← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

ولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن (١) والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد، وهو أن نِعَمَ اللَّه لا تزال واصلة إلى عبده، فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود، وهذا من أفسد رأي وأبطله. [نوعا النعم الإلهية] فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجدّدة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر، شكرًا للَّه عليها، وخضوعًا له، وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها، فإن اللَّه سبحانه لا يُحبُّ الفَرِحين ولا الأَشِرين، فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره. ونظير هذا السجود عند الآيات (٢) التي يُخوّف اللَّه بها عباده كما في الحديث: "إذا رأيتم آية فاسجدوا" (٣)، وقد فزع النبيّ ﷺ عند رؤية انكساف الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفَزَع إلى ذكره (٤)، ومعلوم أن آياته [تعالى] (٥) لم تزل مشاهدة معلومة بالحسّ والعقل، ولكن تجدّدها يحدث للنفوس (٦) من الرهبة والفزع إلى اللَّه ما لا تحدثه الآيات المستمرة، فتجدُّد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدّد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلاة (٧)،

стр. 1682

ولهذا لما بلغ فقيه الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس موت ميمونة زوج النبيّ ﷺ خرّ ساجدًا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رأيتم آية فاسجدوا"، وأيّ آية أعظم من ذهاب أزواج [النبيّ] (١) ﷺ من بين أظهرنا (٢)؟ فلو لم تأتِ النصوص بالسجود عند تجدّد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبًا ورهبًا، ولهذا فرَّق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن (٣) هذه صلاة رهبة وهذه صلاة رغبة، فصلوات اللَّه وسلامه على من جاءت سنّته وشريعته بأكمل ما جاءت به شرائع الرسل وسننهم (٤) [وعلى آله].

стр. 1683

[انتفاع المرتهن بالمرهون] المثال السبعون: رد السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابّة المرهونة وشربه لبنها بنفقته عليها، كما روى البخاري في "صحيحه": ثنا محمد بن مقاتل: أنا عبد اللَّه: أنا زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الرَّهنُ يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" (١)، وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا أصلح للرَّاهِنين (٢) منه، وما عداه ففساده ظاهر، فإن الراهن قد يغيب ويتعذَّر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشق (٣) عليه أو يتعذّر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك، وفي هذا من العُسْر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة، فشرع الشارع الحكيم القيّم بمصالح العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته، وهذا محض القياس لو لم تأتِ به السنة الصحيحة، وهو يخرج على أصلين: أحدهما: أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دَيْنًا على الراهن؛ لأنه واجب أدّاه عنه، ويتعسَّر عليه الإشهاد على ذلك كل وقت واستئذان الحاكم، فجوَّز له الشارع استيفاء دينه من ظهر الرهن ودرّه، وهذا مصلحة محضة لهما، وهي بلا شك أَوْلى من تعطيل منفعة ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذّر الرفع إلى الحاكم، لا سيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، ولو كان فلم يولّ اللَّه ولا رسوله الحاكم هذا الأمر. الأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة، وذلك أَوْلى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري؛ لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظمُ من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة، وأيضًا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلا يذهب ماله، وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان، والطريق إلى ذلك إما النفقة عليه، وذلك مأذون فيه عرفًا كما هو مأذون فيه شرعًا.

стр. 1684

[العرف يجري مجرى النطق] وقد أُجريَ العرفُ مجرى النطق في أكثر من مئة موضع (١) منها نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خَوَابي السيل ومصانعه في الطرق، ودخول الحَمَّام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع الحمامي لفظًا، وضرب الدابّة المستأجرة إذا حرنت في السير وايداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جَرَت العادة بدفعها (٢) إليه من امرأة أو خادم أو ولد، وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه، وجواز التخلّي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتّكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول والمبيت والثواء عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة لفظًا اعتمادًا على الإذن العُرفي، وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل، ولو وكَّل غائبًا أو حاضرًا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك، ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجةُ إلى التخلِّي فيه فله ذلك إن لم يجد موضعًا سواه إما لضيق الطريق أو لتتابع المارِّين فيها، فكيف بالصلاة فيه والتيمّم بترابه؟ ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظًا لمالكها (٣) عليه كان ذلك أَوْلى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا البائس (٤) أن التصرف في ملك الغير إنما حَرَّمه اللَّه لما فيه من الإضرار به وترك التصرّف هاهنا هو الإضرار. ومنها لو استأجر غلامًا فوقعت الأكلة (٥) في طرفه فتيقَّن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه. ومنها لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك، ولم يضمن نقب الحائط.

стр. 1685

ومنها لو قصد العدوّ مال جاره فصالحه ببعضه دفعًا عن بقيّته (١) جاز له، ولم يضمن ما دفعه إليه. ومنها لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبًا منها على النار لئلّا تسري إلى بقيتها لم يضمن. ومنها لو باعه صبرة (٢) عظيمة أو حطبًا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها [به] (٣)، وإن لم يأذن له في ذلك لفظًا. ومنها لو جذّ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا. ومنها لو وجد هديًا مشعرًا منحورًا ليس عنده أحد جاز له أن يقتطع [منه] (٤) ويأكل منه. ومنها لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقة الباب عليه، وإن كان تصرفًا (٥) في بابه لم يأذن له فيه لفظًا. ومنها الاستناد إلى جداره والاستظلال به. ومنها الاستمداد من محبرته، وقد أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك. وهذا أكثر من أن نحصره (٦)، وعليه يخرَّج حديث عروة بن الجعد البارقي (٧) حيث أعطاه النبيّ ﷺ دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إِحداهما بدينار وجاءه بالدينار والشاة الأخرى (٨)، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكال بحمد اللَّه في هذا الحديث بوجهٍ ما، وإنما الإشكال في

стр. 1686

استشكاله، فإنه جارٍ على محض القواعد كما عرفته (١). فصل [الشرط العرفي كالشرط اللفظي] ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي (٢)، وذلك كوجوب نَقْد البلد عند الإطلاق، ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظًا فانصرف العقد بإطلاقه إليه، وإن لم يقتضه (٣) لفظه، ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلًا لاشتراط سلامة المبيع عُرْفًا منزلة اشتراطها لفظًا. ومنها وجوب وفاء المسلَمِ فيه في مكان العقد وإن لم يشترطه لفظًا بناءً على الشرط العرفي. ومنها لو دفع ثوبَه إلى مَنْ يعرف أنه يغسل أو يخيط بالأجرة أو عجينه لمن يخبزه أو لحمًا لمن يطبخه أو حَبًّا لمن يطحنه أو متاعًا لمن يحمله ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك

стр. 1687

لفظًا، عند جمهور أهل العلم، حتى عند المنكرين لذلك؛ فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به، بل ليس يقف الإذن فيما يفعله الواحد من هؤلاء وغيرهم على صاحب المال خاصة؛ لأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض في الشفقة والنصيحة والحفظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا جاز لأحدهم ضم (١) اللقطة ورد الآبق وحفظ الضالة، حتى إنه يحسب ما ينفقه على الضالة والآبق واللقَطة وينزل إنفاقه عليها منزلة إنفاقه لحاجة نفسه لما كان حفظًا لمال أخيه وإحسانًا إليه؛ فلو علم المتصرف لحفظ مال أخيه أن نفقته تضيع وأن إحسانه يذهب باطلًا في حكم الشرع لما أقْدَمَ على ذلك، ولضاعت مصالح الناس، ورغبوا عن حفظ أموال بعضهم بعضًا، وتعطلت حقوق كثيرة، وفسدت أموال عظيمة، ومعلوم أن شريعة مَنْ بَهَرَتْ شريعتُه العقولَ (٢) وفاقت كل شريعة واشتملت على كل مصلحة وعطَّلت كل مفسدة تأبى ذلك كُلَّ الإباء، وأين هذا من إجازة أبي حنيفة تصرفَ الفُضُولي (٣)، ووقف العقود تحصيلًا لمصلحة المالك ومنع المرتهن من الركوب والحلب بنفقته؟ فياللَّه العجب! يكون هذا الإحسان للراهن وللحيوان ولنفسه بحفظ الرهن حرامًا لا اعتبار به شرعًا مع إذْنِ الشارع فيه لفظًا (٤) وإذن المالك عرفًا وتصرُّفُ الفضوليّ معتبرًا مرتبًا عليه حكمه؟ هذا ومن المعلوم أنَّا في إبراء الذمم أحْوَجُ منّا إلى العقود على أولاد الناس وبناتهم وإمائهم وعبيدهم ودورهم وأموالهم؛ فالمرتهنُ محسنٌ (٥) بإبراء ذمة المالك من الإنفاق على الحيوان مؤدِّ لحقِّ اللَّه فيه ولحق مالكه ولحق الحيوان ولحق نفسه متناول ما أذن له فيه الشارع من الِعِوَضِ بالذَرّ والظهر، وقد أوجب اللَّه ، على الآباء إيتاء المَرَاضِع أَجرهن بمجرد الإرضاع، وإن لم يعقدوا معهن عقد إجارة؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].

стр. 1688

فإن قيل: فهذا ينتقص عليكم بما لو كان الرهن دارًا فخرِبَ بعضُها فعمَّرها ليحفظ الرهن؛ فإنه لا يستحق السكنى عندكم بهذه العمارة، ولا يرجع بها. قيل: ليس كذلك، بل يحتسب له بما أنفقه؛ لأن فيه إصلاح الرهن، ذكره القاضي (١) وابنه وغيرهما. وقد نص الإمام أحمد في رواية أبي حرب الجرجرائي (٢) في رجل عمل في قَنَاة رجل بغير إذنه، فاستخرج الماء، لهذا الذي عمل أجرٌ في نفقته إذا عمل ما يكون منفعة لصاحب القناة، هذا مع أن الفرق بين الحيوان والدار ظاهر، لحاجة الحيوان إلى الإنفاق ووجوبه على مالكه، بخلاف عمارة الدار، فإن صح الفرق بطل السؤال، وإن بطل الفرق ثبت الاستواء في الحكم. فإن قيل: في هذا مخالفة للأصول من وجهين: أحدهما: أنه إذا أدَّى عن غيره واجبًا بغير إذنه كان متطوعًا (٣)، ولم يلزمه القيام [له] (٤) بما أدَّاه عنه. الثاني: أنه لو لزمه عوضه فإنما يلزمه نظير ما أدَّاه، فأما أن يُعاوض عليه بغير جنس ما أداه بغير اختياره فأصولُ الشرع تأبى ذلك (٥). قيل: هذا هو الذي رُدَّتْ به هذه السنة، ولأجله تأوَّلها منْ تأولها على أن المراد بها أن النفقة على المالك فإنه الذي يركب ويشرب، وجعل الحديث (٦) دليلًا على جواز تصرف الراهن في الرهن بالركوب والحَلْب وغيره، ونحن نبين (٧) ما في هذين الأصلين من حق وباطل. فأما الأصل الأول فقد دل على فساده القرآنُ والسنةُ وآثار الصحابة والقياسُ [الصحيح] (٨) ومصالح العباد، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وقد تقدم تقرير الدلالة منه، وقد اعترض بعضُهم على هذا الاستدلال بأن المراد به أجورهنَّ المسماة فإنه أمرٌ لهم بوفائها، لا أمرٌ لهم بإيتاء

стр. 1689

ما لم يسموه من الأجرة، ويدل عليه قوله [تعالى] (١): ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] وهذا التعاسر إنما يكون حال العقد بسبب طلبها الشَّطط (٢) من الأجر أو حطّها عن أجرة المثل، وهذا اعتراض فاسد؛ فإنه ليس في الآية ذكر التسمية، ولا يدل عليها بدلالة من الدلالات الثلاث؛ أما اللّفظيتان فظاهر، وأما اللزومية فلانفكاك التلازم بين الأمر بإيتاء الأجر وبين تقدّم تسميته، وقد سَمَّى اللَّه ما يؤتيه (٣) العاملَ على عمله أجرًا وإن لم يتقدم له تسمية كما قال تعالى عن خليله [﵇] (١): ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا [وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ] (١)﴾ [لعنكبوت: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] ومعلوم أن الأجر ما يعود إلى العامل عِوَضًا عن عمله؛ فهو كالثواب الذي [يَثُوبُ إليه: أي] (٤) يرجع من عمله، وهذا ثابت سواء سُمّي أو لم يُسمّ، وقد نص الإمام أحمد (٥) ﵁ على أنه إذا افتدى الأسير رجع عليه بما غرمه عليه، ولم يختلف قوله فيه. واختلف قوله فيمن قضى (٦) دَيْن غيره عنه بغير إذنه؛ فنص في موضع على أنه يرجع عليه، فقيل له: هو متبرع بالضمان، فقال: وإن كان متبرعًا بالضمان، ونص في موضع آخر على أنه لا يرجع (٧)، [فإنه قال: إذا لم يقل: اقْض عني ديني كان متبرِّعًا، ونص (٨) على أنه يرجع] (١) على السيد بنفقة عبده الآبق إذا ردَّه (٩)، وقد كتب عمرُ بن الخطاب إلى عامله في سَبْي العرب ورقيقهم، وقد كان التجار اشتروه فكتب إليه: أيما حر (١٠) اشتراه التجار فاردد عليهم رؤوس أموالهم (١١)، وقد قيل: إن جميع

стр. 1690

الفِرَق تقول بهذه المسألة وإن تناقضوا ولم يطَّردوها؛ فأبو حنيفة يقول: إذا قضى بعضُ الورثة دينَ الميت ليتوصلَ بذلك إلى أخذ حقه من التركة بالقسمة فإنه يرجع على التركة بما قضاه، وهذا واجب قد أدَّاه عن غيره بغير إذنه، وقد رجع به، ويقول: إذا بنى صاحبُ العلو [أو] (١) السفل بغير إذن المالك لزم الآخر غرامة ما يخصه، وإذا أنفق المُرتهن على الرَّهن في غيبة الراهن رجع بما أنفق، وإذا اشترى اثنان من واحد عبدًا بألف فغاب أحدهما فأدَّى الحاضر جميع الثمن ليستلم (٢) العبد كان له الرجوع. والشافعي يقول: إذا أعار عبدًا لرجلٍ ليرهَنه فرهنه ثم إنَّ صاحب الرهن قضى الدين بغير إذن المستعير وافْتَكَّ الرهن رجع بالحق، وإذا استأجر جِمَالًا ليركبها فهرب الجَمَّالُ فأنفق المستأجر على الجِمَال رجع بما أنفق، وإذا ساقى رجلًا على نخلِهِ فهرب العامل فاستأجر صاحبُ النخل مَنْ يقوم مَقَامه رجع [عليه] (٣) به، واللقيط إذا أنفق عليه أهلُ المحلة ثم استفاد مالًا رجعوا عليه. وإن أذن له في الضمان فضمن ثم أدّى الحق بغير إذنه رجع عليه. وأما المالكية والحنابلة فهم أعظم الناس قولًا بهذا الأصل، والمالكية أشدُّ قولًا به؛ ومما يوضح ذلك أن الحنفية قالوا في هذه المسائل: إن هذه الصور كلها أحْوَجَتْه إلى استيفاء حقه أو حفظ ماله؛ فلولا عمارة السفل لم يثبت العلو، ولو لم يقض الوارث الغرماء لم يتمكن من أخذ حقه من التركة بالقسمة، ولو لم يحفظ الرهْنَ بالعَلَف لتلف محل الوثيقة، ولو لم يستأجر على الشجر مَنْ يقوم مقام العامل لتعطلت الثمرة، وحقه متعلق بذلك كله، فإذا أنفق كانت نفقته ليتوصل إلى حقه، بخلاف مَنْ أدَّى دين غيره فإنه لا حقَّ له هناك يتوصل [به] (٤) إلى استيفائه بالأداء؛ فافترقا؛ وتبين أن هذه القاعدة لا تلزمنا، وأن مَنْ أدَّى عن غيره واجبًا من دين أو نفقة على قريب أو زوجة فهو إما فُضُولي وهو جدير بأن يفوت عليه ما فوَّته على

стр. 1691

نفسه، أو متفضل فحوالته على اللَّه دون مَنْ تفضَّل عليه؛ فلا يستحق مطالبته، وزادت الشافعية وقالت: لما ضمن له المؤجر تحصيل منافع الجِمَال، ومعلوم أنه لا يمكنه استيفاء تلك المنافع إلا بالعَلَف، دخل [في] (١) ضمانه لتلك المنافع إذنُه له في تحصيلها بالإنفاق عليها ضمنًا وتبعًا؛ فصار ذلك مستحقًا عليه بحكم ضمانه عن نفسه لا بحكم ضمان الغير [عنه] (٢)، يوضحه أن المؤجر والمُسَاقي قد علما أنه لا بدَّ للحي من قوام، ولا بد للنخيل من سَقْي وعمل عليها؛ فكأنه قد حصل الإذن فيها في الإنفاق عرفًا، والإذن العرفي يجري مجرى الإذن اللفظي، وشاهده ما ذكرتم من المسائل؛ فيقال: هذا من أقوى الحجج عليكم في مسألة علف المُرْتَهن للرَّهن، واستحقاقه للرجوع بما غرمه، وهذا نصف المسافة، وبقي نصفها الثاني، وهو المعاوضة عليها بركوبه وشربه، وهي أسهل المسافتين وأقربهما؛ إذ غايتها تسليطُ الشارع له على هذه المعاوضة التي هي من مصلحة الراهن والمرتهن والحيوان، وهي أولى من تسليطه الشفيع (٣) على المعاوضة عن الشقص المشفوع لتكميل ملكه وإنفراده به وهي أولى من المعاوضة في مسألة الظفر بغير اختيار مَنْ عليه الحق (٤)؛ فإن سبب الحق فيها ليسس ثابتًا، والآخذ ظالم في الظاهر، ولهذا منعه النبي ﷺ من الأخذ وسماه خائنًا بقوله: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك" (٥) وأما هاهنا فسبب الحق ظاهر، وقد أذن في المعاوضة للمصلحة

стр. 1692

التي فيها، فكيف تمنع هذه المعاوضة التي سببُ الحقِّ فيها ظاهر وقد أذن فيها الشارع، وتجوز تلك المعاوضة التي سبب الحق فيها غير ظاهر وقد منع منها الشارع؟ فلا نص ولا قياس. ومما يدل على أن مَنْ أدَّى عن غيره واجبًا أنه يَرجعُ عليه به قولهُ تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠] وليس من جزاء هذا المحسن بتخليص من أحسن إليه بأداء دَيْنه وفك أسره منه وحل وثاقه أن يضيع عليه معروفه وإحسانه، وأن يكون جزاؤه منه بإضاعة ماله ومكافأته عليه بالإساءة، وقد قال النبي ﷺ : "مَنْ أسْدَى إليكم معروفًا فكافئوه" (١) وأي معروف فوق معروف هذا

стр. 1693

الذي افْتكّ أخاه من أسْرِ الدَّينِ؟ وأي مكافاة أقبح من إضاعة ماله عليه وذهابه؟ واذا كانت الهَدِيَّةُ التي هي تبرع محض قد شُرعت المكافأة عليها وهي من أخلاق المؤمنين، فكيف يشرع جواز ترك المكافأة (١) على ما هو من أعظم المعروف؟ وقد عقد اللَّه الموالاة بين المؤمنين وجعل بعضهم أولياء بعض، فمن أدّى عن وليه واجبًا كان نائبه فيه بمنزلة وكيله ووَليّ من أقامه الشرع للنظر في مصالحه لضعفه أو عجزه. ومما يوضح ذلك أن الأجنبي لو أقرض ربَّ الدَّيْنِ قدر دينه وأحاله به على المَدِين ملك ذلك، وأيُّ فرقٍ شرعي أو معنوي بين أن يوفيه ويرجع به على المدين أو يقرضه ويحتال به على المدين؟ وهل تفرق الشريعة المشتملة على المصالح العباد بين الأمرين؟ ولو تعيّن عليه ذبح هَدْي أو أضحية فذبحها [عنه] (٢) أجنبي بغير إذنه أجزأت وتأدّى الواجب بذلك، ولم تكن ذبيحة غاصب، وما ذاك إلا لكون الذبح قد وجب عليه فأدى هذا الواجب غيره وقام مقام تأديته هو بحكم النيابة عنه شرعًا، وليس الشأن في هذه المسألة لوضوحها واقتضاء أصول الشرع

стр. 1694

وفروعه لها، وإنما الشأن فيمن عمل في مال غيره عملًا بغير إذنه ليتوصل بذلك العمل إلى حقه، أو فعله حفظًا لمال المالك واحترازًا له من الضياع؛ فالصواب أنه يرجع عليه بأجرة عمله، وقد نص عليه الإمام أحمد ﵁ في عدة مواضع: منها أنه إذا حصد زرعه في غيبته فإنه نص (١) على أنه يرجع عليه بالأجرة، وهذا من أحسن الفقه، فإنه إذا مرض أو حبس أو غاب فلو ترك زرعه بلا حَصَاد لهلك وضاع، فإذا علم مَنْ يحصده له أنه يذهب عليه عمَلُه ونفقتُه ضياعًا لم يُقْدِمْ على ذلك، وفي ذلك من إضاعة المال وإلحاق الضرر بالمالك ما تأباه الشريعة الكاملة؛ فكان من أعظم محاسنها أن أذِنَتْ للأجنبي في حَصَاده والرجوع على مالكه بما أنفق عليه حفظًا لماله ومال المحسن إليه، وفي خلاف ذلك إضاعة لمالَيهما أو مال أحدهما، ومنها ما نص عليه (٢) فيمن عمل في قَنَاة رجل بغير إذنه فاستخرج الماء، قال: لهذا الذي عمل نفقته، ومنها لو انكسرت سفينته فوقع متاعه في البحر فخلَّصه رجل فإنه لصاحبه، وله عليه أجرة مثله، وهذا أحسن من أن يقال: لا أجرة له؛ فلا تطيب نفسه بالتعرض للتلف والمشقة الشديدة ويذهب عمله باطلًا أو يذهب مال الآخر ضائعًا، وكل منهما فساد محض (٣)، والمصلحة في خلافه ظاهرة، والمؤمنون يرون قبيحًا أن يذهب عمل مثل هذا ضائعًا ومال هذا ضائعًا، ويرون من أحسن الحسن أن يسلم مال هذا وينجح سَعْيُ هذا، واللَّه الموفق. [ضمان دين الميت الذي لم يترك وفاء] المثال الحادي والسبعون: رد السنة الثابتة الصريحة المحكمة في [صحة] (٤) ضمان دين الميت الذي لم يُخَلِّفْ وفاء، كما في "الصحيحين" عن أبي قتادة قال: "أُتِيَ رسول اللَّه ﷺ بجنازة ليصلي عليها، فقال: أعليه دَيْن؟ فقالوا: نعم ديناران، فقال: أتَرَكَ لهما وفاءً؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول اللَّه، [فصلّى عليه] " (٥) فردت هذه السنة برأي لا يُقَاومها، وهو

стр. 1695

أن الميت قد خَرِبت ذمته؛ فلا يصح ضمان شيء خَرَاب في محل خراب، بخلاف الحيّ القادر فإنَّ ذمته بصَدَد العمارة فيصح ضمان دينه، وإن لم يكن له وفاء في الحال، وأما إذا خلف وفاء فإنه يصح الضمان [في الحال] (١) تنزيلًا لذمته بما خلفه من الوفاء منزلة الحي القادر. قالوا: وأما الحديث فإنما هو إخبار عن ضمان متقدّم على الموت؛ فهو إخبار منه بالتزام سابق، لا إنشاء للالتزام حينئذ، وليس في ذلك ما ترد به السنة الصريحة، ولا يصح حملها على الإخبار لوجوه: أحدهما: أن في بعض ألفاظ الحديث: "فقال أبو قتادة: أنا الكفيل (٢) به يا رسول اللَّه، فصلَّى عليه رسول اللَّه ﷺ " (٣) رواه النسائي بإسناد صحيح. الثاني: أن في [بعض] (٤) طرق البخاري: "فقال أبو قتادة: صَلِّ عليه يا رسول اللَّه وعليّ دينه" (٥) فقوله: "وعليّ دينه" كالصريح في الالتزام أو صريح فيه؛

стр. 1696

فإن هذه الواو للاستئناف، وليس قبلها ما يصح أن يعطف ما بعدها عليه، كما لو قال: صلِّ عليه وأنا ألتزم ما عليه، [أو وأنا ملتزمٌ ما عليه] (١). الثالث: أن الحكم لو اختلف لقال له النبي ﷺ : هل ضمنت ذلك في حياته أو بعد موته؟ ولا سيما فإن الظاهر منه الأنشاء، وأدنى الأحوال أن يحتملهما على السواء، فإن كان أحدهما باطلًا في الشرع والآخر صحيحًا فكيف يقرّه على قول مُحتملٍ لحق وباطل ولم يستفصله عن مراده به؟ الرابع: أن القياس يقتضي صحة الضمان وإن لم يخلِّف وفاءً، فإنَّ مَنْ صح ضمان دينه إذا خلَّف وفاءً صح ضمانه وإن لم يكن له مال كالحي، وأيضًا فمن صح ضمان دينه حيًا صح ضمان دينه ميتًا، وأيضًا فإن الضمان لا يُوجِبُ الرجوع، وإنما يوجبُ مطالبةَ رب الدين للضامن، فلا فرق بين أن يخلف الميت وفاءً أو لم يخلفه، وأيضًا فالميت أحْوَجُ إلى ضمان دينه من الحي لحاجته إلى تبريد جلده (٢) ببراءة ذمته وتخليصه من ارتهانه بالدين، وأيضًا فإن ذمة الميت وإن خَرِبَتْ من وجه -وهو تعذر مطالبته- لم تخرب من جهة بقاء الحق فيها، وقد قال النبي ﷺ : "ليس من ميّت يموت إلا وهو مرتَهَنٌ بدينه" (٣) ولا يكون مرتهنًا وقد خربت ذمته.

стр. 1697

وأيضًا فإنه لو خربت ذمته لبطل الضمان بموته؛ فإن الضامن فرعه، وقد خربت ذمة الأصل، فلما اسْتُدِيْمَ الضمانُ ولم يبطل بالموت علم أن الضمان لا ينافي الموت؛ فإنه لو نافاه أبتداء لنافاه استدامَةً؛ فإن هذا من الأحكام التي لا يفرق فيها بين الدوام والابتداء لاتحاد سبب الابتداء والدوام فيها؛ فظهر أن القياس المحفمع السنة الصحيحة (١)، واللَّه الموفق. [الجمع بين الصلاتين] المثال الثاني والسبعون: ترك السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في جَمْع التقديم والتأخير بين الصلاتين للعذر، كحديث أنس: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا ارتَحَلَ قبل أن تزيغ الشمس أَخَّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما" (٢) وفي لفظ له: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخّر الظهر حتى يدخل وقت العصر (٣)، ثم يجمع بينهما"، وهو في "الصحيحين" (٤)، وكقول معاذ بن جَبَل: "كان رسول اللَّه ﷺ في غزوة تَبُوك [إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس (٥) أخَّر الظهر حتى يجمعها مع (٦) العصر فيصلّيهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زَيْغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار] (٧)، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخَّر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجَّل العشاء فصلاها مع المغرب" (٨) وهو في "السنن" و"المسند"،

стр. 1698

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1699

وإسناده صحيح، وعلَّتُه واهية، وكقول ابن عباس: "كان النبي ﷺ إذا زاغت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، وإذا لم تزغ في منزله سار حتى إذا حانت (١) العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت (١) له المغرب في منزله جمع بينه وبين العشاء، وإذا لم تَحِنْ (٢) في منزله ركب حتى إذا كان العشاء نزل فجمع بينهما" (٣) وهذا متابع لحديث معاذ، وفي بعض طرق

стр. 1700

هذا الحديث: "وإذا سافر قبل أن تزول الشَّمس أخَّر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر"، وكقول ابن عمر وقد أخَّر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل فجمع بينهما. ثم أخبر "أن رسول اللَّه ﷺ كان يفعل ذلك إذا (١) جَدَّ به السير" (٢). كل هذه سنن في غاية الصحة والصراحة، ولا معارض لها؛ فردّت بأنها

стр. 1701

أخبار آحاد (١)، وأوقات الصلوات (٢) ثابتة بالتواتر، كحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ وصلاته به كل صلاة في وقتها ثم قال: "الوقت ما بين هذين" (٣) فهذا في أول الأمر بمكة، وهكذا فعل النبي ﷺ بالسائل في المدينة سواء، صلى به كل صلاة في أول وقتها وآخره وقال: "الوقت ما بين هذين" (٤) وقال: في حديث عبد اللَّه بن عمرو: "وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفّر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يسقط ثور الشفق (٥)، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل" (٦) وقال: "وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي تليها" (٧) ويكفي [قوله] (٨) للسائل وقد سأله عن المواقيت ثم بيّنها له بفعله: "الوقت فيما بين هذين" (٩) فهذا بيان بالقول والفعل، وهذه أحاديث محكمة صحيحة صريحة (١٠) في تفصيل الأوقات مجمع عليها بين الأمة، وجميعهم احتجوا بها في أوقات الصلاة، فقدمتم عليها أحاديث مجملة محتملة في الجمع غير صريحة فيه؛ يجوز (١١) أن يكون المراد بها الجمع في الفعل، وأن يراد بها الجمع في الوقت، فكيف يترك الصريح المبيّن للمجمل المحتمل؟ وهل هذا إلا تَرْك للمحكم وأخذ بالمتشابه، وهو عين ما أنكرتموه في هذه الأمثلة؟

стр. 1702

فالجواب أن يقال: الجميع حق، فإنه من عند اللَّه، وما كان من عند اللَّه فإنه لا يختلف، فالذي وَقَّتَ هذه المواقيت وبيَّنها بقوله وفعله هو الذي شرع الجمع بقوله وفعله؛ فلا يؤخذ ببعض السنة ويترك بعضها، والأوقات التي بينها النبي ﷺ بقوله وفعله نوعان بحسب حال أربابها: أوقات السعة والرفاهية، وأوقات العذر والضرورة، ولكلٍ منها أحكام تخصها، وكما أن واجبات الصلاة وشروطها تختلف باختلاف القُدْرة والعجز فهكذا أوقاتها، وقد جعل النبي ﷺ وَقْتَ النائم والناسي (١) حين يستيقظ ويذكر، أيَّ وقتٍ كان (٢)، وهذا غير الأوقات الخمسة، وكذلك جعل أوقات المعذورين ثلاثة: وقتين مشتركين، ووقتًا مختصًا؛ فالوقتان المشتركان لأرباب الأعذار هما أربعة لأرباب الرفاهية، ولهذا جاءت الأوقات في كتاب اللَّه نوعين: خمسة وثلاثة في نحو عشر آيات من القرآن، فالخمسة لأهل الرفاهية والسعة، والثلاثة لأرباب الأعذار، وجاءت السنة بتفصيل ذلك وبيانه وبيان أسبابه، فتوافقت دلالة القرآن والسنة، والاعتبار الصحيح الذي هو مقتضى حكمة الشريعة وما اشتملت عليه من المصالح؛ فأحاديث الجمع مع أحاديث الإفراد بمنزلة أحاديث الأعذار والضرورات مع أحاديث الشروط والواجبات؛ فالسنة يبيّن بعضها بعضًا، لا يُرد بعضها ببعض ومَنْ تأمل أحاديث الجمع وجدها كلها صريحة في جمع الوقت لا في جمع الفعل، وعلم أن جمع الفعل أشق وأصعب من الإفراد بكثير؛ فإنه يُنتظر بالرخصة أن يبقى من وقت الأولى قدر فعلها فقط، بحيث إذا سلّم منها دخل وقت الثانية فأوقع كل واحدة منهما في وقتها، وهذا أمر في غاية العسر والحرج والمشقة، وهو مُنَافٍ لمقصود الجمع، وألفاظ السنة [الصحيحة] (٣) الصريحة ترده كما تقدم، وباللَّه التوفيق (٤).

стр. 1703

[الوتر مع الاتصال] المثال الثالث والسبعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة وسبع متصلة كحديث أم سلمة: "كان رسول اللَّه ﷺ يُوترُ بسبع وبخمس، لا يفصل بينهنّ بسلام ولا كلام" (١) رواه الإِمام أحمد، وكقول عائشة ﵂: "كان رسول اللَّه ﷺ يُصلي من الليل ثلاثَ عَشْرَةَ ركعةً، يوتر من ذلك بخمس، ولا يجلس إلا في آخرهن" متفق عليه (٢)، وكحديث عائشة ﵂ "أنه ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه ثم ينهض، ولا يسلِّم، ثم يقوم فيصلِّي التاسعة، ثم يقعد فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يُسْمِعُنَاهُ، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسَنَّ رسول اللَّه ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول" (٣) وفي لفظ عنها: "فلما أسَنَّ

стр. 1704

رسولُ اللَّه ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلّم إلا في السابعة" وفي لفظ: "صلى سبع ركعات لا يقعد إلا في آخرهن" وكلُّها أحاديث صحاح صريحة (١) لا معارض لها؛ فردت هذه بقوله ﷺ : "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى" وهو حديث صحيح (٢)، ولكن الذي قاله هو الذي أوتر [بالتسع] (٣) والسبع والخمس، وسننه (٤) كلها حق يصدّق بعضُها بعضًا؛ فالنبي ﷺ أجاب السائلَ له عن صلاة الليل بأنّها مثنى مثنى، ولم يسأله عن الوتر، وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها, وللخمس والسبع والتسع المتصلة، كالمغرب اسم للثلاث المتصلة، فإن انفصلت الخمس والسبع [والتسع] (٥) بسلامين كالأحدى عشرة كان الوتر اسمًا للركعة المفصولة وحدها، كما قال النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما صلّى" (٦) فاتفق فعله ﷺ وقوله، وصَدَّقَ بعضُه بعضًا، وكذلك يكون ليس إلا، وإن حصل تناقض فلا بد من أحد أمرين: • إما أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر. • أو ليس من كلام رسول اللَّه ﷺ . فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخًا فلا تناقض ولا تضاد هناك البتة، وإنما يؤتى مَنْ يؤتى هناك من قِبَل فهمه وتحكيمه آراء الرجال وقواعد المذهب على السنة؛ فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف، واللَّه المستعان (٧).

стр. 1705

فصل [في تغير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد] (١) [الشريعة مبنية على مصالح العباد] هذا فصل عظيم النفع جدًا، وقع بسبب الجهلِ به غَلَطٌ عظيم على الشريعة أوْجَبَ من الحرج والمشقة وتكليفِ ما لا سبيل إليه ما يعلم (٢) أن الشريعة الباهرة التي [هي] (٣) في أعلى رُتَب المصالح لا تأتي به. [وصف الشريعة] فإن الشريعة مَبْنَاها وأساسَهَا على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عَدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلها، ومصالحُ كلها، وحكمةٌ كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عَدْل اللَّه بين عبادة، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتَمَّ دلالةٍ وأصدقَهَا، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهُدَاه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقُه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل؛ فهي قرّة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح؛ فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكلُّ خيرٍ في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها, ولولا رسومٌ قد بقيت [لخَرِبت الدنيا وطُوِيَ العالم] (٤)، وهي العصمة للنَّاس وقوام العالم، وبها يمسك اللَّه السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد اللَّه خرابَ الدنيا وطَيَّ

стр. 1706

العالم رَفَع إليه ما بقي من رسومها؛ فالشريعة التي بعث اللَّه بها رسولَه هي عمود العالم، وقطب [رحى] (١) الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة (٢). ونحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول اللَّه وتوفيقه ومعونته بأمثلة صحيحة. [إنكار المنكر وشروطه] المثال الأول: أن النبي- ﷺ شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبّه اللَّه ورسوله (٣)، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى اللَّه ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان اللَّه يبغضه ويمقت أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والوُلاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابةُ رسولَ اللَّه ﷺ في قتال الأمراء الذين يؤخّرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نقاتلهم؟ فقال: "لا، ما أقاموا الصلاة" (٤)، وقال: "مَنْ رأى من أميره ما يكرهه فليصبر ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة" (٥) ومن تأمل ما جرى على الإِسلام من الفتن الكِبَار والصغار رآها من

стр. 1707

إضاعة هذا الأصل وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه؟ فقد كان رسول اللَّه ﷺ يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح اللَّه مكة وصارت دار إسلام عَزَمَ على تغيير البيت ورَدِّه على قواعد إبراهيم، ومنَعَه من ذلك -مع قدرته عليه- خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإِسلام وكونهم حَدِيثي عهدٍ بكفرٍ (١)، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء. [إنكار المنكر أربع درجات] فإنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده. الثانية: أن يقل وإن لم يُزل بجملته. الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله. الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه. فالدرجتان الأولَتَانِ مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة؛

стр. 1708

فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشِّطْرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحبّ إلى اللَّه ورسوله كَرَمِي النشَّاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفسّاق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مُكَاء وتَصْدِية (١) فإن نقلتهم عنه إلى طاعة [اللَّه فهو المراد] (٢)، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلًا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا بكُتُب المجنون ونحوها وخِفْتَ من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسّحر (٣) فَدَعْهُ وكتبه الأولى، وهذا باب واسع؛ وسمعت شيخ الإِسلام ابن تيمية قدّس اللَّه روحه [ونوّر ضريحه] (٤) يقول: مررت أنا وبعضُ أصحابي في زمن التَّتَار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم مَنْ كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلت له: إنما حرم اللَّه الخمر لأنها تصدُّ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسَبي الذرية وأخذ الأموال فَدَعْهم (٥). فصل [النهي عن قطع الأيدي في الغزو] المثال الثاني: أن النبي ﷺ "نهى أن تُقْطَع الأيدي في الغَزْوِ" رواه أبو داود (٦)، فهذا حَدٌّ من حدود اللَّه تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى اللَّه من تعطيله أو تأخيره من لحوق صاحبه بالمشركين حمية وغضبًا (٧).

стр. 1709

كما قاله عمر وأبو الدَّرداء وحُذَيفة (١) وغيرهم، وقد نص أحمد وإسحاق بن راهويه والأوزاعي وغيرهم من علماء الإِسلام على أنَّ الحدود لا تقام في أرض العدو، وذكرها أبو القاسم الخرقي في "مختصره" فقال: ولا تقام الحدود (٢) على مسلم في أرض العدو، وقد أُتي بُسْر (٣) بن أرْطَاة برجل من الغزاة (٤) قد سرق مجنَّةَ فقال: لولا أني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقطع الأيْدِي في الغَزْو" لقطعت يدك (٥)، رواه أبو داود (٦)، وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة (٧)، روى سعيد بن منصور في "سننه" بإسناده عن الأحوص بن حكيم، عن أَبيه أن عمر كَتب إلى الناس أن لا يجلدنَّ أميرُ جيشٍ ولا سرية ولا رجلٌ من المسلمين حدًا وهو غازٍ حتى يقطع الدَّرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكُفَّار (٨). وعن أبي الدرداء مثل ذلك (٩). وقال علقمة: كنَّا في جيش في أرض الروم، ومعنا حُذَيفة بن اليَمَان، وعلينا

стр. 1710

الوليد بن عقبة، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدُّون أميركم وقد دنوتم من عدوكم فيطمعوا فيكم؟ (١) [قصة أبي محجن] وأُتي سعد بن أبي وقَّاص بأبي مِحْجَنٍ يوم القادسية وقد شربَ الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقي النَّاسُ قال أبو محْجَنٍ: كَفَى حَزَنًا أن تطرد (٢) الخيلُ بالقَنَا ... وأُتْرَكَ مشدودًا عليَّ وثاقِيا فقال لابنة خصفة (٣) امرأة سعد: أطلقيني ولَكِ واللَّه (٤) عليَّ إن سَلَّمني اللَّه أن أرجع حتى أضَعَ رجلي في القَيْد، فإن قتلت استرحْتُمْ مني، قال: فحلّته حين (٥) التقي الناس وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس، قال: وصعدوا به فوق العذيب ينظر إلى الناس، واستعمل على الخيل خالد بن عُرْفُطة، فوثب أبو مِحْجَنٍ على فَرَس لسعد يقال لها: البلقاء، ثم أخذ رمحًا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هَزَمهم، وجعل الناس يقولون: هذا مَلَك، لما يرونه يصنع، وجعل سعد يقول: الضَّبْرُ ضبْرُ (٦) البلقاء، والظفر ظفر أبي محجن، وأبو محجن في القيد، فلما هُزِم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رجليه في القيد، فأخبرت ابنة خصفة سعدًا بما كان من أمره، فقال سعد: لا واللَّه لا

стр. 1711

أضرب اليوم رجلًا أبْلى للمسلمين ما أبلاهم، فخلَّى سبيله، فقال أبو محجن: قد كنتُ أشربها إذ يقام عليَّ الحدُّ وأُطَهَّرُ منها، فأما إذ بَهْرَجْتَني فواللَّه لا أشربها أبدًا (١).

стр. 1712

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1713

وقوله: "إذ بَهْرَجْتَني" أي أَهدَرتني بإسقاط الحد عني، ومنه: "بَهَرَج دم ابن الحارث" (١) أي: أبطله، وليس في هذا ما يخالف نصًا ولا قياسًا ولا قاعدة من قواعد الشرع ولا إجماعًا، بل لو أُدعي أنه إجماع الصحابة كان أصوب. قال الشيخ (٢) في "المغني": وهذا اتفاق لم يظهر خِلَافُه. [أكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة] قلت: وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخيرُ الحدِّ لعارضٍ أمرٌ وردت به الشريعة، كما يؤخَّر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحُر والبرد والمرض؛ فهذا تأخير لمصلحة المحدود؛ فتأخيره لمصلحة الإِسلام أولى (٣). [تفسير موقف سعد من أبي محجن] فإن قيل: فما تصنعون بقول سعد: "واللَّه لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم" (٤) فأسقط عنه الحد؟ قيل: قد يتمسك بهذا من يقول: "لا حَدَّ على مسلم في دار الحرب" كما

стр. 1714

يقوله أبو حنيفة (١)، ولا حجة فيه، والظاهر أن سعدًا ﵁ اتَّبَعَ في ذلك سنة اللَّه تعالى؛ فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن في الدين وجهاده وبَذْلِه نفسَه للَّه ما رأى درأ عنه الحد؛ لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة وجعلتها كقَطْرة نجاسةٍ وقعت في بحر، ولا سيما وقد شام منه مَخَايل التربة النصوح وقت القتال، إذ لا يُظن [في] (٢) مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على اللَّه وهو يرى الموت، وأيضًا فإنه بتسليمه نفسَه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له حده كما قال النبي ﷺ للرجل الذي قال له: "يَا رسول اللَّه أصَبْتُ حدًّا فأقمه عليَّ، فقال: هل (٣) صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذْهَبْ فإن اللَّه قد غَفَرَ لك حَدَّكَ" (٤) وظهرت (٥) بركة هذا العفو الإسقاط في صدق توبته، فقال: واللَّه لا أشربها أبدًا، وفي رواية: "أبَدَ الأبدِ" (٦) [وفي رواية] (٧): "قد كنت آنف أن أتركها من أَجل جلداتكم، فأما إذا تركتموني فواللَّه لا أشربها أبدًا" (٨) وقد برئ النبي ﷺ مما صنع خالد ببني جذيمة، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" (٩) ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام. ومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب.

стр. 1715

[عود إلى إسقاط الحدود لمصلحة] وإذا كان اللَّه لا يعذب تائبًا فهكذا الحدود لا تُقام على تائب، وقد نص اللَّه على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك تنبيه على سقوط ما دون الحِرَاب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى (١)، وقد رُوينا في "سنن النسائي" من حديث سِمَاك، عن علقمة بن وائل، عن أَبيه أن امرأة وقع عليها [رجل] في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مَرَّ عليها، وفرَّ صاحبُها، ثم مر عليها ذوو عدد، فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي [كانت] (٢) استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا به يقودونه إليها، فقال [لها] (٣): أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] (٤) وسلم، فأخبرته أنه [الذي] (٢) وقع عليها، وأَخبر القوم أنهم أدركوه يَشْتَدُّ، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذبَ، هو الذي وقع عليّ، فقال النبي ﷺ : "انطلقوا به فارجموه" فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول اللَّه ﷺ الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة، فقال: "أما أَنْتَ فقد غُفِرَ لك" وقال للذي أغاثها قولًا حسنًا، فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى، فأبى رسول اللَّه ﷺ ؛ فقال: " [لا لأنه] (٥) قد تاب إلى اللَّه" (٦)، رواه عن محمد بن

стр. 1716

يحيى بن كثير الحراني: ثنا (١) عمرو بن حماد بن طلبة: حدثنا أسباط بن نصر عن سماك، وليس فيه بحمد اللَّه إشكال (٢). [إشكال في الحديث وحلّه] فإن قيل: فكيف أمر رسول اللَّه ﷺ برَجْم المُغِيث من غير بينة ولا إقرار؟ [اعتبار القرائن وشواهد الأحوال] قيل: هذا من أدل الدلائل على اعتبار القرائن والأخذ بشواهد الأحوال في التُّهم، وهو يشبه إقامة الحد (٣) بالرائحة والقيء كما اتفق عليه الصحابة (٤)، وإقامة حد الزنا بالحَبَل كانص عليه عمر (٥) وذهب إليه فقهاء أهل المدينة وأحمد في ظاهر مذهبه، وكذلك الصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده، فهذا الرجل لما أدْركَ وهو يشتدّ هَرَبًا وقالت المرأة: هذا هو الذي فعل بي، وقد اعترف بأنه دَنَا منها وأتى إليها وادعى أنه كان مُغيثًا لا مُرِيبًا،

стр. 1717

ولم ير أولئك الجماعة غيره، كان في هذا أظهر الأدلة على أنه صاحبها، وكان الظن المستفاد من ذلك لا يقصر عن الظن المستفاد من شهادة البينة، واحتمالُ الغلطِ وعداوة الشهود كاحتمال الغلط وعداوة (١) المرأة هاهنا، بل ظن عداوة المرأة في هذا الموضع في غاية الاستبعاد؛ فنهاية الأمران هذا لَوْثٌ ظاهر لا يستبعد ثبوت الحد بمثله شرعًا كما يقتل في القَسَامة باللوث الذي لعله دون هذا في كثير من المواضع؛ فهذا الحكم من أحسن الأحكام وأجراها على قواعد الشرع، والأحكام الظاهرة متابعة للأدلة الظاهرة من البيِّنات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة ولا تنضبط (٢) أمر لا يقدح في كونها طرقًا وأسبابًا للأحكام، والبينة لم تكن موجبة بذاتها للحد، وإنما [ارتباطُ الحدِّ بها] (٣) ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها أو أقوى منها لم يُلْغِهِ الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلًا كالبيّنة والإقرار، وأما سقوط الحد عن المعترف فإذا لم يتسع له نطاف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فأحْرَى أن لا يتسع له نطاف كثير من الفقهاء، ولكن اتسع له نطاق الرؤوف الرحيم، فقال: "إنه قد تاب إلى اللَّه" (٤) وأبي أن يحده، ولا رَيْبَ أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طَوْعًا واختيارًا خشيَةً من اللَّه وحده [وإنقاذًا لرجل مسلم] (٥) من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدواء لذلك الداء، وكانت القوّة صالحة، فزال المرض، وعاد القلبُ إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، وإنما جعلناه طُهْرةً ودواءً؛ فإذا تطهرَّت بغيره فعفوُنَا يَسَعُك، فأيُّ حكمٍ أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للرحمة والحكمة والمصلحة؟ وباللَّه التوفيق. وقد رُوِّينا في "سنن (٦) النَّسائي" من حديث الأوزاعي: ثنا أبو عَمَّار شَدَّاد، قال: حدثني أبو أُمامة أنَّ رجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال: يَا رسول اللَّه أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: إني أصبت حدًا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، ثم قال: يَا رسول اللَّه إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، فأعرض عنه، فأقيمت الصلاة، فلما سلَّم رسولُ اللَّه ﷺ قال: يَا رسول اللَّه إني أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، قال: "هل توضأت حين أقبلت؟ قال: نعم، قال: هل صلَّيت معنا حين صلينا؟ قال:

стр. 1718

نعم، قال: اذهب فإن اللَّه قد عفا عنك" (١)، وفي لفظ: "إن اللَّه قد غفر لك ذنبك، أو حَدَّكَ"، ومن تراجم النَّسائي على هذا الحديث: "من اعترف بحد ولم يُسَمِّه" (٢) وللناس فيه ثلاث مسالك: • هذا أحدها. • والثاني: أنه خاص بذلك الرجل. • والثالث: سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك. فصل [من أسباب سقوط الحد عام المجاعة] المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب ﵁ أسقط (٣) القَطْع عن السارق في عام المَجَاعة، قال السعدي (٤): حدثنا هارون بن إسماعيل الخَرَّاز: ثنا علي بن المبارك: ثنا يحيى بن أبي كثير: حدثني حَسَّان بن زاهر أن ابن حُدَيْر حدثه عن عمر قال: "لا تُقْطَعُ اليد في عَذْق ولا عَامَ سنَة" (٥)، قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العَذْقُ: النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت

стр. 1719

لأحمد: تقول به؟ فقال: إِي لعمري، قلت: إن سَرَق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك والناسُ في مجاعة وشدة. قال السعدي: وهذا على نحو قضية عمر في غلمان حاطب، ثنا أبو النُّعمان عارم: ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن حاطب (١) أن غِلْمة لحاطب بن أبي بَلْتعة سرقوا ناقة لرجل من مُزَينة، فأتى بهم عمر، فأقّروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال [له] (٢): إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مُزَينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يَا كثير بن الصَّلْت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولَّى بهم (٣) ردَّهم عمر ثم قال: أما واللَّه لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرَّم اللَّه عليه حَلَّ له لقطعت أيديهم، وأيم اللَّه إذ لم أفعل لأُغَرمنَّك غرامة تُوجِعُكَ، ثم قال: يَا مُزَني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربع مئة، قال عمر: اذهب فأعْطه ثماني مئة (٤). وذهب أحمد إلى موافقة عمر في الفَصْلَيْنِ جميعًا؛ ففي "مسائل إسماعيل بن سعيد الشالنجي" التي شَرَحَها السعدي بكتاب سماه "المترجم" (٥)، قال: سألت

стр. 1720

أحمد بن حنبل عن الرجل (١) يحمل الثمر من أكمامه، فقال: فيه الثَّمَنُ مرتين وضَرْبُ نَكَالٍ، وقال: وكل مَنْ دَرَأنا عنه الحدود (٢) والقَوَد أضعفنا عليه الغُرْم، وقد وافق أحمدَ على سقوط القطع في المجاعة الأوزاعيُّ (٣)، وهذا مَحْضُ القياس، ومقتضى قواعد الشرع؛ فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غَلَبَ على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسدّ به رَمَقَه، ويجب على صاحب المال بَذْلَ ذلك له، إما بالثَّمن وإما مجانًا (٤)، على الخلاف في ذلك. [وجوب بذل الطعام بالمجان في زمن المجاعة] والصحيح وجوب بذله مجانًا؛ لوجوب المواساة (٥) وإحياء النفوس مع القدرة على ذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، وهذه شُبْهة قوية تَدْرأ القطع [عن المحتاج] (٦)، وهي أقوى من كثير من الشُّبَه التي يذكرها كثير من الفقهاء، بل إذا وازَنْتَ بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت، فأين شبهة كون المسروق مما يُسْرع إليه الفساد، وكون أصله على الإباحة [كالماء] (٦)، وشبهة القَطْع به مرة، وشبهة دعوى ملكه بلا بينة، وشبهة إتلافه في الحِرْز بأكل أو احتلاب (٧) من الضَّرْع، وشبهة نقصان ماليّته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه، وغير ذلك من الشبه الضعيفة جدًا إلى هذه الشبهة القوية؟ لا سيما وهو مأذون له في مُغَالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه، وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق الغير حاجة من غيره، فاشتبه مَنْ يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدُرِئ، نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به (٨) وهو مستغنٍ عن (٩) السرقة قطع (١٠).
следующие страницы →