← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وزيد بن ثابت (١) وابن عمر (٢) والحسن البَصْري (٣)، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٤)، وقضى فيها [أمير المؤمنين] عليٌّ بالثلاث في عَدي بن قيس (٥) الكِلَابيّ وقال له: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنَّك (٦)، وحجة هذا القول أنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه. [المذهب الثالث وحجته] المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صح أيضًا عن أبي هريرة، والحسن، وخِلَاس بن عمرو، وجابر بن زيد، وقتادة (٧)، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا،

стр. 1822

بل أمروه باجتنابها فقط. وصح ذلك [أيضًا] عن علي [﵇] (١)، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون أراد تحريم الثلاث، وحُجّة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعددِ الطلاق؛ فحرمت عليه بمقتضى تحريمه. [المذهب الرابع وحجته] المذهب الرابع: الوقف فيها، صح ذلك عن [أمير المؤمنين] عليّ أيضًا، وهو قول الشعبي، قال: يقول رجال في "الحلال حَرَام ": إنها حَرَام حتى تنكح زوجًا غيره (٢)، وينسبونه إلى عليّ، واللَّه ما قال ذلك عليّ، إنما قال: ما أنا بمُحِلِّها ولا بمحرِّمها (٣) عليك، إنْ شئتَ فتقدم وإنْ شئت فتأخَّر (٤). وحجة هؤلاء أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، وإنما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه. [المذهب الخامس وحجته] المذهب الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلا فهو يمين، وهذا قول طاوس، والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن (٥)، وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق، فإن نَوَاه (٦) به كان طلاقًا، وإن لم ينوه كان يمينًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] (٧). [المذهب السادس وحجته] المذهب السادس: أنه إن نوى بها الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينو شيئًا فهي كَذْبة لا شيء فيها. قاله سفيان (٨)، وحكاه النخعي (٩) عن أصحابه، وحجة هذا القول أن اللفظ يحتمل لما نواه من ذلك فيتبع نيته.

стр. 1823

[المذهب السابع وحجته] المذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينو شيئًا فهو يمين يكفّرها، وهو قول الأوزاعي (١)، وحجة هذا القول ظاهرُ قولِهِ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينًا، فإذا طلَّق ولم ينو الطلاق كان يمينًا. [المذهب الثامن والتاسع وحجته] المذهب الثامن: مثل هذا أيضًا، إلا أنه إن لم ينو شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم. المذهب التاسع: أن فيه كفارة الظهار، وصح ذلك عن ابن عباس أيضًا (٢)، وأبي قِلَابة (٣)، وسعيد بن جبير، ووهب بن مُنبِّه، وعثمان البتّي (٤)، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد (٥)، وحجة هذا القول أن اللَّه تعالى جعل تشبيه المرأة بأمِّه المحرمة عليه ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مُظَاهرًا فإذا صرَّح بتحريمها كان أولى بالظهار. وهذا أَقْيَسُ الأقوال وأفقهُها، ويؤيده أن اللَّه لم يجعل للمكلَّف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحريم والتحليل؛ فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى اللَّه تعالى، فإذا قال: "أنت عليَّ كظهر أمي" أو قال: "أنت عليَّ حَرَام"، فقد قال المنكَر من القول والزور، وكذَبَ، فإن اللَّه لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين، وهي كفارة الظهار.

стр. 1824

[المذهب العاشر وحجته] المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب (١)، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة (٢)، وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث (٣)، بل يصدق بأقلّه، والواحدة متيقنة؛ فحمل اللفظ عليها لأنها اليقين؛ فهو نظير التحريم بانقضاء العدّة. [المذهب الحادي عشر وحجته] المدهب الحادي عشر: أنه ينوي ما أراده (٤) من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعَدَدِه، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمين مُكَفَّرة، وهو قول الشافعي (٥)، وحجة هذا القول أن اللفظ صالح لذلك كله؛ فلا يتعين واحد منها إلا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجردًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين. [المذهب الثاني عشر وحجته] المذهب الثاني عشر: أنه ينوي أيضًا في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهو مُولٍ (٦)، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلا أنه إن نوى واحدة كانت بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة وهو صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة فاعتبرت دون الكبرى، وعنه رواية أخرى إن نوى الكذب

стр. 1825

دُيِّنَ ولم يقبل في الحكم، بل يكون مُوليًا، ولا يكون مُظَاهِرًا عنده (١) نواه أو لم ينوه، ولو صرح به فقال: "أعني به الظهار" لم يكن مظاهرًا. [المذهب الثالث عشر وحجته] المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفّره ما يكفّر اليمين على كل حال، صح ذلك أيضًا عن أبي بكر الصدِّيق (٢)، وعمر بن الخطاب (٣)، وابن عباس (٤)، وعائشة (٥)،

стр. 1826

وزيد بن ثابت (١)، وابن مسعود (٢)، وعبد اللَّه بن عمر (٣)، وعكرمة (٤)، وعطاء (٥)، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور (٦) وخلق سواهم، وحجة هذا القول ظاهرُ القرآنِ، فإن اللَّه تعالى ذكر فرض تحلَّة الأيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينًا، فلا يجوز جعل تحلة الأيمان لغير المذكور قبلها ويخرج المذكور عن حكم التحلّة التي قصد ذكرها لأجله. [المذهب الرابع عشر وحجته] المذهب الرابع عشر: أنه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة، صح ذلك أيضًا عن ابن عباس (٧)، وأبي بكر (٨)،. . . . .

стр. 1827

وعمر (١)، وابن مسعود (٢)، وجماعة من التابعين، وحجة هذا القول أنه لما كان يمينًا مغلظة غُلِّظت كفارتها بتحتم العتق، ووجهُ تغليظها تضمنُها تحريمَ ما أحل اللَّه وليس إلى العبد، وقولُ المنكر والزور إن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتدٍ في إقسامه، فغلظت كفارته بتحتم العتق كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين أو بإطعام ستين مسكينًا. [المذهب الخامس عشر وحجته] المذهب الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فهو ثلاث، وإن نوى أقلَّ منها، وهو إحدى الروايتين (٣) عن مالك، وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يترتَّبَ عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث. [أقوال المالكية في المسألة] وبعد: ففي مذهب مالك خمسة أقوال (٤)، هذا أحدها، وهو مشهورها. والثاني: أنه ثلاث بكل حال نوى الثلاث أو لم ينوها، اختارها عبد الملك في "مبسوطه". والثالث: (٥) أنه واحدة بائنة مطلقًا، حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك. الرابع: أنه واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. الخامس: أنه ما نواه من ذلك مطلقًا، سواء قبل الدخول وبعده (٦).

стр. 1828

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1829

وقد عرفت توجيه هذه الأقوال.

стр. 1830

فصل [تحرير مذهب الشافعي في المسألة] وأما تحرير مذهب الشافعي فإنه إنْ نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى به التحريم كان تحريمًا لا يترتب عليه إلا تقدم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقًا وكان ما نواه، وإن أطلق فلأصحابه [فيه] (١) ثلاثة أوجه (٢): أحدها: أنه صريح في إيجاب الكفارة. والثاني: لا يتعلق به شيء. والثالث: أنه في حق الأَمَة صريحٌ في التحريم الموجب للكفارة وفي حق الحرة كناية، قالوا: لأن أصل الآية إنما وردت في الأمة، قالوا: فلو قال: "أنت عليَّ حرام" وقال: "أردتُ بها الظِّهار والطلاق" فقال ابن الحداد: يقال له: عَيَّنْ أحَدَ الأمرين؛ لأن اللفظة الواحدة لا تصلح للظهار والطلاق معًا، وقيل: يلزمه ما بَدَأ به منهما، قالوا: ولو ادَّعى رجل على رجل حقًا فأنكره فقال: "الحِلُّ عليك حرام، والنية نيتي لا نيتك، مالي عليك شيء" فقال: الحل عليّ حرام والنية في ذلك نيتك مالك عندي شيء، كانت (٣) النية نية الحالِفِ لا المُحلِّف؛ لأن النية تكون ممن إليه الإيقاع. فصل [تحرير مذهب الإمام أحمد في المسألة] وأما تحرير مذهب الإمام أحمد فهو أنه ظهار بمُطْلَقِه وإن لم ينوه، إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين فيلزمه ما نواه. وعنه رواية ثانية أنه يمين بمطلقه إلا أن ينوي به الطلاق أو الظهار فيلزمه ما نواه. وعنه رواية ثالثة أنه ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينًا ولا طلاقًا، كما لو نوى الطلاق أو اليمين بقوله: "أنت عليَّ كظهر أمي" فإن

стр. 1831

اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرواية لو وصله بقوله: "أعني به الطلاق" فهل يكون طلاقًا أو ظهارًا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارًا كما لو قال: "أنت عليَّ كظهر أمي"، أعني به الطلاق أو التحريم، إذ التحريم صريح في الظهار. والثانية: أنه طلاق لأنه قد صرَّح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنه كناية فيه، فعلى هذه الرواية إن قال: "أعني به طلاقًا" طلقت واحدة، وإن قال: "أعني به الطلاق" فهل تطلق ثلاثًا أو واحدة؟ على روايتين مأخَذُهما حَمْلُ اللام على الجنس أو العموم، هذا تحرير مذهبه وتقريره (١). [مذهب ابن تيمية في المسألة] وفي المسألة مذهب آخر وَرَاء هذا كله، وهو أنه إن أوقع التحريم كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به [كان يمينًا] (٢) مُكفَّرة، وهذا اختيار شيخ الإسلام [ابن تيمية] (٣)، وعليه يدلُّ النص والقياس، فإنه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبَّه امرأته بالمحرَّمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الأيمان كما لو حلف بالتزام العتق والحج والصدقة (٤)، وهذا محض القياس والفقه، ألا ترى أنه إذا قال: "للَّه عليَّ أن أعتق، أو أحج، أو أصوم" لزمه ولو قال: "إن كلمت فلانًا فلله عليّ ذلك" على وجه اليمين فهو يمين، وكذلك لو قال: "هو يهودي، أو نصراني" كَفَر بذلك، ولو قال: "إن فعلت كذا فهو يهودي، أو نصراني" كان يمينًا، وطَرْدُ هذا -بل نظيره من كل وجه- أنه إذا قال: "أنت عليَّ كظهر أمي" كان ظهارًا، فلو قال: "إن فعلتِ كذا فأنتِ عليَّ كظهر أمي" كان يمينًا، وطَرْدُ هذا أيضًا إذا قال: "أنت طالق" كان طلاقًا، وإن قال: "إن فعلت كذا فأنت طالق" كان يمينًا، فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنة والميزان، وباللَّه التوفيق (٥).

стр. 1832

فصل [منشأ أيمان البيعة] ومن هذه الالتزامات (١) التي لم يلزم بها اللَّه ولا رسوله لمن حلف بها الأيْمَانُ التي رتبها الفَاجِر الظَّالم الحجَّاج (٢) بن يوسف، وهي أيمان البيعة. [كيف كانت البيعة على عهد رسول اللَّه ﷺ -] وكانت البيعة على عهد رسول اللَّه ﷺ بالمصافحة، وبيعة النساء بالكلام (٣)، وما مَسَّتْ يدُه الكريمة ﷺ يد امرأة لا يملكها (٤)، فيقول لمن يبايعه: بايعتك، أو أبايعك، على السمع والطاعة في العسر واليسر والمَنْشَط والمكره، كما في "الصحيحين" عن ابن عمر: "كُنَّا نبايع رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة، فيقول: فيما استطعت" (٥)، وفي "صحيح مسلم" عن جابر: "كنا يوم الحديبية ألفًا

стр. 1833

وأربع مئة، فبايعناه وعُمَرُ آخذ بيده تحت الشجرة، بايعناه على أن لا نَفَّر، ولم نبايعه على الموت" (١). [كيف كانت بيعة النبي ﷺ للناس ؟] وفي "الصحيحين" عن عُبَادة بن الصامت قال: "بايَعْنا رسول اللَّه ﷺ على السمع والطاعة في العُسْر واليُسْر والمَنْشَط والمكره، وعلى أَثَرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كُنَّا، لا نخاف (٢) في اللَّه لومة لائم" (٣). وفي "الصحيحين" أيضًا عن جُنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عُبَادة بن الصامت وهو مريض، فقلنا: حدِّثنا أصلحك اللَّه بحديثٍ ننتفع به (٤) سمعته من رسول اللَّه ﷺ ، قال: دعانا رسول اللَّه ﷺ ، فبايعناه، وكان فيما أخذ علينا أن بايعناه على السمع والطاعة في مَنْشَطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأَثَرةٍ علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تَرَوا كُفرًا بواحًا عندكم من اللَّه فيه بُرهان" (٥). وفي "الصحيحين" عن عائشة قالت: كان المؤمنات إذا هاجَرْنَ إلى رسول اللَّه ﷺ يمتحنهن بقول (٦) اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢]، إلى آخر الآية، قالت عائشة: فمن أقرَّت بهذا من المؤمنات فقد أقرَّت بالمحنة، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا أَقْررن بذلك من قولهن قال لهن رسول اللَّه ﷺ : "انطلقْنَ فقد بايعتُكنَّ"، ولا واللَّه ما مَسَّت يدُ رسول اللَّه ﷺ يدَ امرأة قط، غير أنه يبايعهنَّ بالكلام (٧).

стр. 1834

قالت عائشة: واللَّه ما أخذ رسول اللَّه ﷺ على النساء قط إلا بما أمره اللَّه، وما مسَّتْ كفُّ رسول اللَّه ﷺ كفَّ امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أَخذ عليهن: "قد بايعتكن" كلامًا (١). فهذه هي البيعة النبوية التي قال اللَّه فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠] وقال فيها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. [أيمان البيعة التي أحدثها الحجاج الثقفي] فأحدث الحجَّاجُ في الإسلام بيعة غير هذه تتضمن اليمين باللَّه تعالى والطلاق والعتاق وصدقة المال والحج، فاختلف علماء الإسلام في ذلك على عدة أقوال. [من قال أيمان البيعة تلزمني] ونحن نذكر [تحرير] (٢) هذه المسألة وكشفها، فإن كان مرادُ الحالف بقوله: "أيمان البيعة تلزمني" البيعةَ النبوية التي كان رسول اللَّه ﷺ يبايع عليها أصحابه لم يلزمه الطلاق والإعتاق ولا شيء مما رتبه الحجاج، وإن لم ينو تلك البيعة ونَوَى البيعة الحجَّاجية فلا يخلو: إما أن يذكر في لفظه طلاقًا أو عتاقًا أو حجًا أو صدقةً أو يمينًا باللَّه أو لا يذكر شيئًا من ذلك؛ فإن لم يذكر في لفظه شيئًا فلا يخلو: إما أن يكون عارفًا بمضمونها أو لا، وعلى التقديرين فإما أن ينوي مضمونها كله أو بعض ما فيها أو لا ينوي شيئًا من ذلك، فهذه تقاسيم هذه المسألة.

стр. 1835

[رأي الشافعي وأصحابه] فقال الشافعي وأصحابه: إن لم يذكر في لفظه طلاقها أو عتاقها أو حجها أو صدقتها (١) لم يلزمه شيء، نَوَاه أو لم ينوه (٢)، إلا أن ينوي طلاقها أو عتاقها فاختلف أصحابه، فقال العراقيون: يلزمه الطلاق والعتاق، فإنَّ اليمين بهما تنعقد بالكناية مع النية. وقال صاحب "التتمة" (٣): لا يلزمه ذلك وإن نواه ما لم يتلفظ به؛ لأن الصريح لم يوجد، والكناية إنما يترتب عليها الحكم فيما يتضمن الإيقاع، فأمَّا الالتزام (٤) فلا، ولهذا لم يجعل الشافعي الإقرار بالكناية مع النية إقرارًا لأنه التزام، ومن هاهنا قال مَنْ قال من الفقهاء كالقَفَّال وغيره: إذا قال: "الطلاق يلزمني لا أفعل" لم يقع به الطلاق وإن نواه؛ لأنه كناية والكناية إنما يترتب عليها الحكم في غير الالتزامات، ولهذا لا تنعقد اليمين باللَّه بالكناية مع النية. [مذهب أصحاب الإمام أحمد] وأما أصحاب أحمد [فقد قال] (٥) أبو عبد اللَّه بن بطة: كنت عند أبي القاسم الخرقي وقد سأله رجل عن أيمان البيعة، فقال: لست أفتي فيها بشيء، ولا رأيت أحدًا من شيوخنا يفتي فيها بشيء، قال: وكان أبي ﵀ -يعني أبا علي- يَهَابُ الكلام فيها، ثم قال أبو القاسم: إلا أن يلتزم الحالف بها جميع ما فيها من الأيمان، فقال له السائل: عَرَفها أم لم يعرفها؟ قال: نعم، ووَجْهُ هذا القول أنه بالتزامه لموجبها صار ناويًا له مع التلفظ، وذلك مقتضى اللزوم، ومتى وجد سبب اللزوم والوجوب ثبت موجَبُه وإن لم يعرفه، كما لو قال: إن شفى اللَّه مريضي فثلث مالي صدقة، أو أوصى (٦)

стр. 1836

به ولم يعرفه، أو قال: أنا مُقرّ بما في هذا الكتاب، وإن لم يعرفه، أو قال: ما أعطيتَ فلانًا فأنا (١) ضامن له، أو مَالَكَ عليه فأنا ضامنه، صحَّ ولزمه وإن لم يعرفه، أو قال: "ضمان عهدة هذا المبيع عليَّ" صحَّ ولزمه وإنْ لم يعرفه. وقال أكثر أصحابنا منهم صاحب "المغني" وغيره: إن لم يعرفها لم تنعقد يمشِه بشيء مما فيها؛ لأنها ليست بصريحة في القَسَم، والكناية لا يترتب عليها مقتضاها إلا بالنية، فمن لم يعرف شيئًا لم يصح أن ينويه (٢) قالوا: وإن عرفها ولم ينو عقد اليمين بما فيها لم تصح أيضًا؛ لأنها كناية فلا يلزم حكمها إلا بالنية، وإن عرفها ونوى اليمينَ بما فيها صح في الطلاق والعتاق؛ لأن اليمين بهما تنعقد بالكناية، دون غيرهما؛ لأنها لا تنعقد بالكناية. وقال طائفة من أصحابنا: تنعقد في الطلاق والعتاق وصدقة المال دون اليمين باللَّه تعالى، فإن الكفارة إنما وجَبَتْ فيها لما اشتملت عليه من حرمة الاسم المعظم (٣) الذي تعظيمه من لوازم الإيمان، وهذا لا يوجد فيما عداه من الأيمان. فصل [مذهب المالكية] وأما أصحاب مالك فليس عن مالك ولا عن [أحد من] (٤) قدماء أصحابه فيها قول؛ واختلف المتأخرون، فقال أبو بكر ابن العربي (٥): أجمع هؤلاء المتأخرون على أنه يحنث فيها بالطلاق في جميع نسائه والعتق في جميع عبيده وإن لم يكن له رقيق فعليه عتق رقبة واحدة، والمشي إلى مكة والحج ولو من أقصى المغرب والتصدق بثلث جميع أمواله وصيام شهرين متتابعين، ثم قال جُلُّ الأندلسيين: إن كل امرأة له تطلق ثلاثًا [ثلاثًا] (٦)، وقال القرويون: إنما تطلق واحدة واحدة، وألزمه بعضهم صوم سنة إذا كان معتادًا للحلف بذلك. فتأمل هذا التفاوت العظيم بين هذا القول وقول أصحاب الشافعي.

стр. 1837

فصل [الحلف بأيمان المسلمين] وهكذا اختلافهم فيما لو حلف بأيمان المسلمين أو بالأيمان اللازمة، أو قال: جميعُ الأيمان تلزمني، أو حلف بأشد ما أخذ أحد على أحد. [مذهب المالكية] قالت المالكية: إنما ألزمناه بهذه المذكورات دون غيرها من كسوة العُرْيَان (١) وإطعام الجِيَاع والاعتكاف وبناء الثغور ونحوها ملاحَظَةً لما غلب الحلف به عرفًا، فألزمناه به؛ لأنه المسمَّى العرفيّ، فيقدَّم على المسمَّى اللغويَّ، واختص حلفه بهذه المذكورات دون غيرها لأنها هي المشتهرة، ولفظ الحلف واليمين إنما يستعمل فيها دون غيرها، وليس المدرك أن عادتهم أنهم يفعلون مسمياتها، وأنهم يصومون شهرين متتابعين، أو يحجُّون، بل غلبة استعمال الألفاظ في هذه المعاني دون غيرها، قالوا: وقد صرَّح الأصحابُ بأنه من كثرت عادته بالحلف بصوم سنة لزمه صوم سنة، فجعلوا المدرك الحلف اللفظي دون العرفي النقلي، قالوا: وعلى هذا لو اتفق في وقت آخر أنه اشتهر (٢) حللهم ونَذْرهم بالاعتكاف والرِّبَاط وإطعام الجائع وكسوة العريان وبناء المساجد دون هذه الحقائق المتقدم ذكرها لكان اللازم لهذا الحالف إذا حَنِثَ الاعتكافُ وما ذكر معه، دون ما هو مذكور قبلها؛ لأن الأحكام المترتبة على القرائن تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت (٣)، كالعقود في المعاملات والعيوب في الأعواض في المبايعات ونحو ذلك، فلو تغيّرت العادة في النّقد والسّكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في المبيع عند الإطلاق على السكة والنقد المتجدد دون ما قبله، وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في العادة رُدَّ به المبيع، فإن تغيرَّت العادة بحيث لم يعد عيبًا لم يرد به المبيع (٤). قالوا: وبهذا تعتبر جميع الأحكام المترتبة (٥) على العوائد، وهذا مجمع عليه

стр. 1838

بين العلماء، لا خلاف فيه، وإن وقع الخلاف في تحقيقه: هل وجد أم لا؟ قالوا: وعلى هذا فليس في عرفنا اليوم الحلف بصوم شهرين متتابعين، فلا تكاد تجد أحدًا يحلف به، فلا تسوغ الفتيا بإلزامه (١). [يجب الأخذ بالعرف اعتبارًا وإسقاطًا] قالوا: وعلى هذا أبدًا تجيء الفتاوى في طول الأيام، فمهما تجدد في العُرْف [شيء] فاعتبره، ومهما سقط فألْغِهِ، ولا تجمد على المنقول في الكتب طولَ عمرك، بل إذا جاءك رجلٌ من غير إقليمك يستفتيك فلا تُجْرِهِ على عُرْف بلدك، وسَلْه عن عرف بلده فأجْرِهِ عليه وأفْتِهِ به، دون عرف بلدك والمذكور في كتبك، قالوا فهذا هو الحق الواضح، والجمودُ على المنقولات أبدًا ضلالٌ في الدين وجهلٌ بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين، قالوا: وعلى هذه القاعدةُ تخرَّج أيمان الطلاق والعتاق وصيغ الصرائح والكنايات، فقد يصير الصريحُ كنايةً يفتقر إلى النية، وقد تصير الكناية صريحًا تستغني عن النية، قالوا: وعلى هذه القاعدة فإذا قال: "أيمان البيعة تلزمني" خرج ما يلزمه على ذلك. وما جرتْ به العادةُ في الحلف عند الملوك المعاصرة إذا لم يكن له نيةٌ، فأي شيء جَرَتْ به عادةُ ملوك الوقت في التحليف به في بيعتهم واشتهر ذلك عند الناس بحيث صار عُرْفًا متبادرًا إلى الذهن من غير قرينة حُملت يمينه عليه، فإن لم يكن شيء من ذلك اعتبرت (٢) نيته أو بِسَاطُ يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه، انتهى (٣). [المفتي بمجرد المنقول دون اعتبار العرف ضال مضل] وهذا محض الفقه، ومَنْ أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرْفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعْظَمَ من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطبِّ على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم واللَّه المستعان.

стр. 1839

[لم يكن الحلف بالأيمان اللازمة معتادًا] ولم يكن الحلف بالأيمان اللازمة معتادًا على عهد السلف الطيّب، بل هي من الأيمان الحادثة المبتَدَعة التي أحدثها الجهلة الأول، ولهذا قال جماعة من أهل العلم: إنها من الأيمان اللاغية التي لا يلزم بها شيء البتَّة، أفتى بذلك جماعة من العلماء، ومن متأخري مَنْ أفتى بها تاجُ الدين أبو عبد اللَّه الأرموي صاحب كتاب "الحاصل" (١) قال ابن بزيزة في "شرح الأحكام": سأله عنها بعضُ أصحابنا، فكَتَبَ له بخطِّه تحت الاستفتاء: هذه يمينٌ لاغيةٌ، لا يلزم فيها شيء أَلبتة، وكتبَ محمد الأرموي، قال ابن بزيزة: وقفت على ذلك بخطه، وثبت عندي أنه خطه، ثم قال؛ وقال جماعة من العلماء: لا يلزم فيها شيء سوى كفَّارة اليمين باللَّه تعالى، [بناء على أن لفظ اليمين لا ينطلق إلا على اليمين باللَّه تعالى] (٢)، وما عداه التزامات لا أيمان. قال: والدليل عليه قوله ﷺ : "مَنْ كان حالفًا فَلْيَحْلف باللَّه أو لِيَصمُت" (٣). [مذاهب القائلين بأن فيها كفارة] والقائلون بأن فيها كفارة يمين اختلفوا: هل تتعدد فيها كفارة اليمين بناء على أقل الجمع أو ليس عليه إلا كفارة واحدة لأنها إنما خرجت مخرج اليمين الواحدة كما أفتى به أبو عُمَر بن عبد البر (٤) وأبو محمد بن حزم (٥)؟ وقد كان أبو عمر يفتي بأنه لا شيء فيها أَلبتة، حكاه عنه القاضي أبو الوليد الباجي (٦)، وعاب عليه ذلك، قال: "ومن العلماء من رأى أنه يختلف بحسب اختلاف الأحوال (٧) والمقاصد والبلاد، فمن حلف به قاصدًا للطلاق أو العتاق لزمه ما ألزمه نفسه، ومن لم يعلم مقتضى ذلك ولم يقصده ولم يقيّده العرفُ الغالب الجاري لزمه فيها كفارة ثلاثة أيمان باللَّه، بناء على أن أقل الجمع ثلاثة، وبه كان يفتي أبو بكر الطرطوشي ومَنْ بعده من شيوخنا الذين حملنا عنهم، ومن شيوخ عصرنا من كان

стр. 1840

يُفتي بها بالطلاق الثلاث بناء على أنه العرفُ المستمر الجاري الذي حصل عِلْمه والقصدُ إليه عند كل حالف بها، ثم ذكر اختلافَ المغاربة: هل يلزم فيها الطلاقُ الثلاث أم (١) الواحدة؟ ثم قال: والمعتمدُ عليه فيها الرجوعُ إلى عُرْف الناس وما هو المعلوم عندهم في هذه الأيمان، فإذا ثبت فيها عندهم شيء وقصدوه وعرفوه واشتهر بينهم وجب أن يَحْمِلوه عليه (٢)، ومع الاحتمال يرجع إلى الأصل الذي هو اليمين باللَّه؛ إذ لا يُسمّى غير ذلك يمينًا، فيلزم الحالف بها كفارة ثلاثة أيمان، قال: وعلى هذا كان يُعوِّل (٣) أهل التحقيق والإنصاف من شيوخنا. [القول بإجزاء كفارة واحدة هو رأي الصحابة] قلت: ولإجزاء الكفارة الواحدة فيها مَدْرَك آخر أفقه من هذا، وعليه تدل فتاوى الصحابة ﵃ صريحًا في حديث ليلى بنت العجماء المتقدم (٤)، وهذه الالتزامات الخارجة مخرج اليمين إنما فيها كفارة يمين بالنَّص والقياس واتفاق الصحابة كما تقدم، فموجَبُها كلها شيء واحد ولو تعدد المحلوف به، وصار هذا نظير ما لو حلف بكل سورة من القرآن على شيء واحد فعليه كفارة يمين لاتحاد المُوجب وإن تعدَّد السبب، ونظيره ما لو حلف بأسماء الرب تعالى وصفاته فكفارة واحدة، فإذا حلف بأيْمان المسلمين أو الأيمان كلها أو الأيمان اللازمة أو أيمان البيعة أو ما (٥) يحلف به المسلمون لم يكن ذلك بأعظم مما لو حَلَف بكل كتاب أنزله اللَّه أو بكل اسم (٦) من أسماء اللَّه أو صفة من صفات اللَّه، فإذا أجزأ في هذه (٧) كفارة يمين مع حرمة هذه اليمين وتأكدها فَلأن تُجزئ الكفارة في هذه الأيمان بطريق الأوْلَى والأحرى، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة الحكيمة التي لم يطرق العالمَ شريعةٌ أكملُ منها غيرُ ذلك، وكذلك أفتى به أفقهُ الأمّةِ وأعلمهم بمقاصد الرسول ودينه وهم الصحابة. [اختلاف الفقهاء بعد الصحابة] واختلف الفقهاء بعدهم، فمنهم من يُلزم الحالف بما التزمه من جميع الالتزامات كائنًا ما كان، ومنهم من لا يلزمه بشيء منها ألبتَة لأنها أَيمانٌ غير

стр. 1841

شرعية، ومنهم من يلزمه بالطلاق والعتاق ويخيّره في الباقي بين التكفير والالتزام، ومنهم من يحتِّم [عليه] (١) التكفير، ومنهم من يلزمه بالطلاق وَحْده دون ما عداه، ومنهم من يلزمه بشرط كون الصيغة شرطًا فإن كانت صيغة التزام فيمين، كقوله: "الطلاق يلزمني" لم يلزمه بذلك، ومنهم من يتوقف في ذلك ولا يفتي فيه بشيء، فالأول: قول مالك وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، والثاني: قول أهل الظاهر وجماعة من السلف، والثالث: قول أحمد بن حنبل والشافعي في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة في إحدى الروايتين عنه ومحمد بن الحسن، والرابع: قول بعض أصحاب الشافعي، ويُذكر قولًا له ورواية عن أحمد، والخامس: قول أبي ثور و [هو] (٢) إبراهيم بن خالد (٣)، والسادس: قول القَفَّال من الشافعية وبعض أصحاب أبي حنيفة ويُحكى عنه نفسِهِ، والسابع: قول جماعة من أهل الحديث. وقول أصحاب رسول اللَّه ﷺ أصَحُّ وأفقه وأقرب هذه الأقوال إلى الكتاب والسنة، وباللَّه التوفيق. فصل [أقوال العلماء في تأجيل بعض المهر وحكم المؤجل] المثال التاسع (٤): الإلزام بالصّدَاق الذي اتفق الزوجان على (٥) تأخير المطالبة به، وإن لم يُسَميا أجلًا، بل قال الزوج: مئة مقدّمة ومئة مؤخّرة، فإن المؤخَّر لا يستحق المطالبة به إلا بموتٍ أو فُرْقَةٍ، هذا هو الصحيح، وهو منصوص أحمد، فإنه قال في رواية جماعة من أصحابه: إذا تزوّجها على العاجل والآجل لا يحل الآجل إلا بموت أو فرقة، واختاره قُدَمَاء شيوخ المذهب والقاضي أبو يعلى، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وهو قول النَّخَعي والشعبي والليث بن سعد (٧)،

стр. 1842

وله فيه رسالة كتبها إلى مالك ينكر عليه خلاف هذا القول سنذكرها بإسنادها ولفظها [إن شاء اللَّه] (١)، وقال الحسن وحمَّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وسفيان الثوري [و] (٢) أبو عُبيد: يبطل الآجل لجهالة محله، ويكون حالًا (٣)، وقال إياس بن معاوية: يصح الآجل، ولا يحل الصداق إلا أن يفارقها أو يتزوج عليها أو يخرجها من بلدها، فلها حينئذ المطالبة به (٤)، وقال مكحول والأوزاعي: يحل بعد سنة من وقت الدخول (٥)، وقال الشافعي وأبو الخطَّاب: تفسد التسمية ويجب مهر المثل لجهالة العوض بجهالة أجله فترجع إلى مهر المثل (٦). وأما مذهب مالك فقال عبد الملك: كان مالك وأصحابه يكرهون أن يكون شيء من المهر مؤخَّرًا، وكان مالك يقول: إنَّما الصَّداق فيما مضى ناجزٌ كله، فإن وقع منه شيء مؤخرًا فلا أحبُّ أن يطول الأجل في ذلك، وحُكي عن ابن القاسم تأخيره إلى السنتين والأربع، وعن ابن وهب إلى السنة، وعنه إن زاد الأجل على أكثر من عشرين سنة فسخ، وعن ابن القاسم إذا جاوز الأربعين فسخ، وعنه إلى الخمسين والستين، حكى ذلك كله فضل بن سلمة عن ابن المَوَّاز (٧)، ثم قال: لأن الأجل الطويل مثل [ما] (٨) لو تزوَّجها إلى موت أو فراق، قال عبد الملك: وقد أخبرني أصبغ أنه شَهِدَ ابن وهب وابن القاسم تذاكرا الأجل في ذلك، فقال ابن وهب: أرى فيه العشر (٩) فدون فما جاوز ذلك فمفسوخٌ (١٠)، فقال له ابن

стр. 1843

القاسم: وأنا معك على هذا، فأقام ابن وهب على رأيه، ورجع ابن القاسم فقال: لا أفسخه إلى أربعين وأفسخه فيما فوق ذلك، فقال أصبغ: وبه آخذ ولا أحب ذلك نَدْبًا (١) إلى العشر ونحوها، وقد شهدتُ أشهب زوج ابنته وجعل مُؤخَّر مهرها إلى اثنتي عشرة سنة، قال عبد الملك: وما قَصُرَ من الأجل فهو أفضل، وإنْ بَعُد لم أفسخه إلا أن يُجاوز ما قال ابن القاسم، وإن كانت الأربعون في ذلك كثيرة جدًا، قال عبد الملك: وإن كان بعضُ الصَّداق مؤخَّرًا إلى غير أجل فإن مالكًا كان يفسخه قبل البناء ويمضيه بعده، وترد المرأة إلى صداق مثلها معجلًا كله (٢)، إلا أن يكون صداق مثلها أقل من المُعجَّل فلا تنقص منه أو أكثر من المعجل والمؤجل فتوفي تمام ذلك، إلا أن يرضى الناكح بأن يجعل المؤخَّرَ معجلًا كله مع النقد فيمضي النكاح ولا يفسخ لا قبل البناء ولا بعده، ولا تُردُّ المرأةُ إلى صداق مثلها، ثم أطالوا بذكر فروع تتعلق بذلك (٣). [فتاوى الصحابة في هذه المسألة] والصحيحُ ما عليه أصحاب رسول اللَّه ﷺ من صحة التسمية وعدم تمكين المرأة من المطالبة به إلا بموتٍ أو فرقةٍ، حكاه الليث إجماعًا منهم، وهو محض القياس والفقه، فإن المُطْلَقَ من العقود ينصرفُ إلى العرف والعادة عند المتعاقدين كما في النقد والسكة والصفة والوزن، والعادةُ جاريةٌ بين الأزواج بترك المطالبة بالصداق إلا بالموت أو الفراق، فجرت العادة مجرى الشرط كما تقدم ذكر الأمثلة بذلك، وأيضًا فإن عقد النكاح يخالف سائر العقود، ولهذا نافاه التوقيتُ المشترَطُ في غيره من العقود على المنافع، بل كانت جهالة مدة بقائه غير مؤثّرة في صحّته، والصداق عوضه ومقابله، فكانت جهالة مدته غير مؤثرة في صحته، فهذا محض القياس، ونظير هذا لو أجَّره كلَّ شهر بدرهم فإنه يصح وإن كانت جملة الأجرة غير معلومة تبعًا لمدة الإجارة، فقد صحَّ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه في الجنة أنه أجَّر نفسَه كل دلو بتمرة، وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر (٤)، وقد قال النبي ﷺ : "المسلمون عَلَى

стр. 1844

شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا" (١) وهذا لا يتضمن واحدًا من الأمرين، فإن ما أحلَّ الحرَّام وحرَّم الحلال لو فعلاه بدون الشرط لما جاز، وقال النبي ﷺ : "إن أحقَّ الشروط (٢) أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (٣) وأما تلك التقديرات المذكورة فيكفي في عدم اعتبارها عدمُ دليل واحد يدل عليها، ثم ليس تقدير منها بأولى من تقدير أزيد عليه أو أنقص منه، وما كان هذا سبيله فهو غير معتبر.

стр. 1845

[رسالة من الليث بن سعد إلى مالك بن أنس] وقال الحافظ أبو يوسف يعقوب بن سفيان الفَسَويُّ في كتاب "التاريخ والمعرفة" (١) له -وهو كتابٌ جَليلٌ غزيرُ العلمِ جَمُّ الفوائد-: حدثني يحيى بن عبد اللَّه بن بكير المخزومي قال: هذه رسالة الليث بن سعد إلى مالك بن أنس (٢): سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد -عافانا اللَّه وإياك، وأحسن لنا العاقبة (٣) في الدنيا والآخرة- قد بلغني كِتابُكَ تذكُر فيه من صلاح حالِكم الذي يسُرُّني، فأدام اللَّه ذلك لكم وأتمّهُ بالعَوْن على شكره والزيادة من إحسانه. وذكرتَ نظَرَك في الكتب التي بعثتُ بها إليك وإقامتَك إياها وخَتْمَكَ عليها بخاتمك، وقد أَتتْنا فجزاك اللَّه عما قدَّمتَ منها خيرًا، فإنها كُتُبٌ انتهت إلينا عنك فأحببتُ أن أبْلُغ حقيقَتَها بنظرك فيها. وذكرتَ أنه قد أنْشَطَكَ ما كتبتُ إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة (٤)، ورجوتَ أن يكونَ لها عندي موضعٌ، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون (٥) رأيك فينا جميلًا إلا لأني (٦) لم أُذَاكِرْكَ مثلَ هذا. وأنّه بلغَكَ أني أفتي بأشياء مُخالِفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يَحِقُّ عليَّ الخوفَ على نفسي لاعتماد مَنْ قِبَلي على ما أفتيتُهم به، وأن الناس تبَعٌ لأهل المدينة إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآنُ. وقد أصبتَ بالذي كتبتَ به من ذلك إن شاء اللَّه تعالى، ووقَعَ مني بالموقع الذي تحب، وما أَعُدّ (٧) أحدًا [قد] يُنْسِبُ إليه العلمَ أكْرَهَ لِشَواذِّ الفُتيا ولا أشَدَّ تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مَضَوْا، ولا آخَذَ لفُتياهم فيما اتَّفقوا عليه منِّي، والحمد للَّه رب العالمين لا شريك له.

стр. 1846

وأما ما ذكرْتَ مِنْ مُقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] (١) وسلم بالمدينة، ونزولِ القرآن [بها] (٢) عليه بين ظَهْرَي أصحابه، وما علَّمهم اللَّه منه، وأن الناس صاروا به تبَعًا لهم فيه، فكما ذكَرت. وأما ما ذكرتَ من قول اللَّه تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا (٣) الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠] فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خَرَجُوا إلى الجهاد في سبيل اللَّه ابتغاءَ مرضاة اللَّه فجنَّدُوا الأجنادَ، واجتمع إليهم الناسُ فأظهروا بين ظَهْرَانَيْهمِ كتابَ اللَّه وسنَّةَ نبيه (٤) ولم يكْتُمُوهم شيئًا عَلِموه. وكان في كلِّ جُند منهم طائفة يُعلِّمون -[للَّه] (٥) - كتاب اللَّه وسنة نبيه ويجتهدون برأيهم فيما لم يُفَسِّره لهم القرآنُ والسنةُ، ويقوِّمُهُم (٦) عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارَهم المسلمون لأنفسهم. ولم يكن أولئك الثلاثة مضيِّعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون [لأجنادهم] (٧) في الأمر اليسير لإقامة الدين والحَذَر من الاختلاف بكتاب اللَّه وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرًا فسَّرهُ القرآن أو عمل به النبيُّ ﷺ أو ائتمروا فيه بعده إلا أعْلَمُوهُمُوهُ. فإذا جاء أمرٌ عمل (٨) فيه أصحابُ رسول اللَّه ﷺ بمصرَ والشَّامِ والعراقِ على عهد أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يزالوا عليه حتى قُبِضُوا لم يأمُرُوهم بغيره، فلا نراهُ يجوزُ لأجناد المسلمين أن يُحْدِثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سَلَفُهم من أصحاب رسول اللَّه ﷺ والتابعين لهم.

стр. 1847

[حين ذهب العلماءُ وبقي فيهم من لا يُشبِه من مضى] مع أنَّ أصحابَ رسول اللَّه ﷺ قد اختلفوا بعده (١) في الفُتيا في أشياءَ كثيرةٍ، ولولا أني قد عرفتُ أنْ قد عَلِمْتَهَا لكتبتُ (٢) بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياءَ بعد أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] (٣) وسلم سعيد بن المسيب ونظراؤُه أشدَّ الاختلافِ. ثم اختلف الذين كانوا بعدهم فحضرتهم بالمدينة وغيرها ورأسُهم (٤) يومئذ ابنُ شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن. [ما أخذه الليث على ربيعة] فكان (٥) من خلاف ربيعة لبعض ما [قد] (٦) مضى ما قد عرفتَ وحضرتَ، وسمعتُ قولَكَ فيه وقولَ ذوي الرأي من أهل المدينة: يحيى بن سعيد، وعُبيد اللَّه بن عمر، وكثيرِ بن فَرْقَد وغيرِ كثيرٍ ممن هو أسَنُّ منه، حتى اضطَّرك ما كَرِهْت من ذلك إلى فراق مجلسه. وذاكَرَتُكَ أنت وعبدَ العزيز بن عبد اللَّه (٧) بعضَ ما نَعيبُ على ربيعة من ذلك، فكُنتُما من الموافقين (٨) فيما أنكرتُ، تَكْرَهان منه ما أكرهه (٩)، ومع ذلك -بحمد اللَّه- عند ربيعةَ خيرٌ كثيرٌ، وعقلٌ أصيلٌ، ولسانٌ بليغٌ، وفَضْلٌ مستَبين، وطريقةٌ حسنة في الإسلام، ومودَّة [صادقة] (١٠) لإخوانه عامةً ولنا خاصة، رحمةُ اللَّه [عليه] وغفر له وجزاه بأحسنَ من عمله. [تناقض ابن شهاب أحيانًا] وكان يكون من ابن شهاب اختلافٌ كثيرٌ إذا لَقيناه، وإذا كاتَبه بعضُنا فربما

стр. 1848

كتب إليه في الشيء الواحد -عَلَى فَضْل رأيهِ وعلمِه- بثلاثة أنواعٍ يَنْقُضُ بعضُها بعضًا، ولا يَشعُر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يَدْعُوني إلى تَرْكِ ما أنكرت تركي إياه. [لا يجوز الجمع بين الصلاتين في مطر] وقد عرفتُ مما عِبتَ (١) إنكاري إياه: أن يجمع أحدٌ من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا اللَّه لم يجمع (٢) منهم إمام قط في ليلة مَطَر، وفيهم أبو عبيدة بنُ الجرَّاح، وخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومُعَاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أَعْلَمُهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل" (٣) وقال: "يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتَوْة" (٤) وشَرحَبيل بن حَسَنة، وأبو الدَّرداء، وبلال بن رباح.

стр. 1849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1850

وكان أبو ذر بمصر والزُّبير بن العوَّام وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلِّها، وبالعراق ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمرانُ بن حُصين، ونزلها [أمير المؤمنين] (١) عليُّ بن أبي طالب [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (١) سنين، وكان معه من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] (٢) وسلم فلم (٣) يجمعوا بين المغرب والعشاء قط (٤). [القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق] ومن ذلك القضاءُ بشهادة شاهد ويمينِ صاحب الحق، وقد عرفتَ أنه لم يزل يُقْضَى بالمدينة به، ولم يقضِ به أصحابُ رسولَ اللَّه صلى اللَّه عليه [وآله] (٥) وسلم بالشام وبحمص ولا بمصر ولا بالعراق، ولم يكْتُبْ به إليهم الخلفاءُ الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم وُلِّي عمر بن عبد العزيز -وكان كما قد عَلِمتَ في إحياء السُّنن، [وقطع البدع] (٦)، والجِدِّ في إقامة الدين، والإصابة في الرأي، والعلم بما مضى من أمر الناس- فكتب إليه رُزَيق بن الحكيم (٧): إنكَ كنتَ تقضي بالمدينة بشهادةِ الشَّاهد الواحد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه

стр. 1851

عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهلَ الشام على غير ذلك؛ فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجلٍ وامرأتين. ولم يَجمع بين العشاء والمغرب قَطُّ ليلة المطرِ، والسماء (١) يَسْكبُ عليه في منزله الذي كان فيه بخُنَاصِرَ (٢) ساكنًا (٣). [مؤخر الصّداق] ومن ذلك أنَّ أهلَ المدينة يقضون في صَدُقَاتِ النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخَّر صداقها تكلَّمَتْ فدُفع إليها، وقد وافق أهلُ العراق أهلَ المدينة على ذلك وأهلُ الشام وأهلُ مصر، ولم يقضِ أحدٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا مَنْ بعدهم لامرأةٍ بصدَاقها المؤخَّرِ إلا أن يفرِّق بينهما موتٌ أو طلاقٌ فتقوم على حقِّها. [القول في الإيلاء] ومن ذلك قولهم في الإيلاء: إنه لا يكون عليه طلاقٌ حتى يُوقَفَ وإنْ مرَّت الأربعةُ الأشهُرُ، وقد حدثني نافع عن عبد اللَّه بن عمر -وهو الذي كان يُرْوَى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر- أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر اللَّه في كتابه: لا يحِلُّ للمُولي إذا بَلَغ الأجلَ إلا أن يفيء كما أمر اللَّهُ أو يَعزِمَ الطَّلاقَ (٤)، وأنتم تقولون: إنْ لَبِث بعد الأربعة الأشهر التي سمَّى اللَّه في كتابه ولم يُوقَف لم يكن

стр. 1852

عليه طلاقٌ، وقد بلغنا عن (١) عثمان بن عفَّان، وزيد بن ثابت، وقَبِيصَةَ بنِ ذؤيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوت [أنهم] قالوا في الإيلاء: إذا مَضَتْ الأربعةُ الأشهر فهي تطليقةٌ بائنة (٢)، وقال سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن [بن الحارث] (٣) بن هشام، وابن شهاب: إذا مَضَتْ الأربعةُ أشهر (٤) فهي تطليقة، ولهُ الرَّجعةُ في العِدَّة. [حكم المرأة التي تملك ثم تختار زوجها] ومن ذلك أنَّ زيد بن ثابت كان يقول: إذا مَلَّكَ الرجلُ امرأتَه [أمرَها] (٥) فاختارت زوجَهَا فهي تطليقةٌ، وإن طلَّقَتْ نفسها ثلاثًا فهي تطليقة (٦)، وقضى بذلك

стр. 1853

عبد الملك بن مروان، وكان ربيعةُ بن [أبي] (١) عبد الرحمن يقولُه. وقد كان الناسُ يجتمعون على أنها إن اختارَتْ زوجَهَا لم يكن فيه طلاقٌ، وإن اختارَتْ نفسَها واحدةً أو اثنتين كانتْ له عليها رجعة (٢)، وإن طلَّقتْ نفسَها ثلاثًا بانتْ منه، ولم تحِلَّ له حتى تنكح زوجًا غيره، فيدخُل بها ثم يموتُ أو يطلِّقها، إلا أن يَرُدَّ عليها في مجلسه فيقول: إنما ملَّكتُكِ واحدة، فيُستَحْلَفُ ويُخَلَّى بينه وبين امرأته. [الحرُّ يشتري أمته والحرّة تتزوّج عبدها] ومن ذلك أن عبد اللَّه بن مسعود كان يقول: أنَّما رجل تزوَّج أمةً ثم اشتراها زوجُها فاشتراؤها إياها ثلاث تطليقات (٣)، وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوَّجَتْ المرأةُ الحرةُ عبدًا فاشتَرَتْه فمثل ذلك. [ما أخذه الليث على مالك] وقد بُلِّغْنَا عنكم شيئًا من الفتيا مُستكرهًا (٤)، وقد كنتُ كتبتُ إليك في بعضها (٥) فلم تجبني في كتابي، فتَخوَّفْتُ أن تكون استَثْقَلتَ ذلك، فتركتُ الكتاب

стр. 1854

إليك في شيء مما أنكرتُ (١) وفيما أوردتُ فيه على رأيك (٢). [تقديم الصلاة قبل الخطبة في الاستسقاء] وذلك أنه بلغني أنك أمرتَ زُفَرَ بن عاصم الهِلَاليُ (٣) -حين أراد أن يستسقي- أن يُقَدِّم الصَّلاةَ قبل الخطبة، فأعظمتُ ذلك؛ لأنَّ الخُطبة والاستسقاءَ كهيئة يوم الجُمعة إلا أن الإمام إذا دنا فَرَاغُه (٤) من الخُطبة [حوّل وجهه إلى القبلة] فدَعَا وحَوَّلَ رداءه ثم نزل فصلى، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرُهما، فكلّهم يقدِّمُ الخطبةَ والدعاء قبل الصلاة. فاسْتَهتَر الناسُ [كلهم] (٥) فعلَ زُفَر بن عاصم من ذلك واستَنْكَروه. [لا تجب الزكاة على الخليطين حتى يملكَ كلٌّ منهما النصاب] ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: إنه لا تجبُ عليهما الصدقة، حتى يكون لكل واحدٍ منهما ما تجب فيه الصَّدقةُ، وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادَّان بالسَّوِيَّة (٦)، وقد كان ذلك يُعمَل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قِبلَكَم وغيرِه، والذي حدثنا به يحيى بن سعيد ولم يَكُن بدون أفاضل العلماء في زمانه، فرحمه اللَّه وغفر له وجعل الجنةَ مصيرَه. [من أحكام المفلس] ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذأ أفلس الرجلُ وقد باعه رجلٌ سلعةً، فتقاضى طائفةً من ثمنها أو أنفقَ المشتري طائفةً منها أنه يأخذُ ما وَجَدَ من متاعه، وكان الناس على أنَّ البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا أو أنفق المشتري منها شيئًا فليستْ بعينها.

стр. 1855

[ماذا أعطى النبيّ ﷺ من أسهم للزبير] ومن ذلك أنك تذكر أن النبي ﷺ لم يُعْطِ الزبيرَ بن العوام إلا لفرَس واحد، والناس كلهم يحدِّثون أنه أعطاه أربعةَ أسْهُمٍ بفرسين (١) ومنعه الفَرَسَ الثالثَ (٢)، والأمةُ كلُّهم على هذا الحديث: أهلُ الشام، وأهلُ مصر، وأهلُ العراق، وأهلُ إفريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي لك -وإنْ كنتَ سمعتَه من رجلٍ مرضي- أن تخالف الأمة أجمعين. وقد تركتُ أشياءَ كثيرة من أشباه هذا. [إجلال الليث لمالك وختام رسالته] وأنا أحبُّ توفيق اللَّه إيَّاكَ وطُولَ بقائِك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضَّيْعَة إذا ذهب مِثْلُك مع استئناسِي بمكانك، وإن نأتْ الدَّارُ. فهذه منزلتُك عندي، ورأيي فيك فاستَيْقِنْهُ، ولا تَتْرُك الكتابَ إليَّ بخبرك، وحالك، وحالِ وَلَدِك وأهلك، وحاجةٍ إنْ كانت لك أو لأحدٍ يُوصَلُ بك، فإنِّي أُسَرُّ بذلك، كتبتُ إليك ونحن صَالحون مُعَافَوْنَ والحمد للَّه، نسأل اللَّه أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا (٣) وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليك ورحمة اللَّه (٤).

стр. 1856

[عود إلى القول في تأجيل بعض المهر] فإن قيل: فما تقولون فيما لو تجمَّلوا وجعلوه حالًا، وقد اتفقوا [في الباطن] (١) على تأخيره كصدقات النساء في هذه الأزمنة في الغالب: هل للمرأة أن تطالب به قبل الفرقة أو الموت؟ [مهر السر ومهر العلن] قيل: هذا ينبني على أصل، وهو إذا اتفقا في السر على مهر وسموا في العلانية أكثر منه، هل يؤخذ بالسر أو بالعلانية؟ فهذه المسألة مما اضطربت فيها أقوال المتأخرين؛ لعدم إحاطتهم بمقاصد الأئمة، ولا بد من كشف غطائها، ولها في الأصل صورتان: إحداهما: أن يعقدوه في العلانية بألفَيْن مثلًا، وقد اتفقوا قبل ذلك أن المهر ألف وأن الزيادة سمعة، من غير أن يعقدوه [في العلانية] (٢) بالأقل؛ فالذي عليه القاضي ومَنْ بعده من أصحاب أحمد أن المهر هو المسمّى في العقد، ولا اعتبار بما اتفقوا عليه قبل ذلك، هان قامت به البينة أو تصادقوا عليه، وسواء كان مهر العلانية من جنس مهر السر أو من جنس غيره أو أقل منه أو أكثر، قالوا: وهو ظاهرُ كلام أحمد في مواضع، قال في رواية ابن بدينا في الرجل (٣) يصدق صداقًا

стр. 1857

في السر والعلانية (١) شيئًا آخر: يؤخذ بالعلانية، وقال في رواية أبي الحارث: إذا تزوجها في العلانية على شيء وأسَرَّ غير ذلك أخذنا بالعلانية وإن كان قد أشهد في السر بغير ذلك، وقال في رواية الأثرم في رجل أصدق صداقًا سرًا وصداقًا علانية: يؤخذ بالعلانية إذا كان قد أقر به، قيل له: فقد أشهد شهودًا في السر بغيره؟ قال: وإنْ، أليس قد أقر بهذا (٢) أيضًا عند شهود؟ يؤخذ بالعلانية (٣). قال شيخنا (٤): "ومعنى قوله: "أقرَّ به" أي رضي به والتزمه؛ لقوله سبحانه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] وهذا يعم التسمية في العقد والاعتراف بعده، ويقال: أقر بالجزية، وأقر للسلطان بالطاعة، وهذا كثير في كلامهم، وقال في رواية صالح في الرجل يعلن مهرًا ويخفي آخر: آخذ بما يعلن؛ لأن العلانية قد أشهد (٥) على نفسه، وينبغي لهم أن يفوا له بما كان أسَرَّه (٦)، وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوج امرأة في السر بمهر وأعلنوا مهرًا آخر ينبغي لهم أن يَفُوا، وأما هو فيؤاخذ (٧) بالعلانية (٨)، قال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية، [وإنما قال: ينبغي لهم أن (٩)] يَفُوا بما أسروا (١٠)، على طريق الاختيار؛ لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك، وهذا القول هو قول الشعبي (١١)، وأبي قِلابة (١٢) وابن أبي ليلى (١٣)،. . . . . . .

стр. 1858

وابن شبرمة (١)، والأوزاعي (٢)، وهو قول الشافعي (٣) المشهور عنه، وقد نص في موضع آخر [على] أنه يؤاخذ (٤) بمهر السر، فقيل: في هذه المسألة قولان، وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي [إن شاء اللَّه تعالى]، وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إذا عَلم الشهودُ أن المهر الذي يظهره سمعة وأن أصل المهر كذا وكذا ثم تزوج وأعلن الذي قال فالمهر هو السر، والسمعة باطلة، وهذا هو قول الزهري (٥) والحكم بن عُتيبة (٦) ومالك (٧)، والثوري (٨)، والليث، وأبي حنيفة وأصحابه (٩)، وإسحاق، وعن شُريح (١٠)، والحسن (١١) كالقولين، وذكر القاضي [في موضع] عن أبي حنيفة أنه يبطل المهر ويجب مهر المثل، وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم (١٢)، وقد نُقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تَلْجئة، فقال: إذا كان الرجل (١٣) قد أظهر صداقًا وأسرّ غير ذلك نظر في البينات والشهود، وكان الظاهر أوْكَدَ، إلا أن تقوم بيْنةٌ تدفع العلانية، قال القاضي: وقد تأول أبو حفص العكبري هذا على أن بينة السر عدول وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول، قال القاضي: وظاهر هذا أنه يحكم بمهر السر إذا لم تقم بينة عادلة بمهر العلانية (١٤).

стр. 1859

وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في العلانية للرِّياء (١) والسمعة فينبغي لهم أن يَفُوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه بالظاهر؛ لقول النبي ﷺ : "المؤمنون على شروطهم" (٢) قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسرِّ حكمًا، قال: "والمذهب على ما ذكرناه". قال شيخنا (٣): "كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البيّنة بأن النكاح عقد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا أن ما يظهرون من الزيادة (٤) على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة". قال شيخنا (٥): "وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام الإمام أحمد وأصوله؛ فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة ولم يثبت بينة ولا اعتراف أن مهر العلانية سُمعة، بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر وادَّعى عليه ذلك فإنه يجب أن يؤخذ بما أقر به [لسانُه] إنشاءً أو إخبارًا؛ فإذا أقام شهودًا يشهدون أنهم تراضَوْا بدون ذلك [حكم بـ] البينة (٦) الأولى؛ لأن (٧) التراضي بالأقل في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت آخر، ألا ترى أنه قال: آخذ بالعلانية لأنه قد (٨) أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا بما كان

стр. 1860

أسَرَّهُ؛ فقوله: "لأنه قد أشهد على نفسه" دليل على أنه إنما يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما يجب [فيما] بينه وبين اللَّه لا يُعَلَّلُ بالإشهاد، وكذلك قوله: "ينبغي لهم أن يَفُوا له، وأما هو فيؤاخذ (١) بالعلانية" دليلٌ على أنه يُحكم عليه به وأن أولئك يجب عليهم الوفاء، وقوله: "ينبغي" يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب (٢)، ويدل على ذلك أنه قد قال أيضًا في امرأة تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمس مئة فاختلفوا في ذلك: فإنْ كانت البينة في السر والعلانية سواء أخذ بالعلانية لأنه أحوط وهو فرج يؤاخذ (٣) بالأكثر، وقيدت المسألة بأنهم اختلفوا وأن كليهما قامت به بينة عادلة. وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية، وهو ما إذا تزوجها في السر بألف، ثم تزوجها في العلانية بالفين مع بقاء النكاح الأول، فهنا قال القاضي في "المجرد" و"الجامع": إن تصادقا على نكاح السر لزم نكاح السر بمهر السر؛ لأن النكاح المتقدم قد صح [ولزم، والنكاح] (٤) المتأخر عنه لا يتعلق به حكم، ويحمل (٥) مطلق كلام أحمد والخرقي (٦) على مثل هذه الصورة، وهذا مذهب الشافعي (٧)، وقال الخرقي: (إذا تزوجها على صداقين سر وعلانية أخذ بالعلانية وإن كان السر قد انعقد النكاح به) (٨)، وهذا منصوص كلام أحمد في قوله: [إن] (٩) تزوجت (١٠) في العلانية على ألف وفي السر على خمس مئة، وعموم كلامه المتقدم يشمل هذه الصورة والتي قبلها، وهذا هو الذي ذكره القاضي في "خلافه"، وعليه أكثر الأصحاب، ثم طريقته وطريقة جماعة في ذلك أن [يجعلوا] (١١) ما أظهراه زيادة في المهر، والزيادة فيه بعد لزومه لازمة، وعلى هذا فلو كان السر هو الأكثر أخذ به أيضًا، وهو معنى قول الإمام أحمد: "آخذ
следующие страницы →