله هو ابنه او غلامه] (٣)، فإن هذا شَرْعُ الظالمين المعتدين الذي تُنزَّه عنه شريعةُ أحكم الحاكمين، على أن للمقابلة في إتلاف المال [بمثل فعله] (٤) مساغًا في الاجتهاد، وقد ذهب إليه بعضُ أهل العلم كما تقدم الإشارة إليه في عقوبة الكُفّارِ بإفساد أموالهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، أو [كان] (٣) يغِيظهم، وهذا بخلاف قَتْل عبدِه إذا قَتَلَ عَبدَه، [أو عَقْر فرسه إذا عُقر فرسه] (٥)، فإن ذلك ظلم لغير مستحق، ولكن السنة اقتضت التضمين بالمثل، لا إتلاف النظير، كما غَرَّم النبي ﷺ إحدى زوجتيه التي كسرت إناء صاحبتها إناءً بدله، وقال: "إناء بإناء" (٦) ولا ريب أن هذا أقل فسادًا، [وأصلح للجهتين] (٧)؛ لأن المُتْلَفَ مالُه إذا أَخذ نظيره صار كمن لم يفت عليه شيءٌ، وانتفع بما أَخذه عوض ماله، فإذا مكنَّاه من إتلافه كان زيادة في إضاعة المال، وما يُراد من التَّشفي، وإذاقة الجاني ألم الإتلاف فحاصل بالغرم غالبًا، ولا التفات إلى الصور النادرة التي لا يتضرر الجاني فيها بالغُرم، ولا شك أن هذا أليق بالعقل، وأبلغ في الصلاح، وأوفق للحكمة، وأيضًا فإنه لو شُرعَ القصاصُ في الأموال ردعًا للجاني لبقي جانب المجني عليه غير مراعى، بل يبقى متألمًا موتورًا غير مجبور، والشريعة إنما جاءت بجبر هذا وردع هذا. فإن قيل: فخيِّروا المجني عليه بين أن يُغرِّم الجاني أو يتلف عليه نظير ما أتلفه هو، كما خيَّرتموه في الجناية على طرفه، وخيرتم أولياء القتيل بين إتلاف الجاني النظير وبين أخذ الدية.

стр. 1147

[حكمة تخيير المجني عليه في بعض الأحوال دون بعض] قيل: لا مصلحة في ذلك للجاني ولا للمجني عليه ولا لسائر الناس، وإنما هو زيادة فساد، لا مصلحة فيه بمجرد التشفي، ويكفي تغريمه (١) وتعزيره في التشفي، والفرق بين الأموال والدماء في ذلك ظاهر؛ فإن الجنايةَ على النفوس والأعضاء تُدخل من الغيظ والحنق والعداوة على المجني عليه وأوليائه ما لا (٢) تُدخله جناية المال ويدخل عليهم من الغضاضةِ والعار واحتمال الضيم والحمية والتحزق (٣) لأخذ الثأر ما لا يَجْبره المال أبدًا، حتى إن أولادهم وأعقابهم ليعيَّرون بذلك، ولأولياء القتيل من القصد في القصاص وإذاقة الجاني وأوليائه ما أذاقه للمجني عليه (٤) وأوليائه ما ليس لمن حرق (٥) ثوبه أو عُقرت (٦) فرسه، والمجني عليه موتور عليه (٧) هو وأولياؤه، [فإن لم يُوتر الجاني وأولياؤه ويَجْرعوا] (٨) من الألم والغَيْظ ما يجرعه الأول لم يكن عدلًا (٩). وقد كانت العرب في جاهليتها تعيب على من يأخذ الدية ويرضى بها من درْك ثأره وشفاء غيظه، كقول قائلهم يهجو من أخذ الدية [من الإبل] (١٠): وإنَّ الذي أصبحتُم تخلبونه ... دمًا غير أنَّ اللون ليس بأشقرا وقال جرير (١١) يُعيِّر من أخذ الدية فاشترى بها نخلًا: ألا أبْلِغْ بني حُجر بن وهب ... بأنَّ التَّمرَ حلوٌ في الشِّتاءِ وقال آخر: إذا صُبَّ ما في الوطْب (١٢) فاعلمْ بأنَّه ... دمُ الشيخ فاشْرَب من دم الشَّيخ أو دَعِ

стр. 1148

وقال آخر (١): خليلان مختلفٌ شكْلُنا (٢) ... أريد العلاء ويَبغي السمن أريدُ دماءَ بني مالك ... ورأْيُ المعلَّى (٣) بياضُ اللبن وهذا وإن كانت الشريعة قد أبطلته وجاءت بما هو خير منه وأصلح في المعاش والمعاد من تخيير الأولياء بين إدراك الثأر ونيل التشفِّي وبين أخذ الدية فإن القصد به أن العرب لم تكن تعيّر من أخذ بدل ماله، ولم تَعدّه ضَعْفًا ولا عجزًا ألبتة، بخلاف من أخذ بدل دم وليه، فما سوَّى اللَّه بين الأمرين في طَبْع ولا عَقْل ولا شَرْع، والإنسان قد يَخْرِقُ (٤) ثوبه عند الغيظ، ويذبح ماشيته، ويتلف ماله، فلا يلحقه في ذلك من المشقة والغيظ والازدراء به (٥) ما يلحق من قَتلَ نفسه أو جدع أنفه أو قلع عينه. فصل [ليس من الحكمة إتلاف كل عضو وقعت به معصية] وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة (٦)، وليس في حكمة اللَّه ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يُتلفَ على كل جانٍ كل عضو عَصاهُ به، فيشرع قَلْعَ عين من نظر إلى مُحرَّم (٧) وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عُدْوانًا، ولا خفاء بما في هذا من الإسرافِ والتَّجاوزِ في العقوبة وقلب مراتبها؛ وأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك، وليس مقصود الحد (٨) مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصودُ الزجرُ والنَّكالُ والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كفِّ عدوانه أقرب، وأن يعتبر به غيره، وأن يُحدِثَ له ما يذوقه من الألم توبةً نصوحًا، وأن

стр. 1149

يذكره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح. [الحكمة في حد السرقة] ثم إن في حدِّ السرقة معنًى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًا كما يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون: "فلان ينظرُ إلى فلانٍ مُسارقة" إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًا لا يريد أن يفطنَ له، والعازمُ على السرقة مختفٍ كاتمٌ خائفٌ أن يشعر بمكانه فيؤخذ [به] (١)، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء، واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران، ولهذا يقال: "وصلْتُ جَنَاحَ فلان" إذا رأيتَه يسير منفردًا فانضمصت إليه لتصحَبه، فعُوقب السارقُ بقطع اليد قصًا لجناحه، وتسهيلًا لأخذه إن عاود السرقة، فإذا فُعل به هذا [في] (٤) أول مرة بقي مقصوصَ أحدِ الجناحين [ضعيفًا في العَدْو] (٢)، ثم يقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفًا في عَدْوه، فلا يكاد يفوت الطالب، ثم تقطع يده الأخرى في الثالثة ورِجْله الأخرى في الرابعة، فيبقى لحمًا على وضَمٍ، فيستريح ويريح. [الحكمة في حد الزنا وتنويعه] وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتَّلذذ بقضاءِ شهوتِه يعمُّ البَدَن، والغالب من فعله وقوعه برضا المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجَلْدِ مرةً والقتل بالحجارة مرة؛ ولما كان الزنا من أُمَّهاتِ الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا هلاكُ الحرث والنسل فشَاكلَ في معانيه أو في أكثرها القتلَ الذي فيه هلاك ذلك، فزُجرَ عنه بالقصاص ليرتدعَ [به] (٣) عن مثل فعله من يهمُّ به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم المُوصل إلى إقامة العباداتِ الموصلةِ إلى نعيم الآخرة. ثم إن للزاني حالتين، إحداهما: أن يكون محصنًا قد تزوج، فعلم ما يقع به [من] (٤) العفاف عن الفروج المُحرَّمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا (٥)، فزال عذرُه من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.

стр. 1150

والثانية: أن يكون بِكْرًا، لم يعلم ما عَلِمه المُحْصَن ولا عمل ما عمله؛ فحَصلَ له من العذر بعض ما أوجب له التخفيف؛ فحُقن دمه، وزُجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعًا [عن] (١) المعاودة للاستمتاع بالحرام، وبعثًا له على القنع (٢) بما رزقه اللَّه من الحلال، وهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه والتغليظ في موضعه، وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعُدوان؟. ثم إن قطعَ فَرجَ الزاني فيه من تعطيل النسل [وقطعه] (٣) عكس مقصود الرب تعالى من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم، وفيه من المفاسد أضعاف ما يُتوهم فيه من مصلحة الزجر، وفيه إخلاءُ جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنا بجميع أجزائه؛ فكان من العدل أن تعمه العقوبة، ثم إنه غير [متصور في حق المرأة] (٤)، وكلاهما زان؛ فلابد أن يستويا في العقوبة، فكان شرع اللَّه سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين (٥). [إتلاف النفس عقوبة أفظع أنواع الجرائم] وتأمل كيف جاء إتلاف النفوس في مقابلة أكبر الكبائر وأعظمها ضررًا وأشدها فسادًا للعالم، وهي الكفرُ الأصلي والطارئُ، والقتل، وزنى المحصن، وإذا تأمل العاقل فساد الوجود رآه من هذه الجهات الثلاث، وهذه هي الثلاث التي أجاب النبي ﷺ لعبد اللَّه بن مسعود بها حيث قال له: "يا رسول اللَّه، أي الذنبِ أعظم؟ قال: أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك. قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تقتلَ ولدك خشية أن يَطْعمَ معك. قال: قلت: ثم أيُّ؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك" فأنزل اللَّه تصديقَ ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية (٦).

стр. 1151

[ترتيب الحد تبعًا لترتيب الجرائم] ثم لما كان سرقة الأموال تلي ذلك في الضرر وهو دونه جعل عقوبته قطع الطرف، ثم لما كان القذف دون سرقة المال في المفْسدة جعل عقوبته دون ذلك وهو الجلد (١)، ثم لما كان شرب المسكر أقل مفسدة من ذلك جعل حده دون حد [هذه] الجنايات كلها، ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتةً (٢) غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة -وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة- جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم، فمن سوّى بين الناسِ في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمةَ الشرع، واختلفَت عليه أقوال الصحابة وسيرة الخلفاء الراشدين وكثير [من] (٣) النصوص، ورأى عمر قد زاد في حد الخَمرِ على أربعين (٤) والنبي ﷺ إنما جلد أربعين (٥)، وعزر بأمور لم يعزر بها النبي ﷺ (٦)، وأَنفذَ على الناس أشياء عفا عنها النبي ﷺ (٧)، فيَظن ذلك تعارضًا وتناقضًا، وإنما أتي من قصور علمه وفهمه، وباللَّه التوفيق. فصل [سوّى اللَّه بين العبد والحر في أحكام وفرق بينهما في أخرى] وأما قوله: "وجعل حد الرقيق على النصف من حد الحر، وحاجتهما إلى الزجر واحدة" فلا ريب أن الشارع فَرَّق بين الحر والعبد في أحكام وسوى بينهما في أحكام؛ فسوى بينهما في الإيمان والإسلام ووجوب العبادات الثلاثة (٨) كالطهارة والصلاة و [الصوم لاستوائهما في سببهما، وفرَّق بينهما في العبادات المالية] (٩) كالحج والزكاة والتكفير بالمال؛ لافتراقهما في سببهما، وأما الحدود فلما كان وقوعُ المعصية من الحر أَقبحَ من وقوعها من العبد من جهة كمال

стр. 1152

نعمة اللَّه تعالى عليه بالحرِّية، وأن جعله مالكًا لا مملوكًا، ولم يَجْعله تحت قَهْر غيره وتصرفه فيه، ومن جهة تمكنه بأسباب القدرة من الاستغناء عن المعصية بما عَوض اللَّه عنها من المباحات، فقابل النعمة التامة بضدها، واستعمل القدرة في المعصية، فاستحقَّ من العقوبة أكثر مما يستحقه من هو أخفضُ منه (١) رتبةً وأنقص منزلة؛ فإن الرجل كلما كانت نعمةُ اللَّه عليه أتم كانت عقوبته إذا ارتكب الجرائم أتم؛ ولهذا قال تعالى في حق من أتم نعمته عليهن من النساء: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ] (٢) وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [الأحزاب: ٣٠، ٣١] وهذا على وفق قضايا العقول ومستحسناتها؛ فإن العبدَ كلما كمُلت نعمة اللَّه عليه ينبغي له أن تكونَ طاعتُه له أكمل، وشكره له أتم، ومعصيته له أقبح، وشدة العقوبة تابعة لقبح المعصية؛ ولهذا كان أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالمًا لم ينفعه اللَّه بعلمه (٣)، فإن نعمة اللَّه عليه بالعلم أعظم من نعمته على الجاهل، وصدورُ المعصية منه أقبحُ من صدورها من الجاهل، ولا يستوي عند الملوك والرؤساء مَنْ عصاهم من خواصِّهم وحشمهم ومن هو قريبٌ منهم ومن عصاهم من الأطراف والبعداء؛ فجعل حد العبد أخف من حد الحر، جمعًا بين حكمة الزجر وحكمة نقصه، ولهذا كان على النصف منه في النكاح والطلاق والعدة، إظهارًا لشرف الحرية وخطرها، وإعطاءَ كل (٤) مرتبة حقها من [الأمر كما أعطاها حقها من] (٥) القدر، ولا تنتقض هذه الحكمة بإعطاء العبد في الآخرة أجرين (٦)، بل هذا محض الحكمة؛ فإن العبد كان عليه في الدنيا حَقَّان: حق للَّه وحق لسيده فأعطي بإزاء قيامه بكل حق أجرًا، فاتفقت حكمة الشرع والقَدَر والجَزاء، والحمد للَّه رب العالمين.

стр. 1153

فصل [حكمة شرع اللعان في حق الزوجة دون غيرها] وأما قوله: "وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد ألحق بها (١) العار" فهذا من أعظم محاسن الشريعة؛ فإن قاذف الأجنبية مستغنٍ عن قذفها، لا حاجة له إليه ألبتة؛ فإنَّ زناها لا يضره شيئًا، ولا يُفسد عليه فراشه، ولا يُعلق عليه أولادًا من غيره، فقذفُها (٢) عدوانٌ محض، وأذًى لمحصنةٍ غافلةٍ مؤمنةٍ، فترتب عليه الحدّ؛ زجرًا له وعقوبةً، وأما الزوجة فإنه يلحقه بزناها من العارِ والمَسبَّة وإفساد الفراش وإلحاق ولد غيره به، وانصراف قلبها عنه إلى غيره؛ فهو محتاجٌ إلى قذفها، ونفي النسب الفاسد عنه، وتخلصه من المسبة والعار؛ لكونه زوج بغي فاجرة، فلا (٣) يمكن إقامة البينة على زناها في الغالب، وهي لا تقرُّ به، وقول الزوج عليها غير مقبول؛ فلم يبق سوى تحالفهما بأغلظ الأيمان، وتأكيدها بدعائه على نفسه باللعنة ودعائها على نفسها بالغضب إن كانا كاذِبَيْن، ثم ينفسخ (٤) النكاح بينهما؛ إذ لا يمكن أحدهما أن يصفو للآخر أبدًا؛ فهذا أحسنُ حكم يُفصل به بينهما في الدنيا، وليس بعده أعدل منه، ولا أحكم، ولا أصلح، ولو جمعت عقول العالمين لم يهتدوا إليه، فتبارك من أبان (٥) ربوبيتَه ووحدانيته وحكمته وعلمه في شرعه وخلقه. فصل [الحكمة في تخصيص المسافر بالرخص] وأما قوله: "وجَوز للمسافر المُترفِّه في سفره رخصة الفطر والقصْر، دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة"، فلا ريبَ أن الفِطْرَ والقصر يختص بالمسافر، ولا يُفطر المقيم إلا لمرض، وهذا من كمال حكمة الشارع؛ فإن السفر في نفسه قطعة من العَذَاب (٦)، وهو في نفسه مشقةٌ وجهد، [ولو كان المسافر من

стр. 1154

أرْفَه الناس فإنه في مشقة وجهد] (١) بحسبه، فكان من رحمة اللَّه بعباده وبِرِّه بهم أن خفَّف عنهم شطر الصلاة واكتفى منهم بالشَّطْر، وخفف عنهم أداء فرض الصوم في السفر، واكتفى منهم بأدائِه في الحَضَر، كما شرع مثل ذلك في حق المريض والحائض، فلم يُفوِّت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة، ولم يلزمهم بها في السفر كإلزامهم في الحضر. وأما الإقامة فلا موجب لإسقاط بعضِ الواجب فيها ولا تأخِيره، وما يعرضُ فيها من المشقة والشغل فأمرٌ لا ينضبط ولا يَنْحَصر؛ فلو جوَّز (٢) لكل مشغول وكل مشقوق عليه الترخُّص ضاعَ الواجبُ واضمحل بالكلية، وإن جوز للبعض دون البعض لم ينضبط؛ فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة وما لا تجوز، بخلاف السَّفر، على أن المشقة قد عُلِّق بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقةَ مرضٍ وألم يضر به جاز معها الفطر والصلاة قاعدًا أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد (٣)، وإن كانت مشقةَ تعب فمصالح الدنيا والآخرة منوطة بالتعب، ولا راحةَ لمن لا تعبَ له، بل على قدر التعب تكون الراحة، فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد اللَّه ومنه. فصل [الفرق بين نذر الطاعة والحلف بها] وأما قوله: "وأوجبَ على مَنْ نذر للَّه طاعة الوفاء بها، وَجوَّز لمن حلف عليها أن يتركها ويكفر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلها [للَّه] (١) " فهذا السؤال يورد على وجهين: أحدهما: أن يحلف ليفعلنَّها نحو أن يقول: واللَّه لأصومنَّ الاثنين والخميس ولأَتصدقنَّ، كما يقول: للَّه عليَّ أن أفعل ذلك. والثاني: أن يحلف بها كما يقول: إن كَلَّمتُ فلانا فلله عليَّ صومُ سنة وصدقة ألف. [الالتزام بالطاعة أربعة أقسام] فإن ورد على الوجه الأول فجوابه أن الملتزمَ الطاعةِ للَّه لا يخرج التزامُه للَّه عن أربعة أقسام:

стр. 1155

أحدها: التزامٌ بيمينٍ مجرَّدة. الثاني: التزامٌ بنذر مجرد. الثالث: التزام بيمين مؤكدة بنذر. الرابع: التزام بنذر مؤكد بيمين. فالأول نحو قوله: "واللَّهِ لأتصدقنَّ"، والثاني نحو: "للَّه علي أن أتصدقَ"، والثالث نحو: "واللَّه إن شَفَى اللَّه مريضي فعليَّ (١) صدقة كذا"، والرابع نحو: "إنْ شفى اللَّه مريضي فواللَّه لأتصدقن" وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥] فهذا نذر مؤكد بيمين، ولئن لم يقل فيه: "فعليّ"؛ إذ ليس ذلك من شرط النذر، بل إذا قال: إن سلمني اللَّه تصدَّقتُ، أو لأَتصدقنَّ، فهو وعد وعده اللَّه فعليه أن يفي به، وإلا دخل في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧] فوعدُ العبدِ رَبَّه نذرٌ يجب عليه أن يفيَ له به؛ فإنه جعله جزاءً وشكرًا له على نعمته عليه، فجرى مجرى عقود المعاوضات لا عقود التبرعات، وهو أولى باللزوم من أن يقول ابتداء: "للَّه علي كذا"؛ فإن هذا التزام منه لنفسه أن يفعلَ ذلك، والأول تعليقٌ بشرط وقد وُجِدَ، فيجب فعل المشروط عنده؛ لالتزامه له بوعده، فإن الالتزام تارةً يكون بصريح الإيجاب، وتارة يكون بالوعد، وتارة يكون بالشروع كشروعه في الجهاد والحج والعمرة، والالتزام بالوعد آكد من الالتزام بالشروع، وآكد من الالتزام بصريح الإيجاب؛ فإن اللَّه سبحانه ذَمَّ من خالف ما التزمه له بالوعد، وعاقبه بالنفاق في قلبه، ومدح من وَفَّى بما نذره له، وأمر بإتمام ما شَرعَ فيه له من الحج والعمرة، فجاء الالتزام بالوعد آكَدَ الأقسام الثلاثة، وإخلافه يُعْقِبُ النفاق في القلب، وأما إذا حلف يمينًا مجردةً ليفعلنَّ كذا فهذا حضٌّ منه لنفسه، وحثٌّ على فعله باليمين، وليس إيجابًا عليها، فإن اليمين لا تُوجب شيئًا (٢) ولا تُحرمه، ولكن الحالف عَقدَ اليمين باللَّه ليفعلنَّه، فأباح اللَّه سبحانه له حَلَّ ما عقده بالكفارة، ولهذا سَمَّاها اللَّه تَحِلَّة؛ فإنها تَحلُّ عقد اليمين، وليست رافعة لإثم الحنث كما يتوهَمه بعضُ الفقهاء؛ فإنَّ الحنث قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًا، فيؤمر به أمر إيجاب أو استحباب، وإن كان

стр. 1156

مباحًا، فالشارع لم يُبح (١) سببَ الإثم، وإنما شرعها اللَّه حلا لعقد اليمين كما شرع [اللَّه] (٢) الاستثناءَ مانعًا من عقدها؛ فظهر الفرق بين ما التزمه للَّه وبين ما التزم باللَّه؛ فالأول ليس فيه إلا الوفاء، والثاني يُخَيرُ فيه بين الوفاء وبين الكفارة حيث يسوغ ذلك، وسِرُّ هذا أن ما التزم له آكد مما التزم به، فإنّ الأوَل متعلق بإلاهيَّته، والثاني بربوبيته؛ فالأول من أحكام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] والثاني من أحكام: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وإياك نعبد قِسْمُ اللَّه من هاتين الكلمتين، وإياك نستعين قسم العبد كما في الحديث الصحيح الإلهي: "هذه بيني وبين عَبْدي نصفين" (٣) وبهذا يخرجُ الجواب عن إيراد هذا السؤال على الوجه الثاني، وأن (٤) ما نَذَره للَّه من هذه الطاعات يجبُ الوفاء به، وما أخرجه مخرج اليمين يُخيَّر بين الوفاء به وبين التكفير؛ لأن الأول متعلق بإلاهيَّته، والثاني بربوبيته، فوجب الوفاء بالقسم الأول، ويُخير الحالف في القسم الثاني، وهذا من أسرار الشريعة، وكمالها وعظمتها (٥). ويزيد ذلك وضوحًا أن الحالف بالتزام هذه الواجبات قصدُه ألا تكون، ولكراهته للزومها له حلف بها (٦)، فقصده ألا يكون الشرطُ فيها ولا الجزاءُ، ولذلك يُسمى نذر اللّجاجِ والغَضَب، فلم يُلزمه الشارع به إذا كان غير مريد له ولا مُتقرِّب به إلى اللَّه، فلم يعقده للَّه، وإنما عقده به، فهو يمينٌ محضة، فإلحاقُه بنذر القربة إلحاقٌ له بغير شَبَهِه، وقطع له عن الإلحاق بنظيره، وعُذر من ألحقه بنذر القربة شبهه به في اللفظ والصورة، ولكن المُلْحِقون له باليمين أفقه وأرعى لجانب المعاني، وقد اتفق الناس على أنه لو قال: "إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني" فحنث أنه لا يَكْفُر بذلك [إن قصد اليمين] (٧)؛ لأن قَصْد اليمين منع من الكفر (٨). [الحلف بالطلاق والعتاق كنذر اللجاج والغضب] وبهذا وغيره احتج شيخ الإسلام ابن تيمية (٩) على أن الحلف بالطلاق

стр. 1157

والعتاق كنذر اللجاج والغضب، وكالحلف بقوله: "إنْ فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني" وحكاه إجماع الصحابة في العتق، وحكاه غيره إجماعًا لهم في الحلف بالطلاق على أنه لا يلزم. قال: لأنه قد صَحَّ عن علي بن أبي طالب (١) ولا يُعرف له في الصحابة مخالف، ذكره ابن بَزيزة في "شرح أحكام عبد الحق الإشبيلي" (٢)، فاجتهد خصومه في الرد عليه بكل ممكن، وكان حاصل ما ردوا به [قوله] (٣) أربعة أشياء: أحدها -وهو عمدة القوم- أنه خلاف مرسوم السلطان، [و] (٣) الثاني: أنه خلاف الأئمة الأربعة، والثالث: أنه خلاف القياس على الشرط والجزاء المقصودين كقوله: "إن أبرأتني فأنتِ طالق" ففعلَتْ (٤)، والرابع: أن العمل قد استمر على خلاف هذا القول، فلا يلتفت إليه، فنقَضَ حُجَجَهم وأقام نحوًا من ثلاثين دليلًا على صحة هذا القول، وصنَّف في المسألة قريبًا من ألف ورقة، ثم مضى لسبيله راجيًا من اللَّه أجرًا أو أجرين، وهو ومنازعوه يوم القيامة عند ربهم يختصمون. فصل [الحكمة في التفرقة بين الضبع وغيره من ذي الناب] [وأما قولهم] (٥): "وحَرم كل ذي ناب من السباع وأباح الضبع (٦) ولها ناب" فلا ريب أنه حرم كل ذي ناب من السباع، وإن كان بعض العلماء خفي عليه تحريمه فقال بمبلغ علمه، وأما الضبع فروي [عنه] (٧) فيها حديث صححه كثير من

стр. 1158

أهل العلم [بالحديث] (١) فذهبوا إليه وجعلوه مخصصًا لعموم أحاديث التحريم، كما خصت العرايا لأحاديث المزابنة (٢) وطائفة لم تصححه وحرّموا الضبع لأنها من جملة ذات الأنياب، وقالوا: وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، وصحت صحةً لا مطعن فيها من حديث علي، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي ثعلبة الخُشني (٣).

стр. 1159

[الرد على حديث إباحة أكل الضبع] قالوا: وأما حديث الضبع (١) فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار (٢)، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه. قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جابر رفع الأكل (٣) إلى النبي ﷺ ، وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط، ولا يلزم من كونها صيدًا جواز أكلها، فظن جابر أن كونها صيدًا يدل على أكلها، فأفتى به من قوله ورفع إلى النبي ﷺ ما سمعه من كونها صيدًا. ونحن نذكر لفظ الحديث ليتبين ما ذكرناه، فروى الترمذي في "جامعه" من حديث [عبد اللَّه بن] (٤) عُبيد بن عُمير الليثي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار (٢) قال: قلت لجابر بن عبد اللَّه: آكُلُ الضبع؟ قال: نعم، قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قلت: أسمعت ذلك من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: نعم (٥). قال الترمذي: سألت

стр. 1160

محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح. فهذا (١) يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدا، ويدل على ذلك أن جرير بن حازم قال: عن [عبد اللَّه بن] (٢) عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار (٣)، عن جابر عن رسول اللَّه ﷺ أنه سُئل عن الضبع فقال: "هي صيد، وفيها كَبْش" (٤) قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر يرفعه: "الضبع صيد، فإذا أصابه المحرم ففيه جزاء كبش مُسِن ويؤكل" (٥)، قال الحاكم: حديث صحيح، وقوله: "ويؤكل" يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم تُعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم. قالوا: ولو كان حديث جابر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادَّعى الطحاويُّ (٦) وغيره (٧) تواترها، فلا يقدم حديث جابر عليها. قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه (٨)، وهو مُغْرًى (٩) بأكل لحوم الناس ونَبْش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم، وأكل الجيف، ويكسر بنابه (١٠).
следующие страницы →