← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1227

[الواجب على من عزم على فعل أمر] والعبد إذا عزم على فعل أمر، فعليه أن يعلم أولًا هل هو طاعة للَّه أم لا؟ فإن لم يكن طاعة فلا يفعله إلا أن يكون مباحًا يستعين به على الطاعة، وحينئذ يصير طاعة، فإذا بان له أنه طاعة يُقدم عليه حتى ينظر هل هو مُعانٌ عليه أم لا؟ فإن لم يكن معانًا عليه فلا يقدم عليه فيذل نفسه، وإن كان معانًا عليه بقي عليه نظر آخر، وهو أن يأتيه من بابه؛ فإن أتاه من غير بابه أضاعه أو فَرَّط فيه أو أفسد منه شيئًا؛ فهذه الأمور الثلاثة أصل سعادة العبد وفلاحه، وهي معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٦] فأسعد الخلق أهل العبادة والاستعانة والهداية إلى المطلوب، وأشقاهم من عدم الأمور الثلاثة. [أهل النصيب من إياك نعبد وإياك نستعين] ومنهِمِ من يكون له نصيب من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ونصيبه من ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] معدوم أو ضعيف؛ فهذا مخذول مهينٌ محزون، ومنهم من يكون نصيبه من ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] قويًا ونصيبه من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] ضعيفًا أو مفقودًا؛ فهذا له نفوذ وتسلط وقوة، ولكن لا عاقبة له، بل عاقبته أسوأ عاقبة، ومنهم من يكون له نصيب من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولكن نصيبه من الهداية إلى المقصود ضعيف جدًا، كحال كثير من العُبَّاد والزهاد الذين قل علمهم بحقائق ما بعث اللَّه به رسوله ﷺ من الهدى ودين الحق. وقول عمر ﵁: "فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه" (١) إشارة إلى

стр. 1228

أنه لا يكفي قيامه في الحق للَّه إذا كان على غيره، حتى يكونَ أول قائمٍ به على نفسه، فحينئذ يُقبل قيامه به على غيره، وإلا فكيف يقبل الحق ممن أهمل القيام به على نفسه؟ وخطب عمر بن الخطاب ﵁ يومًا وعليه ثوبان، فقال: أيها الناس ألا تسمعون، فقال سلمان: لا نسمع، فقال عمر: لم يا أبا عبد اللَّه؟ قال: إنك قسمت علينا ثوبًا ثوبًا وعليك ثوبان! فقال: لا تعْجلْ. يا عبد اللَّه! يا عبد اللَّه! فلم يجبه. أحد، فقال: يا عبد اللَّه بن عمر، فقال: لبَّيك يا أمير المؤمنين، فقال: نشدتك اللَّه الثوب الذي ائتزرت به أهو ثوبك؟ قال: [نعم] (١)، اللهم نعم، فقال سلمان: أما الآن فَقُلْ نَسْمَع (٢). فصل [المتزين بما ليس فيه وعقوبته] وأما قوله: "ومن تَزيَّن بما ليس فيه شانه اللَّه" لمّا كان المتزين بما ليس فيه ضد المخلص -فإنه يظهر للناس أمرًا وهو في الباطن بخلافه- عامله اللَّه بنقيض قصده؛ فإن المعاقبة بنقيض القصد ثابتة شرعًا وقدرًا، ولما كان المُخلصُ يُعجَّلُ له من ثواب إخلاصه الحلاوة والمحبة والمهابة في قلوب الناس عجَّل للمتزين بما ليس فيه من عقوبته أن شَانَه اللَّه بين الناس؛ لأنه شان باطنه عند اللَّه، وهذا موجَب أسماء الرب الحسنى وصفاته العُلى (٣) وحكمته في قضائه وشرعه. هذا، ولما كان من تَزيَّن للناس بما ليس فيه من الخشوع والدين والتَّنَسُّك (٤) والعلم وغير ذلك قد نصب نفسه للوازم هذه الأشياء ومقتضياتها فلا بد أن تُطلب منه، فإذا لم توجد عنده افتُضِح، فيشينه ذلك من حيث ظَنَّ أنه يزيِّنه، وأيضًا فإنه

стр. 1229

أخفى عن الناس ما أظهر للَّه خلافه، فأظهر اللَّه من عيوبه للناس ما أخفاه عنهم، جزاءً له من جنس عمله. [النفاق وخشوعه] وكان بعض الصحابة يقول: أعوذ باللَّه من خشوع النفاق، قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا والقلب غير خاشع (١)؛ وأساس النفاق وأصله هو التزين للناس بما ليس في الباطن من الإيمان؛ فعلم أن هاتين الكلمتين من كلام أمير المؤمنين مشتقة من كلام النبوة، وهما من أنفع الكلام، وأشفاه للأسقام (٢). فصل [أعمال العباد أربعة أنواع، المقبول منها نوع واحد] وقوله: "فإن اللَّه لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا" والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان للَّه خالصًا وللسنة موافقًا، والمردودُ ما فُقدَ منه الوصفان أو أحدهما، وذلك أن العمل المقبول هو ما أحَبَّه اللَّه ورضيه، وهو سبحانه إنما يحب ما أمر به وعُمل لوجهه، وما عدا ذلك من الأعمال فإنه لا يحبها، بل يمقتها ويمقت أهلها، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه (٣)، فسئل عن معنى ذلك، فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ فالخالص أن يكون للَّه، والصواب أن يكون على السنة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٤) [الكهف: ١١٠].

стр. 1230

فإن قيل: فقد بأن بهذا أن العمل لغير اللَّه مردودٌ غير مقبول، والعمل للَّه وحده مقبول؛ فبقي قسم آخر وهو أن يعمل العمل للَّه ولغيره، فلا يكون للَّه محضًا ولا للناس محضًا، فما حكم هذا القسم؟ هل يُبطل العمل كله أم يُبطل ما كان لغير اللَّه ويصح ما كان للَّه؟ قيل: هذا القسم تحته أنواع ثلاثة: أحدها: أن يكون الباعثُ الأول على العمل هو الإخلاص، ثم يَعرضُ له الرِّياء وإرادة غير اللَّه في أثنائه، فهذا المُعوَّل فيه على الباعث الأول ما لم يفسخه (١) بإرادة جازمة لغير اللَّه فيكون حكمه حكم قطع النية في أثناء العبادة وفسخها، أعني: قطع ترك استصحاب حكمها. الثاني: عكس هذا، وهو أن يكون الباعث الأول لغير اللَّه، ثم يَعرضُ له قلبُ النيّة للَّه، فهذا لا يُحتسب له بما مضى من العمل، ويحتسب له من حين قلب نيته؛ ثم إن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها وجبت الإعادة، كالصلاة، وإلا لم تجب كمن أحرم لغير اللَّه ثم قلب نيَّته للَّه عند الوقوف و [عند] (٢) الطواف. الثالث: أن يبتدئها مُريدًا [بها] (٣) اللَّه والناس، فيريد أداء فرضه والجزاء والشكور من الناس، وهذا كمن يُصلي بالأجرة، فهو لو لم يأخذ الأجرة صلَّى، ولكنه يصلي للَّه وللأجرة. وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال: فلان حج، أو يعطي الزكاة كذلك؛ فهذا لا يقبل منه العمل، وإن كانت النيةُ شرطًا في سُقوط الفرض وجبت عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص [التي هي] (٣) شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكمُ المُعلَّق بالشرط عَدمٌ عند عدمه، فإن الإخلاص هو تجريد القصدِ للَّه (٤)، ولم يُؤمر إلا بهذا، وإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عُهدة الأمر؛ وقد دلت السنة الصريحة على ذلك كما في قوله ﷺ : "يقول اللَّه يوم القيامة: أنا أغْنى الشركاء عن الشِّرك، فمن عمل عملًا أشْرك فيه [معي] (٣) غيري فهو كله للذي أشرك به" (٥) وهذا هو معنى

стр. 1231

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فصل [جزاء المخلص] وقوله: "فما ظنك بثواب عند اللَّه في عاجل رزقه وخزائن رحمته" [يريد به تعظيم جزاء] (١) المخلص وأَنَه رزق عاجل إما للقلب أو للبدن أو لهما. ورحمته مدّخرة في خزائنه؛ فإن اللَّه سبحانه يجزي العبد على ما عمل من خير في الدنيا ولا بد، ثم في الآخرة يوفيه أجره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فما يحصل في الدنيا من الجزاء على الأعمال الصالحة ليس جزاء توفية، وإن كان نوعًا آخر كما قال تعالى عن إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] وهذا نظير قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٢] فأخبر سبحانه أنه آتى خليله أجره في الدنيا من النعم التي أنعم بها عليه في نفسه وقلبه وولده وماله وحياته الطيبة، ولكن ليس ذلك أجر توفية. [لكل من عمل خيرًا أجران] وقد دل القرآن في غير موضع على أنَّ لكلِّ من عمل خيرًا أجرين: عمله في الدنيا ويكمل له أجره في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠] وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١]، وقال في هذه السورة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] وقال فيها عن خليله: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) [النحل: ١٢٢] فقد تكرِّر هذا المعنى في هذه

стр. 1232

السورة دون غيرها في أربعة مواضع لسرٍ بديع، فإنها سورة النِّعم التي عَدَّد اللَّه سبحانه فيها أصول النعم وفروعها، فعرَّف عباده أن لهم عنده في الآخرة من النعم أضعاف هذه بما لا يدرك تفاوته، وأن هذه من بعض نعمه العاجلة عليهم، وأنهم إن أطاعوه زادهم إلى هذه النعم نعمًا أخرى، ثم في الآخرة يوفيهم أجور أعمالهم تمام التوفية، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ [هود: ٣] فلهذا (١) قال أمير المؤمنين: "فما ظنك بثواب عند اللَّه في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام". فهذا بعضُ ما يتعلَّق بكتاب أمير المؤمنين ﵁ من الحكم والفوائد، والحمد للَّه رب العالمين (٢) [وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه أجمعين] (٣). [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأيمن يا كريم وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه. قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية تغمده اللَّه برحمته وأسكنه بحبوح جنته آمين] (٤):

стр. 1233

ذكر تحريم الإفتاء في دين اللَّه بغير علم وذكر الإجماع على ذلك [إثم القول على اللَّه بغير علم] قد تقدم (١) قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] وأن ذلك يتناول القول على اللَّه بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه. وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع: "من أُفتي بفُتْيا غير ثبت (٢) فإنما إثمُه على مَنْ أفتاه" (٣).

стр. 1234

وروى الزهريُّ، عن عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه قال: سمع النبي ﷺ قومًا يتمارون في القرآن فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتابَ اللَّه بعَضَه ببعض، وإنما نَزَل كتابُ اللَّه يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ولا يكذب بعضه بعضًا، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم [منه] فكِلوهُ إلى عالمه" (١) فأمر من جهل شيئًا من كتاب اللَّه أن يكله إلى عالمه، ولَا يتكلف القول بما لا يعلمه. وروى مالك بن مِغْول، عن أبي حَصين (٢)، عن مجاهد، عن عائشة أنه لما نزل عُذْرُها قبّل أبو بكر رأسها، قالت: فقلت: ألا عذرتني عند النبي ﷺ ، فقال: أيُّ سماء تُظِلُّني وأي أرض تُقِلني إذا قلت ما لا أعلم؟ (٣). وروى أيوب أن (٤) ابن أبي مُليكة قال: سئل أبو بكر الصديق ﵁ عن آية، فقال: أيُّ أرض تُقلُّني وأي سماء تظلني؟ وأين أذهب؟ وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب اللَّه بغير ما أراد اللَّه بها؟ (٥).

стр. 1235

وذكر البيهقي من حديث مسلم البَطِين، عن عَزْرة التميمي (١) قال: قال علي بن أبي طالب (٢): وأبَرَدُها على كبدي (ثلاث مرات)، قالوا: يا أمير المؤمنين وما ذاك؟ قال: أن يُسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: اللَّه أعلم (٣).

стр. 1236

[على من لا يعلم أن يقول: لا أدري] وَذكر أيضًا عن علي ﵁ قال: خمسٌ إذا (١) سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضًا عن (٢) سفره: لا يخشى عبدٌ إلا ربَّه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحي مَنْ لا يعلم أن يتعلَّم، ولا يستحي منْ يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: اللَّه أعلم، والصَّبرُ من الدين بمنزلة الرأس من الجسد (٣). وقال الزُّهري، عن خالد بن أسلم وهو أخو زيد بن أسلم: خرجنا مع ابن عمر نمشي، فلحقنا أعرابي فقال: أنت عبد اللَّه بن عمر؟ قال: نعم، قال: سألتُ عنك فدُلِلتُ عليك، فأخبرني أتَرث العمة؟ قال: لا أدري، قال: أنت لا تدري؟ قال: نعم، اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم؛ فلما أدبر قَبَّل يديه وقال: نِعِمّا، قال أبو عبد الرحمن؛ سُئل عما لا يدري فقال: لا أدري (٤). وقال ابن مسعود: مَنْ كان عنده علمٌ فليقل به؛ ومن لم يكن عنده علم فليقل: "اللَّه أعلم" فإن اللَّه قال لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] (٥).

стр. 1237

وصح عن ابن مسعود وابن عباس: مَنْ أفتى النَاسَ في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون (١). وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبي إذا سُئل عن مسألة شديدة قال: رُبّ ذاتِ وبَر لا تنقاد ولا تَنْساق؛ ولو سُئل عنها الصحابة لعضلت بهم (٢). وقال أبو حَصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عُمر لَجمعَ لها أهل بدر (٣). وقال ابنُ سيرين: لأن يموت الرجلُ جاهلًا خيرٌ له من أن يقولَ ما لا يعلم (٤). وقال القاسم: من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه (٥). وقال: يا أهل العراق واللَّه لا نعلم كثيرًا مما تسألوننا عنه، ولأن يعيش الرجل جاهلًا إلا أن يعلمَ ما فرض اللَّه عليه خيرٌ له من أن يقول على اللَّه ورسوله ما لا يعلم (٦). وقال مالك: من فقه العالم أن يقول: "لا أعلم"؛ فإنه عسى أن يتهيأ له الخير (٧). وقال: سمعتُ ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يُورث جلساءه من بعده: "لا أدري"، حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه (٨).

стр. 1238

وقال الشعبي: "لا أدري" نصف العلم (١). وقال ابنُ جُبير: ويلٌ لمن يقول لما لا يعلم: إني أعلم (٢). وقال الشافعي: سمعت مالكًا يقول: سمعتُ ابنَ عجلان يقول: إذا أغفل العالم "لا أدري" أُصيبت مقاتله (٣)، وذكره ابن عجلان عن ابن عباس (٤). [طريقة السلف الصالح] وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن شيء، [فمكث] (٥) أيامًا ما يجيبه، فقال: يا أبا عبد اللَّه إني أريد الخروج [وقد طال التردد إليك]، فأطرق طويلًا ورفع رأسه فقال: ما شاء اللَّه! يا هذا إني أتكلم فيما احتسب فيه الخير، ولست أُحسنُ مسألتك هذه (٦).

стр. 1239

وقال ابنُ وهب: سمعت مالكًا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخَرَف (١)، قال: وكان يقول: التأنّي من اللَّه والعجلة من الشيطان (٢). وهذا الكلام قد رواه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن سعد بن سِنان، عن أنس أن رسول اللَّه ﷺ قال: "التأني من اللَّه والعجلة من الشيطان" (٣)، وإسناده جيد. وقال ابن المنكدر: العالم بين اللَّه وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم (٤). وقال ابن وهب: قال لي مالك وهو يُنكر كثرة الجواب في المسائل: [يا عبد اللَّه] (٥) ما علمتَ فقل، وإياك أن تُقلِّد الناس قلادة سوء (٦).

стр. 1240

وقال مالك: حدثني ربيعة قال: قال لي ابن (١) خلدة وكان نعم القاضي: يا ربيعة، أراك (٢) تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن هَمُّك أن [تخرجه مما وقع فيه ولتكن همتك أن] تتخلص مما سألك عنه (٣). وكان ابنُ المسيب لا يكاد يفتي إلا قال: اللهم سلِّمني وسَلِّم مني (٤). وقال مالك: ما أجبتُ في الفتوى حتى سألتُ مَنْ هو أعلم مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك، فقيل له: يا أبا عبد اللَّه! فلو نهوْك؟ [قال] (٥): كنت أنتهي (٦). وقال ابنُ عباس لمولاه عكرمة: اذهب فأفْتِ الناس وأنا لك عوْن، فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عَمَّا لا يعنيه فلا تُفتِهِ، فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس (٧). [فوائد تكرير السؤال] وكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أعِدْ، فإن أعاد السؤال كما سأله عنه أولًا أجابه، وإلا لم يجبه (٨).

стр. 1241

وهذا من فهمه وفطنته ﵀، وفي ذلك فوائد عديدة: منها: أن المسألة تزداد وضوحًا وبيانًا بتفهم السؤال. ومنها: أن السائل لعله أهمل فيها أمرًا يتغتر به الحكم فإذا أعادها رُبَّما بيَّنه له. ومنها: أن المسؤول قد يكون ذاهلًا عند (١) السؤال أولًا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك. ومنها: ربما بَان له تعنُّت السائل وأنه وضع المسألة؛ فإذا غَيَّر السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها، وأنها من الأغلوطاتِ أو غيرِ الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجوابَ بالظنِّ يجوز عند الضرورة، فإذا وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصّواب أقرب، واللَّه أعلم. ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول فيه والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب [أنواع ما يحرم القول به] فأما النوع الأول فهو ثلاثة أنواع: أحدهما: الإعراضُ عمَّا أنزل اللَّه وعدم الالتفات إليه اكتفاءً بتقليد الآباء. الثاني: تقليدُ من لا يعلم المقلِّد أنه أهل [لأن] (٢) يُؤخذ بقوله. الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلَّد، والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قَلَّدَ قبل تمكّنه من العلم والحجة، وهذا قَلَّدَ بعد ظهور الحجة له؛ فهو أولى بالذم ومعصية اللَّه ورسوله. وقد ذم اللَّه سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا

стр. 1242

عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤] [وقال تعالى] (١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤] وهذا في القرآن كثير يَذمُّ فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء. فإن قيل: إنّما ذم من قلَّد الكفّار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم يَذم من قَلَّد العُلماءَ المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر، وهم أهل العلم، وذلك تقليدٌ لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وهذا أمرٌ لمن لا يعلم بتقليدِ من يَعْلم. فالجواب أنه سبحانه ذمَّ من أعرض عَمَّا أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذَمِّه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جُهده في اتباع ما أنزل اللَّه وخفي عليه بعضُه فقلَّد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ إن شاء اللَّه تعالى. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] فأمر باتباع المُنزَّل خاصة، والمُقلِّد ليس له علم أن هذا هو المنزَّل وإن كان (٢) قد تبيَّنت (٣) له الدلالة في خلاف قول من قَلَّده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فمنَعَنَا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله، وهذا يبطل التقليد. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا (٤) وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة: ١٦] ولا وليجة (٥) أعظم ممن جعل رجلًا

стр. 1243

بعينه عيارًا (١) على كلام اللَّه وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدّمه على ذلك كله، ويَعْرض كتابَ اللَّه (٢) وسنة رسوله وإِجماع الأمة على قوله فما وافقه منها قَبِلَه لموافقته لقوله وما خالفه منها تلطَّف في رده وطلب (٣) له وجوه الحيل، فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة! وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦ - ٦٧] وهذا نصٌّ في بطلان التقليد. فإن قيل: إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل، أما من هداه السبيل فأين ذم اللَّه تقليده؟ قيل: جواب [هذا] (٤) السؤال في نفس السؤال، فإنه لا يكون العبد مهديًا (٥) حتى يتبع ما أنزل اللَّه على رسوله؛ فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل اللَّه على رسوله فهو مهتد، وليس بمقلد، وإن لم يعرف (٦) ما أنزل اللَّه على رسوله فهو جاهلٌ ضالٌ بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدًى في تقليده؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب وأنهم إنما يقلدون (٧) أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى. فإن قيل: فأنتم تُقِرُّون (٨) أن الأئمة المقلدين في الدِّين على هدى، فمقلِّدوهم على هدى قطعًا؛ لأنهم سالكون خلفهم. قيل: سلوكُهُم خلفهم مبطلٌ لتقليدهم لهم قطعًا؛ فإن طريقتَهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم إن شاء اللَّه تعالى، فمن ترك الحجة وارتكب ما نَهوا عنه ونهى اللَّه ورسوله عنه قبْلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم، وإنما يكون على طريقتهم من اتَّبع الحجة، وانقاد للدليل، ولم يتخذ رجلًا بعينه سوى الرسول ﷺ يجعله مختارًا على الكتاب والسنة يعرضها (٩)

стр. 1244

على قوله. وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتِّباعًا، وإيهامه وتلبيسه، بل هو مخالف للاتّباع، وقد فَرَّق اللَّه ورسوله وأهل العلم بينهما كما فرّقت الحقائق بينهما، فإن الاتباع سلوك طريق المُتَّبَع والإتيان بمثل ما أتى به. [الفرق بين الاتباع والتقليد] قال أبو عمر في "الجامع" (١): (باب فساد التقليد ونفيه، والفرق بينه وبين الاتباع). قال أبو عمر: قد ذمَّ اللَّه ﵎ التقليد في غير موضع من كتابه فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، روي عن حذيفة وغيره قال: لم يعبدوهم من دون اللَّه، ولكنهم أحلُّوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم (٢). وقال عَديُّ بنُ حاتم: أتيت رسول اللَّه ﷺ وفي عُنُقي صليب، فقال:

стр. 1245

يا عدي ألق هذا الوثَنَ من عنقك، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا (١) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] فقلت (٢): يا رسول اللَّه إنا لم نتخذهم (٣) أربابًا، قال: بلى، أليس يُحِلُّون لكم ما حُرِّم عليكم فتحلُّونه ويحرِّمون عليكم ما أُحلَّ لكم فتحرمونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم (٤). قلت: الحديث في "المُسند" والترمذي مطولًا. وقال أبو البَخْتَري في قوله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] قال: أما إنهم لو أَمروهم أَن يعبدوهم من دون اللَّه ما

стр. 1246

أطاعوهم، ولكنَّهم أمروهم فجعلوا حَلالَ اللَّه حَرَامه وحرامه حلاله فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية (١). وقال وكيع: ثنا سفيان والأعمش جميعًا، عن حَبيب بن أبي ثَابت (٢) عن أبي البَخْتَري قال: قيل لحذيفة في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]: أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يُحِلّون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه (٣). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣ - ٢٤] فمنعهم الاقتداءُ بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤] وفي هؤلاء ومثلهم قال اللَّه : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦ - ١٦٧] وَقَالَ تَعَالَى معاتبًا (٤) لأهل الكفر وذامًّا لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٣] وقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ومثل هذا في القرآن كثير من ذمِّ تقليد الآباء والرؤساء وقد احتجَّ العلماءُ بهذه الآية في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفرُ أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهةِ كفرِ أحدِهما وإيمانِ الآخر، وإنما وقع التشبيه بين المُقَلِّدين (٥) بغير حجة للمُقلِّد، كما لو قلَّد رجلًا (٦) فكفر وقلَّد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة [دنياه] فأخطأ وَجْهَها كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك

стр. 1247

تقليد يُشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه، وقال اللَّه : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. قال: فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي "الكتاب والسنة" وما كان (١) في معناهما بدليلٍ جامع (٢)، ثم ساق من طريق كَثير بن عبد اللَّه بن عَمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إني لا أخاف على أُمتي من بعدي إلا من أعمال ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول اللَّه؟ قال: أخاف عليهم زلّة العَالِم (٣)، ومن حكم جائر، ومن هوًى مُتَّبع" (٤) وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتابَ اللَّه، وسُنَّة رسوله ﷺ " (٥). [مضار زلة العالم] قلت: والمُصنِّفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبين زلة العالم ليبيِّنوا بذلك فساد التقليد وأن العَالِم قد يزل ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، ويُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم؛ فهذا الذي ذَمَّه كلُّ عالم على وجه الأرض، وحَرَّموه، وذمُّوا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلِّدون العالم فيما زَلَّ فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ ولا بد فيحلون ما حرم [اللَّه] (٦) ويحرمون ما أحل [اللَّه] (٦) ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منفية (٧) عَمَّن قلدوه، فالخطأ

стр. 1248

واقع منه ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "اتقوا زَلَّة العالم، وانتظروا فيئته" (١). وذكر من حديث [مسعود] (٢) بن سعد، عن يزيد بن أبي زِياد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أشَدُّ ما أتخوف على أمتي ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم" (٣). ومن المعلوم أنَّ المُخوفَ في زلَّة العالم تقليده فيها؛ إذ لولا التقليد لم يخف من زلة العالم على غيره. فإذا عَرَف أنها زَلَّة لم يجز له أن يتبعه فيها باتفاق المسلمين، فإنه اتباعٌ للخطأ على عمد، ومن لم يعرف أنها زلة فهو أعذر منه، وكلاهما مُفرِّط فيما أمر به، وقال الشعبي: قال عمر: يُفسد الزمان ثلاثة: أئمة مُضلون، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وزلة العالم (٤). وقد تقدم أن معاذًا كان لا يجلس مجلسًا

стр. 1249

للذِّكر إلا قال حين يجلس: اللَّه حَكَم قسط، هلك المرتابون. . . الحديث، وفيه: "وأحذركم زلة الحكيم (١)؛ فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق"، قلت لمعاذ: ما يُدريني رَحِمك اللَّه أنَّ الحكيم قد يقول كلمة الضلالة وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: اجْتنِبْ من كلام الحكيمِ المُشتبهات التي يقال: ما هذه؟ ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يُراجع، وتَلقَّ الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا (٢). وذكر البيهقي من حديث حَمَّاد بن زيد، عن المثنى بن سعيد، عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويْلٌ للأتباعِ من عَثراتِ العالم، قيل: وكيف ذلك يا ابن عَبَّاس (٣)؟ قال: يقول العالمُ من قبل رأيه، ثم يسمعُ الحديثَ عن النبي ﷺ فيدع ما كان عليه، وفي لفظ: من هو أعلم برسول اللَّه ﷺ منه فيخبره فيرجع ويقضي الأَتباعُ بما حَكَم (٤).

стр. 1250

وقال تميم الداري: اتقوا زلة العالم، فسأل عمر: ما زلة العالم؟ قال: يزل بالناس فيُؤخذُ به، فعسى أن يتوبَ العالِمُ والناس يأخذون بقوله (١). وقال شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن عبد اللَّه بن سلمة قال: قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، فسكتوا، فقال: أما العالم فإن اهْتدى فلا تقلِّدوه دِينَكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه أياسكم (٢)؛ فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فله منار كمنار الطريق فلا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه، وما شككتم فكِلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل اللَّه الغنى في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليس بنافعته دنياه (٣). وذكر أبو عمر من حديث حُسَيْنُ الجُعْفي، عن زائدة، عن عطاء بن السائب، عن أبي البَخْتَري قال: قال سلمان: كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوهُ دينكم، وأما مجادلة المنافق بالقرآن فإن للقرآن منارًا كمنار الطريق [فلا يخفى على أحد] (٤)، فما عرفتم منه فخذوه، وما لم تعرفوه فكِلوه إلى اللَّه، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى مَنْ هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم (٥).

стр. 1251

قال أبو عمر (١): وتشبه زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلْق كثير. قال [أبو عمر] (١): وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين يقول لا يعرف وجهه. وقال غيرُ أبي عمر (٢): كما أن القضاةَ ثلاثة قاضيان في النار وواحد في الجنة فالمفتون ثلاثة، ولا فرق بينهما إلا في كون القاضي يُلزِمُ بما أفتى به، والمفتي لا يلزم به. وقال ابنُ وهب: سمعتُ سفيان بن عيينة يُحدِّث عن عاصم بن بَهْدَلة، عن زِرِّ بن حُبيش، عن ابن مسعود أنه كان يقول: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا ولا تغدُ إمَّعة فيما بين ذلك، قال ابن وهب: فسألت سفيان عن الإمَّعة، فحدثني عن أبي الزناد، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: كنا ندعو الإمَّعة في الجاهلية الذي يُدعى إلى الطعام فيأتي معه بغيره، وهو فيكم المُحَقِّب (٣) دينه الرجال (٤).

стр. 1252

وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عَمرو النَّصري (١): ثنا أبو مُسْهِر: ثنا سعيدُ بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عُبيد اللَّه، عن السائب بن يزيد بن أخت نَمر أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنَّ حَديثَكم شَرُّ الحديث، إن كلامكم شر الكلام؛ فإنكم قد حدثتم الناس حتى قيل: قال فلان، وقال فلان، ويُترك كتاب اللَّه، من كان منكم قائمًا فليقم بكتاب اللَّه، وإلّا فليجلس (٢). فهذا قول عمر

стр. 1253

لأفضل قرْن على وجه الأرض، فكيف لو أدرك ما أصْبحنا فيه من ترك كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة لقول فلان وفلان [وفلان] (١)؟ فاللَّه المستعان! [كلام علي لكُميل بن زياد] قال أبو عمر (٢): "وقال علي بن أبي طالب (٣) لكُمَيْل بن زياد النخعي -وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يَستغني عن الإسناد لشهرته عندهم-: يا كميل، إن هذه القلوب أوْعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالمٌ رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. ثم قال: آه (٤) إن هاهنا علمًا -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبْتُ له حملة، بلى (٥) قد أصبت لَقِنًا (٦) غير مأمون، يستعمل [آلة] (٧) الدين للدنيا، ويستظهر بحجج اللَّه على كتابه وبنعمه على معاصيه، أو حامل (٨) حق لا بصيرة له [في إحيائه] (٧)، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به، وإن من الخير كله من عرَّفه اللَّه دينه، وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف دينه (٩).

стр. 1254

[نهي الصحابة عن الاستنان بالرجال] وذكر أبو عمر (١) عن أبي البَختري عن علي قال: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم اللَّه فيه فيعمل بعمل أهل النار، فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم اللَّه فيه فيعمل بعمل أهل الجنة، فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بُدّ فاعلين فبالأموات لا بالأحياء (٢).

стр. 1255

وقال ابن مسعود: لا يقلدنّ أحدكم دينه رجلًا إنْ آمن آمن، وإنْ كفر كفر فإنه لا أُسوةَ في الشر (١). قال أبو عمر (٢): و [قد] ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يذْهبُ العلماء، ثم يتخذ الناس رءوسًا جُهّالًا، يُسألون فيفتون بغير علم، فيَضِلُّون ويُضِلُّون" (٣) قال أبو عمر: وهذا كله نفي قلت للتقليد، وإبطال له لمن فهمه وهُدِيَ لرشده. ثم ذكر من طريق يونس بن عبد الأعلى: ثنا سفيان بن عُيينة قال: اضطجع ربيعة مقنعًا رأسه وبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: رياءٌ ظاهر، وشهوة خَفية، والناس عند علمائهم كالصبيان في إمامهم (٤): ما نهوهم عنه انتهوا، وما أمروهم (٥) به ائتمروا (٦).

стр. 1256

وقال عبد اللَّه بن المعتز (١): لا فرق بين بهيمةٍ تنقادُ وإنسان يقلِّد (٢). ثم ساق من "جامع (٣) ابن وهب": أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن بكر بن عمرو (٤)، عن عَمرو بن أبي نَعيمة (٥)، عن مسلم بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مَقْعده من النار، ومَنْ استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أُفتي بفُتيا بغير ثبت فإنما إثمه (٦) على من أفتاه" (٧) وقد تقدم هذا الحديث من رواية أبي داود (٨). وفيه دليل على تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه إفتاء بغير ثبت؛ فإن الثبتَ الحجةُ التي يثبتُ بها الحكم باتفاق الناس كما قال أبو عمر (٩): [الاحتجاج على من أجاز التقليد بحجج نظرية] " وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم، فأحْسن ما رأيت من ذلك قول المزني (١٠)، وأنا أورده، قال: يُقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حَكمتَ به؟ فإن قال: "نعم" بطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: "حكمت به (١١) بغير حجة" قيل له: فلم أرَقْت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حَرَّم اللَّه ذلك إلا بحجة؟ قال اللَّه : ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٦٨]

стр. 1257

أي: من حجة بهذا فإن قال: "أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة لأني قَلَّدتُ كبيرًا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خَفِيت عليّ" قيل له: إذا جاز تقليد مُعلِّمك لأنه لا يقول إلا بحجة خَفِيت عليك فتقليدُ معلِّم مُعلِّمك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلِّمك كما لم يقل إلا بحجة خفيت عليك، فإن قال: "نعم" ترك تقليد [معلمه إلى تقليد] (١) معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي [الأمر] (١) إلى أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وإن أبي ذلك نَقَضَ قَوْلَه، وقيل له: كيف تُجوِّز تقليدَ مَنْ هو أصغر وأقل علمًا ولا تجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا وهذا تناقض؟ فإن قال: "لأن معلمي -وإن كان أصغر- فقد جَمَعَ عِلْم مَنْ هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك" قيل له: وكذلك من تَعَلمَ من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى عِلْمك، فإن قلّد قوله (٢) جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابعٍ من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدًا، وكفى يقول يؤول إلى هذا تناقضًا وفسادًا" (٣). قال أبو عمر: قال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو به (٤)، فمن بأن له الشيء فقد علمه، قالوا: والمُقلِّد لا علم له، ولم يختلفوا [في ذلك] (٥)، ومن هاهنا واللَّه [أعلم] (٥) قال البحتري (٦):

стр. 1258

عرف العالمون فَضْلَكَ ... بالعلم وقال الجهَّالُ بالتَّقليدِ وأرى الناس مجمعين على ... فضلك من بين سيدٍ ومَسُودِ [التقليد والاتباع] وقال أبو عبد اللَّه بن خواز منداد (١) البصري المالكي: "التقليدُ معناه في الشرع الرجوع إلى قولٍ لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوعٌ منه في الشريعة، والاتِّباع: ما ثبت عليه حجة". وقال في موضع آخر من كتابه: "كُلُّ مَنْ اتبعتَ قَوْلَه من غير أن يجب عليك قبوله بدليل (٢) يوجب ذلك فأنت مقلِّده، والتقليد في دين اللَّه غير صحيح، وكل مَنْ أوجبَ الدليلُ عليك اتِّباعَ قَوْلِه فأنت متبعه، والاتِّباع في الدين مَسوغ، والتقليد ممنوع". قال (٣): "وذكر محمد بن حارث في "أخبار سحنون بن سعيد" عنه قال: "كان مالك وعبد العزيز بن أبي سَلَمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هُرمز، فكان إذا سألة مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله ابن دينار وذَوُوه لا يجيبهم، فتعرض له ابنُ دينار يومًا فقال له: يا أبا بكر لم تَستحلُّ مني ما لا يَحلُّ لك؟ فقال له: يا ابن أخي وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذوي (٤) فلا تجيبنا؟ فقال: أوقع ذلك في قلبك يا ابن أخي؟ قال: نعم، قال: إني [قد] (٥) كَبِرَتْ سنِّي ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقًا قبِلاه، وإن سمعا مني خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به (٦) قبلتموه". قال ابن حارث: هذا واللَّه الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي

стр. 1259

بالهَذَيان (١)، ويريد أن ينزل [قوله] (٢) من القلوب بمنزلة القرآن!. قال أبو عمر (٣): يقال لمن قال بالتقليد: لِم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟ فإن قال: قلدتُ لأن كتاب اللَّه لا علم لي بتأويله، وسنة رسول اللَّه ﷺ لم أُحْصِها، والذي قَلدتُه قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. قيل له: أمَّا العلماء إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله ﷺ أو اجتمع (٤) رأيهم على شيء فهو الحَقُّ لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قَلَّدت فيه بَعْضَهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض وكُلُّهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه، [فإن] (٥) قال: "قلدته لأني أعلم أنه على صواب" (٦) قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب (٧) أو سنة أو إجماع؟ فإن قال: "نعم" أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل، وإن قال: "قَلَّدته لأنه أعلم مني" قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خَلْقًا كثيرًا، ولا تخص من قَلَّدتَه إذ علتك فيه أنه أعلم منك (٨)، فإن قال: "قلدته لأنه أعلم الناس" قيل له: فهو (٩) إذن أعلم من الصحابة!! وكفى يقول مثل هذا قبحًا! فإن قال: "أنا أقلد بعض الصحابة" قيل له: فما حُجتك في ترك من لم تقلِّد منهم؟ ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن مزين، عن عيسى بن دينار، قال عن ابن القاسم (١٠): عن مالك قال: ليس كما قال رجلٌ قولًا وإن كان له فَضلٌ يتَبع عليه (١١)؛ لقول اللَّه : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]. فإن قال: قِصَري

стр. 1260

وقلَّة علمي يحملني على التقليد؛ قيل له: أما من قلَّد فيما يَنزلُ به من أحكام شريعته عالمًا يتفق له على علمه فيصدر في ذلك عما يُخبرُ به (١) فمعذور؛ لأنه قد أتى (٢) ما عليه، وأدَّى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم (٣) فيما جهله؛ لإجماع المسلمين أن المكفوف يُقلِّد من يثق بخبره في القبلة لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، ولكن مَنْ كانت هذه حاله هل تجوزُ له الفُتْيا في شرائع دين اللَّه فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويُصيِّرها (٤) إلى غير مَنْ كانت في يديه (٥) بقولٍ لا يعرفُ صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه؟ فإن أجاز الفتوى لمن جَهِلَ الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يُجيزَه للعامة، وكفى بهذا جهلًا وردًا للقرآن، قال (٦) اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٦٨] وقد أجمع العلماء على أن ما لم يُتبيَّن ولم يُستيقَن (٧) فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. ثم ذكر حديث ابن عباس: "من أفتى بفُتيا وهو يَعمى عنها كان إثمها عليه" موقوفًا ومرفوعًا (٨)، قال: وثبت (٩) عن النبي ﷺ : "إيّاكم والظن فإن الظن أكذبُ الحديث" (١٠).

стр. 1261

قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد (١)، ثم ذكر من طريق ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو عثمان بن سنَّة (٢) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن العلم بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٣)، ومن طريق كثير بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "إن الإِسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" قيل له: يا رسول اللَّه، وما الغرباء؟ قال: "الذين يُحيون سنتي ويعلِّمونها عبادَ اللَّه" (٤) وكان

стр. 1262

يقال: "العلماءُ غرباءُ لكثرة الجهال"، ثم ذكر عن مالك عن زيد بن أسلم في قوله سبحانه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال: بالعلم (١)، وقال ابن عباس في قول اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] قال: يرفع اللَّه الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يوتَوُا العلم درجات (٢).

стр. 1263

وروى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] قال: بالعلم (١)، وإذا كان المقلِّد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص، وباللَّه التوفيق. فصل [نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم] وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذَمّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال الشافعي: مَثَلُ الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري، ذكره البيهقي (٢). وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول "مختصره" (٣): اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعْلامِيَّة نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين (٤) بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر (٥). وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو بَعدُ في التابعين مخيَّر (٦). وقال أيضًا: لا تقلِّدني ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا (٧).

стр. 1264

وقال: مِن قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال (١). وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقولَ مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (٢). وقد صرَّح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النَّخَعي أنه يُستتاب، فكيف من (٣) ترك قول اللَّه ورسوله لقول مَنْ هو دون إبراهيم أو مثله (٤)؟ وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ: حدثني الهيثم بن جميل، قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد اللَّه إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم: ثنا فُلان، عن فلان، عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا، و [حدثنا] فلان عن إبراهيم بكذا، ونأخذ (٥) يقول إبراهيم. قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يُستتابون (٦)، واللَّه أعلم. فصل [مناظرة بين مقلِّد وصاحب حُجَّة] في عقد مجلس مناظرة بين مقلد (٧) وصاحب حجة منقاد للحق حيث كان. قال المقلد: نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فأمر اللَّه سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا؛ وقد أرشد النبي ﷺ من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشَّجَّة: "ألا سألوا [إذ] (٨) لم يعلموا، إنما شفاءُ

стр. 1265

العِيِّ السؤال" (١) وقال أبو العَسيف الذي زنى بامرأة مستأجِرِه: "وإني سألت أهل
следующие страницы →