← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أحدها: قول التنجيز على التعليق. الثاني: أن التنجيز لا خلاف في وقوع الطلاق به. وأما التعليق ففيه نزاع مشهور بين الفقهاء (١)، والموقِعُون لم يقيموا (٢) على المانعين حجةً توجب المصير إليها مع تناقضهم فيما يَقْبل التعليق وما لا يقبله، فمنازعوهم يقولون: الطلاق لا يقبل التعليق كما قلتم أنتم في الإسقاط والوقف والنكاح والبيع، ولم يفرق هؤلاء بفرقِ صحيح، وليس الغرض ذكر تناقضهم، بل الغرض أن للمنجَّز مزية على المعلَّق. الثالث: أن المشروط هو المقصود لذاته والشرط تابع ووسيلة. الرابع: أن المنجز لا مانع من وقوعه لأهلية الفاعل وقبول المحل، والتعليق المحال لا يصلح أن يكون مانعًا من اقتضاءِ السببِ الصحيح أثره. الخامس: أن صحة التعليق فرع على ملك التنجيز، فإذا انتفى ملكه للمنجز في هذه المسألة انتفى صحة التعليق، فصحة التعليق تمنع من صحته، وهذه معارضة صحيحة في أصل المسألة فتأملها. السادس: أنه لو قال في مرضه: "إذا أعتقتُ سالمًا فغانمٌ حرٌّ" ثم أعتق سالمًا ولا يخرجان من الثلث قدم المُعْتَق (٣) المنجَّز على المعلق لقوته؛ يوضحه: الوجه السابع: أنه لو قال لغيره: "ادخل الدار فإذا دخلت [فقد] (٤) أخرجتك" وهو نظيره في القوة؛ فإذا دخل لم يمكنه إخراجه، وهذا المثال وزان

стр. 2137

مسألتنا، فإن المعلق هو الإخراج والمنجز هو الدخول. الثامن: أن المنجز في حيز الإمكان والمعلق قد قارنه ما جعله مستحيلًا. التاسع: أن وقوع المنجز يتوقف على أمر واحد وهو التكلم باللفظ [اختيارًا، ووقوع المعلق يتوقف على التكلم باللفظ،] (١) ووجودِ الشرط، وما توقف على شيء (٢) واحد أقرب وجودًا مما توقف على أمرين. العاشر: أن وقوع المنجز موافق لتصرف الشارع وملك المالك، ووقوعُ المعلق بخلافه؛ لأن الزوج لم يملكه الشارع ذلك. فهذه عشرة أوجه تدل على مزية المنجز وتبطل قولكم إنه لا مزية له، واللَّه أعلم. فصل [عود إلى صور الدور التي يفضي ثبوتها إلى إبطالها] وأما سائر الصور التي ذكرتموها من صُوَر الدَّوْر التي يُفضِي ثبوتها إلى إبطالها فمنها ما هو ممنوع الحكم لا يسلّمه لكم منازعكم، وإنما هي مسائل مذهبية يحتج لها ولا يحتج بها، وهم يفكون الدور تارة بوقوع الحُكْمين معًا وعدم إبطال أحدهما للآخر ويجعلونهما معلولَيْ علة واحدة ولا دَوْر، وتارة يسبق (٣) أحد الحكمين للآخر سبق السبب لمسببه ثم يترتب الآخر عليه، ومنها ما هو مسلم الحكم وثبوت الشيء فيه يقتضي إبطاله. ولكن هذا حجة لهم في إبطال هذا التعليق؛ فإنه لو صح لأفضى ثبوته إلى بُطْلانه، فإنه لو صح لزم منه وقوع طَلْقة مسبوقة بثلاث، وسَبْقها بثلاث يمنع وقوعها، فبطل (٤) التعليق من أصله [للزوم المحال] (٥)؛ فهذه الصور التي استشهدتم بها من أقوى حججهم [عليكم] (٦) على بطلان التعليق. وأدلتكم في هذه المسألة نوعان: أدلة صحيحة وهي إنما تقتضي (٧) بطلان التعليق.

стр. 2138

[أدلتهم التي تقتضي بطلان المنجز] وأما الأدلة التي تقتضي بطلان المنجز فليس منها دليل صحيح؛ فإنه طلاق صَدَر من أهله في محله؛ فوجب الحكم بوقوعه؛ أما أهلية المطلِّق فلأنَّه زوج مكلف مختار، وأما محلية المطلقة فلأنها زوجة والنكاحُ صحيحٌ فتدخل (١) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وفي سائر نصوص الطلاق؛ إذ لو لم يلحقها (٢) طلاقٌ لزم واحد من ثلاثة، وكلها منتفية: • إما عدم أهلية المطلِّق. • وإما عدم قبول المحلّ. • وإما قيامُ مانعٍ يمنع من نفوذ الطلاق، والمانعُ مفقودٌ؛ إذ ليس مع مدعي قيامه إلا التعليق المحال الباطل شرعًا وعقلًا، وذلك لا يصح أن يكون مانعًا. يوضِّحه: أن المانع من اقتضاء السبب لمسببه إنما هو وصف ثابت يعارض سببيته فيوقفها عن اقتضائها، فأما المستحيل فلا يصح أن يكون مانعًا معارضًا للوصف الثابت، وهذا في غاية الوضوح، وللَّه الحمد. فصل [رد السريجيين] قال السريجيون (٣): لقد ارتقيتم مرتَقًى صعبًا، وأسأتم الظن بمن قال بهذه المسألة وهم أئمة علماء لا يُشَقّ غبارُهم، ولا تُغْمَز قناتُهم، كيف وقد أخذوها من نص الشافعي رحمه اللَّه تعالى، وبَنَوْها على أصوله، ونَظّرُوا لها النظائر، وأتوا لها بالشواهد؟ فنص الشافعي على أنه إذا قال: "أنت طالق قبل موتي بشهر" ثم مات لأكثر من شهر بعد هذا التعليق؛ وقع الطلاق قبل موته بشهر وهذا إيقاعُ طلاقٍ في زمن ماض سابق لوجود الشرط وهو موته، فإذا وجد الشرط تبيَّنا وقوع الطلاق قبله، وإيضاح ذلك بإخراج الكلام يخرج الشرط، كقوله: "إن مت -أو إذا متُّ- فأنت طالق قبل موتي بشهر" ونحن نلزمكم بهذه المسألة على هذا الأصل، فإنكم

стр. 2139

موافقون عليه، وكذا قوله قبل دخوله: "أنت طالق طلقة قبلها طلقة" فإنه يقع بها طلقتان وإحداهما وقعت في زمن ماض سابق على التطليق، وبهذا خرج الجواب عن قوله: "إن الوقوعَ كما لم يسبق الإيقاع فلا يسبق الطلاقُ التطليق فكذا لا يسبق شرطُه فإن الحكم لا يتقدم عليه، ويجوز تقدمُه على شرطه وأحد سببيه أو أسبابه" فإن الشرط مُعَرِّف محض، ولا يمتنع تقديم المعرف عليه، وأما تقديمه على أحد سببيه فكتقديم الكفارة على الحِنْث بعد اليمين، وتقديم الزكاة على الحول بعد ملك النصاب، وتقديم الكفارة على الجرح قبل الزهوق، ونظائره. وأما قولكم: "إن الشرط يجب تقدمه (١) على المشروط" فممنوعٌ بل مُقتضى الشرط (٢) توقفُ المشروطِ على وجوده، وأنه لا يوجد بدونه، وليس مقتضاه تأخر المشروط عنه، وهذا يتعلق باللغة والعقل والشرع، ولا سبيل لكم إلى نص عن أهل اللغة في ذلك ولا إلى دليل شرعي ولا عقلي، فدعواه غير مسموعة، ونحن لا ننكر أن من الشروط ما يتقدم مشروطَه، ولكن دعوى أن ذلك حقيقة الشرط وأنه إن لم يتقدم خرج عن أن يكون شرطًا دعوى لا دليل عليها، وحتى لو جاء عن أهل اللغة ذلك لم يلزم مثله في الأحكام الشرعية؛ لأن الشروط في كلامهم تتعلق بالأفعال كقوله: "إن رزتني أكرمتك" و"إذا طلعت الشمس جئتك" فيقتضي الشرط ارتباطًا بين الأول والثاني: فلا يتقدم المتأخر ولا يتأخر المتقدم، وأما الأحكام فتقبل التقدم والتأخر والانتقال، كما لو قال: "إذا متُّ فأنت طالق قبل موتي بشهر" ومعلوم أنه لو قال مثل هذا في الحسيات كان محالًا، فلو قال: "إذا زُرْتني أكرمتك قبل أن تزورني بشهر" كان محالًا، إلا أن يحمل كلامه على معنى صحيح، وهو إذا أردت أو عزمت على زيارتي أكرمتك قبلها. وسر المسألة: أن نقَل الحقائق عن مواضعها ممتنعٌ، والأحكام قابلة للنقل والتحويل والتقديم والتأخير، ولهذا لو قال: "أعْتِق عبدك عني" ففعل؛ وقع العتق عن القائل، وجعل الملك متقدمًا على العتق (٣) حكمًا، وإن لم يتقدم عليه حقيقة. وقولكم: "يلزمنا تجويز تقديم الطلاق على التطليق" فذلك غيرُ لازمٍ؛ فإنه إنما يقع بإيقاعه؛ فلا يسبق إيقاعه، بخلاف الشرط، فإنه لا يوجب وجود

стр. 2140

المشروط، وإنما يرتبط به، والارتباط أعم من السابق والمقارن والمتأخر، والأعم لا يستلزم الأخص. ونكتة الفرق: أن الإيقاع موجِبٌ للوقوع؛ فلا يجوز أن يسبقه أثره وموجبه، والشرط علامة على المشروط؛ فيجوز أن يكون قبله وبعده، فوِزانُ الشرط وزِانُ الدليل، ووزانُ الإيقاع وزانُ العلة، فافترقا. وأما قولكم: "إن هذا التعليق يتضمن المُحَالَ إلى آخره" فجوابه أن هذا التعليق تضمن شرطًا ومشروطًا، وقد تعقد القضية الشرطية في ذلك للوقوع، وقد تعقد للإبطال؛ فلا يوجد فيها الشرط ولا الجزاء، بل تعليق (١) ممتنع بممتنع، فتصدق الشرطية وإن انتفى كلٌّ من جزئيها، كما تقول: "لو كان مع اللَّه إلهٌ آخر لفسد العالم"، وكما في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] ومعلوم أنه لم يقله ولم يعلمه اللَّه، وهكذا قوله: "إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا" فقضيةٌ عقدت لامتناع وقوع طرفيها، وهما المنجز والمعلق. [طلاقان يسبق أحدهما الآخر] ثم نذكر في ذلك قياسًا [آخر] (٢) حَرَّره الشيخ أبو إسحاق رحمه اللَّه تعالى، فقال: طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر؛ فوجب أن ينفي السابقُ منهما المتأخر. نظيره أن يقول لامرأته: "إن قَدِم زيد فأنت طالق ثلاثًا (٣)، وإن قدم عمرو (٤) فأنت طالقٌ طلقة، فقدم زيد بُكرةً وعمرو عشيةً (٥). ونكتة المسألة أنَّا لو أوقعنا الطلاق المباشر لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا ولو أوقعنا قبله ثلاثًا لامتنع وقوعه في نفسه؛ فقد أدى الحكم بوقوعه إلى الحكم بعدم وقوعه، فلا يقع. [عود إلى رد السُّريجيين] وقولكم: "إن هذه اليمين تُفْضِي إلى سد باب الطلاق، وذلك تغيير [لشرع اللَّه] (٦)؛ فإن اللَّه مَلكَ الزوجَ الطلاق رحمة به -إلى آخره" جوابه أن هذا ليس فيه تغيير للشرع، وإنما هو إتيانٌ بالسبب الذي ضيَّق به على نفسه ما وسعه اللَّه عليه، وهو هذه اليمين، وهذا ليس تغييرًا للشرع. ألا ترى أن اللَّه تعالى وَسَّع عليه

стр. 2141

أمر الطلاق فجعله واحدة بعد واحدة ثلاث مرات لئلا يندم، فإذا ضيق على نفسه وأوقعها بفمٍ واحدٍ حصر نفسه وضيّق عليها ومنعها ما كان حلالًا لها، وربما لم يبق له سبيل إلى عَوْدها إليه، ولذلك جعل اللَّه تعالى الطلاق إلى الرجال، ولم يجعل للنساء فيه حظًا؛ لنقصان عقولهن وأديانهن، فلو جعله إليهن لكان فيه فسادُ كبيرٌ تأباه حكمة الرب تعالى ورحمته بعباده، فكانت المرأة لا تشاء أن تستبدل بالزوج إلا استبدلت به، بخلاف الرجال؛ فإنهم أكمل عقولًا وأثبت، فلا يستبدل بالزوجة إلا إذا عِيلَ صبره، ثم إن الزوج (١) قد يجعل طلاق امرأته (٢) بيدها، بأن يملّكها ذلك أو يحلف عليها أن (٣) لا تفعل كذا، فتختار طلاقه متى شاءت، ويبقى الطلاق بيدها، وليس في هذا تغيير للشرع؛ لأنه هو الذي ألزم نفسه هذا الحرج بيمينه وتمليكه، ونظير هذا ما قاله فقهاء الكوفة قديمًا وحديثًا: إنه لو قال: "كل امرأة أتزوجها فهي طالق" لم يمكنه أن يتزوج بعد ذلك امرأة، حتى قيل: إن أهل الكوفة أطبقوا (٤) على هذا القول، ولم يكن [في] (٥) ذلك تغيير للشريعة؛ فإنه هو الذي ضيَّق على نفسه ما وَسَّع اللَّه عليه، ونظير هذا لو قال: "كل عبد وأمة أملكهما فهما حُرَّان" لم يكن [له] (٥) سبيل بعد هذا إلى ملك رقيق أصلًا، وليس في هذا تغيير للشرع، بل هو المضيق على نفسه، والضيق والحرج الذي يُدْخِله المكلف على نفسه لا يلزم أن يكون الشارع قد شَرَعه له، وإن ألزمه به بعد أن ألزم نفسه، ألا ترى أن مَنْ كان معه ألف دينار فاشترى بها جارية فأولدها ثم ساءت العشرة بينهما لم يبق له طريق إلى الاستبدال بها، وعليه ضررٌ في إعتاقها أو تزويجها أو إمساكها ولا بد له من أحَدِها. ثم نقول في معارضة ما ذكرتم: قد (٦) يكون في هذه اليمين مصلحة له وغرض صحيح، بأن يكون محبًا لزوجته شديدَ الإلفِ بها، وهو مشفقٌ من أن ينزغ الشيطان بينهما فيقع منه طلاقها من غضبة أو موجدة، أو يحلف يمينًا بالطلاق أو يُبْلَى بمن يستحلفه بالطلاق ويضطر إلى الحنث، أو يُبْلَى بظالم يكرهه على الطلاق ويرفعه إلى حاكم ينفذه، أو يُبْلَى بشاهدَيْ زورٍ يشهدان عليه بالطلاق، وفي ذلك ضرر عظيم به، وكان من محاسن الشريعة أن يُجعل له طريقًا إلى الأمن من ذلك كله، ولا طريق أحسن من هذه؛ فلا ينكر من محاسن هذه الشريعة الكاملة أن

стр. 2142

تأتي بمثل ذلك، ونحن لا ننكر أن في ذلك نوع ضرر عليه، لكن رأى احتماله لدفع ضرر الفراق الذي هو أعظم من ضرر البقاء، وما يُنكر في الشريعة من دفع أعلى الضررين باحتمال أدناهما؟ فصل [الجواب على شبه أصحاب الحيلة السريجية] قال الموقّعون: لقد دعوتم الشُّبَهَ الجَفَلَى (١) إلى وليمة هذه المسألة، فلم تَدَعُوا منها داعيًا ولا مجيبًا، واجتهدتم في تقريرها ظانين إصابةَ الاجتهاد، وليس كل مجتهد مصيبًا، ونثرتم عليها ما لا يصلح مثلها (٢) للنثار، وزيّنتموها بأنواع الحلي، ولكنه حُلىٌّ مستعار؛ فإذا استردت العارية زال الالتباس والاشتباه، وهناك (تسمع بالمُعَيْدِيِّ خير من أن تراه) (٣). فأما قولكم: "أنا ارتقينا مرتقى صعبًا، وأسأنا الظن بمن قال بهذه المسألة" فإن أردتم بإساءة الظن بهم تأثيمًا أو تبديعًا فمعاذ اللَّه! بل أنتم أسأتم بنا الظن، وإن أردتم بإساءة الظن أنَّا لم نصوبهم في هذه المسألة، ورأينا الصواب في خلافهم فيها؛ فهذا قدر مشترك بيننا وبينكم في كل ما تَنَازَعْنا فيه، بل سائر المتنازعين بهذه المثابة، وقد صرح الأربعة الأئمة (٤) بأن الحق في واحد من الأقوال المختلفة، وليست كلها صوابًا (٥).

стр. 2143

وأما قولكم: "إن هذه المسألة مأخوذة من نص الشافعي" فجوابه من وجهين: أحدهما: أنها لو كانت منصوصة له فقوله بمنزلة قول غيره من الأئمة يحتج له ولا يحتج به، وقد نازعه الجمهور فيها، والحجة تفصل ما بين المتنازعين. الثاني: أن الشافعي رضي اللَّه تعالى عنه لم ينصَّ عليها ولا على ما يستلزمها. وغاية ما ذكرتم نصه على صحة قوله: "أنت طالق قبل موتي بشهر" (١) فإذا مات لأكثر من شهر من وقت هذا التعليق تبينَّا وقوع الطلاق، وهذا [قد] (٢) وافقه عليه مَنْ يبطل هذه المسألة، وليس فيه ما يدل على صحة هذه المسألة ولا هو نظيرها، وليس فيه سبق الطلاق لشرطه، ولا هو متضمن للمُحَال؛ إذ حقيقتُه؛ إذا بَقي من حياتي شهر فأنت طالق. وهذا الكلام معقول غير متناقض ليس فيه تقديم الطلاق على زمن التطليق ولا على شرط وقوعه، وإنما نظير المسألة المتنازع فيها أن يقول: "إذا مت فأنت طالق قبل موتي بشهر" وهذا المحال بعينه، وهو نظير قوله: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا" أو يقول: "أنت طالق عامَ الأول" فمسألة الشافعي شيء ومسألة ابن سريج شيء، ويدل عليه أن الشافعي إنما أوقع عليه الطلاق إذا مات لأكثر من شهر من حين التعليق؛ فلو مات عقيب اليمين لم تطلق، وكانت بمنزلة قوله: "أنت طالق في الشهر الماضي" وبمنزلة قوله: "أنت طالق قبل أن أنكحك" فإن كلا الوقتين ليس بقابل للطلاق؛ لأنها في أحدهما لم تكن محلًا، وفي الثاني لم تكن فيه طالقًا قطعًا، فقوله: "أنت طالق في وقت قد مضى" ولم تكن فيه طالقًا إما إخبارٌ كاذب أو إنشاءٌ باطل، وقد قيل: يقعُ عليه الطلاق ويلغو قوله: "أمس" لأنه أتى بلفظ الطلاق ثم وَصَلَ به ما يمنع وقوعه أو يرفعه فلا يصح (٣) ويقع لغوًا، وكذلك قوله: "أنت طالق طلقة قبلها طلقة" ليس فيه إيقاع

стр. 2144

الطلقة (١) الموصوفة بالقَبْلية في الزمن الماضي ولا تقدمها على الإيقاع، وإنما فيه إيقاع طلقتين إحداهما قبل الأخرى؛ فمن ضرورة قوله: "قبلها طلقة" إيقاعُ هذه السابقة أولًا ثم إيقاع الثانية بعدها؛ فالطلقتان إنما وقعتا بقوله: "أنت طالق" لم تتقدم إحداهما على زمن الإيقاع، وإن تقدمت على الأخرى تقديرًا، فأين هذا من التعليق المستحيل؟ فإن أبيتم وقلتم: قد وصل (٢) الطلقة المنجّزة بتقدّم مثلها عليها، والسبب هو قوله: أنت طالق؛ فقد تقدم وقوع الطلقة المعلَّقة بالقَبْلية على المنجزة، ولما كان هذا نكاحًا صح، وهكذا قوله: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبلها ثلاثًا" أكثَرُ ما فيه تقدم الطلاقِ السابق على المنجز، ولكن المحل لا يحتملهما؛ فتدافعا وبقيت الزوجية بحالها، ولهذا لو قال: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قَبْله واحدة" صح لاحتمال المحل لهما. فالجواب أنه أوقع طلقتين واحدة قبل واحدة، ولم تسبق إحداهما إيقاعه، ولم يتقدم شرط الإيقاع؛ فلا محذور، وهو كما لو قال: "بعدها طلقة، أو معها طلقة" وكأنه قال: "أنت طالق طلقتين معًا، أو واحدة (٣) بعد واحدة" ويلزم من تأخر واحدة (٤) عن الأخرى سبق إحداهما للأخرى، فلا إحالة، أما وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فهو محال وقَصْدُه باطل، والتعبير عنه إن كان خبرًا فهو كذبٌ، وإن كان إنشاءً فهو منكرٌ؛ فالتكلّمُ به منكرٌ من القول وزور (٥) في إخباره، منكر في إنشائه، وأما كون المعلق تمام الثلاث فههنا لمنازعيكم قولان تقدم حكايتهما وهما وجهان في مذهب أحمد (٦) والشافعي ﵄ (٧): أحدهما: يصح هذا التعليق ويقع المنجز والمعلق، وتصير المسألة على وزان ما نص عليه الشافعي من قوله: "إذا مات زيد فأنت طالق قبله بشهر" فمات بعد شهر، فهكذا إذا قال: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله واحدة" ثم مضى زمن تمكن فيه القَبْلية ثم طلقها تبينَّا وقوع المعلق في ذلك الزمان وهو متأخر عن الإيقاع؛ فكأنه قال: "أنت طالق في الوقت السابق على تنجيز الطلاق أو وقوعه معلقًا" فهو تطليق في زمن متأخر.

стр. 2145

والقول الثاني: أن هذا محال أيضًا، ولا يقع المعلق؛ إذ حقيقته أنت طالق في الزمن السابق على تطليقك تنجيزًا أو تعليقًا فيعود إلى (١) سبق الطلاق للتطليق، وسبق الوقوع للإيقاع (٢)، وهو حكمٌ بتقديم (٣) المعلول على علَّته. يوضحه أن قوله: "إذا وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله" إما أن يريد طالق قبله بهذا الإيقاع أو بإيقاعٍ متقدم. والثاني ممتنع، لأنه لم يسبق هذا الكلام منه شيء. والثاني لأنه يتضمن (٤): "أنت طالق قبل أن أطلقك" وهذا عين المحال. فهذا كشف حجاب هذه المسألة وسر مأخذها، وقد تبين أن مسألة الشافعي هذه لون وهي لون آخر (٥). وأما قولكم: "إن الحُكمَ لا يجوز تقدمه على علّته، ويجوز تقدمه على شرطه (٦) كما يجوز تقدمه على أحد سببيه -إلى آخره" فجوابه أن الشرط إما أن يوجد جزءًا من المُقْتضى أو يوجد خارجًا عنه، وهما قولان للنُّظار، والنزاع لَفْظِيٌّ؛ فإن أريد بالمقتضى التام فالشرط جزءٌ منه، وإن أريد به المقتضى الذي يتوقف اقتضاؤه على وجود شرط وعدم مانعه فالشرطُ ليس جزءًا منه، ولكن اقتضاؤه يتوقف عليه، والطريقة الثانية طريقة القائلين بتخصيص العلة، والأولى (٧) طريقة المانعين من التخصيص، وعلى التقديرين فيمتنع تأخر الشرط عن وقوع المشروط؛ لأنه يستلزم وقوع الحكم بدون سببه التام؛ فإن الشرط إن كان جزءًا من المقتضى فظاهرٌ، وإن كان شرطًا لاقتضائه فالمعقق على الشرط [لا] (٨) يوجد (٩) عند عدمه، وإلا لم يكن شرطًا؛ فإنه لو كان يوجد بدونه لم يكن شرطًا، فلو ثبت الحكم قبله لثبت بدون سببه التام، فإن سببه لا يتم إلا بالشرط، فعاد الأمر إلى سبق الأثر لمؤثره والمعلول لعلته، وهذا محال، ولهذا لما لم يكن لكم حيلةَ في دَفْعه وعلمتم لزومه فررتم إلى ما لا يُجْدِي عليكم شيئًا، وهو جَعلُ

стр. 2146

الشرط مجرد علامة ودليل ومعرِّف، وهذا إخراج للشرط عن كونه شرطًا وإبطال لحقيقته؛ فإن العلامة والدليل والمعرف ليست شروطًا في المدلول المعرَّف، ولا يلزم من نفيها نفيه، فإن الشيء يثبت بدون علامةٍ ومعرِّف له، والمشروط ينتفي لانتفاء شرطه وإن لم يوجد لوجوده. وكل العقلاء متفقون على الفرق بين الشرط والأمارة المَحْضَة وأن حقيقة أحدهما وحكمه دون حقيقة الآخر وحكمه، وإن كان قد يقال: إن العلامة شرط في العلم بالمعلم والدليل شرط في العلم بالمدلول، فذاك أمر وراء الشرط في الوجود الخارجي، فهذا شيء وذاك (١) شيءٌ آخر، وهذا حقٌّ، ولهذا ينتفي العلم بالمدلول عند انتفاء دليله، ولكن هل يقول أحد: إن المدلول ينتفي لانتفاء دليله؟ فإن قيل: نعم، قد قاله غير واحد، وهو انتفاء الحكم الشرعي لانتفاء دليله. قيل: نعم فإن الحكم الشرعي لا يثبت بدون دليله، فدليلُه موجِبٌ لثبوته، فإذا انتفى الموجِب انتفى الموجَب، ولهذا [يقال:] (٢) لا موجِبَ فلا موجَبَ، أما شرط (٣) اقتضاء السبب لحكمه فلا يجوز اقتضاؤه بدون شرطه، ولو تأخر الشرط عنه لكان مقتضيًا بدون شرطه، وذلك يستلزم إخراج الشرط عن حقيقته، وهو محال. وأما تقديم الحكم على أحد سببيه في الصورة التي ذكرتموها على إحدى الطريقتين، أو تقديمه على شرط بعد وجود سببه على الطريقة الأخرى؛ فالتنظير به مَغْلَطة (٤)؛ فإن الحكم لم يتقدم على سببه ولا شرطه، وهذا محال، وإن وقع تسامحٌ في عبارة الفقهاء، فإن انقضاء الحول مثلًا والحنثُ والموتُ بعد الجرح شرطٌ للوجوب (٥)، ونحن لم نقدِّم الوجوبَ على شرطه ولا سببه، وإنما قدَّمنا فعلَ الواجب. والفرق بين تقدم الحكم بالوجوب، وبين تقدم أداء الواجب، فظهر أن هذا وهم أو إيهام (٦)، وقد ظهر أن تقديمَ شَرْط علة الحكم وموجبه على (٧) الحكم أمرٌ ثابت عقلًا وشرعًا، ونحن لم نأخذ ذلك عن نصِّ أهل اللغة حتى تطالبونا بنقله، بل ذلك أمر ثابت لذات الشرط وحكم من أحكامه. وليس ذلك متلقَّى من [أهل] (٨)

стр. 2147

اللغة، بل هو ثابت في نفس الأمر لا يختلف بتقدم لفظ (١) ولا تأخره، حتى لو قال: "أنتِ طالقٌ إن دخلت الدار" أو قال: "يبعثك اللَّه إذا متِّ" أو (٢) "تجب عليك الصلاة إذا دخل وقتها" ونحو ذلك فالشرط متقدم عقلًا وطبعًا وشرعًا وإن تأخر لفظًا. وأما قولكم: "إن الأحكام تقبل النقل عن مواضعها فتتقدم وتتأخر" فتطويلٌ بلا تحصيل، وتهويل بلا تفصيل، فهل تقبل النقل عن ترتيبها على (٣) أسبابها وموجباتها بحيث يثبت الحكم بدون سببه ومقتضيه؟ نعم قد يتقدم ويتأخر وينتقل لقيام سبب آخر يقتضي ذلك فيكون مرتبًا على سببه الثاني بعد انتقاله كما كان مرتبًا على الأول قبل انتقاله، وفي كل من الموضعين هو مرتب (٤) على سببه هذا في حكمه وذاك في محله، وأما تنظيركم بنقل الأحكام وتقدمها على أسبابها بقوله: "أنت طالق قبل موتي بشهر" وقولكم: "إن نظيره في الحسيّات أن تقول: إن زُرتني أكرمتُك قبل زيارتك بشهر" فوهم أيضًا أو إيهام (٥)، فإن قوله: "أنت طالق قبل موتي بشهر" إنما تطلق إذا مضى شهر بعد هذه اليمين حتى يتبين وقوع الطلاق بعد إيقاعه، فلو مات قبل مضي شهر لم تطلق على الصحيح؛ لأنه يصير بمنزلة: أنت طالق عام الأول؛ وليس كذلك قوله: "إن زرتنى أكرمتُك قبله بشهر" (٦) فإن الطلاق حكم يمكن تقدير وقوعه قبل الموت، والإكرام فعل حسي (٧) لا يكون إكرامًا بالتقدير، وإنما يكون إكرامًا بالوقوع، وأما استشهادكم بقوله: "أعتق عبدك [عنّي] (٨) " فهو حجة عليكم؛ فإنه يستلزم تقدم الملك التقديري على العتق الذي هو أثره وموجَبُه، والملك شرطه، ولو جاز تأخر الشرط القدر الملك له بعد العتق، وهذا محالٌ، فعلم أن الأسباب والشروط يجب تقدمها، سواء كانت محققة أو مقدرة. [عن القضية الشرطيّة] وقولكم: "إن هذا التعليق يتضمن (٩) شرطًا ومشروطًا، والقضية الشرطية قد

стр. 2148

تعقد للوقوع وقد تعقد لنفي الشرط والجزاء- إلى آخره " فجوابه [أيضًا أن هذا] (١) من الوهم أو الإيهام (٢)؛ فإن القضية الشرطية هي التي يصح الارتباط بين جزءيها، سواء كانا ممكنين أو ممتنعين، ولا يلزم من صدقها شرطية صدق جزءيها جملتين؛ فالاعتبار إنما هو بصدقها في نفسها؛ ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] من أَصْدق الكلام وجُزءا الشرطية ممتنعان، لكن أحدهما ملزومٌ للآخر، فقامت القضية الشرطية من التلازم الذي بينهما؛ فإن تعدد الآلهة مستلزم لفساد السماوات والأرض، فوجودُ آلهةٍ مع اللَّه ملزومٌ لفساد السموات والأرض، والفساد لازم، فإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه، فصَدَقت الشرطية دون مفردَيْها، وأما الشرطية في مسألتنا فهي كاذبة في نفسها؛ لأنها عُقدت للتلازم بين وقوع الطلاق المنجز وسبق الطلاق الثلاث عليه، وهذا كذب في الإخبار باطل في الإنشاء؛ فالشرطية نفسها باطلة لا تصح بوجه؛ فظهر أن تنظيرها بالشرطية الصادقة الممتنعة الجزءين وهم أو إيهام (٣) ظاهر لا خفاء به. [عن الطلاقين المتعارضين] وأما قياسكم المحرر، وهو قولكم: "طلاقان متعارضان يسبق أحدهما الآخر، فوجب أن ينفي (٤) السابق منهما [المتأخر] (٥) كقوله: "إن قدم زيد -إلى آخره " فجوابه أنه لما قدم زيد طلقت ثلاثًا، فقدم عمرو بعده وهي أجنبية، فلم يصادف الطلاق الثاني محلًا، فهذا معقول شرعًا ولغةً وعرفًا، فأين هذا من تعلق (٦) مستحيل شرعًا وعرفًا؛ ولقد وهَنَتْ كلَّ الوهنِ مسألة إلى مثل هذا القياس استنادُهَا، وعليه اعتمادها (٧). وأما قولكم: "نكتة المسألة أنا لو أوقعنا المنجّز لزمنا أن نوقع قبله ثلاثًا -إلى آخره" فجوابه أن يقال: هذا كلام باطل في نفسه، فلا يلزم من إيقاع المنجز إيقاع الثلاث (٨) قبله، لا لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا ولا عرفًا، فإن قلتم: لأنه شرط

стр. 2149

للمعلق قبله (١)، فقد تبين فساد المعلق بما فيه كفاية، ثم نقلب عليكم هذه النكتة (٢) قلبًا أصح منها شرعًا وعقلًا ولغةً، فنقول: إذا أوقعنا المنجَّز لم يمكنا (٣) أن نوقع قبله ثلاثًا قطعًا (٤)، وقد وُجد سببُ وقوع المنجز وهو الإيقاع، فيستلزم موجبه وهو الوقوع، وإذا وقع موجبه استحال وقوع الثلاث؛ فهذه (٥) النكتة أصح وأقرب إلى الشرع والعقل واللغة، وباللَّه التوفيق. وأما (٦) قولكم: "إن المكلف أتى بالسبب الذي ضيق به على نفسه فألزمناه حكمه -إلى آخره" فجوابه أن هذا إنما يصح فيما يملكه من الأسباب شرعًا، فلا بد أن يكون السبب مقدورًا ومشروعًا، وهذا السبب الذي أتى به غير مقدورٍ ولا مشروع؛ فإن اللَّه تعالى لم يملّكه طلاقًا ينجزه تسبقه ثلاث قبله، ولا ذلك مقدور له؛ فالسبب لا مقدور ولا مأمور، بل هو كلام متناقض فاسد؛ فلا يترتب عليه تغيير (٧) أحكام الشرع، وبهذا خرج الجواب عما نظرتم به من المسائل، أما: [عن الطلاق الثلاث جملة] المسألة الأولى -وهي إذا طلَّق امرأته ثلاثًا جملة- فهذه مما يحتجُّ لها، ولا يحتج بها -وللناس فيها أربعة أقوال: أحدهما الإلزام بها. والثاني: إلغاؤها جملة وإن كان هذا إنما يعرف عن فقهاء الشيعة (٨). والثالث: أنها واحدة، وهذا (٩) قول أبي بكر الصديق ﵁ (١٠)،

стр. 2150

وجميع الصحابة في زمانه، وإحدى الروايتين عن ابن عباس (١)، واختيار أعلم الناس بسيرة النبي ﷺ محمد بن إسحاق والحارث العكلي وغيره، وهو أحد القولين في مذهب مالك حكاه التلمساني في "شرح تفريع ابن الجلاب" (٢)، وأحد القولين في مذهب الإمام أحمد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ (٣). والرابع: أنها واحدة في حق التي لم يدخل بها، وثلاث (٤) في حق المدخول بها، وهذا مذهب إمام أهل خراسان في وقته إسحاق بن راهويه نظير الإمام أحمد والشافعي ومذهب جماعة من السلف. وفيها مذهب خامس، وهو أنها إن كانت منجَّزة وقعت، وإن كانت معلَّقة لم تقع، وهو مذهب حافظ الغرب وإمام أهل الظاهر في وقته أبو محمد بن حزم (٥)، ولو طولبتم بإبطال هذه الأقوال وتصحيح قولكم بالدليل الذي يركن إليه العالم لم يمكنكم ذلك، والمقصود أنكم تستدلون بما يحتاج إلى إقامة الدليل عليه، والذين يَسَلِّمون لكم وقوع الثلاث جملة واحدة فريقان: * فريق يقول بجواز إيقاع الثلاث فقد أتى المكلف عنده بالسبب المشروع المقدور فترتب عليه سبَبُه. * وفريق يقول: تقع وإن كان إيقاعها محرمًا كما يقع الطلاق في الحيض والطُّهر الذي أصابها فيه وإن كان محرمًا لأنه ممكن، بخلاف وقوع طلقة مسبوقة بثلاث فإنه محال، فأين أحدهما من الآخر؟

стр. 2151

[فصل] (١) [عن تمليك الرجل امرأته الطلاق] وأما نقضكم الثاني بتمليك الرجل امرأتَه الطلاقَ وتضييقه على نفسه بما وَسّع اللَّه سبحانه عليه مِنْ جَعْله بيده، فجوابه من وجوه: أحدها: أنه بالتمليك لم يخرج الطلاق عن يده، بل هو في يده كما هو، هذا إن قيل: إنه تمليك، وإن قيل: إنه توكيل فله عَزْلُهَا متى شاء. الثاني: أن هذه المسألة (٢) فيها نزاع معروف بين السلف والخلف؛ فمنهم من قال: لا يصح تمليك المرأةِ الطلاقَ ولا توكيلها فيه، ولا يقع الطلاق إلا ممن أخذ بالساق، وهذا مذهب أهل الظاهر، وهو مأثور عن بعض السلف؛ فالنقض بهذه الصورة يستلزم إقامة الدليل عليها، والأدنى (٣) لا يكون دليلًا. ومن هنا قال بعض أصحاب مالك: إنه إذا علَّق اليمين بفعل الزوجة لم تطلق إذا حنث؛ لأن (٤) اللَّه تعالى مَلَّكَ الزوجَ الطلاقَ، وجعله بيده رحمةً منه، ولم يجعله إلى المرأة؛ فلو وقع الطلاق بفعلها لكان إليها إن شاءت أن تفارِقَه وإن شاءت أن تقيمَ معه، وهذا خلاف شَرْع اللَّه، وهذا أحد الأقوال في مسألة تعليق الطلاق بالشرط كما تقدم (٥). والثاني: أنه لغو وباطل، وهذا اختيار أبي عبد الرحمن ابن بنت (٦) الشافعي ومذهَبُ أهل الظاهر والثالث: أنه موجب لوقوع الطلاق عند وقوع الصفة، سواء كان يمينًا أو تعليقًا محضًا، وهذا المشهور عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. والرابع: أنه إن كان بصيغة التعليق لزم، وإن كان بصيغة القسَم والالتزام لم يلزم إلا أن ينويه، وهذا اختيار أبي المحاسن الروياني وغيره. والخامس: أنه إن كان بصيغة التعليق وقع، وإن كان بصيغة القَسَم والالتزام لم يقع وإن نواه، وهذا اختيار القَفَّال في "فتاويه".

стр. 2152

والسادس: أنه إن كان الشرط والجزاء مقصُودَيْن وقع، وإن كانا غير مقصودين -وإنما حلف به قاصدًا منع الشرط والجزاء- لم يقع، ولا كفارة فيه، وهذا اختيارُ بعض أصحاب أحمد. والسابع: كذلك (١)، إلا أن فيه الكفارة إذا خرج مخرج اليمين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁ (٢)، والذي قبله اختيار أخيه. وقد تقدَّم حكاية قول مَنْ حكى إجماع الصحابة أنه إذا حنث فيه لم يلزمه الطلاق (٣)، وحكينا لفظه. والمقصود الجواب عن النقض بتمليك المرأة الطلاق أو توكيلها فيه. وأما قولكم في النقض الثالث: "إن فقهاء الكوفة صحَّحوا تعليق الطلاق بالنكاح، وهو يسد باب النكاح" فهذا القول مما أنكره عليهم سائر الفقهاء، وقالوا: هو سَدّ لباب النكاح، حتى الشافعي (٤) نفسه أنكره عليهم بذلك وبغيره من الأدلة. ومن العجب أنكم قلتم في الرد عليهم؛ لا يصح هذا التعليق؛ لأنه لم يصادف محلًا، وهو لا يملك الطلاق المنجَّز فلا يملك المعلق؛ إذ كلاهما مُسْتَدْعٍ لقيام محله، ولا محل، فهلا قبلتم منهم احتجاجَهم عليكم في [هذه] (٥) المسألة السُّرَيجية بمثل هذه الحجة، وهي أن المحل غير قابِلٍ لطلقة مسبوقة بثلاث، وكان هذا الكلام لغوًا وباطلًا فلا ينعقد، كما قلتم أنتم في تعليق النكاح بالطلاق: إنه لغوٌ وباطلٌ فلا ينعقد (٦). فصل [إذا علق عتق عبده على ملكه] وأما النقض الرابع بقوله: "كلُّ عبدٍ أو أمة أملكه فهو حرٌّ" فهذا للفقهاء فيه قولان، وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه لا يصح كتعليق الطلاق. والثاني: أنه يصح، والفرق بينه وبين تعليق الطلاق أن ملك العبد قد شرع

стр. 2153

طريقًا إلى زوال ملكه عنه بالعتق، إما بنفس الملك كمن ملك ذا رَحِم مَحْرَم، وإما باختيار الإعتاق كمن اشترى عبدًا ليعتقه عن كفارته أو ليتقرب به إلى اللَّه ، ولم يشرع اللَّه النكاح طريقًا إلى زوال ملك البُضْع ووقوعِ الطلاق، بل هذا يترتب عليه ضد مقصوده شرعًا وعقلًا وعرفًا، [والعتق المترتب] (١) على الشراء ترتيب لمقصوده عليه شرعًا وعرفًا، فأين أحدهما من الآخر؟ وكونه قد سَدَّ على نفسه باب ملك الرقيق فلا يخلو إما أن يعلق ذلك تعليقًا مقصودًا أو تعليقًا قسميًا؛ فإن كان مقصودًا فهو قد قصد التقرب إلى اللَّه بذلك، فهو كما لو التزم صَوْم الدهر وسدَّ على نفسه باب الفطر. وإن كان تعليقًا قسَميًا فله سَعَة بما وسَّع اللَّه عليه من الكفارة كما أفتى به الصحابة ﵃، وقد تقدم. فصل [النقض بمن معه ألف دينار] وأما النقض الخامس بمن معه ألف دينار فاشترى بها جاريةً وأوْلَدها (٢)، فهذا أيضًا نقض فاسد؛ فإنه بمنزلة مَنْ أنفقها في شهواته وملاذه، وقعد مَلُومًا محسورًا، أو تزوج بها امرأة وقَضَى وطره منها نحو ذلك. فأين هذا من سد باب الطلاق وبقاء المرأة كالغل في عنقه إلى أن يموت أحدهما؟ فصل [لم تبن الشرائع على الصور النادرة] وقولكم: قد يكون له في هذه اليمين مصلحة وغرض صحيح، بأن يكون محبًا لزوجته ويخشى وقوع الطلاق بالحلف أو غيره فيسرّحها" جوابه أن الشرائع العامة لم تُبْنَ على الصور النادرة، ولو كان لعموم المطلِّقين في هذا مصلحة لكانت حكمة أحكم الحاكمين تمنع الرجالَ من الطلاق بالكليّة، وتجعل الزوج (٣) في ذلك بمنزلة المرأة لا تتمكن من فراق زوجها. ولكن حكمته تعالى أولى وأليق من مراعاة هذه المصلحة الجزئية التي في مراعاتها تعطيل مصلحة أكبر منها وأهم، وقاعدة الشرع والقدر تحصيل أعلى المصلحتين وإن فات (٤) أدناهما، ودفع أعلى

стр. 2154

المفسدتين وإن وقع أدناهما (١)، وهكذا ما نحن فيه سواء؛ فإن مصلحة تمليك الرجالِ الطلاقَ أعلى وأكبَرُ من مصلحة سده عليهم، ومفسدةُ سدِّه عليهم أكبر من مفسدة فتحه لهم المُفْضِية إلى ما ذكرتم. وشرائع الرب كلها حِكمٌ ومصالح وعدل ورحمة، وإنما العبث والجور والشِّدة في خلافها، وباللَّه التوفيق. وإنما أطلنا الكلام في هذه المسألة لأنها من أمهات الحيل وقواعدها، والمقصود بيان بطلان الحيل؛ فإنها (٢) لا تتمشَّى على قواعد الشريعة ولا أصول الأئمة، وكثير منها -بل أكثرها- من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم، والأئمة بَرَاء منها. فصل [بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه] ومن الحيل الباطلة الحيلة على التخلص من الحنث بالخُلْع، ثم يفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح، وهذه الحيلة باطلة شرعًا، وباطلة على أصول أئمة الأمصار: أما بطلانها شرعًا فإن هذا خُلع لم يشرعه اللَّه ولا رسوله، وهو تعالى لم يمكِّن الزوج من فسخ النكاح متى شاء؛ فإنه لازمٌ، وإنما مكَّنه من الطلاق، ولم يجعل له فَسْخَه إلا عند التشاحن (٣) والتباغض إذا خافا أن لا يقيما حدود اللَّه، فشرع لهما التخلص بالافتداء؛ وبذلك جاءت السنة (٤)، ولم يقع في زمن رسول اللَّه ﷺ ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة، ولا في زمن التابعين، ولا تابعيهم، ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة وجعله طريقًا للتخلص من الحنث، وهذا من كمال فقههم ﵃؛ فإن الخلع إنما جعله الشارع مقتضيًا للبينونة ليحصل مقصود المرأة من الافتداء من زوجها، وإنما يكون ذلك مقصودها إذا قصدت أن تفارقه على وجه لا يكون له عليها سبيل، فإذا حصل هذا ثم فعل المحلوف عليه وَقعَ وليست زوجته فلا يحنث، وهذا إنما حصل تبعًا

стр. 2155

للبينونة التابعة لقصدهما، فإذا خالعها ليفعل المحلوف عليه لم يكن قصدهما البينونة، بل حلّ اليمين، وحلُّ اليمين إنما يحصل تبعًا للبينونة لا أنه المقصود بالخلع الذي شرعه اللَّه ورسوله (١)، وأما خلع الحيلة فجاءت البينونة فيه لأجل حل اليمين، وحل اليمين جاء لأجل البينونة؛ فليس عقد الخلع بمقصود (٢) في نفسه للرجل ولا للمرأة، واللَّه تعالى لا يشرع عقدًا لا يقصد واحد من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضد ما شرعه [اللَّه] (٣) له؛ فإنّه شُرِع لتخلُّص المرأة من الزوج، والمتحيّل يفعله لبقاء النكاح؛ فالشَّارع شرعه لقطع النكاح، والمتحيّل يفعله لدوام النِّكاح. فصل [المتأخرون هم الذين أحدثوا الحيل ونسبوها إلى الأئمة] والمتأخرون (٤) أحْدَثوا حيلًا لم يصح القول بها عن أحد من الأئمة، ونسبوها إلى الأئمة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمة موقفٌ بين يدي اللَّه ، ومن عَرَف سيرة الشافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدلالة عليها، ولا كان يشيرُ على مسلمٍ بها. [تبرئة الشافعي من تهمة الحيل] وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرفاتهم، تَلَقّوْها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وان كان رحمه اللَّه تعالى يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيته، كما تقدم حكاية كلامه، فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر الناس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا

стр. 2156

حقيقةَ له، بل ما يتيقن (١) أن باطنه خلاف ظاهره، ولا يُظن بمن دون الشافعي من أهل العلم والدين أنه يأمر أو يبيح ذلك؛ فالفرق [ظاهرٌ] (٢) بين أن لا يعتبر القصد في العقد ويجريه على ظاهره وبين (٣) أن يُسِّوغ عقدًا قد علم بناؤه على المكر والخداع وقد علم أن باطنه خلاف ظاهره. فواللَّه ما سَوَّغ الشافعي ولا إمام من الأئمة هذا العقد قط، ومن نسب ذلك إليهم فهم خصماؤه عند اللَّه؛ فالذي سوغه الأئمة بمنزلة الحاكم يُجْرِي الأحكام على ظاهر عدالة الشهود وإن كانوا في الباطن شهودَ زورٍ، والذي سوغه أصحاب الحيل بمنزلة الحاكم يعلم أنهم في الباطن شهود زور كَذَبة وأنَّ ما شهدوا به لا حقيقةَ له (٤) ثم يحكم بظاهر عدالتهم. وهكذا في مسألة العِينة: إنما جوَّز الشافعي أن يبيع السلعة ممن اشتراها منه جَرْيًا على ظاهر عقود المسلمين وسلامتها من المكر والخداع، ولو قيل للشافعي: "إن المتعاقدين قد تواطئا على ألفٍ بالفٍ ومئتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السلعة محللًا للربا" [لم] (٥) يجوَّز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار. ولقد كان الأئمة من أصحاب الشافعي (٦) ينكرون على مَنْ يحكي عنه الإفتاء بالحيل، قال الإمام أبو عبد اللَّه بن بطة (٧): "سألت أبا بكر الآجري وأنا وهو بمنزله بمكة (٨) عن هذا الخلع الذي يفتي به [بعض] (٩) الناس، وهو أن يحلف رجل أن [لا] (١٠) يفعل شيئًا، ولا بد له من فعله، فيقال له: اخلع زوجتك وافعل ما حَلَفْتَ عليه ثم راجعها، واليمين بالطلاق ثلاثًا، وقلت له: إن قومًا يفتون [هذا] (١١) الرجل الذي يحلف بأيمان البيعة ويحنث أن لا شيء عليه، ويذكرون أن

стр. 2157

الشافعي لم ير على من حلف بأيمان البيعة شيئًا، فجعل أبو بكر يعجب من سؤالي عن هاتين المسألتين في وقت واحد، ثم قال [لي] (١): [أعلم أني] (١) منذ كتبتُ العلم وجلست للكلام فيه وللفتوى ما أفتيت في هاتين المسألتين بحرف، ولقد سألت أبا عبد اللَّه الزبيري [الضرير ﵀] (١) عن هاتين المسألتين كما سألتني عن (٢) التعجب ممن يقدم (٣) على الفتوى (٤) فيهما، فأجابني فيهما بجواب كتبته عنه، ثم قام فأخرج لي كتاب "أحكام الرجعة والنشوز" من كتاب الشافعي، وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر [﵀] (١): سألت أبا عبد اللَّه الزبيري، [فقلت له: الرجل يحلف بالطلاق ثلاثًا أن لا يفعل شيئًا، ثم يريد أن يفعله] (٥)، وقلت له: إن أصحاب الشافعي [﵀] (٦) يفتون فيها بالخلع، [يخالع] (٦) ثم يفعل، فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي، ولا بلغني أن له في هذا قولًا معروفًا، ولا أرى من يذكر هذا عنه [إلا مُحِيلًا] " (٧). والزبيري أحد الأئمة الكبار من الشافعية، فإذا كان هذا قوله وتنزيهه للشافعي عن خلع اليمين فكيف بحيل الربا الصريح وحيل التَّحليل وحيل إسقاط الزكاة والحقوق وغيرها من الحيل المحرمة؟ فصل (٨) [أمران لا بُدَّ من معرفتهما] [تنزيه الشَّريعة] ولا بد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو: * النصيحة للَّه ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث اللَّه به رسوله من الهدى والبيِّنات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وان أدخلها فيه مَنْ أدخلها بنوع تأويل.

стр. 2158

[من فضل الأئمة] * والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم للَّه ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يُوجب اطَّراح أقوالهم جملة وتنّقصهم والوقيعة فيهم. فهذان طرفان جائران عن القصد، وقَصْدُ السبيل بينهما، فلا نُؤثّم ولا نَعْصم، ولا (١) نسلك بهم مسلك الرافضة في عليّ ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك [بهم] (٢) مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثّمونهم [ولا يعصمونهم] (٣)، ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة؟ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح اللَّه صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: * جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم. * أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث اللَّه بها رسوله. ومن له علم بالشرع والواقع؛ يعلم قطعًا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهَفْوَة والزَّلَّة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده؛ فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين (٤). قال عبد اللَّه بن المبارك: كنتُ بالكوفة فناظروني في النَّبيذ المختلف فيه، فقلت لهم: تعالَوْا فليحتج المحتج منكم عمَّن شاء من أصحاب النبي ﷺ بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة (٥) صحَّت عنه، فاحتجُّوا. فلما (٦) [جاءوا عن أحد برخصة إلا جئناهم بشدة (٧)، فلما] (٨) لم يبق في يد أحد

стр. 2159

منهم إلا عبد اللَّه بن مسعود (١)، وليس احتجاجهم عنه في شدة النبيذ بشيء يصح عنه، إنما يصح عنه أنه لم ينتبذ له في الجرِّ (٢) الأخضر، قال ابن المبارك فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمقٌ عُدَّ (٣) أن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر وتخشى، فقال قائل (٤): يا أبا عبد الرحمن فالنخعي والشعبي -وسَمَّى عدة معهما- كانوا يشربون الحرام (٥)؟ فقلت [لهم] (٦): دعوا عند المناظرة تسميه الرجال، فربّ رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن تكون منه زَلَّة، أفيجوز لأحد أن يَحتجَّ بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا، قلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟ قالوا: حرام، فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالًا، أفماتوا وهم ياكلون الحرام؟ فبُهتوا وانقطعت حجتهم (٧). قال ابن المبارك: "ولقد أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أُنشد الشِّعرَ، فقال: يا بنيَّ لا تنشد الشعر، فقلت: يا أبت كان الحسن ينشد الشعر، وكان ابن سيرين ينشد، فقال: أي بُنَيَّ إن أخذت بشرِّ ما في الحسن وبشرِّ ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشَّرُّ كلُّه! " (٨). قال شيخ الإسلام: "وهذا الذي ذكره (٩) ابن المبارك متَّفقٌ عليه بين العلماء، فإنه ما من أحد من أعيان الأئمة من (١٠) السابقين الأولين ومَنْ بعدهم إلا وله

стр. 2160

أقوال وأفعال خفي عليهم فيها السنة" (١). قلت: وقد قاله (٢) أبو عمر بن عبد البر في أول "استذكاره" (٣). قال شيخ الإسلام (٤): "وهذا باب واسع لا يُحصى، مع أن ذلك لا يغضُّ من أقدارهم، ولا يسوغ اتباعهم فيها، [كما] (٥) قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، قال مجاهد (٦) والحكم بن عُتيبة (٧) ومالك (٨) وغيرهم (٩): ليس أحد من خَلْق اللَّه إلا يُؤخذ من قوله وبترك إلا النبي ﷺ ، وقال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشرُّ كله (١٠)، قال ابن عبد البر (١١): هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا، وقد روي عن النبي ﷺ وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله، فروى كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المُزنيّ، عن أبيه، عن جده قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إني لأخاف (١٢) على أمتي من بعدي من أعمالٍ ثلاثة، قالوا: وما هي يا رسول اللَّه؛ قال: إني أخاف عليهم من زلَّةِ العالم، ومن

стр. 2161

حكم الجائر (١)، ومن هَوًى متبع" (٢). وقال زياد بن حُدَير (٣): قال عمر [﵁] (٤): ثلاثٌ يهدِمْنَ الدين: زلةُ عالم، وجدالُ مناقٍ بالقرآن، وأئمةٌ مضلِّون (٥). وقال الحسن: قال أبو الدرداء: إن مما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق، وعلى القرآن منارٌ كأعلام الطريق (٦). وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته كل يوم، قلما يخطئه (٧) أن يقول ذلك: اللَّه حَكَمٌ قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فِتَنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها (٨) القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصَّبي والأسود والأحمر، فيوشك

стр. 2162

أحدهم [أن يقول] (١): قد قرأت القرآن فما أظنّ أن يتّبعوني حتى ابتدع لهم غيره، فإيّاكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإيّاكم وزيغةَ الحكيم فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإن المنافق قد يقول كلمة الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نورًا، قالوا: [و] (٢) كيف زيغة الحكيم؟ قال: هي كلمةٌ تروعكم وتنكرونها وتقولون ما هذه، فاحذروا زيغته، ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء (٣) و [أن] (٢) يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة، فمن ابتغاهما وجدهما (٤). وقال سلمان الفارسي: كيف أنتم عند ثلاثٍ: زلةِ عالمٍ، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم [وتقولون نصنع مثل ما يصنع فُلَان [وننتهي عمّا ينتهي عنه فلان] (٥)، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان] (٦)، وأما مجادلة منافق (٧) بالقرآن فإن للقرآن مَنَارًا كمنار الطريق، فما عرفتم منه فَخُذُوه (٨) وما لم تعرفوا فَكِلُوا (٩) إلى اللَّه [تعالى] (١٠)، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم (١١). وعن ابن عباس: "ويلٌ للأتباعِ من عَثَرات العالم، قيل: كيف ذلك (١٢)؟

стр. 2163

قال: يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد مَنْ هو أعلم منه برسول اللَّه ﷺ (١) فيترك قوله [ذلك] (٢) ثم يمضي الأتْباعُ" (٣). ذكر أبو عمر هذه الآثار كلها وغيره (٤). فإذا كنا قد حُذِّرْنَا [من] (٥) زلة العالم وقيل لنا: إنها من أخوف ما يُخاف علينا، وأمِرْنا مع ذلك أن لا نرجع عنه، فالواجب على من شرح اللَّه صدره للإسلام إذا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلَّدها، بل يسكت عن ذكرها إن تيقَّن صحتها (٦)، وإلا توقف في قبولها؛ [فكثيرًا] (٧) ما يُحكى عن الأئمة ما لا حقيقة له، وكثير من المسائل يخرِّجها بعضُ الأتباع على قاعدة متبوعِهِ (٨) مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تفْضِي إلى ذلك لما التزَمها، [وأيضًا فلازِمُ المذهبِ ليس بمذهب، وإن كان لازم النص حقًا (٩)؛ لأن الشارع لا يجوز عليه التناقض، فلازم قوله حق، وأما مَنْ عداه فلا يمتنع عليه أن يقول الشيء ويخفى عليه لازمُهُ، ولو علم أن هذا لازمه لما قاله؛ فلا يجوز أن يقال: هذا مذهبه، ويُقوَّل ما لم يقله، وكل مَنْ له علم بالشريعة وقدرها وبفضل الأئمة ومقاديرهم وعلمهم وورعهم ونصيحتهم للدِّين تيقن أنهم لو شاهدوا أمر هذه الحيل وما أفْضَتْ إليه من التلاعب بالدين لقطعوا بتحريمها] (١٠).

стр. 2164

ومما يوضح ذلك أن الذين أفتوا من العلماء ببعض مسائل الحيل وأخذوا (١) ذلك من بعض قواعدهم لو بلغهم ما جاء في ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه لرجَعُوا عن ذلك يقينًا؛ فإنهم كانوا في غاية الإنصاف، وكان أحدهم يرجع عن رأيه بدون ذلك، وقد صرَّح بذلك غير واحد منهم وإن كانوا كلهم مُجْمِعين على ذلك، قال الشافعي [﵁] (٢): إذا صح الحديث عن رسول اللَّه ﷺ فاضربوا بقولي الحائط (٣)، وهذا وإن كان لسانَ (٤) الشافعي فإنه لسان (٤) الجماعة كلهم (٥)، [ومن الأصول التي أتفق عليها الأئمة] (٦) أن أقوال أصحاب رسول اللَّه ﷺ المنتشرة لا تُترك إلا بمثلها، [وقد ذكرنا في التحليل والعِينة، وغيرهما من الأحاديث والآثار ما يقطع معه اللبيب أن لا حجَّةَ لأحد في مخالفتها، ولم تشتمل كتب من خالفها من الأئمة عليها حتى يقال: إنهم تأولوها، فعُلم أنها لم تبلغهم] (٧). يوضح ذلك أن القول بتحريم الحيل قطعي ليس من مسالك الاجتهاد (٨). إذ لو كان من مسالك (٩) الاجتهاد لم يتكلم الصحابة والتابعون والأئمة في أرباب (١٠) الحيل بذلك الكلام الغليظ الذي ذكرنا منه اليسير من الكثير، وقد اتفق السلف على أنها بدعة مُحْدَثة؛ فلا يجوز تقليد مَنْ يفتي بها، ويجب نقض حكمه، ولا يجوز الدلالة للمقلِّد على مَنْ يفتي بها، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على ذلك كله، ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، كما أن المكيين والكوفيين لا يجوز تقليدهم في مسألة المُتْعَة والصرف والنَّبيذ، ولا يجوز تقليد بعض المدنيين في

стр. 2165

مسألة الحشوس وإتيان النساء (١) في أدبارهن بل عند فقهاء الحديث أن مَن شرب النبيذ المخْتَلَف فيه حُدَّ، وهذا فوق الإنكار باللسان، بل عند فقهاء أهل المدينة يفسَّق، ولا تقبل شهادته. [خطأ من زعم أنّ مسائل الخلاف لا إنكار فيها] وهذا يرد قول مَنْ قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا [خلاف] (٢) إجماع الأئمة، ولا يُعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك، وقد نص الإمام أحمد على أن من تزوج ابنته من الزنا يُقتل، والشافعي (٣) وأحمد (٤) ومالك (٥) لا يَرَوْن خلاف أبي حنيفة (٦) فيمن تزوج أمه وابنته أن يُدْرَأ عنه الحد بشبهة دارئة للحد، بل عند الإمام أحمد ﵁ يقتل، وعند الشافعي ومالك يحد حد الزنا [في] (٧) هذا، مع أن القائلين بالمتعة والصَّرْف معهم سُنَّةٌ وإن كانت منسوخة (٨)، وأرباب الحيل ليس معهم سنة، ولا أثر عن صاحب ولا قياس صحيح. [خطأ قول من قال: لا إنكار في المسائل الخلافية] وقولهم: "إن مسائل الخلاف لا إنكار فيها" ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى أو العمل (٩)، أما الأول فإذا كان القولُ يخالف سنةً

стр. 2166

أو إجماعًا شائعًا (١) وجب إنكاره اتفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنَّ بيان ضعفه ومخالفته للدليل إنكار مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإنكار، وكيف يقولُ فقيهٌ: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، والفقهاءُ من سائر الطوائف قد صرَّحوا بنقضِ حكم الحاكم إذا خالف كتابًا أو سنةً وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء؟ وأما إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماعٌ وللاجتهاد فيها مَسَاغٌ لم يُنكر (٢) على مَنْ عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس ممن ليس لهم تحقيق في العلم. [متى يسوّغ الاجتهاد ؟] والصواب ما عليه الأئمة (٣) أن مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب (٤) العمل به وجوبًا ظاهرًا مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ فيها -إذا عدم فيها الدليل الظاهر الذي يجب العمل به- الاجتهاد لتعارض الأدلة أو لخفاء الأدلة فيها، وليس في قول العالم: "إن هذه المسألة قطعية أو يقينية، ولا (٥) يسوغ فيها الاجتهاد" طَعْنٌ على مَنْ خالفها، ولا نسبة له إلى تعمّد (٦) خلاف الصواب، والمسائل التي اختلف فيها السلف والخلف وقد تيقَّنا صحة أحد القولين فيها كثير، مثل كون الحامل تعتد بوضع الحمل (٧)، وأن إصابة الزوج

стр. 2167

الثاني شرط في حلِّها للأول (١)، وأن الغسل يجب بمجرد الإيلاج وإن لم يُنْزِل (٢)، وإن ربا الفَضْل حَرَام (٣)، وأن المتعة حرام (٤)، وأن النَّبيذ المُسْكر حرام (٥)، وأن المسلم لا يقتل بكافر (٦)، وأن المسح على الخفين جائز حضرًا وسفرًا (٧)، وأن السنة في الركوع وضع اليدين على الركبتين دون التطبيق (٨)، وأن رفع اليدين عند

стр. 2168

الركوع والرفع منه سنة (١)، وأن الشفعة ثابتة في الأرض والعَقَار (٢)، وأن الوقف صحيح لازم (٣)، وأن دية الأصابع سواء (٤)، وأن يد السارق تقطع في ثلاثة دراهم (٥)، وأن الخاتم من حديد (٦) يجوز أن يكون صُدَاقًا (٧)، وأن التيمم إلى

стр. 2169

الكُوعين بضربة واحدة جائز (١)، وأن صيام الوليّ عن الميت يُجزئ عنه (٢)، وأن الحاج يلبّي حتى يرمي جمرة العقبة (٣)، وأن المحرم له استدامة الطيب دون ابتدائه (٤)، وأن السنة أن يسلّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه (٥)، وأن خِيَارَ المجلس ثابتٌ في البيع (٦)، وأن المُصَرَّاة يرد معها عوض اللبن صاعًا من تمر (٧)، وأن صلاة الكسوف

стр. 2170

بركوعين في كل ركعة (١)، وأن القضاء جائزٌ بشاهد ويمين (٢)، إلى أضعاف أضعاف ذلك من المسائل، ولهذا صرح (٣) الأئمة بنقض حكم مَنْ حكم بخلاف كثير من هذه المسائل، من غير طعن منهم على من قال بها. [لا عذر يوم القيامة للمقلِّد] وعلى كل حال فلا عذر عند اللَّه يوم القيامة (٤) لمن بلغه [ما] (٥) في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نَبَذَها وراء ظهره، وقلَّد مَنْ نهاه عن تقليده، وقال له: لا يحلُّ لك أن تقول بقولي إذا خالف السنة، وإذا صح الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتى لو لم يقل له ذلك لكان (٦) هذا هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحة [له] (٥) فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يَسَعْه إلا اتباع الحجة، ولو لم يكن في هذا الباب شيء من الأحاديث والآثار البتة (٧) فإن المؤمن يعلم بالاضطرار أن رسول اللَّه ﷺ لم يكن يُعلِّم أصحابه هذه الحيل، ولا يدلّهم عليها، ولو بلغه عن أحد فعل شيئًا منها لأنكر عليه، ولم يكن أحد من أصحابه (٨) يفتي بها ولا يعلمها، وذلك مما يَقطع به كل مَنْ له أدنى اطلاع على أحوال القوم وسيرتهم وفتاويهم، وهذا القدر لا يحتاج إلى دليل أكثر من معرفة حقيقة [الدين] (٥) الذي بعث اللَّه به رسوله.

стр. 2171

فصل [بيان بطلان الحيل على التفصيل] فلنرجع إلى المقصود، وهو بيان (١) بطلان هذه الحيل على التفصيل، وأنها لا تتمشى لا (٢) على قواعد الشرع ومصالحه وحكمه ولا على أصول الأئمة. [إبطال حيلة تصحيح وقف الإنسان على نفسه] قال شيخنا (٣): "ومن الحيل الجديدة (٤) التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها أن يريد الرجل أن يقف على نفسه وبعد (٥) موته على جهات متصلة، [فيقول أرباب الحيل] (٦): أقِرَّ أن هذا المكان (٧) الذي بيدك وَقْفٌ عليك من غيرك، ويعلِّمونه الشروط التي يريد إنشاءها، فيجعلها إقرارًا؛ فيعلّمونه الكذب في الإقرار، [ويشهدون على الكذب وهم يعلمون] (٨)، ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم في (١) أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة (٩) [من] (١٠) الإنسان على نفسه، فكيف يلقّن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها؟ ثم (١١) إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلًا في دين اللَّه فقد علَّمتموه (١٢) حقيقة الباطل؛ فإن اللَّه تعالى (١٣) قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا والإقرار الكاذب (١٤)، فيصير المال حرامًا على مَنْ يتناوله (١٥) إلى يوم القيامة، وإن كان وقف الإنسان

стр. 2172

على نفسه صحيحًا (١) فقد أغنى اللَّه تعالى عن تكلف الكذب". قلت: ولو (٢) قيل: إنه مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد فإذا وقفه على نفسه كان لصحته مَسَاغ لما فيه من الاختلاف السائغ (٣)، وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بَحْت، ولا يجعله ذلك وقفًا اتفاقًا إذا أخذ الإقرار على حقيقته، ومعلوم قطعًا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقربُ إلى الشرع والعقل من توصله إليه بالكذب والزور والإقرار الباطل؛ فتقليد عالم من علماء المسلمين أعْذرُ عند اللَّه من تلقين الكذب والشهادة عليه. فصل (٤) [حيلة في الوقف] ولهم حيلة أخرى -وهي أن الذي يريد الوقف يملّكه لبعض مَنْ يثق به (٥) ثم يَقِفُه ذلك المملَّكُ عليه بحسب اقتراحه- وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإنَّ [حد] التمليك [المشروع المعقول] (٦) أن يرضى المملِّك بنقل الملك إلى المملَّك بحيث يتصرف فيه بما يُحِب (٧) من وجوه التصرفات، وهنا قد علم اللَّه تعالى [والحفَظَة الموكلون بالعبد ومن يشاهدهم (٨) من بني آدم] (٩) من هذا (١٠) [المملِّك] (٦) أنه لم يرض بنقل الملك إلى هذا، ولا خَطَر له على بال، ولو سأله درهمًا واحدًا فلعله كان لم يسمح به عليه (١١)، ولم يرض بتصرفه فيه إلا بوقفه على المملك خاصة، بل قد ملَّكه إياه بشرط أن يتبرع عليه به وقفًا إما بشرط (١٢) مذكور وإما بشرط (١٢) معهود متواطأ عليه، وهذا تمليكٌ فاسدٌ قطعًا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة العُمْرَى والرُّقْبَى

стр. 2173

المشروط فيها [العَوْد] (١) إلى المعمر، فإنه (٢) هناك مَلَّكه التصرف فيه، وشَرَطَ العود، وهنا لم يملكه شيئًا [قط]، إنما تكلم بلفظ التمليك غيرَ قاصد معناه، والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات اللَّه وتلاعب بحدوده، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى في الفصل الذي بعد هذا الطريق [الشرعية] (٣) المُغْنية عن هذه الحيلة الباطلة. فصل [إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة] ومن الحيل الباطلة: تحيّلهم على إيجار الوقف مئة سنة مثلًا، وقد شرط الواقف ألا يؤجّر أكثر من سنتين أو ثلاثًا؛ فيؤجره المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعًا؛ فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدًا، وكم قد ملك من الوقف بهذه الطريق (٤)، وخرج عن الوقفيّة بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينًا بعد سنين؟ وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقفما [بالإيجار الطويل؟ وكم أوجر الوقف] (٥) بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة؟ وكم زادت أجرة الأرض أو العَقَار (٦) أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها؟ وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العَدَّ، والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة (٧) الطويلة، فصرَّح بأنه لا يؤجّر أكثر من تلك المدة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقودٍ مخالفةٍ صريحة لشرطه، مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة. وياللَّه العجب! هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد؟ وأي غرضٍ للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوّزها في ساعة واحدة

стр. 2174

في عقود متفرقة؟ وإذا أخره في عقوده متفرقة أكثر من ثلاث سنين، أيصحُّ أن يقال: وَفَّى بشرط الواقف ولم يخالفه؟ هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعريض لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر نفعها، وألا (١) يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها، فلا يحل لمُفْتٍ أن يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف (٢)، بأن يخرب ويتعطل (٣) نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحًا لوقفه واستمرارًا لصدقته، وقد يكون هذا خيرًا من بيعه والاستبدال به، وقد يكون البيع أو الاستبدال (٤) خيرًا من الإجارة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. والذي يُقضى منه العجب التحيّل على مخالفة شرط الواقف وقصدِه الذي يقطع بأنه قَصْدُه مع ظهور المفسدة، والوقوفُ مع ظاهر شرطه ولفظِهِ المخالفِ لقصده وللكتاب والسنة ومصلحة الموقوف عليه، بحيث يكون مرضَاةَ للَّه ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة أجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحبَّ إلى اللَّه ورسوله، لا يغير شرط الواقف، وبجري مع ظاهر لفظه، وإن ظهر قصده بخلافه، وهل هذا إلا من قلَّة الفقه؟ بل من عدمه، فإذا تحيلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسدَ العظيمةَ فهلا تحيَّلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح العظيمة (٥) بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط اللَّه عليه؟ فإن شرط اللَّه أحق وأوثق، بل يقولون هاهنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع، وهذه جملة من أبطل الكلام، وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدًا، بل نصوص الواقف يتطرق إليها (٦) التناقض والاختلاف، وبجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها، ولا حرمة لها حينئذ البتة، ويجوز -بل يترجح- مخالفتها إلى ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه، ويجوز اعتبارها والعدول عنها مع تساوي الأمرين، ولا يتعيّن الوقوف معها، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى فيما بعد، ونبين ما يحل الإفتاء به وما

стр. 2175

لا يحل من شروط الواقفين؛ إذ القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعًا وعرفًا ولغةً. فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه عادة] ومن الحيل الباطلة ما لو حلف أن لا يفعل شيئًا، ومثله لا يفعله نفسه أصلًا، كما لو حلف السلطان أن لا يبيع كذا، ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها، ولا يُخرج هذا من بلده، ونحو ذلك، فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك، ويبر في يمينه، إذا لم يفعله بنفسه، وهذا من أبرد الحيل وأسمجها وأقبحها، وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه، ولا يشك في أنه حانث، ولا أحد من العقلاء، وقد علم اللَّه ورسوله والحَفَظَة -بل والحالف نفسه (١) - أنه إنما حلف على نفي الأمر والتمكين من ذلك، لا على مباشرته، والحيل إذا أفْضَتْ إلى مثل هذا سمجت غاية السماجة، ويلزم أرباب الحيل والظاهر أنهم يقولون: إنه إذا حلف أن لا يكتب لفلان توقيعًا ولا عهدًا ثم أمر كُتَابه أن يكتبوه له، فإنه لا يحنث، سواء كان أميًا أو كاتبًا، وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا (٢) البئر، ولا يَكْرِيَ هذا النهر، فأمر غيره بحَفْره وإكرائه أنه لا يحنث. فصل [إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئًا ففعل بعضه] ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في [هذه] (٣) الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام، [قالوا: يأكل] (٤) الرغيف ويدع [منه] (٥) لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القَدْرَ اليسير منه ولو أنه لقمة. وهذه الحيلة باطلة باردة (٦)، ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحِنْث، وفَعَلَ
следующие страницы →