← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

[الرّد على العلل] فأما العلة الأولى فقال محمد بن عبد الواحد المقدسي (١): "مِشْرَح قد وثَّقه يحيى بن معين في رواية عثمان بن سعيد (٢)، وابن مَعِين أعلم بالرجال من ابن حبَّان" قلت: وهو صدوق عند الحفاظ، لم يتهمه أحد البتة، ولا أطلق عليه أحد من أهل الحديث قط أنه ضعيف، ولا ضعفه ابنُ حبَّان، وإنما قال (٣): يروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابع عليها؛ فالصواب تَرْكُ ما انفرد به، وانفرد ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه. وأما العلة الثانية؛ فعبد اللَّه بن صالح قد صرّح بأنه سمعه من الليث، وكونُه لم يخرجه وقت اجتماع البخاري به لا يضره شيئًا؛ وأما قوله: "إن حيوة يروي (٤) عن بكر بن عمرو (٥) عن مِشْرَح" فإنه يريد به أن حيوة (٦) من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن مِشْرَح، وهذا تعليل قوي، ويؤكده أن الليث قال: "قال مِشْرَح" ولم يقل: حدثنا، وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصرًا لِمشْرح وهو في بلده، وطلبُ اللَّيث العلمَ (٧) وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مِشْرح حديثه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد. وأما التعليل الثالث فقال شيخ الإسلام: "إنكار مَنْ أنكر هذا الحديث على عثمان (٨) غيرُ جيدٍ، وإنما هو لتوهم انفراده به عن الليث وظَنِّهم أنه لعله أخطأ فيه حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهم بعضُ مَنْ يكتب الحديث أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل مَنْ ليس بالمشهور مِنْ أصحابه كان

стр. 1787

ذلك شذوذًا فيه وعلة قادحة، وهذا لا يتوجه هاهنا لوجهين: أحدهما: أنه قد تابعه عليه أبو صالح كاتبُ الليث عنه، روِّيناه [عنه] (١) من حديث أبي بكر القَطِيعي [أحمد بن جعفر بن حمدان قال] (١): ثنا جعفر بن محمد الفِرْيابي (٢) حدثني العباس المعروف بأبي فريق [قال] (١): ثنا أبو صالح: حدثني الليث به، فذكره، ورواه أيضًا الدارقطني في "سننه": ثنا أبو بكر الشافعي [قال] (١): ثنا إبراهيم بن الهَيْثم: أخبرنا أبو صالح، فذكره. الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري [ثقة] (٣) روى عنه البخاري في "صحيحه"، وروى عنه ابن معين وأبو حاتم الرازي، وقال (٤): هو شيخ صالح سليم [التأدية] (٥)، قيل له: كان يُلَقَّن؟ قال: لا. ومَنْ (٦) كان بهذه المثابة كان ما ينفرد به حجة، وإنما الشاذ (٧) ما خالف به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح وهو كاتب الليث وأكثر الناس حديثًا عنه؟ وهو ثقة أيضًا، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط، ومِشْرَح بن هاعان (٨)، قال فيه ابن معين (٩): ثقة، وقال فيه الإمام أحمد (١٠): هو معروف؛ فثبت أن هذا [الحديث] (١١) حديث جيّد وإسناده حسن" (١٢) انتهى. وقال الشافعي: ليس الشاذ أن ينفرد الثقة عن الناس بحديثٍ، إنما الشاذ أن يخالف ما رواه الثقات (١٣).

стр. 1788

[حديث ابن عباس في لعن المحلل] وأما حديث عبد اللَّه بن عباس فرواه ابن ماجه في "سننه" عنه قال: "لعن رسول اللَّه ﷺ المحلل والمحلل له" (١) وفي إسناده زمعة بن صالح (٢)، وقد ضعَّفه قوم، ووثقه آخرون، وأخرج له مسلم في "صحيحه" مقرونًا بآخر، وعن ابن معين (٣) فيه روايتان. [حديث ابن عمر في المحلِّل] وأما حديث عبد اللَّه بن عمر ففي "صحيح الحاكم" من حديث ابن أبي مريم: حدثنا أبو غسَّان، عن عمر (٤) بن نافع، عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة بينهم (٥) ليحلّها لأخيه: هل تحلُّ للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سِفَاحًا على عهد رسول اللَّه ﷺ (٦).

стр. 1789

قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال سعيد في "سننه": حدثنا محمد بن نشيط البصري قال: قال بكر بن عبد اللَّه المُزَنيّ: لُعن المحلل والمحلل له، وكان يسمى في الجاهلية التيس المستعار (١). وعن الحسن البصري قال: كان المسلمون يقولون: هذا التيس المستعار (٢). فصل [عن التيس المستعار] فَسَلْ هذا التيسَ: هل دخل في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] وهل دخلَ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] وهل دخلَ في قوله ﷺ : "مَنِ استطاع منكم الباءة (٣) فليتزوج، فإنه أغَضُّ للبصر وأحْصَنُ للفرج" (٤)، وهل دخلَ في قوله ﷺ : "تزوجوا الوَدُودَ الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة" (٥)، وهل دخلَ في

стр. 1790

قوله ﷺ : "أربع من سنن المرسلين: النكاح، والتعطّر، والخِتَان (١)، وذكر الرابعة" (٢)، وهل دخلَ في قوله ﷺ : "النكاح سنّتي؛ فمن رَغِبَ عن سنَّتي فليس

стр. 1791

منّي" (١)، وهل دخلَ في قول ابن عباس: خير هذه الأمة أكْثَرُهَا نساء (٢)؟ وهل له نصيبٌ من قوله ﷺ : "ثلاثة (٣) حق على اللَّه عَوْنُهم: النَّاكحُ يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء" (٤) وذكر الثالث، أم حقٌ على اللَّه لعنته تصديقًا لرسوله فيما أخبر عنه؟ وسَلْه: هل يلعن اللَّه ورسوله من يفعل مستحبًا أو جائزًا أو مكروهًا أو صغيرة، أم لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها؟

стр. 1792

[تعريف الكبيرة] كما قال ابن عباس: كلُّ ذنبٍ ختم بلعنة أو غضب أو عذاب أو نار فهو كبيرة (١). [عودٌ إلى تحريم المحلِّل] وسَلْه: هل كان (٢) في الصحابة محلِّل واحدٌ أو أقرَّ رجلٌ منهم على التحليل؟ وسَلْه لأيِّ شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما (٣)، وسَلْه: كيف تكون المتعة حرامًا نصًا مع أن المُسْتَمتع له غرض في نكاح الزوجة إلى وقت لكن لما كان غير داخل على النكاح المؤبد كان مرتكبًا للمحرم؟ فكيف يكون نكاح المحلِّل الذي إنما قَصْدُه أن يمسكَها ساعةً من زمان أو دونها، ولا غَرَضَ له في النكاح ألبتَّة؟ بل قد شَرط انقطاعَه وزوالَه إذا أخبثها بالتحليل، فكيف يجتمعُ في عقلٍ أو شرع تحليلُ هذا وتحريمُ المتعة؟ هذا مع أنَّ المتعةَ أبيحت في أولِ الإسلام، وفَعَلَهَا الصحابةُ، وأفتى بها بعضُهم بعد موت النبي ﷺ (٤)، ونكاحُ المحلِّل لم يُبَحْ في ملة من المللِ قط ولم يفعله أحد من الصحابة، ولا أفتى به واحد منهم؟ وليس الغرض بيان تحريم هذا العقد وبطلانه وذكر مفاسده وشره، فإنه يستدعي سِفْرًا ضخمًا نختصر فيه الكلام.

стр. 1793

[المقصود بيان شأن التحليل عند اللَّه ورسوله] وإنما المقصود أن هذا شأن التحليل عند اللَّه ورسوله وأصحاب رسوله، فالزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا جَمَعُوها ليكُفُّوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به (١)، وأنه لا سبيل إلى عَوْدِها بالتحليل، فلما (٢) تغيَّر الزمانُ، وبَعُدَ العهدُ بالسنة وآثار القوم، وقامت سوق التحليل ونفقت في الناس؛ فالواجب أن يُرَدَّ الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي ﷺ وخليفته من الإفتاء بما يعطِّل سوق التحليل أو يقللها ويخفف شرها، هاذا عرض على مَنْ وفَّقَه اللَّه وبَصَّرَه بالهدى ووفَقَّهه في دينه مسألة كون الثلاث واحدة ومسألة التحليل ووَازَنَ بينهما تبين له التفاوتُ، وعلم أيُّ (٣) المسألتين أولى بالدين وأصلح للمسلمين. فهذه حجج المسألتين قد عرضت عليك، وقد أُهديت -إنْ قبلتها- إليك، وما أظن عَمَى التقليد [إلا] (٤) يزيد الأمر على ما هو عليه، ولا تدع التوفيق (٥) يقودك اختيارًا إليه، وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة تُطلع العالم على ما وراءها، [وباللَّه التوفيق] (٤). فصل فقد (٦) تبين لك (٧) أمر مسألة من المسائل التي تمنع التحليل، أفتى بها المفتي، وقد قال بها بعضُ أهل العلم؛ فهي خير من التحليل، حتى لو أفتى المفتي بحلِّها بمجرد العقد من غير وَطْء لكان أعْذَرَ عند اللَّه من أصحاب التحليل، وإن اشترك كل منهما (٨) في مخالفة النص؛ فإن النصوص المانعة من التحليل المصرحة بلعن فاعله كثيرة جدًا، والصحابة والسلف مجمعون عليها، والنصوص المشترطة للدخول لا تبلغ مبلغها، وقد اختلف فيها التابعون؛ فمخالفتها أسهل من مخالفة أحاديث التحليل، والحق مُوَافقة جميع النصوص، وأن لا يترك منها شيء،

стр. 1794

وتأمل كيف كان الأمر على عهد رسول اللَّه ﷺ وعهد أبي بكر الصديق من كون الثلاث واحدة والتحليل ممنوع منه، ثم صار في بقية خلافة عمر الثلاثُ ثلاثٌ والتحليلُ ممنوعٌ منه، وعمر من أشد الصحابة فيه، وكلهم على مثل قوله فيه. [يمتنع معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر في هذه الأزمنة] ثم صار في هذه الأزمنة التحليل كثيرًا مشهورًا والثلاث ثلاثًا. وعلى هذا فيمتنع في هذه الأزمنة معاقبة الناس بما عاقبهم به عمر من وجهين: أحدهما: أن أكثرهم لا يعلم أن جَمْعَ الثلاث حرام، لا سيما وكثير من الفقهاء لا يرى تحريمه، فكيف يُعَاقَب مَنْ لم يرتكب محرمًا عند نفسه؟ الثاني: أن عقوبتهم بذلك تفتح عليهم باب التحليل الذي كان مسدودًا على عهد الصحابة، والعقوبة إذا تضمنت مَفْسَدة أكثر من الفعل المعاقب عليه كان تركها أحبَّ إلى اللَّه ورسوله، ولو فرضنا أن التحليل مما أباحته الشريعة -ومَعَاذ اللَّه- لكان المنع منه إذا وصل إلى هذا الحد الذي قد تفاحش قبحه من باب سَدِّ الذَّرَائع، وتعيَّنَ على المفتين والقُضَاة المنعُ منه جملة، وإنْ فرض أن بعض أفراده جائز؛ إذ لا يستريب أحد في أن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر الصديق وصدر من خلافة عمر أوْلى من الرجوع إلى التحليل، واللَّه الموفق (١). فصل [موجبات الأيمان والأقارير والنذور] المثال الثامن: مما تتغيّر (٢) به الفتوى لتغير العرف والعادة: موجبات الأيْمَانِ والإقرار والنذور وغيرها؛ فمن ذلك أن الحالف إذا حَلَفَ "لا ركبتُ دابة" وكان في بلدٍ عرفُهم في لفظ الدابة الحمار خاصة اختصت يمينه به، ولا يحنث بركوب الفرس ولا الجمل، وإن كان عرفُهم في لفظ الدابة الفَرَس خاصة حُملت يمينه

стр. 1795

عليها دون الحمار، وكذلك إن كان الحالف ممن عادته ركوب نوع خاص من الدواب كالأمراء ومَنْ جَرَى مَجْرَاهم حملت يمينه على ما اعتاده من ركوب الدواب؛ فيُفتى في كل بلد بحسب عُرْف أهله، ويُفتي كل أحد بحسب عادته (١)، وكذلك إذا حلف: "أكلت رأسًا" في بلدٍ عادتهم أكل رؤوس الضأن خاصة لم يحنث بأكل رؤوس الطير والسمك ونحوها، وإن كان عادتهم أكل [رؤوس] (٢) السمك حنث بأكل رؤوسها، وكذلك إذا حلف لا اشتريت كذا ولا بعته ولا حرثت هذه الأرض ولا زرعتها ونحو ذلك، وعادتُه أن لا يباشر ذلك بنفسه كالملوك حَنَث قطعًا بالإذن والتوكيل فيه، فإنه نفسُ ما حلف عليه، وإن كان عادته مباشرة ذلك بنفسه كآحاد الناس فإنْ قَصَدَ منع نفسه من المباشرة لم يحنث بالتوكيل، وإن قصد عدمَ الفعل والمنع منه جملة حنث بالتوكيل، وإن أطلق اعتبر سبب اليمين وبسَاطها (٣) وما هَيَّجَهَا، وعلى هذا إذا أقر المَلِكُ أو أغنى أهل البلد [لرجل] (٤) بمال كثير لم يُقْبَلْ تفسيرُه بالدرهم والرغيف ونحوه مما يتموَّل [به] (٥)، فإن أقَرَّ به فقير يعد عنده الدرهم والرغيف كثيرًا قبل منه، وعلى هذا إذا قيل له: جاريتك أو عبدك يرتكبان الفاحشة، فقال: ليس كذلك، بل هما حرَّان لا أعلم عليهما فاحشة؛ فالحق المقطوع به أنهما لا يُعتقان بذلك، لا في الحكم ولا فيما بينه وبين اللَّه تعالى؛ فإنه لم يرد ذلك قطعًا، واللفظ مع القرائن المذكورة ليس صريحًا في العتق ولا ظاهرًا فيه، بل ولا محتملًا له، فإخراجُ عبدِه أو أمته عن ملكه بذلك غيرُ جائزٍ (٦)، ومن ذلك ما أخبرني به بعض أصحابنا أنه قال لامرأته: إن أذنْتُ لك في الخروج إلى الحمَّام فأنت طالق، فتهيأت للخروج إلى الحمام، فقال لها: أخرجي وأبصري، فاستفتى بعض الناس، فأفتوه بأنها قد طلقت منه، فقال للمفتي: بأي شيء أوقعت عليّ الطلاق؟ قال: بقولك لها أخرجي، فقال: إني لم أقل لها ذلك إذنًا، وإنما قلته تهديدًا، أي: إنّكِ لا يمكنكِ الخروج، وهذا

стр. 1796

كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهل هذا إذْنٌ لهم أن يعملوا ما شاءوا؟ فقال: لا أدري، أنت لفظتَ بالإذنِ، فقال له: ما أردت الإذن، فلم يَفْقَه المُفْتِي هذا، وغلظ حجابه عن إدراكه، وفرَّق بينه وبين امرأته بما لم يأذن به اللَّه ورسوله (١) ولا أحد من أئمة الإسلام، وليت شعري هل يقول هذا المفتي: إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، إذْنٌ له في الكفر؟ وهؤلاء أبْعَدُ الناس عن الفَهْمِ عن اللَّه ورسوله وعن المطلقين مقاصدهم، ومِنْ هذا إذا قال العبد لسيده، وقد استعمله في عمل يَشُقُّ عليه: أعتقني من هذا العمل، فقال: أعتقتك، ولم ينو إزالة ملكه عنه، لم يعتق بذلك، وكذلك إذا قال عن امرأته: هذه أختي، ونوى أختي في الدين، لم تحرم بذلك، ولم يكن مُظَاهِرًا، والصريح لم يكن موجبًا لحكمه لذاته، وإنما أوجبه لأنا نستدل على قصد المتكلم به لمعناه؛ لجريان (٢) اللفظ على لسانه اختيارًا؛ فإذا ظهر قَصْدُه بخلاف معناه لم يجز أن يُلْزَمَ بما لم يرده، ولا التزمه، ولا خطر بباله، بل إلزامه بذلك جناية على الشرع وعلى المكلف، واللَّه رَفَعَ المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مُكْرَهًا لما لم يقصد معناها ولا نواها، فكذلك (٣) المتكلم بالطلاق والعتاق والوقف واليمين والنذر مكرهًا لا يلزمه شيء من ذلك؛ لعدم نيته وقصده، وأتى باللفظ الصريح؛ فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به، واللَّه تعالى رفع المؤاخذة عمَّن حدَّثَ نفسَه بأمر بغير تلفظٍ أو عمل، كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه، ولا إرادة، ولهذا لا يكفر مَنْ جَرَى على لسانه لفظُ الكفر سَبْقًا من غير قصد لفرح أو دهش وغير ذلك (٤)، كما في حديث الفرح الإلهِيِّ بتوبة العبد، وضرب مثل ذلك بمن فَقَدَ راحلته عليها طعامه وشرابه في الأرض المُهْلكة، فأيس منها ثم وجدها فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك "أخطأ من شدة الفرح" (٥) ولم يؤاخذ بذلك.

стр. 1797

[لا يؤاخذ الإنسان حين يخطئ من شدة الغضب] وكذلك إذا أخطأ من شدة الغضب لم يؤاخذ بذلك، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب، ولو (١) استجابه اللَّه تعالى لأهلكه وأهلك مَنْ يَدْعو عليه، ولكنه لا يستجيبه لعلمه بأن الداعي لم يقصده (٢). [حكم الطلاق حال الغضب] ومن هذا رفعه ﷺ حكم الطلاق عمن (٣) طلق في إغلاق (٤)، وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: هو الغَضَب، وبذلك (٥) فسَّره أبو داود، وهو قول القاضي إسماعيل بن إسحاق أحد أئمة المالكية ومُقَدَّم فقهاء أهل العراق منهم، وهي (٦) عنده مِنْ لَغْو اليمين أيضًا، فأدخل يمين الغضبان في لغو اليمين وفي يمين الإغلاق، وحكاه شارح "أحكام عبد الحق" عنه، وهو ابن بزيزة الأندلسي، قال: وهذا قول عليّ (٧) وابن عباس وغيرهما من الصحابة أن الأيمان المنعقدة كلها في حال الغضب لا تلزم، وفي "سنن الدارقطني" بإسناد فيه لِين من حديث ابن عباس يرفعه: "لا يمين في غَضَبٍ، ولا عتاق فيما لا يملك" (٨) وهو وإن لم يثبت رفعه

стр. 1798

فهو قول ابن عباس، وقد فسَّر الشافعي (١): "لا طلاق في إغلاق" بالغضب، وفسره به مسروق؛ فهذا مسروق والشافعي وأحمد وأبو داود والقاضي إسماعيل، كلهم فسروا الإغلاق بالغضب وهو من أحسن التفسير؛ لأن الغَضبَان قد أُغْلِقَ عليه بابُ القصد لشدة غضبه (٢)، وهو كالمُكْره، بل الغضبان أولى بالإغلاق من المُكْرَه؛ لأن المكره قد قصد رفع الشر الكثير بالشر القليل الذي هو دونه، فهو قاصد حقيقة، ومن [ها] (٣) هنا أوقع عليه الطلاقَ مَنْ أوقعه، وأما الغَضْبَان فإن انغلاق باب القصد والعلم عنه كانغلاقه عن السكران والمجنون، فإن الغضب غُول العقل يغتاله [كما يغتاله] (٤) الخمر، بل أشد، وهو شعبة من الجنون، ولا يشك فقيهُ النفسِ في أن هذا لا يقع طَلَاقُه؛ ولهذا قال حَبْر الأمة الذي دعا له رسول اللَّه ﷺ بالفقه (٥) في الدين: "إنما الطلاق عن وَطَر"، ذكره البخاري في

стр. 1799

"صحيحه" (١)، أي عن غَرَض من المطلِّقِ في وقوعه، وهذا من كمال فقهه ﵁ وإجابة اللَّه دعاء رسوله له، إذ (٢) الألفاظ إنما يترتب عليها موجباتها لقصد اللافظ بها (٣). [يمين اللغو باللَّه وبالطلاق] ولهذا لم يؤاخذنا اللَّه باللَّغْو في أيماننا، ومن اللغو ما قالته أم المؤمنين عائشة وجمهور السلف [أنه قول الحالف]: لا واللَّه، وبلى واللَّه، في عرض كلامه من غير عقد اليمين (٤)، وكذلك لا يؤاخذ اللَّه باللغو في أيمان الطلاق، كقول الحالف في عرض كلامه: عليّ الطلاق لا أفعل، والطلاق يلزمني لا أفعل، من غير قصد لعقد اليمين، بل إذا كان اسم الرب ﷻ لا ينعقد به يمين اللغو فيمينُ الطلاقِ أولى ألا ينعقد ولا يكون أعظم حرمة من الحلف باللَّه، وهذا أحد القولين من مذهب أحمد، وهو الصواب (٥)، وتخريجه على نص أحمد صحيحٌ؛ فإنه نَصَّ على اعتبار الاستثناء في يمين الطلاق أنها عنده يمين، ونص على أن اللغو أن يقول: لا واللَّه، وبلى واللَّه، من غير قصد لعقد اليمين، وقد قال النبي ﷺ : "إن اللَّه يَنْهَاكم أن تحلفوا بآبائكم" (٦) وصح عنه أنه قال: "أفْلَحَ وأبيه إن صدق" (٧) ولا تعارُض بينهما،

стр. 1800

ولم يعقد النبي ﷺ اليمين بغير اللَّه قط، وقد قال حمزة للنبي ﷺ ، هل أنتم إلا عبيد لأبي (١)، وكان نَشْوانًا (٢) من الخمر، فلم يكفّره بذلك، وكذلك الصحابي الذي قرأ: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون" (٣) وكان ذلك قبل

стр. 1801

تحريم الخمر، ولم يُعدّ بذلك كافرًا، لعدم القَصْد وجَرَيَان اللفظ على اللسان من غير إرادة لمعناه (١). [التحذير من إهمال قصد المتكلم] فإياك أن تهمل قصد المتكلم (٢) ونيته وعرفه، فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزم الحالف والمُقِرَّ والناذر والعاقد ما لم يُلْزِمْهُ اللَّه ورسولهُ به، ففقيه النفس يقول: ما أردتَ، ونصف الفقيه يقول: ما قلتَ؛ فاللغو في الأقوال نظير الخطأ والنسيان في الأفعال، وقد رفع اللَّه المؤاخذة بهذا وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فقال ربهم ﵎: قد فعلتُ (٣). فصل [اليمين بالطلاق وتعليق الطلاق على الشرط] ومن هذا الباب اليمينُ بالطلاق والعتاق، فإن إلزام الحالف بهما إذا حنث بطلاق زوجته وعِتْق عبده مما حدث الإفتاء به بعد انقراض عصر الصحابة، فلا يحفظ عن صحابي في صيغة القسم إلزام الطلاق به أبدًا.

стр. 1802

[الطلاق بصيغة الشرط] وإنما المحفوظُ إلزام الطلاقِ بصيغة الشرط والجزاء الذي قُصد به الطلاق عند وجود الشرط كما في "صحيح البخاري" عن نافع قال: طَلَّقٌ رجلٌ امرأتَه البتة إن خَرَجَت، فقال ابن عمر: إنْ خَرجَتْ فقد بانت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء (١)، فهذا لا ينازع فيه إلا مَنْ يمنع وقوع الطلاق المعلَّق بالشرط مطلقًا. [صور لوقوع الطلاق المعلَّق] وأما مَنْ يفصِلُ بين القَسَم المحض والتعليق الذي يقصد به الوقوع فإنه يقول بالآثار المروية عن الصحابة كلها في هذا الباب؛ فإنهم صح عنهم الإفتاء بالوقوع في صُوَر، وصح عنهم عدم الوقوع في صور، والصواب ما أفتوا به في النوعين، ولا يُؤخذ ببعض فتاويهم ويترك بعضها، فأما الوقوع فالمحفوظُ عنهم ما ذكره البخاري عن ابن عمر (٢) وما رواه الثوري، عن الزبير بن عَدي، عن إبراهيم، عن ابن مسعود ﵁ في رجل قال لامرأته: إن فَعَلتْ كذا وكذا فهي طالق، ففعلته، قال: هي واحدة، وهو أحق بها (٣)، على أنه منقطع، وكذلك ما ذكره البيهقي وغيره عن ابن عباس في رجل قال لامرأته: هي طالق إلى سَنَة، قال: يستمتع بها إلى سنة (٤)، ومن هذا قول أبي ذر لامرأته وقد ألحَّت عليه في سؤاله عن ليلة

стр. 1803

القدر، فقال: إن عُدْتِ سألتِني فأنتِ طالق (١). [إلحاف أبي ذر في السؤال عن ليلة القدر وغضب النبي ﷺ -] وهاهنا نكتة لطيفة يحسن التنبيه عليها، وهي أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر وألحَّ عليه، حتى قال له النبي ﷺ في آخر مسائلته: "الْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأواخر، ولا تسألني عن شيء بعد هذا" ثم حدَّث النبي ﷺ وحدَّث، قال: فاهْتَبَلْتُ غفلته فقلت: أقسمتُ عليك يا رسول اللَّه بحقّي عليك (٢) لتحدثني في أي العشر هي، قال: فغضب عليَّ غضبًا ما غضب عليَّ من قبل ولا من بعد، ثم قال: "التمسوها في السبع الأواخر، ولا تسألني عن شيء بعد" (٣)، ذكره النسائي والبيهقي.

стр. 1804

[إلحاف امرأة أبي ذر عليه وإيعاده لها بالطلاق] فأصاب أبا ذر من امرأته وإلحاحها عليه ما أوجب غضبه وقال: إن عُدْت سألتِني فأنتِ طالق. فهذه جميع الآثار المحفوظة عن الصحابة في وقوع الطلاق المعلَّق. [صور لم يقع فيها الحلف بالطلاق والعتاق] وأما الآثار عنهم في خلافه فصح عن عائشة، وابن عباس، وحَفْصَة، وأم سلمة فيمن حَلَفَتْ بأنَّ كل مملوك لها حر إن لم تفرق بين عبدها وبين امرأته، أنها تُكَفِّرُ عن يمينها [ولا تفرق بينهما] (١)، قال الأثرم في "سننه": ثنا عَارِم بن الفضل: ثنا مُعْتمر (٢) بن سليمان قال: قال [لي] (٣) أبي: ثنا بكر بن عبد اللَّه قال: أخبرني أبو رافع قال: قالت مولاتي ليلى بنت العجماء: كلُّ مملوكٍ لها حر (٤)، وكلُّ مال لها هَدْيٌ، وهي يهودية وهي نصرانية (٥) إن لم تطلق امرأتَكَ أو تفرِّق بينك وبين امرأتك، قال: فأتيتُ زينب بنت أم سلمة، وكانت إذا ذُكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذُكرت زينب، قال: فأتيتها فجاءت معي إليها فقالت: في البيت هاروت وماروت: فقالت: يا زينب، جعلني اللَّه فداك إنها قالت: إن كل مملوك لها حر (٤) وكل مال لها هدي، وهي يهودية وهي نصرانية (٥)، فقالت: يهودية ونصرانية خلِّي (٦) بين الرجل وامرأته، فأتيت حفصة أم المؤمنين فأرسلَتْ إليها فأتتها فقالت: يا أم المؤمنين جعلني اللَّه فداك إنها قالت: كلُّ مملوك لها حر (٤)، وكل مال لها هَدْي، وهي يهودية ونصرانية، فقالت: يهودية ونصرانية، خلِّي (٦) بين الرجل وامرأته، قالت: فأتيت عبد اللَّه بن عمر، فجاء معي إليها، فقام معي على

стр. 1805

الباب (١) فسلَّم، فقالت: بأبي أنت وبآبائي أبوك! (٢)، فقال: أَمِن حجارة أنت أم من حديد أنت أم (٣) أي شيء أنت؟ أفتَتْكِ زينبُ وأفتتك أم المؤمنين فلم تقبلي فتياهما، فقالت: يا أبا عبد الرحمن جعلَني اللَّه فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر، وكل مال لها هَدْي، وهي يهودية وهي نصرانية، فقال: يهودية ونصرانية كَفِّرِي عن يمينك، وخلي بين الرجل وامرأته (٤). وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في "المترجم" له: ثنا صفوان بن صالح: ثنا عمر بن عبد الواحد، عن الأوزاعي قال: حدثني حسن بن الحسن، قال: حدثني بكر بن عبد اللَّه المزني قال: حدثني رُفيع قال: كنت أنا وامرأتي مملوكين لامرأة من الأنصار، فحلفت بالهَدْي والعَتَاقة أن تفرق بيننا، فأتيت امرأة من أزواج النبي ﷺ ، فذكرت لها ذلك، فأرسلت إليها أنْ كَفِّرِي عن يمينك، فأبَتْ، ثم أتيت زينب وأم سلمة، فذكرتُ ذلك لهما، فأرسلتا إليها (٥) أن كفِّري عن يمينك، [فأبت] (٦)، فأتيت ابن عمر، [فذكرت ذلك له، فأرسل إليها ابن عمر: أنْ كَفِّرِي عن يمينك، فأبت، فقام ابن عمر] (٧) فأتاها فقال: أَرْسَلتْ إليك فلانة زوج (٨) النبي ﷺ وزينب أن تكفري عن يمينك فأبيت، قالت: يا أبا

стр. 1806

عبد الرحمن إني حلفت بالهَدْي والعَتَاقة، قال: وإن كنتِ قد حلفتِ بهما (١). وقال الدارقطني: ثنا أبو بكر النيسابوري: ثنا محمد بن يحيى: [ثنا محمد بن] (٢) عبد اللَّه الأنصاري: ثنا أشعث: ثنا بكر بن عبد اللَّه المُزَنيّ، عن أبي رافع أن مولاة له أرادت أن تفرِّق بينه وبين امرأته فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوك لها حر [وكل مال لها في سبيل اللَّه، وعليها المشي إلى بيت اللَّه] إنْ لم تفرّق بينهما، فسألت عائشة [وابن عمر] وابن عباس وحفصة وأم سلمة ﵃، فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكوني (٣) مثل هاروت وماروت؟ فأمروها أن تكفِّر عن يمينها وتخلي بينهما (٤). وقد رواه البيهقي من طريق الأنصاري: ثنا أشعث: ثنا بكر، عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرّق بينه وبين امرأته، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل اللَّه وعليها المشي إلى بيت اللَّه إن لم تفرِّق بينهما، فسألت عائشة، وابن عمر، وابن عباس، وحفصة، وأم سلمة، فكلهم قالوا لها: أتريدين أن تكوني (٣) مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلِّي بينهما (٥). رواه روح (٦) والأنصاري واللفظ له، وحديث روح مختصر، وقال النَّضر بن شُميل: ثنا أشعث، عن بكر بن عبد اللَّه، عن أبي

стр. 1807

رافع، عن ابن عمر (١) وعائشة وأم سلمة في هذه القصة قالوا: تكفِّر يمينها (٢). وقال يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان التيمي: ثنا بكر بن عبد اللَّه عن أبي رافع أن ليلى بنت العجماء مولاته قالت: هي يهودية، وهي نصرانية، وكل مملوك لها حر (٣)، وكل مال لها هَدْي إن لم يطلِّق امرأته إن لم تفرق بينهما، فذكر القصة، وقال: فأتيت ابن عمر فجاء معي فقام بالباب، فلما سلَّم قالت: بأبي أنت وأبوك، فقال (٤): أَمِن حجارة أنت أم من حديد؟ أتتك زينب وأرسلت إليك حفصة، قالت: قد حلفت بكذا وكذا، قال: كفِّري عن يمينك وخَلِّي بين الرجل وامرأته (٥). فقد تبين بسياق هذه الطرق انتفاء العلة التي أعلَّ بها حديث ليلى هذا، وهي تفرد التيمي فيه بذكر العتق، كذا قال الإمام أحمد: "لم يقل: وكل مملوك لها حر إلا التيمي" وبرئ التيمي من عُهْدَة التفرد. [قاعدة الإمام أحمد تفرض عليه الأخذ بهذا الأثر] وقاعدة الإمام أحمد أن ما أفتى به الصحابة لا يخرج عنه إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه (٦)؛ فعلى أصله الذي بَنَى مذهبه عليه يلزمه القولُ بهذا الأثر لصحته وانتفاء علته.

стр. 1808

[شبهة علّة للأثر ودفعها] فإن قيل: للحديث علة أخرى، وهي التي منعت الإمام أحمد من القول به، وقد أشار إليها في رواية الأثرم، فقال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه يقول في حديث ليلى بنت العجماء حين حلفتْ بكذا وكذا وكل مملوك لها حرٌّ، فأُفتيت بكفارة يمين، فاحتج بحديث ابن عمر وابن عباس حين أفْتَيا فيمن حلف بعتق جاريته وأَيمان فقال: أما الجارية فتُعتق. قلت: يريد [بهما] (١) ما رواه معمر، عن إسماعيل بن أمية، عن عثمان بن أبي حَاضِر، قال: حلفتِ امرأة من آل ذي أصبح فقالت: مالُهَا في سبيل اللَّه وجاريتها حرة إن لم تفعل كذا وكذا، لشيء يكرهه زوجها، فحلف زوجها أن لا تفعله، فسأل عن ذلك ابن عباس وابن عمر، فقالا (٢): أما الجارية فتعتق، وأما قولها: "مالي في سبيل اللَّه" فتتصدق بزكاة مالها (٣)، فقيل: لا رَيْبَ أنه قد روي عن ابن عمر وابن عباس ذلك، ولكنه أثر معلول تفرد به عثمان هذا، وحديث ليلى بنت العجماء أشهر إسنادًا وأصح من حديث عثمان، فإن رُوَاته حفاظ أئمة، وقد خالفوا عثمان، وأما ابنُ عباس فقد رُوي عنه خلاف ما رواه عثمان فيمن حلف بصدقة ماله، قال: يكفر يمينه (٤)، وغاية هذا الأثر إنْ صَحَّ أن يكون عن ابن عمر روايتان، ولم يُختلف على عائشة وزينب وحفصة وأم سلمة، قال أبو محمد بن حزم (٥): "وصح عن عائشة (٦) وأم سلمة أُمَّي المؤمنين وعن ابن عمر أنهم جعلوا (٧) في قول ليلى بنت العجماء: "كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية إن لم تطلق امرأتك" كَفارة يمين واحدة" (٨).

стр. 1809

فإذا صح هذا عن الصحابة ولم يعلم لهم مخالف سوى هذا الأثر المعلول أثر عثمان بن حاضر (١) في قول الحالف: عَبْده حر إن فعل، أنه يجزيه كفارة يمين، وان لم يلزموه بالعتق المحبوب إلى اللَّه تعالى فأن لا يلزموه بالطلاق البغيض إلى اللَّه أولى وأحرى، كيف وقد أفتى [أمير المؤمنين] علي بن أبي طالب [﵇] الحالفَ بالطلاق أنه لا شيء عليه (٢)، ولم يُعرف له في الصحابة مخالف؟ قال (٣) عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد بن علي التميمي المعروف بابن بزيزة في "شرحه لأحكام عبد الحق": الباب الثالث: في حكم اليمين بالطلاق أو الشك فيه وقد قدمنا في كتاب الأيمان اختلافَ العلماء في اليمين بالطلاق والعتق والمَشْي وغير ذلك، هل يلزم أم لا؟ فقال [أمير المؤمنين] (٤) علي أكرم اللَّه وجهه، (٥) وشريح وطاوس: "لا يلزم من ذلك شيء، ولا يُقضى بالطلاق على مَنْ حلف به بحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة" هذا لفظه بعينه، فهذه فتوى أصحاب رسول اللَّه ﷺ في الحلف بالعتق والطلاق، وقد قدمنا فتواهم (٦) في وقوع الطلاق المعلَّق بالشرط، ولا تعارض بين ذلك. [لم يقصد الحالف وقوع الطلاق ولهذا لم يحكم بوقوعه] فإن الحالف لم يقصد وقوع الطلاق، وإنما قصد منع نفسه بالحلف مما لا يريد وقوعه (٧)، فهو كما لو خَصَّ (٨) منع نفسه بالتزام التطليق والإعتاق والحج والصوم وصدقة المال، وكما لو قصد منع نفسه بالتزام ما يكرهه من الكفر، فإن كراهته لذلك كله وإخراجه مخْرَجَ اليمين بما لا يريد وقوعه منع من ثبوت حكمه، وهذه علة صحيحة فيجب طَرْدُها في الحلف بالعتق والطلاق إذ لا فرق البتة،

стр. 1810

والعلة متى تخصصت بدون فوات شرط أو وجود مانع دل ذلك على فسادها، كيف والمعنى الذي منع لزوم الحج والصدقة والصوم بل لزوم الإعتاق والتطليق بل لزوم اليهودية والنصرانية هو في الحلف بالطلاق أولى؟ أما العبادات المالية والبدنية فإذا منع لزومها قصد اليمين وعدم وقوعها فالطلاق أولى، وكل ما يقال في الطلاق فهو بعينه في صُوَر الإلزام سواء بسواء، وأما الحلف بالتزام التطليق والإعتاق فإذا كان قَصْدُ اليمين قد مَنعَ ثلاثة أشياء وهي: وجوب التطليق، وفعله، وحصول أثره، وهو الطلاق، فَلأن يقوى على منع واحد من الثلاثة وهو وقوع الطلاق وحده أولى وأحرى، وأما الحلف بالتزام الكفر الذي يحصل بالنية تارة وبالفعل تارة وبالقول تارة وبالشك تارة ومع هذا فقصد اليمين منع من وقوعه، فَلأَن يمنع من وقوع الطلاق أولى وأحرى، وإذا كان العتق الذي هو أحب الأشياء إلى اللَّه ويَسْرِي في ملك الغير وله من القوة وسرعة النفوذ ما ليس لغيره ويحصل بالملك والفعل قد منع قصد اليمين من وقوعه كما أفتى به الصحابة فالطلاق أولى وأحرى بعدم الوقوع، وإذا كانت اليمين بالطلاق قد دخلت في قول المكلف: "أَيْمان المسلمين تلزمني" عند من ألزمه (١) بالطلاق فدخولها في قول رب العالمين: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أولى وأحرى، وإذا دخلت في قول الحالف: "إن حلفتُ يمينًا فعبدي حر" فدخولها في قول النبي ﷺ : "مَنْ حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه ولْيَأْتِ الذي هو خير" (٢) أولى وأحرى، وإذا دخلت (٣) في قول النبي ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فقال: إن شاء اللَّه فإن شاء فَعَل وإن شاء تَرَك" (٤) فدخولها في قوله: "مَنْ حَلَفَ على يمين فرأى

стр. 1811

غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفِّر عن يمينه" (١) [أولى وأحرى] (٢) فإن الحديث أصح وأصرح، وإذا دخلت في قوله: "مَنْ حَلَف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مُسْلم لقي اللَّه وهو عليه غضبان" (٣) فدخولها في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] أولى [وأحرى] (٤) بالدخول أو مثله، وإذا دخلت في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فلو (٥) حلف بالطلاق كان مُوليًا فدخولها في نصوص الأَيْمان أولى وأحرى لأن الإيلاء نوعٌ من اليمين، فإذا دخل الحلف بالطلاق (٦) في النوع فدخوله في الجنس سابق عليه، فإن النوع مستلزم الجنس، ولا ينعكس، وإذا دخلت في قوله: "يمينُك على ما يصدِّقك به صاحبك" (٧) فكيف لا تدخل (٨) في بقية نصوص الأيمان؟ وما الذي أوجَب هذا التخصيص من غير مخصص؟ وإذا دخلت في قوله: "إيَّاكم وكثرة الحَلِف في البيع فإنه يُنفقُ ثم يمحق" (٩) فهلّا دخلت في غيره من نصوص اليمين؟ وما الفرق المؤثر

стр. 1812

شرعًا أو عقلًا أو لغة؟ وإذا دخلت في قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فهلا دخلت في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] وإذا دخلت في قول الحالف: "أيمان البيعة تلزمني" وهي الأيمان التي رتّبها الحَجّاج فلِمَ لا تكون أولى بالدخول في لفظ الأيمان في كلام اللَّه تعالى ورسوله؟ فإن كانت يمين الطلاق يمينًا شرعية بمعنى أن الشرع اعتبرها وجَبَ أن تُعطى حكم الأيمان. [يمين الطلاق باطلة لا يلزم بها شيء] وإن لم تكن يمينًا شرعية كانت باطلة في الشرع (١)، فلا (٢) يلزم الحالفَ بها شيء كما صح عن طاوس من رواية عبد الرزاق (٣)، عن معمر، عن ابن طاوس، عنه: "ليس الحلف بالطلاق شيئًا" وصح عن عكرمة من رواية سنيد بن داود [بن علي] (٤) في "تفسيره" عنه "أنها من خُطُوَات الشيطان لا يلزم بها شيء"، وصح عن شُرَيْح (٥) قاضي [أمير المؤمنين] (٦) علي وابن مسعود أنها لا يلزم بها طلاق، وهو مذهب داود بن علي وجميع أصحابه (٧)، وهو قول بعض أصحاب مالك في بعض الصور فيما (٨) إذا حلف عليها بالطلاق على شيء لا تفعله هي كقوله: إنْ كلَّمتِ فلانًا فأنت طالق، فقال: لا تطلق إن كلَّمته؛ لأن الطلاق لا يكون بيدها إنْ شاءتْ طلقت وإنْ شاءت أُمسكت (٩). [من قال: الطلاق يلزمني لا أفعل] وهو قول بعض الشافعية في بعض الصور، كقوله: الطلاق يلزمني أو لازم لي لا أفعل كذا وكذا، فإن لهم فيه ثلاثة أوجه:

стр. 1813

أحدها: أنه إن نوى وقوع الطلاق بذلك لزمه، وإلا فلا يلزمه، وجعله هؤلاء كناية، والطلاق يقع بالكناية مع النية. الوجه الثاني: أنه صريح، فلا يحتاج إلى نية (١)، وهذا اختيار الروياني، ووجهه أن هذا اللفظ قد غلب في إرادة الطلاق فلا يحتاج إلى نية. الوجه الثالث: أنه ليس بصريح ولا كناية، ولا يقع به طلاق وإن نواه، وهذا اختيار القَفَّال في "فتاويه"، ووجهه أن الطلاق لا بد فيه من إضافته إلى المرأة كقوله: أنت طالق، أو طلّقتك، أو قد طلقتك (٢)، أو يقول: امرأتي طالق، أو فلانة طالق، ونحو هذا، ولم توجد هذه الإضافة في قوله: الطلاق يلزمني، ولهذا قال ابن عباس فيمن قال لامرأته: طلِّقي نفسك، فقالت: أنت طالق، فإنه لا يقع بذلك طلاق (٣)، وقال؛ خطَّأ اللَّه نَوْأها (٤)، وتبعَهُ على ذلك الأئمة، فإذا قال: " [الطلاق] (٥) يلزمني" لم يكن لازمًا به إلا أن يضيفه إلى محله، ولم يضفه فلا يقع، والمُوقِعون يقولون: إذا التزمه فقد لزمه، ومِنْ ضرورة لزومه إضافته إلى المحل، فجاءت [الإضافة من] (٥) ضرورة اللزوم، ولمن نَصَر قولَ القَفَّال أن يقول (٦): إما أن يكون قائل هذا اللفظ قد التزم التطليق أو وقوع الطلاق الذي هو أثره، فإن كان الأول لم يلزمه لأنه نَذَر أن يُطلِّق، ولا تطلق المرأة بذلك، وإن كان قد التزم الوقوع فالتزامه بدون سبب الوقوع ممتنع، وقوله: "الطلاق يلزمني" التزامٌ لحكمه عند وقوع سببه، وهذا حق، فأين في هذا اللفظ وجود سبب الطلاق؟ وقوله: "الطلاق يلزمني" لا يصلح أن يكون سببًا، إذا (٧) لم يضفْ فيه الطلاق إلى محله بوجه، ونظيرُ هذا أن يقول له: بعني أو أجِّرني (٨)، فيقول: البيع

стр. 1814

يلزمني، أو الإجارة تلزمني، فإنه لا يكون بذلك مُوجِبًا لعقد البيع أو الإجارة، حتى يُضيفهما إلى محلهما، وكذلك لو قال: "الظهار يلزمني" لم يكن بذلك مُظاهرًا حتى يضيفه إلى محله [فهو كما لو قال: "العتق يلزمني"، ولم يضف فيه العتق إلى محله] (١)، وهذا بخلاف ما لو قال: "الصومُ يلزمني، أو الحج، أو الصدقة" فإن محله الذمة وقد أضافه إليها. فإن قيل: وهاهنا محل الطلاق والعتاق الذمة. [محل الطلاق الزوجة] قيل: هذا غلط، بل محل الطلاق والعتاق نفس الزوجة والعبد، وإنما الذمة محل وجوب ذلك وهو التطليق والإعتاق، وحينئذٍ فيعود الالتزام إلى التطليق والإعتاق، وذلك لا يوجب الوقوع، والذي يوضح هذا أنه لو قال: "أنا منك طالق" لم تطلق بذلك لإضافة الطلاق إلى غير محله، وقيل: تطلق إذا (٢) نوى طلاقَهَا هي بذلك، تنزيلًا لهذا اللفظ منزلة الكنايات (٣)، فهذا كشف سر هذه المسألة، وممن ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو القاسم بن يونس في "شرح التنبيه" (٤)، وأكثر أَيْمان الطلاق بهذه الصيغة، فكيف يحل لمن يؤمن بأنه موقوف بين يديّ اللَّه ومسئول أن يُكَفِّرَ أو يجهِّل من يفتي بهذه المسألة (٥) ويسعى في قتله وحبسه ويلبِّس على الملوك والأمراء والعامة أن المسألة مسألة إجماع، ولم يخالف فيها أحد من المسلمين، وهذه أقوال أئمة المسلمين من الصحابة [والتابعين] (٦) ومَنْ بعدهم؟ وقد علم اللَّه ورسوله وملائكته وعباده أن هذه المسألة لم تُرَدَّ بغير الشكاوى إلى

стр. 1815

الملوك، ودعوى الإجماع الكاذب، واللَّه المستعان، وهو عند كل لسان (١) قائل: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ [التوبة: ١٠٥]. فصل [لا بد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ] وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها مُرِيدًا لموجباتها، كما أنه لا بد أن يكون قاصدًا للتكلم باللفظ مريدًا له، فلا بد من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا. وإرادة موجبه ومقتضاه، بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ، فإنه المقصودُ واللفظ وسيلَةٌ، هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام (٢)، وقال مالك (٣) وأحمد (٤) فيمن قال: "أنتِ طالق البتَّة" وهو يريد أن يحلف على شيء ثم بَدَا له فترَكَ اليمينَ: لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يرد أن يطلقها، وكذلك قال أصحاب أحمد، وقال أبو حنيفة (٥): مَنْ أراد أن يقول كلامًا فسبق لسانُه فقال: "أنت حُرَّة" لم تكن بذلك حرة، وقال أصحاب أحمد (٦): لو قال الأعجمي لامرأته: أنت طالق وهو لا يفهم معنى هذه اللفظة لم تطلق؛ لأنه ليس مختارًا للطلاق، فلم يقع طلاقه كالمكره، قالوا: فلو نرى مُوجبه عند أهل العربية لم يقع أيضًا؛ لأنه لا يصح منه اختيار ما لا يعلمه، وكذلك لو نطق بكلمة الكفر مَنْ لا يعلم معناها لم

стр. 1816

يكفر، وفي "مصنف وكيع" أنَّ عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها سَمِّني فسماها الظبية (١)، فقالت: لا، فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سمّني خليّة طالق، فقال لها (٢): فأنت خلية طالق (٣)، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلَّقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصة، فأوجع عمر رأسَهَا، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوْجِعْ رأسها (٤). وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفَّظ بصريح الطلاق. [لا يلتزم المخطئ والمكره بما أخطأ فيه وكره عليه من الأَيْمان والعقود] وقد تقدم أن الذي قال لما وجد راحلته: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح (٥)، لم يكفر بذلك وإن أتى بصريح الكفر، لكونه لم يُردْه، والمكره على كلمة الكفر أتى بصريح كلمته ولم يكفر لعدم إرادته. [التزام المستهزئ والهازل] بخلاف المستهزئ والهازل، فإنه يلزمه الطلاق والكفر وإن كان هازلًا لأنه

стр. 1817

قاصد للتكلم باللفظ وهَزْله لا يكون عذرًا له، بخلاف المكره والمخطئ والناسي فإنه معذور مأمور بما يقوله أو مأذون له فيه، والهازل غير مأذون له في الهزل بكلمة الكفر والعقود؛ فهو متكلم باللفظ مريد له ولم يصرفه عن معناه إكراه ولا خطأ ولا نسيان ولا جهل، والهَزَل لم يجعله اللَّه ورسوله عذرًا صارفًا، بل صاحبه أحق بالعقوبة، ألا ترى أن اللَّه تعالى عَذَرَ المكره في تكلمه بكلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولم يعذر الهازل بل قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦] وكذلك (١) رفع المؤاخذة عن المخطئ والناسي. فصل [تعليق الطلاق بشرط مضمر] ومن ذلك أنه لو قال: "أنت طالق" وقال: أردتُ إنْ كَلَّمتِ رجلًا أو خرجت من داري، لم يقع به الطلاق في أحد الوجهين لأصحاب أحمد والشافعي، وكذلك لو قال: أردت إنْ شاء اللَّه، ففيه وجهان لهم، ونص الشافعي فيما لو قال: "إن كَلَّمَتُ زيدًا فأنت طالق" ثم قال: أردت به إلى شهر، فكلَّمه بعد شهر، لم تطلق باطنًا، ولا فرق بين هذه الصورة والصورتين اللتين قبلها، فإن التقييد بالغاية المنوية كالتقييد بالمشيئة المنوية، وهو أولى بالجواز من تخصيص العام بالنية، كما إذا قال: "نسائي طَوَالق" واستثنى بقلبه واحدة منهن، فإنه إذا صح الاستثناء بالنية في إخراج ما يتناوله (٢) اللفظ صح التقييد (٣) بالنية بطريق الأولى؛ فإن اللفظ لا دلالة له بوضعه على عموم الأحوال والأزمان، ولو دل عليها بعمومه فإخراجُ بعضها تخصيصٌ للعام، وهذا ظاهر جدًا، وغايته استعمالُ العام في الخاص أو المُطْلَق في المقيد، وذلك غير بِدْع لغة وشرعًا وعرفًا، وقد قال النبي ﷺ : "أما معاويةُ فصعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو الجهم فلا يَضَعُ عصاه عن عاتقه" (٤) فالصواب قبول مثل هذا فيما بينه وبين اللَّه وفي الحكم أيضًا.

стр. 1818

فصل [للحلف بالطلاق وبالحرام صيغتان] قد عرف أن الحلف بالطلاق له صيغتان: إحداهما: إن فَعلتِ كذا [وكذا] (١) فأنتِ طالقٌ. والثانية: الطلاق يلزمني لا أفعل كذا، وأن الخلاف في الصيغتين قديمًا وحديثًا. وهكذا الحلف بالحرام له صيغتان: إحداهما: إن فَعلتِ كذا فأنت عليّ حرام، أو ما أحلَّ اللَّه عليّ حرام. والثانية: الحرام يلزمني لا أفعل كذا. [حكم الحلف بالحرام] فمن قال في: "الطَّلاقُ يلزمني" إنه ليس بصريح ولا كناية ولا يقع به شيء، ففي قوله: "الحرام يلزمني" أولى، ومن قال: إنه كناية إنْ نَوَى به الطلاق كان طلاقًا وإلا فلا، فهكذا يقول في: "الحرام يلزمني" إن نوى به التحريم كان كما لو نوى بالطلاق التطليق، فكأنه التزم أن يُحرّم كما التزم ذلك أن يُطلِّق، فهذا التزامٌ للتحريم وذاك التزام للتطليق، وإن نوى به ما حرم اللَّه عليّ يلزمني تحريمه لم يكن يمينًا ولا تحريمًا ولا طلاقًا ولا ظِهارًا، ولا يجوز أن يُفرَّق بين المسلم وبين امرأته بغير لفظ (٢) لم يوضع للطلاق ولا نواه، وتلزمه كفارة يمين حرمة لشدة اليمين، إذ ليست كالحلف بالمخلوق التي لا تنعقد ولا هي من لغو اليمين وهي يمينٌ منعقدةٌ ففيها كفارة يمين. وبهذا أفتى ابنُ عباس ورَفَعه إلى النبي ﷺ ؛ فصح عنه بأصح إسناد: "الحرام يمين يكفرها" (٣) ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 1819

وهكذا حكم قوله: "إن فعلتِ كذا فأنت عليّ حرَّام" وهذا أولى بكفارة يمين من قوله: "أنت عليّ حرام". [مذهب الأئمة فيمن قال لامرأته: أنت حرام] وفي قوله: "أنت عليّ حرام" أو: "ما أحل اللَّه عليّ حرام" أو: "أنت عليّ حرام كالميتة والدم ولحم الخنزير" مذاهب: أحدهما: أنه لغوٌ وباطل لا يترتب عليه شيء، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء (١)، والشعبي، وداود، وجميع أهل الظاهر (٢)، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قَوْلي المالكية اختاره أصبغ بن الفرج (٣). [تحريم الزوج للمرأة ليس بشيءٍ] وفي "الصحيح" عن سعيد بن جبير أنه سمع ابن عباس يقول: إذا حرَّم امرأته فليس بشيء، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤) [الأحزاب: ٢١]، وصح عن مسروق أنه قال: ما أبالي أحرَّمتُ امرأتي أو (٥) قَصْعَة من ثريد (٦)، وصح عن الشعبي في تحريم المرأة: لهو أهونُ عليَّ من نَعْلي (٧)، وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرَّمتُ ماء النهر (٨). وقال الحجَّاج بن مِنْهَال: [نا همام بن يحيى: أنا قتادة] (٩): إن رجلًا جعل

стр. 1820

امرأته عليه حرامًا، فسأل عن ذلك حُميد بن عبد الرحمن، فقال له [حميد] (١): قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ [الشرح: ٧، ٨] وأنت رجلٌ تلعب فاذهب فالعب (٢). فصل [المذهب الثاني في مسألة تحريم المرأة] المذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه] (٣)

стр. 1821

وزيد بن ثابت (١) وابن عمر (٢) والحسن البَصْري (٣)، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٤)، وقضى فيها [أمير المؤمنين] عليٌّ بالثلاث في عَدي بن قيس (٥) الكِلَابيّ وقال له: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنَّك (٦)، وحجة هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه. [المذهب الثالث وحجته] المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صح أيضًا عن أبي هريرة، والحسن، وخِلَاس بن عمرو، وجابر بن زيد، وقتادة (٧)، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا،

стр. 1822

بل أمروه باجتنابها فقط. وصح ذلك [أيضًا] عن علي [﵇] (١)، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون أراد تحريم الثلاث، وحُجّة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعددِ الطلاق؛ فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. [المذهب الرابع وحجته] المذهب الرابع: الوقف فيها، صح ذلك عن [أمير المؤمنين] عليّ أيضًا، وهو قول الشعبي، قال: يقول رجال في "الحلال حَرَام ": إنها حَرَام حتى تنكح زوجًا غيره (٢)، وينسبونه إلى عليّ، واللَّه ما قال ذلك عليّ، إنما قال: ما أنا بمُحِلِّها ولا بمحرِّمها (٣) عليك، إنْ شئتَ فتقدم وإنْ شئت فتأخَّر (٤). وحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، وإنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه. [المذهب الخامس وحجته] المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين، وهذا قول طاوس، والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن (٥)، وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نَوَاه (٦) به كان طلاقًا، وإن لم ينوه كان يمينًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] (٧). [المذهب السادس وحجته] المذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينو شيئًا فهي كَذْبة لا شيء فيها. قاله سفيان (٨)، وحكاه النخعي (٩) عن أصحابه، وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك فيتبع نيته.

стр. 1823

[المذهب السابع وحجته] المذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينو شيئًا فهو يمين يكفّرها، وهو قول الأوزاعي (١)، وحجة هذا القول ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينًا، فإذا طلَّق ولم ينو الطلاق كان يمينًا. [المذهب الثامن والتاسع وحجته] المذهب الثامن: مثل هذا أيضًا، إلا أنه إن لم ينو شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم. المذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار، وصح ذلك عن ابن عباس أيضًا (٢)، وأبي قِلَابة (٣)، وسعيد بن جبير، ووهب بن مُنبِّه، وعثمان البتّي (٤)، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد (٥)، وحجة هذا القول أن اللَّه تعالى جعل تشبيه المرأة بأمِّه المحرمة عليه ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مُظَاهرًا فإذا صرَّح بتحريمها كان أولى بالظهار. وهذا أَقْيَسُ الأقوال وأفقهُها، ويؤيده أن اللَّه لم يجعل للمكلَّف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحريم والتحليل؛ فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى اللَّه تعالى، فإذا قال: "أنت عليَّ كظهر أمي" أو قال: "أنت عليَّ حَرَام"، فقد قال المنكَر من القول والزور، وكذَبَ، فإن اللَّه لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين، وهي كفارة الظهار.

стр. 1824

[المذهب العاشر وحجته] المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب (١)، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة (٢)، وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث (٣)، بل يصدق بأقلّه، والواحدة متيقنة؛ فحمل اللفظ عليها لأنها اليقين؛ فهو نظير التحريم بانقضاء العدّة. [المذهب الحادي عشر وحجته] المدهب الحادي عشر: أنه ينوي ما أراده (٤) من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعَدَدِه، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمين مُكَفَّرة، وهو قول الشافعي (٥)، وحجة هذا القول أن اللفظ صالح لذلك كله؛ فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجردًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين. [المذهب الثاني عشر وحجته] المذهب الثاني عشر: أنه ينوي أيضًا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهو مُولٍ (٦)، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة وهو صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة فاعتبرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب

стр. 1825

دُيِّنَ ولم يقبل في الحكم، بل يكون مُوليًا، ولا يكون مُظَاهِرًا عنده (١) نواه أو لم ينوه، ولو صرح به فقال: "أعني به الظهار" لم يكن مظاهرًا. [المذهب الثالث عشر وحجته] المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفّره ما يكفّر اليمين على كل حال، صح ذلك أيضًا عن أبي بكر الصدِّيق (٢)، وعمر بن الخطاب (٣)، وابن عباس (٤)، وعائشة (٥)،
следующие страницы →