← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فصل [بيان بطلان الحيل على التفصيل] فلنرجع إلى المقصود، وهو بيان (١) بطلان هذه الحيل على التفصيل، وأنها لا تتمشى لا (٢) على قواعد الشرع ومصالحه وحكمه ولا على أصول الأئمة. [إبطال حيلة تصحيح وقف الإنسان على نفسه] قال شيخنا (٣): "ومن الحيل الجديدة (٤) التي لا أعلم بين فقهاء الطوائف خلافًا في تحريمها أن يريد الرجل أن يقف على نفسه وبعد (٥) موته على جهات متصلة، [فيقول أرباب الحيل] (٦): أقِرَّ أن هذا المكان (٧) الذي بيدك وَقْفٌ عليك من غيرك، ويعلِّمونه الشروط التي يريد إنشاءها، فيجعلها إقرارًا؛ فيعلّمونه الكذب في الإقرار، [ويشهدون على الكذب وهم يعلمون] (٨)، ويحكمون بصحته، ولا يستريب مسلم في (١) أن هذا حرام؛ فإن الإقرار شهادة (٩) [من] (١٠) الإنسان على نفسه، فكيف يلقّن شهادة الزور ويشهد عليه بصحتها؟ ثم (١١) إن كان وقف الإنسان على نفسه باطلًا في دين اللَّه فقد علَّمتموه (١٢) حقيقة الباطل؛ فإن اللَّه تعالى (١٣) قد علم أن هذا لم يكن وقفًا قبل الإقرار، ولا صار وقفًا والإقرار الكاذب (١٤)، فيصير المال حرامًا على مَنْ يتناوله (١٥) إلى يوم القيامة، وإن كان وقف الإنسان

стр. 2172

على نفسه صحيحًا (١) فقد أغنى اللَّه تعالى عن تكلف الكذب". قلت: ولو (٢) قيل: إنه مسألة خلاف يسوغ فيها الاجتهاد فإذا وقفه على نفسه كان لصحته مَسَاغ لما فيه من الاختلاف السائغ (٣)، وأما الإقرار بوقفه من غير إنشاء متقدم فكذب بَحْت، ولا يجعله ذلك وقفًا اتفاقًا إذا أخذ الإقرار على حقيقته، ومعلوم قطعًا أن تقليد الإنسان لمن يفتي بهذا القول ويذهب إليه أقربُ إلى الشرع والعقل من توصله إليه بالكذب والزور والإقرار الباطل؛ فتقليد عالم من علماء المسلمين أعْذرُ عند اللَّه من تلقين الكذب والشهادة عليه. فصل (٤) [حيلة في الوقف] ولهم حيلة أخرى -وهي أن الذي يريد الوقف يملّكه لبعض مَنْ يثق به (٥) ثم يَقِفُه ذلك المملَّكُ عليه بحسب اقتراحه- وهذا لا شك في قبحه وبطلانه؛ فإنَّ [حد] التمليك [المشروع المعقول] (٦) أن يرضى المملِّك بنقل الملك إلى المملَّك بحيث يتصرف فيه بما يُحِب (٧) من وجوه التصرفات، وهنا قد علم اللَّه تعالى [والحفَظَة الموكلون بالعبد ومن يشاهدهم (٨) من بني آدم] (٩) من هذا (١٠) [المملِّك] (٦) أنه لم يرض بنقل الملك إلى هذا، ولا خَطَر له على بال، ولو سأله درهمًا واحدًا فلعله كان لم يسمح به عليه (١١)، ولم يرض بتصرفه فيه إلا بوقفه على المملك خاصة، بل قد ملَّكه إياه بشرط أن يتبرع عليه به وقفًا إما بشرط (١٢) مذكور وإما بشرط (١٢) معهود متواطأ عليه، وهذا تمليكٌ فاسدٌ قطعًا، وليس بهبة ولا صدقة ولا هدية ولا وصية ولا إباحة، وليس هذا بمنزلة العُمْرَى والرُّقْبَى

стр. 2173

المشروط فيها [العَوْد] (١) إلى المعمر، فإنه (٢) هناك مَلَّكه التصرف فيه، وشَرَطَ العود، وهنا لم يملكه شيئًا [قط]، إنما تكلم بلفظ التمليك غيرَ قاصد معناه، والموهوب له يصدقه أنهما لم يقصدا حقيقة الملك، بل هو استهزاء بآيات اللَّه وتلاعب بحدوده، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى في الفصل الذي بعد هذا الطريق [الشرعية] (٣) المُغْنية عن هذه الحيلة الباطلة. فصل [إبطال حيلة لتأجير الوقف مدة طويلة] ومن الحيل الباطلة: تحيّلهم على إيجار الوقف مئة سنة مثلًا، وقد شرط الواقف ألا يؤجّر أكثر من سنتين أو ثلاثًا؛ فيؤجره المدة الطويلة في عقود متفرقة في مجلس واحد، وهذه الحيلة باطلة قطعًا؛ فإنه إنما قصد بذلك دفع المفاسد المترتبة على طول مدة الإجارة، فإنها مفاسد كثيرة جدًا، وكم قد ملك من الوقف بهذه الطريق (٤)، وخرج عن الوقفيّة بطول المدة واستيلاء المستأجر فيها على الوقف هو وذريته وورثته سنينًا بعد سنين؟ وكم فات البطون اللواحق من منفعة الوقفما [بالإيجار الطويل؟ وكم أوجر الوقف] (٥) بدون إجارة مثله لطول المدة وقبض الأجرة؟ وكم زادت أجرة الأرض أو العَقَار (٦) أضعاف ما كانت ولم يتمكن الموقوف عليه من استيفائها؟ وبالجملة فمفاسد هذه الإجارة تفوت العَدَّ، والواقف إنما قصد دفعها، وخشي منها بالإجارة (٧) الطويلة، فصرَّح بأنه لا يؤجّر أكثر من تلك المدة التي شرطها، فإيجاره أكثر منها سواء كان في عقد أو عقودٍ مخالفةٍ صريحة لشرطه، مع ما فيها من المفسدة بل المفاسد العظيمة. وياللَّه العجب! هل تزول هذه المفاسد بتعدد العقود في مجلس واحد؟ وأي غرضٍ للعاقل أن يمنع الإجارة لأكثر من تلك المدة ثم يجوّزها في ساعة واحدة

стр. 2174

في عقود متفرقة؟ وإذا أخره في عقوده متفرقة أكثر من ثلاث سنين، أيصحُّ أن يقال: وَفَّى بشرط الواقف ولم يخالفه؟ هذا من أبطل الباطل وأقبح الحيل، وهو مخالف لشرط الواقف ومصلحة الموقوف عليه، وتعريض لإبطال هذه الصدقة، وأن لا يستمر نفعها، وألا (١) يصل إلى من بعد الطبقة الأولى وما قاربها، فلا يحل لمُفْتٍ أن يفتي بذلك، ولا لحاكم أن يحكم به، ومتى حكم به نقض حكمه، اللهم إلا أن يكون فيه مصلحة الوقف (٢)، بأن يخرب ويتعطل (٣) نفعه فتدعو الحاجة إلى إيجاره مدة طويلة يعمر فيها بتلك الأجرة، فهنا يتعين مخالفة شرط الواقف تصحيحًا لوقفه واستمرارًا لصدقته، وقد يكون هذا خيرًا من بيعه والاستبدال به، وقد يكون البيع أو الاستبدال (٤) خيرًا من الإجارة ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. والذي يُقضى منه العجب التحيّل على مخالفة شرط الواقف وقصدِه الذي يقطع بأنه قَصْدُه مع ظهور المفسدة، والوقوفُ مع ظاهر شرطه ولفظِهِ المخالفِ لقصده وللكتاب والسنة ومصلحة الموقوف عليه، بحيث يكون مرضَاةَ للَّه ورسوله ومصلحة الواقف وزيادة أجره ومصلحة الموقوف عليه وحصول الرفق به مع كون العمل أحبَّ إلى اللَّه ورسوله، لا يغير شرط الواقف، وبجري مع ظاهر لفظه، وإن ظهر قصده بخلافه، وهل هذا إلا من قلَّة الفقه؟ بل من عدمه، فإذا تحيلتم على إبطال مقصود الواقف حيث يتضمن المفاسدَ العظيمةَ فهلا تحيَّلتم على مقصوده ومقصود الشارع حيث يتضمن المصالح العظيمة (٥) بتخصيص لفظه أو تقييده أو تقديم شرط اللَّه عليه؟ فإن شرط اللَّه أحق وأوثق، بل يقولون هاهنا: نصوص الواقف كنصوص الشارع، وهذه جملة من أبطل الكلام، وليس لنصوص الشارع نظير من كلام غيره أبدًا، بل نصوص الواقف يتطرق إليها (٦) التناقض والاختلاف، وبجب إبطالها إذا خالفت نصوص الشارع وإلغاؤها، ولا حرمة لها حينئذ البتة، ويجوز -بل يترجح- مخالفتها إلى ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله منها وأنفع للواقف والموقوف عليه، ويجوز اعتبارها والعدول عنها مع تساوي الأمرين، ولا يتعيّن الوقوف معها، وسنذكر إن شاء اللَّه تعالى فيما بعد، ونبين ما يحل الإفتاء به وما

стр. 2175

لا يحل من شروط الواقفين؛ إذ القصد بيان بطلان هذه الحيلة شرعًا وعرفًا ولغةً. فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف ألا يفعل ما لا يفعله بنفسه عادة] ومن الحيل الباطلة ما لو حلف أن لا يفعل شيئًا، ومثله لا يفعله نفسه أصلًا، كما لو حلف السلطان أن لا يبيع كذا، ولا يحرث هذه الأرض ولا يزرعها، ولا يُخرج هذا من بلده، ونحو ذلك، فالحيلة أن يأمر غيره أن يفعل ذلك، ويبر في يمينه، إذا لم يفعله بنفسه، وهذا من أبرد الحيل وأسمجها وأقبحها، وفعل ذلك هو الحنث الذي حلف عليه بعينه، ولا يشك في أنه حانث، ولا أحد من العقلاء، وقد علم اللَّه ورسوله والحَفَظَة -بل والحالف نفسه (١) - أنه إنما حلف على نفي الأمر والتمكين من ذلك، لا على مباشرته، والحيل إذا أفْضَتْ إلى مثل هذا سمجت غاية السماجة، ويلزم أرباب الحيل والظاهر أنهم يقولون: إنه إذا حلف أن لا يكتب لفلان توقيعًا ولا عهدًا ثم أمر كُتَابه أن يكتبوه له، فإنه لا يحنث، سواء كان أميًا أو كاتبًا، وكذلك إذا حلف أن لا يحفر هذا (٢) البئر، ولا يَكْرِيَ هذا النهر، فأمر غيره بحَفْره وإكرائه أنه لا يحنث. فصل [إبطال حيلة لمن حلف لا يفعل شيئًا ففعل بعضه] ومن الحيل الباطلة لو حلف لا يأكل هذا الرغيف، أو لا يسكن في [هذه] (٣) الدار هذه السنة، أو لا يأكل هذا الطعام، [قالوا: يأكل] (٤) الرغيف ويدع [منه] (٥) لقمة واحدة، ويسكن السنة كلها إلا يومًا واحدًا، ويأكل الطعام كله إلا القَدْرَ اليسير منه ولو أنه لقمة. وهذه الحيلة باطلة باردة (٦)، ومتى فعل ذلك فقد أتى بحقيقة الحِنْث، وفَعَلَ

стр. 2176

نَفْسَ ما حلف عليه، وهذه الحيلة لا تتأتى على قول من يقول: يحنث بفعل (١) بعض المحلوف عليه (٢) ولا على قول من يقول: لا يحنث، لأنه لم يرد مثل هذه الصورة قطعًا، وإنما أراد به إذا أكل لقمة مثلًا من الطعام الذي حلف أنه لا (٣) يأكله أو حبة من القِطْفِ الذي حلف على تركه، ولم يرد أنه يأكل القِطْفَ إلا حبَّة واحدة منه، وعالم لا يقول هذا. ثم يلزم هذا المتحيل أن يجوِّز للمكلف فعل [كل] (٤) ما نهى الشارع عن جملته فيفعله إلا القدر اليسير منه؛ فإن البر والحنث في الأيمان نظير الطاعة والمعصية في الأمر والنهي، ولذلك (٥) لا يبر إلا بفعل المحلوف عليه جميعِهِ، لا بفعل بعضه، كما لا يكون مطيعًا إلا بفعله جميعِهِ، ويحنث بفعل بعضه كما يعصي بفعل بعضه، فيلزم هذا القائل أن يجوِّز للمحرم في الأحرام حَلْقَ (٦) تسعة أعشار رأسه، بل وتسعة أعشار العشر الباقي؛ لأن اللَّه تعالى إنما نهاه عن حَلْق رأسه كله، لا عن بعضه، كما يُفتي لمن حلف لا يحلق رأسَه أن يحلقه إلا القدر اليسير منه. وتأمل لو فعل المريض هذا فيما نهاه الطبيب عن تناوله، هل يُعَدُّ قابلًا منه؟ أو لو فعل مملوكُ الرجلِ أو زوجته أو ولده ذلك فيما نهاهم عنه، هل يكونون مطيعين له أم مخالفين؟ وإذا تحيل أحدهم على نقض غرض الآمر وإبطاله بأدنى الحيل، هل كان يقبل ذلك منه ويحمده عليه أو يعذره؟ وهل يعذر أحدًا من الناس يعامله بهذه الحيل؟ فكيف يُعامِل هو بهذا مَنْ لا تخفى عليه خافية؟ فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الحضانة] ومن الحيل الباطلة المحرمة ما لو أراد الأب إسقاط حَضَانة الأم أن يسافر إلى غير بلدها، فيتبعه الولد. وهذه الحيلة مُنَاقِضة لما قصده الشارع؛ فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب مع

стр. 2177

قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضى به للأب، وقضى أن لا تولَّه والدة على ولدها، وأخبر أن مَنْ فَرَّق بين والدة وولدها فرّق اللَّه بينه وبين أحبته يوم القيامة (١)،

стр. 2178

ومنع أن تباع (١) الأم (٢) دون ولدها والولد دونها، وان كانا في بلد واحد (٣)، فكيف يجوز مع هذا التحيلُ على (٤) التفريق بينها وبين ولدها تفريقًا تعزُّ معه رؤيته ولقاؤه ويعز عليها الصبر عنه وفقده؟ وهذا (٥) من أمحل المحال، بل قضاء اللَّه ورسوله أحق أن الولد للأم: سافر الأب أو أقام، والنبي ﷺ قال للأم: "أنتِ أحَقُّ به ما لم تنكحي" (٦)

стр. 2179

فكيف يقال: أنت أحق به ما لم يسافر الأب (١)؟ وأين هذا في كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه ﷺ أو فتاوى أصحابه ﵃ أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة. فصل [إبطال حيلة لجعل تصرفات المريض نافذة] ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد حِرْمَان امرأته من الميراث، أو كانت (٢) ترِكَتُه كلها عبيدًا وإماءً فأراد جَعْلَ تدبيرهم (٣) من رأس المال، أن يقول في الصورة الأولى: إذا مُتُّ من مرضي هذا فأنت طالق قبل مرضي بساعةٍ ثلاثًا، ويقول في الصورة الثانية: إذا متُّ في (٤) مرضي هذا فأنتم عُتَقَاء قبله بساعة، وحينئذ فيقع الطلاق والعتق في الصحة. وهذه حيلة باطلة؛ فإن التعليق إنما وقع منه في حال مرض موته، ولم يقارنه أثره، وهو في هذه الحال لو نَجَّزَ العتق والطلاق لكان العتق من الثلث والطلاق غير مانع للميراث (٥)، مع مقارنة أثره [له] (٦)، وقوة المنجَّز وضعف المعلَّق، وأيضًا فالشرط هو موته في (٧) مرضه، والجزاء المعلق عليه هو العتق والطلاق، والجزاء يستحيل (٨) أن يسبق شرطه؛ إذ في ذلك إخراج الشرط عن حقيقته وحكمه، وقد تقدم تقرير ذلك في الحيلة السُّرَيْجية. فصل [إبطال حيلة لتأخير رأس مال السلم] ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا كان مع أحدهما دينار رديء ومع الآخر نصف دينار جيد، فأراد بيع أحدهما بالآخر، قال أرباب الحيل: الحَيلةُ أن يبيعه دينارًا بدينار في الذمّة، ثم يأخذ البائع الدينارَ الذي يريد شراءه بالنصف، فيريد الآخر دينارًا عوضه، فيدفع إليه نصف الدينار وفاءً، ثم يستقرضه منه، فيبقى له في

стр. 2180

ذمته نصف دينار، ثم يعيده إليه وفاءً عن قرضه، فيبرأ منه (١)، ويفوز كل منهما بما كان مع الآخر. [تحيل في السلم] ومثل هذه الحيلة لو أراد أن يجعل بعض رأس مال السَّلَم دينارًا (٢) يوفيه إياه في وقت آخر، بأن يكون معه نصف دينار [ويريد أن يُسلم إليه دينارًا] (٣) في كَرِّ حنطةٍ، فالحيلة أن يسلم إليه دينارًا غير معين، ثم يوفيه نصف الدينار، ثم يعود فيستقرضه منه، ثم يوفيه إياه عمَّا له عليه من دين، فيتفرَّقان وقد بقي له في ذمته نصف دينار. وهذه الحيلة من أقبح الحيل؛ فإنهما لا يخرجان بها عن بيع دينار بنصف دينار (٤)، ولا عن تأخير رأس مال السلم عن مجلس العقد، ولكن توصَّلَا إلى ذلك بالقَرْض الذي جعلا صورته مبيحة لصريح الربا، ولتأخير قبض رأس مال السلم، وهذا غير القرض الذي جاءت به الشريعة، وهو قَرْضٌ لم يشرعه اللَّه، وإنما اتخذه المتعاقدان تلاعبًا بحدود اللَّه وأحكامه، واتخاذًا لآياته هزوًا، وإذا كان القرض الذي يجر النفع ربًا عند صاحب الشرع، فكيف بالقرض الذي يجر صريح الربا وتأخير قبض رأس مال السلم؟ فصل [إبطال حيلة لإسقاط حق الشفعة] ومن الحيل الباطلة المحرمة التحيل على إسقاط ما جَعله اللَّه سبحانه حقًا للشريك على شريكه من استحقاق الشفعة دفعًا للضرر، والتحيل لإبطالها مناقض لهذا الغرض، وإبطال لهذا الحكم بطريق التحيل (٥). وقد ذكروا وجوهًا من الحيل: منها: أن يتفقا على مقدار الثمن، ثم عند العقد يصبره صُبْرة غير موزونة، فلا يعرف الشفيع ما يدفع، فإذا فَعَلَا ذلك فللشفيع أن يستحلف (٦) المشتري أنه لا

стр. 2181

يعرف قدر الثمن، فإن نكل قضى عليه بنكوله، وإن حلف فللشفيع أخذ الشَّقْصِ بقيمته. ومنها: أن يَهَبَ الشقص للمشتري، ثم يهبه المشتري ما يرضيه، وهذا لا يسقط الشفعة، وهذا بيع وإن لم يتلفظَّا به، فله أن يأخذ الشقص بنظير الموهوب. ومنها: أن يشتري الشقص، ويضم إليه سكينًا أو منديلًا بألف درهم، فيصير حصة الشقص من الثمن مجهولة، وهذا لا يُسقط الشفعة، بل يأخذ الشفيع الشقص بقيمته كما لو اسْتُحِق أحد العوضين وأراد المشتري أخذ الآخر، فإنه يأخذه بحصته من الثمن إن انقسم الثمن عليهما بالأجزاء، وإلا فبقيمته، وهذا الشقص مستحق شرعًا؛ فإن الشارع جعل الشفيع أحق به من المشتري بثمنه، فلا يسقط حقه منه بالحيلة والمكر والخداع. ومنها: أن يشتري الشقص بألف دينار، ثم يصارفه عن كل دينار بدرهمين فإذا أراد أخْذَه أخَذَه بالثمن الذي وقع عليه العقد. وهذه الحيلة لا تسقط الشفعة، وإذا أراد أخْذَه أخَذَه بالثمن الذي استقر عليه العقد وتواطأ عليه البائع والمشتري؛ فإنه هو الذي انعقد به العقد، ولا عبرة بما أظهراه من الكذب والزور والبهتان الذي لا حقيقة له؛ ولهذا لو استحق المبيع فإن المشتري لا يرجع على البائع بألف دينار، وإنما يرجع عليه بالثمن الذي تواطآ عليه واستقر عليه العقد؛ فالذي يرجع به عند الاستحقاق هو الذي يدفعه الشفيع عند الأخذ، هذا محض العَدْلِ الذي أرسل اللَّه سبحانه به رسله وأنزل به كتبه ولا تحصل (١) الشريعة سواه. ومنها: أن يشتري بائعُ الشّقْص [من المشتري عبدًا قيمته مئة درهم بألف درهم في ذمته، ثم يبيعه الشقص بالألف (٢)، وهذه الحيلة لا تبطل الشفعة، ويأخذ الشفيع الشقص] (٣) بالثمن الذي يرجع به المشتري على البائع إذا استحق المبيع، وهو قيمة العبد. ومنها: أن يشتري الشَّقْصَ بألف وهو يساوي مئة، ثم يبرئه البائع من تسع مئة، وهذا لا يسقط الشفعة، ويأخذه الشفيع بما بقي من الثمن بعد الإسقاط، وهو الذي يرجع به إذا استحق المبيع.

стр. 2182

ومنها: أن يشتري جزءًا من الشقص بالثمن كله، ثم يهب له بقية الشقص. وهذا لا يُسْقِطها، ويأخذ الشفيع الشقص كلَّه بالثمن؛ فإن هذه الهبة لا حقيقة لها، والموهوب هو المبيع بعينه، ولا تغيّر حقائق العقود وأحكامها التي شرعت فيها بتغيّر العبارة. وليس للمكلَّف أنْ يغيّر حكم العقد بتغيير عبارته فقط مع قيام حقيقته، وهذا لو أراد من البائع أن يهبه جزءًا من ألف جزء من الشَّقْص بغير عوض لما سمحتْ نفسُه بذلك البتة، فكيف يَهَبهُ ما يساوي مئة ألف بلا عوض؟ وكيف يشتري منه (١) الآخر مئة درهم بمئة ألف [درهم] (٢)؟ وهل هذا إلا سَفَهٌ يقدح في صحة العقد؟ قال الإمام أحمد ﵁ في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد سأله عن الحيلة في إبطال الشفعة، فقال: لا يجوز شيء من الحيل في ذلك، ولا في إبطال حق مسلم (٣). وقال عبد اللَّه بن عمر ﵁ في هذه الحيل (٤) وأشباهها: مَنْ يخدع اللَّه يخدعه، والحيلة خديعة (٥). وقد قال النبي ﷺ : "لا تحلُّ الخَدِيعَةُ لمسلم" (٦)، واللَّه تعالى ذم المخادعين، والمتحيل مخادع؛ لأن (٧) الشفعة شُرعت لدفع الضرر، فلو شرع

стр. 2183

التحيل لإبطالها لكان عَوْدًا على مقصود الشريعة بالإبطال، ولَلَحِقَ الضرر الذي قصد إبطاله. فصل [إبطال حيلة لتفويت حق القسمة] ومن الحيل الباطلة التحيلُ على إبطال القسمة في الأرض القابله لها، بأن يقف الشريك منها سَهْمًا من مئة ألف سهم مثلًا على [مَنْ يريد] (١)، فيصير الشريك شريكًا في الوقف، والقسمة بيع (٢)؛ فتبطل. وهذه حيلة (٣) فاسدة باردة لا تبطل حق الشريك من القسمة، وتجوز القسمة ولو وقف حصته كلها؛ فإن القسمة إفراز حق وإن تضمنت مُعَاوضة، وهي غير البيع حقيقة واسمًا وحكمًا وعرفًا، ولا يُسمَّى القاسم بائعًا لا لغةً ولا شرعًا ولا عرفًا، ولا يقال للشريكين إذا تقاسما: تَبَايَعا، ولا يقال لواحد منهما: إنه قد باع ملكه، ولا يدخل المتقاسمان تحت نص واحد من النصوص المتناولة للبيع، ولا يقال لناظر الوقف إذا أفرز الوقف وقسمه من غيره: إنه قد باع الوقف، وللآخر إنه قد اشترى الوقف، وكيف ينعقد البيع بلفظ القسمة؟ ولو كانت بيعًا لوجَبَتْ فيها الشفعة، ولو كانت بيعًا لما أُجبر الشريك عليها إذا طلبها شريكه؛ فإن أحدًا لا يُجْبَر على بيع ماله، ويلزم (٤) بإخراج القرعة، بخلاف البيع، ويتقدَّر أحد النصيبين فيها بقدر النصيب الآخر إذا تساويا، وبالجملة فهي منفردة عن البيع باسمها وحقيقتها وحكمها. فصل [إبطال حيلة لتصحيح المزارعة مع القول بفسادها] ومن الحيل الباطلة التحيل على تصحيح المزارعة لمن يعتقد فسادها، بأن يدفع الأرض إلى المزارع ويؤجّره نصفها مشاعًا مدة معلومة يزرعها ببذره على أن يزرع للمؤجر النصف الآخر ببذره تلك المُدَّة، ويحفظه ويسقيه ويحصده ويذريه، فإذا فعلا ذلك أخرج البذر منهما نصفين نصفًا من المالك ونصفًا من المزارع، ثم

стр. 2184

خَلَطاه، فتكون الغلة بينهما نصفين، فإذا أراد صاحب الأرض أن يعود إليه ثلثا الغلة آجَرَه ثلث الأرض مدة معلومة على أن يزرع له مدة الإجارة ثلثي الأرض ويخرجان البذر منهما أثلاثًا ويخلطانه، وإن أراد المزارع أن يكون له ثلثا البذر استأجر ثلثي الأرض بِزَرع (١) الثلث الآخر كما تقدم (٢). فتأمل هذه الحيلة الطويلة الباردة المتعبة، وترك الطريق المشروعة التي فعلها رسول اللَّه ﷺ حتى كأنها رأي عين، واتفق عليها الصحابة، وصَحَّ فعلها عن الخلفاء الراشدين صحةً لا يشك فيها، كما حكاه البخاري في "صحيحه" (٣)، فما مثل هذا (٤) العدول عن طريقة القوم إلى هذه الحيلة الطويلة السمجة إلا بمنزلة مَنْ أراد الحجّ (٥) من المدينة على الطريق التي حجّ فيها رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فقيل له: هذه الطريق مسدودة، وإذا أردت أن تحج فاذهب إلى الشام ثم منها إلى العراق، ثم حج على دَرْب العراق وقد وصلت. فياللَّه العجب! كيف تُسدُّ عليه الطَّريقُ القريبة السهلة القليلة الخطر التي سلكها رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ويُدل على الطرق (٦) الطويلة الصعبة المشقة الخطرة التي لم يسلكها رسول اللَّه ﷺ ولا أحد من أصحابه؟ فلله العظيمِ عظيمُ حمدٍ ... كما أهدى لنا نعمًا غزارًا وهذا شأن جميع الحيل إذا كانت صحيحة جائزة، وأما إذا كانت باطلة (٤) محرمة فتلك لها شأن آخر، وهي طريق إلى مقصد آخر (٧) غير الكعبة البيت الحرام، وباللَّه التوفيق.

стр. 2185

فصل [إبطال حيلة لإسقاط حقّ الأب في الرجوع في الهبة ونحو ذلك] ومن الحيل الباطلة التي لا تُسقط الحقَّ [إذا أراد الابنُ] (١) مَنْعَ الأب الرجوعَ فيما وهبه إياه أن يبيعه لغيره، ثم يستقيله إياه، وكذلك المرأة إذا أرادت منع الزوج من الرجوع في نصف الصداق باعته ثم استقالته. وهذا لا يمنع الرجوع؛ فإن المحذور إبطال حق الغير من العين، وهذا لا يبطل للغير حقًا، والزائل العَائد كالذي لم يزل ولا سيما (٢) إذا كان زواله إنما جُعل ذَرِيعة وصورة إلى إبطال حق الغير؛ فإنه لا يبطل بذلك. يوضحه أن الحق كان متعلّقًا بالعين تعلقًا قَدَّمَ الشارعُ مستحقَّه على المالك لقوته، ولا يكون صورة إخراجه عن يد المالك إخراجًا لا حقيقة له أقوى من الاستحقاق الذي أثبت الشارع به انتزاعه من يد المالك، بل لو كان الإخراج حقيقةً ثم عاد لعاد حَقُّ الأول من الأخذ لوجود مقتضيه وزوال مانعه، والحكم إذا كان له مقتضٍ فمنعَ مانعٌ من إعماله ثم زال المانعُ اقتضى المُقتضى عمله. فصل [إبطال حيلة لتجويز الوصية للوارث] ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أراد أن يخص بعض ورثته ببعض الميراث، وقد علم أن الوصية لا تجوز، وأن عطيّته في مرضه وصية؛ فالحيلة أن يقول: كنت وهبت له كذا وكذا في صحتي، أو يقرّ له بدَيْن، فيتقدم به. وهذا باطل، والإقرار للوارث في مرض الموت لا يصح للتهمة عند الجمهور (٣)، بل مالك يرده للأجنبي إذا ظهرت التهمة (٤)، وقوله هو الصحيح،

стр. 2186

وأما إقراره أنه كان وهَبَه إياه في صحته فلا يقبل أيضًا كما لا يقبل (١) إقراره له بالدَّيْن، ولا فرق بين إقراره له بالدين أو بالعين، وأيضًا فهذا المريض لا يملك إنشاء عقد التبرع المذكور؛ فلا يملك الإقرار به، لاتحاد المعنى الموجب لبطلان الإنشاء، فإنه بعينه قائم في الإقرار، وبهذا يزول (٢) النقض بالصور التي يملك فيها الإقرارَ دون الإنشاء، فإن المعنى الذي منع من الإنشاء هناك لم يوجد في الإقرار، فتأمل هذا الفرق. فصل [تحيل لمحاباة وارثه في مرضه] ومن الحيل الباطلة [المحرمة] (٣) إذا أراد أن يحابي وارثَه في مرضه أن يبيع أجنبيًا شفيعُه وارثُه شِقْصًا بدون ثمنه، ليأخذه وارثه بالشفعة. فمتى قصد ذلك حرمت المحاباة المذكورة، وكان للورثة إبطالها إذا كانت حيلة على محاباة الوارث، وهذا كما يبطل الإقرار له؛ لأنه [قد] (٤) يتخذ حيلة لتخصيصه. وقال أصحابنا: له الأخذ بالشفعة، وهذا لا يستقيم على أصول المذهب، إلا إذا لم يكن حيلة، فأما إذا كان حيلة فأصولُ المذهب تقتضي ما ذكرناه، ومن اعتبر سَدَّ الذرائع فأصله يقتضي عدم الأخذ بها وإن لمَ يقصد الحيلة، فإن قصد التحيل امتنع الأخذ لذلك، وإن لم يقصده امتنع سَدًّا للذريعة. فصل [تحيلهم لإسقاط الأرش (٥) في الموضحة] ومن الحيل الباطلة المحرمة إذا أوْضَحَ رأسَه في موضعين وجب عليه عشرة [أبْعِرَةٍ] (٦) من الإبل، فإذا أراد جعلها خمسة فليوضحه ثالثة تخرق ما بينهما.

стр. 2187

وهذه الحيلة مع أنها محرمة فإنها لا تُسْقِطُ ما وجب عليه، فإن العَشْرَ لا تجب عليه إلا بالاندمال، فإذا فعل ذلك بعد الاندمال فهي موضحة (١) ثالثة، وعليه ديتها، فإن كان قبل الاندمال ولم (٢) يستقر أرْشُ الموضحتين الأوليين حتى صار الكل واحدة من جَانب (٣)، واحد فهو كما لو سَرَتِ الجناية حتى خرقت ما بينهما فإنها تصير واحدة. وهكذا لو قطع أصبعًا بعد أصبع من امرأة حتى قطع أربعًا؛ فإنه يجب عشرون، ولو اقتصر على الثلاث وجب ثلاثون، وهذا بخلاف ما لو قطع الرابعة بعد الاندمال؛ فإنه يجب فيها عَشْر، كما لو تعدد الجاني فإنه يجب على كل واحد أرْشُ جنايته قبل الاندمال وبعده، وكذلك لو قطع أطراف رجل وجب عليه دِيَّاتٌ، فإن اندملت ثم قتله بعد ذلك فعليه مع تلك الديات دية نفس، ولو قتله قبل الاندمال فدية واحدة، كما لو قطَّعه عضوًا عضوًا حتى مات. فصل [إبطال حيل لإسقاط حد السرقة] ومن الحيل الباطلة الحيلُ التي فتحت للسُّرَّاق واللصوص التي لو صحت لم تقطع يد سارق أبدًا، ولعمَّ الفساد، وتتابع السراق في السرقة. فمنها: أن ينقب أحدهما [السطح] (٤) ولا يدخل، ثم يُدخل عبده أو شريكه فيُخْرِجُ المتاع [من السَّطح] (٥). ومنها: أن ينزل أحدهما من السطح، فيفتح الباب من داخل، ويدخل الآخر فيخرج المتاع. ومنها: أن يدعي أنه ملكه، وأن رب البيت عَبْده، فبمجرد ما يدعي ذلك

стр. 2188

يسقط عنه القطع، ولو كان رب البيت معروفَ النسب، والناس تعرف (١) أن المالَ ماله، وأبلغ من هذا أنه لو ادعى العبدُ السارقُ أن المسروق لسيده وكذَّبه السيد، قالوا: فلا قطع عليه، بل يسقط عنه [القطع] بهذه الدعوى (٢). ومنها: أن يَبْلَعَ الجوهرة أو الدنانير ويخرج بها. ومنها: أن يغير هيئة المسروق بالحِرْزِ (٣) ثم يخرج به. ومنها: أن يدعي أن ربَّ الدار أدخله داره، وفتح له باب داره، فيسقط عنه القطع، وإن كذبه، إلى أمثال ذلك من الأقوال التي حقيقتُها أنه لا يجب القطع على سارق البتة. وكل هذه حيل باطلة لا تُسْقِطُ القطع، ولا تُثِيرُ أدنى شبهة، ومحال أن تأتي شريعة بإسقاط عقوبة هذه الجريمة بها، بل ولا سياسة عادلة؛ فإن الشرائع مبنية على مصالح العباد، وفي هذه الحيل أعْظَمُ الفساد، ولو أن ملكًا من الملوك وَضَع عقوبة على جريمة من الجَرَائم لمصلحة رعيته ثم أسقطها بأمثال (٤) هذه الحيل عُدَّ متلاعبًا. فصل [إبطال حيلة لإسقاط حد الزنا] ومن الحيل الباطلة الحيلَةُ التي تتضمن إسقاط حد الزنا بالكلية، وترفع هذه الشريعة من الأرض، بأن يستأجر المرأة لتطوي له ثيابه، أو تحوِّل له متاعًا من جانب الدار إلى جانب آخر، أو يستأجرها لنفس الزنا، ثم يزني بها؛ فلا يجب عليه الحد (٥).

стр. 2189

وأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمُّه أو أخته (١) أو ابنته أو خالته أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها عقد النكاح بشهادة فاسِقَين، ثم يطؤها ولا حد عليه (٢). وأعظم من ذلك أن الرجلَ المحصَنَ إذا أراد أن يزني ولا يُحدّ فليرتدّ ثم يسلم فإنه إذا زنَى بعد ذلك فلا حَدَّ عليه أبدًا حتى يستأنف نكاحًا أو وطئًا جديدًا. وأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمُّه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها، فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد، وإذا شهد عليه الشهود بالزنا ولم يمكنه القَدْح فيهم فليصدقهم (٣)، فإذا صدقهم سقط عنه الحد. ولا يخفى أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام، وهل (٤) هي نسبة موافقة أو هي نسبة مناقضة؟! (٥) فصل [إبطال حيلة لإبرار من حلف لا يأكل شيئًا ثم غيَّره عن حاله الأول] ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يأكل من هذا القمح، فالحيلة أن يطحنه ويعجنه ويأكله خبزًا، وطَرْدُ هذه الحيلة الباردة أنه إذا حلف لا يأكل هذه الشاة فليذبحها وليطبخها ثم يأكلها، وإذا حلف أنه (٦) لا يأكل من هذه النخلة فليجدَّ ثمرها ثم يأكله (٧)، فإن طردوا ذلك فمن الفضائح الشنيعة، وإن فرَّقوا تناقضوا،

стр. 2190

فإن قالوا: "الحنطة يمكن أكلها صحاحًا بخلاف الشاة والنخلة، فإنه لا يمكن فيها ذلك" قيل: والعادة أن الحنطة لا يأكلها صحاحًا إلا الدواب والطير، وإنما تؤكل خبزًا، فكلاهما سواء عند الحالف وكل عاقل. فصل [حيلة اليهود في الشحوم وإبطالها] ومن الحيل الباطلة المحرمة المضاهية [للحيلة اليهودية] (١) ما لو حلف أنه لا يأكل هذا الشحم فالحيلة أن يُذِيبه ثم يأكله (٢). وهذا كله تصديق لقول رسول اللَّه ﷺ : "لتتبعُنَّ سنَنَ مَنْ كان قبلكم حَذْوَ القُذْةِ بالقذة (٣)، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فَمنْ؟ " (٤) وتصديق قوله: "لتأخذن أمتي ما أخذ الأمم قبلها شبرًا بشبر (٥)، وذراعًا بذراع، حتى لو كان منهم مَنْ أتى أمه علانية لكان فيهم مَنْ يفعله" (٦).

стр. 2191

وهذه الحيلة في الشحوم هي حيلة اليهود (١) بعينها، بل أبلغ منها (٢) فإن أولئك لم يأكلوا الشحم بعد إذابته وإنما أكلوا ثمنه. [فصل] [إبطال حيلة لتجويز نكاح الأمة مع الطَّوْل] ومن الحيل الباطلة المحرمة لمن أراد أن يتزوج بأمةٍ وهو قادر على نكاح حرة أن يُمَلِّكَ ماله لولده ثم يعقد على الأمة ثم يسترد المال منه. وهذه الحيلة لا ترفعٍ المفسدة التي حُرِّم (٣) لأجلها نكاح الأمة، ولا تخففها، ولا تجعله عادمًا للطَّوْلِ، فلا تدخل في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ [يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ] (٤)﴾ [النساء: ٢٥] وهذه الحيلة حيلة على استباحة نفس ما حرم اللَّه تعالى. فصل [تحيلهم لتعلية الكافر بناءَه على مسلم وإبطاله] ومنها لو علَّا (٥) كافر بناءه على مسلم مُنِعَ من ذلك، فالحيلة على جوازه أن

стр. 2192

يعليها مسلم ما شاء ثم يشتريها الكافر منه فيسكنها. وهذه الحيلة وإن ذكرها بعض الأصحاب فهي مما أدخلت في المذهب غلطًا محضًا، ولا توافق أصوله ولا فروعه؛ فالصواب المقطوع به عدم تمكينه من سكناها؛ فإن المفسدة لم تكن في نفس البناء، وإنما كانت في ترّفعه على المسلمين. ومعلوم قطعًا أن هذه المفسدة في الموضعين واحدة. فصل [إسقاط حيلة لإبراء الغاصب من الضمان] ومن الحيل الباطلة إذا غَصَبَه (١) طعامًا ثم أراد أن يبرأ منه ولا يعلمه به، فليَدْعُه إلى داره، ثم يقدم له ذلك الطعام، فإذا أكله برئ الغاصب. وهذه الحيلة باطلة، فإنه لم يملكه إياه، ولا مكَّنه من التصرف فيه، فلم يكن بذلك رادًا لعين ماله [إليه] (٢). فإن قيل: فما تقولون لو أهداه إليه فقَبله وتصرَّف فيه وهو لا يعلم أنه ماله؟ قيل: إن خاف من إعلامه به ضررًا يلحقه منه برئ بذلك، وإن لم يخف ضررًا وإنما أراد المنة عليه ونحو ذلك لم يبرأ، ولا سيما إن كافأه على الهدية فقبل، فهذا لا يبرأ قَطْعًا. فصل [إبطال حيل في الأيمان] ومن الحيل الباطلة بلا شك الحيلُ التي يُفتى بها مَنْ حلف لا يفعل الشيء ثم حلف ليفعلنه، فيتحيل له حتى يفعله بلا حنث، وذكروا لها صورًا: أحدها: أن يحلف لا يأكل هذا الطعام، ثم يحلف هو أو غيره ليأكلنَّه، فالحيلة أن يأكل إلا لقمة منه، فلا يحنث. ومنها لو حلف أن لا يأكل هذا الجبن (٣)، ثم حلف ليأكلنه، قالوا (٤): فالحيلة أن يأكله بالخبز، ويبر ولا يحنث. ومنها: لو حلف لا يلبسُ هذا الثوب، ثم حلف هو أو غيره ليلبسنَّه،

стр. 2193

فالحيلة أن يقطع منه شيئًا يسيرًا ثم (١) يلبسه، فلا يحنث. وطَرْدُ قولهم أن ينسل (٢) منه خيطًا ثم يلبسه. ولا يخفى أمر هذه الحيلة وبطلانها، وأنها من أقبح الخداع وأسمجه، ولا يتمشَّى على قواعد الفقه ولا فروعه ولا أصول الأئمة؛ فإنه إن كان بِتَرْك البعض لا يُعَدُّ آكلًا ولا لابسًا فإنه لا يبرأ بالحلف ليفعلن فإنه إن عدَّ فاعلًا وجب أن يحنث في جانب النفي، وإن لم يعد فاعلًا وجب أن يحنث في جانب الثبوت، فأما أن يُعد فاعلًا بالنسبة إلى الثبوت وغيرَ فاعلٍ بالنسبة إلى النفي فتلَاعُبٌ. فصل [إبطال حيل في الظهار والإيلاء ونحوهما] ومنها الحيل التي تُبْطِل الظهار والإيلاء والطلاق والعتق بالكلية، وهي مشتقة من الحيلة السريجية، كقوله: إن تَظَاهَرْتُ منك أو آليتُ منك فأنتِ طالق [قبله] (٣) ثلاثًا، فلا يمكنه بعد ذلك ظهار ولا إيلاء، وكذلك يقول: إن أعتقتكَ فأنتَ حرٌّ قبل الإعتاق، وكذلك لو قال: إن بعتك فأنت حر قبل البيع، وقد تقدم بطلان هذه الحيل كلها. فصل [إبطال حيلة لحسبان الدَّيْن من الزكاة] ومن الحيل الباطلة [المحرمة] (٤) أن يكون له على رجل مال، وقد أفْلَسَ غريمُه وأيس من أخذه منه، وأراد أن يحسبه من الزكاة، فالحيلة أن يعطيه من الزكاة بقدر ما عليه، فيصير مالكًا للوفاء، فيطالبه حينئذ بالوفاء، فإذا أوفاه برئ وسقطت الزكاة عن الدافع (٥). [بطلان الحيلة السابقة] وهذه حيلة باطلة، سواء شرط عليه الوفاء أو منعه من التصرف فيما دفعه إليه

стр. 2194

أو مَلَّكه إياه بنية أن يستوفيه من دينه، فكل هذا لا يسقط عنه الزكاة، ولا يُعد مخرجًا لها لا شرعًا ولا عرفًا كما لو أسقط دينه وحَسَبه من الزكاة. قال مهَّنأ (١): سألت أبا عبد اللَّه عن رجل له على رجل دين برَهْنٍ، وليس عنده قضاؤه، ولهذا الرجل زكاة مال، قال: يفرقه (٢) على المساكين، فيدفع إليه رهنه، ويقول له: الدَّين الذي لي عليك هو لك، ويحسبه من زكاة ماله، قال: لا يجزئه ذلك؟ فقلت له: فيدفع إليه (٣) زكاته فإن رده إليه قضى مما أخذه [من ماله] (٤)؟ قال: نعم. وقال في موضع آخر -وقيل له: فإن أعطاه ثم رده إليه؟ - قال: إذا كان بحيلة فلا يعجبني، قيل له: فإن استقرض الذي عليه الدين دراهم فقضاه إياها ثم ردها (٥) عليه وحَسَبها من الزكاة؟ قال: إذا أراد بهذا إحياءَ ماله فلا يجوز. ومطلقُ كلامه ينصرف إلى هذا المقيد (٦)؛ فيحصل (٧) من مذهبه أن دَفْعَ الزكاة إلى الغريم (٨) جائز، سواء دفعها ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع ما استوفاه إليه، وإلا أنه متى قَصَد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز؛ لأن الزكاة حق للَّه وللمستحق، فلا يجوز صَرْفها إلى الدافع، ويفوز بنفعها العاجل (٩). ومما يوضح ذلك أن الشارع مَنَعه من أخْذِها من المستحق بعوضها، فقال ﵇: "لا تشتَرِها (١٠) ولا تَعُدْ في صدقتك" (١١) فجعله بشرائها منه [بثمنها] (١٢) عائدًا فيها، فكيف إذا دفعها إليه بنية أخذها منه؟ قال جابر بن

стр. 2195

عبد اللَّه: إذا جاء المصَّدِّق فادفع إليه صدقتك، ولا تشترِها، فإنهم كانوا يقولون: "ابتعها" فأقول: إنما هي للَّه سبحانه (١). وقال ابن عمر: لا تشترِ طهورَ مالك (٢). [المنع من شراء ما أخرجه من الزكاة] وللمنع من شراءه (٣) علتان: إحداهما: أنه يتخذ ذَرِيعَةَ وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأن الفقير يستحي منه فلا يُمَاكسه في ثمنها، وربما أرْخَصَها ليطمع أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربما علم أو توهم أنه إن لم يَبِعْهُ إياها استرجعها (٤) منه فيقول: ظَفَرِي بهذا الثمن خير من الحرمان. العلة الثانية: قطع طمع (٥) نفسه عن العَوْد في شيء أخرجه للَّه سبحانه بكل طريق، فإن النفس متى طمعت في عوده بوجه ما فآمالُهَا بعدُ متعلقةٌ به، فلم تطب به نفسًا للَّه وهي متعلقة به، فقطع عليها طمعها (٦) في العَوْد، ولو بالثمن، ليتمحص الإخراج للَّه سبحانه، وهذا شأن النفوس الشريفة (٧) ذوات الأقدار والهمم، وأنها إذا أعطت عطاءً لم تسمح بالعود فيه بوجه لا بشراء ولا بغيره (٨)، وتعد ذلك دناءة، ولهذا مثل النبي ﷺ العائدَ في هبته بالكلب يعود في قيئه (٩) لخسته ودناءة نفسه وشحه بما قاءه أن يفوته. فمن محاسن الشريعة منع المتصدق من شراء صدقته (١٠)، ولهذا منع من

стр. 2196

سُكنى بلاده التي هاجر منها للَّه وإن صارت بعد ذلك دار إسلام، كما منع النبي ﷺ المهاجرين بعد الفتح من الإقامة بمكة فوق ثلاثة أيام (١)؛ لأنهم خرجوا عن ديارهم للَّه؛ فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه للَّه، وإن زال المعنى الذي تركوها لأجله. [اعتراض وردّه] فإن قيل: فأنتم تجوّزون له (٢) أن يقضي بها دين المدين، إذا كان المستحقُّ له (٢) غيره، فما الفرق بين (٢) أن يكون الدين له أو لغيره؟ ويحصل للغريم براءة ذمته وراحة من ثقل الدَّين في الدنيا ومن حمله في الآخرة؟ فمنفعته ببراءة ذمته خيرٌ له من منفعة الأكل والشرب واللباس؟ فقد انتفع هو بخلاصه من رق الدين، وانتفع رب المال بتوصله إلى أخذ حقه، وصار هذا كما لو أقرضه مالًا ليعمل فيه ويوفيه دينه من كسبه. قيل: هذه المسألة فيها روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد ﵀: إحداهما: أنه لا يجوز [له] (٢) أن يقضي دينه من زكاته، بل يدفع إليه الزكاة ويؤديها هو عن نفسه. والثانية: يجوز له أن يقضي (٣) دينه من الزكاة، قال أبو الحارث: قلت للإمام أحمد: رجل عليه ألف، وكان على رجل زكاة ماله ألف، فأداها عن هذا الذي عليه الدَّيْن، أيجوز هذا من زكاته؟ قال: نعم، ما أرى بذلك بأسًا (٤). وعلى هذا فالفرق ظاهر؛ لأن الدافع لم ينتفع هاهنا بما دفعه إلى الغريم، ولم يرجع إليه، بخلاف ما إذا دفعه إليه ليستوفيه منه؛ فإنه قد أحْيا ماله بماله، ووَجْه القول بالمنع أنه قد يُتخذ ذريعةً إلى انتفاعه بالقضاء، مثل أن يكون الدين لولده أو لامرأته أو لمن (٥) يلزمه نفقته فيستغني عن الإنفاق عليه؛ فلهذا (٦) قال

стр. 2197

الإمام أحمد: أحَبُّ إليَّ أن يدفعه إليه حتى يقضي هو عن نفسه، قيل: هو محتاجٌ يخاف أن يدفع إليه فيأكله ولا يقضي دينه، قال: فقيل له: يوكله حتى يقضيه (١). والمقصود أنه متى فعل ذلك حيلةً لم تسقط عنه الزكاة [بما دفعه] (٢)؛ فإنه لا يحل له مطالبة المعسر، وقد أسقط اللَّه عنه المطالبة، فإذا توصَّل إلى وجوبها بما يدفعه إليه فقد دفع إليه شيئًا ثم أخذه، فلم يخرج [منه شيء] (٣)، فإنه لو أراد الآخذُ التصرفَ في المأخوذ وسد خَلَّته منه لما أمكنه (٤)، فهذا هو الذي لا تسقط (٥) عنه الزكاة، فأما لو أعطاه عطاءً قطع طمعه من عَوْده إليه ومَلَّكه ظاهرًا وباطنًا (٦) ثم دفع إليه الآخذ دينه من الزكاة فهذا جائزٌ كما لو أخذ الزكاة من غيره ثم دفعها إليه، واللَّه أعلم. فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] ومن الحيل الباطلة التحيل على نفس ما نهى عنه الشارع من بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها والحب قبل اشتداده (٧)، بأن يبيعه ولا يذكر تبقيته ثم يخلّيه إلى وقت كماله فيصح البيع ويأخذه وقت إدراكه، وهذا هو نفس ما نهَى عنه الشارع إن لم يكن فعله بأدنى الحيل، ووجه هذه الحيلة أن موجَبَ العقد القطع، فيصح وينصرف إلى موجبه، كما لو باعها بشرط القطع، ثم القطع حقٌّ لهما [لا يَعْدُوهما] (٨)، فإذا اتفقا على تركه جاز. [بطلان الحيلة] ووجه بطلان هذه الحيلة أن هذا هو الذي نهى عنه رسول اللَّه ﷺ بعينه للمفسدة التي يُفضي إليها من التشاجر والتشاحن (٩)، فإن الثمار تصيبها العاهات كثيرًا، فيُفْضِي بيعها قبل كمالها إلى أكْلِ مال المشتري بالباطل، كما علَّل به

стр. 2198

صاحب الشرع، ومن المعلوم قطعًا أن هذه الحيلة لا ترفع (١) المفسدة، ولا تزيل (٢) بعضها، وأيضًا فإن اللَّه سبحانه وملائكته والناس قد علموا أن من اشترى الثمار وهي شِيصٌ (٣) لم يمكن أحدًا أن يأكل منها، فإنه لا يشتريها للقطع، ولو اشتراها لهذا الغرض لكان سفهًا وبيعه مردود، وكذلك الجوز والخوخ والإجاص وما أشبهها من الثمار التي لا ينتفع بها قبل إدراكها، لا يشتريها أحد إلا بشرط التبقية، وإن سكت عن ذكر (٤) الشرط بلسانه فهو قائمٌ بقلبه (٥) وقلب البائع، وفي هذا تعطيل للنص وللحكمة التي نهى الشارع لأجلها؛ أما تعطيل الحكمة فظاهر، وأما تعطيل النص فإنه إنما (٦) يحمله على ما إذا باعها بشرط التبقية لفظًا، فلو سكت عن التلفظ بذلك وهو مراده ومراد البائع [جاز] (٧)، وهذا تعطيل لما دل عليه النص وإسقاط لحكمته. فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع شيء حلف ألا يبيعه] ومن الحيل الباطلة أنه إذا حلف لا يبيعه هذه الجارية، ثم أراد أن يبيعها منه فليبعه منها تسع مئة وتسعة وتسعين سهمًا، ثم يهبه السهم الباقي (٨)، وقد تقدم نظير هذه الحيلة الباطلة، وكذلك لو حلف لا يبيعه ولا يهبه (٩) إياها ففعل ذلك لم يحنث. ولو وقعت هذه الحيلة في جارية قد وطئها الحالف اليوم فأراد المالك أن يطأها بلا استبراء فله حيلتان على إسقاط الاستبراء: إحداهما: أن يعتقها ثم يتزوجها. والثانية: أن يملّكها لرجل [ثم] (١٠) يزوجه إياها، فإذا قضى وطَرَه منها ثم

стр. 2199

أراد بيعها أو وطأها بملك اليمين فليشترها من المملَّك فينفسخ نكاحه، فإن شاء باعها وإن شاء أقام على وطئها. وتقدم أن نظير هذه الحيلة لو حلف أن لا يلبس هذا الثوب فلينسل (١) منه خيطًا ثم يلبسه، أو لا يأكل هذا الرغيف فليخرج منه لُبَابَةً (٢) ثم يأكله. قال غير واحد من السلف (٣): لو فعل المحلوف عليه على وجه لكان أخفَّ وأسهل من هذا الخداع، ولو قابل العبدُ أمْرَ اللَّه ونهيه بهذه المقابلة لعُدَّ عاصيًا مخادعًا، بل لو قابل أحدُ الرعية أمْرَ الملكِ ونهيه أو العبدُ أمر سيده ونهيه أو المريضُ أمر الطبيب ونهيه بهذه المقابلة لما عذره أحد قَطُّ، ولعدَّهُ كل أحد عاصيًا، وإذا تدبر العالم في الشريعة أمر هذه الحيل لم يَخْفَ عليه نسبتها إليها ومحلها منها، واللَّه المستعان. فصل [إبطال حيلة في الأيمان] ومن الحيل الباطلة: لو حلف لا يبيع هذه السلعة بمئة دينار أو زاد عليها؛ فلم يجد مَنْ يشتريها بذلك فليبعها بتسعة وتسعين دينارًا، أو مئة جزء من دينار، أو أقل من ذلك، أو يبيعها بدراهم تساوي ذلك، أو يبيعها بتسعين دينارًا ومنديلًا أو ثوبًا أو نحو ذلك. وكل هذه حيل باطلة، فإنها تتضمن نفس مخالفته لما نواه وقصده وعقد قلبه عليه، وإذا كانت يمين الحالف على ما يُصدَّقه عليه صاحبه، -كما قال النبي ﷺ (٤) فيمينه على ما يعلمه اللَّه من قلبه كائنًا من (٥) كان؛ فلْيَقُلْ ما شاء، ولْيتحيَّل ما شاء، فليست يمينه إلا على ما عَلِمه اللَّه من قلبه، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فأخبر تعالى أنه إنما يُعْتَبر في الأيمان قَصْدُ القلب وكَسْبُه، لا مجرد اللفظ الذي لم يقصده أو لم يقصد معناه، على التفسيرين في اللغو (٦)، فكيف إذا كان

стр. 2200

قاصدًا لضد ما يتحيل (١) عليه؟ فصل [إبطال حيلة لتجويز بيع أم الولد] ومن الحيل الباطلة على أن يطا أمَتَهُ وإذا حبلت منه لم تَصِرْ أمَّ ولدٍ، فله بيعها: أن يُمَلكها لولده الصغير، ثم يتزوجها ويطؤها، فإذا ولدت منه عَتق الأولاد على الولد؛ لأنهم إخوته، ومن مَلَكَ أخاه عَتَقَ عليه. قالوا: فإن خاف أن لا تتمشى هذه الحيلة على قول الجمهور الذين لا يجوِّزون للرجل أن يتزوج بجارية ابنه -وهو قول الإمام أحمد (٢) ومالك (٣) والشافعي (٤) - فالحيلة أن يملِّكها لذي رَحِم محرم منه، ثم يزوِّجه إياها، فإذا ولدت عتق الولد على ملك ذي الرَّحِمِ؛ فإذا أراد بيع الجارية فليهبها له، فينفسخ النكاح، وإن لم يكن [له ذو] (٥) رَحِم مَحْرَم فليملكها أجنبيًا، ثم يزوجها به (٦)، فإن خاف من رِقِّ الولد فَلْيُعلِّق الأجنبي عتقهم بشرط الولادة، فيقول: كل ولد تلدينه فهو حر، فيكون الأولاد كلهم أحرارًا؛ فإذا أراد بيعها [بعد ذلك] (٧) فليتّهِبْهَا من الأجنبي ثم يبيعها.

стр. 2201

[بطلان هذه الحيلة] وهذه الحيلة أيضًا باطلة؛ فإن حقيقة التمليك لم توجد، إذ حقيقتُه نَقْلُ الملك إلى المملَّكِ يتصرف فيه كما أحب، هذا هو الملك المشروع المعقول المتعارف، فأما تمليكٌ لا يتمكن فيه المملَّك من التصرف إلا بالتزويج وحده؛ فهو تلبيسٌ لا تمليك؛ فإن المملَّك لو أراد وطأها أو الخلوة بها أو النّظَر إليها بشهوة (١) أو التصرفَ فيها كما يتصرف المالكُ في مملوكه لما أمكنه ذلك؛ فإن هذا تمليكُ تلبيسٍ وخِدَاع ومكر، لا تمليك حقيقة، بل قد علم اللَّه والمملِّكُ والمملَّكُ أن الجارية لسيدها ظاهرًا وباطنًا (٢)، وأنه لم يَطِبْ قلبه بإخراجها عن ملكه بوجه من الوجوه، وهذا التمليك بمنزلة تمليك الأجنبي ماله كله ليسقط عنه زكاته ثم يسترده منه، ومعلوم قطعًا أنه لا حقيقة لهذا التمليك عُرْفًا ولا شرعًا، ولا يُعّد المملَّك له على هذا الوجه غنيًا به، ولا يجب عليه به الحج والزكاة والنفقة وأداء الديون، ولا يكون به واجدًا للطَّوْل معدودًا في جملة الأغنياء؛ فهذا هو الحقيقة، لا التمليك الباطل الذي هو مكر وخِدَاع وتلبيس. فصل [إبطال حيلة للتمكّن من رجعة البائن بغير علمها] ومن الحيل الباطلة التَّحيلُ على ردّ امرأته بعد أن بانت منه وهي لا تشعر بذلك، وقد ذكر أرباب الحيل وجوهًا كلها باطلة؛ فمنها: أن يقول لها: حلفْتُ يمينًا واستفتيت فقيل لي: جَدِّد نكاحك؛ فإن كان الطلاق قد وقع وإلا لم يضرُّك، فإذا أجابته قال: اجعلي الأمر إليّ في تزويجك، ثم يحضر الولي والشهود ويتزوّجها، فتصير امرأته بعد البينونة وهي لا تشع؛ فإن لم يتمكن من هذا الوجه فلينتقل إلى وجه ثان، وهو أن يظهر أنه يريد سَفَرًا ويقول: لا آمن الموت وأنا أريد أن (٣) أكتب لك هذه الدار وأجعل لك هذا المتاع صَدَاقًا بحيث لا يمكن إبطاله وأريد أن أشهد على ذلك، فاجعلي أمْرَكِ إليَّ حتى أجعله صداقًا؛ فإذا فعلت عَقَدَ نكاحها على ذلك وتم الأمر؛ فإن لم يرد السفر فليُظهر أنه مريض، ثم يقول لها (٣): أريد أن أجعل لك ذلك، وأخاف أن أقر لك به فلا يقبل؛ فاجعلي

стр. 2202

أمرك إليَّ حتى أجعله صداقًا، فإذا فعلت أحْضَرَ وليها وتزوَّجها؛ فإن حذرت المرأة من ذلك كله ولم يتمكن منه لم يبق له إلا حيلة واحدة، وهي أن يحلف بطلاقها، أو يقول: قد حلفت بطلاقك أن (١) أتزوج عليك في هذا اليوم أو هذا الأسبوع، أو أسافر بك، وأنا أريد أن أتمسك بك ولا أدخل عليك ضرة ولا تسافرين، فاجعلي أمرك إليَّ حتى أخالعك وأردك بعد انقضاء اليوم وتتخلصي من الضرة والسفر، فإذا فعلت أحْضَرَ الشهود والولي (٢) ثم يردها (٣). [بطلان هذه الحيل] وهذه الحيلة باطلة؛ فإن المرأة إذا بانت صارت أجنبية منه؛ فلا يجوز نكاحها إلا بإذنها ورضاها، وهي لم تأذن في هذا النكاح الثاني، ولا رضيت به، ولو علمت أنها قد مَلَكت نفسها وبانت منه فلعلها لا ترغب في نكاحه، فليس له أن يَخدَعها على نفسها ويجعلها له زوجة (٤) بغير رضاها. [الاعتراض بجعل النبي ﷺ جد النكاح كهزله] فإن قيل: إن النبي (٥) ﷺ قد جعل جِدَّ النكاح كهْزله (٦)، وغاية هذا أنه هازل. قيل: هذا ليس بصحيح، وليس هذا كالهازل؛ فإن الهازل لم يظهر أمرًا يريد خلافه، بل تكلم باللفظ قاصدًا [أنه لا] (٧) يلزمه موجبه، وذلك ليس إليه، بل إلى الشارع، وأما هذا فماكرٌ مخادعٌ للمرأة على نفسها، مظهر أنها زوجته وأن الزوجية بينهما باقية وهي أجنبية محضة؛ فهو يمكر (٨) بها ويخادعها بإظهار أنها زوجته وهي في الباطن أجنبية؛ فهو كمن يمكر برجل ويخادعه على أخذ ماله بإظهار أنه يحفظه له ويَصُونه ممن يذهب به، بل هذا أفحشُ؛ لأن حرمة البُضْع أعظم من حرمة المال، والمخادعة عليه (٩) أعظم من المخادعة على المال، [واللَّه أعلم] (١٠).

стр. 2203

فصل [إبطال حيلة لوطء المكاتبة] ومن الحيل الباطلة الحيلةُ على وَطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على ملك ابنه ثم يكاتبها لابنه، ثم يطؤها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارًا؛ إذ ولده قد ملكهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قِنًّا لولده والنكاح بحاله. [بطلان هذه الحيلة] وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور، وهي باطلة في نفسها؛ لأنه لم يملِّكها لولده تمليكًا حقيقيًا، ولا كاتبها له حقيقة، بل خداعًا ومكرًا، وهو يعلم أنها أَمَتُه ومكاتبته في الباطن وحقيقة الأمر، وإنما أظهر خلاف ذلك توصُّلًا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد [الكتابة، فاظهر تمليكًا لا حقيقة له، وكتابةً عن غيره، وفي الحقيقة إنما هي عن] (١) نفسه، واللَّه يعلم ما تخفي الصدور. فصل [بيان حيلة العقارب وإبطالها] ومن الحيل المحرمة الباطلة (٢) الحيلةُ التي تسمى حيلة العقارب، ولها صور: منها: أن يُوقِف داره أو أرضه ويُشهد على وقفه (٣) ويكتمه ثم يبيحها، فإذا علم أن المشتري قد سكنها أو استغلها بمقدار ثمنها أظهرَ كتابَ الوقف وادَّعى على المشتري بأجرة المنفعة، فإذا قال له المشتري: أنا وزنت الثمن، قال: و [أنت] (١) انتفعتَ بالدار والأرض فلا تذهب المنفعة مجانًا. ومنها: أن يملِّكها لولده أو امرأته، ويكتم ذلك، ثم يبيعها، ثم يدعي بعد ذلك من ملكها على المشتري، ويعامله تلك المعاملة وضمنه المنافع تضمين الغاصب (٤).

стр. 2204

ومنها: أن يؤجِّرها لولده أو امرأته، [ويكتم ذلك] (١)، ثم يؤجرها من شخص آخر، فإن ارتفع الكِرَى أخرج الإجارة الأولى، وفسخ إجارة الثاني، وإن نقص الكِرَى أو استمر أبقاها. ومنها: أن يرهن داره أو أرضه، ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة، فمتى أراد فسخ البيع واسترجاع المبيع أظهر كتاب الرَّهْن. وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباهُ العقارب أموالَ الناس بالباطل، ويمشيها لهم مَنْ رَق علمه ودينه ولم يراقب اللَّه تعالى ولَم يَخف مقامه تقليدًا لمن قلد قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمين الغاصب [تقليدًا لمن يقلده] (٢)؛ فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدي على الإثم والعدوان، ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى، وكأنه أخذ بشق الحديث وهو: "انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (٣) واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها، وقد أعاذ اللَّه أحدًا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان، ونَصْر الظالم، وإضاعة حق المظلوم جهارًا. وذلك الإمام وإن قال: "إن المقبوضَ بالعقد الفاسدِ يُضمن ضمان المغصوب" فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه -الذي هو حيلة (٤) ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له- يوجب تضمينه وضياع حقه وأخذ ماله كله وإيداعه في الحبس على ما بقي وإخراج الملك من يده، فإن الرجل قد يشتري (٥) الأرض أو العَقَار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنها (٦) أضعافًا مضاعفة، فيؤخذ منه العقار، ويُحْسَب عليه ثمنه من الأجرة، ويبقى الباقي بقدر الثمن مرارًا، فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفضلت عليه فَضْلة فيجتاح الظالمُ الماكرُ ماله ويَدَعُه على الأرض الخالية، فحاشا إمامًا واحدًا من أئمة الإسلام أن يكون عَوْنًا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان، والواجبُ عقوبةُ مثل هذا العقوبَةَ التي تَرْدَعه عن لَدْغ الناس والتحيل على استهلاك أموال الناس، وأن لا يمكَّن مِنْ طَلَبِ عوض المنفعة. أما على أصل مَنْ لا

стр. 2205

يضُمِّن منافع الغصب -وهم الجمهور كأبي حنيفة (١) ومالك (٢) وأحمد (٣) في إحدى الروايتين عنه وهي أصحهما دليلًا- فظاهر، وأما مَنْ يُضَمِّنُ الغاصبَ كالشافعي (٤) وأحمد (٥) في الرواية الثانية فلا يتأتى تضمين هذا على قاعدته؛ فإنه ليس بغاصب، وإنما استوفى المنفعة بحكم العقد، فإذا تبين أن العقد باطل وأن البائع غَرَّه لم يجب عليه ضمان، فإنه إنما دخل على أن ينتفع بلا عوض، وأن يضمن المبيع بثمنه لا بقيمته؛ فإذا تلف المبيع بعد القبض تلف من ضمانه بثمنه، فإذا انتفع به انتفع [به] (٦) بلا عوض؛ لأنه على ذلك دَخَلَ، ولو قُدِّر وجوب الضمان فإن الغارّ هو الذي يضمن؛ لأنه تسبب إلى إتلاف مال الغير بغروره، وكل من أتلف مال غيره بمباشرة أو سبب فإنه يضمنه [ولا بد] (٧). ولا يقال: المشتري هو الذي باشر الإتلاف، وقد وُجِدَ متسبب ومباشر، فيحال الحكم على المباشر؛ فإن هذا غلط محض هاهنا؛ فإن المضمون هو مال المشتري الذي تلف عليه بالتضمين، وإنما تلف بتسبب الغارِّ، وليس هاهنا مباشر يحال عليه الضمان. [اعتراض وردُّه] فإن قيل: فهذا (٨) إنما يدل على أنَّا إذا ضمنا المغرور رجع على الغارّ (٩)،

стр. 2206

ولا (١) يدل على تضمين الغار أبدًا (٢). قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على أن من اشترى أرضًا فبنى فيها أو غَرَسَ ثم استحقَّتْ؛ فللمستحق قَلْعُ ذلك، ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص، ونص في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلعه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع، وهذا أفقه النصين وأقربهما إلى العدل؛ فإن المشتري غَرَسَ وبنى غراسًا وبناءً مأذونًا فيه، [وليس] (٣) ظالمًا به، فالعرق ليس بظالم، فلا يجوز للمستحقّ قلعه حتى يضمن له نقصه، والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغرَّ المشتري ببنائه وغراسه؛ فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن المغرور ما نقصَ بقلعه ثم رجع (٤) به على الظالم، وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغار. ونظير هذه المسألة ما لو قبض مغصوبًا من غاصبه ببيع أو عارية أو اتهاب أو إجارة وهو يظن أنه مالك لذلك أو مأذون له فيه ففيه قولان: أحدهما: أن المالك مخيَّر بين تضمين أيهما شاء، وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي (٥) وأحمد (٦)، ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري وكان عالمًا بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب، وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن فإن التزم ضمانه بالعقد كبدَل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يغره، بل دخل معه على أن يضمنه، وهذا التعليل يوجب أن يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه؛ لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة، فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت. قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت: فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب لأنه غَرَّه ودخل معه على أنه لا يضمنه،

стр. 2207

وإن حصلت له به في [مقابلته] (١) منفعة كالأجرة والمهر وأرْشِ البكَارة ففيه قولان: أحدهما: يرجع به؛ لأنه غرَّه ولم يدخل معه على أن يضمنه. والثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل (٢) له في مقابلته منفعة، وهذا التعليل أيضًا يوجب على هذا القول أن يرجع بالتفاوت (٣) الذي بين المسمَّى ومهر المثل وأجرة المثل اللذين ضمنهما؛ فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمى، لا بعوض المثل، والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمَّى (٤)، ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك. وعَقْد الباب عندهم أنه يرجع إذا غُرم (٥) على الغاصب بما [لم] (٦) يلتزم ضمانه خاصة، فإذا غرم وهو مُودعٌ أو مُتَّهب قيمة العين والمنفعة رجع بهما؛ لأنه لم يلتزم ضمانًا (٧)، وإنْ ضَمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من (٨) عوض المنفعة، وقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عِوَض المنفعة؛ لأنه دخل على ضمانه، فيقال لهم: نعم دخل على ضمانه بالمسمَّى لا بعوض المثل، وإنْ كان مشتريًا، وضمن قيمة العين [والمنفعة؟] (٩) فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين؛ لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله، وإن كان مستعيرًا وضمن قيمة العين والمنفعة [رجع بما غرمه من ضمان المنفعة؛ لأنه دخل على استيفائها مجانًا، ولم يرجع بما ضمنه من قيمة العين؛ لأنه دخل على ضمانها بقيمتها] (١٠). وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية، وكقيمة الطعام إذا (١١) قدم له أو وهب منه (١٢) فأكله

стр. 2208

فإنه لا يرجع به؛ لأنه استوفى العوض، فإذا غرم عوضه لم يرجع به، والصحيح قوله (١) الأول؛ لأنه لم يدخل على استيفائه بعوض، ولو علم أنه يستوفيه بعوضه لم يدخل على ذلك، ولو علم الضيف أن صاحب البيت أو غيره يغرمه الطعام لم يأكله، ولو ضمّن المالك ذلك كله للغاصب جاز، ولم يرجع على القابض إلا بما (٢) يرجع به عليه، فيرجع عليه إذا كان مستأجرًا بما غرمه من الأجرة. وعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة، ويرجع عليه إذا كان مشتريًا بما غرمه من قيمة العين، وعلى القول الآخر إنما يرجع عليه (٣) بما بذله (٤) من الثمن، ويرجع عليه إذا كان مستعيرًا بما غرمه من قيمة العين؛ إذ لا مسمى هناك، وإذا كان مُتَّهِبًا أو مودعًا لم يرجع عليه بشيء، فإن كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له بما استقر عليه (٥) لو كان أجنبيًا، وما سواه فعلى الغاصب؛ لأنه لا يجب له على نفسه شيء، وأما ما لا يستقر عليه لو كان أجنبيًا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضًا هاهنا. والقول الثاني: أنه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداءً، كما ليس له مطالبته قرارًا، وهذا هو الصحيح، ونص عليه الإمام أحمد ﵀ في المُودِع إذا أودعها -يعني الوديعة- عند غيره من غير حاجة (٦) فتلِفَت فإنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم، وذلك لأنه مغرور (٧). وطَرْد هذا النص أنه لا يطالب (٨) المغرور في جميع هذه الصور، وهو الصحيح؛ فإنه مغرور (٩) ولم يدخل على أنه مطالب، فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه بها، وكيف يُطالب المظلوم المغرور ويُترك الظالم الغارّ؟ ولا سيما إن كان محسنًا بأخْذِهِ الوديعة ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] (١٠) ﴿إِنَّمَا

стр. 2209

السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] وهذا شأن الغار الظالم. وقد قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن المشتري المغرور بالأمة إذا وطئها ثم خرجت مستَحَقَّة، وأخذ منه سيدها المهر، رجع به على البائع لأنه غَرَّه (١). وقضى علي ﵁ أنه لا يرجع به لأنه استوفى عوضه (٢). وهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي [وروايتان عن الإمام أحمد] (٣)، ومالك (٤) أخذ بقول عمر، وأبو حنيفة (٥) أخذ بقول علي ﵁. وقولُ عمر أفقه لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر، وإنما دخل على الاستمتاع بالثمن وقد بَذَله. وأيضًا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامَةَ الوطء كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر. فإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه إياها المستحق، هل يرجع بها على الغارِّ؟ قلنا: نعم يرجع بها، وقد صرح بذلك القاضي وأصحابه، وقد قضى أمير المؤمنين [عليٌّ كرم اللَّه وجهه] (٦) أيضًا بأن الرجل إذا وجد امرأته بَرْصَاء أو عَمْيَاء أو مجنونة فدخل بها فلها الصداق، ويرجع به على مَنْ غرَّه (٧). وهذا محضُ

стр. 2210

القياسِ والميزان الصحيح؛ لأن الولي لما لم يعدمه وأتلف عليه المهر لزمه (١) غرمه. فإن قيل: هو الذي أتلفه على نفسه بالدخول. قيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها، وإنما دخل بها بناءً على السلامة التي غرَّه بها الولي، ولهذا لو علم العيبَ ورضي به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا رجوع، ولو كانت المرأة هي التي غرَّته سقط مهرها. ونكتة المسألة أن المغرور إما محسن، وإما معذور (٢)، وكلاهما لا سبيل عليه، بل ما يلزم المغرور (٣) باستلزامه له (٤) لا يسقط عنه كالثمن في المبيع والأجرة في عقد الإجارة. فإن قيل: فالمهر قد التزمه، فكيف يرجع به؟ قيل: إنما التزمه في محل سليم، ولم يلتزمه في مَعِيبة ولا أمَةٍ مستحقة؛ فلا يجوز أن يُلْزَمَ به. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد؛ فإن النبي ﷺ ألزمه فيه بالصداق بما استحل من فَرْجها (٥)، وهو لم يلتزمه (٦) إلا في نكاح صحيح. قيل: لما أقدم على الباطل لم يكن هناك مَنْ غَرَّه، بل كان هو الغار لنفسه، فلا يذهب استيفاء المنفعة فيه مجانًا، وليس هناك مَنْ يرجع عليه، بل لو فسد النكاح بغرور المرأة سقط مهرها، أو بغرور الولي رجع عليه.
следующие страницы →