← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأموال وحدها، فإنه لم يخبر عن شرع عام شَرَعَه رسول اللَّه ﷺ في الأموال، وكذلك سائر ما رُوي من حكمه بذلك، إنما هو في قضايا معينة قضى فيها بشاهد ويمين، وهذا كما لا يدل على اختصاص حكمه بتلك القضايا لا يقتضي اختصاص حكمه (١) بالأموال، كما أنه إذا حكم بذلك في الديون لم يدلَّ على أنَّ الأعيان ليست كذلك، بل هذا يحتاج إلى تنقيح المَنَاط، فيُنظر ما حكم لأجله إن وُجد في غير محل حكمه عُدِّيَ إليه. وفي حديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبي ﷺ : "أن المرأة إذا أقامت شاهدًا واحدًا على الطلاق، فإن حَلَف الزوج أنه لم يُطلِّق لم يُقضَ عليه، وإن لم يَحْلف حَلَفت المرأة، ويُقضى عليه" (٢). [الاحتجاج بصحيفة عمرو بن شعيب] وقد احتج الأئمة الأربعة والفقهاء قاطبة بصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ولا يُعْرَف في أئمة الفتوى إلا من احتاج إليها واحتجَّ بها (٣)، وإنما طعن فيها من [لم] (٤) يتحمَّل (٥) أعباء الفقه والفتوى، كأبي حاتم البُسْتي (٦) وابن حزم (٧) وغيرهما (٨)؛ وفي هذه الحكومة أن يُقضى في الطلاق بشاهد وما يقوم

стр. 492

مقام شاهد آخر من النكول ويمين المرأة، بخلاف ما إذا أقامت شاهدًا واحدًا وحلف الزوج أنه لم يُطَلِّق، فيمينُ الزوج عارَضَتْ شهادةَ الشاهد، وترجح جانبه بكون الأصل معه؛ وأما إذا نكل الزوج فإنه يُجعل نكوله مع يمين المرأة كشاهد آخر، ولكن هنا لم يُقض بالشاهد ويمين المرأة ابتداءً؛ لأن الرجل أعلم بنفسه هل طلّق أم لا، وهو أحفظ [لما وقع منه] (١)، فإذا نكَلَ وقام الشاهد الواحد، وحلفت المرأة كان ذلك دليلًا ظاهرًا [جدًّا] (١) على صدق المرأة أفلم يقضي عليه بالنكول وحده، ولا بيمين المرأة، وإنما قضى بالشاهد المقوى بالنكول ويمين المرأة] (٢). فإن قيل: ففي الأموال إذا أقام شاهدًا (٣) وحلف (٤) المدَّعِي حُكم له، ولا تُعْرَض اليمين على المُدَّعى عليه؛ وفي حديث عمرو بن شعيب: "إذا شهد الشاهد الواحد، وحلف الزوج أنه لم يُطَلِّق لم يُحكم عليه" (٥). قيل: هذا من تمام حكمة هذه الشريعة وجَلالَتها، أن (٦) الزوج لما كان أعْلَم بنفسه هل طلَّق أم لا، وكان أحفظ لما وقع منه وأعْقَل له وأعلم بنيَّته، وقد يكون [قد] (٧) تكلم بلفظ مجمل أو بلفظ يظنه الشاهد طلاقًا وليس بطلاق، والشاهد يشهد بما سمع، والزوج أعلم بقصده ومراده، جعل الشارعُ يمين الزوج معارضةً لشهادة الشاهد الواحد، ويُقويّ جانبه الأصلُ واستصحابُ النكاح، فكان الظن المستفاد من ذلك أقوى من الظن المستفاد من مجرد الشاهد الواحد، فإذا نكَلَ قوي الأصلُ (٨) في صدق الشاهد، فقاوم ما في جانب الزوج، فَقوَّاه الشارع بيمين المرأة، فإذا حلفت مع شاهدها ونكول الزوج قوي جانبها جدًّا، فلا شيء أحسن ولا أَبْيَن ولا أَعْدَل من هذه الحكومة، وأما المال المشهود به فإن المُدَّعي إذا قال: أقرضتُه أو بِعْتُه أو أعَرتُه، أو قال: غَصَبني أو نحو ذلك، فهذا الأمر لا يختص بمعرفته المطلوب (٩)، ولا يتعلق بن يته وقصده، وليس مع المُدَّعى عليه من شواهد صدقه ما مع الزوج من بقاء عصمة النكاح، وإنما معه مجرد براءة الذمة، وقد عُهد كثرة اشتغالها بالمعاملات، فقويَ الشاهد الواحد والنكول أو يمين

стр. 493

الطالب على رَفْعها، فحُكم له، فهذا كله مما يبين حكمة الشارع (١)، وأنه يقضي بالبينة التي تبين الحق وهي الدليل الذي يدل عليه، والشاهد الذي يشهد به، بحسب الإمكان. [يحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا ظهر صدقه] بل الحق أن الشاهد الواحد إذا ظهر صِدقُه حكم بشهادته وحده (٢)، وقد أجاز النبي ﷺ شهادة الشاهد الواحد لأبي قتادة بقتل المشرك وَدَفع إليه سَلَبه بشهادته وحده، ولم يُحَلِّف أبا قتادة (٣)، فجعله بيِّنةً تامة، وأجاز شهادةَ خزيمة بن ثابت وحده بمبايعته ﷺ الأعرابي (٤) وجعل شهادته بشهادتين لما استندت إلى تصديقه [ ﷺ ] (٥) بالرسالة المتضمنة تصديقه في كل ما يخبر به (٦)، فإذا شهد المسلمون بأنه صادق في خبره عن اللَّه فبطريق الأَوْلى يشهدون أنه صادق (٧) عن رجل من أمته، ولهذا كان من تَرَاجِم بعض الأئمة على حديثه (٨): "الحكم بشهادة الشاهد الواحد إذا عُرف صِدْقُه" (٩).

стр. 494

فصل [تشرع اليمين من جهة أقوى المتداعيين] والذي جاءت به الشريعة أن اليمين تُشرع من جهة أقوى المتداعيين، فأي الخصمين تَرجَّح جانبه جُعلت اليمين من جهته، وهذا مذهب الجمهور كأهل المدينة وفقهاء الحديث كالإمام أحمد والشافعي ومالك وغيرهم (١)؛ وأما أهل العراق فلا يحلِّفون إلا المُدَّعى عليه وحده، فلا يجعلون اليمين إلا من جانبه فقط، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، والجمهور يقولون: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قضى بالشاهد واليمين (٢)، وثبت عنه أنه عرض الأَيْمان في القسامة على المدَّعِين أولًا، فلما أبَوْا جعلها من جانب المُدَّعى عليهم (٣)، وقد جعل اللَّه [سبحانه] (٤) أيمان اللعان من جانب الزوج أولًا، فإذا نكَلَتِ المرأة عن معارضة (٥) أَيْمانه بأَيْمانها وجب عليها العذاب بالحد، وهو العذاب المذكور في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] فإن المُدَّعي لما ترجَّح جانبه بالشاهد الواحد شُرعت اليمين من جهته، وكذلك أولياء الدَّم ترجَّحَ جانبهم باللَّوث فشُرعت اليمين من جهتهم وأُكِّدت بالعدد تعظيمًا لخطر النفس، وكذلك الزوج في اللعان جانبه أرجح (٦) من جانب المرأة قطعًا، فإن إقدامه على إتلاف فراشه،

стр. 495

ورميها بالفاحشة على رؤوس الأشهاد، وتعريض نفسه لعقوبة الدنيا والآخرة، وفضيحة أهله ونفسه على رؤوس الأشهاد، مما تاباه طباع العقلاء، وتَنفِرُ عنه (١) نفوسهم، لولا أن الزوجة اضْطَرَّتْهُ بما رآه وتيَّقنه (٢) منها إلى ذلك، فجانبه أقوى من جانب المرأة قطعًا، فشُرعت اليمين من جانبه، ولهذا كان [الصواب] (٣) القتل في القَسَامة واللِّعان وهو قول أهل المدينة، فأما فقهاء (٤) العراق فلا يقتلون لا بهذا ولا بهذا، وأحمد يقتل بالقسامة دون اللعان، والشافعي يقتل باللعان دون القسامة (٥)، وليس في شيء من هذا ما يعارض الحديث الصحيح، وهو قوله [ ﷺ ] (٦): "لو يُعطَى الناسُ بدَعْوَاهم لادَّعَى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالَهم، ولكن اليمين على المُدَّعى عليه" (٧) فإن هذا إذا لم يكن مع المُدَّعي إلا مجرد الدعوى، فإنه لا يُقضى له بمجرد الدعوى، فأما إذا ترجَّحَ جانبه بشاهد أو لَوْثٍ أو غيره لم يقض له بمجرد دَعْوَاه، بل بالشاهد المجتمع من ترجُّح (٨) جانبه ومن اليمين، وقد حكم سُليمان بن داود ﵇ لإحدى المرأتين بالولد لترجُّحِ (٩) جانبها بالشفقة على الولد وإيثارها لحياته ورضى الأخرى بقتله، ولم يَلتفت إلى إقرارها للأخرى به، وقولها: "هو ابنها" (١٠)، ولهذا كان من تراجم الأئمة على هذا الحديث: "التَّوْسِعَة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله: [أفعل ليستبين الحق] (١١)

стр. 496

ثم ترجم [عليه] (١) ترجمة أخرى أحسن من هذه وأفقه فقال: "الحكم بخلاف ما يَعْترف به المحكوم [عليه] (٢) إذا تبيّن للحاكم أن الحقَّ غير ما اعترف به" (٣) فهكذا يكون فهم الأئمة من النصوص واستنباط الأحكام التي تشهد العقول والفِطَرُ بها [منها] (٤)، ولعمر اللَّه: إنّ هذا هو العلم (٥) النافع لا خَرْصُ الآراء وتخمين الظنون (٦). فإن قيل: ففي القسامة يُقبل مجرد أَيمان المُدَّعين، ولا تُجعل أَيمان المُدَّعى (٧) عليهم بعد أيمانهم دافعة للقتل، وفي اللعان ليس كذلك، بل إذا حلف الزوج مُكِّنَتِ المرأة أن تدفع عن نقسها بأيمانها، ولا تُقتل بمجرد أيمان الزوج، فما الفرق؟ قيل: هذا من كمال الشريعة وتمام عَدْلها [ومحاسنها] (٨)؛ فإن المحلوف عليه في القَسَامة [حقٌّ] (٨) لآدمي، وهو استحقاق الدم، وقد جُعلت الأيمان المكررة بيِّنة تامة مع اللَّوْث، فإذا قامت البينة لم يُلتفت إلى أَيمان المُدَّعى عليه (٩)، وفي اللعان المحلوف عليه حقٌّ للَّه وهو حد الزنا، ولم يشهد به أربعة شهود، وإنما جُعل الزوج (١٠) أن يحلف أيمانًا مكررةً مؤكدةً باللعنة أنها جَنَت على فراشه وأفسدته، فليس له شاهد إلا نفسه، وهي شهادة ضعيفة، فمكنت المرأة أن تعارضها بأيمان مكررة [مثلها] (٨)، فإذا نكلَتْ [ولم تُعارضها] (٨) صارت أيمان الزوج [مع نكولها] (٨) بينة قوية [لا معارض لها] (٨)؛ ولهذا كانت الأيمان أربعة لتقوم مقام الشهود الأربعة، وأُكِّدت بالخامسة هي (١١) الدعاء على نفسه [باللعنة] (٨)

стр. 497

إن كان كاذبًا، ففي القَسَامة جُعل اللوث وهو (١) الأمارة الظاهرة الدالة على أن المُدَّعى عليهم [قبلوه] (٢) شاهدًا، وجُعلت الخمسين يمينًا شاهدًا آخر، وفي اللعان جُعلت أَيْمان الزوج كشاهد، ونكولها كشاهد آخر. [لا يتوقف الحكم على شهادة ذكرين أصلًا] والمقصود أن الشارع لم يَقف الحكم في [حفظ] (٣) الحقوق [البتة] (٤) على شهادة رجلين (٥)، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود، بل قد حَدَّ الخلفاء الراشدون والصحابة [﵃] (٦) في الزنا بالحبَل، وفي الخمر بالرائحة والقيء (٧)

стр. 498

وكذلك إذا ظهر (١) المسروق عند السارق (٢) كان أولى بالحد من ظهور [الحبل و] (٣) الرائحة في الخمر، وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسروق أمكن أن يقال في الحَبل والرائحة، بل أولى، فإن (٤) الشبهة التي تعرض [في الحبل] (٥) من الإكراه ووطء الشبهة؛ وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين [المسروقة] (٦)، والخلفاء الراشدون والصحابة [﵃] (٧) لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي هي إلى تجويز (٨) غلط الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها [بكثير] (٩)، فلو عُطِّل

стр. 499

الحدُّ بها لكان تعطيله بالشبهة التي تكمن في شهادة الشاهدين أولى (١)، فهذا محض الفقه والاعتبار و [مصالح العباد، وهو] (٢) من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته (٣) ومطابقته لمصالح العباد، وحكمة الرب وشرعه، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت الذي [بين] (٤) القائلين. [لم يردّ الشَّارعُ خبرَ العدل] والمقصود أن الشارع [صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله] (٥) لم يَرُدَّ خبر العدل قط، لا في رواية ولا في شهادة، بل قَبلَ خبرَ العدل الواحد في كل موضع أَخْبر به، كما قبل شهادتَهُ لأبي قتادة بالقتيل (٦) وقبل شهادة خزيمة وحده (٧)، وقبل شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان (٨).

стр. 500

وقبل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة (١)، وقبل خبر تميم وحده وهو خبر عن أمر حسي شاهده ورآه فقبله ورواه عنه (٢)، ولا فرق بينه وبين الشهادة؛ فإن كلًا منهما [خبر] (٣) عن أمر مستند إلى الحِسِّ والمشاهدة، فتميم شهد بما رآه وعاينه، وأخبر به النَّبيَّ ﷺ فصدَّقه وقَبِل خَبَرَه، فأيُّ فرق بين أن يشهد العدل الواحد على أمر رآه وعَاينه يتعلق بمشهود له وعليه وبين أن يخبر بما رآه وعاينه مما يتعلق بالعموم؟. وقد أجمع المسلمون على قبول أذان المُؤذن الواحد، وهو شهادة منه بدخول الوقت، وخبر عنه يتعلق بالمخبر وغيره، وكذلك أجمعوا على قبول فتوى المفتي الواحد، وهي خبر عن حكم شرعي يعم المستفتي وغيره. [جانب التحمل غير جانب الثبوت] وسر المسألة أنه (٤) لا يلزم من الأمر بالتعدد في (٥) جانب التحمل وحفظ الحقوق الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت؛ فالخبر الصادق (٦) لا تأتي الشريعة بردِّه أبدًا، وقد ذمَّ اللَّه في كتابه من [كذَّب بالحقِّ، و] (٧) رَدُّ الخَبرِ الصَّادقِ تكذيبٌ بالحق (٨)، وكذلك الدلالة الظاهرة لا ترد إلا بما هو مثلها أو أقوى منها، واللَّه سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق، بل أمر بالتثبت والتبين (٩)، فإن ظهرت

стр. 501

الأدلة على صدقه قُبِل خبرهُ، وإنْ ظهرت الأدلة على كذبه رُد خبره، وإن (١) لم يتبين واحد من الأمرين وُقف خبره؛ وقد قَبِلَ النبي ﷺ خبر الدليل المشرك الذي استأجره ليدله على طريق المدينة في هجرته لما ظهر له صدقه وأمانته (٢)؛ فعلى المسلم أن يتبع هدي النبي ﷺ في قبول الحق، ممن جاء به، من وليٍّ وعدو، وحبيب وبغيض، وبَرٍّ وفاجر، ويرد الباطل على من قاله كائنًا من كان، قال عبد اللَّه بن صالح: ثنا الليث بن سَعْد، عن ابن عَجْلان، عن ابن شِهَاب أن معاذ بن جبل كان يقول في مجلسه كل يوم قَلَّما يخطئه أن يقول ذلك: "اللَّه حكم قِسْط (٣)، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويُفتح فيها القرآن، حتى يقرأه المؤمن والمنافق والمرأة والصبي والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: [قد] (٤) قرأت القرآن، فما أظنُّ أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم؛ فإنَّ الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وإنَّ المنافق قد يقول كلمة الحق، فتَلَقُّوا الحقَّ عن من جاء به، فإنَّ على الحق نورًا، قالوا: وكيف زَيْغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة [تروعكم] (٥) وتنكرونها وتقولون: ما هذا؟! فاحذروا زيغته، ولا يصدَّنَّكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء وأن يراجع الحق، وإن العلم والإيمان مكانهما إلى يوم القيامة" (٦).

стр. 502

[الحاكم يحكم بالحجة التي ترجّح الحق] والمقصود أن الحاكم يحكم بالحجَّة التي ترجِّح الحقَّ إذا لم يعارضها مثلها، والمطلوب منه ومن كل من يحكم بين اثنين أن يعلم ما يقع، ثم يحكم فيه بما يجب، فالأول مداره على الصِّدق، والثاني مداره على العدل (١)، وتمت كلماتُ (٢) ربك صدقًا وعدلًا، واللَّه عليمٌ حكيم. [صفات الحاكم وما يشترط فيه] فالبيّنات والشهادات تظهر لعباده معلومة، وبأمره وشرعه يحكم بين عباده، والحكم إما إبداءً وإما إنشاءً؛ فالإبداء إخبارٌ وإثباتٌ وهو شهادة، والإنشاء [أمر و] (٣) نهي وتحليلٌ وتحريم؛ والحاكم فيه ثلاث صفات؛ فمن جهة الإثبات (٤) هو شاهد، ومن جهة الأمر والنَّهي هو مُفْتٍ، ومن جهة الإلزام بذلك هو ذو سلطان، وأقل ما يشترط فيه صفات الشاهد باتفاق العلماء؛ لأنه يجب عليه الحكم بالعدل،

стр. 503

وذلك يستلزم أن يكون عدلًا في نفسه؛ فأبو حنيفة لا يعتبر إلا العدالة، والشافعي وطائفة من أصحاب أحمد يعتبرون معها الاجتهاد. [يجب تولية الأصلح للمسلمين] وأحمد يوجب تولية الأصلح فالأصلح من الموجودين، وكل زمان بحسبه، فيُقدَّم الأدْيَنُ العَدْل على الأَعلم الفاجر، وقضاة السنة على قضاة الجهمية، وإن كان الجهميُّ أفْقَه، ولما سأله المتوكل عن القضاة أرسل إليه درجًا (١) مع وزيره، يذكر فيه تولية أناس [وعزل أناس] (٢)، وأمسك عن أناس، وقال: لا أعرفهم، وروجع في بعض مَنْ سَمَّى لقلَّة علمه، فقال: لو لم يولوه لولّوا فلانًا، وفي توليته مضرة على المسلمين؛ ولذلك (٣) أمر أن يُوَلَّى على الأموال الدَّيِّنُ السُّنِّي دون الدَّاعي إلى التَّعطيل؛ لأنَّه يضرُّ النَّاسَ في دينهم، وسئل عن رجلين أحدهما أنكى للعدو (٤) مع شربه الخمر والآخر أَدْيَن، فقال: يُغْزى مع الأَنكى (٥) في العدو؛ لأنه أنفع للمسلمين. [تولية الرسول ﷺ الأنفع على من هو أفضل منه] وبهذا مضتْ سَنّةُ رسول اللَّه ﷺ فإنه كان يُوَلّي (٦) الأنفع للمسلمين على من هو أفضل منه، كما وَلَّى خالد بن الوليد من حين أسلم على حروبه لنكايته في العدو، وقَدَّمه على بعض السابقين من المهاجرين والأنصار مثل عبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى أَبى حُذيفة، وعبد اللَّه بن عمر (٧)؛ وهؤلاء ممن أنفق [من] (٨) قبل الفتح وقاتل، وهم أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا؛ وخالد كان (٩)

стр. 504

ممن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فإنه أسلم بعد صلح الحديبية هو وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة الحَجَبي (١)، ثم إنه فعل مع بني جذيمة ما [تبرأ النبي ﷺ منه] (٢)، حين رفع يديه إلى السماء، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" (٣) ومع هذا فلم يعزله، وكان أبو ذر من أسبق السابقين وقال له (٤): "يا أبا ذر إنِّي أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولَّيَنَّ مال يتيم. قال نعم" (٥) وأمّر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل (٦)؛ لأنه كان يقصد أخواله بني عذرة؛ فعلم أنهم يطيعونه مَا لَا يطيعون غيره للقرابة؛ وأيضًا فلِحُسن سياسة عمرو وخبرته وذكائه ودهائه (٧)، فإنه كان من أدهى العرب؛ ودهاة العرب أربعة هو أحدهم، ثم أردفه بأبي عبيدة، وقال: "تَطَاوعا ولا تَخْتلفا" فلما تنازعا فيمن يُصلِّي سَلَّم أبو عبيدة لعمرو؛ فكان (٨) يصلي بالطائفتين وفيهم أبو بكر (٩)؛ وأمَّر أسامة بن زيد مكان أبيه لأنه -مع كونه خليقًا للإمارة- أحرص على

стр. 505

طلب ثأر أبيه من غيره (١)، وقَدَّم أباه زَيدًا في الولاية على جعفر ابن عمه مع أنه مولى (٢)، ولكنه من أسبق الناس إسلامًا قبل جعفر، ولم يلتفت (٣) إلى طَعْن الناس في إمارة أسامة وزيد، وقال: "إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وأيْم اللَّه! إنه (٤) خليقًا للإمارة، ومن أحبِّ الناس إليَّ" (٥) وأَمَّر خالد بن

стр. 506

سعيد بن العاص وإخوته لأنهم من كبراء قريش (١) وساداتهم ومن السابقين الأولين، ولم يتول أحد (٢) بعده (٣). والمقصود أن هديه ﷺ تولية الأنفع للمسلمين وإن كان غيره أفضل منه، والحكم بما يظهر الحق ويوضحه إذا لم يكن هناك أقوى منه يعارضه، فسيرته تولية الأنفع والحكم بالأظهر، ولا تستطل هذا الفصل فإنه من أنفع فصول الكتاب [واللَّه المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به] (٤). فصل [الصُلح بين المسلمين] وقوله: "والصلح جائز بين المسلمين الا صلحًا أحَلَّ حرامًا أو حرم حلالًا" (٥) هذا مروي (٦) عن النبي ﷺ ، رواه الترمذي وغيره من حديث عَمرو بن عَوْف المُزَني أن رسول اللَّه ﷺ قال: "الصُّلحُ جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا حرم حلالًا أو أحلَّ حرامًا" والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" قال الترمذي: هذا حديث صحيح (٧)؛ وقد ندب اللَّه سبحانه إلى الصلح بين المتنازعين (٨) في الدماء فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] وندب الزوجين إلى الصلح عند التنازع في حقوقهما، فقال (٩): ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] وأصلح النبي ﷺ بين

стр. 507

بني عَمرو بن عوف فيما وقع بينهم (١)، ولما تنازع كعب بن مالك وابن أبى حَدْرَد في دَيْنٍ على [ابن] (٢) أبي حَدْرد، أصلح النبي ﷺ ؛ بأن استوضع من دَيْن كَعْبٍ الشَّطْرَ و [أمر] (٣) غريمه بقضاء الشطر (٤)، وقال لرجلين اختصما عنده: "اذْهَبَا فاقْتَسما ثم توخَّيَا الحقَّ ثم اسْتهما ثم ليحلل كلٌّ منكما صاحبه" (٥)، وقال: "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عِرْض أو شيء فلْيتحلّله منه اليوم قبل أن لا يكون دينارٌ ولا درهمٌ، وإن كان له عملٌ صالح أُخِذَ منه بقدر مَظْلمته، وإنْ لم يكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه" (٦) وجَوَّز في دم العمد أن يأخذ

стр. 508

أولياء القتيل ما صُولحوا عليه (١)، ولما أستشهد عبد اللَّه بن حَرَام الأَنصاريّ والد جابر ﵁ (٢)، وكان عليه دَيْن، سأل النبي ﷺ غرماءه أن يقبلوا ثمر حائطه ويحلِّلوا أباه (٣)؛ وقال عطاء، عن ابن عباس: إنَّه كان لا يرى باسًا بالمخارجة، يعني: الصلح في الميراث (٤)؛ وسُمِّيت المخارجة لأنَّ الوارث يُعْطَى ما يُصَالَح عليه ويُخرجُ نفسه من الميراث، وصولحت امرأة عبد الرحمن بن عوف من نصيبها من ربع الثمن على ثمانين ألفًا (٥)، وقد روى مِسْعَر، عن [أزهر، عن] (٦)

стр. 509

مُحارب قال: قال عمر: "رُدُّوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإنَّ [فصل] (١) القضاء يُحدثُ بين القوم الضَّغائن" (٢)، وقال عمر أيضًا: "ردُّوا الخصوم [لعلهم أن يصطلحوا، فإنه آثر للصِّدْق، وأقل للخيانة" (٣)، وقال عمر أيضًا: "ردُّوا الخصوم] إذا كانت بينهم قرابة، فإنَّ فصل القضاء يُورث بينهم الشنآن" (٤). فصل [الحقوق ضربان حق اللَّه تعالى وحق عباده] والحقوق نوعان: حَقٌّ للَّه، وحَقٌّ لآدمي، فحق اللَّه [لا مَدْخَلَ للصلح فيه كالحدود والزكَوَات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح] (٥) بين العبد وبين ربه (٦)

стр. 510

في إقامتها، لا في إهمالها، ولهذا لا تقبل الشفاعة في الحدود (١)، وإذا بلغت السلطان فلَعَن اللَّه الشَّافع والمُشَفَّع. وأما حقوق الآدميين؛ فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها، والصلح العادل هو الذي أمر اللَّه به ورسوله [ ﷺ ]، (٢)، كما قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]، والصلح الجائر هو الظلم بعينه، وكثير من الناس لا يعتمد العدل في الصلح، بل يصلح صلحًا ظالمًا جائرًا، فيصالح بين الغريمين على دون الطفيف (٣) من حق أحدهما، والنبي ﷺ صالح بين كعب وغريمه [وصالح] (٤) أعدل الصلح فأمره أن يأخذ الشطر ويدع الشطر (٥)؛ وكذلك لما عزم على طلاق سَوْدَة رضيت بأن تَهبَ له ليلَتَها وتُبقي على حَقِّها من النفقة والكسوة (٦)، فهذا

стр. 511

أعدل الصلح، فإن اللَّه سبحانه أباح للرجل أن يطلق زوجته ويستبدل بها غيرها، فإذا رضيت بترك بعض حقها وأخذ بعضه وأن يمسكها كان هذا من الصلح العادل، وكذلك أرشد الخصمين اللذين كانت بينهما المواريث (١) بأن يتوخيا الحق بحسب الإمكان ثم يحلل كل منهما صاحبه (٢)؛ وقد أمر اللَّه [سبحانه] (٣) بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين أولًا، فإن بغت إحداهما على الأخرى فحينئذٍ أمر بقتال الباغية لا بالصلح فإنها ظالمة، ففي الإصلاح مع ظلمها هضم لحق الطائفة المظلومة، وكثير من الظلمة المصلحين يصلح بين القادر والظالم والخصم الضعيف المظلوم، بما يَرْضَى به القادر رضًى لصاحب الجاه (٤)، ويكون له فيه الحظ، ويكون الإغماص والحيف فيه على الضعيف، ويظن أنه قد أصلح، ولا يتمكن (٥) المظلوم من أخذ حقه، وهذا ظلم، بل يُمكَّن المظلوم من استيفاء حقه، ثم يُطلب إليه برضاه أن يَتْرك بعض حقه بغير محاباة لصاحب الجاه، ولا يشتبه (٦) بالإكراه للآخر بالمحاباة ونحوها. فصل [الصلح إما مردود وإما جائز نافذ] والصلح الذي يُحل الحَرام ويُحَرِّم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بُضْعٍ حلال، أو حل (٧) بُضْعٍ حرام، أو ارقاق حُر، أو نقل نسب [أو ولاء] (٨) عنَ محل إلى محل، أو أكل ربًا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث، وما أشبه ذلك؛ فكل هذا صلح جائر مردود. فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى اللَّه [سبحانه] (٣)

стр. 512

ورضى الخصمين؛ فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل؛ فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا، للعدل؛ فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي ﷺ : "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصائم القائم؟! قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: إصلاح ذات البَيْن؛ فإن فساد ذات البَيْن [هي] (١) الحَالِقَة، أما إِنِّي لا أقول [تحلق] (٢) الشَّعْر، ولكن [تحلق] (٢) الدِّين" (٣) وقد جاء في أثر: أصلحوا بين الناس، فإن اللَّه يصلح بين المؤمنين يوم القيامة (٤)؛ وقد قال تعالى:

стр. 513

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] (١)﴾ [الحجرات: ١٠]. فصل [يؤجل القاضي الحكم بحسب الحاجة] وقوله (٢): "مَنْ ادّعى حقًا غائبًا أو بينةً فاضرِبْ له أمدًا ينتهي إليه" هذا من تمام العدل، فإن المُدّعي قد تكون حجته أو بينته غائبة، فلو عُجِّل عليه بالحكم بطل حقه، فإذا سأل أمدًا تحضر (٣) فيه حجته أجيب إليه، ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام، بل بحسب الحاجة، فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم لم يضرب له أمدًا، بل يفصل الحكومة، فإنَّ ضرْب هذا الأمد إنَّما كان لتمام العدل، فإذا كانت فيه إبطال للعدل لم يُجَبْ إليه الخصم. [قد يتغير الحكم بتغير الاجتهاد] وقوله: "ولا يمنعنك قضاءٌ قَضيتَ به اليوم فراجعت فيه رأيك وهُديت فيه لرُشْدك (٤) أن تُراجعَ فيه الحق، فإنَّ الحق قديم، ولا يبطله شيءٌ، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل" يريد أنك إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى فلا يمنعك (٥) الاجتهاد الأول من إعادته، فإن الاجتهاد قد يتغير، ولا يكون الاجتهاد الأول مانعًا من العمل بالثاني إذا ظهر أنه الحق، فإن الحق أولى بالإيثار؛ لأنه قديم سابق على الباطل، فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول، لأنه (٦) قديم سابق على ما سواه،

стр. 514

ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلاف (١)، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول. قال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمر، عن سِماك بن الفَضْل، عن وهب بن مُنبِّه، عن الحكم بن مسعود الثقفي قال: قضى عمر بن الخطاب [﵁]، (٢) في امرأة توفيت وتركت زوجها وأمها وإخوتها (٣) لأبيها وأمها وأخوتها (٣) لأمها، فأشرك عمر بين الإخوة للأم والأب والإخوة للأم في الثلث، فقال له رجل: إنك لم تشرك بينهم عام كذا وكذا، قال (٤) عمر: "تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا اليوم" (٥)؛ فأخذ أمير المؤمنين (٦) في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني؛ فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين (٧). [من ترد شهادته] قوله: "والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مُجرَّبًا عليه شهادة زور، أو مجلودًا في حد، أو ظنِّينًا في ولاءٍ أو قرابة" لما جعل اللَّه سبحانه هذه الأمة أمة وسطًا، ليكونوا شهداء على الناس -والوسط: العدل الخيار- كانوا عدولًا بعضهم على بعض، إلا من قام به مانع الشهادة، [وهو أن يكون قد] (٨) جُرِّب عليه شهادة

стр. 515

الزور؛ فلا يوثق (١) بعد ذلك بشهادته، أو من جُلد في حد؛ لأنَّ اللَّه سبحانه نهى عن قبول شهادته، أو متَّهم بأن يجر إلى نفسه نفعًا من المشهود له، كشهادة السيد لعتيقه بمال أو شهادة العتيق لسيده إذا كان في عياله أو منقطعًا إليه يناله نَفْعُه، وكذلك شهادة القريب لقريبه لا تُقْبل مع التُّهْمة، وتقبل بدونها، وهذا هو الصحيح. [شهادة القريب لقريبه أو عليه] وقد اختلف الفقهاء في ذلك: فمنهم من جوَّز شهادة القريب لقريبه مطلقًا كالأجنبي، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، كما يقوله أبو محمد بن حزم وغيره من أهل الظاهر (٢)، وهؤلاء (٣) يحتجُّون بالعمومات التي لا تُفرِّق بين أجنبي وقريب، وهؤلاء أسعد بالعمومات. [منع شهادة الأصول للفروع والعكس ودليله] ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول خاصة، وجَوَّزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض، وهذا مذهب الشافعي (٤) وأحمد (٥)، وليس مع هؤلاء نص صريح صحيح بالمنع. واحتج الشافعي بأنه لو قبلت شهادة الأب لابنه لكانت [شهادة منه] (٦) لنفسه لأنه منه؛ وقد قال النبي ﷺ : "إنما فاطمة بضعة مِنّي يُريبني ما رَابَها، ويُؤذيني ما آذاها" (٧) قالوا: وكذلك بنو البنات، فقد قال النبي ﷺ في الحسن: "إن ابني هذا

стр. 516

سَيّد" (١) قال الشافعي: فإذا شهد له فإنما يشهد لشيء منه، قال: [وبنوه هم] (٢) منه، فكأنه شهد لبعضه، قالوا: والشهادة تُردُّ بالتُّهمة، والوالد متَّهم في ولده؛ فهو ظنينٌ في قرابته، قالوا: وقد قال النبي ﷺ في الأولاد: "إنكم لتُبَخِّلُونَ وتُجَبّنُون، وإنكم لمن ريْحَان اللَّه" (٣) وفي أثر آخر: "الولد مَبخَلة مَجْبَنة" (٤) قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "أنت ومالُكَ لأبيك" (٥) فإذا كان مال الابن لأبيه فإذا شهد له الأب

стр. 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 519

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 520

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 525

بمالٍ كان قد شهد به لنفسه، قالوا: وقد قال أبو عبيد: ثنا مروان بن معاوية، عن يزيد الجزري (١)، قال: أحسبه يزيد بن سنان، قال الزهري: عن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ظنينٍ في ولاء ولا قرابة (٢) ولا مجلود" (٣) قالوا: ولأن بينهما من البعضية والجزئية ما يمنع قبول

стр. 526

الشهادة، كما مُنعَ (١) من إعطائِه [من] الزكاة، [ومن قَتْله بالولد] (٢)، وحَدِّه بقذفه؛ قالوا: ولهذا لا يثبُتُ له في ذمته دين عند جماعة من أهل العلم، ولا يطالب به، ولا يُحبس من أجله، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء لأنها داخلة في بيوتهم (٣) أنفسهم، فاكتفى بذكرها [دونها] (٤)، وإلا فبيوتهم أقرب من بيوت مَنْ ذُكر في الآية؛ قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥] أي: ولدًا، فالولد جزء؛ فلا تقبل شهادة الرجل في (٥) جزئه. قالوا: وقد قال ﷺ (٦): "إن أطْيَبَ ما أكَلَ الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (٧) فكيف يشهد الرجل لكسبه؟ قالوا: والإنسان مُتَّهم في ولده، مَفْتُونٌ به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ٢٥] فكيف تقبل شهادة المرء لمن قد جُعل (٨) مفتونًا به؟ والفتنة محل التهمة. فصل [الرد على من منع شهادة الأصول للفروع والفروع للأصول] قال الآخرون: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ

стр. 527

حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] وقال [تعالى] (١): ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] و [قد] (١) قال [تعالى] (١): ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقد قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ] (١)﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ولا رَيْبَ في دخول الآباء والأبناء والأقارب في هذا اللفظ كدخول الأجانب؛ وتناولها للجميع بتناول واحد (٢)، هذا مما لا يمكن دفعه، ولم يستثن [اللَّه سبحانه ولا رسوله] (٣) من ذلك أبًا ولا ولدًا ولا أخًا ولا قرابة، ولا أجمع المسلمون على استثناء أحد من هؤلاء؛ فتلزم (٤) الحجة بإجماعهم. وقد ذكر عبد الرزاق عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، عن أبي الزِّناد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قال: قال عمر بن الخطاب [﵁] (٥): تجوز شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه (٦). وعن عمرو بن سُليم الزُّرقيّ، عن سعيد بن المسيب مثل هذا (٧). وقال ابن وهب: ثنا يونس، عن الزُّهريِّ قال: لم يكن يُتَّهم سَلَفُ المسلمين الصالح [في] (٥) شهادة الوالد لولده، [ولا] (٥) الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لإمرأته، ثم دَخِلَ الناسُ (٨) بعد ذلك فظهرت منهم أمور حَمَلَتْ الوُلاة على اتهامهم، فتُرِكَت شَهادةُ من يُتَّهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد

стр. 528

والأخ والزوج والمرأة، لم يُتَّهم إلا هؤلاء في آخر الزمان (١). وقال أبو عُبيد: حدثني الحسن بن عازب، عن جَدِّه شبيب بن غَرْقَدَة قال: كنتُ جالسًا عند شُرَيح، فأتاه علي بن كاهل وامرأة وخصم، فشهد لها عليُّ بن كاهل وهو زوجها، وشهد لها أبوها، فأجاز شريحٌ شهادتهما؛ فقال الخصم: هذا أبوها وهذا زوجها، فقال له شريح: أتعلم شيئًا تُجرِّحُ به شهادتهما؟ كلُّ مسلم شَهادتُه جائزة (٢). وقال عبد الرزاق: ثنا سفيان بن عُيَينة، عن شَبيب بن غَرْقَدة قال: سمعت شُريحًا أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقال له الرجل: إنه أبوها وزوجها، فقال شريح: فمن يشهد للمرأة إلا أبوها وزوجها؟ (٣). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا شَبَابة، عن ابن أبي ذِئْب، عن سُليمان قال: شهدتُ لأمي عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، فقضى بشهادتي (٤). وقال عبد الرزاق: ثنا معمر، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الأنصاري قال: أجاز عمر بن عبد العزيز شهادة الابن لأبيه إذا كان عَدْلًا (٥). قالوا: فهؤلاء عمر بن الخطاب وجميعُ السلف وشُرَيح وعمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم يجيزون شهادة الابن لأبيه والأب لابنه، قال

стр. 529

ابن حزم (١): "وبهذا يقول إياس بن معاوية، وعثمان البَتِّيُّ، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمزني، وأبو سُليمان وجميع أصحابنا" يعني: داود بن علي وأصحابه. وقد ذكر الزهري أن الذين رَدُّوا شهادة الابن لأبيه والأب لابنه والأخ لأخيه هم المتأخرون (٢)، وأن السلف الصالح لم يكونوا يَرُدُّونها. قالوا: وأما حججكم (٣) على المنع فَمَدَارها على شيئين: أحدهما: البعضية التي بين الأب وابنه، وأنها تُوجِب أن تكون شهادة أحدهما للآخر شهادة لنفسه، وهذه حجة ضعيفة؛ فإن هذه البعضية لا توجب أن تكون كبعضه في الأحكام، [لا في أحكام الدنيا ولا] (٤) في أحكام الثواب والعقاب؛ فلا يلزم من وجوب شيء على أحدهما أو تحريمه وجوبُهُ على الآخر وتحريمه من جهة كونه بَعْضَه، ولا من وجوب الحد على أحدهما وجوبه على الآخر، وقد قال [النبي] (٥) ﷺ : "لا يجني والدٌ على ولده" (٦) فلا يَجْني عليه،

стр. 530

ولا يُعَاقَب بذنبه، ولا يُثاب بحسناته، ولا تجب عليه الزكاة ولا الحج بغنى الآخر، ثم [قد] (١) أجمع الناس على صحة بيعِه منه وإجَارتِه ومُضاربتِه ومُشاركتِه، فلو امتنعت (٢) له لكونه جزءًا منه؛ فيكون شاهدًا لنفسه لامتنعت هذه العقود؛ إذ يكون عاقدًا لها مع نفسه. فإن قلتم: هو مُتَّهم بشهادته له، بخلاف هذه العقود؛ فإنه لا يتهم فيها معه. قيل: هذا عَوْد (٣) منكم إلى المأخذ الثاني، وهو مأخذ التهمة، فيقال: التهمة وحدها مستقلة بالمنع، سواء كان قريبًا أو أجنبيًا، ولا ريب أن تهمة الإنسان في صَدِيقِهِ وعَشِيره ومن يعنيه (٤) مودته ومحبته أعظم من تهمته في أبيه وابنه، والواقع شاهد بذلك، وكثير من الناس يُحابي صَديقَه وعَشيرَه وذا وُدِّه أعظم مما يحابي أباه وابنه. فإن قلتم: الاعتبار بالمظنة، وهي التي تنضبط، بخلاف الحكمة؛ [فإنها] (٥) لانتشارها وعدم انضباطها لا يمكن (٦) التعليل بها. قيل: هذا صحيح في الأوصاف التي شهد لها الشرع بالاعتبار، وعَلَّق بها الأحكام، دون مظانها، فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة أو البنوة أو الأخوة؟ والتابعون إنما نظروا إلى التهمة، فهي الوصف المؤثر في الحكم، فيجب (٧) تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا، ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها، بل قد توجد القرابة حيث لا تهمة، وتوجد التهمة حيث لا قرابة، والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيًا، وعلَّق عدم قبولها بالفسق، ولم يُعلِّق القبول والرد بأجنبية (٨) ولا قرابة. قالوا: وأما قولكم: "إنه غير متهم معه في تلك العقود" فليس كذلك، بل هو متهم معه في المحاباة، ومع ذلك فلا يوجب ذلك إبطالها، ولهذا لو باعه في
следующие страницы →