← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى هجر المسجد الذي يليه وإيحاش صدر الإمام، فإن كان الإمام لا يتم الصلاة أو يُرمى ببدعة [أو يُعلن بفجور] فلا بأس بتخطيه إلى غيره (١). الوجه الخامس والخمسون: أنه نهى الرجل بعد الأذان أن يخرج من المسجد حتى يصلي لئلا يكون خروجه ذريعة إلى اشتغاله عن الصلاة جماعةً، كما قال عمار لرجل رآه قد خرج بعد الأذان: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم" (٢). الوجه السادس والخمسون: أنه نهى عن الاحتباء يوم الجمعة (٣) كما رواه أحمد في "مسنده" من حديث سهل بن معاذ عن أبيه: "نهى رسول اللَّه ﷺ عن الاحتباء يوم الجمعة (٤) "،. . . . . .

стр. 1962

وما ذاك إلا [أنه] ذريعة إلى النوم (١). الوجه السابع والخمسون: أنه نهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا (٢)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتَشَوُّفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها؛ فأمرها أن تخرج تَفِلةً (٣)،

стр. 1963

وأن لا تتطيب، وأن تقف خلف الرجال (١)، وأن لا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفّق ببطن كفها على ظهر الأخرى (٢)، كل ذلك سدًا للذريعة وحماية عن المفسدة (٣). الوجه الثامن والخمسون: أنه نهى أن تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظرُ إليها (٤)، ولا يخفى أنَّ ذلك [سدٌ للذريعة وحماية عن مفسدة] (٥) وقوعها في قلبه ومَيْله إليها بحضور صورتها في نفسه، وكم ممن أحَبَّ غيره بالوصف قبل الرؤية. الوجه التاسع والخمسون: أنه نهى عن الجلوس بالطرقات، وما ذاك إلا لأنه ذريعة إلى النظر [إلى] (٦) المحرم، فلما أخبروه أنه لا بد لهم من ذلك، قال: أعْطُوا الطريقَ حقّه، قالوا: وما حقّه؟ قال: غضُّ البَصَر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام (٧).

стр. 1964

الوجه الستون: أنه نهى أن يبيت الرجلُ عند امرأة إلا أن يكون ناكحًا أو ذا [رَحِمٍ] مَحْرَم (١)، وما ذاك إلا لأن المبيت عند الأجنبية ذريعة إلى المحرَّم. الوجه الحادي والستون: أنه نهى أن تُبَاع السَّلعُ حيث تباع حتى تنقل عن مكانها (٢)، وما ذاك إلا أنه ذريعة إلى جَحْد البائع البيعَ وعدم إتمامه إذا رأى المشتري قد ربح فيها، فيغرُّه (٣) الطمع، وتشح نفسه بالتسليم كما هو الواقع. وأكد هذا المعنى بالنهي عن ربح ما لم يُضْمَن (٤)، وهذا من محاسن الشريعة وألطف باب لسدِّ الذرائع (٥).

стр. 1965

الوجه الثاني والستون: أنه نهى عن بَيْعتين في بيعة (١)، وهو الشرطان في البيع في الحديث الآخر، وهو الذي لعاقده أوْكَسُ (٢) البيعتين أو الربا في الحديث الثالث، وذلك سدًا لذريعة الرِّبا؛ فإنه إذا باعه السلعة بمئتين مؤجّلة ثم اشتراها منه بمئة حالَّة (٣) فقد باع بيعتين في بيعة، فإنْ أَخَذَ بالثمن الزائد أخذ بالربا (٤)، وإن أخذ بالناقص أخذ بأوكسهما، وهذا من أعظم الذرائع إلى الربا، وأبعد (٥) كلَّ البُعد من حمل الحديث على البيع بمئة مؤجلة أو خمسين حالَّة (٦)، وليس هنا (٧) ربا ولا جهالة ولا غَرَر ولا قِمار ولا شيء من المفاسد؛ فإنه خَيَّره بين أي الثمنين شاء، وليس هذا بأبعدَ من تخييره بعد البيع بين الأخذ والإمضاء ثلاثة أيام (٨)،

стр. 1966

وأيضًا فإنه فرق بين عقدين كل منهما ذريعة ظاهرة جدًا إلى الربا -وهما السلف والبيع، والشرطان في البيع (١) - وهذان (٢) العقدان بينهما من النَّسَب والإخاء والتوسل بهما إلى أكل الربا ما يقتضي الجمع بينهما في التحريم، فصلوات اللَّه وسلامه على مَنْ كلامه الشفاء والعصمة والهدى والنور (٣). الوجه الثالث والستون: أنه أمر أن يُفرَّق بين الأولاد في المَضَاجَع، وأن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فِرَاشٍ واحد (٤)؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نَسْج الشيطان بينهما المُواصَلَة المُحرَّمة بواسطة (٥) اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول، والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضًا من ألطف سد الذرائع (٦). الوجه الرابع والستون: أنه نهى أن يقول الرجل: خَبُثَتْ نَفْسي، ولكن ليقُلْ: لَقِسَتْ نفسي (٧)، سدًا لذريعة اعتياد اللسان للكلام الفاحش، وسدًا لذريعة اتصاف

стр. 1967

النفس بمعنى هذا اللفظ؛ فإن الألفاظ تتقاضى معانيها وتطلبها بالمشاكلة والمناسبة التي بين اللفظ والمعنى، ولهذا قل من تجده يعتاد لفظًا إلا ومعناه غالبٌ عليه، فسدّ رسولُ اللَّه ﷺ ذريعة الخبث لفظًا ومعنى وهذا أيضًا من ألطف الباب (١). الوجه الخامس والستون: أنه نهى أن يقول الرجل لغلامه وجاريته: عبدي، وأمَتِي، ولكن يقول: فَتَاي، وفتاتي (٢)، ونهى أن يقول لغلامه: وَضِّيء ربك، أطعم ربك (٣)، سدًا لذريعة الشرك في اللفظ والمعنى، وإن كان الربُّ هاهنا هو المالك كرب الدار ورب الإبل؛ فعدل عن لفظ العبد والأمة إلى لفظ الفَتَى والفَتَاة، ومنع من إطلاق لفظ الرب على السيد، حماية لجانب التوحيد (٤) وسدًا لذريعة الشرك (٥). الوجه السادس والستون: أنه نهى المرأة أن تسافر بغير مَحْرَم (٦)، وما ذلك إلا لأن سَفَرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطَّمعِ فيها والفجورِ بها (٧). الوجه السابع والستون: أنه نهى عن تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم فيما يُحدِّثون به (٨)؛ لأن تصديقهم قد يكون ذريعة إلى التصديق بالباطل وتكذيبهم قد

стр. 1968

يكون ذريعة إلى التكذيب بالحق، كما عَلَّل به في نفس الحديث (١). الوجه الثامن والستون: أنه نهى أن يُسمِّي [عبده] بأفْلَح ونَافع وَرَبَاح وَيسَار (٢)؛ لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى ما يكره من الطيرة بأن يقال: ليس هاهنا يسار، ولا رباح، ولا أفلح، وإن كان إنما قصد اسمَ الغلام، ولكن سدًا لذريعة (٣) اللفظ المكروه الذي يستوحشُ منه السامعُ. الوجه التاسع والستون: [أنه نهى] الرِّجال عن الدخول على النِّساء (٤) لأنه ذريعة ظاهرة. الوجه السبعون: أنه نهى أن يسمى باسم بَرَّة (٥)؛ لأنه ذريعة إلى تزكية النفس بهذا الاسم، وإن كان إنما قصد العَلَميَّة (٦).

стр. 1969

الوجه الحادي والسبعون: أنه نهى عن التداوي بالخَمْر (١) وإن كانت مصلحة التداوي راجحة على مفسدة ملابستها، سدًا لذريعة قربانها واقتنائها ومحبة النفوس لها، فحَسَمَ عليها المادة حتى في تناولها على وجه التداوي (٢) وهذا من أبلغ سد الذرائع (٣). الوجه الثاني والسبعون: أنه نهى أن يتناجى اثنان دون الثالث (٤)؛ لأن ذلك ذريعة إلى حزنه وكسر قلبه وظنِّه السُّوء (٥). الوجه الثالث والسبعون: [أن اللَّه] (٦) حرَّم نكاح الأمة على القادر على نكاح الحرة إذا لم يخش العَنَت؛ لأن ذلك ذريعة إلى إرقاق ولده، حتى لو كانت الأمة من الآيسات من الحَبَل والولادة لم تحلُّ له سدًا للذريعة، ولهذا (٧) منع الإمام أحمد الأسير والتاجر أن يتزوج (٨) في دار الحرب خشية تعرض (٩) ولده للرق، وعللَّه [هو] بعلة أخرى، وهي أنه قد لا يمكنه منع العدو من مشاركته في زوجته (١٠). الوجه الرابع والسبعون: أنه نهى أن يوردَ ممرضٌ على مُصِحّ (١١)؛ لأن ذلك

стр. 1970

قد يكون ذريعة إما إلى إعْدَائِه وإما إلى تأذِّيه بالتوهم والخوف، وذلك سببٌ إلى إصابةِ المكروه له (١). الوجه الخامس والسبعون: أنه نهى [أصحابه] (٢) عن دخول ديار ثمود [إلا أن يكونوا] (٣) باكين خشية أن يصيبهم [مثل] (٣) ما أصابهم (٤)، فجعل الدخول من غير بكاء ذريعة إلى إصابة المكروه (٥). الوجه السادس والسبعون: أنه نهى الرجل أن ينظر إلى من فُضِّلَ عليه في المال واللباس (٦)، فإنه ذريعة إلى ازدرائِه نعمةَ اللَّه عليه واحتقارِه لها، وذلك سببُ الهَلاكِ (٧). الوجه السابع والسبعون: أنه نهى عن إنزاء الحُمُرِ (٨) على الخيل (٩)؛ لأن

стр. 1971

ذلك (١) ذريعة إلى قَطْع نَسْل الخيل أو تقليلها، ومن هذا نهيهُ عن أكل لحومها إنْ صح الحديث فيه (٢)، إنما كان لأنه ذريعة إلى تقليلها، كما نهاهم في بعض

стр. 1972

الغزوات عن نحر ظهورهم (١) لما كان ذريعة إلى لحوق الضرر بهم بفَقْد الظّهر (٢). الوجه الثامن والسبعون: أنه نهى مَنْ رأى رؤيا يكرهها أن يتحدث بها (٣)؛ فإنه ذريعة إلى انتقالها من مَرْتَبة (٤) الوجود اللفظي إلى [مرتبة الوجود] (٥) الخارجي كما انتقلت من الوجود الذهني إلى اللفظي، وهكذا عامة الأمور تكون في الذهن أولًا ثم تنتقل إلى الذِّكر ثم تنتقل إلى الحس، وهذا من ألطف سد الذرائع

стр. 1973

وأنفعها، ومن تأمل عامة الشر رآه متنقلًا في درجات الظهور طَبَقًا بعد طَبَق من الذهن إلى اللفظ إلى الخارج (١). الوجه التاسع والسبعون: أنه سُئِل عن الخمر تتخذ خلًّا، فقال: لا (٢)، مع إنه في خَلِّ الخمر الذي حَصَل بغير التخليل، وما ذاك إلا سدًا لذريعة إمساكها بكل طريق، إذ لو أذن في تخليلها لحبسها أصحابها لذلك وكان ذريعة إلى المحذور (٣). الوجه الثمانون: أنه نهى أن يتعاطى السيفَ مسلولًا (٤)، وما ذاك إلا لأنه (٥)

стр. 1974

ذريعة إلى الإصابة بمكروه، ولعل الشيطان يُعينهُ وينزع في يده فيقع المحذور أو يُقَرّب منه (١). الوجه الحادي والثمانون: أنه أمر المارَّ في المسجد بنبال أن يُمسك على نَصْالها (٢) بيده (٣) لئلا يكون ذريعة إلى تأذّي رجل مسلم بالنِّصال (٤). الوجه الثاني والثمانون: أنه حَرَّم الشِّياع (٥)، وهو المفاخرة بالجماع؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتَّشبه، وقد لا يكون عند الرجل مَنْ يغنيه من الحلال فيتخطَّى إلى الحرام، ومن هذا كان المُجاهِرُون خارجين من عافية اللَّه، وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي؛ فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما لا يعمله إلا اللَّه (٦).

стр. 1975

الوجه الثالث والثمانون: أنه نهى عن البَوْل في الماء الدائم (١)، وما ذاك إلا لأن (٢) تواتر البول فيه ذريعة إلى تنجيسه، وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير وبول الواحد والعدد، وهذا أولى من تفسيره (٣) بما دون القلتين أو بما يمكن نزحه؛ فإن الشارع الحكيم لا يأذن للناس أن يبولوا في المياه الدائمة إذا جاوزت القلتين أو لم يمكن نزحها، فإن في ذلك من إفساد مياه الناس ومواردهم ما لا تأتي به شريعة، فحكمة شريعته (٤) اقتضت المنع من البول فيه قلَّ أو كثر سدًا لذريعة إفساده. الوجه الرابع والثمانون: أنه نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو (٥)؛ فإنه ذريعة إلى أن تناله أيديهم كما علل به في نفس الحديث (٦). الوجه الخامس والثمانون: أنه نهى عن الاحتكار، وقال: "لا يحتكر إلا خاطئ" (٧) فإنه ذريعة إلى أن يضيق على الناس أقواتهم، ولهذا لا يمنع من احتكار ما لا يضرُّ الناس (٨). الوجه السادس والثمانون: أنه نهى عن بيع فَضْل الماء (٩)؛ لئلا يكون ذريعة

стр. 1976

إلى منع فضل الكلأ؛ كما علل به في نفس الحديث فجعله بمنعه [من] (١) الماء مانعًا من الكلأ لأن صاحب المواشي إذا لم يمكنه الشرب (٢) من ذلك الماء لم يتمكن من المَرْعَى الذي حوله (٣). الوجه السابع والثمانون: أنه نهى عن إقامة حد الزنا على الحامل حتى تَضَع (٤)، لئلا يكون [ذلك] ذريعة إلى قتل ما في بطنها، كما قال في الحديث الآخر: "لولا ما في البيوت من النِّساء والذرية لأمرتُ فتياني أن يحملوا معهم حُزَمًا من حطب فاخالف إلى قوم (٥) لا يشهدون الصلاة في الجماعة فأُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار" (٦) فمنعه من تحريق بيوتهم التي عَصَوُا اللَّه فيها بتخلفهم عن الجماعة كونُ ذلك ذريعةً إلى عقوبة مَنْ لم يجب عليه حضور الجماعة من النساء

стр. 1977

والأطفال (١). الوجه الثامن والثمانون: (٢) أنه نهى عن إدامة النَّظر إلى المجذومين (٣)، وهذا

стр. 1978

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1979

واللَّه أعلم لأنه ذريعة إلى أن يصابوا بدائهم (١)، وهي من ألطف الذرائع، وأهل الطبيعة يعترفون به، وهو جارٍ على قاعدة الأسباب، وأخبرني رجل من علمائهم أنه أجلس (٢) قرابة له يكحل الناس فرمِدَ ثم برئ، فجلس يكحلهم فرمد مرارًا، قال: فعلمت أن الطبيعة تنقل (٣)، وأنه من كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرُّمْدِ نقلت الطبيعة الرمَدَ إلى عينيه (٤)، وهذا لا بُدَّ معه من نوع استعداد، وقد جبَلت الطبيعة والنفس على التشبه والمحاكاة. الوجه التاسع والثمانون: (٥) أن النبي ﷺ نهى الرجل أن ينحني للرجل (٦) إذا لقيه (٧)

стр. 1980

كما يفعله كثير من المنتسبين إلى العلم ممن لا عِلْم [له] (١) بالسنة، بل يبالغون إلى أقصى حد الانحناء مبالغةً في خلاف السنة جهلًا حتى يصير أحدهم بصورة الراكع لأخيه ثم يرفع رأسه من الركوع كما يفعل إخوانهم من السجود بين يدي شيوخهم الأحياء والأموات؛ فهؤلاء أخذوا من الصلاة سجودها، وأولئك ركوعها، وطائفة ثالثة قيامها يقومون (٢) عليهم الناسُ وهم قعود كما يقومون في الصلاة، فتقاسمت الفرقُ الثلاثُ أجْزَاء الصلاة، والمقصود أن النبي ﷺ نهى عن انحناء الرجل لأخيه سدًا لذريعة الشرك، كما نهى عن السجود لغير اللَّه (٣)، وكما نهاهم أن يقوموا في الصلاة على رأس الإمام وهو جالس (٤) مع أن قيامهم عبادة للَّه تعالى، فما الظن إذا كان القيام تعظيمًا للمخلوق وعبودية له؟ فاللَّه المستعان. الوجه التسعون: (٥) أنه حرم التفرق في الصَّرْفِ (٦) وبيع الربوي بمثله قبل

стр. 1981

القبض (١)؛ لئلا يتخذ ذريعة إلى التأجيل الذي هو أصل باب الربا، فحماهم من قُربانه باشتراط التقابض في الحال، ثم أوجب عليهم فيه التماثُلَ، وأن لا يزيد أحد العَوَضين على الآخر إذا كانا من جنس واحد حتى لا يُباع مدُّ جيّد بمدين رديئين وإن كانا يساويانه (٢)، سدًا لذريعة ربا النّسَاء الذي هو حقيقة الربا، وأنه إذا منعهم من الزيادة مع الحلول حيث تكون الزيادة في مقابلة جَوْدَة أو صفة أو سكة أو نحوها (٣)، فمنعهم منها حيث لا مقابل لها إلا مجرد الأجل أولى. [حكمة تحريم ربا الفضل] فهذه هي حكمة تحريم ربا الفَضْل التي خفيت على كثير من الناس، حتى قال بعض المتأخرين: لا يتبين لي حكمة تحريم ربا الفضل، وقد ذكر الشارع هذه الحكمة بعينها؛ فإنه حرَّمه سدًا لذريعة ربا النساء، فقال في [حديث] (٤) تحريم ربا الفضل: "فإنّي أخاف عليكم الرَّمَاء (٥) والرَّمَاء [هو] (٦) الربا". [نوعا تحريم الربا] فتحريم الربا نوعان: نوع حُرِّم لما فيه من المفسدة وهو ربا النسيئة، ونوع حرم تحريم الوسائل وسدًا للذرائع؛ فظهرت حكمة الشارع الحكيم وكمال شريعته الباهرة في تحريم النوعين، ويلزم من لم يعتبر الذرائع ولم يأمر بسدها أن يجعل تحريم ربا الفضل تعبُّدًا محضًا لا يُعقل معناه كما صرَّح بذلك كثير منهم.

стр. 1982

[أنكحة محرمة] الوجه الحادي والتسعون: أنه أبطل أنواعًا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدًا لذريعة الزنا؛ فمنها النكاح بلا وليٍّ (١)؛ فإنه أبطله سدًا لذريعة الزنا؛ فإن الزاني لا يعجز أن يقول للمرأة: "أنكحيني نفسك بعشرة [دراهم] " ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدًا لذريعة الزنا، ومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجةً بل له وَطَر فيما يقضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة (٢)، ومن ذلك تحريم نكاح المُتعة الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطَرَه منها فيها (٣)؛ فحرَّم هذه الأنواع كلها سدًا لذريعة السِّفاح، ولم يبح إلا عقدًا مؤبدًا يقصد فيه كل من الزوجين المُقَامَ مع صاحبه ويكون بإذن الولي وحضور الشاهدين أو ما يقوم (٤) مقامهما من الإعلان؛ فإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها (٥). [منع المتصدِّق من شراء صدقته] الوجه الثاني والتسعون (٦): أنه منع المتصدق من شراء صدقته ولو وجدها تُباع في السوق (٧) سدًا لذريعة العَوْد فيما خرج عنه للَّه ولو بعِوَضِه؛ فإن المتصدق

стр. 1983

إذا مُنع من تملُّك صدقته بعوضها فتملّكه إياها بغير عوض أشد منعًا وأفْطَمُ للنفوس عن تعلقها بما خرجت عنه للَّه، والصواب ما حكم به النبي ﷺ من المنع من شرائها مطلقًا، ولا رَيْبَ أن في تجويز ذلك ذريعة إلى التحيل على الفقير بأن يدفع إليه صدقة ماله ثم يشتريها منه بأقل من قيمتها، ويرى المسكين أنه قد حصل له شيء -مع حاجته- فتسمح نفسه بالبيع، واللَّه عالم بالأسرار؛ فمن محاسن هذه الشريعة الكاملة سد الذريعة ومنع المتصدق من شراء صدقته، وباللَّه التوفيق. الوجه الثالث والتسعون (١): أنه نهى عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ صلاحها (٢)، لئلا يكون ذريعة إلى أكل مال المشتري بغير حق إذا كانت (٣) معرَّضة للتلف، وقد يمنعها اللَّه، وأكد هذا الغرض بأن حَكَم للمشتري بالجائحة إذا تلفت بعد الشراء الجائز، كل هذا لئلا يُظلم المشتري ويُؤكل ماله بغير حق (٤). [النهي عن قول لو] الوجه الرابع والتسعون: أنه نهى الرجل بعد إصابة ما قدر له (٥) أن يقول: لو

стр. 1984

أني فعلت لكان كذا وكذا، وأخبر أن ذلك ذريعة إلى عمل الشيطان (١)، فإنه لا يُجْدي عليه إلا الحُزْن والنَّدَم وضيقة الصدر والتسخط (٢) على المقدور واعتقاد أنه كان يمكنه دفع المقدور لو فعل ذلك، وذلك يُضعف رضاه وتسليمه وتفويضه وتصديقه بالمقدور وأنه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا أعرض القلب عن هذا انفتح له عملُ الشَيطان، وما ذاك لمجرد لفظ "لو"، بل لما قارنها من الأمور القائمة بقلبه المنافية لكمال الإيمان الفاتحة لعمل الشيطان، بل أرشد العبد في هذه الحال إلى ما هو أنفع له وهو الإيمان بالقَدَر والتفويض والتسليم للمشيئة الإلهية وأنه ما شاء اللَّه كان ولا بد؛ فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط، فصلوات اللَّه وسلامه على مَنْ كلامه شفاء للصدور ونور للبصائر وحياة للقلوب وغذاء للأرواح، [وعلى آله] (٣)؛ فلقد أنعم به على عباده أتم نعمة، ومَنَّ عليهم به أعظم منة؛ فلله النعمة وله المنة وله الفضل وله الثناء الحسن (٤). [النهي عن طعام المتبارِيَيْن] الوجه الخامس والتسعون (٥): أنه ﷺ نهى عن طعام المُتبَارِيَيْنِ (٦)، وهما

стр. 1985

الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في التبرعات كالرجلين يصنعُ كلٌّ منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه بها، وإما في المعاوضات كالبائعين (١) يُرْخِصُ كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهية الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سد الذريعة من وجهين: أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريحٌ لهما وتقوية لقلوبهما وإغراء لهما على فعل ما كره اللَّه ورسوله. والثاني: أن تَرْك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفِّهما عن ذلك. [أهل السبت] الوجه السادس والتسعون: (٢) أنه تعالى عاقب الذين حفروا الحفائر يوم الجمعة فوقع فيها السمك يوم السبت فأخذوه يوم الأحد ومَسَخَهم [اللَّه] (٣) قَرَدة

стр. 1986

وخنازير، وقيل: إنهم نَصَبُوا الشباك يوم الجمعة وأخذوا الصيد يوم الأحد، وصورة الفعل الذي فعلوه مخالف لما نُهُوا عنه، ولكنهم لما جعلوا الشباك والحفائر ذريعةً إلى أخذ ما يقع فيها من الصيد يوم السبت نُزلُوا منزلة من اصطاد (١) فيه؛ إذ صورة الفعل لا اعتبار بها، بل بحقيقته (٢) وقَصْد فاعله، ويلزم من لم يسدَّ الذرائع أن لا يحرم مثل هذا كما صرحوا به في نظيره سواء، وهو لو نصب قبل الإحرام شَبَكة فوقع فيها صيدٌ وهو مُحرم جاز له أخذه بعد الحل، وهذا جارٍ على قواعد من لم يعتبر المقاصد ولم يسد الذرائع. [النهي عن كلِّ بيع يعين على معصية] الوجه السابع والتسعون (٣): قال الإمام أحمد ﵁: نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع السلاح في الفتنة (٤)، ولا ريب أن هذا سد لذريعة الإعانة

стр. 1987

على المعصية، ويلزم من لم يسد الذرائع أن يجوِّز هذا البيع كما صرحوا به، ومن المعلوم أن هذا البيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان، وفي معنى هذا كل بيع أو إجارة أو معاوضة تُعين على معصية اللَّه تعالى كبيع السلاح للكفار والبُغَاة وقُطَّاع الطريق، وبيع الرقيق لمن يفسق به أو يؤاجره لذلك، أو إجارة داره أو حانوته أو خانه لمن يقيم فيها سوق المعصية، وبيع الشمع أو إجارته لمن يعصي اللَّه عليه، ونحو ذلك مما هو إعانة على ما يبغضه اللَّه ويسخطه، ومن هذا عَصْر (١) العنب لمن يتخذه خمرًا وقد لعنه رسول اللَّه هو والمعتصر معًا (٢)، ويلزم من لم يسد الذرائع أن لا يلعن العاصر، وأن يُجوِّز له أن يعصر العنب لكل أحد، ويقول: القصد غير معتبر في العقد، والذرائع غير معتبرة، ونحن مطالبون بالظواهر (٣)، واللَّه يتولى السرائر، وقد صرَّحوا بهذا، ولا ريب في التنافي بين هذا وبين سنة رسول اللَّه ﷺ . [النهي عن الخروج على الأئمة] الوجه الثامن والتسعون: نهيه عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة -وإن ظلموا أو جاروا- ما أقاموا الصلاة (٤)، سدًا لذريعة الفساد العظيم والشر الكثير بقتالهم كما هو الواقع؛ فإنه حَصَل بسبب قتالهم والخروج عليهم [من الشرور] (٥) أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمةُ في بقايا تلك الشرور إلى الآن، وقال: "إذا

стр. 1988

بُويع الخليفتان فاقتلوا الآخر منهما" (١) سدًا لذريعة الفتنة (٢). [لِمَ جمع عثمان المصحفَ على حرف واحد] الوجه التاسع والتسعون: جَمْع عثمان المصحف على حرف واحد من الأحرف السبعة (٣) لئلا يكُون ذريعة إلى اختلافهم في القرآن، ووافقه على ذلك الصحابة ﵃ (٤). ولنقتصر على هذا العدد من الأمثلة الموافق لأسماء اللَّه الحسنى التي مَنْ أحصاها دخل الجنة (٥)، تفاؤلًا بأنه من أحصى هذه الوجوه وعلم أنها من الدين وعمل بها دخل الجنة؛ إذ قد يكون قد اجتمع له معرفة أسماء الرب تعالى ومعرفة أحكامه، وللَّه وراء ذلك أسماء وأحكام (٦).

стр. 1989

[باب قيمة سدّ الذرائع] وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان (١)؛ أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المَفْسَدة، فصار (٢) سد الذرائع المُفْضِية إلى الحرام (٣) أحد أرباع الدين. فصل [تجويز الحيل يناقض سد الذريعة] وتجويزُ الحِيَل (٤) يُنَاقض سدَّ الذرائع مُنَاقَضَةً ظاهرةً؛ فإن الشارع يَسُدُّ الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيلة (٥)، فأين مَنْ يمنع من الجائز خشية الوقوع في المحرَّم إلى مَنْ يعمل الحيلة في التوصل إليه؟ فهذه الوجوه الذي ذكرناها وأضعافُها تدل على تحريم الحِيَل والعمل بها والإفتاء بها في دين اللَّه (٦)، ومن تأمل أحاديث اللَّعْن وجد عامتها لمن استحل

стр. 1990

محارم اللَّه، أو أسقط (١) فرائضه بالحيل، كقوله: "لَعَن اللَّه المحلل والمحلل له" (٢)، "لعن اللَّه اليهود، حُرِّمَتْ عليهم الشحومُ فَجَمَلَوها وباعوها وأكلوا ثمنها" (٣)، "لعن اللَّه الراشي والمرتشي" (٤)، "لعن اللَّه آكل الربا ومُوكِلَه وكاتبه وشاهده" (٥)، ومعلوم أن الكاتب والشاهد إنما يكتب ويشهد على الربا المحتال عليه ليتمكن من الكتابة والشهادة بخلاف ربا المجاهرة الظاهر (٦)، ولعن في الخمر عشرة: عاصرها، ومعتصرها (٧)، ومعلوم أنه إنما عصر عنبًا، ولعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة (٨)، وقَرَنَ بينهما وبين آكل الربا وموكله، والمحلل والمحلل له (٩)، في

стр. 1991

حديث ابن مسعود (١)، وذلك للقدر المشترك بين هؤلاء الأصناف وهو التدليس والتلبيس؛ فإن هذه تُظْهر من الخِلقْة ما ليس فيها، والمحلل يظهر من الرَّغْبة ما ليس عنده، وآكل الربا يستحله بالتدليس والمخادعة فيُظهر من عَقْد التبايع ما ليس له حقيقة، فهذا يستحل الربا بالبيع، وذاك يستحل الزنا باسم النكاح، فهذا يفسد الأموال، وذاك يفسد الأنساب، وابن مسعود هو راوي هذا الحديث، وهو راوي حديث: "ما ظهر الزنا والربا في قوم إلا أحلّوا بانفسهم العقاب" (٢) واللَّه تعالى مسخ الذين استحلَّوا محارمه بالحيل قردَةً وخنازير جزاء من جنس عملهم؛ فإنهم لما مسخوا شَرْعه وغيَّروه عن وجهه مسخ وجوههم وغيرها عن خلقتها، واللَّه ذم أهل الخِدَاع والمكر، ومن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وأخبر أن المنافقين يُخادعون اللَّه (٣) وهو خادعُهم، وأخبر عنهم بمخالفة ظواهرهم لبواطنهم وسرائرهم لعلانيتهم وأقوالهم لأفعالهم، وهذا شأن أرباب الحيل المحرمة، وهذه الأوصاف منطبقة عليهم؛ فإن المخادعة هي الاحتيال والمراوغة

стр. 1992

بإظهار أمر جائز ليتوصل به إلى أمر محرم يبطنه (١)، ولهذا يقال: "طريق خَيْدَع" إذا كان مخالفًا للقصد لا يُفطن له، ويقال للسراب: "الخيدع" لأنه يخدع من يَرَاه ويغرّه وظاهره خلاف باطنه، ويقال للضب: "خادع" وفي المثل: "أخدَعُ من ضَبٍّ" لمراوغته (٢)، ويقال: "سوق خادعة" أي متلونة، وأصله الاختفاء والستر، ومنه "المَخْدَع" في البيت؛ فوزان بين قول القائل: آمنا باللَّه وباليوم الآخر، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، إنشاءًا للإيمان وإخبارًا به، وهو غير مبطن لحقيقة هذه الكلمة ولا قاصدٍ له ولا مطمئنٍ به، وإنما قاله متوصلًا به (٣) إلى أمْنه وحَقْن دمه أو نَيْل غرض دنيوي، وبين قول المرابي: بعتك هذه السلعة بمئة، وليس لواحدٍ منهما غرض فيها بوجه [من الوجوه] (٤)، وليس مبطنًا لحقيقة هذه اللفظة، ولا قاصدًا له ولا مطمئنًا به، وإنما تكلم بها متوسلًا (٥) إلى الربا، وكذلك قول المحلِّل: تزوجتُ هذه المرأة، أو قَبِلتُ هذا النكاح، وهو غير مبطن لحقيقة النكاح، ولا قاصدٍ له ولا مريدٍ أن تكون زوجَتَه بوجه، ولا هي مريدة لذلك ولا الولي، هل تجد بينهما فرقًا في الحقيقة أو العُرْفِ؟ فكيف يُسمَّى أحدهما مخادعًا دون الآخر، مع أن قوله: بعتُ واشتريتُ واقترضتُ وأنكحتُ وتزوجتُ غير قاصد به انتقالَ الملك الذي وُضِعتْ له هذه الصيغة ولا ينوي النكاح الذي جعلت (٦) له هذه الكلمة بل قَصْدُه ما ينافي مقصود العقد أو أمر آخر خارج عن أحكام العقد -وهو عود المرأة إلى زوجها المطلِّق، وعود السلعة إلى البائع- بأكثر من ذلك الثمن بمباشرته لهذه الكلمات التي جُعلت لها حقائق ومقاصد مظهرًا لإرادة حقائقها ومقاصدها ومبطنًا لخلافه؛ فالأول نفاق في أصل الدين، وهذا نفاق في فروعه، يوضح ذلك ما ثبت عن ابن عباس ﵁ أنه جاءه رجل فقال: إن

стр. 1993

عمِّي طلق امرأته ثلاثًا، أيحلها له رجل؟ فقال: مَنْ يخادع اللَّه يخدعه (١)، وصح عن أنس و [عن] (٢) ابن عباس أنهما سُئلا عن العِينَةِ، فقالا: إن اللَّه لا يُخْدَع، هذا مما حرَّم اللَّه ورسوله (٣)، فسمَّيا ذلك خِداعًا، كما سَمَّى عثمان وابن عمر نكاحَ المحلِّل [نِكاح] (٤) دلسة (٥)، وقال أيوب السختياني في أهل الحِيل: يُخادعون اللَّه كأنما يُخادِعون الصبيان، فلو أتوا الأمر عيانًا كان أهون عليَّ (٦)، وقال شريك بن عبد اللَّه القاضي في "كتاب الحيل" (٧): هو كتاب المخادعة. [دليل تحريم الحيل] وتلخيص هذا أن الحيل المحرَّمة مُخَادعة للَّه، ومخادعة اللَّه حرام: أما المقدمة الأولى فإن الصحابة والتابعين -وهم أعلم الأمة بكلام اللَّه ورسوله ومعانيه- سَمَّوْا ذلك خداعًا، وأما الثانية فإن اللَّه ذم أهل الخداع، وأخبر أن

стр. 1994

خداعهم إنما هو لأنفسهم، وأن في قلوبهم مرضًا، وأنه سبحانه خادعُهم، وكل هذا عقوبة لهم، ومدار الخداع على أصلين: أحدهما: إظهار فعل لغير مقصوده الذي جُعِلَ له. الثاني: إظهار قول لغير مقصوده الذي وضع له، وهذا منطبق على الحيل المحرمة، وقد عاقب اللَّه سبحانه المتحيّلين على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بجد (١) جنَّتهم (٢) عليهم وإهلاك ثمارهم، فكيف بالمتحيّل على إسقاط فرائض اللَّه وحقوق خلقه؟ ولَ عَن أصحاب السَّبْت ومَسَخهم قردة وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرمه عليهم. [عن أصحاب السبت] قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] قال: رَمَوُا الحيتان في السبت، ثم أرجؤوها في الماء، فاستخرجوها بعد ذلك، فطبخوها فأكلوها (٣) واللهِ أوْخَمَ أكلَةٍ، أكلَةً أسْرَعُهُ (٤) في الدنيا عقوبة وأسرعه عذابًا في الآخرة، واللَّه ما كانت لحوم الحيتان تلك أعظم (٥) عند اللَّه من دماء قوم مسلمين، [إلا] أنه عَجَّلَ لهؤلاء وأخَّر لهؤلاء (٦). وقوله: "رموها في السبت" يعني احتالوا على وقوعها في الماء يوم السبت كما بيَّن غيرُه أنهم حَفَرُوا لها حياضًا ثم فتحوها عشية الجمعة، [أو أنه أراد أنهم رموا الحبايل يوم السبت، ثم أخروها في الماء إلى يوم الأحد، فاستخرجوها بالحيتان يوم الأحد] (٧) ولم يرد أنهم باشَرُوا رميها يوم السبت؛ إذ لو اجترءوا على ذلك

стр. 1995

لاستخرجوها، قال شيخنا (١) ﵁: وهؤلاء لم يكفروا بالتوراة وبموسى (٢)، وإنما فعلوا ذلك تأويلًا واحتيالًا ظاهرُهُ ظاهرُ الاتقاء وحقيقتُه حقيقةُ الاعتداء، ولهذا -واللَّه أعلم- مُسِخوا قِردةً لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان، وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له في الحد والحقيقة، فلما مَسَخَ أولئك المعتدون دينَ اللَّه بحيث لم يتمسكوا إلا بما (٣) يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته مَسَخهم اللَّه قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة، جزاءً وفاقًا. يقوي ذلك أن بني إسرائيل أكلوا الربا و [أكلوا] (٤) أموالَ الناس بالباطل [كما قصَّهُ اللَّه في كتابه] (٥)، وهو أعظم من أكل الصيد [المحرَّم] (٤) في يوم بعينه، [ألا ترى أن ذلك حرام في شريعتنا -أيضًا- والصيد في السبت ليس حرامًا علينا؟ ثم إن أَكَلة الربا وأموال الناس بالباطل لم يعاقبوا] (٦) بالمسخ كما عُوقب به من استحلَّ الحرام بالحيلة [وإنما عوقبوا بشيء آخر من جنس عقوبات غيرهم، فيشبه -واللَّه أعلم- أن يكون هؤلاء] (٧) لما كانوا أعظم جرمًا [كانت عقوبتهم أعظم] (٨)، فإنهم بمنزلة المنافقين [يفعلون ما يفعلون] (٩) و [هم] (١٠) لا يعترفون

стр. 1996

بالذنب بل [قد] (١) فسدت عقيدتهم وأعمالهم، [كما قال أيوب السختياني: "لو أتوا الأمر على وجهه كان أهون عليّ"، كانت عقوبتهم أغلظ من عقوبة غيرهم، فإن] (٢) مَنْ أكل الربا [وأموال الناس (بالباطل)] (٣) والصيد المحرم عالمًا [بأنه حرام فقد اقترن] (٤) بمعصيته اعترافُه بالتحريم (٥) وخشيته للَّه واستغفاره وتوبته يومًا ما، واعترافه بأنه مذنب عاصٍ، وانكسار قلبه من ذل المعصية، وازدراؤه (٦) على نفسه، ورجاؤه لمغفرة ربه له، وعد نفسه من (٧) المذنبين الخاطئين، وهذا كله إيمان يُفْضِي بصاحبه إلى خير، بخلاف الماكر المخادع المحتال على قلب دين اللَّه، ولهذا حَذَّر النبي ﷺ أمته من ارتكاب الحيل فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه بأدنى الحيل" (٨) وقد أخبر اللَّه تعالى أنه جعل هذه القرية أو هذه الفعلة التي فعلها بأهلها: ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦] (٩).

стр. 1997

[التحذير من استحلال محارم اللَّه بالحيل] فحقيقٌ بمن اتقى اللَّه وخاف نَكَالَه أن يَحْذَر استحلالَ محارم اللَّه بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من اللَّه ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن للَّه يومًا تَكَعُّ فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويصير الباطل فيه ظاهرًا، والسر علانية، المستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، [ويُحَصَّل] (١) ويبدو ما في الصدور، كما يُبَعْثرُ ويُخْرَجُ ما في القبور، وتجري أحكامُ الربِّ ﷻ هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة للَّه ورسوله وكتابه وما فيها من البر [والصدق] (١) والإخلاص للكبير المتعال، وتَسْوَدُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] (٢). [الأعمال تابعة لمقاصد عاملها] وقد فصل قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ (٣) ما نوى" (٤) الأمْرَ في هذه الحيل وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها (٥)، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللًا، ومَنْ نوى الربا بعقد التبايع كان مُرَابيًا، ومن نوى المكر والخداع كان ماكرًا مخادعًا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال

стр. 1998

الحيل، ولهذا صدَّر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل (١)، والنبي ﷺ أبطل ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونَوَاه من إرادة أم قيس (٢)، وقد قال النبي ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا (٣)، إلا أن تكونَ صَفْقَة خيار، ولا يحلُّ له أن يفارقه خشيةَ أن يسْتقيله" (٤) فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل، وقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر؛ فإنه كان إذا أراد (٥) أن يلزم البيع مشى خُطَوَات (٦)، ولا إشكال بحمد اللَّه تعالى في الحديث، وهو مِنْ أظهر (٧) الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق مَنْ له حق؛ فإن الشارع

стр. 1999

صلواتَ اللَّه وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه اللَّه سبحانه [فيه] (١)؛ فإن العقد قد يقع بغتة من غير تروٍّ ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروَّى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا، فلا أحسن من هذا الحكم، ولا أرفق (٢) لمصلحة الخلق؛ فلو مكّن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر، ومقصود الخيار بالنسبة إليه، وهب أنك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروَّى، فنهوضك حيلة على (٣) إسقاط حقه من الخيار، فلا يجوز حتى يخيره؛ فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة (٤) أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حَقِّ الآخر (٥) من الخيار لم يدخل في هذا التحريم، ولا يُقال: هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار؛ لأن باب [سدّ] (٦) الذرائع متى فاتت به مصلحةٌ راجحة أو تضمَّن مفسدة راجحة لم يُلتفت إليه؛ فلو مُنع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرارٌ به ومفسدة راجحة؛ فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفَقُه للحكمة والمصلحة وللَّه الحمد. وتأمل قوله: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم اللَّه بأدنى الحيل" (٧) أي أسهلها وأقربها، وإنما ذكر أدنى الحيل لأنَّ المطلِّقَ ثلاثًا مثلًا من أسهل الحيل (٨) عليه أن يعطي بعضَ التيوس المستعارة عشرةَ دراهم ويستعيره لينزو على امرأته نزوة وقد طيَّبها له، بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة؛ فإنها يصعب معها عَوْدُها إلى الأول جدًا، وكذلك من أراد أن يقرض ألفًا بألف وخمس مئة، فمن أدنى الحيل أن يعطيه ألفًا إلا درهمًا باسم القرض، ويبيعه خرقة تساوي [درهمًا] (٩) بخمس مئة، ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذّر عليه،

стр. 2000

وكذلك حيلة اليهود بنصب الشباك يوم الجمعة وأخذ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل، وكذلك إذابتهم الشَّحْم وبيعه وأكل ثمنه. وقال الإمام أحمد في "مسنده": ثنا أسود بن عامر: ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا ضَنَّ (١) الناسُ بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل اللَّه؛ أنزل اللَّه بهم (٢) بلَاءً فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم" (٣) ورواه
следующие страницы →