← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

الشهادة، كما مُنعَ (١) من إعطائِه [من] الزكاة، [ومن قَتْله بالولد] (٢)، وحَدِّه بقذفه؛ قالوا: ولهذا لا يثبُتُ له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالب به، ولا يُحبس من أجله، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم (٣) أنفسهم، فاكتفى بذكرها [دونها] (٤)، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت مَنْ ذُكر في الآية؛ قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي: ولدًا، فالولد جزء؛ فلا تقبل شهادة الرجل في (٥) جزئه. قالوا: وقد قال ﷺ (٦): "إن أطْيَبَ ما أكَلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (٧) فكيف يشهد الرجل لكسبه؟ قالوا: والإنسان مُتَّهم في ولده، مَفْتُونٌ به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ٢٥] فكيف تقبل شهادة المرء لمن قد جُعل (٨) مفتونًا به؟ والفتنة محل التهمة. فصل [الرد على من منع شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول] قال الآخرون: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ

стр. 527

حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقال [تعالى] (١): ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] و [قد] (١) قال [تعالى] (١): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ] (١)﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ولا رَيْبَ في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب؛ وتناولها للجميع بتناول واحد (٢)، هذا مما لا يمكن دفعه، ولم يستثن [اللَّه سبحانه ولا رسوله] (٣) من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابة، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء؛ فتلزم (٤) الحجة بإجماعهم. وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، عن أبي الزِّناد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٥): تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه (٦). وعن عمرو بن سُليم الزُّرقيّ، عن سعيد بن المسيب مثل هذا (٧). وقال ابن وهب: ثنا يونس، عن الزُّهريِّ قال: لم يكن يُتَّهم سَلَفُ المسلمين الصالح [في] (٥) شهادة الوالد لولده، [ولا] (٥) الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لإمرأته، ثم دَخِلَ الناسُ (٨) بعد ذلك فظهرت منهم أمور حَمَلَتْ الوُلاة على اتهامهم، فتُرِكَت شَهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد

стр. 528

والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان (١). وقال أبو عُبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جَدِّه شبيب بن غَرْقَدَة قال: كنتُ جالسًا عند شُرَيح، فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريحٌ شهادتهما؛ فقال الخصم: هذا أبوها وهذا زوجها، فقال له شريح: أتعلم شيئًا تُجرِّحُ به شهادتهما؟ كلُّ مسلم شَهادتُه جائزة (٢). وقال عبد الرزاق: ثنا سفيان بن عُيَينة، عن شَبيب بن غَرْقَدة قال: سمعت شُريحًا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها، فقال شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ (٣). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا شَبَابة، عن ابن أبي ذِئْب، عن سُليمان قال: شهدتُ لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فقضى بشهادتي (٤). وقال عبد الرزاق: ثنا معمر، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عَدْلًا (٥). قالوا: فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميعُ السلف وشُرَيح وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه، قال

стр. 529

ابن حزم (١): "وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّيُّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو سُليمان وجميع أصحابنا" يعني: داود بن علي وأصحابه. وقد ذكر الزهري أن الذين رَدُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون (٢)، وأن السلف الصالح لم يكونوا يَرُدُّونها. قالوا: وأما حججكم (٣) على المنع فَمَدَارها على شيئين: أحدهما: البعضية التي بين الأب وابنه، وأنها تُوجِب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه، وهذه حجة ضعيفة؛ فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام، [لا في أحكام الدنيا ولا] (٤) في أحكام الثواب والعقاب؛ فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُهُ على الآخر وتحريمه من جهة كونه بَعْضَه، ولا من وجوب الحد على أحدهما وجوبه على الآخر، وقد قال [النبي] (٥) ﷺ : "لا يجني والدٌ على ولده" (٦) فلا يَجْني عليه،

стр. 530

ولا يُعَاقَب بذنبه، ولا يُثاب بحسناته، ولا تجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر، ثم [قد] (١) أجمع الناس على صحة بيعِه منه وإجَارتِه ومُضاربتِه ومُشاركتِه، فلو امتنعت (٢) له لكونه جزءًا منه؛ فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود؛ إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه. فإن قلتم: هو مُتَّهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود؛ فإنه لا يتهم فيها معه. قيل: هذا عَوْد (٣) منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة، فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ولا ريب أن تهمة الإنسان في صَدِيقِهِ وعَشِيره ومن يعنيه (٤) مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه، والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يُحابي صَديقَه وعَشيرَه وذا وُدِّه أعظم مما يحابي أباه وابنه. فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط، بخلاف الحكمة؛ [فإنها] (٥) لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن (٦) التعليل بها. قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد لها الشرع بالاعتبار، وعَلَّق بها الأحكام، دون مظانها، فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والتابعون إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثر في الحكم، فيجب (٧) تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا، ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة، والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيًا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يُعلِّق القبول والرد بأجنبية (٨) ولا قرابة. قالوا: وأما قولكم: "إنه غير متهم معه في تلك العقود" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها، ولهذا لو باعه في

стр. 531

مرض موته ولم يُحَابِهِ لم يبطل البيع، ولو حاباه بَطَلَ في قدر المحاباة، فعلق البطلان بالتهمة لا بمظنتها. قالوا: وأما قوله [ ﷺ ] (١): "أنْتَ ومَالُكَ لأبيكَ" (٢) فلا يمنع شهادة الابن لأبيه، فإن الأبَ ليس هو وماله لابنه، ولا يدل الحديث على [عدم] (٣) قبول شهادة أحدهما للآخر، والذي دل عليه الحديث أكثَرُ منازعينا لا يقولون به، بل عندهم أن مال الابن له حقيقة وحكمًا، وأن الأب لا يتملك عليه منه شيئًا، والذي لم يدل عليه الحديث حمَّلتموه إياه، والذي دل عليه لم تقولوا به، ونحن نتلقى أحاديث رسول اللَّه ﷺ [كلها] (٤) بالقبول والتسليم، ونستعملها في وجوهها (٥)، ولو دل قوله: "أنت ومالك لأبيك" (٢) على أن لا تُقبل شهادةُ الولد لوالده ولا الوالد لولده لكُنَّا أول ذاهب إلى ذلك، ولما سبقتمونا إليه، فأين موضع الدلالة؟ واللام في الحديث ليست للملك قطعًا، وأكثركم يقول: ولا للإباحة إذ لا يُبَاح مال الابن لأبيه؛ ولهذا فرَّقَ بعضُ السلف فقال: تقبل شهادة الابن لأبيه، ولا تقبل شهادة الأب لابنه، وهو إحدى الروايتين عن الحسن والشَّعْبيّ (٦) ونَصَّ عليه أحمد في رواية عنه (٧)، ومن يقول: هي للإباحة أسْعَدُ بالحديث، وإلَّا تعطلت فائدته ودلالته، ولا يلزم من إباحة أَخْذَهِ ما شاء من ماله [أن لا] (٨) تُقبل

стр. 532

شهادته له بحال، مع القطع أو ظهور انتفاء التهمة، كما لو شهد له بنكاح أو حَدٍّ أو ما لا تلحقه به تهمة. قالوا: وأما كونه لا يُعطى من زكاته، ولا يُقاد به، ولا يحدُّ به (١)، ولا يَثْبُت له في ذمته دَيْن، ولا يُحْبس به؛ فالاستدلال إنما يكون بما ثَبَتَ بنص أو إجماع، وليس معكم شيء من ذلك، فهذه مسائل نزاع لا مسائل إجماع، ولو سلم ثبوت (٢) الحكم فيها أو في بعضها لم يلزم منه عدم قبول شهادة أحدهما للآخر حيث تنتفي التهمة؛ ولا تَلَازُم بين قبول الشهادة وجَرَيان القصاص وثبوت الدَّين له في ذمته لا عقلًا ولا شرعًا، فإن تلك الأحكام اقْتَضَتها الأبوة التي تمنع من مساواته للأجنبي في حَدِّه به، وإقادته منه، وحَبْسه بدَيْنه، فإن منصب الأبوة (٣) يأبى ذلك، وقبحه مركوز في فِطَر الناس، وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوْهُ قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح، وأما الشهادة فهي خَبَر يعتمد الصدق والعَدَالة، فإذا كان المُخْبِرُ به صادقًا مبرِّزًا في العدالة غير متهم في الأخبار (٤) فليس قَبُولُ قوله قبيحًا عند المسلمين، ولا تأتي الشريعة برد خبر المخبر به واتهامه. قالوا: والشريعة مَبْنَاها على تصديق الصادق وقبول خبره، وتكذيب الكاذب والتوقف في خبر الفاسق المتهم؛ فهي لا تَردُّ حقًا، ولا تَقْبل باطلًا. قالوا: وأما حديث عائشة (٥) فلو ثبت لم يكن فيه دليل، فإنّه إنما يدل على عدم قبول شهادة المتهم في قرابته أو ذي ولاية، و [نحن] (٦) لا نقبل شهادته إذا ظهرت تُهمَته، ثم منازعونا لا يقولون بالحديث، فإنهم لا يردُّون شهادة كل قرابة، والحديث ليس فيه تخصيص لقرابة الإيلاد بالمنع، وإنما فيه تعليق المنع بتهمة القرابة، فألغيتم (٧) وَصْفَ التهمة، وخَصَّصتم وصف القرابة بفردٍ منها؛ فكنا نحن أسْعَدَ بالحديث منكم، وباللَّه التوفيق. وقد قال محمد بن الحكم: إن أصحاب مالك يُجيزون شهادة الأب والابن

стр. 533

[والأخ] (١) والزوج والزوجة على أنه وَكَّلَ فلانًا، ولا يجيزون شهادتَهم أن فلانًا وكَّلَه؛ لأن الذي يوكِّل لا يتهمان عليه في شيء (٢). [شهادة الأخ لأخيه] وأما شهادة الأخ لأخيه فالجمهور يجيزونها، وهو الذي في "التهذيب" من رواية ابن القاسم (٣) عن مالك، إلا أن يكون في عياله، وقال بعض المالكية: [لا تجوز إلا على شَرْط] (٤)؛ ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: هو أن يكون مبرزًا في العدالة، وقال بعضهم: إذا لم تَنَلْه صِلتُه، وقال أشهب: تجوز (٥) في اليسير دون الكثير، فإن كان مبرزًا جاز في الكثير وقال بعضهم: تقبل مطلقًا إلا فيما تتضح (٦) فيه التهمة، مثل أن يشهد له بما يكسب (٧) به الشاهد شرفًا وجاهًا (٨). [الصحيح قبول شهادة الابن لأبيه، والأب لابنه] والصحيح أنه تقبل شهادة الابن لأبيه والأب لابنه فيما لا تهمة فيه، [ونص عليه أحمد (٩)؛ فعنه في المسألة ثلاث روايات: المنع، والقبول فيما لا تهمة

стр. 534

فيه] (١)، والتفريق بين شهادة الابن لأبيه فتقبل، وشهادة الأب لابنه فلا تقبل، واختار ابن المنذر (٢) القبول كالأجنبي. وأما شهادة أحدهما على الآخر فنصَّ الإمام أحمد على قبولها (٣)، وقد دل عليه القرآن في قوله [تعالى] (٤): ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]. وقد حكى بعض أصحاب أحمد عنه رواية ثانية أنها لا تقبل؛ قال صاحب "المغني": ولم أجد في "الجامع" -يعني "جامع الخلال"- خلافًا عن أحمد أنها تقبل (٥)، وقال بعض الشافعية: لا تقبل شهادة الابن على أبيه في قصاص ولا حدِّ قَذْف، قال: لأنه لا يُقْتل بقَتْله، ولا يُحدُّ بقذفه، وهذا قياسٌ ضعيفٌ جدًّا؛ فإن [الحد والقتل] (٦) في صورة المنع لكون المستحق هو الابن، وهنا المستحق أجنبي (٧). ومما يدل على أن احتمال التهمة بين الولد ووالده لا يمنع (٨) قبول الشهادة أن شهادة الوارث لمورِّثه جائزة بالمال وغيره، ومعلوم أن تَطَرُّقَ التهمة السببية مثلُ تطرقها إلى [الوالد والولد] (٩)، وكذلك شهادة الابنين على أبيهما بطلاق ضَرَّةِ أُمِّهما جائزة، مع أنها شهادة للأم، ويتوفر حظها من الميراث، ويخلو لها وَجْه

стр. 535

الزوج، ولم تُرَدَّ هذه الشهادة باحتمال التهمة؛ فشهادة الولد لوالده (١) وعكسه بحيث (٢) لا تُهمَة هناك أولى بالقبول، وهذا هو القول الذي نَدِينُ اللَّه به، وباللَّه التوفيق. فصل [شاهد الزور] وقوله (٣): "إلا مُجربًّا عليه شهادة زور" يدل على أن المرة الواحدة من شهادة الزور تستقل برد الشهادة، وقد قَرَن اللَّه -سبحانه- في كتابه بين الإشراك وقول الزور، وقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (٤)﴾ [الحج: ٣١]، وفي "الصحيحين" [-أيضًا-] عن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول اللَّه، قال: الشرك باللَّه، ثم عقوق الوالدين (٥)، وكان متكئًا فجلس، ثم قال: ألا وقَوْل الزور، ألا وقول الزور (٦)، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت" (٧)، وفي "الصحيحين"، [عن أنس] عن النبي ﷺ : "أكبر الكبائر: الإشراك باللَّه، وقَتْلُ النفس، وعُقُوق الوالدين، وقول الزور أو قال: وشهادة الزور" (٨). [الكذب في غير الشهادة من الكبائر] ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر، واختلف الفقهاء في

стр. 536

الكذب في غير الشهادة: هل هو من الصغائر أو من الكبائر؟ على قولين هما روايتان عن الإمام أحمد، حكاهما أبو الحسين في "تمامه" (١)، واحتج مَنْ جعله من الكبائر بأن اللَّه [-سبحانه-] (٢) جعله في كتابه من صفات شَرِّ البريّة، وهم الكفار والمنافقون، فلم يصف به إلا كافرًا أو منافقًا، وجعله عَلَمَ أهلِ النار وشِعارَهم، وجعل الصدق عَلَم أهل الجنة وشعارهم. وفي "الصحيح" من حديث ابن مسعود [قال: قال رسول اللَّه ﷺ ] (٣): "عليكم بالصدق؛ فإنه يهدي إلى البِرّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصْدُق حتى يكتب عند اللْه صدِّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند اللَّه كَذَّابًا" (٤). وفي "الصحيحين" مرفوعًا: "آيَةُ المنافِقِ ثلاث: إذا حَدَّث كذب، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان" (٥)، وقال معمر، عن أيوب، عن [ابن] (٦) أبي مُليكة عن عائشة ﵂ قالت: "ما كان خُلُقٌ أبغض إلى الرسول ﷺ من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة، فما تزال (٧) في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث منها توبة" (٨)،

стр. 537

وقال مروان الطَّاطَري (١): ثنا محمد بن مسلم: ثنا أيوب، عن [ابن] (٢) أبي مليكة، عن عائشة قالت: "ما كان شيء أبْغَضَ إلى رسول اللَّه ﷺ من الكذب، وما جَرَّب على أحد كذبًا فرجع إليه ما كان حتى يعرف منه توبة" (٣). حديث حسن، رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق ابن وهب، عن محمد بن مسلم، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عائشة [﵂] (٤) وروى [عبد الرزاق] (٥)، عن مَعْمَر، عن موسى بن أبي شَيْبة (٦) أن النبي ﷺ : "أبطَلَ شهادة رجل في كذبة كذبها" (٧)، وهو مرسل، وقد احتج به أحمد (في إحدى الروايتين عنه)، وقال قَيْس بن أبي حَازم: سمعت أبا بكر الصديق [﵁] (٤) يقول: "إياكم والكذب، فإن الكذب مُجَانب الإيمان" يُروى موقوفًا ومرفوعًا (٨)؛

стр. 538

وروى شعبة، عن سَلَمة بن كُهيل، عن مُصْعب بن سعد، عن أبيه قال: "المسلم يُطْبَعُ على كل طبيعة غير الخيانة والكذب" (١)، ويُروى مرفوعًا [أيضًا] (٢).

стр. 539

[أحاديث عن كبيرة شهادة الزور] وفي "المُسْنَد" والتِّرمذيِّ من حديث خُرَيْم بن فاتِك الأَسديّ، أن رسول اللَّه ﷺ "صَلّى صلاة الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: عَدَلَتْ شهادة الزور الشرك باللَّه" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ]﴾ (١) [الحج: ٣١]. وفي "المسند" من حديث عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "بين يَديّ الساعة تسليمُ الخَاصَّة وفَشْو التِّجارة حتى تُعين المرأة زوجها (٢) على التجارة، وقطع الأرحام، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق" (٣)، وقال الحسن بن زياد

стр. 540

اللؤلؤي: ثنا أبو حنيفة قال: كُنّا عند محارب بن دِثار، فتقدم إليه رجلان، فادَّعى أحدهما على الآخر مالًا، فجحده المُدَّعَى عليه، فسأله البينة، فجاء رجل فشهد عليه، فقال المشهود عليه: لا واللَّه الذي لا إله إلا هو ما شهد عليّ بحق، وما علمته إلا رجلًا صالحًا، غير هذه الزلة؛ فإنه فَعَلَ هذا لحقدٍ كان في قلبه عليّ، وكان محارب متكئًا فاستوى جالسًا ثم قال: يا ذا الرجُلُ سمعتُ ابنَ عمر يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليأتينّ على الناس يومٌ تشيب فيه الوِلْدان، وتَضَع الحوامل ما في بطونها، وتضرب الطير بأذنابها، وتضع ما في بطونها من شدة ذلك اليوم، ولا ذنب عليها وإن شاهد الزور [لا تقار] (١) قدماه على الأرض حتى يُقْذَفَ به في النار" (٢)؛ فإنْ كنْتَ شهدتَ بحقِّ فاتَّقِ اللَّه وأقم على شهادتك، وإنْ كنتَ شهدتَ بباطلٍ فاتَقِ اللَّه وغطِّ رأسك، وأخرُج من ذلك الباب (٣) [فغطى الرجل رأسه وخرج من ذلك الباب] (٤). وقال عبد الملك بن عُمير: كنت في مجلس محارب بن دثار، وهو في قضائه، حتى تقدم إليه رجلان، فادعى أحدهما على الآخر حقًا، فأنكره، فقال: ألك بينة؟ فقال: نعم، ادْعُ فلانًا، فقال المُدَّعى عليه: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، واللَّه إن شَهِدَ عليّ ليشهدن بزور، ولئن سألتَنِي (٥) عنه لأزكِّينَّه؛ فلما جاء الشاهد قال محارب بن دثار: حدثني عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن الطير لتَضْرِبُ بمناقيرها، وتقذف ما في حَوَاصلها، وتُحرِّك أَذْنابَها من هَوْل يوم القيامة، وإن شاهد الزور لا تقار [قدماه]، (٦) على الأرض حتى يُقْذَفَ به في النار"، ثم قال للرجل: بم تشهد؟ قال: كنت "أُشْهِدْتُ" (٧) على شهادة وقد أُنسيتها، أرجع فأتذكَّرها (٨)، فانصرف ولم يشهد عليه بشيء (٩)، ورواه أبو يعلى المَوْصلي في "مسنده" فقال: ثنا محمد بن بَكَّار، ثنا زَافِر، عن أبي علي قال: كنت عند محارب بن دثار، فاختصم إليه رجلان، فشهد على أحدهما شاهد، فقال الرجل: لقد شهد عليّ بزور، ولئن سُئلت عنه لأُزِّكينه (١٠)، وكان محارب متكئًا فجلس ثم

стр. 541

قال: سمعت عبد اللَّه بن عُمر يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تزولُ (١) قدما شاهِدِ الزور من مكانهما حتى يوجب اللَّه له النار"، وللحديث طرقٌ إلى محارب (٢).

стр. 542

فصل [الحكمة في رد شهادة الكذاب] وأقوى الأسباب في رد الشهادة والفُتيا والرواية الكذبُ؛ لأنه فسادٌ في نفس آلة الشَّهادة والفتيا والرواية، فهو بمثابة شهادة الأعمى على رؤية الهلال، وشهادة الأصم الذي لا يسمع على إقرار المقر؛ فإن اللسان الكذوب بمنزلة العُضو الذي [قد] (١) تعطل نَفْعُه، بل هو شر منه، فشرُّ ما في المَرْء لِسانٌ كَذوبٌ؛ ولهذا يجعل اللَّه [-سبحانه-] (١) شعارَ الكاذب عليه يوم القيامة، وشعارَ الكاذب على رسوله (٢) سَوَاد وجوههم، [والكذبُ له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه بُرْقُعًا من المقْت يراه كلُّ صادق؛ فسيما الكاذب في وجهه] (٣) يُنادي عليه (٤) لمن له عينان، والصادق يرزقه اللَّه مَهَابة وجَلالة (٥)، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه إهانة (٦) ومَقْتًا، فمن رآه مَقَته واحتقره، وباللَّه التوفيق، [وإليه ننيب] (٧). فصل [رد شهادة المجلود في حد القذف] وقول أمير المؤمنين ﵁ في كتابه: "أو مجلودًا في حد" المراد به القاذفُ إذا حُدَّ للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك، وهذا متفقٌ عليه بين الأمة قبل التوبة (٨)، والقرآن نص فيه (٩). [حكم شهادة القاذف بعد التوبة] وأما إذا تاب، ففي قبول شهادته، قولان مشهوران للعلماء: أحدهما لا تقبل،

стр. 543

وهو قول أبي حنيفة وأصحابه وأهل العراق (١)، والثاني تقبل، وهو قول مالك (٢) والشافعي (٣) وأحمد (٤)؛ وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عَبَّاس: شهادةُ الفاسق (٥) لا تجوز وإن تاب (٦). وقال القاضي إسماعيل: ثنا أبو الوليد: ثنا قيس، عن سالم، عن قيس بن عاصم قال: كان أبو بكرة إذا أتاه رجل يُشهده قال: أشْهِدْ غيري، فإن المسلمين قد فَسَّقُوني. وهذا ثابت عن مجاهد وعكرمة والحسن ومسروق والشعبي، في إحدى الروايتين عنهم، وهو قول شُريح (٧).

стр. 544

واحتج أرباب هذا القول بأن اللَّه سبحانه أبَّدَ المنع من قبول شهادتهم (١) بقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وحكم عليهم بالفسق، ثم استثنى التائبين من الفاسقين، وبقي المَنْعُ من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده. قالوا: وقد روى أبو جعفر الرَّازي، عن آدم بن فَائِد، عن عَمرو بنَ شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا محدود في الإسلام ولا محدودة، ولا ذي غَمْرٍ (٢) على أخيه" وله طرق إلى عمرو، ورواه ابن ماجه من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو، ورواه البيهقي من طريق المثنى بن الصَّبَّاح عن عمرو (٣)، قالوا: وروى يزيد بن أبي زياد الدِّمشقي، عن الزُّهريّ، عن عُروة، عن عائشة ترفعه: "لا تجوز شهادة خَائنٍ ولا خَائنةٍ، ولا مجلود في حَدٍّ، ولا ذي غَمْر لأخيه، ولا مُجَرَّب عليه [شهادة] (٤) زور، ولا ظَنين في ولاء أو

стр. 545

قرابة" (١)، وروى عن سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ مرسلًا. قالوا: ولأن (٢) المنع من قبول شهادته جُعِلَ من تمام عقوبته، ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد، فلو قَذفَ ولم يُحَد لم ترد شهادته، ومعلوم أن الحد إنما زاده طُهْرة وخَفَّف عنه إثم القَذْف أو رَفَعه، فهو [بعد الحد خيرٌ منه قبله، ومع هذا فإنما تُرد شهادته بعد الحد] (٣)، فردُّها من تَمامِ عقوبته وحَدِّه، وما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة، ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع [توبتُه] (٤) إقامةَ الحد عليه فكذلك شهادته، وقال سعيد بن جبير: تُقبل توبته فيما بينه وبين اللَّه من العذاب العظيم، ولا تقبل شهادته. وقال شريح: لا تجوز شهادته أبدًا، وتوبته فيما بينه وبين ربه (٥). وسرُّ المسألة أن ردَّ شهادته جُعل عقوبة لهذا الذنب؛ فلا يسقط (٦) بالتوبة كالحد. قال الآخرون، واللفظ للشافعي: والثُّنْيَا (٧) في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهلُ الفقه إلا إن يَفْرِق بين [ذلك] (٨) خبر، وأنبأنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري يقول: زعم أهلُ العراق أن شهادة المحدود لا تجوز، وأَشْهَد لأَخْبَرني (٩) فلانٌ أن عمر قال لأبي بكرة: تُبْ أَقْبَلْ شهادتك، قال سفيان: نسيتُ اسمَ الذي حدث الزهري، فلما قمنا سألت مَنْ حضر، فقال لي

стр. 546

عَمرو بن قيس: هو سعيد بن المسيب، فقلت لسفيان: فهل (١) شَككَتَ فيما قال لك؟ قال: لا هو سعيد غير شك (٢). قال الشافعي: وكثيرًا ما سمعته يحدث فيُسَمِّي سعيدًا، وكثيرًا ما سمعته يقول: عن سعيد إن شاء اللَّه، وأخبرني [به] (٣) من أثق به من أهل المدينة عن ابن شهاب، عن ابن (٤) المسيب أن عمر لما جَلَد الثلاثة استتابهم، فرجع اثنان فقبل شهادتهما (٥)، وأبى أبو بكرة أن يرجع فرد شهادته (٦)، ورواه سُليمان بن كَثير، عن الزُّهريِّ، عن ابنِ المسيب أن عمر قال لأبي بكرة وشِبْل ونافع: مَنْ تاب منكم قُبِلَت شَهادته (٧)، وقال عبد الرزاق: ثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسَرة، عن ابن المسيب أن عمر قال للذين شهدوا على المغيرة: توبوا تُقبل شهادتكم، فتاب منهم اثنان وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكان عمر لا يقبل شهادته (٨). قالوا: والاستثناء عائد على جميع [ما تقدمه سوى الحد] (٩)، فإن المسلمين مجمعون على أنه لا يَسْقُط عن القاذف بالتوبة، وقد قال أئمة اللغة: إن الاستثناء يرجع إلى ما تقدم كله (١٠). قال أبو عُبيد في "كتاب القضاء": وجماعة أهل

стр. 547

الحجاز ومكة على قبول شهادته؛ وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول (١) لا تقبل أبدًا، وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى، والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع [من] (٢) عند قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] ثم استأنف فقال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤] فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة؛ وأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تَبعَ بعضُه بعضًا على نَسَق واحد فقالوا (٣): ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فانتظم الاستثناء كلَّ ما كان قبله. قال أبو عُبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به؛ لأن من قال به أكثر وهو أصح في النَّظَر، ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب (٤). قالوا: وأما ما ذكرتم عن ابن عباس فقد قال الشافعي: بلغني عن ابن عباس أنه وإن يجيز شهادة القاذف إذا تاب (٥)، وقال علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب اللَّه تقبل (٦). وقال شَرِيك، عن أبي حَصين، عن الشعبي: يقبل اللَّه توبته ولا يقبلون شهادته (٧)؟! وقال مُطَرِّف عنه: إذا فرغ من ضربه فأكذب

стр. 548

نفسه ورجع عن قوله قبلت شهادته (١). قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف؛ فإن آدم بن فائد غير معروف، ورواته عن عمرو (٢) قسمان: ثقات، وضعفاء، فالثقات لم يذكر أحدٌ منهم: "أو مجلود في حد" وإنما ذكره الضُّعفاء كالمُثنَّى بن الصَّبَّاح وآدم والحَجَّاج (٣)، وحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف، ولو صحت الأحاديث لحُمِلت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٤)، وقد قبل شهادتَه بعد التوبة عمر وابن عباس (٥)، ولا يُعلم لهما في الصحابة مخالف. قالوا: وأعظم موانع الشهادة الكفر والسحر [وقتل النفس] (٦) وعقوق الوالدين [والزنا] (٧)، ولو تاب من هذه الأشياء قُبلت شهادته اتفاقًا؛ فالتائب من القذف أولى بالقبول. قالوا: فأين جناية قتله من قذفه؟ قالوا: والحد يَدْرَأ عنه عقوبة الآخرة، وهو طُهْرة له؛ فإن الحدود طهرة لأهلها، فكيف تُقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد وترد [إذا كان] (٨) أطهر ما يكون؟ فإنه بالحد والتوبة قد يَطْهُر طُهرًا (٩) كاملًا. قالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلَّة التي ذكرها اللَّه عقيب هذا الحكم، وهي (١٠) الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو (١١) سبب الرد؛ فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع.

стр. 549

قالوا: والقاذف فاسق بقذفه، حُدَّ أو لم يحد، فكيف تقبل شهادته في حال فسقه وترد شهادته بعد زوال فسقه؟. قالوا: ولا عهد لتا في الشريعة بذنب واحد أصلًا يُتَاب منه ويَبْقى أَثرُه المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود منها، وخلاف قوله ﷺ : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"؟ (١) وعند هذا فيقال: تَوْبته من القذف تُنزله منزلة من لم يقذف؛ فيجب قبول شهادته، [أو كما قالوا] (٢). قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حَقِّ اللَّه وحق الآدمي، وهو من أوفى الجرائم، فناسب تغليظ الزجر، وردُّ الشهادة من أقوى أسباب الزجر (٣)، لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس، إذ هو عَزْل لولاية لسانه الذي استطال به على عِرْض أخيه، وإبطال لها، ثم هو عقوبة في محل الجناية، فإن الجناية حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه، وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق، فإنه حد مشروع في محل الجناية؛ ولا يُنْتَقض هذا بأنه لم يجعل عقوبة الزاني بقطع العضو الذي جنى به لوجوه: أحدها: أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه. الثاني: أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وإنقطاع النوع الإنساني. الثالث: أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص، فالذي نال البدن (٤) من اللذة المُحرَّمة مثل ما نال الفرج، ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن.

стр. 550

الرابع: أن قطع هذا العضو مُفْضٍ إلى الهلاك، [وغير المحصن لا تستوجب جريمتُه الهلاك] (١)، والمُحْصَن إنما يُناسب (٢) جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع بعض أعضائه؛ فافترقا (٣). قالوا: وأما قبول شهادته قبل الحدِّ وردُّها بعده، فلِمَا تقدم أن رد الشهادة جُعِلَ من تمام الحد وتكملته؛ فهو كالصفة والتتمة للحد؛ فلا يتقدم عليه، ولأن إقامة الحد عليه يُنْقِص حاله عند الناس، وتقلّ حرمته، وهو قبل إقامة الحد قائم الحرمة غير منتهكها (٤). قالوا: وأما التائب من الزنا والكفر والقتل، فإنما قبلنا شهادته؛ لأنَّ ردَّها كان نتيجة الفسق، وقد زال، بخلاف مسألتنا فإنا قد بينا أنَّ ردَّها من تتمة الحد، فافترقا. قال القائلون [بقبولها] (٥): تغليظ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحة الزجرِ بالحد، وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد، وإلا فلا تَطْلُق نِساؤُه، ولا يُؤْخَذ مالُه، ولا يُعزل عن مناصبِه، ولا تَسْقط روايته؛ لأنه أغلظ [عليه] (٥) في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة [﵁] (٦)؛ وتغليظ الزجر من الأوصاف المنتشرة التي لا تنضبط، وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذ من ظهره؛ وأيضًا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس، وقَلَّ أن يُوجد القذف من أحدهم، وإنما يوجد غالبًا من الرَّعَاع والسَّقط ومَنْ لا يبالي برد شهادته وقبولها؛ وأيضًا فكم من قاذفٍ انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم، ومصلحة الزجر إنما تكون في منع النفوس مما هي (٧) محتاجة إليه، وهو كثير الوقوع منها، ثم هذه المناسبة التي ذكرتموها يعارضها ما هو أقوى منها؛ فإن رد الشهادة أبدًا تلزم منه مفسدة فوات الحقوق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها، ولا يلزم مثل ذلك في القبول؛ فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير؛ من عدل تائب (٨) قد أصلح ما بينه وبين اللَّه، ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها

стр. 551

مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه، والشارع له تَطلُّع إلى حفظ الحقوق على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها، فكيف يُبطل حقًا قد شَهد به عَدْلٌ رَضِي (١) مقبول الشهادة على رسول اللَّه ﷺ وعلى دينه روايةً وفتوى؟ وأما قولكم: "إن العقوبة تكون في محل الجناية" فهذا غير لازم؛ لما تقدم من عقوبة الشارب والزاني وقد جعل اللَّه سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع البدن دون اللسان، [وإنما جعل عقوبة اللسان] (٢) بسبب الفسق الذي هو محل التهمة، فإذا زال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها (٣). وأما قولكم: "إن رد الشهادة من تمام الحد" فليس كذلك؛ فإن الحد تَمَّ باستيفاء عَدَدِه، وسببه نفس القذف؛ وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف، لا الحد، فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما [حكمان] (٤) متغايران. فصل [رد الشهادة بالتهمة] وقوله: "أو ظنينًا في ولاء أو قرابة" الظنين: المتَّهم، والشهادة تُردُّ بالتهمة، ودل هذا على أنها لا تُرَدُّ بالقرابة كما ترد (٥) بالولاء، وانما ترد [بتهمتهما] (٦)، وهذا هو الصواب كما تقدم؛ وقال أبو عبيد: ثنا حَجَّاج، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو بكر بن عبد اللَّه بن أبي سَبْرة، عن أبي الزِّناد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عمر بن الخطاب أنه قال: تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، إذا كانوا عدولًا، لم يقل اللَّه حين قال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلا والدًا وولدًا وأخًا (٧)، هذا لفظه؛ وليس في ذلك عن عمر

стр. 552

روايتان، بل إنما مَنعَ من شهادة المتهم في قرابته وولائه (١)؛ وقال أبو عبيد: حدثني يحيى بن بُكَيْر، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حَبيب، أن عمر بن عبد العزيز كتب أنه تجوز شهادة الولد لوالده (٢). وقال إسحاق بن راهويه (٣): لم تزل قُضَاة الإسلام على هذا، وإنما قُبلَ قولُ الشاهد لِظنِّ صدقه، فإذا كان مُتَّهمًا عارضت التُّهمةُ الظَّنَّ؛ فبقيت البراءة الأصلية [ليس] لها (٤) معارض مقاوم. فصل [شهادة مستور الحال] وقوله: "فإن اللَّه ﵎ تولى من العباد (٥) السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات" يريد بذلك أن من ظهرت لنا منه علانية خيرٍ قبلنا شهادته ووكلنا سَرِيرَتَه إلى اللَّه [سبحانه] (٦)، فإن اللَّه [سبحانه] (٧) لم يجعل أحكام الدنيا على السرائر، بل على الظواهر، والسرائر تبع لها، وأما أحكام الآخرة فعلى السرائر، والظواهر تبع لها. وقد احتج بعض أهل العراق بقول عمر هذا على قبول شهادة كل مسلم لم تظهر منه ريبة وإن كان مجهول الحال (٨)؛ فإنه قال: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض" ثم قال: "فإن (٩) اللَّه [تعالى] (٧) تَوَّلى من عباده السرائر، وسَتَر عليهم الحدود" ولا يدلُّ كلامه على هذا المذهب، بل قد روى أبو عبيد: ثنا الحَجَّاج، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: [قال] (٧) عمر بن الخطاب: لا

стр. 553

يؤسر (١) أحد في الإسلام بشهداء السوء؛ فإنه لا يقبل إلا العدول (٢). وثنا إسحاق بن علي، عن مالك بن أنس، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٣): واللَّه لا [يؤسِرَنَّ] (١) رجل في الإسلام بغير العدول (٤). وثنا إسماعيل بن إبراهيم (٥)، عن الجُرَيْري، عن (٦) أبي نَضْرة، عن أبي فِراس أن عمر بن الخطاب قال في خطبته: مَنْ أظهر لنا خيرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومن أظهر لنا شرًا ظننا به شرًا وأبغضناه عليه (٧). [الحد والبيّنة] وقوله: "وستر عليهم الحدود" يعني المحارم، وهي حدود اللَّه التي نهى عن

стр. 554

قُرْبَانها، والحد يراد به الذنب تارة والعقوبة أخرى (١). وقوله: "إلا البينات (٢) والأَيمان" يريد بالبينات الأدلة والشواهد، فإنه قد صح عنه الحد في الزنا بالحبل (٣)، فهو بَيِّنة صادقة، بل هو أصدق من الشهود، وكذلك رائحة الخمر بينة على شربها عند الصحابة وفقهاء [أهل] المدينة [وأكثر فقهاء الحديث] (٤). فصل [الأيمان في كتاب عمر] وقوله: "والأَيمان" يريد بها أيمان الزوج في اللِّعان، وأيمان أولياء القتيل في القسامة، وهي قائمة مقام البينة (٥). فصل [القول في القياس] وقوله: "ثم الفَهْم الفهم فيما أُدلي إليك مما (٦) وَرَدَ عليك مما ليس في قرآن ولا سنةِ، ثم قَايِس الأمور عند ذلك، واعْرِفْ الأمثال، [ثم اعمد] (٧) فيما ترى [إلى] (٨) أَحبِّها إلى اللَّه وأشبهها بالحق" هذا أحد [الآثار] (٩) ما اعتمد عليه القَيَّاسون في الشريعة (١٠)، وقالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره

стр. 555

أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس، وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه. [إشارات القرآن إلى القياس] وقد أرشد اللَّه [تعالى] (١) عباده إليه في غير موضع عن كتابه، فقاس (٢) النَّشْأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلًا والثانية فرعًا عليها؛ وقاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات؛ وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أَعداؤه على خلق السماوات والأرض، وجعله من قياس الأَوْلَى [كما جعل قياس النشاة الثانية على الأُوْلى من قياس الأَوْلى؛ وقاس] (٣) الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم، وضرب الأمثال، وصَرَّفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية يُنبِّه بها عبادَهُ على أن حُكم الشَّيءِ حُكْمُ مثله، فإن الأمثال كلها قِياسات يُعلم منها حكم المُمثَّل عن الممثَّل به؛ وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمن تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم. وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]؛ فالقياس وضرب (٤) الأمثال من خاصة العقل، وقد رَكَّز اللَّه في فِطَر الناس وعقولهم التسويَةَ بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما. [مدار الاستدلال] قالوا: ومَدَارُ الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين؛ فإنه إما استدلال بمعين على معين، أو بمعين على عام، أو بعام على عام، [أو بعامٍّ على معيِّنٍ] (٥)، فهذه الأربعة هي مَجَامِعُ ضروب الاستدلال.

стр. 556

[الاستدلال بالمعيَّن على المعيَّن] فالاستدلالُ بالمُعيَّن على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه، فكلُّ ملزومٍ دليلٌ على لازمه، فإن كان التلازم من الجانبين كان كلٌّ منهما دليلًا على الآخر ومدلولًا له، وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثِّر على الأثَر. والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثَرَين (١) على الآخر. فالأول كالاستدلال بالنار على الحريق، والثاني كالاستدلال (٢) بالحريق على النار، والثالث كالاستدلال (٢) بالحريق على الدخان، ومَدَارُ (٣) ذلك كله على التلازم، فالتسوية بين المتماثلين، هو الاستدلال بثبوت أحد الأَثَرين على الآخر، وقياسُ الفَرْق هو الاستدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه، فلو جاز التفريقُ بين المتماثلين؛ لانسدَّت طرقُ الاستدلال وغُلِّقت أبوابه. قالوا: وأما الاستدلال بالمُعيَّن على العام، فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين؛ إذ لو جاز الفرقُ لما كان هذا المعينُ دليلًا على الأمر العام المشترك بين الأفراد (٤)، ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذَّبهم على تكذيب رُسُله وعِصْيان أمره، على أن هذ الحكم عام شامل لكل (٥) مَنْ سَلك سبيلهم واتَّصف (٦) بصفتهم، وهو سبحانه قد نَبَّه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقيبَ إخباره عن عقوبات الأمم المكذِّبة لرسُلهم وما حَلَّ بهم: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾؟ [القمر: ٤٣]، فهذا مَحْض تعدية الحكم إلى مَنْ عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا (٧) فلو لم يكن حُكمُ الشيء حُكمَ مثله لما لزمت التعدية، ولا تمت الحجة؛ ومثلُ هذا قولهُ تعالى عَقيب إخباره عن عقوبة قوم عادٍ حين رأوا العارض في السماء فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقال [تعالى] (٨): ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ

стр. 557

فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف:٢٤، ٢٦]؛ فتأمل قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ وكيف تجد المعنى (١) أن حكمكم كحكمهم (٢)، وأَنَّا إذا كُنا (١) قد أهلكناهم بمعصية رُسُلنا (٣) ولم يدفع عنهم ما مُكّنُوا فيه من أسباب العيش فأنتم كذلك، تسوية بين المتماثلين، وأن هذا مَحْضُ عَدْلِ اللَّه بين عباده. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠]، فأخبر أن حُكْمَ الشيء حكمُ مثله. وكذلك كل موضع أمر اللَّه سبحانه فيه بالسَّيْر في الأرض، سواء كان السير الحسي على الأقدام والدوابِّ، أو السير المعنوي بالتفكر والاعتبار، أو كان اللفظ يَعمُّهما وهو الصواب، فإنه يدلُّ على الاعتبار والحذر أن يحل بالمُخَاطَبين ما حل بأولئك، ولهذا أمر اللَّه سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حَلَّ بالمكذبين، ولولا أن حكم النظير حكم نظِيرهِ حتى [تَعْبُر] (٤) العقولُ منه إليه لَما حَصَلَ الاعتبار، وقد نفى اللَّه سبحانه عن حُكْمه وحِكْمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥، ٣٦]، فأخبر أن هذا حكمٌ باطل في الفِطَر والعقول، لا يليق نسبته إليه سبحانه، وقال [تعالى] (٥): ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال [تعالى] (٥): ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]، أفلا تَرَاه كيف ذَكّرَ العقول ونَبَّه الفِطَر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء (٦) ومُخَالِفه في الحكم؟ وكل هذا من الميزان الذي أنزله اللَّه مع كتابه وجَعَله قَرينه ووزيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ

стр. 558

لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال [تعالى] (١): ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: ١، ٢]، فهذا الكتاب، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرحمن: ٧]، و [الميزان] (١) يُراد به العَدْلُ والآلة (٢) التي يُعْرَفُ بها العدل وما يُضَاده. [الأولى تسمية القياس بما سَمَّاه اللَّه به] والقياس الصحيح هو الميزان؛ فالأولى (٣) تسميتُه بالاسم الذي سمَّاه اللَّه به، فإنه يدل على العَدْل، وهو اسم مَدْح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجئ في القرآن مَدْحُه ولا ذَمُّه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسم إلى صحيح وفاسد؟. فالصحيح (٤) هو الميزان الذي أنزله مع كتابه. [أمثلة من القياس الفاسد أشار إليها القرآن] والفاسد ما يضاده، كقياسِ الذين قاسُوا البيعَ على الربا بجامع (٥) ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وقياسِ الذين قاسوا المَيْتَةَ على المذكَّى (٦) في جَوَاز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح؛ هذا بسببٍ (٧) من الآدميين وهذا بفعل اللَّه؛ ولهذا تجد في كلام السلف ذمَّ القياسِ وأنه ليس من الدِّين، وتجد في كلامهم استعمالَهُ والاستدلالَ به، وهذا حق [وهذا حق] (٨) كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. [أنواع القياس] والأقْيِسَةُ المستعملة في الاستدلال [ثلاثة] (٩): قياس علة، وقياس دَلالَة، وقياس شَبه، وقد وردت كلها في القرآن.

стр. 559

فأما قياس العلة؛ فقد جاء في كتاب اللَّه [ ] (١) في مواضع، منها قوله [تعالى] (١): ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٢)﴾ [آل عمران: ٥٩]، فاخبر [تعالى] (١) أن عيسى نظير آدم في التكوين بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تَعلَّق به وجود [سائر المخلوقات، وهو مجيئها طَوْعًا لمشيئته (٣) وتكوينه، فكيف يَستنكرُ وجودَ عيسى من غير أبٍ مَنْ يُقِرُّ بوجود، (٤) آدم من غير أبٍ ولا أُمٍّ؟ ووجود حؤَاء من غير أم؟ فآدم وعيسى ﵉ نَظِيرَان يجمعهما المعنى الذي يصحُّ تعليقُ الإيجاد والخلق [به] (١)، ومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] (٥)﴾ [آل عمران: ١٣٧]، أي: قد كان (٦) من قبلكم أممٌ أمثالكم فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات اللَّه ورسله، وهم الأصل وأنتم الفرع، والعِلَّةُ الجامعةُ: التَّكذيبُ، والحُكُم: الهلاك (٧). ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]، فذكر سبحانه (٨) إهلاك مَنْ قبلنا من القرون، وبَيَّنَ أن ذلك كان لمعنى القياس (٩)، وهو ذنوبهم، فهم الأصل ونحن الفرع، والذُّنوبُ العِلَّةُ الجامِعة، والحكم الهلاك فهذا محض قياس العلة، وقد أكَّده سبحانه بضَرْبٍ من الأوْلى، وهو أن مَنْ قبلنا كانوا أقوى منا فلم تَدفع عنهم قوتُهم وشدتُهم ما حلَّ بهم، ومنه قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]

стр. 560

وقد اختُلِفَ في محل هذه الكاف (١) وما يتعلق به، فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم كالذين من قبلكم، وقيل: نَصبٌ بفعل محذوف، تقديرُه فعلتم كفعل الذين من قبلكم، والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: إن التشبيه في العذاب، ثم قيل: العاملُ محذوف، أي لَعَنهم وعَذَّبهم كما لعن الذين من قبل، وقيل: بل العاملُ ما تقدم، أي وعد اللَّه المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولَعَنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم. والمقصود أنه سبحانه ألحَقَهم بهم في الوعيد، وسَوَّى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، وكَوْنُهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فَرْقٌ غير مؤثِّر، فعلَّق الحكم بالوصف الجامع المؤثر، وألغى (٢) الوصفَ الفارق، ثم نَبَّه [سبحانه] (٣) على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامعُ، وقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ هو الحكم، والذين من قبل هم الأصل، والمخاطَبُون الفرع (٤). قال عبد الرزاق في "تفسيره": ثنا مَعْمَر، عن الحسن في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال: بدينهم (٥). ويروى عن أبي هريرة (٦). وقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا (٧). وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا (٨).

стр. 561

[الْخَلَاق] وحقيقة الأمر أن الخَلَاق هو النصيب والحظُ، كأنه الذي خُلِق للإنسان وقُدِّر له، كما يقال (١): قَسْمه الذي قُسِمَ له، ونصيبه الذي نصب له، أي: أُثبت، وقِطه الذي قُطَّ له، أي قُطِع. ومنه قوله [تعالى] (٢): ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وقول النبي ﷺ : "إنما يَلْبَسُ الحرير في الدنيا مَنْ لا خَلاق له [في الآخرة] " (٣) والآية تتناول ما ذكره السلف كله، فإنه [سبحانه] (٢) قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد، وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخَلَاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم وأولادهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخَلَاق الذي استمتعوا به، ولو أرادوا بذلك اللَّه والدارَ الآخرة لكان لهم خَلَاق في الآخرة، فتمتُّعهم بها أخْذُ حظوظهم العاجلة، وهذا حال مَنْ لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان [عَمَله من] (٤) جنس العبادات أو غيرها، ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ فدلَّ هذا على أن حُكمَهم حُكمُهم، وأنه ينالهم ما نالهم؛ لأن حُكْمَ النظير حُكْم نظيرِهِ. ثم قال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ فقيل: الذي صفة لمصدر محذوف، أي: كالخوض الذي خاضوا، وقيل: لموصوف محذوف، أي: كخوض القوم الذي خاضوا (٥)، وهو فاعل الخوض، وقيل: ﴿الَّذِي﴾ مصدرية [كما] (٦)، أي: كخوضهم، وقيل: هي موضع الذين.

стр. 562

[أصل كل شر البدع واتباع الهوى] والمقصود أنه [سبحانه] (١) جمع بين الاستمتاع بالخَلَاق وبين الخوْض بالباطل؛ لأنَّ فساد الدين، إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع في العمل بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق، فالأول: البدَع، والثاني: اتّباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة [وبلاء] (١)، وبهما كُذَّبَت الرسل، وعُصِي الرب، ودُخِلت النار، وحَلَّت العقوبات، فالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ولهذا كان (٢) السلف يقولون: [احْذَرُوا من الناس صِنْفَين: صاحبَ هَوًى [فَتَنَه] (٣) هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه. وكانوا يقولون:] (٤) احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مَفْتُون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم. وفي صفة الإمام أحمد [﵀ (٥) -]: عن الدنيا ما كان أصْبَرَه، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البِدَعُ فنَفَاها، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين الذين وصفهم اللَّه في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] فبالصبر تُتْرك الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]. وفي بعض المراسيل: "إنَّ اللَّه يحبُّ البصَرَ الناقد عند ورود الشبهات، ويُحبُّ العَقْلَ الكاملَ عند حلول الشهوات" (٦).

стр. 563

فقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتّباع الشهوات وهو داء العصاة، وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ إشارة إلى الشبهات وهو داء المبتدِعَةِ وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرًا ما يجتمعان، فَقَلَّ من تجده فاسدَ الاعتقاد إلا وفسادُ اعتقاده يَظْهر في عمله (١). والمقصود أن اللَّه أخبر أن في هذه الأمة مَنْ يستمتع بخَلاقَه كما استمتع الذين من قبلهم (٢) بخَلَاقهم، ويخوض كخوضهم، وأنهم لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم حَضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠]. فتأمل صحةَ هذا القياس وإفادتَهُ لمن عُلِّقَ عليه من الحكم، وأن الأصل والفرعَ قد تساويا في المعنى الذي عُلّق به العقاب، وأكده كماِ تقدم بضَرْبٍ مِنَ الأَوْلى، وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإن (٣) لم يتعذَّر على اللَّه عقابُ الأقوى منهم بذَنْبه فكيف يتعذر عليه عقاب مَنْ هو دونه؟ ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، فهذا قياس جَلِيٌّ، يقول سبحانه: إن شئتُ أذهبتُكم واستخلفتُ غيرَكم كما أذهبتُ مَنْ قبلكم (٤) واستخلفتكم. [في الآية أركان القياس الأربعة] فذكر أركان القياس الأربعة: علة الحكم، وهي عُمومُ مَشيئتهِ وكمالِها، والحكم، وهو إذهابُه بهم (٥) وإتيانه بغيرهم، والأصل، وهو مَنْ كان مِن قَبْل، والفرع، وهم المخاطبون.

стр. 564

[عودة إلى أمثلة من القياس في القرآن] ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] (١)﴾ [يونس: ٣٩]، فاخبر أن مَنْ قَبْلَ المُكذِّبين (٢) أصلٌ يُعْتبر به، والفرع نفوسهم، فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) [فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا] (٣) وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل: ١٥، ١٦] فأخبر [سبحانه] (٤) أنه أرسل محمدًا [ ﷺ لينا] (٤) كما أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلًا، فهكذا مَنْ عصى منكم محمدًا ﷺ (٥)، وهذا في القرآن كثير جدًّا (٦)، فقد فُتح لك بابه. فصل [قياس الدلالة] وأما قياس الدَّلَالة فهو الجمع بين الأصل والفَرْعِ بدليل العلة ومَلْزَومها؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]، فدَّل [سبحانه] (٧) عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققَّوهُ وشاهَدوه على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياءٍ على إحياء، واعتبارُ الشيء بنظيره؛ والعلة الموجِبة هي عموم قدرته [سبحانه] (٧)، وكمال حكمته؛ وإحياء الأرض دليل العلة. ومنه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٩]، فدلَّ بالنظير على النظير، وقَرَّبَ أحَدَهما من

стр. 565

الآخر جدًّا بلفظ الإخراج، أي يَخْرجون (١) من الأرض أحياءً كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. ومنه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) [ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)] (٢) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠]. فبَيّن سبحانه كيفيةَ الخلقِ واختلافَ أحوال الماء في الرحم إلى أن صارَ منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء، ونَبَّه سبحانه (٣) عباده بما أحْدَثَه في النطفة المَهِينة الحَقِيرة من الأطوار، وسَوْقها في مراتب الكمال من مرتبة إلى [مرتبة] (٤) أعلى منها، حتى صارت بَشَرًا سَوِيًا في أحسن خَلْق (٥) وتقويم - على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سُدَى مُهْمَلًا معطلًا لا يَأمُره ولا يَنْهاه ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بَشَرًا سَويًا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقًا بعد طبَق، وحالًا بعد حال، إلى أن يصير جاره في داره، يتمتَّع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع (٦) كلامه. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ] (٧) يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٧، ٥٨]، فأخبر سبحانه أنهما إحياءان، [وأن] (٨) أحدهما معتبر بالآخر مَقِيس عليه، ثم ذكر قياسًا آخر، أنَّ مِن الأرض ما يكون أرضًا طيبةً فإذا أَنزل (٩) عليها الماء أخرجتْ نباتَها بإذن ربها، ومنها ما تكون أرضًا خبيثة لا تُخرج نَباتَها إلا نكدًا، أي: قليلًا غير مُنْتَفع به، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما أخرجت الأرض الطيبة، فشَبَّه سبحانه الوَحْيَ الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض
следующие страницы →