← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

يحيى بن كثير الحراني: ثنا (١) عمرو بن حماد بن طلبة: حدثنا أسباط بن نصر عن سماك، وليس فيه بحمد اللَّه إشكال (٢). [إشكال في الحديث وحلّه] فإن قيل: فكيف أمر رسول اللَّه ﷺ برَجْم المُغِيث من غير بينة ولا إقرار؟ [اعتبار القرائن وشواهد الأحوال] قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التُّهم، وهو يشبه إقامة الحد (٣) بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة (٤)، وإقامة حد الزنا بالحَبَل كانص عليه عمر (٥) وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدْركَ وهو يشتدّ هَرَبًا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دَنَا منها وأتى إليها وادعى أنه كان مُغيثًا لا مُرِيبًا،

стр. 1717

ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمالُ الغلطِ وعداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة (١) المرأة هاهنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد؛ فنهاية الأمران هذا لَوْثٌ ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعًا كما يقتل في القَسَامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع؛ فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة متابعة للأدلة الظاهرة من البيِّنات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة ولا تنضبط (٢) أمر لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام، والبينة لم تكن موجبة بذاتها للحد، وإنما [ارتباطُ الحدِّ بها] (٣) ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها أو أقوى منها لم يُلْغِهِ الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلًا كالبيّنة والإقرار، وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتسع له نطاف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فأحْرَى أن لا يتسع له نطاف كثير من الفقهاء، ولكن اتسع له نطاق الرؤوف الرحيم، فقال: "إنه قد تاب إلى اللَّه" (٤) وأبي أن يحده، ولا رَيْبَ أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طَوْعًا واختيارًا خشيَةً من اللَّه وحده [وإنقاذًا لرجل مسلم] (٥) من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوّة صالحة، فزال المرض، وعاد القلبُ إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، وإنما جعلناه طُهْرةً ودواءً؛ فإذا تطهرَّت بغيره فعفوُنَا يَسَعُك، فأيُّ حكمٍ أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وباللَّه التوفيق. وقد رُوِّينا في "سنن (٦) النَّسائي" من حديث الأوزاعي: ثنا أبو عَمَّار شَدَّاد، قال: حدثني أبو أُمامة أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يَا رسول اللَّه أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: يَا رسول اللَّه إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، فأقيمت الصلاة، فلما سلَّم رسولُ اللَّه ﷺ قال: يَا رسول اللَّه إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، قال: "هل توضأت حين أقبلت؟ قال: نعم، قال: هل صلَّيت معنا حين صلينا؟ قال:

стр. 1718

نعم، قال: اذهب فإن اللَّه قد عفا عنك" (١)، وفي لفظ: "إن اللَّه قد غفر لك ذنبك، أو حَدَّكَ"، ومن تراجم النَّسائي على هذا الحديث: "من اعترف بحد ولم يُسَمِّه" (٢) وللناس فيه ثلاث مسالك: • هذا أحدها. • والثاني: أنه خاص بذلك الرجل. • والثالث: سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك. فصل [من أسباب سقوط الحد عام المجاعة] المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب ﵁ أسقط (٣) القَطْع عن السارق في عام المَجَاعة، قال السعدي (٤): حدثنا هارون بن إسماعيل الخَرَّاز: ثنا علي بن المبارك: ثنا يحيى بن أبي كثير: حدثني حَسَّان بن زاهر أن ابن حُدَيْر حدثه عن عمر قال: "لا تُقْطَعُ اليد في عَذْق ولا عَامَ سنَة" (٥)، قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العَذْقُ: النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت

стр. 1719

لأحمد: تقول به؟ فقال: إِي لعمري، قلت: إن سَرَق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك والناسُ في مجاعة وشدة. قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب، ثنا أبو النُّعمان عارم: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن حاطب (١) أن غِلْمة لحاطب بن أبي بَلْتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزَينة، فأتى بهم عمر، فأقّروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال [له] (٢): إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مُزَينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يَا كثير بن الصَّلْت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولَّى بهم (٣) ردَّهم عمر ثم قال: أما واللَّه لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرَّم اللَّه عليه حَلَّ له لقطعت أيديهم، وأيم اللَّه إذ لم أفعل لأُغَرمنَّك غرامة تُوجِعُكَ، ثم قال: يَا مُزَني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربع مئة، قال عمر: اذهب فأعْطه ثماني مئة (٤). وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفَصْلَيْنِ جميعًا؛ ففي "مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي" التي شَرَحَها السعدي بكتاب سماه "المترجم" (٥)، قال: سألت

стр. 1720

أحمد بن حنبل عن الرجل (١) يحمل الثمر من أكمامه، فقال: فيه الثَّمَنُ مرتين وضَرْبُ نَكَالٍ، وقال: وكل مَنْ دَرَأنا عنه الحدود (٢) والقَوَد أضعفنا عليه الغُرْم، وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ (٣)، وهذا مَحْضُ القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غَلَبَ على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسدّ به رَمَقَه، ويجب على صاحب المال بَذْلَ ذلك له، إما بالثَّمن وإما مجانًا (٤)، على الخلاف في ذلك. [وجوب بذل الطعام بالمجان في زمن المجاعة] والصحيح وجوب بذله مجانًا؛ لوجوب المواساة (٥) وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شُبْهة قوية تَدْرأ القطع [عن المحتاج] (٦)، وهي أقوى من كثير من الشُّبَه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازَنْتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يُسْرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة [كالماء] (٦)، وشبهة القَطْع به مرة، وشبهة دعوى ملكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرْز بأكل أو احتلاب (٧) من الضَّرْع، وشبهة نقصان ماليّته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدًا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيما وهو مأذون له في مُغَالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق الغير حاجة من غيره، فاشتبه مَنْ يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدُرِئ، نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به (٨) وهو مستغنٍ عن (٩) السرقة قطع (١٠).

стр. 1721

فصل [صدقة الفطر لا تتعين في أنواع] المثال الرابِع (١): أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعير أو صاعًا من زبيب أو صاعًا من أقِط (٢)، وهذه كانت غالب أقواتهم بالمدينة، فأما أهلُ بلدٍ أو محلة قوتُهم غيرُ ذلك فإنما عليهم صاع من قوتهم، كمن قوتهم الذرة أو الأرز أو التين أو غير ذلك من الحبوب، فإن كان قوتهم من غير الحبوب كاللبن واللحم والسمك أخرجوا فِطرَتَهم من قوتهم كائنًا ما كان، هذا قول جمهور العلماء، وهو الصواب الذي لا يقال بغيره؛ إذ المقصود سَدُّ خَلَّة المساكين يوم العيد، وموَاساتهم (٣) من جنس ما يقتاته أهلُ بلدهم، وعلى هذا فيجزِئُ إخراج الدقيق وإن لم يصح فيه الحديث (٤)، وأما إخراج الخبز والطعام فإنه وإن كان أنفع للمساكين لقلَّة المؤنة والكلفة فيه فقد يكون الحَبُّ أنفع لهم لطول بقائه وأنه يتأتى منه ما لا يتأتى من الخبز والطعام، ولا سيما إذا كثر الخبز والطعام عند المسكين (٥) فإنه يفسد ولا يمكنه حفظه، وقد يقال: لا اعتبار بهذا،

стр. 1722

فإن المقصود إغناؤهم في ذلك اليوم العظيم عن التعرض (١) للسؤال، كما قال النبي ﷺ : "أغنُوهُم في هذا اليوم عن المسألة" (٢) وإنما نص على تلك الأنواع المُخرَجَة لأن القوم لم يكونوا يعتادون اتخاذ الأطعمة يوم العيد، بل كان قوتهم يوم العيد كقوتهم سائر السنة؛ ولهذا لما كان قوتهم يوم عيد النحر من لحوم الأضاحي أمِرُوا أن يطعموا منها القانع والمعتر؛ فإذا كان أهل بلد أو محلة عادتهم اتخاذ الأطعمة يوم العيد جاز لهم، بل يشرع لهم أن يُوَاسوا المساكين من أطعمتهم، فهذا محتمل يسوغ القول به (٣)، واللَّه أعلم.

стр. 1723

فصل [هل يجب في المُصَرّاة رد صاع من تمر ؟] المثال الخامس: أن النبي ﷺ نص في المُصَرَّاة (١) على رَدِّ صاع من تمر بدل اللَّبن (٢)، فقيل: هذا حكم عام في جميع الأمصار، حتى في المصر الذي لم يَسْمع أهله بالتَّمر قط ولا رأوه؛ فيجب إخراج قيمة الصالح في موضع التمر، ولا يجزئهم إخراج صاع من قوتهم، وهذا قول أكثر الشافعية والحنابلة، وجعل هؤلاء التمر في المُصَراة كالتمر في زكاة التمر لا يجزئُ سواه، فجعلوه تعتدًا، فعينوه اتباعًا للفظ النص، وخالفهم آخرون، فقالوا: بل يُخرج في كل موضع صاعًا من قوت ذلك البلد الغالب؛ فيخرج في البلاد التي قوتهم البُرّ صاعًا من بُرٍّ، وإن كان قوتهم الأرز فصاعًا من أرز، وإن كان الزبيب والتين عندهم كالتمر في موضعه أجزأ صاع منه، وهذا هو الصحيح، وهو اختيار أبي المحاسن الروياني وبعض أصحاب أحمد، وهو الذي ذكره أصحاب مالك، قال القاضي أبو الوليد: روى ابن القاسم أن الصاع يكون من غالب قوت البلد، قال صاحب "الجواهر"، بعد حكاية ذلك: ووجهه أنه ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث صاعًا من طعام؛ فيُحمل تعيين صاع التمر في الرواية المشهورة على أنه غالب قوت ذلك البلد، انتهى (٣). ولا ريب أن هذا أقرب إلى مقصود الشارع ومصلحة المتعاقدين من إيجاب قيمة صاع من التمر في موضعه، واللَّه أعلم. وكذلك حكم ما نص عليه الشارع من الأعيان التي يقوم غيرُهَا مقامها من كل وجه أو يكون أولى منها كنصه على الأحجار في الاستجمار (٤)، ومن المعلوم

стр. 1724

أن الخِرقَ والقُطْنَ والصوف أولى منها بالجواز، وكذلك نصّه على التراب في الغسل من ولوغ الكلب (١) والأشنانُ أولى منه (٢)، هذا فيما علم مقصود الشارع منه، وحصولُ ذلك المقصود على أتم الوجوه بنظيره وما هو أولى منه. فصل [طواف الحائض بالبيت] المثال السادس: أن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف بالبيت حتى تطهير، وقال: "اصْنَعِي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (٣) فظنَّ مَنْ ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان، ولم يفرِّق بين حال القدرة والعجز، ولا بين زمن إمكان الاحتباس (٤) لها حتى تطهير وتطوف وبين الزمن الذي لا يمكن فيه ذلك، وتمسك بظاهر النص، ورأى منافاة الحيض للطواف كمنافاته للصلاة والصيام؛ إذ نهى الحائض عن الجميع سواء، ومنافاة الحيض لعبادة الطواف كمنافاته لعبادة الصلاة، ونازعهم في ذلك فريقان: أحدهما: صحح (٥) الطواف مع الحيض، ولم يجعلوا الحيض مانعًا من صحته، بل جعلوا الطهارة واجبة تُجبر بالدم ويصح الطواف بدونها كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه وأحمد في إحدى الروايتين عنه وهي أنصهما (٦) عنه، وهؤلاء لم يجعلوا ارتباط الطهارة بالطواف كارتباطها بالصلاة ارتباط الشَّرط بالمشروط، بل جعلوها واجبة من واجباته، وارتباطها به كارتباط واجبات الحج به يصحُّ فعلُه مع الإخلال بها وبجبرها الدم.

стр. 1725

والفريق الثاني: جعلوا وجوب الطهارة للطواف واشتراطها (١) بمنزلة وجوب السترة واشتراطها، بل وبمنزلة (٢) سائر شروط الصلاة وواجباتها التي تجب وتشترط مع القدرة وتسقط مع العجز، قالوا: وليس اشتراط الطهارة للطواف أو وجوبها (٣) له بأعظم من اشتراطها للصلاة، فإذا سقطت بالعجز عنها فسقوطها في الطواف بالعجز عنها أولى وأحْرَى، قالوا: وقد كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه الراشدين يحتبس (٤) أمراء الحج للحُيَّض حتى يطهرن ويطفن، ولهذا قال النبي ﷺ في شأن صفية وقد حاضت: "أحابِسَتُنَا هي؟ " قالوا: إنها قد أفاضت، قال: "فلتنفر إذًا" (٥)، وحينئذ كانت الطهارة مقدورة لها يمكنها الطواف بها. [لا تخلو الحائض في الحج من ثمانية أقسام في هذه الأيام] فأما في هذه الأزمان التي يتعذَّر إقامة الرَّكب لأجل الحُيّض فلا تخلو من ثمانية أقسام: أحدها أن يقال لها: أقيمي بمكة وإن رَحَل الركب حتى تطهري وتطوفي، وفي هذا من الفساد وتعريضها للمقام وحدها في بلدة الغربة مع لحوق غاية الضرر لها ما فيه. الثاني أن يقال: يسقط طواف الإفاضة للعجز عن شرطه. الثالث أن يقال: إذا علمَتْ أو خشيت مجيء الحيض في وقته جاز لها تقديمه على وقته. الرابع أن يقال: إذا كانت تعلم بالعادة أن حيضها يأتي في أيام الحج وأنها إذا حَجَّتْ أصابها الحيض هناك سقط عنها فرضه حتى تصير آيسة وينقطع حيضُها بالكلية.

стр. 1726

الخامس أن يقال: بل تحج فإذا حاضت ولم يمكنها الطواف ولا المقام رجعت وهي على إحرامها تمتنع من النكاح ووطء الزوج حتى تعود إلى البيت فتطوف وهي طاهرة، ولو كان بينها وبينه مسافة سنين، ثم إذا أصابها الحيض في سنة العَوْد رجعت كما هي، ولا تزال كذلك كل عام حتى يصادفها عام تطهير فيه. السادس أن يقال: بل تتحلل إذا عجزت عن المقام حتى تطهير كما يتحلل المحصر، مع بقاء الحج في ذمتها، فمتى قدرت على الحج لزمها؛ ثم إذا أصابها ذلك أيضًا تحللت، وهكذا أبدًا حتى يمكنها الطواف طاهرًا. السابع أن يقال: يجب عليها أن تستنيبَ مَنْ يحجُّ عنها كالمَعْضُوب، وقد أجزأ عنها الحج، وإن انقطع حيضها بعد ذلك. [الرأي الصحيح في حكم الحائض هو القسم الثامن] الثامن أن يقال: بل تفعل ما تقدر عليه من مناسك الحج، ويسقط عنها ما تعجز عنه من الشروط والواجبات كما سقط (١) عنها طواف الوداع بالنَّص (٢)، وكما سقط (١) عنها فرض السترة إذا شلحتها (٣) العبيد أو غيرهم، وكما يسقط عنها فرض طهارة الجنب إذا عجزت عنها لعدم الماء أو مرض بها، وكما يسقط فرض اشتراط طهارة مكان الطواف والسعي إذا عرض (٤) فيه نجاسة تتعذَّر (٥) إزالتها (٦)، وكما يسقط شرط استقبال القبلة في الصلاة إذا عجز عنه، وكما يسقط فرض القيام والركوع والسجود إذا عجز عنه المصلّي، وكما يسقط فرضُ الصوم عن العاجز عنه [إلى بَدَله] (٧) وهو الإطعام، ونظائر ذلك من الواجبات والشروط التي تسقط بالعجز عنها إما إلى بَدَل أو مطلقًا؛ فهذه ثمانية أقسام لا مزيد عليها، ومن

стр. 1727

المعلوم أن الشريعة لا تأتي بسوى هذا القسم الثامن. [الرّد على القائلين بالتقدير الأول] فإن القسم الأول وإن قاله مَنْ قال من الفقهاء (١) فلا يتوجه هاهنا؛ لأن هذا الذي قالوه متوجّه فيمن أمكنها الطواف ولم تطف، والكلام في امرأة لا يمكنها الطواف ولا المقام لأجله، وكلام الأئمة والفقهاء هو مطلق كما يتكلمون في نظائره، ولم يتعرضوا لمثل هذه الصور التي عمَّت بها البَلْوَى، ولم يكن ذلك في زمن الأئمة، بل قد ذكروا أن المكريَّ يلزمه المقام والاحتباس عليها لتطهرَ ثم تطوف، فإنه كان ممكنًا بل واقعًا في زمنهم، فأفتوا بأنها لا تطوف حتى تطهير لتمكّنها من ذلك، وهذا لا نِزاعَ فيه ولا إشْكَال؛ فأما في هذه الأزمان فغير ممكن، وإيجابُ سفرين كاملين في الحج من غير تفريط من الحاج ولا سبب صدَر منه يتضمن إيجاب حجّتين إلى البيت، واللَّه تعالى إنما أوجب حجة واحدة، بخلاف مَنْ أفسد الحج فإنه قد فَرَّطَ بفعل المحظور، وبخلاف مَنْ ترك طواف الزيارة أو الوقوف بعرفة فإنه لم يفعل ما يتم به حجَّه (٢)، وأما هذه فلم تُفَرّط ولم تترك ما أُمِرَت به فإنَّها لم تؤمر بما لا تقدر عليه، وقد فعلت ما تقدر عليه؛ فهي بمنزلة الجُنب إذا عجز عن الطهارة الأصليّة والبدلية وصلَّى على حسب حالة، فإنه لا إعادة عليه في أصح الأقوال (٣)، وأيضًا فهذه قد لا يمكنها السفر مرة ثانية، فإذا قيل (٤): إنها تبقى مُحْرمة إلى أن تموت، فهذا ضرر لا يكون مثله في دين الإِسلام، بل يُعلم بالضرورة (٥) أن الشريعة لا تأتي به. فصل [الرّد على القائلين بالتقدير الثاني] وأما التقدير الثاني -وهو سقوط طواف الإفاضة- فهذا مع أنه لا قائل به فلا

стр. 1728

يمكن القول به؛ فإنه ركنُ الحج الأعظم، وهو الركن المقصود لذاته، والوقوف بعرفة وتوابعه مقدِّمات له. فصل [الرّد على القائلين بالتقدير الثالث] وأما التقدير الثالث -وهو تقدّم طواف الإفاضة على وقته إذا خشيت الحيض في وقته- فهذا لا يُعلم به قائل، والقول به كالقول بتقديم الوقوف [بعرفة] (١) على يوم عرفة، وكلاهما مما لا سبيل إليه. فصل [الرّد على الرّابع] وأما التقدير الرابع -وهو أن يقال: يسقطُ عنها فرضُ الحج إذا خَشيت ذلك- فهذا وإن كان أفقه مما قبله من التقديرات فإن الحج يسقط بما هو دون هذا (٢) من الضرر -كما لو كان بالطويق أو بمكة خَوْف، أو أخذ خفارة مُجْحفة أو غير مجحفة على أحد القولين، أو لم يكن لها محرم (٣) - ولكنّه ممتنع لوجهين: أحدهما: أنَّ لازمه سقوط الحج عن كثيرٍ من النساء أو أكثرهن؛ فإنهن يخفن من الحيض وخروج الركب قبل الطهر، وهذا باطل؛ فإن العبادات لا تسقط بالعجز عن بعض شرائطها ولا عن بعض أركانها، وغاية هذه أن تكون عَجَزَتْ عن شرط أو ركن، وهذا لا يُسْقِطُ المقدور عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فَأتُوا منه ما استطعتم" (٤) ولهذا وجبت الصلاة بحسب الإمكان، وما عجز عنه من فروضها أو شروطها سقط عنه؛ والطوافُ والسَّعْي إذا عجز عنه ماشيًا فَعَلَه راكبًا اتفاقًا، والصبي يفعل عنه وليه ما يعجز عنه.

стр. 1729

الوجه الثاني: أن يقال في الكلام فيمن تكلَّفت وحجَّتْ وأصابها هذا العذر: فما يقول صاحب هذا التقدير حينئذ؟ فإما أنْ يقول: تبقى محرمة حتى تعودَ إلى البيت، أو يقول: تتحلل كالمُحصر، وبالجملة فالقول بعدم وجوب الحج على مَنْ تخاف الحيض لا يُعلم به قائل، ولا تقتضيه الشريعة؛ فإنَّها لا تسقط مصلحةَ الحج التي هي من أعظم المصالح لأجل العجز عن أمرٍ غايتُه أن يكون واجبًا في الحج أو شرطًا فيه؛ فأصولُ الشريعة تبطل هذا القول. فصل [الرّد على الخامس] وأما التقدير الخامس -وهي أن ترجع وهي على إحرامها ممتنعة من النكاح والوطء إلى أن تعود في العام المقبل، ثم إذا أصابها الحيض رجعت كذلك، وهكذا كل عام- فمما تردُّه أصول الشريعة وما اشتملت عليه من الرحمة والحكمة والمصلحة والإحسان (١)؛ فإن اللَّه لم يجعل على الأمة مثلَ هذا الحرج، ولا ما هو قريب منه. فصل [الرّد على السادس] وأما التقدير السادس -وهو أنها تتحلل كما يتحلل المحصر- فهذا أفقه من التقدير الذي قبله؛ فإن هذه منعها خوفُ المقَام من إتمام النسك، فهي كمن منعها عَدُوّ عن الطواف بالبيت بعد التعريف، ولكن هذا التقدير ضعيف؛ فإن الإحصار أمرٌ عارض للحاج يمنعه من الوصول إلى البيت في وقت الحج، وهذه متمكّنة من البيت ومن الحج من غير عدوّ ولا مرض ولا ذهاب نفقة، وإذا جعلت هذه كالمُحْصَر أوجبنا عليها الحج مرة ثانية مع خوف وقوع الحيض منها، والعذرُ الموجِبُ للتحلل بالإحصار إذا كان قائمًا به مَنعَ [من] (٢) فرض الحج ابتداءً كإحاطة العدو بالبيت وتعذّر النفقة، وهذه عذرها لا يُسقط فرض الحج عليها ابتداءً؛ فلا يكون عروضه موجبًا للتحلل كالإحصار؛ فلازم هذا التقدير أنها إذا

стр. 1730

علمت أن هذا العذر يصيبها أو غلب على ظنّها أنْ يسقط عنها فرض الحج فهو رجوع إلى التقدير الرابع. فصل [الرّد على السابع] وأما التقدير السابع -وهو أن يقال: يجب عليها أن تستنيبَ مَنْ يحجُّ عنها إذا خافت الحيض، وتكون كالمَعْضُوب (١) العاجز عن الحج بنفسه- فما أحسنه من تقدير لو عرف به قائل؛ فإن هذه عاجزة عن إتمام نسكها، ولكن هو باطل أيضًا؛ فإن المَعْضُوب (١) الذي يجب عليه الاستنابة هو الذي يكون آيسًا من زوال عذره، فلو كان يرجو زوال عذره كالمرض العارض والحبس لم يكن له أن يستنيب، وهذه لا تيأس من زوال عذرها؛ لجواز أن تبقى إلى زمن اليأس وانقطاع الدم أو أن دمها ينقطع قبل سن اليأس لعالرض بفعلها أو بغير فعلها؛ فليست كالمَعْضُوب (٢) حقيقة ولا حكمًا. فصل [ببطلان التقديرات السبع يتعين الثامن] فإذا بطلت هذه التقديرات تعيّن التقدير الثامن، وهو أن يُقال: تطوف بالبيت والحالة هذه، وتكون هذه ضرورة (٣) مقتضية لدخول المسجد مع الحَيْض والطواف معه، وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها كما تقدم؛ إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عَجْز، ولا حرام مع ضرورة. [اعتراض على الثامن] فإن قيل: في ذلك محذوران: أحدهما: دخول الحائض المسجد، وقد قال النبي ﷺ : "لا أحِلُّ المسجدَ لحائض ولا جُنُبٍ" (٤)، فكيف بأفضل المساجد؟

стр. 1731

الثاني: طوافها في حال الحيض، وقد منعها الشارع منه كما منعها من الصلاة، فقال: "اصْنَعِي ما يصنعُ الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفي بالبيت" (١) فالذي منعها من الصلاة مع الحيض هو الذي منعها من الطواف معه.

стр. 1732

[دفع الاعتراض] فالجواب عن الأول من أربعة أوْجُهٍ: أحدها: أن الضرورة تبيح دخول المسجد للحائض والجنب؛ فإنها لو خافت العدو أو مَنْ يستكرهها على الفاحشة أو أخذ مالها ولم تجد ملجأ إلا دخول المسجد جاز لها دخوله مع الحيض، وهذه تخاف ما هو قريبٌ من ذلك؛ فإنها تخاف إن أقامت بمكة أن يُؤخذ مالُها إن كان لها مال، وإلا أقامت بغربة ضرورة (١)، وقد تخاف في إقامتها مقن يتعرض لها، وليس لها مَنْ يدفع عنها. الجواب الثاني: أن طوافها بمنزلة مرورها في المسجد، ويجوز للحائض المرور فيه إذا أمنت التلويث، وهي في دورانها حولَ البيت بمنزلة مرورها ودخولها من باب وخروجها من آخر؛ فإذا جاز مرورها للحاجة فطوافُهَا للحاجة التي هي أعظم من حاجة المرور أولى بالجواز. يوضحه الوجه الثالث: أنَّ دمَ الحيض في تلويثه المسجد كدم الاستحاضة، والمستحاضة يجوز لها دخول المسجد للطواف إذا تلجَّمت (٢) اتفاقًا، وذلك لأجل الحاجة، وحاجة هذه أولى. يوضحه الوجه الرابع: أن منعها من دخول المسجد للطواف كمنع الجُنُب؛ فإن النبي ﷺ سَوَّى بينهما في تحريم المسجد عليهما، وكلاهما يجوز له الدخول عند الحاجة (٣)، وسر المسألة أن قول النبي ﷺ : "لا تطوفي بالبيت" هل ذلك لأن الحائض ممنوعة من المسجد؟ والطواف لا يكون إلا في المسجد، أو أن عبادة الطَّواف لا تصح مع الحيض [كالصلاة] (٤)، أو لمجموع الأمرين، أو لكلِّ واحدٍ من الأمرين؟ فهذه أربعة تقادير، فإن قيل بالمعنى الأول لم يمنع صحة الطواف مع الحيض كما قاله أبو حنيفة ومَنْ وافقه وكما هو إحدى الروايتين عن أحمد، وعلى هذا فلا يمتنع الأذنُ لها في دخول المسجد لهذه الحاجة التي تلتحق بالضرورة، ويقيّد بها مُطْلَق نهي النبي ﷺ ، وليس بأول مُطْلَق قُيّد بأصول الشريعة وقواعدها، وإن قيل بالمعنى الثاني فغايته أن تكون الطهارة شرطًا من شروط الطواف، فإذا

стр. 1733

عجزت عنها سقط اشتراطها كما لو انقطع دمها وتعذر عليها الاغتسال والتيمم فإنها تطوت على حسب حالها كما تصلي بغير طهور (١). فصل [متابعة دفع الاعتراض السابق الطواف مع الحيض] وأما المحذورُ الثاني -وهو طوافها مع الحيض والطواف كالصلاة- فجوابه من وجوه: أحدها: أن يقال: لا ريب أن الطواف تجب فيه الطهارة وسَتر العَوْرَة كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَطُوف بالبيت عُرْيَان" (٢)، وقال اللَّه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وفي "السنن" مرفوعًا وموقوفًا: "الطوافُ بالبيت صلاة إلا أن اللَّه أباح فيه الكلام، فمن تكلّم فيه فلا يتكلم إلا بخير" (٣) ولا رَيْبَ أن وجوب الطهارة وسَتْر العَوْرَة في الصلاة آكَدُ من وجوبها في الطواف؛ فإن الصلاة بلا طهارة مع القُدْرة باطلة بالاتفاق، وكذلك صلاة العُرْيان. [حكم طواف الجنب والحائض والمحدث والعريان بغير عذر] وأما طواف الجنب والحائض والمُحْدِث والعريان بغير عذر ففي صحته قولان مشهوران وإن حصل الاتفاق على أنه منهيّ عنه في هذا الحال، بل وكذلك أركان الصلاة وواجباتها آكَدُ من أركان الحج وواجباته؛ فإن واجبات الحج إذا تَرَكها عمدًا لم يبطل حجه، وواجبات الصلاة إذا تركها عمدًا بطلت صلاته، وإذا نقص من الصلاة ركعة عمدًا لم تصح، ولو طاف ستة أشواط صحّ ووجب عليه دم عند أبي حنيفة وغيره، ولو نكس الصلاة لم تصح، ولو نكس الطواف ففيه خلاف، ولو صلى مُحْدِثًا لم تصح صلاته، ولو طاف محدثًا أو جُنُبًا صح في أحد

стр. 1734

القولين (١)، وغاية الطواف أن يُشَبَّه بالصلاة، وإذا تبين هذا فغاية هذه إذا طافت مع الحيض للضرورة أن تكون بمنزلة مَنْ طافت عريانة للضرورة؛ فإنّ نَهْيَ الشارع صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله عن الأمرين واحد، بل الستارة في الطواف آكد من وجوه: أحدها: أن طواف العريان منهيّ عنه بالقرآن والسنة وطواف الحائض منهي عنه بالسنة وحدها. الثاني: أن كشف العورة حَرَام في الطواف وخارجه. الثالث: أن طواف العريان أقبح شرعًا وعقلًا وفطرة من طواف الحائض والجنب؛ فإذا صح طوافها مع العُرْي للحاجة فصحة طوافها مع الحيض للحاجة أولى وأحْرَى، ولا يقال: "فيلزمكمَ على هذا أن تصح صلاتها وصومها مع الحيض للحاجة" [لأنّا نقول] (٢): هذا سؤال فاسد؛ فإن الحاجة لا تدعوها (٣) إلى ذلك بوجه من الوجوه، وقد جعل اللَّه سبحانه صلاتها زمن الطهر مغنية لها عن صلاتها في الحيض وكذلك صيامها، وهذه لا يمكنها أن تتعوّض في حال طهرها بغير البيت. [تقسيم الشارع العبادة بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين] وهذا يبين سر المسألة وفقهها، وهو أن الشارع قسم العبادات بالنسبة إلى الحائض إلى قسمين: • قسم يمكنها التعوّض عنه في زمن الطهر فلم يوجبه عليها في الحيض، بل أسقطه إما مطلقًا كالصلاة صماما إلى بدله زمن الطهر كالصوم. • وقسم لا يمكنها التعوض عنه ولا تأخيره إلى زمن الطهر فشرعه لها مع الحيض أيضًا كالإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه. [حكم قراءة الحائض القرآن وإعلال حديث المنع] ومن هذا جواز قراءة القرآن لها وهي حائض؛ إذ لا يمكنها التعوض عنها

стр. 1735

زمن الطهر؛ لأن الحيض قد يمتد بها غالبه أو أكثره، فلو منعت من القراءة لفاتت عليها مصلحتُها، وربما نسيت ما حفظته زمن طهرها، وهذا مذهب مالك [وإحدى الروايتين عن أحمد] (١) واحد قولي الشافعي، والنبي ﷺ لم يمنع الحائض من قراءة القرآن، وحديثُ: "لا تقرأ الحائض والجنب شيئًا من القرآن" (٢) لم يصح؛ فإنه حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث.

стр. 1736

[جرح إسماعيل بن عياش راوي حديث المنع] فإنه من رواية إسماعيل بن عيّاش، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال الترمذي (١): "لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن إسماعيل بن عياش يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق أحاديثَ مناكيرَ، كأنه يضعّف روايته عنهم فيما ينفرد به، وقال: إنما هو حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام"، انتهى وقال البخاري (٢) أيضًا: "إذا حدَّث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر"، وقال علي بن المديني: ما كان أحد أعلم بحديث أهل الشام من إسماعيل بن عياش لو ثبت في حديث أهل الشام، ولكنه خلّط في حديث أهل العراق (٣)، وحدَّثنا (٤) عنه

стр. 1737

عبد الرحمن ثم ضرب على حديثه؛ فإسماعيل عندي ضعيف، وقال عبد اللَّه بن أحمد (١): عرضت على أبي حديثًا حَدَّثَنَاه الفضل بن زياد الضّبيّ (٢): حدثنا ابنُ عَيَّاش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تقرأ الحائض و [لا] (٣) الجنب شيئًا من القرآن" فقال أبي: هذا باطل، يعني أن إسماعيل وهم. وإذا لم يصح الحديث لم يبق مع المانعين حجة إلا القياس على الجنب. [الفرق بين الحائض والجنب] والفرقُ الصحيحُ بينها وبين الجنب مانعٌ من [الإلحاق، وذلك] (٤) من وجوه: أحدها: أن الجنب يمكنه التطهّر متى شاء بالماء أو بالتراب فليس له عذر في القراءة مع الجنابة بخلاف الحائض. والثاني: أن الحائض يُشرع لها الإحرام والوقوف بعرفة وتوابعه مع الحيض بخلاف الجنب. الثالث: أن الحائض يشرع لها أن تشهد العيد مع المسلمين وتعتزل المصلّى بخلاف الجنب. [هل تقرأ الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال عند من حرّموا عليها القراءة ؟] وقد تنازع مَنْ حَرَّم عليها القراءة: هل يُباح لها أن تقرأ بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: المنع مطلقًا وهو المشهور من مذهب الشافعي (٥) وأبي حنيفة (٦)

стр. 1738

وأحمد (١)؛ لأنها بعد انقطاع الدم تصير كالجُنُب. الثاني: الجواز مطلقًا وهو اختيار القاضي أبي يعلى (٢)، قال: وهو ظاهر كلام أحمد. الثالث: إباحته للنفساء وتحريمه على الحائض، وهو اختيار الخَلَّال (٣)؛ فالأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، فإذا لم تمنع الحائض من قراءة القرآن لحاجتها إليه فعدم منعها في هذه الصورة عن الطواف الذي هي أشد حاجة إليه بطريق الأولى والأحْرَى. فصل [عود إلى الكلام عن طواف الحائض] هذا إذا كان المنع من طوافها لأجل [المنع من] (٤) دخول المسجد أو لأجل الحيض ومنافاته للطواف، فإن قيل بالتقدير الثالث وهو أنه لمجموع الأمرين بحيث إذا انفرد أحدهما لم يستقل بالتحريم، أو بالتقدير الرابع وهو أن كلًا منهما علة مستقلة كان الكلام على هذين التقديرين كالكلام على التقديرين الأولين، وبالجملة فلا يمتنع (٥) تخصيصُ العلة لفوات شرطٍ أو لقيام مانعٍ، وسواء قيل: إن وجود الشرط وعدم المانع من أجزاء العلة أوهو أمر خارج عنها؛ فالنزاع لفظي، فإن أريد بالعلة التامة فهما من أجزائها، وإن أريد بها المقتضية كانا خَارِجَيْن عنها. [تشبيه الطواف بالصلاة] فإن قيل: الطواف كالصلاة، ولهذا تشترط (٦) له الطهارة من الحَدَث، وقد أشار إلى هذا بقوله في الحديث: "الطواف بالبيت صلاة" (٧) والصلاة لا تُشرع ولا تصح مع الحيض، فهكذا شقيقها ومُشبَّهها، ولأنها عبادة متعلقة بالبيت فلم تصح مع الحيض كالصلاة، وعكسه الوقوف بعرفة وتوابعه.

стр. 1739

[الجواب عمّا سبق] فالجواب (١) أن القول باشتراط طهارة الحدث للطواف لم يدل عليه نص ولا إجماع، بل فيه النزاع قديمًا وحديثًا؛ فأبو حنيفة وأصحابه لا يشترطون ذلك، وكذلك أحمد في إحدى الروايتين عنه، قال أبو بكر في "الشافي" (٢): باب في الطواف بالبيت غير طاهر، قال أبو عبد اللَّه في رواية أبي طالب (٣): لا يطوف أحد بالبيت إلا طاهرًا، والتطوع أيسر، ولا يقف مَشاهدَ الحج إلا طاهرًا، وقال في رواية محمد بن الحكم (٣): إذا طات طوافَ الزيارةِ وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه، وأختارُ له أن يطوف وهو طاهر، وقد نص أحمد في إحدى الروايتين عنه على أن الرجل إذا طاف جنبًا ناسيًا صح طوافه ولا دَمَ عليه، وعنه رواية أخرى عليه دَمٌ (٤)، وثالثة أنه لا يُجْزِيه الطواف، وقد ظن بعض أصحابه أن [هذا الخلاف عنه إنما] (٥) هو في المحدث والجنب، فأما الحائض فلا يصح طوافها قولًا واحدًا؛ قال شيخنا ﵁ (٦): "وليس كذلك، بل صرّح غيرُ واحدٍ من أصحابنا بأن الخلاف عنه في الحيض والجنابة، قال: وكلام أحمد يدّل على ذلك، ويبين أنه كان متوقفًا (٧) في طواف الحائض وفي طواف الجنب، قال عبد الملك الميموني في "مسائله": قلت لأحمد: مَنْ طاف طوافَ الواجب على غير وضوء وهو ناسٍ ثم واقع أهله، قال: أخبرك مسألة فيها وهمٌ

стр. 1740

وهم مختلفون (١)، وذكر قول عطاء والحسن، قلت: ما تقول أنت؟ قال: دَعْهَا، أو كلمة تشبهها، وقال الميموني في "مسائله" (٢) أيضًا: قلت له: مَنْ سعى وطاف على غير طهارة ثم واقع أهله، فقال لي: مسألة الناسُ فيها مختلفون، وذكر قول ابن عمر (٣)، وما يقول عطاء مما يسهل فيها، وما يقول الحسن، وأن عائشة قال لها النبي ﷺ حين حاضت: "افْعَلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" (٤) ثم قال لي: إلا أن هذا أمر بُليت به نزل عليها ليس من قِبَلِها، قلت: فمن الناس من يقول: عليها الحج من قابل، فقال لي: نعم كذا أكبرُ علمي، قلت: ومنهم من يذهب إلى أن عليها دمًا، فذكر تسهيل عطاء فيها خاصة، قال لي أبو عبد اللَّه: أولًا وآخرًا هي مسألة مشتبهة فيها موضع نظر، فَدَعْنِي حتى انظر فيها، قال ذلك غير مرة، ومن الناس من يقول: وإن رجع إلى بلده يرجع (٥) حتى يطوف، قلت: والنسيان، قال: والنسيان أهون حكمًا بكثير، يريد أهون ممن يطوف على غير طهارة متعمدًا" (٦)، هذا لفظ الميموني. قلت: وأشار أحمد إلى تسهيل عطاء إلى فَتْوَاه أن المرأة إذا حاضت في أثناء الطواف فإنها تتم طوافها، وهذا تصريح منه أن الطهارة ليست شرطًا في صحة الطواف، وقد قال سعيد (٧) بن منصور: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن عطاء قال: حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فحاضت في الطواف، فاتمّت بها عائشة بقية طوافها هذا (٨)، والناسُ إنما تلقوا منعَ الحائضِ

стр. 1741

من الطَّواف من حديث عائشة، وقد دلَّتْ أحكامُ الشَّريعة على أنَّ الحائض أولى بالعذر، وتحصيل مصلحة العبادة التي تفوتها إذا تركتها مع الحيض من الجنب (١)، وهكذا (٢) إذا حاضت في صَوْم شهرَيْ التتابع لم يثقطع تتابعُها بالاتفاق، وكذلك تقضي المناسك كلها من أولها إلى آخرها مع الحيض بلا كراهة بالاتفاق سوى الطواف؛ وكذلك تشهد العيد مع المسلمين بلا كراهة بالنص (٣)، وكذلك تقرأ القرآن إما مطلقًا وإما عند خوف النسيان، وإذا حاضت وهي معتكفة لم يبطل اعتكافها بل تُتِمه في رَحْبة المسجده وسر المسألة ما أشار إليه صاحب الشرع بقوله: "إن هذا أمر كَتَبه اللَّه على بنات آدم" (٤) ولذلك (٥) قال الإِمام أحمد (٦): "هذا أمر بُلِيَتْ به نزل عليها ليس من قِبَلِها"، والشريعة قد فرَّقت بينها وبين الجنب كما ذكرناه؛ فهي أحق بأن تعذر من الجنب الذي طاف مع الجنابة ناسيًا أو ذاكرًا؛ فإذا كان فيه النزاع المذكور فهي أحق بالجواز منه؛ فإن الجنب يمكنه الطهارة وهي لا يمكنها، فعذرها بالعجز والضرورة أولى من عذره بالنسيان، فإن الناسي لِما أُمر به من الطهارة والصلاة يُؤمر بفعله إذا ذكره، بخلاف العاجز عن الشرط أو الركن فإنه لا يؤمر بإعادة العبادة معه إذا قَدِرَ عليه؛ فهذه إذا لم يمكنها إلا الطواف على غير طهارة وجب عليها ما تقدر عليه وسقط عنها ما تعجز عنه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقال النبي ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتُوا منه ما استطعتم" (٧) وهذه لا تستطيع إلا هذا، وقد اتقت اللَّه ما استطاعت؛ فليس عليها غير ذلك بالنَّص وقواعد الشريعة، والمطلق يقيد بدون هذا بكثير، ونصوص أحمد وغيره من العلماء صريحة في أن الطواف ليس كالصلاة في اشتراط الطهارة، وقد ذكرنا نصه في رواية محمد بن الحكم (٨) إذا طاف طواف الزيارة وهو ناسٍ لطهارته حتى رجع

стр. 1742

فلا شيء عليه، واختارَ له أن يطوف وهو طاهر، وإن وطئ فحجه ماضٍ ولا شيء عليه، وقد تقدّم قول عطاء، ومذهب أبي حنيفة صحة الطواف بلا طهارة. [الجوامع والفوارق بين الطواف والصلاة] وأيضًا فإن الفوارق بين الطواف والصلاة أكثر من الجوامع؛ فإنه يباح فيه الكلام والأكل والشرب والعمل الكثير، وليس فيه تحريمٌ ولا تحليلٌ (١) ولا ركوع ولا سجود ولا قراءة ولا تشهد، ولا تجب له جماعة، وإنما اجتمع هو والصلاة في عموم كونه طاعة وقربة، وخصوص كونه متعلقًا بالبيت، وهذا لا يعطيه شروط الصلاة كما لا يعطيه واجباتها وأركانها. وأيضًا فيقال: لا نُسلّم أن العلة في الأصل كونها عبادة متعلقة بالبيت ولم يذكروا على ذلك حجة واحدة، والقياس الصحيح ما تبيّن فيه أن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم في الأصل أو دليل العلة؛ فالأول: قياس. العلة، والثاني: قياس الدلالة. وأيضًا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة، سواء تعلّقت بالبيت أو لم تتعلق، ولهذا وجبت النافلة في السفر إلى غير القبلة، ووجبت حين كانت مشروعة إلى بيت المقدس، ووجبت لصلاة الخوف إذا لم يمكن الاستقبال. وأيضًا فهذا القيام ينتقض بالنظر إلى البيت؛ فإنه عبادة متعلقة بالبيت. وأيضًا فهذا قياس معارض بمثله، وهو أن يقال: عبادة مِنْ شَرْطها المسجد، فلم تكن الطهارة شرطًا فيها كالإعتكاف، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] وليس إلحاق الطائفين بالرُّكَّع السجود أولى من إلحاقهم بالعاكفين، بل إلحاقهم بالعاكفين أشبه؛ فإن المسجد شرطٌ في كلٍّ منهما بخلاف الركع السجود. فإن قيل: الطائف لا بد أن يصلي ركعتي الطواف، والصلاة لا تكون إلا بطهارة. قيل: وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع، وإذا قيل بوجوبهما لم تجب الموالاة بينهما وبين الطواف، وليس اتصالهما بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة، ولو خطب مُحْدثًا ثم توضأ وصلَّى الجمعة جاز؛ فجواز طوافه محدثًا ثم

стр. 1743

يتوضأ ويصلي ركعتي الطواف أولى بالجواز، وقد نص أحمد على أنه إذا خطب جنبًا جاز (١). فصل [حكم الطهارة للطواف] وإذا ظهر أن الطهارة ليست شرطًا في الطواف (٢)، فإما أن تكون واجبة وإما أن تكون سنة، وهما قولان للسلف والخلف، ولكن مَنْ يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول: عليها دم، وأحمد يقول؛ ليس عليها دم ولا غيره، كما صرح به فيمن طاف جنبًا وهو ناسٍ، قال شيخنا (٣): فإذا طافت حائضًا مع عدم العذر توجّه القول بوجوب الدم عليها، وأما مع العجز فهنا غاية ما يُقال: عليها دم؛ والأشبه أنه لا يجب الدم؛ لأن الطهارة واجب يُؤمر به مع القدرة لا مع العجز، فإن لزوم الدم إنما يكون مع ترك المأمور أو [مع] (٤) فعل المحظور، وهذه لم تترك مأمورًا في هذه الحال ولا فعلت محظورًا، فإنها إذا رَمَتِ الجمرةَ وقصرت حل لها ما كان محظورًا عليها بالإحرام غير النكاح؛ فلم يبقْ بعد التحلل الأول محظورٌ يجب بفعله دم، وليست الطهارة مأمورًا بها مع العجز فيجب بتركها دم. فإن قيل: لو كان طوافها مع الحيض ممكنًا أُمِرت بطواف القدوم وطواف الوداع، فلما سقط عنها طواف القدوم والوداع علم أن طوافها مع الحيض غير ممكن. قيل: لا ريب أن النبي ﷺ أسقط طواف القدوم عن الحائض، وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تَدَعَ أفعال العمرة وتحرم بالحج (٥)؛ فعلم أن

стр. 1744

الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أولهما، والمحظورات لا تباح إلا في حالة الضرورة، ولا ضرورة بها إلى طواف القدوم؛ لأنه سنة بمنزلة تحية المسجد، ولا إلى طواف الوداع؛ فإنه ليس من تمام الحج، ولهذا لا يودِّع المقيم بمكة، وإنما يوء المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت (١)، فهذان الطوافان أمر بهما القادر عليهما إما أَمْرَ إيجاب فيهما أو في أحدهما أو استحباب كما هي أقوال معروفة، وليس واحد منهما ركنًا يقف صحة الحج عليه، بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه، وهذا كما يباح لها الدخول إلى المسجد واللُّبْثُ فيه للضرورة، ولا يباح لها الصلاة ولا الاعتكاف فيه وإن كان منذورًا، ولو حاضت المعتكفة خرجت من المسجد إلى فنائه فأتمت اعتكافها ولم يبطل، وهذا يدل على أن منع الحائض من الطواف كَمنعها من الاعتكاف، وإنما هو لحرمة المسجد لا لمنافاة الحيض لعبادة الطواف والاعتكاف، ولما كان الاعتكاف يمكن أن يفعل في رَحْبَة المسجد وفنائه جوز لها إتمامه فيها لحاجتها، والطواف لا يمكن إلا في المسجد وحاجتها في هذه الصورة إليه أعظم من حاجتها إلى الاعتكاف، بل لعل حاجتها إلى ذلك أعظم من حاجتها إلى دخول المسجد واللبث فيه لبَرْد أو مَطَر أو نحوه. وبالجملة فالكلام في هذه الحادثة في فصلين: أحدهما: في اقتضاء قواعد الشريعة لها لا لمنافاتها (٢)، وقد تبين ذلك بما فيه كفاية. والثاني: في أن كلام الأئمة وفتاويهم في الاشتراط أو الوجوب إنما هو في حال القدرة والسَّعَة لا في حال الضرورة والعجز؛ فالإفتاء بها لا ينافي نص الشارع ولا قول الأئمة، وغاية المفتي بها أنه يقيد مطلق كلام الشارع بقواعد شريعته وأصولها، ومطلق كلام الأئمة بقواعدهم وأصولهم؛ فالمفتي بها موافق

стр. 1745

لأصول الشرع وقواعده (١)، ولقواعد الأئمة، وباللَّه التوفيق. فصل [حكم جمع الطلقات الثلاث بلفظ واحد] المثال السابع (٢): أن المَطلِّقَ في زمن النبي ﷺ وزمن خليفته أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر كان إذا جمع الطلقات الثلاث بفمٍ واحدٍ جعلت واحدة، كما ثبت ذلك في "الصحيح" عن ابن عباس؛ فروى مسلم في "صحيحه" عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافه عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (٣)، وفي "صحيحه" أيضًا عن طاوس "أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تُجعل واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم" (٤) وفي "صحيحه" أيضًا عنه أنَّ أبا الصَّهْباء قال لابن عباس: هاتِ من هَنَاتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر واحدة، فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع (٥) الناس في

стр. 1746

الطلاق، فأجازه عليهم (١). وفي "سنن أبي داود" عن طاوس أن رجلًا يقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، فقال: أما علمت أن الرجل كان إذا طقق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جَعَلوها واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وصَدْرًا من إمارة عمر ﵁؟ قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر وصَدْرًا من إمارة عمر، فلما رأى النَّاسَ قد تتايعوا (٢) فيها قال: أجيزوهنّ عليهم (٣). وفي "مستدرك الحاكم" من حديث عبد اللَّه بن المُؤمَّل، عن ابن أبي مُلَيكة أن أبا الجوزاء أتى ابنَ عباس، فقال: أتعلم أن الثلاث كُنَّ يُرْددن على عهد رسول اللَّه ﷺ إلى واحدة؟ قال: نعم (٤). قال الحاكم: هذا حديث صحيح، وهذه غير طريق طاوس عن أبي الصهباء. وقال الإِمام أحمد في "مسنده": ثنا سعد بن إبراهيم: ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحُصين، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: طلّق رُكَانة بن عبد يزيد أخو بني المطلب امرأتَه ثلاثًا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، قال: فسأله رسولُ اللَّه ﷺ : كيف طلّقتها؟ قال: طلقتها ثلاثًا، قال: فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: فإنّ تلك (٥)

стр. 1747

واحدة، فأرجعها إنْ شئتَ، قال: فراجعها، فكان ابن عباس يرى أنما الطلاق عند كل طُهْر (١). وقد صحح الإِمام أحمد هذا الإسناد وحسنه، فقال في حديث

стр. 1748

عَمرو بن شُعيب عن أبيه عن جَدِّه "أن النبي ﷺ ردَّ ابنته على ابن أبي العاص بمَهْرٍ جديدٍ ونكاح جديد" (١): هذا حديث ضعيف، أو قال وَاهٍ لم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبيد اللَّه العرزمي (٢)، والعرزمي (٢) لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث [الصحيح] (٣) الذي رواه (٤) "أن النبي ﷺ أقرَّهما على النكاح الأول" (٥) وإسناده عنده هو إسناد حديث رُكانة بن عبد يزيد هذا، وقد قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس (٦)، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس

стр. 1749

عند الترمذي؛ فهو حجة ما لم يعارض ما هو أقوى منه، فكيف إذا عَضَدَه ما هو نظيره أو أقوى منه؟ وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد الرزاق: أخبرنا ابنُ جُرَيج قال: أخبرني بعضُ بني أبي رافع مولى النبي- ﷺ ، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: "طَلَّق عبد يزيد أبو ركانة وإخوتِهِ (١) أمَّ ركانة، ونكح امرأة من مُزَينة، فجاءت إلى النبي ﷺ فقالت: ما يُغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها، ففرِّق بيني وبينه، فأخذت النَّبيَّ ﷺ حميةٌ، فدعا بركانة وإخوتِهِ، ثم قال لجلسائه: أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد وفلانًا [يشبه منه] كذا وكذا؟ قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ لعبد بن يزيد: طلّقها (٢) ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول اللَّه، قال: قد عَلمتُ، رَاجِعْها، وتلا ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (٣)، وقال أبو داود (٤): "حديث نافع بن عُجير (٥) وعبد اللَّه بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده أن ركانة طلق امرأته فردَّهَا إليه النبي ﷺ أصح (٦)،

стр. 1750

لأنهم (١) ولد الرجل وأهله أعلم (٢) به، وأن ركانة إنما طلَّق امرأته البتة، فجعلها النبي ﷺ واحدة". قال شيخنا (٣) ﵁: "وأبو داود لمَّا لم يرو في "سننه" الحديثَ الذي في "مسند أحمد" -يعني الذي ذكرناه آنفًا- فقال: حديثُ البتة أصحُّ من حديث ابن جُريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا؛ لأنهم أهل بيته، ولكن الأئمة الكبار (٤) العارفون بعلل الحديث (٥) كالإمام أحمد وأبي عُبيد والبخاري ضعَّفوا حديث البتة، وبينوا أن رواته (٦) قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد أثبت (٧) حديثَ الثَّلاث، وبيَّن أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة، وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ أن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، وأهل المدينة يسمون الثلاث "البتَّة"، قال الأثرم: قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة، فضعَّفه (٨). والمقصود أن عمر بن الخطاب ﵁ لم يَخْفَ عليه أن هذا هو السنة، وأنه توسعة من اللَّه لعباده، إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة لم

стр. 1751

يملك المكلف إيقاع مَرَّاته كلها جملة واحدة كاللِّعان، فإنه لو قال: "أشهد باللَّه أربع شهادات إني لمن الصادقين" كان ذلك مرة واحدة، ولو حلف في القَسَامة وقال: "أقسم باللَّه خمسين يمينًا أن هذا قاتلُه" كان ذلك يمينًا واحدة، ولو قال المقرّ بالزنا: "أنا أقر أربع مرات أني زنيت" كان ذلك مرة واحدة؛ فمن يعتبر الأربع لا يجعل ذلك إلا إقرارًا واحدًا، وقال النبي ﷺ : "مَنْ قال في يومه: سبحان اللَّه وبحمده مئة مرة حُطَّتْ عنه خطاياه ولو كانت مثل زَبَدِ البحر" (١) فلو قال: "سبحان اللَّه وبحمده مئة مرة" لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذلك قوله: "مَنْ سَّبح اللَّه دُبُرَ كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمده ثلاثًا وثلاثين، وكبَّره ثلاثًا وثلاثين" (٢) الحديثَ؛ لا يكون عاملًا به حتى يقولها (٣) مرة بعد مرة، ولا يجمع الكل بلفظ واحد، وكذلك قوله: "من قال: [في يومه] (٤): لا إلهَ إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير [مئة مرة] (٥) كانت له حِرزًا من الشيطان يومَهُ ذلك حتى يمسي" (٦) لا يحصل له هذا إلا بقولها مرة بعد مرة، وهكذا قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] وهكذا قوله في الحديث: "الاستئذانُ ثلاثُ مرات، فإن أُذِنَ لك وإلا فارْجِع" (٧) لو قال الرجل ثلاث مرات هكذا كانت

стр. 1752

مرة واحدة حتى يستأذن مرة بعد مرة، وهذا كما أنه في الأقوال والألفاظ فكذلك هو في الأفعال سواء، كقوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] إنما هو مرة بعد مرة، وكذلك قول ابن عباس: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين" (١) إنما هو مرة بعد مرة، وكذلك قول النبي ﷺ : "لا يُلْدَغُ المؤمن من جُحْرٍ مرتين" (٢) فهذا المعقول من اللغة والعرف في الأحاديث المذكورة, وهذه النصوصُ المذكورة وقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كلُّها من باب واحد ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسّر المراد من قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] كما أن حديث اللعان تفسير لقوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦]. فهذا كتاب اللَّه وهذه سنة رسول اللَّه ﷺ وهذه لغة العرب وهذا عرف التخاطب وهذا خليفة رسول اللَّه ﷺ والصحابة كلهم معه في عَصْره وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب (٣)؛ فلو عَدَّهم العادُّ بأسمائهم واحدًا واحدًا

стр. 1753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1754

[لوجد] (١) أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة إما بفتوى وإما بإقرار عليها، ولو فُرض فيهم مَنْ لم يكن يرى ذلك فإنه لم يكن منكرًا للفتوى به، بل كانوا ما بين مُفتٍ ومقرّ بفتيا وساكتٍ غيرِ منكر، وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعًا كما ذكره يونس بن بكير عن ابن إسحاق (٢)، قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير قال؛ استشهد من المسلمين في وَقعة اليمامة ألف ومئتا رجل منهم سبعون من القرّاء كلهم قد قرأوا القرآن، وتُوفي في خلافة الصديق ﵁ فاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ وعبد اللَّه بن أبي بكر (٣)، قال محمد بن إسحاق: فلما أُصيب المسلمون من المهاجرين والأنصار باليمامة وأصيب فيهم عامة فقهاء المسلمين وقرائهم فزع أبو بكر إلى القرآن، وخاف أن يهلك منه طائفة، وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة فتوى أو إقرارًا أو سكوتًا. ولهذا ادعى بعضُ أهلِ العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة -وللَّه الحمد- على خلافه، بل لم يزل فيهم مَنْ يُفتي به قرنًا بعد قرن، وإلى يومنا هذا، فأفتى به حَبْر الأمة وتَرْجُمَان القرآن عبد اللَّه بن عبَّاس كما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "إذا قال أنت طالق ثلاثًا بفم واحد فهي واحدة" (٤) وأفتى أيضًا بالثلاث، أفتى بهذا وهذا، وأفتى بأنها

стр. 1755

واحدة الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابنُ وضَّاح (١)، وعن علي كرم اللَّه وجهه وابن مسعود روايتان (٢) كما عن ابن عباس، وأما التابعون فأفتي به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عنه، وأفتى به طاوس، وأما تابعوا التابعين فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد وغيره عنه، وأفتى به
следующие страницы →