← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد (١)، ثم ذكر من طريق ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني أبو عثمان بن سنَّة (٢) أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن العلم بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (٣)، ومن طريق كثير بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: "إن الإِسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" قيل له: يا رسول اللَّه، وما الغرباء؟ قال: "الذين يُحيون سنتي ويعلِّمونها عبادَ اللَّه" (٤) وكان

стр. 1262

يقال: "العلماءُ غرباءُ لكثرة الجهال"، ثم ذكر عن مالك عن زيد بن أسلم في قوله سبحانه: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قال: بالعلم (١)، وقال ابن عباس في قول اللَّه تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] قال: يرفع اللَّه الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يوتَوُا العلم درجات (٢).

стр. 1263

وروى هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] قال: بالعلم (١)، وإذا كان المقلِّد ليس من العلماء باتفاق العلماء لم يدخل في شيء من هذه النصوص، وباللَّه التوفيق. فصل [نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم] وقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم، وذَمّوا من أخذ أقوالهم بغير حجة؛ فقال الشافعي: مَثَلُ الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري، ذكره البيهقي (٢). وقال إسماعيل بن يحيى المزني في أول "مختصره" (٣): اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعْلامِيَّة نهيه عن تقليده وتقليد غيره لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه. وقال أبو داود: قلت لأحمد: الأوزاعي هو أتبع من مالك؟ قال: لا تقلد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي ﷺ وأصحابه فخذ به، ثم التابعين (٤) بعدُ الرجلُ فيه مخيَّر (٥). وقد فرق أحمد بين التقليد والاتباع فقال أبو داود: سمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ﷺ وعن أصحابه، ثم هو بَعدُ في التابعين مخيَّر (٦). وقال أيضًا: لا تقلِّدني ولا تقلد مالكًا ولا الثوري ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا (٧).

стр. 1264

وقال: مِن قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال (١). وقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحلُّ لأحدٍ أن يقولَ مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (٢). وقد صرَّح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النَّخَعي أنه يُستتاب، فكيف من (٣) ترك قول اللَّه ورسوله لقول مَنْ هو دون إبراهيم أو مثله (٤)؟ وقال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدَّورقيُّ: حدثني الهيثم بن جميل، قال: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد اللَّه إن عندنا قومًا وضعوا كتبًا يقول أحدهم: ثنا فُلان، عن فلان، عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا، و [حدثنا] فلان عن إبراهيم بكذا، ونأخذ (٥) يقول إبراهيم. قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يُستتابون (٦)، واللَّه أعلم. فصل [مناظرة بين مقلِّد وصاحب حُجَّة] في عقد مجلس مناظرة بين مقلد (٧) وصاحب حجة منقاد للحق حيث كان. قال المقلد: نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول اللَّه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] فأمر اللَّه سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا؛ وقد أرشد النبي ﷺ من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشَّجَّة: "ألا سألوا [إذ] (٨) لم يعلموا، إنما شفاءُ

стр. 1265

العِيِّ السؤال" (١) وقال أبو العَسيف الذي زنى بامرأة مستأجِرِه: "وإني سألت أهل

стр. 1266

العلم فأخبروني أنما على ابني جلدُ مئة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم" (١) فلم يُنكر عليه تقليد من هو أعلم منه، وهذا عالم الأرض عمر قد قلَّد أبا بكر؟ فروى شعبةُ، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، أن أبا بكر قال في الكَلَالة: أقضي فيها، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان واللَّه منه برئ، هو ما دون الولد والوالد، فقال عمر بن الخطاب: إني لأستحيي من اللَّه أن أخالف أبا بكر (٢). وصحَّ عنه أنه قال له: رأيُنا لرأيك تبعٌ (٣).

стр. 1267

وصح عن ابن مسعود أنه كان يأخذ يقول عمر (١). وقال الشعبي، عن مسروق: كان ستة من أصحاب النبي ﷺ يُفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأُبيّ بن كعب، وأبو موسى، وكان ثلاثة منهم يَدَعون قَوْلَهم لقول ثلاثة: كان عبد اللَّه يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أُبيّ بن كَعْب (٢). وقال جُنْدب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (٣). وقد

стр. 1268

قال النبي ﷺ : "إن معاذًا قد سن لكم سنة، فكذلك فافعلوا" (١) في شأن الصلاة حيث تأخَّر فصلى ما فاته [من الصلاة] (٢) مع الإِمام بعد الفراغ، وكانوا يصلون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإِمام. قال المقلد: وقد أمر اللَّه تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر -وهم العلماء، أو العلماء والأمراء (٣) - وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وتقليدهم اتباع لهم، ففاعله ممن ﵃، ويكفي في ذلك الحديث المشهور: "أصحابي كالنجوم بأيِّهِمُ اقتديتم اهتديتم" (٤).

стр. 1269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1271

وقال عبد اللَّه بن مسعود: من كان منكم مُستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم اللَّه لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (١).

стр. 1272

وقد صحَّ (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (٢) وقال: "اقتدوا باللّذيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا

стр. 1273

بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبْد" (١) وقد كتب عمر إلى شريح: أن أقْضِ بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فبسنة رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم يكن في سنة رسول اللَّه ﷺ فاقْضِ بما قضى به الصالحون (٢). وقد منع عمر من بيع أمهات الأولاد (٣) وتبعه الصحابة، وألزم بالطلاق الثلاث (٤) فتبعوه أيضًا، واحتلم [أيضًا] مرة فقال له عمرو بن العاص: خُذ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتها لصارت سنة (٥)، وقال أبيُّ بن كعب وغيره من

стр. 1274

الصحابة: ما استبان لك فأعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه (١). وقد كان الصحابة يُفتون ورسول اللَّه ﷺ حيٌّ بين أظهرهم، وهذا تقليدٌ لهم قطعًا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي ﷺ ، و [قد] (٢) قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأوْجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليدٌ منهم للعلماء. وصح عن ابن الزبير أنه سئل عن الجد والإخوة، فقال: أما الذي قال رسول اللَّه ﷺ : "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا" (٣) فإنه أنزله أبًا، وهذا ظاهرٌ في تقليده له، وقد أمر اللَّه سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له، وجاءت الشريعة بقبول قول القائف والخَارِص (٤) والقاسم والمُقَوِّم

стр. 1275

للمتلفات وغيرها والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض. وأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرِّف والمعدِّل وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك تقليد محض لهؤلاء (١). وأجمعوا على جواز شراء اللُّحمان والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها اكتفاءً بتقليد أربابها, ولو كُلِّف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء [فضلاء] (٢) لضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين، وهذا مما لا سبيل إليه شرعًا، والقدر قد منع من وقوعه. وقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يُهْدين إليه زوجته وجواز وطئها تقليدًا لهن في كونها هي زوجته. وأجمعوا على أن الأعمى يُقلَّد في القبلة (٣)، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وما يصح به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيُباح للزوج وطؤها بالتقليد، ويباح للولي تزويجها بالتقليد لهادي انقضاء عدتها، وعلى جواز تقليد الناس للمؤذِّنين في دخول أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل. وقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتُكَ وأرضعتُ امرأتك، فأمره النبي ﷺ بفراقها وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك (٤). وقد صرَّح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفصُ بن غِياث: سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختُلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه.

стр. 1276

وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد من هو مثله (١). وقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضلع (٢) بعير، قلته تقليدًا لعمر. وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدًا لعثمان. وقال في مسألة الجد مع الإخوة: إنه يقاسمهم، ثم قال: وإنما قلت يقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض. وقد قال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدًا لعطاء. وهذا أبو حنيفة ﵀ في (٣) مسائل الآبار (٤) ليس معه فيها إلا تقليد من تقدَّمه من التابعين فيها. وهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرِّح في "موطئه" بأنه أدرك العمل على هذا، وهذا (٥) الذي عليه أهل العلم ببلدنا. ويقول في غير موضع: ما رأيت أحدًا أَقتدي به يفعله. ولو جمعنا ذلك من كلامه لطال. وقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا [ونحن نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا] (٦). وقد جعل اللَّه سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا، وهذا (٧) عام في كل علم وصناعة، وقد فاوت اللَّه سبحانه بين قوى الأذهان كما فاوت (٨) بين قوى الأبدان، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله والجواب عن معارضه في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها؛ ولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه هذا عالمًا، وهذا متعلمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًا به، بمنزلة المأموم مع الإِمام والتابع مع المتبوع، وأين حَرَّم اللَّه تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًا به مقلدًا له يسير بسيره وينزل بنزوله؟ وقد علم اللَّه سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق، فهل فرض على كل منهم فرض عين أن يأخذ حكم نازلته من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟ وهل ذلك في إمكان [أحد] (٩) فضلًا عن كونه مشروعًا؟ وهؤلاء أصحاب رسول اللَّه ﷺ فتحوا البلاد، وكان الحديث العهد بالإِسلام يسألهم

стр. 1277

فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل، ولا يُعرف ذلك عن أحد منهم ألبتة، وهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود! فهو من لوازم الشرع والقدر. والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها. ونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أَثريّة ذكرتها فأنت مقلد لحملَتِهَا ورُواتها؛ إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس في يدك (١) إلا تقليد الراوي، وليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم، فما الذي سَوَّغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم، وهذا سمع بأذُنه ما رواه، وهذا عقل بقلبه ما سمعه، فأدَّى هذا مسموعه، و [أدى] (٢) هذا معقوله، وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، وعلى من لم يبلُغ منزلتهما القبول منهما؟ ثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون من قلده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدل الذي طلب الحق، ولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه، وهذا كمن أراد شراء سِلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه، وهذا متفق عليه بين العقلاء. [الرد على حجج القائلين بالتقليد] قال أصحاب الحجة: عجبًا لكم معشر (٣) المقلدين الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله ولا معدودين في زمرة أهله (٤)، كيف أبطلتم مذهبكم بنفس دليلكم؟ فما للمقلِّد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلد من منصب المُسْتدل؟ وهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابًا استعرتموها من صاحب الحجة فتجملتم بها بين الناس؟ وكنتم في ذلك متشبِّعين بما لم تعطوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه (٥)؟ وذلك ثوبُ زورٍ لبستموه، ومنصبٌ لستم من أهله غصبتموه، فأخبرونا: هل صريح إلى التقليد لدليل قادكم

стр. 1278

إليه، وبرهان دلَّكم عليه، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزل، أو سلكتم سبيله اتفاقًا وبحثًا عن غير دليل (١)؟ وليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين [سبيل] (٢)، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكمٌ، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم، ونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة قلتم: لسنا من أهل هذه السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد فلا معنى لما أقمتموه من الدليل. والعجب أن كُلَّ طائفةٍ من الطوائف، وكل أمة من الأمم تدَّعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مُبطلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليه، وبرهانٍ دلَّهم عليه (٣)، وإنما سبيلهم محض التقليد، والمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل. وأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوْا عليه، فإنهم بنوا على الحجة، ونهوا عن التقليد، وأوْصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك أمانيهم، وما أَتْباعهم إلا من سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم. وأعجب من هذا أنهم مصرِّحون في كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه، وأنه لا يحل القول به في دين اللَّه، ولو اشترط الإِمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته، ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط، وكذلك المفتي يحرُم عليه الإفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس، والمقلد لا علم له بصحة القول وفساده؛ إذ طريق ذلك مسدودَةٌ عليه، ثم كلٌّ منهم يعرف من نفسه أنه مقلدٌ لمتبوعه لا يفارق قوله، ويترك له كل ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب أو قول من هو أعلم من متبوعه أو نظيره، وهذا من أعجب العجب. وأيضًا فإنا نعلم بالضرورة أنه لم يكن في عصر الصحابة رجل واحد اتخذ رجلًا منهم يقلّده في جميع أقواله فلم يسقط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره فلم

стр. 1279

يأخذ منها شيئًا. ونعلم بالضرورة أن هذا لم يكن في عصر التابعين ولا تابعي التابعين، فليكذبنا المقلدون برجل واحد سلك سبيلهم الوخيمة في القرون الفضيلة على لسان رسول اللَّه ﷺ وإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على [لسان رسول اللَّه] (١) ﷺ ؛ فالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه يبيحون به الفروج والدماء والأموال، ويحرمونها, ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ على خطر عظيم، ولهم بين يدي اللَّه موقف شديد يعلم فيه من قال على اللَّه ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء. وأيضًا فنقول لكل من قلَّد واحدًا من الناس دون غيره: ما الذي خص صاحبك أن يكون أولى بالتقليد من غيره؛ فإن قال: "لأنه أعلم أهل عصره" وربما فضله على من قبله مع جزمه الباطل أنه لم يجيء بعده أعلم منه؛ قيل [له] (٢): وما يدريك ولست من أهل العلم بشهادتك على نفسك أنه أعلم الأمة في وقته؟ فإن هذا إنما يعرفه من عرف المذاهب وأدلتها وراجحها من مرجوحها فما للأعمى ونقد الدراهم؟! وهذا أيضًا باب آخر من القول على اللَّه بلا علم، ويقال له: ثانيًا: فأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وعائشة وابن عباس [وابن عمر] (٣) ﵃ أعلم من صاحبك بلا شك، فهلا قلدتهم وتركته؟ بل سعيد بن المسيب والشعبي وعطاء وطاوس وأمثالهم أعلم وأفضل بلا شك، فلم تركت تقليد الأعلم الأفضل الأجمع لأدوات الخير والعلم والدين ورغبت عن أقواله ومذاهبه إلى من هو دونه؟ فإن قال: "لأن صاحبي ومن قلدته أعلم به مني، فتقليدي له أوجبُ على مخالفةِ قولهِ لقول مَنْ قلَّدتُه؛ لأن وفور علمه ودينه يمنعه (٤) من مخالفة من هو فوقه وأعلم منه إلا لدليل صار إليه هو أولى من قول كل واحد من هؤلاء" قيل له: ومن أين علمت أن الدليل الذي صار إليه صاحبك الذي زعمت أنت أنه صاحبك أولى من الدليل الذي صار إليه مَنْ هو أعلم منه وخير منه أو هو نظيره؟ وقولان معًا متناقضان لا يكونان صوابًا، بل أحدهما هو الصواب، ومعلوم أن ظفر الأعلم الأفضل بالصواب أقرب من ظفر من هو دونه. فإن قلت: "علمت ذلك بالدليل"

стр. 1280

فهاهنا إذن قد انتقلت عن منصب التقليد إلى منصب الاستدلال، وأبطلت التقليد. ثم يقال لك: ثالثًا: هذا لا ينفعك شيئًا ألبتة فيما اختُلف فيه، فإن من قلَّدته ومن قلده غيرك قد اختلفا، وصار من قلده غيرك إلى موافقة أبي بكر أو عمر أو علي أو ابن عباس (١) أو عائشة وغيرهم دون من قلدته، فهلا نصحت نفسك وهُدِيت لرشدك وقلت: هذان عالمان كبيران، ومع أحدهما مَنْ ذَكر من الصحابة فهو أولى بتقليدي إياه. ويقال [له]: (٢) رابعًا: إمامٌ بإمام، ويسلم قول الصحابي، فيكون أولى بالتقليد. ويقال: خامسًا: إذا جاز أن يظفر من قلَّدته بعلم خفي على عمر بن الخطاب وعلى علي بن أبي طالب وعبد اللَّه بن مسعود وذويهم (٣) فـ[أحق وأحق و] (٤) أجوز وأجوز أن يظفر نظيره ومن بعده بعلم خَفِيَ عليه هو؛ فإن النسبة (٥) بين من قلدته وبين نظيره ومن بعده أقرب بكثير من النسبة (٦) بين من قلدته وبين الصحابة، والخفاء على من قلدته أقرب من الخفاء على الصحابة. ويقال: سادسًا: إذا سوّغت لنفسك مخالفة الأفضل الأعلم لقول المفضول فهلَّا سوغت لها مخالفة المفضول لمن هو أعلم منه؟ وهل كان الذي ينبغي ويجب إلا عكس ما ارتكبت؟ ويقال: سابعًا: هل أنت في تقليد إمامك وإباحة الفروج والدماء والأموال ونقلها عمن هي بيده إلى غيره موافق لأمر اللَّه أو رسوله أو إجماع أمته أو قول أحد من الصحابة؟ فإن قال: "نعم"؛ قال ما يعلم اللَّه ورسوله وجميع العلماء بطلانه! وإن قال: "لا"؛ فقد كفانا مؤنته، وشهد على نفسه بشهادة اللَّه ورسوله وأهل العلم عليه. ويقال: ثامنًا: تقليدك لمتبوعك يحرم عليك تقليده؛ فإنه نهاك عن ذلك، وقال: لا

стр. 1281

يحل لك أن تقول بقوله حتى تعلم من أين قاله، ونهاك عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فإن كنت مقلدًا له في جميع مذهبه فهذا [من] (١) مذهبه، فهلا اتبعته فيه؟ ويقال: تاسعًا: هل أنت على بصيرة في أن من قلدته أوْلى بالصواب من سائر من رغبتَ عن قوله من الأولين والآخرين أم لست على بصيرة؟ فإن قال: "أنا على بصيرة" قال ما يعلم بطلانه، وإن قال: "لست على بصيرة" وهو الحق قيل له: فما عُذْرُكَ غدًا بين يدي اللَّه حين لا ينفعك مَنْ قلدته بحسنة واحدة، ولا يحمل عنك سيئة واحدة، إذا حكمت وأفتيت بين خَلْقه بما لست على بصيرة منه: هل هو صواب أم خطأ؟ ويقال: عاشرًا: هل تدّعي عصمة متبوعك أو تجوّز عليه الخطأ؟ والأوّل لا سبيل إليه، بل تقرّ ببطلانه؛ فتعين الثاني، وإذا جوزت عليه الخطأ فكيف (٢) تحلل وتحرم وتوجب وتريق الدماء وتبيح الفروج (٣)، وتنقل الأملاك (٤) وتضرب الأبْشَار يقول من أنت مُقِر بجواز كونه مخطئًا. ويقال: حادي عشر: هل تقول إذا أفتيت أو حكمت بقول من قلدته: إن هذا هو دين اللَّه الذي أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وشَرَعه لعباده ولا دين له سواه؟ أو تقول: إن دين اللَّه الذي شَرَعَه لعباده خلافه؟ أو تقول: لا أدري؟ ولا بُدَّ لك من قولٍ من هذه الأقوال، ولا سبيل لك إلى الأول قطعًا؛ فإن دين اللَّه الذي لا دين له سواه لا تسوغ مخالفته، وأقل درجات مخالِفِهِ أن يكون من الآثمين، والثاني لا تدعيه، فليس لك ملجأ إلا الثالث، فياللَّه العجب! كيف تستباح الفروج والدماء والأموال والحقوق وتحلل وتحرم بأمرٍ أحْسَنُ أحواله وأفضلها لا أدري؟ فإن كنْتَ لا تَدْرِي فتلك مصيبةٌ ... وإن كنتَ تَدْرِي فالمصيبةُ أعْظم ويقال: ثاني عشر: على أي شيء كان الناس قبل أن يولد فلان وفلان الذين قلدتموهم وجعلتم أقوالَهم بمنزلة نصوص الشارع؟ وليتكم اقتصرتم على ذلك، بل جعلتموها أوْلى بالاتباع من نصوص الشارع، أفكان الناس قبل وجود هؤلاء على

стр. 1282

هَدًى أو على ضلالة؟ فلا بد من أن تُقِرُّوا بأنهم كانوا على هدى، فيقال لهم: فما الذي كانوا عليه غير اتباع القرآن (١) والسنن والآثار، وتقديم قول اللَّه ورسوله وآثار أصحابه (٢) على ما يخالفها، والتحاكم إليها دون قول فلان أو رأي فلان، وإذا كان هذا هو الهدى فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنَّى تؤفكون؟ فإن قالت كل فرقة من المقلدين، وكذلك يقولون: [صاحبنا] (٣) هو الذي ثبت على ما مضى عليه السلف، واقتفى منهاجهم (٤)، وسلك سبيلهم، قيل لهم: فمن سواه من الأئمة هل شارك صاحبكم في ذلك أو انفرد صاحبكم بالاتباع وحُرِمَهُ مَنْ عَدَاه؟ فلا بد من واحد من الأمرين، فإن قالوا بالثاني فهم أضَلُّ سبيلًا من الأنعام، وإن قالوا بالأول فيقال: فكيف وفقتم (٥) لقبول قول صاحبكم كله، ورد قول من هو مثله أو أعلم منه كله، فلا يردُّ لهذا قول، ولا يقبل لهذا قول، حتى كأن الصواب وَقْفٌ على صاحبكم والخطأ وَقْفٌ على من خالفه، ولهذا أنتم موكلون بنُصْرَته في كل ما قاله، وبالرد على مَنْ خالفه في كل ما قاله. وهذه حال الفرقة الأخرى معكم، ويقال: [نقول عن الأئمة في النهي عن تقليدهم] ثالث عشر: فمن قلدتموه من الأئمة قد نهوكم عن تقليدهم فأنتم أول مخالف لهم. قال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حُجَّة كمثل حاطب ليل، يحمل حُزْمَة حَطَب، وفيه أفعى تَلْدغه، وهو لا يدري (٦). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلناه (٧). وقال أحمد: لا تقلد دينك أحدًا (٨). [عودة إلى محاجة دعاة التقليد] ويقال: رابع عشر: هل أنتم مُوقِنُونَ بأنكم غَدًا موقوفون بين يدي اللَّه، وتسألون عما قضيتم به في دماء عباده وفروجهم وأبْشَارهم وأموالهم، وعما أفتيتم

стр. 1283

به في دينه محرمين ومحللين وموجبين؟ فمن قولهم: "نحن مُوقِنُونَ بذلك" فيقال لهم: فإذا سألَكم: "من أين قلتم ذلك" فماذا جوابكم؟ فإن قلتم: "جوابُنَا إنا حللنا وحَرَّمنا وَقَضَيْنا بما في كتاب "الأصل" لمحمد بن الحسن بما رواه عن أبي حنيفة وأبي يوسف من رأي واختيار، وبما في "المُدَوَّنة" من رواية سحنون عن ابن القاسم من رأي واختيار، وبما في "الأم" من رواية الربيع من رأي واختيار، وبما في جوابات غير هؤلاء من رأي واختيار، وليتكم اقتصرتم على ذلك أو صعدتم إليه أو سَمَتْ هممكم (١) نحوه، بل نزلتم عن ذلك طبقات، فإذا سُئلتم: هل فعلتم ذلك عن أمري أو أمر رسولي؟ فماذا يكون جوابكم إذًا؟ فإن أمكنكم حينئذٍ أن تقولوا: "فعلنا ما أمرتنا به وأمرَنا به رسولك" فُزتْمُ وتخلصتم، وإن لم يمكنكم ذلك فلا بد أن تقولوا: لم تأمرنا بذلك ولا رسولك ولا أئمتنا ولا بد من أحد الجوابين، وكأن قد. ويقال خامس عشر: إذا نَزَلَ عيسى ابن مريم إمامًا عَدْلًا وحكمًا مقسطًا، فبمذهب من يحكم؟ وبرأي من يقضي؟ ومعلوم أنه لا يحكم و [لا] (٢) يقضي إلا بشريعة نبينا ﷺ التي شَرَعها [اللَّه] (٢) لعباده؟ فذلك الذي يقضي به أحق، وأولى الناس به عيسى ابن مريم هو الذي أوجب عليكم أن تَقْضُوا وتفتوا به (٣)، ولا يحل لأحد أن يقضي ولا يفتي بشيء سواه البتة. فإن قلتم: نحن وأنتم في هذا السؤال سواء، قيل: أجل، ولكن نفترق في الجواب فنقول: يا ربنا إنك لتعلم أنا لم نجعل أحدًا من الناس عيارًا على كلامك وكلام رسولك (٤)، ونرد ما تنازعنا فيه إليه ونتحاكم إلى قوله ونقدم أقواله على كلامك وكلام رسولك وكلام أصحاب رسولك، وكان الخلق عندنا أهون أن نُقَدِّم كلامهم وآراءهم على وَحْيِك، بل أفتينا بما وَجَدْناه في كتابك، وبما وَصَل إلينا من سنة رسولك وبما أفتى به أصحاب نبيك، وإن عَدَلْنا عن ذلك فخطأ منا لا عمد، ولم نتخذ من دونك ولا دون رسولك ولا المؤمنين وَليجَةً، ولم نفرق ديننا ونكون شِيَعًا، ولم نقطِّع (٥) أمرنا بيننا زُبَرًا، وجعلنا أئمتنا قدوة لنا، ووسائط بيننا وبين رسولك في نقلهم ما بلَّغوه إلينا عن رسولك فاتبعناهم في ذلك، وقلدناهم فيه، إذ أمرتنا أنت وأمَرَنَا رسولك بأن

стр. 1284

نسمع منهم، ونقبل ما بلغوه عنك وعن رسولك، فسمعًا لك ولرسولك وطاعة، ولم نتخذهم أربابًا نتحاكم إلى أقوالهم، ونخاصم بها، ونوالي ونعادِي عليها، بل عرضنا أقوالهم على كتابك وسنة رسولك، فما وافقهما قبلناه، وما خالَفَهما أعرضنا عنه وتركناه، وإن كانوا أعلم منا بك وبرسولك، فمن وافق قوله قولَ رسولك كان أعلم منهم في تلك المسألة، فهذا جوابنا، ونحن نناشدكم اللَّه: هل أنتم كذلك حتى يمكنكم هذا الجواب بين يدي مَنْ لا يبدَّلُ القول لديه، ولا يروج الباطل عليه؟ ويقال سادس عشر: كل طائفة منكم معاشر طوائف المقلدين، قد أنزلت [جميعَ] الصحابة من أولهم إلى آخرهم وجميع التابعين من أولهم إلى آخرهم وجميع علماء الأمة من أولهم إلى آخرهم إلا مَنْ قلدتموه (١) في مكان مَنْ لا يعتد بقوله، ولا ينظر في فتاواه، ولا يشتغل بها, ولا يعتد بها, ولا وجه للنظر فيها إلا للتمحل (٢) وإعمال الفكر (٣) وكدّه في الرد عليهم إذا خالَفَ قولُهم قولَ متبوعهم، وهذا هو المسوغ للرد عندهم (٤)، فإذا خالف قول متبوعهم نصًا عن اللَّه ورسوله فالواجب التمحُّلُ والتكلف في إخراج ذلك النص عن دلالته، والتحيل لدفعه بكل طريق حتى يصح قول متبوعهم، فياللَّه لدينه وكتابه وسنة رسوله لبدعة كادت تثل عرش الإيمان (٥) وتهدُّ ركنه لولا أن اللَّه ضمن لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلم بأعلامه ويذب عنه، فمَنْ أسوأ ثناء على الصحابة والتابعين وسائر علماء المسلمين، وأشد استخفافًا بحقوقهم، وأقل رعاية لواجبهم (٦)، وأعظم استهانة بهم، ممن لا يلتفت إلى قول رجل واحد منهم، ولا إلى فتواه غير صاحبه الذي اتخذه وَليجة من دون اللَّه ورسوله؟ ويقال سابع عشر: من عجيب (٧) أمركم أيها المقلدون أنكم اعترفتم وأقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام اللَّه وكلام رسوله، مع سهولته وقرب مأخذه، واستيلائه على أقصى غايات البيان، واستحالة الاختلاف والتناقض

стр. 1285

عليه؟ فهو (١) نَقْل مصدق عن قائل معصوم، وقد نصب اللَّه سبحانه الأدِلة الظاهرة على الحق وبين لعباده ما يتقون، فادعيتم العَجْزَ عن معرفة ما نصب عليه الأدلة وتوّلى (٢) بيانه، ثم زعمتم أنكم قد عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره، وأنه أعلم الأمة وأفضلها في زمانه وهلم جرا، وغُلَاة كل طائفة منكم توجب اتباعه وتحرم اتباع غيره كما هو في كتب أصولهم، فعجبًا كل العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب اللَّه عليه الأدلة من الحق، ولم يهتد إليها، واهتدى إلى أن متبوعه أحَقُّ وأولى بالصواب ممن عداه، ولم ينصب اللَّه على ذلك دليلًا واحدًا. ويقال ثامن عشر: أعجب من هذا كله من شأنكم معاشر المقلدين أنكم إذا وجدتم آية من كتاب اللَّه توافق رأي صاحبكم أظهرتم أنكم تأخذون بها، والعمدة في نفس الأمر على ما قاله، لا على الآية، وإذا وجدتم آية نظيرها تخالف قوله لم تأخذوا بها، وتطلبتم لها وجوه التأويل وإخراجَهَا عن ظاهرها حيث لم توافق رأيه، وهكذا تفعلون في نصوص السنة سواء إذا (٣) وجدتم حديثًا صحيحًا يوافق قوله أخذتم به، وقلتم: "لنا قول النبي (٤) ﷺ كيت وكيت"، وإذا وجدتم مئة حديث صحيح بل أكثر (٥) تخالف قوله لم تلتفتوا إلى حديث منها, ولم يكن لكم منها حديث واحد فتقولون: لنا قوله ﷺ كذا وكذا، [وإذا وجدتم مرسلًا قد وافق رأيه أخذتم به وجعلتموه حجة هناك] (٦)، وإذا وجدتم مئة مرسل تخالف رأيه أطرحتموها كلها من أولها إلى آخرها، وقلتم: لا نأخذ بالمرسل. [موقف المقلدين من الحديث وأمثلة عليه] ويقال تاسع عشر: أعجب من هذا كله أنكم إذا أخذتم بالحديث مُرْسَلًا كان أو مسندًا لموافقته رأيَ صاحبكم ثم وجدتم فيه حكمًا يخالف رأيه لم تأخذوا به في ذلك الحكم، وهو حديث واحد، وكأنَّ الحديث حجة فيما وافق رأي من قلدتموه، وليس بحجة فيما خالف رأيه. ولنذكر من هذا طرفًا فإنه من أعجب أمرهم (٧).

стр. 1286

[طرف من تخبط المقلدين في الأخذ ببعض السنة وترك بعضها الآخر] فاحتج طائفة منهم على (١) سَلْب طَهُورِية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي ﷺ : "نهى أن يتوضأ الرجل بفَضْل وَضُوء المرأة والمرأة بفضل وضوء الرجل" (٢) وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما. وخالفوا نفس الحديث؛ فجوّزوا لكل منهما أن يتوضأ بفضل طهور الآخر، وهو المقصود بالحديث، فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفَضْل وَضُوء المرأة إذا خَلَتْ بالماء، وليس عندهم للخلوة أثر، ولا لكون الفضلة فضلة امرأة (٣) أثر، فخالفوا نفس الحديث الذي احتجوا به، وحملوا الحديث على غير محملِهِ؛ إذ فضل الوضوء بيقين هو الماء الذي فَضَلَ منه، ليس هو الماء المتوضأ به، فإن ذاك لا يقال له فضل الوضوء، فاحتجوا به فيما لم يُرَدْ به، وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به (٤).

стр. 1287

ومن ذلك احتجاجُهم على نجاسة الماء بالمُلَاقاة وإن لم يتغير بنهيه ﷺ أن يُبَال في الماء الدائم (١)، ثم قالوا: لو (٢) بال في الماء الدائم لم ينجس حتى ينقص عن قلتين. واحتجوا على نجاسته أيضًا بقوله ﷺ : "إذا استيقظ أحَدُكم من نومه فلا يغمس يَدَه في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" (٣) ثم قالوا: لو غمسها قبل غسلها لم ينجس الماء، ولا يجب عليه غسلها، وإن شاء أن يغمسها قبل الغسل فعل (٤). واحتجوا في هذه المسألة بأن النبي ﷺ أمر بحَفْر الأرض التي بال فيها البائل وإخراج ترابها (٥)، ثم قالوا: لا يجب حَفْرُها، بل لو تركت حتى يبست بالشمس والريح طهرت.

стр. 1288

واحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل بقوله ﷺ : "يا بني عبد المطلب إن اللَّه كره لكم غُسَالة أيدي الناس" (١) يعني الزكاة. ثم قالوا: لا تحرم الزكاة علي بني [عبد] (٢) المطلب. واحتجوا على أن السمك الطافي إذا وقع في الماء لا ينجسه بخلاف غيره من ميتة البر فإنه ينجس الماء بقوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (٣) ثم

стр. 1289

خالفوا هذا الخبر نفسه (١) وقالوا: لا يحل ما مات في البحر من السمك، ولا يحل شيء مما فيه أصلًا غير السمك. واحتجَّ أهلُ الرأي على نجاسة الكلب وولوغه يقول النبي ﷺ :- "إذا وَلَغَ الكلبُ في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات" (٢) ثم قالوا: لا يجب غَسْله سبعًا، بل يغسل مرة، ومنهم من قال ثلاثًا (٣). واحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلظة بين قدر الدرهم وغيره بحديث لا يصح من طريق غطَيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: "تُعَاد الصلاة من قدر الدرهم" (٤). . . . .

стр. 1290

ثم قالوا: لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم (١). واحتجوا بحديث علي بن أبي طالب (٢) في الزكاة في زيادة الإبل على عشرين ومئة أنها تُردُّ إلى أول الفريضة فيكون في كل خمس شاة (٣)، وخالفوه في اثني عشر موضعًا منه، ثم احتجوا بحديث عمرو بن حزم: "أن ما زاد على مئتي درهم فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين فيكون فيها درهم" (٤) وخالفوا الحديث

стр. 1291

نفسه (١) في نص ما فيه في أكثر من خمسة عشر موضعًا. واحتجوا على أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المُصَرَّاة (٢)، وهذا من إحدى العجائب، فإنهم من أشد الناس إنكارًا له، ولا يقولون به، فإن كان حقًا وجَبَ اتباعه، وإن لم يكن صحيحًا لم يجز الاحتجاح [به] (٣) في تقدير الثلاث، مع أنه ليس في الحديث تعرض لخيار الشرط؛ فالذي أريد بالحديث ودل عليه خالفوه، والذي احتجوا عليه به لم يدل عليه. واحتجوا لهذه المسألة أيضًا بخبر حبان بن منقذ الذي كان يُغْبَنُ في البيع، فجعل له النبي ﷺ الخيار ثلاثة أيام (٤). وخالفوا الخبر كله، فلم يثبتوا الخيار

стр. 1292

بالغَبْنِ ولو كان يساوي عشر معشار ما بذله فيه، وسواء قال المشتري: "لا خِلَابَةَ" أو لم يقل، وسواء غُبِنَ قليلًا أو كثيرًا، لا خيار له في ذلك كله. واحتجوا في إيجاب الكفارة على مَنْ أفطر في نهار رمضان بأن في بعض ألفاظ الحديث أن رجلًا أفطر فأمره النبي ﷺ أن يكفّر (١)، ثم خالفوا هذا اللفظ بعينه فقالوا: إن اسْتَفَّ دقيقًا أو بَلَعَ عجينًا أو أهليلجًا أو طيبًا أفطر، ولا كفارة عليه. واحتجوا على وجوب القضاء على مَنْ تعمد القيء بحديث أبي هريرة (٢)، ثم خالفوا الحديث بعينه فقالوا: إن تقيأ أقَلَّ من ملء فيه فلا قَضَاء عليه. واحتجوا على تحديد مسافة الفطر والقَصْر بقوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع زوج أو ذي محرم" (٣) وهذا

стр. 1293

مع أنه لا دليل فيه ألبتة على ما ادعوه (١) فقد خالفو نفسه فقالوا: يجوز للمملوكة والمكاتبة وأم الولد السفر مع غير زوج ومحرم. واحتجوا على منع المُحْرِم من تغطية وجهه بحديث ابن عباس في الذي وقَصَتْه ناقته وهو محرم، فقال النبي ﷺ : "لا تخمّروا رأسَه ولا وَجْهَه فإنه يُبْعَث يوم القيامة مُلَبيًا" (٢) وهذا من العجب فإنهم يقولون: إذا مات المحرم جاز تغطية رأسه ووجهه وقد بطل إحرامه. واحتجوا على إيجاب الجزاء على من قتل ضَبُعًا في الإحرام بحديث جابر أنه أفتى بأكْلها وبالجزاء على قاتلها، وأسند ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ (٣)، ثم خالفوا الحديث نفسه (٤) فقالوا: لا يحل أكلها. واحتجوا فيمن وجبت عليه ابنة مَخَاضٍ فأعطى [ثلثي] (٥) ابنة لبون تساوي ابنة مخاض أو حمارًا يساويها أنه يجزئه بحديث أنس الصحيح وفيه: "مَنْ وجبت عليه ابنة مخاض وليست عنده، وعنده ابنة لبون؛ فإنها تؤخذ منه، ويرد عليه الساعي شاتين أو عشرين درهمًا" (٦). وهذا من العجب فإنهم لا يقولون بما دل عليه الحديث من تعيين ذلك، ويستدلون به على ما لم يدل عليه بوجه ولا أريد به. واحتجوا على إسقاط الحدود في دار الحرب إذا فعل المسلم أسبابها بحديث: "لَا تُقْطَع الأيدي في الغزو" وفي لفظ: "في السفر" (٧) ولم يقولوا

стр. 1294

بالحديث؛ فإن عندهم لا أثر للسفر ولا للغزو في ذلك. واحتجوا في إيجاب الأضحية بحديث أن النبي ﷺ : "أمر بالأضحية، وأن يُطْعَم منها الجار والسائل" (١) فقالوا: لا يجب أن يطعم منها جار ولا سائل. واحتجوا في إباحة ما ذبحه غاصب أو سارق بالخبر الذي فيه أن رسول اللَّه ﷺ : "دُعِيَ إلى طعام (٢) مع رَهْط من أصحابه، فلما أخذ لقمة قال: إني أجد لحم شاة أخذت بغير حق" فقالت المرأة: يا رسول اللَّه، إني أخذتها من امرأة فلان بغير علم زوجها، فأمر رسول اللَّه ﷺ أن تطعم الأسارى (٣). وقد خالفوا هذا الحديث فقالوا: ذبيحة الغاصب حلال، ولا تحرم على المسلمين.

стр. 1295

واحتجوا بقوله ﷺ : "جَرْحُ العَجْمَاء جُبَار" (١) في إسقاط الضمان بجناية المواشي، ثم خالفوه فيما دل عليه وأريد به، فقالوا: مَنْ ركب دابة أو قادها أو ساقها فهو ضامن لمن (٢) عَضَّتْ بفمها, ولا ضمان عليه فيما أتلفت برجلها. واحتجوا على تأخير القَوَد إلى حين البرء بالحديث المشهور: "أن رجلًا طعن آخر في ركبته بقَرْنِ، فطلب القَوَد، فقال له رسول اللَّه ﷺ حتى يبرأ، فأبى، فأقاده قبل أن يبرأ" الحديث (٣)، وخالفوه في القصاص من الطعنة فقالوا: لا يقتص منها. واحتجوا على إسقاط الحدِّ عن الزاني بأمة ابنه أو أم ولده بقوله ﷺ : "أنت ومالُكَ لأبيك" (٤) وخالفوه فيما دل عليه فقالوا: ليس للأب من مال ابنه شيء ألبتة، ولم يبيحوا له من مال ابنه عُودَ أراكٍ فما فوقه، وأوجبوا حبسه في دَيْنه وضمان ما أتلفه عليه.

стр. 1296

واحتجوا على أن الإِمام يكبِّر إذا قال المقيم: "قد قامت الصلاة" بحديث بلال أنه قال لرسول اللَّه ﷺ (١): "لا تسبقني بآمين" (٢) وبقول أبي هريرة [لمروان] (٣): "لا تسبقني بآمين" (٤) ثم خالفوا الخبر جهارا فقالوا: لا يؤمّن الإمامُ ولا المأموم. واحتجوا على وجوب مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه ﷺ "مَسَحَ بناصيته وعمامته" (٥) ثم خالفوه فيما دل عليه فقالوا: لا يجوز

стр. 1297

المسح على العمامة، ولا أثر للمسح عليها ألبتة؛ فإن الفرض يسقط بالناصية، والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحب عندهم. واحتجوا لقولهم في استحباب مساوقة (١) الإِمام بقوله ﷺ : "إنما جُعِل الإِمام ليؤتم به" (٢) قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دل عليه، فإن فيه: "فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" (٣). واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة بحديث المسيء في صلاته حيث قال له: "أقْرَأ ما تيسر معك من القرآن" (٤) وخالفوه فيما دل عليه صريحًا في قوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن (٥) قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" (٦)، وقوله: "ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصل" (٦)، فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلى، وليس الأمر بها فرضًا لازمًا، مع أن الأمر بها و [الأمر] (٧) بالقراءة سواء في الحديث. واحتجوا على إسقاط جَلْسَة الاستراحة بحديث أبي حميد (٨) حيث لم

стр. 1298

يذكرها فيه (١)، وخالفوه في نفس ما دل عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي ﷺ ، والسلام في الصلاة، بحديث ابن مسعود: "فإذا قُلْتَ ذلك فقد تمت صلاتك" (٢) ثم خالفوه في نفس ما

стр. 1299

دل عليه، فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله. واحتجوا على جواز الكلام والإمام [يخطب] (١) على المنبر يوم الجمعة بقوله ﷺ للداخل: "أصَليْتَ يا فلان قبل أن تجلس؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين" (٢) وخالفوه في نفس ما دل عليه، فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلس ولم يُصلِّ. واحتجوا على كراهة (٣) رفع اليدين في الصلاة بقوله ﷺ : "ما بالهم رافعي أَيديهم كأنَّها أذنابُ خيل شُمس" (٤) ثم خالفوه في نفس ما دل عليه؛ فإنّ فيه: "إنما يكفي أحدكُم أَنْ يُسلِّم على أخيه من عن يمينه وشماله: السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (٤) فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك ويكفيه غيره من كل مُنافٍ للصلاة. واحتجوا في استخلاف الإِمام إذا أحْدث بالخبر الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ خَرجَ وأبو بكر يُصلّي بالناس فتأخَر أبو بكر، وتقدَّم النبيُّ ﷺ فصلَّى بالناس (٥)،

стр. 1300

ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: مَنْ فعل مثل ذلك بطلت صلاته، وأبطلوا صلاة من فعل مثل فعل النبي ﷺ وأبي بكر ومَنْ حضَر من الصحابة، فاحتجوا بالحديث فيما لم يدل عليه، وأبطلوا العمل به في نفس ما دل عليه. واحتجوا لقولهم: إنَّ الإمام إذا صلَّى جالسًا لمرضٍ صلَّى المأمومون خلفه قيامًا بالخبر الصحيح عن النبي ﷺ : "أنه خرج فوجد أبا بكر يُصلِّي بالناس قائمًا، فتقدم النبي ﷺ وجلس وصلَّى بالناس؛ وتأخر أبو بكر" (١)، ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه، وقالوا: إنَّ تأخر الإمام لغير حدث، وتقدَّم الآخر بطلت صلاة الإمامين وصلاة جميع (٢) المأمومين. واحتجوا على بطلان صوم من أكل بظنه ليلًا فبان نهارًا بقوله ﷺ : "إنَّ بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمِّ مكتوم" (٣) ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، لا في رمضان ولا في
следующие страницы →