← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فصل [مثل من انسلخ من آيات اللَّه] ومنها: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) [وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ] (١) يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] (٢) فشبه سبحانه من آتاه كتابَهُ وعَلّمه العلم (٣) الذي [منعه] (٤) غيرَه، فترك العملَ به، واتَّبع هواه، [وآثر سَخَطَ اللَّه على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوقَ على الخالق] (٥) بالكلب الذي هو من أخْبَث الحيوانات، وأوضَعها قَدْرًا، وأخَسِّها (٦) نفسًا، وهمتُه لا تتعدَّى بطنه، وأشدها شرهًا (٧) وحرصًا، ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمَّمُ ويستروح (٨) حِرْصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزاءه، وإذا رميت إليه بحَجَر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته (٩) وهو من أمهَنِ الحيوانات، وأحملها للهَوَان، وأرضاها بالدنايا، والجِيَفُ القذرة المُروحَة (١٠) أحبُّ إليه من اللحم الطري، والعذرة أحبُّ إليه من الحلوى (١١)، وإذا ظفر بميتة تكفي مئة كلب لم يَدع كلبًا واحدًا (١٢) يتناول [معه] (١٣) [منها شيئًا] (١٣)

стр. 597

إلا هَرَّ عليه (١) [وقهره] (٢)، لحرصه وبخله وشَرَهه، ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دَنيَّة وحال رزِية نَبَحه وحَمَل عليه، كأنّه يتصور مشاركته له ومنازعته في قوته، وإذا رأى ذا هَيْئة حَسَنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خطمه بالأرض، وخَضَع له، ولم يرفع إليه رأسه. [سر بديع في تشبيه من آثر الدنيا بالكلب] وفي (٣) تشبيه من آثر الدنيا وعاجِلَها على اللَّه والدار الآخرة -مع وفور علمه- بالكلب في حال لهفه (٤) سرٌّ بديع، وهو أن هذا الذي حاله ما ذكره اللَّه من انسلاخه من آياته واتباعه هواه؛ إنَّما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن اللَّه والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم (٥) في حال إزعاجه وتركه، واللهف واللهث شقيقان وأخَوَان (٦) في اللفظ والمعنى، قال ابن جُريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، [إن تحمل عليه يلهث أو (٧) تتركه يلهث، فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له] (٨) إنما فؤاده منقطع (٩). قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنّه ليس له فؤاد يَحْمله على الصبر وترك اللهث؛ وهكذا الذي انسلخ من آيات اللَّه، لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها، فهذا يلهف على الدنيا من قلِّة صبره عنها، وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء، وإذا عطش أكلَ الثرى من العطش، وإنْ كان فيه صبر على (١٠) الجوع؛ وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا، يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا [وواقفًا] (١١)، وذلك لشِّدة حرصه؛ فحرارة الحرص في كبِدِه [توجب له دوامَ اللهث] (٨)، فهكذا مُشَبَّههُ شدة الحرص

стр. 598

وحرارة الشهوة (١) في قلبه توجب له دوام اللهف، فإن حملتَ عليه بالموْعِظة (٢) والنصيحة فهو يلهف، [وإنْ تركته ولم تعظه فهو يلهف]، (٣) قال مجاهد: وذلك مثل (٤) الذي أُوتي الكتاب ولم يعمل به (٥)، وقال ابن عباس: إنْ تحملْ عليه الحكمةَ لم يحملها، وإنْ تركته لم يهتد إلى خير، كالكلب إنْ كان رابضًا لهث، وإنْ طرد لهث (٦)، وقال الحسن: "هو المنافق لا يثبت على الحق، دُعِيَ أو لم يُدْعَ، وُعِظَ أو لم يوعَظْ، كالكلب يلهث طُرِدَ أو ترك (٧) " وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه، وقال أبو محمد بن قتيبة: "كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عَطَش [أو علة] (٨) [إلا] (٩) الكلب فإنه يلهث في حال الكَلال (١٠) وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض [وحال الريّ] (١١) والعطش. فضربه اللَّه مثلًا لمن كذب بآياته، وقال (١٢): إنْ وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب إنْ طردته [وزجرته، فسعى] لهث وإن تركته على حاله لهث، ونظيره قوله [سبحانه] (١٣): ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ

стр. 599

أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ " (١) [الأعراف: ١٩٣]. [إيتاؤه الآيات والانسلاخ] وتأمَّل ما في هذا المثل من الحكم والمعاني (٢): فمنها قوله: ﴿آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ فاخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته، فإنها نعمة، واللَّه هو الذي أنعم بها عليه، فأضافها إلى نفسه، ثم قال: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ أي خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها، وفارقها فراق الجلد يُسْلَخ عن اللحم، ولم يقل: فسلخناه منها، لأنه هو الذي تسبِّبَ إلى انسلاخه [منها] (٣) باتّباع هواه، ومنها قوله [سبحانه] (٤): ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقه وأدركه؛ كما قال [تعالى في فرعون و] (٥) قوم فرعون: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]، وكان (٦) محفوظًا محروسًا بآيات اللَّه، مَحْمِي الجانب بها من الشيطان، لا ينال منه شيئًا إلا على غِرَّة [وخطفة] (٣)، فلما انسلخ من آيات اللَّه ظفر به الشيطان ظَفْرَ الأسدِ بفريسته، فكان من الغاوين العاملين بخلاف عِلْمِهم (٧)، الذين يعرفون الحقَّ، ويعملون بخلافه، كعلماء السوء. [رفعناه بها] ومنها: أنه [سبحانه] (٤) قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ فأخبر سبحانه أن الرِّفعة عنده ليست بمجرد العلم، فإن هذا كان من العلماء، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقَصْدِ مرضاة اللَّه، فإنَّ هذا كان من أعلم أهل زمانه، ولم يرفعه اللَّه بعلمه ولم ينفعه به، فنعوذُ باللَّه من علم لا ينفع، وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا

стр. 600

شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه اللَّه فهو موضوع لا يرفع أحدٌ به رأسًا (١)، فإنَّ (١) الخافضَ الرافعَ سبحانَه (٢) خَفَضَه ولم يرفعه (٣)، والمعنى: لو (٤) شئنا فصَّلناه وشَرَّفْنَاه ورفَعْنَا قَدْرَه ومنزلته بالآيات التي آتيناه، قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعلمه بها (٥)، وقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمَعْنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكُفْرَ بما مَعَه من آياتنا، قال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر بالإيمان وعَصْمناه (٦)؛ وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد، وقد تقدم أن السلف كثيرًا ما ينبهون على لازم معنى الآية فيظن الظَّانُّ أن ذلك هو المراد منها. [أخلد إلى الأرض] وقوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال سعيد بن جبير: ركَن إلى الأرض (٧) وقال مجاهد: سكن (٨)، وقال مقاتل: رَضي بالدنيا وقال أبو عبيدة: لزمها وأَبطأ، والمخلد (٩) من الرجال هو: الذي يُبْطئ (١٠) مشيته، ومن الدواب:

стр. 601

التي (١) تبقى ثناياه إلى أن تخرج رَبَاعيته (٢)، وقال الزجاج: خلد وأخلد، وأصله من الخلود وهو الدوام والبقاء (٣)، ويقال: أخلد فلان بالمكان: إذا أقام به، قال مالك بن نُوَيْرَة (٤): بأبناء حَيٍّ من قَبائِلِ مالكٍ ... وَعَمرو بْنِ يَرْبُوع أقاموا فأخْلَدُوا (٥) قلت: ومنه قوله [تعالى] (٦): ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]؛ أي قد خلقوا للبقاء؛ [لذلك] (٧) لا يتغيرون ولا يكبرون، وهم على سن واحد [أبدًا] (٧)، وقيل: هم المقَرَّطُون في آذانهم والمسَوَّرُون في أيديهم، وأصحاب هذا القول فسَّرُوا اللفظة ببعض لوازمها، وذلك أمارة التخليد (٨) على ذلك السن، فلا تنافي بين القولين. [اتبع هواه] وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قال الكلبي: اتبع مسافلَ الأمور وترك مَعَاليها، وقال أبو روق (٩): اختار الدنيا على الآخرة، وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه،

стр. 602

وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم (١)، يعني: الذين حاربوا موسى وقومه، وقال يمان: اتبع امرأته (٢) لأنها هي التي حملته على ما فعل. [تفسير الاستدلال في الآية] فإن قيل: لكن للاستدراك؛ فيقتضي أن يثبت بعدها نفي ما قبلها، أو نفي ما أثبت (٣)، كما تقول: لو شئت لأعطيته لكنِّي لم أُعطِه، ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته؛ فالاستدراك يقتضي: ولو شئنا لرفعناه بها [ولكنَّا لم نشأ أو لم نرفع، فكيف استدرك بقوله] (٤): ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾؟ قيل: هذا من الكلام الملحوظِ فيه جانب المعنى المعدولِ فيه عن مُرَاعاة الألفاظ إلى المعاني، وذلك أن مضمون قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أنه لم يَتَعَاط الأسباب التي تقتضي رَفْعَه (٥) بالآيات من إيثار اللَّه ومَرْضَاته على هَوَاه، ولكنه آثَرَ الدنيا وأخلد إلى الأرض واتَّبَعَ هواه. وقال الزمخشري: "المعنى ولو لَزِمَ [العمل بالآيات ولم ينسلخ منها] (٦) لرفعناه بها، [وذلك أن مشيئة اللَّه تعالى رَفْعه تابعة للزومه الآياتِ، فذُكرت] (٧) المشيئة والمرادُ ما هي تابعة له ومُسَببة (٨) عنه، كأنه [قيل: ولو لزمها لرفعناه

стр. 603

بها] (١)، قال: ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٢) فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ في معنى ما هو فعله، ولو كان الكلام على ظاهره لوجب أن يقال: لو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ" (٣). فهذا منه شِنْشِنة نعرفها من قَدَرِيٍّ [نافٍ للمشيئة العامة، مُبْعد للنُّجْعة] (٤) في جعل كلام اللَّه معتزليًا قدريًا، فأين قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ من قوله: "ولو لزمها" ثم إذا كان الملزوم لها (٥) موقوفًا على مشيئة اللَّه وهو الحق بطل أصله، وقوله: "إن مشيئة اللَّه تابعة للزومه الآيات" مِنْ أفْسَدِ الكلام وأبْطَلِهِ، بل لزومُه لآياته تابع (٦) لمشيئة اللَّه، فمشيئة اللَّه سبحانه متبوعة، لا تابعة، وسبب لا مسبب، وموجبٌ مقتضٍ لا مقتضًى، فما شاء اللَّه وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده (٧). فصل [مثل من القياس التمثيلي (مثل المغتاب)] منها (٨) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ] (٩) إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢]، وهذا من أحسن القياس التمثيلي، فإنه شَبَّه تمزيق عِرْضِ الأخ بتمزيق لحمه، ولما كان المُغْتَابُ يمزق

стр. 604

عرضَ أخيه في غيبته كان بمنزلة من يقطع لحمه في حال غيبة روحه عنه بالموت، ولما كان المغتاب عاجزًا عن دَفْعِه عن نفسه بكونه غائبًا عن ذمِّه كان بمنزلة الميت الذي يقطع لحمه ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ولما كان مُقْتَضَى الأخوة التراحُمَ والتواصُلَ والتناصر فعلّق عليها المغتاب ضدَّ مقتضاها من الذم والعَيْب والطعن كان ذلك نظيرَ تقطيع لحم (١) أخيه، والأخوة تقتضي حِفْظَه وصيانته والذبَّ عنه، ولما كان المغتاب [متمتعًا بعرض أخيه] (٢) متفكهًا بِغِيبته (٣) وذمه متحلِّيًا بذلك شُبِّه [بآكل لحم أخيه بعد تقطيعه، ولمَّا كان المغتاب محبًا لذلك مُعْجَبًا به شُبَّه] (٤) بمن يُحب أكل لحم أخيه ميتًا، ومحبته لذلك قَدْرٌ زائد على مجرد أكله، كما أن أكله قدرٌ زائد على تمزيقه (٥). فتأمل هذا التشبيهَ والتمثيلَ وحُسْنَ مَوْقِعه ومُطابقةَ المعقول فيه المحسوس، وتأمل إخباره عنهم بكراهة أكْلِ لحم الأخ ميتًا، ووصْفهم بذلك في آخر الآية، والإنكار عليهم في أولها أن يُحِبَّ (٦) أحدهم ذلك، فكَمَا أن هذا مكروه في طباعهم فكيف يحبون ما هو مثله ونظيره؟ فاحتجَّ عليهم بما كرهوه على ما أحبوه، وشَبَّه لهم ما يحبونه بما هو أكره شيء إليهم، وهو أشدُّ شيء نُفْرَةً عنه؛ فلهذا يوجِبُ العقلُ والفِطْرَة والحكمة أن يكونوا أشدَّ شيء نفرةً عما هو نظيره ومشبهه، وباللَّه التوفيق. فصل [مثل بطلان أعمال الكفار] ومنها قوله [تعالى] (٧): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ [إبراهيم: ١٨]؛ فشبه تعالى (٨) أعمالَ الكفار في بُطْلانها وعدم الانتفاع بها برمَادٍ مَرَّتْ عليه ريحٌ شديدة في يوم عاصف، فشَبَّه [سبحانه] (٩) أعمالهم -في حُبُوطها

стр. 605

وذَهَابها باطلًا كالهَباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان، وكَوْنِها لغير اللَّه [ ] (١) وعلى غير أمره- برمادٍ طَيَّرَتْهُ الريحُ العاصفُ فلا يقدر صاحبُه على شيء منه وقتَ شدة حاجته إليه؛ فلذلك قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾، لا يقدرون يوم القيامة مما كسبوا من أعمالهم على شيء، فلا يرون له أثرًا من ثواب ولا فائدة نافعةً، فإن اللَّه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، موافقًا لشَرْعه. [أنواع الأعمال] والأعمالُ أربعة، فواحِدٌ مقبول وثلاثة مردودة؛ فالمقبولُ: الخالصُ الصوابُ، فالخالص أن يكون للَّه لا لغيره، والصواب أن يكون مما شَرعه [اللَّه] (١) على لسان رسوله، والثلاثة المردودة ما خالف ذلك. [في تشبيه الأعمال المردودة سرٌّ بديع] وفي تشبيهها [بالرماد سرٌّ بديع، وذلك للتشابه الذي بين أعمالهم وبين الرماد] (٢) في إحراق النار وإذهابها لأصل هذا وهذا، فكانت الأعمال التي لغير اللَّه وعلى غير مُرَاده طعْمَةً للنار، وبها تسَعَّر النار على أصحابها، ويُنشئُ اللَّه [سبحانه] (١) لهم من أعمالهم الباطلة نارًا وعذابًا، كما ينشئ لأهل الأعمال الموافقة لأمره [ونهيه] (١) التي هي خالصة لوجهه من أعمالهم نعيمًا ورَوْحًا (٣)، فأثرَّت النار في أعمال أولئك حتى جعلتها رَمادًا، فهم وأعمالهم وما يعبدون من دون اللَّه وقود النار. فصل [مثل الكلمة الطيبة] ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ [أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ] (٤)﴾ [إبراهيم: ٢٤]؛ فشَبَّهَ سبحانه [وتعالى] (١)

стр. 606

الكلمةَ الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تُثْمِرُ العملَ الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع. [مفهوم الكلمة الطيبة والأصل الثابت والفرع الذي في السماء] وهذا طاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: "الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه"، فإنها تُثْمِر جميعَ الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، وكل عمل صالح مَرْضِيٍّ للَّه ثمرة هذه الكلمة، وفي "تفسير علي بن أبي طلحة"، عن ابن عباس قال: "كلمة طيبة: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، كشجرة طيبة وهو المؤمن، أصلها ثابت: قول لا إله إلا اللَّه، في قلب المؤمن، وفرعُها في السماء، يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء" (١). وقال الربيع بن أنس: "كلمة طيبة هذا مثل الإيمان؛ فالإيمان (٢): الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه، وفَرْعه في السماء: خشية اللَّه" (٣) والتشبيه على هذا القول أصَحُّ وأظْهَر وأحسن؛ فإنه سبحانه شَبَّه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتةِ الأصْلِ الباسِقَةِ الفَرْع في السماء علوًا، التي لا تزال تُؤتي ثمرتها كل حين، وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدةٌ إلى السماء. [أثر التوحيد في عبادة الإنسان وسلوكه وخُلُقه] ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها (٤)، ومُرَاعاتها حق رعايتها، فمن رَسَخَت هذه الكلمةُ في قلبه بحقيقتها التي هي

стр. 607

حقيقتها واتَّصَف قلبُه بها وانْصَبَغَ بها بصبغة اللَّه التي لا أحسن صبغةً منها، فعرف حقيقة الإلهيَّة التي يُثْبتها (١) قلبه للَّه ويَشهد بها (٢) لسانُه وتُصَدِّقها جوارحه، ونَفَى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى اللَّه، وواطأ قلبُه لسانَه في هذا النفي والإثبات، وانقادتْ جوارحُه لمن شهد (٣) له بالوحدانية طائعةً سالكةً سبلَ ربه ذُللًا غير ناكبةٍ عنها ولا باغيةٍ سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلبُ سوى معبوده الحق بدلًا؛ فلا ريب أنَّ هذه الكلمة مِنْ هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تُؤتي ثمرها (٤) من العمل الصالح الصاعِدِ [إلى اللَّه كل وقت؛ فهذه] (٥) الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح الصاعد (٦) إلى الربِّ [تعالى] (٧)، وهذه الكلمة الطيبة تُثمرُ كَلِمًا (٦) كثيرًا طيِّبًا يقارنه (٨) عملٌ صالح فيرفعُ العملُ الصَّالحُ الكلمَ الطيب، كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]؛ فأخبر سبحانه (٩) أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تُثْمر لقائلها عملًا صالحًا كل وقت. [أثر كلمة التوحيد] والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمنُ عارفًا بمعناها (١٠) وحقيقتها نفيًا وإثباتًا مُتَّصفًا بموجَبها قائمًا قلبُه ولسانه وجوارحه بشهادته، فهذه الكلمة [الطيبة هي التي رَفَعَتْ هذا العمل] (١١) من هذا الشاهد، أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها مُتَّصلة بالسماء، وهي مخرجة لثمرتها كل وقت. [الشجرة الطيبة] ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن عمر الصحيح (١٢)، ومنهم من قال: هي المؤمن نفسه، كما قال محمد بن سعد:

стр. 608

حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ يعني بالشجرة الطيبة المؤمن، ويعني بالأصل الثابت في الأرض والفرع في السماء، يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم فيبلغ عمله وقوله السماء وهو في الأرض (١)، وقال عطية العَوْفي في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرُجُ منه كلامٌ طيب وعمل صالح يصعد إلى اللَّه (٢)، وقال الربيع بن أنس: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ قال: ذلك المؤمن، ضُرب مثلُه في الإخلاص للَّه وحده وعبادته وَحْدَه لا شريكَ له، أصلها ثابت، قال: أصل عمله ثابت في الأرض، وفرعها في السماء، قال: ذِكرُه في السماء (٣)، ولا اختلاف (٤) بين القولين. [من المقصود بالمَثَل؟ وأسرار المَثَل] فإن المقصود (٥) بالمَثَل المؤمن، والنخلة مُشبَّهةٌ به وهو مُشبَّه بها، وإذا كانت النخلة شجرةً طيبة فالمؤمن المشبه بها أولى أن يكون كذلك، ومن قال من السلف: إنها شجرة في الجنة، فالنخلة من أشرف أشجار الجنة. [بعض أسرار تشبيه المؤمن بالشجرة] وفي هذا المثل من الأسرار والعلوم والمعارف ما يليق به، ويقتضيه علمُ الذي تكلم به وحكمته.

стр. 609

فمن ذلك أن الشجرة لا بد لها من عروق [وساقٍ وفروع] (١) وورق وثمر، فكذلك شجرة الإيمان والإسلام؛ ليطابق المُشَبَّه المشبَّه به؛ فعروقها العلم والمعرفة واليقين، وساقها الإخلاص، وفروعُها الأعمال، وثمرتُها ما توجبه الأعمال الصالحة من الآثار الحميدة والصِّفات الممدوحة والأخلاق الزكيَّة والسَّمْتِ الصالح والهَدْي والدَّلِّ المرضِيِّ، فيُستدل على غَرْسِ هذه الشجرة في القلب وثبوتها فيه بهذه الأمور، فإذا كان العلمُ صحيحًا مطابقًا لمعلومه الذي أنزل اللَّه كتابه به، والاعتقادُ مطابقًا لما أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسُلُه، والإخلاصُ قائم في القلب، والأعمال موافقة للأمر، والهدْي والدَّلُّ والسَّمْت مُشَابه لهذه الأصول مناسبة (٢) لها، عُلِمَ أن شَجرةَ الإيمان في القلب أصلُها ثابت وفرعها في السماء، وإذا كان الأمر بالعكس عُلِم أن القائم بالقلب إنما هو الشجرة الخبيثة التي اجْتُثَّتْ من فوق الأرض ما لها من قَرار. ومنها: أن الشجرة لا تَبْقَى حيةً إلا بمادة تَسْقيها وتُنْميها، فإذا قُطِعَ (٣) عنها السقي أوشَكَ (٤) أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إنْ لم يتعاهَدْهَا صاحبُها بسَقْيِها كلَّ وقت بالعلم النافع (٥) والعمل الصالح والعَوْد بالتّذكُّرِ على التَّفكُّر والتَّفكُّر على التذَّكُّر، إلا أوشَكَ (٤) أن تَيْبس، وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن الإيمان يَخْلَقُ في القلب كما يَخْلَقُ الثَّوبُ، فجدِّدُوا إيمانكم" (٦)، وبالجملة فالغَرْسُ إن لم يتعاهده صاحبه

стр. 610

أوشَكَ أن يهلك، ومن هنا تعلم شدة حاجة العباد إلى ما أمر اللَّه به من العبادات على تعاقب الأوقات وعظيم رحمته وتمام نعمته وإحسانه إلى عباده بأن وظَّفَها عليهم (١)، وجعلها مادةً لسَقْي غراس التوحيد الذي غَرَسَه في قلوبهم. ومنها: أن الغرس والزرع النافع قد أجرى اللَّه [سبحانه] (٢) العادةَ [أنه] (٢) لا بُدَّ أن يُخَالطه دَغَل ونَبْتٌ غريب ليس من جنسه، فإنْ تَعَاهده رَبُّه ونَقَّاه وقَلَعه كمل (٣) الغرس والزرع، واستوى، وتَمَّ نباتُه، وكان أوْفَرَ لثمرته، وأطيَبَ وأزكى، وإنْ تركه أوشَكَ أن يغلب على الغرس والزرع، ويكون الحكم له، أو يضعف الأصل ويجعل الثمرة ذميمة (٤) ناقصة بحسب كثرته وقلَّته، ومَنْ لم يكن له فِقْهُ نفسٍ في هذا ومعرفة به، فاته (٥) ربْحٌ كبير (٦) وهو لا يشعر؛ فالمؤمن دائمًا سعيُه في شيئين: سَقْي هذه الشجرة، وتنقية ما حولها، [فبسقيها تبقى] (٧) وتدوم، [وبتنقية ما حولها] (٨) تكمل (٩) وتتم، واللَّه المستعان وعليه التُّكْلَان. [ولا حول ولا قوة إلا به] (١٠). فهذا بعض ما تَضَمَّنه هذا المثلُ العظيم الجليل من الأسرار والحِكم، ولعلها

стр. 611

قَطْرة من بَحْرٍ بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخبطة (١)، وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجبُ التوبةَ والاستغفار، وإلا فلو طَهُرَتْ منا القلوب، وصفت الأذهانُ، وزكَتِ النفوسُ، وخَلُصت الأعمالُ، وتجرَّدت الهِمَم للتَلقِّي عن اللَّه ورسوله؛ لشَاهَدْنَا من معاني كلام اللَّه وأسراره وحِكَمه ما تضمحِلُّ عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارفُ الحق، وبهذا تعرف (٢) قدرَ علوم الصحابة ومعارفهم [﵃] (٣)، وأنَّ التفاوت الذي بين علومهم وعلوم مَنْ بعدهم كالتفاوت الذي بينهم في الفضل، واللَّه أعلم حيث يجعل مواقعَ فضله، ومَنْ يختصُّ برحمته. فصل [مثل الكافر: مثل الكلمة الخبيثة] ثم ذكر [سبحانه] (٣) مثل الكلمة الخبيثة (٤) فشبَّهها بالشَّجرة الخبيثة التي اجْتُثَّتْ من فوق الأرض [ما لها من قرار] (٣)، فلا عِرْقٌ ثابت، ولا فَرعْ عالٍ، ولا ثمرة زاكية، ولا ظل، ولا جَنًى، ولا ساقٌ قائم، ولا عرق في الأرض ثابت، فلا أسفلها مُغْدِق، ولا أعلاها مُوْنِق، ولا جَنَى لها، ولا تعلوا بل تُعْلى. واذا تأمل اللبيبُ [أكثر] (٥) كلام هذا الخلق في خطابهم وكُتبهم (٦) وجَدَه كذلك؛ فالخسران [كل الخسران] (٧) الوقوفُ معه والاشتغال به عن أفضل الكلام وأنفعه. قال الضحاك: ضرب اللَّه مثلًا للكافر بشجرة اجْتُثَّتْ من فوق الأرض ما لها من قرار، يقول: ليس لها أصل ولا فرع، وليس لها ثمرة، ولا فيها منفعة (٨)، كذلك الكافر ليس يعمل (٩) خيرًا ولا يقوله، ولا يجعل اللَّه فيه بركة ولا منفعة (١٠).

стр. 612

وقال ابن عباس: ومثلُ كلمةٍ خبيثة -وهي الشرك- كشجرة خبيثة، يعني: الكافر، [قال]: ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾، يقول: الشرك ليس له أصل يأخذ به الكافر ولا برهان، ولا يقبل اللَّه مع الشرك عملًا (١)، فلا يُقبل عملُ المشرك، ولا يصعد إلى اللَّه، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء؛ يقول: ليس له عمل صالح في [الدنيا ولا في الآخرة] (٢). وقال الربيع بن أنس: مثل الشجرة الخبيثة مثلُ الكافر، ليس لقوله ولا لعمله أصل ولا فرع، [ولا يستقر قولُه ولا عملُه على الأرض] ولا يصعد إلى السماء (٣). وقال سعيد، عن قتادة في هذه الآية: إن رجلًا لَقِيَ رجلًا من أهل العلم فقال له: ما تقول في الكلمة الخبيثة؟ قال: لا أعلم لها في الأرض مستقرًا، ولا في السماء مَصْعدًا، إلا أن تلزم عُنُقَ صاحبها حتى يوافي [بها يوم القيامة] (٤). وقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: استُؤْصِلَت من فوق الأرض، ثم أخبر سبحانه عن فضله وعَدْله في الفريقين، أصحاب الكلم الطيب والكلم الخبيث، فأخبر أنه يُثَبِّتُ الذين آمنوا بإيمانهم بالقول الثابت أحْوَجَ ما يكونون إليه في الدنيا والآخرة، وأنه يُضِل الظالمين وهم المشركون عن القول الثابت، فأضَلَّ هؤلاء -بعَدْله- لظُلْمهم (٥)، وثَبَّتَ المؤمنين -بفضله- لإيمانهم.

стр. 613

[يثبت اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت, وما فيه من أسرار] وتحت قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ كنز عظيم مَنْ وُفقَ (١) لمظنته وأحْسَنَ استخراجَه واقتناءه وأنفق منه فقد غَنِم، ومن حُرِمَه فقد حُرم، وذلك أن العبد لا يستغني عن تثبيت اللَّه له طَرْفَةَ عينٍ، فإنْ لم يثبته وإلا زالَتْ سماءُ إيمانه وأرضه عن مكانهما، وقد قال تعالى لأكرم خَلْقه عليه عبده ورسوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤]، وقال [تعالى لأكرم خلقه] (٢): ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]، وفي "الصحيحين" من حديث التَّجلِّي (٣): قال: "وهو يسألهم ويثبِّتُهم" (٤) وقال تعالى لرسوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]؛ فالخلق (٥) كلهم قسمان: مُوَفَّق بالتثبيت، ومَخْذُول بترك التثبيت، ومادةُ التثبيتِ أصله ومنشأه من القول الثابت وفعلِ ما أُمِرَ به العبدُ، فبهما يُثبِّتُ اللَّه عبدَه، وكل من كان (٦) أثبتَ قولًا وأحسنَ فعلًا كان أعظَمَ تثبيتًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾ [النساء: ٦٦]؛ فأثبتُ الناسِ قلبًا أثبتهم قولًا، والقول الثابت هو القول الحق والصدق، وهو ضد القول الباطل الكذب؛ فالقول نوعان: ثابت له حقيقة، وباطل لا حقيقة له، وأثبتُ القول كلمة التوحيد ولوازمها، فهي أعظم ما يثبت اللَّه بها عباده (٧) في الدنيا والآخرة؛ ولهذا ترى الصَّادقَ من أثبت الناس وأشْجَعِهم قلبًا، والكاذبَ مِنْ أمْهَن الناس وأجبنهم (٨) وأكثرهم تَلَوُّنًا وأقلهم ثباتًا، وأهلُ الفِرَاسة يعرفون صدق الصادق من ثَبَات قلبه وقت الاختبار (٩)، وشجاعَتِهِ

стр. 614

ومَهَابته، ويعرفون كذبَ الكاذب بضد ذلك؛ ولا يخفى ذلك إلا على ضعيف البصيرة. وسئل بعضُهم عن كلام سَمِعَه من مُتكلِّم به، فقال: واللَّه ما فهمتُ منه شيئًا، إلا أني رأيتُ لكلامه صَوْلَةً ليست بصَوْلة مُبْطِل، فما مُنِحَ العبدُ منحةً أفْضَلَ من منحة القول الثابت، ويجد أهلُ القول الثابت ثمرته أحوجَ ما يكونون إليه في قبورهم ويوم مَعَادهم، كما في "صحيح مسلم" من حديث البَرَاء بن عازب عن النبي ﷺ أن هذه الآية (١) نَزَلت في عذاب القبر (٢). [سؤال القبر والتثبيت فيه] وقد جاء [هذا] (٣) مُبيَّنًا في أحاديث صحاح؛ فمنها ما في "المسند" من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد قال: "كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: يا أيها الناس إنّ هذه الأمة تُبْتَلَى (٤) في قبورها، فإذا الإنسان دُفن وتَفرَّق عنه أصحابه جاءه مَلَكٌ بيده مِطْرَاق فأقعده، فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقول له: صدقتَ، فيُفتح له بابٌ إلى النار فيُقال له: هذا منزلك لو كَفَرْتَ بربِّك، فأما إذا آمنتَ فإنَّ اللَّه أبْدَلَكَ به هذا، ثم يُفتح له بابٌ إلى الجنة، فيريد أن ينهض له، فيُقال له: اسْكُنْ، ثم يُفْسَح له في قبره، وأما الكافر والمنافق؛ فيُقال له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا اهْتَدَيْتَ، ثم يُفتح له بابٌ إلى الجنة، فيُقال له: هذا منزلك لو آمَنْتَ بربك، فأما إذا كفرتَ، فإن اللَّه أبدلك به هذا، ثم يُفتح له بابٌ إلى النار، ثم يقمعه المَلَكُ بالمطراق قمعةً يسمعه خلقُ اللَّه كلهم إلا الثقلين، قال (٥) بعض أصحابه: يا رسول اللَّه، ما مِنَّا من أحد يقوم على رأسه مَلَكٌ بيده مِطْرَاق إلا

стр. 615

هِيلَ (١) عند ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "يُثَبِّتُ اللَّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل اللَّه الظالمين، ويفعل اللَّه ما يشاء" (٢). وفي "المسند" نحوه من حديث البراء بن عازب، وروى المِنْهَال بن عَمرو، عن زَاذَان، عن البَرَاء قال: "قال رسول اللَّه ﷺ وذَكَرَ قَبْضَ روحِ المؤمن فقال (٣): يأتيه آتٍ -يعني في قبره- فيقول: مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي اللَّه، والإسلام ديني (٤)، ونبيي محمد ﷺ ، قال: فينتهِرُه (٥) فيقول: من (٦) ربك؟ وما دينك؟ وهي في آخر فتنة تعرض على المؤمن، فذلك قولُ اللَّه تعالى (٧): ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، فيقول: ربي اللَّه، وديني الإسلام، ونبيي محمد (٨)، فيقال له: صدقت" وهذا حديث صحيح (٩).

стр. 616

وقال حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ]﴾ (١) قال: إذا قيل له في القبر: مَنْ رَبُّك؟ وما دينك؟ فيقول: ربي اللَّه، وديني الإسلام، ونَبِيِّي محمد، جاءنا بالبينات [والهدى] (٢) من عند اللَّه، فآمنْتُ به وصَدَّقتُ، فيقال له: صَدقْتَ: على هذا عشْتَ، وعليه متَّ، وعليه تُبْعَثُ" (٣) وقال الأعمش، عن المِنْهال بن عمرو، وعن زَاذَان، عن البراء بن عازب قال: "قال رسول اللَّه ﷺ وذكر قَبْضَ روح المؤمن، قال: فترجِعُ روحه في جَسَده، ويُبْعَثُ إليه ملكان شديدا الانتهار، فيجلسانه وَينْتَهِرَانه (٤) ويقولان (٥): مَنْ ربك؟ فيقول: اللَّه، وما (٦) دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل أو النبي الذي بُعث فيكم؟ فيقول: محمد رسول اللَّه، فيقولان (٧) له: وما يُدْرِيك؟ قال: فيقول (٨): قرأت كتاب اللَّه فآمنت به وصَدَّقْتُ، فذلك (٩) قول اللَّه ﵎: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ

стр. 617

الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ رواه ابن حبَّان في "صحيحه" (١)، والإمام أحمد، وفي "صحيحه" أيضًا من حديث أبي هريرة يرفعه، قال: "إن الميت ليَسْمَعُ خَفْقَ نعالهم حين يُوَلون عنه مُدْبِرين، فإذا كان مؤمنًا كانت الصلاةُ عند رأسِهِ، والزكاة عن يَمينه، والصيام (٢) عن يساره، وكان فعلُ الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيُؤتَى من عند رأسه؛ فتقول الصلاة: ما قِبَلي مدخل، فيُؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ما قِبلي مَدْخَل، فيُؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قِبلي مَدْخل، فيُؤتى من عند رجليه، فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قِبلي مَدْخل، فيقال له: اجلس، فيجلس قد مُثِّلت [له] (٣) الشَّمس قد دَنَتْ للغروب، فيقال له: أخبرنا عن ما نسألك عنه؟ فيقول: دعُوني حتى أصلي، فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك، فيقول: وعمَّ تسالوني؟ فيقال له: أرأيْتَ هذا الرجُلَ الذي كان فيكم، ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد [ ﷺ ؟ فيقال] (٤): نعم، فيقول: أشهد أنه رسول اللَّه، وأنه جاء بالبينات من عند اللَّه فَصَدَّقناه، فيقال له: على ذلك حَيِيتَ، وعلى ذلك مِتَّ، وعلى ذلك تُبْعَثُ إن شاء اللَّه، ثم يُفْسَحُ له في قبره سبعون ذراعًا، وينَوَّر له فيه، ثم يفتح له بابٌ إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعَدَّ اللَّه لك فيها (٥)، فيزداد غبطَةً وسرورًا، ثم تُجعل نسمته في النَّسَم (٦) الطيب، وهي طير خُضْر تعلَق بشجر الجنة، ويعاد الجسدُ إلى ما بدأ منه من التراب، وذلك قول اللَّه تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ " (٧).

стр. 618

ولا تستَطِلْ هذا الفصلَ المعترض في المفتي والشاهد والحاكم، [بل] (١) وكل مسلم أشد ضرورة إليه من الطعام والشراب والنفس، وباللَّه التوفيق، [وإليه الملجأ] (٢). فصل [مثل المشرك] ومنها قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ [الحج: ٣٠، ٣١]، فتأمل هذا المثلَ ومطابَقَتَهُ لحال مَنْ أشرك باللَّه وتعلَّق بغيره، ويجوز لَكَ في هذا التشبيه أمران: أحدهما: أن تجعله تشبيهًا مركَّبًا، ويكون قد شبه مَنْ أشْرَك باللَّه، وعَبَدَ معه غيرَه [برجل] (٣) قد تسبَّب إلى هَلاكَ نفسه هلاكًا لا يُرْجَى معه نجاةٌ، فصَوَّرَ حاله بصورة حالِ مَنْ خَرَّ من السماء فاختطفته الطيرُ في الهوى فتمزَّق مِزعًا (٤) في حواصلها، أو عَصَفَتْ به الريحُ حتى هَوَتْ به (٥) في بعض المطارح البعيدة، وعلى هذا لا تنظر (٦) إلى كل فرد من أفراد المشبَّه ومُقَابِله (٧) من المُشَبَّه به. والثاني: أن يكون من التشبيه المُفَرَّقِ، فيقابَلُ كلُّ واحدٍ من أجزاء الممثَّلِ بالممثَّل به، وعلى هذا فيكون قد شَبَّهَ الإيمانَ والتوحيدَ في عُلُوه وسَعَته [وشَرَفه] (١) بالسماء التي هي مصْعَدُهُ ومَهْبطُه، فمنها يهبط إلى الأرض، وإليها يصعد منها، وشبَّه تارك الإيمان والتوحيد بالسَّاقط من السماء إلى أسفل سافلين من حيث الضيق (٨) الشديدُ والآلام المتراكمة والطيرُ التي تخطف (٩) أعضاءه وتمزِّقُه كل ممزَّقٍ بالشياطين التي يُرْسِلُها اللَّه سبحانه [وتعالى] (١) عليه وتَؤُزُّهُ أزًّا

стр. 619

وتزعجه [وتقلقه] (١) إلى مَظَانِّ هلاكه (٢)؛ فكل شيطانٍ له مزعة من دِينِه وقلبه، كما أن لكل طير مزعة من لحمه وأعضائه، والريح التي تهوي به في مكان سحيق هو هَوَاه الذي يحمله على إلقاء نفسه في أسفلِ مكانٍ وأبعدِه من السماء. فصل [قدرة الذين يدعوهم المشركون من دون اللَّه] ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ] (٣) إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤]، حقيق على كل عبد أن يستمع قلبُه لهذا المثل، ويتدبره حقَّ تدبره، فإنه يقطع مواردَ (٤) الشرك من قلبه، وذلك أن المعبود أقلُّ درجاته أن يقدِرَ على إيجاد ما ينفع عابدَه وإعدام ما يضرُّه، والآلهةُ التي يعبدها المشركون من دون اللَّه لن تقدرَ على خَلْق الذباب (٥) ولو اجتمعوا كلهم لخلقه، فكيف ما هو أكبر [منه] (٦)؟ ولا يقدرون على الانتصار من الذباب إذا سَلَبهم شيئًا مما عليهم من طِيب ونحوه فيستنقذوه منه، فلا هم قادرون على خلَقْ الذباب الذي هو من أضعفِ الحيواناتِ ولا على الانتصار منه واسترجاع ما سَلَبهم (٧) إياه، فلا أعْجَزَ من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يَستحسن عاقلٌ عبادتها من دون اللَّه؟ وهذا المثلُ من أبلغ ما أنزل اللَّه [سبحانه في بُطْلَان الشرك] (٨)، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تَلاعَبَ بهم أعْظَمَ من تلاعب الصبيان بالكرة حيث أعْطَوا الإلهيِّة التي مِنْ بعض لوازمها القدرةُ على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يُصْمدَ (٩) إلى الربِّ في جميع الحاجات، وتفريج الكُرُبات، وإغاثة اللهفات،

стр. 620

وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها (١) القدرةُ على أقلِّ مخلوقاتِ الإله (٢) الحق وأذلِّها وأَصْغرِها وأَحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه. وأدلُّ من ذلك على عَجْزهم وانتفاء [إلا هيَّتهم] (٣) أن هذا الخلقَ الأقلَّ الأذلَّ العاجز الضعيفَ لو اختطَفَ منهم شيئًا واستلبه فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه، ثم سَوَّى بين العابد والمعبود في الضَّعْف والعجز بقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قيل: الطالب العابد، والمطلوب المعبود، فهو عاجزٌ متعلِّق بعاجز، وقيل: هو تسوية بين السالب والمسلوب، وهو تسوية بين الآلهة (٤) والذباب في الضَّعْف والعَجْز؛ وعلى هذا فقيل: الطالبُ: الإله الباطل، والمطلوب: الذباب يطلب منه ما استلبه منه (٥)، وقيل: الطالب الذباب، والمطلوب الإله؛ فالذباب يطلب منه ما يأخذه مما عليه، والصحيح أن اللفظ يتناول الجميع، فضَعُف العابدُ والمعبودُ، والمُستلِب والمُستَلَب (٦)؛ فمَنْ جعل هذا إلهًا مع القوي العزيز فما قَدَرَه حقَّ (٧) قَدْره، ولا عَرَفه حقَّ معرفته، ولا عَظَّمه حق تعظيمه (٨). فصل [مثل المقلِّدين والمقلَّدين] ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، فتضمَّن هذا المثلُ ناعقًا، أي: مُصَوِّتًا بالغنم وغيرها، ومنعوقًا به وهو الدوَابُّ، فقيل: الناعق العابد، وهو الداعي للصنم، والصنم هو المَنْعُوقُ به المدعُوُّ، وإنَّ حالَ الكافر في دعائه كحال من يَنْعق بما لا يسمعه، هذا قول طائفة منهم عبد الرحمن بن زيد وغيره (٩).

стр. 621

واستشكل صاحبُ "الكشاف" وجماعة معه هذا القول، وقالوا: قوله: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لا يساعد عليه؛ لأن الأصنام لا تسمع دعاءً ولا نداءً (١). وقد أجيب عن هذا الاستشكال (٢) بثلاثة أجوبة: أحدها: أن "إلا" زائدة، والمعنى بما لا يسمع دعاء ونداء، قالوا: وقد ذكر ذلك الأصمعيُّ في قول الشاعر: حَرَاجِيحُ ما تَنْفَكُ إلَّا مُنَاخَةً (٣) أي: ما تنفك مُنَاخة، وهذا جواب فاسد، فإن "إلا" لا تزاد في الكلام. الجواب الثاني: أن التشبيه وقَعَ في مطلق الدعاء لا في خصوصيات المدعو. الجواب الثالث: [أن المعنى] (٤) أن مَثَل هؤلاء في دعائهم آلهتَهم التي لا تفقَه دعاءهم كمثل الناعِقِ بغنمه، فلا ينتفع من نعيقه (٥) بشيء، غير أنه هو في دعاء ونداء. وكذلك (٦) المشركُ ليس له من دعائه وعبادته إلا العَنَاء. وقيل: المعنى: ومَثَلُ الذين كفروا كالبهائم التي لا تَفْقَهُ مما (٧) يقول الراعي أكْثَرَ من الصوت؛ فالراعي هو داعي الكُفَّار، والكفار هم البهائم المَنْعوق بها. [قال سيبويه: [المعنى] (٨): ومثلكَ يا محمد ومَثلُ [الذين كفروا] (٩) كمثل الناعق والمنعوق به] (١٠)؛ وعلى قوله فيكون [المعنى] (٨): ومثل الذين كفروا ودَاعيهم كمثل الغنم والناعق بها.

стр. 622

ولك أنْ تجعلَ هذا من التشبيه المركَّب، وأن تجعله من التشبيه المُفرَّق، فإنْ جعلتَه من المركب كان تشبيهًا للكفار -في عَدَم فِقْههم (١) وانتفاعهم- بالغنم التي يَنْعِقُ بها الراعي فلا تفقهُ من قوله شيئًا غيرَ الصَّوتِ المجرَّد الذي هو الدعاء والنداء (٢)، وإنْ جعلتَه من التشبيه المفَرَّق، فالذين كفروا بمنزلة البهائم، [ودعاءُ داعيهم إلى الطَّريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها] (٣) ودعاؤهم إلى الطريق والهدى بمنزلة النعيق (٤)، وإدراكهم مجرد الدعاءِ والنداءِ كإدراك البهائم مجردَ صوت الناعق، واللَّه أعلم (٥). فصل [مثل المنفقين في سبيل اللَّه] ومنها قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١]؛ شبه سبحانه المُنْفِقَ في سبيله، سواء كان المراد به الجهاد، أو جميع سبل الخير من كل بر، بمن بَذَرَ بَذْرًا فأنبتتْ كل حبةٍ منه سبعَ سنابل، اشتملَتْ كلُّ سنبة على مئة حبة، واللَّه يضاعف [لمن يشاء فوق] (٦) ذلك بحسب حال المُنْفِق وإيمانه وإخلاصه وإحسانه ونَفْع نفقته وقَدْرها ووقُوعها موقعَهَا؛ فإن ثواب الإنفاق يتفاوت بحسب ما يقوم بالقلب من الإيمان والإخلاص والتثبيت عند النفقة، وهو إخراجُ المال بقلبٍ ثابت قد انشرح صدرُه بإخراجه، وسَمَحَتْ به نفسُه، وخَرَجَ من قلبه قبلَ خروجه من يده، فهو ثباتُ (٧) القلب عند إخراجه، غيرُ جَزع ولا هَلع ولا مُتْبعَه نفَسه ترجُفُ يدُه وفؤاده، ويتفاوت بحسب نفع الإنفاق ومَصَارفه بمواقعه (٨)، وبحسب طِيبِ المنفق وزكاته (٩).

стр. 623

وتحت هذا المثل من الفقه أنه سبحانه شَبَّه الإنفاق بالبذَر، فالمُنْفق ماله الطيَّب للَّه لا لغيره باذر ماله في أرضٍ زكية، فمَغِلَّه بحسب بَذْره وطِيب أرضه وتعاهُدِ البذر بالسقي ونَفْي (١) الدَّغَل والنبات الغريب عنه، فإذا اجتمعتْ هذه الأمور ولم تحرقِ (٢) الزرعَ نارٌ ولا لحقته جائحةٌ جاء أمثالَ الجبال، وكان مثله كمثل جنَّةٍ بربوةٍ، وهي المكان المرتفع الذي تكون الجنةُ فيه نصب الشمس والرياح فتتربى (٣) الأشجارُ هناك أتمَّ تربية فنزل عليها من السماء مطرٌ عظيمُ القَطْر مُتَتَابع فرَوَّاها ونَمَّاها فآتت أُكُلَها ضِعْفي ما يؤتيه (٤) غيرها بسبب ذلك الوابل، فإنْ لم يُصبها وابلٌ فطَلٌّ: مطر صغير القَطْر، يكفيها لكرم مَنْبَتِها، تزكو على الطل وتنمو عليه، مع أن في ذكر نَوْعي الوابل والطل إشارة إلى نوعي الإنفاق الكثير والقليل. [مثل المنفق ماله لغير اللَّه] فمن الناس من يكون [إنفاقه] (٥) وابلًا، ومنهم من يكون إنفاقه طَلًّا، واللَّه لا يضيع مثقالَ ذرة، فإنْ عَرَضَ لهذا العامل ما يغرق أعماله ويُبْطل حسناته كان بمنزلة رجل ﴿لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، فإذا كان يومُ استيفاءِ الأعمال وإحراز الأجور وَجَدَ هذا العاملُ عملَه قد أصابه ما أصاب صاحبَ هذه الجنة، فحسْرَتُهُ حينئذٍ أشَدُّ من حَسْرة هذا على جنته؛ فهذا مثل ضربه اللَّه [سبحانه] (٦) في السيرة لسَلْب النعمة عند شدة الحاجة إليها مع عِظِم قَدْرِها ومَنْفَعتِها، والذي ذهبت عنه قد أصابه الكبرُ والضَّعفُ فهو أحْوَجُ ما كان إلى نعمته (٧)، ومع هذا فله ذرية ضعفاء لا يقدرون على نَفْعه والقيام بمصالحه، بل هم في عِيَاله، فحاجَتُه إلى جنته (٨) حينئذٍ أشَدُّ ما كانت لضعفه وضعف ذريته، فكيف يكون (٩) حالُ هذا إذا كان له بستان عظيم فيه من جميع الفواكه والثمر؟ وسلطانُ ثمره أجلُّ الفواكه [وأجملها] (١٠) وأنفعها، وهو ثمر

стр. 624

النخيل والأعناب، فمغلّه يقومُ بكفايته وكفاية ذريته، فأصبح يومًا وقد وجده محترقًا كله كالصَّريم، فأيُّ حسرةٍ أعظمُ من حسرته؟. قال ابن عباس: هذا مثلُ الذي يُختم له بالفساد في آخر عُمُره (١). وقال مجاهد: هذا مثلُ المفرط في طاعة اللَّه حتى يموت (٢). وقال السُّدِّي: هذا مثل المُرَائي في نفقته الذي يُنْفِقُ لغير اللَّه، ينقطع عنه نفعُهَا أحوج ما يكون إليه (٣)، وسأل عمر بن الخطاب (٤) الصحابة يومًا عن هذه الآية، فقالوا: اللَّه أعلم، فغضب عمر، وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال: قل يا ابن أخي، ولا تحقِّر نفسك، قال: ضُرب مثلًا لعمل (٥)، قال: لأي عمل؟ قال: لرجل غني يعمل بالحسنات (٦) ثم بعث اللَّه له شيطانًا فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كُلَّها" (٧)، قال الحسن: هذا مثلٌ قلَّ واللَّه مَنْ يعقله من الناس، شيخ [كبير] (٨) ضَعُف جِسْمُه، وكثُر صِبْيانه، أفقرَ ما كان إلى جنته، وإن أحَدَكم واللَّه أفْقَرُ ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا (٩). فصل [آفة الإنفاق الرياء، والمن، والأذى، يبطل الأعمال] فإنْ عَرَضَ لهذه الأعمال من الصَّدقات ما يُبْطلها من المَنِّ والأذى والرياء؛ فالرياء يمنع انعقادها سببًا للثواب، والمنُّ والأذى يُبطل الثواب [الذي كانت سببًا

стр. 625

له] (١)، فمثلُ صاحبها وبطلان عمله كمثل صَفْوَان -وهو الحجر الأمْلَسُ- عليه تراب فأصابه وابلٌ -وهو المطر الشديد- فتركه صَلْدًا لا شيء عليه، وتأمَّلْ أجزاء هذا المثل [البليغ] (٢)، وانطباقها على أجزاء الممثَّل به، تعرفْ عظمةَ القرآن وجلالَتَه، فإنَّ الحجرَ في مقابلة قَلْب هذا المرائي والمانِّ والمؤذي؛ فقلبه في قَسْوَته عن الإيمان والإخلاص [والإحسان] (٣) بمنزلة الحجر، والعملُ الذي عمله لغير اللَّه بمنزلة التراب الذي على ذلك الحجر؛ فقسوة ما تحته وصلابته تمنعه من الثبات والنَّبَات عند نزول الوابل؛ فليس له مادةٌ متَصلة بالرّي (٤) تقبل [الماء] (٣) وتُنبت الكلأ، وكذلك قلب المرائي ليس له ثباتٌ عند وابل الأمر والنهي والقضاء والقدر، فإذا نزل عليه وابلُ الوَحْي انكشف عنه ذلك الترابُ اليسيرُ الذي كان عليه، فبرز ما تحته حجرًا صَلْدًا لَا نبات فيه؛ وهذا مثلٌ ضربه اللَّه [سبحانه] (٣) لعمل المُرَائي ونفقته، لا يقدر يومَ القيامة على ثواب شيء منه أحْوَجَ ما كان إليه، وباللَّه التوفيق (٥) [ولا حول ولا قوة إلا به] (٣). فصل [من ينفق ماله في غير طاعة اللَّه ورضوانه] ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ [وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]﴾ (٦) [آل عمران: ١١٦، ١١٧]، هذا مثلٌ ضَرَبه اللَّه [تعالى] (٣) لمن أنفق ماله في غير طاعته ومرضاته، فشبَّه سبحانه ما يُنفقه هؤلاء من أموالهم في المكارم والمفاخر وكَسْب الثناء وحُسْن الذكر لا يبتغون به وَجْه اللَّه، وما ينفقونه لِيَصُدُّوا به عن سبيل اللَّه واتِّباع رسله، بالزرع الذي زرَعه صاحبُه يرجو نفعه وخيره

стр. 626

فأصابته ريحٌ شديدةُ البردِ جدًّا، يحرق بردُها ما يمر (١) عليه من الزرع والثمار، فأهلكت ذلك الزرعَ وأيْبسته. واخْتُلف في الصِّر؛ فقيل: البرد الشديد، وقيل: النار، قاله ابن عباس (٢). قال ابن الأنباري: وإنَّما وُصفت النار بأنها (٣) صِرٌّ لِتَصْرِيتها عند الالتهاب. وقيل: الصر: الصوتُ الذي يصحبُ الريحَ من شدة هُبُوبها، فالأقوالُ الثلاثة متلازمة؛ فهو بَرْد شديد مُحْرِق بيبسه (٤) للحَرْث كما تحرقه النار، وفيه صوت شديد. وفي قوله: ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ تنبيهٌ على أن سبب إصابتها لحرثهم هو ظُلْمهُم؛ فهو الذي سَلَّط عليهم الريحَ المذكورةَ حتى أهلكتْ زرعهم وأيبسته، فظلمهم هو الريح التي أهلكتْ أعمالهم ونفقاتهم وأتلفتها، [واللَّه المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به] (٥). فصل [مثل المُوحِّد والمشرك] ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾ [الزمر: ٢٩]، هذا مثل ضربه اللَّه [سبحانه] (٦) للمشرك والموحِّدِ؛ فالمشركُ بمنزلة عبد يملكه (٧) جماعةٌ متنازعون مختلفون متشاحنون، والرجل الشَّكِسُ (٨): الضَّيقُ الخُلُق، فالمشرك [لمَّا كان يعبد آلهة شَتَّى شُبِّه بعبد يملكه جماعة متنافسون] (٩) في خدمته، لا يمكنه أن يبلغ رضاهم أجمعين، والموحِّدُ لمَّا كان يعبد اللَّه وحده فمثله كمثل عبدٍ لرجلٍ

стр. 627

واحدٍ (١)، قد سَلَّم (٢) له، وعلم مَقَاصده، وعرفَ الطَّريقَ إلى رضاه، فهو في راحة من تشاحُنِ الخُلَطاء فيه، بل هو سالم لمالكه من غير تنازع فيه، مع رأفة مالكه به، ورحمته له، وشفقته عليه، وإحسانه إليه، وتولِّيه (٣) لمصالحه، فَهَل يستويان هَذَان العَبْدان؟ وهذا من أبلغ الأمثال: فإنَّ الخالصَ لمالكٍ واحدٍ يستحق (٤) من مَعُونته وإحسانه والتفاته (٥) إليه وقيامه بمصالحه ما لا يستحق صاحبُ الشركاء [المتشاكسين] (٦) الحمد للَّه، بل أكثرهم لا يعلمون (٧). فصل [مَثَلَ للكفار ومَثَلان للمؤمنين] ومنها قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ [كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)] (٨) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ [إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ] (٩)﴾ [التحريم: ١٠ - ١٢]، فاشتملت هذه الآيات على ثلاثة أمثال: مَثَل للكفار، ومَثلين للمؤمنين. [مثل الكافر] فتضمَّن مَثلُ الكُفَّار: أنَّ الكافر يُعاقَبُ على كفره وعداوته للَّه ورسوله وأوليائه، ولا ينفعه مع كفره ما كان بينه وبين المؤمنين من لُحْمَةِ نسب أو وُصْلَة (١٠) صِهْر أو سَبَب من أسباب الاتصال؛ فإن الأسباب كلها تنقطع يوم

стр. 628

القيامة إلا ما كان منها متصلًا باللَّه وحده على أيدي (١) رسله، فلو نفعت وُصْلَةُ القرابة والمصاهرة (٢) أو النكاح مع عدم الإيمان لنفعت الوُصْلَةُ التي كانت بين نوح ولوط وامرأتيهما، [فلما لم] (٣) يُغْنِيَا عنهما من اللَّه شيئًا، قيل (٤) لهما: ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (٥) قطعت الآيةُ حينئذٍ طمع من ارتكب (٦) معصية اللَّه وخالف أمره، ورجا أن ينفعه صلاح غيره من قريب أو أجنبي، ولو كان بينهما في الدنيا أشد الاتصال، فلا اتصال فَوْقَ اتصال البنوَّة والأبوة والزوجية، فلم يُغْن نوح عن ابنه، ولا إبراهيم عن أبيه، ولا نوح ولا لوط عن امرأتيهما من اللَّه شيئًا، قال اللَّه تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]، وقال [تعالى] (٧): ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩]، وقال [تعالى] (٧): ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا [إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ] (٧)﴾ [لقمان: ٣٣]، وهذا كله تكذيب لأطماع المشركين الباطلة أنَّ مَنْ تعلَّقوا به من دون اللَّه من قَرَابةٍ أو صِهْرٍ أو نكاح أو صُحْبة ينفعهم (٨) يوم القيامة، أو يُجيرُهم من عذاب اللَّه، أو [هو يشفع] (٩) لهم عند اللَّه، وهذا أصْل ضَلالِ بني آدم وشِرْكِهِم، وهو الشرك الذي لا يغفره اللَّه، وهو الذي بعث اللَّه جميع رسله وأنزل جميع كتبه بإبطاله ومحاربة أهله ومعاداتهم. فصل [مَثَلا المؤمنين] وأما المثلان اللذان للمؤمنين: فأحدهما: امرأة فرعون، ووَجْهُ المثلِ أن اتصال المؤمن بالكافر لا يَضُره شيئًا إذا فارقه في كُفره وعملِه، فمعصية العاصي (١٠) لا تضر [المؤمن] (٧) المطيع

стр. 629

شيئًا في الآخرة، وإنْ تَضَرَّرَ بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحلُّ بأهل الأرض إذا أضاعوا أمرَ اللَّه فتأتي عامة؛ فلم يَضُرَّ امرأة فرعون اتصالُها به وهو من أكفر الكافرين، ولم ينفع امرأةَ نوح ولوطٍ اتصالُهما بهما وهما رسولا رب العالمين. المثل الثاني للمؤمنين: مريمُ التي لا زَوْجَ لها، لا مؤمن ولا كافر، فذكر ثلاثة أصناف [من] (١) النساء: المرأة الكافرة التي لها وُصْلة بالرجل الصالح، والمرأة الصالحة التي لها وُصْلة بالرجل الكافر، والمرأة العزبة (٢) التي لا وُصْلَة بينها وبين أحد. فالأولى: لا تنفعها وصلتها وسببها، والثانية: لا تضرها (٣) وصلتها وسببها، والثالثة: لا يضرها عدم الوصلة [شيئًا] (٤). [في هذه الأمثال أسرار بديعة] ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياقَ السورة؛ فإنها سِيقَتْ في ذكر أزواج النبي ﷺ ، والتحذير من تظاهرهنَّ عليه (٥)، وأنهن إن لم يُطِعْنَ اللَّه ورسوله ويُرِدْنَ الدارَ الآخرة لم ينفعهن اتصالهن برسول اللَّه ﷺ ، كما لم ينفع امرأة نوح ولوط اتصالهما بهما، ولهذا إنما ضرب اللَّه في هذه السورة مثل اتصال النكاح دون القرابة. قال يحيى بن سَلَّام: ضرب اللَّه المثلَ الأولَ يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما المثل الثاني يحرِّضْهما على التمسك بالطاعة (٦). وفي ضَرْب المثل للمؤمنين [بمريم] (٧) أيضًا اعتبارٌ آخَرُ، وهو أنها لم يضرها عند اللَّه شيئًا قَذْفُ أعداء اللَّه اليهود لها، ونسبتُهم إياها وابنها إلى ما بَرَّأهما اللَّه عنه، مع كونها الصِّدِّيقَةَ الكبرى المصطفاة على نساء العالمين؛ فلا يضرُّ الرجلَ الصالحَ قَدْحُ (٨) الفجار والفساق فيه، وفي هذا تَسْلِية لعائشة أُمِّ المؤمنين (٩) إن

стр. 630

كانت السورة نزلت بعد قصة الإفك (١)، أو توطين نفسها على ما قال فيها الكاذبون إنْ كانت قبلها (٢)، [كما في] (٣) ذكر التمثيل بامرأة نوح ولوط تحذيرٌ لها ولحفصة مما اعتمدتاه في حق النبي ﷺ ؛ فتضمنت هذه الأمثالُ التحذيرَ لهن والتخويف، والتحريض لهن على الطاعة والتوحيد، والتسليةَ وتوطينَ النفس لمن أوذِيَ منهن وكُذِب عليه. وأسرار التنزيل فوق هذا وأجل منه، ولا سيما أسرار الأمثال التي لا يعقلها إلا العالمون. قالوا: فهذا بعضُ ما اشتملَ عليه القرآنُ من التمثيل والقياس والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني، وارتباطها بأحكامها تأثيرًا واستدلالًا. [السر في ضرب الأمثال] قالوا: قد (٤) ضرب اللَّه [سبحانه] الأمثالَ وصَرَّفها قدرًا وشرعًا ويقظةً ومنامًا، ودَلَّ عباده على الاعتبار بذلك، وعُبُورهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير. [أصل عبارة الرؤيا] بل هذا أصل (٥) عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ونوعٌ من أنواع الوحي؛ فإنها مبنيةٌ على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس، ألا تر أنَّ الثيابَ في التأويل كالقُمُصِ (٦) تدلُّ على الدِّين، فما كان فيها من طول أو قصر أو نظافة أو دَنَس فهو في الدين، كما أوَّل النَّبيُّ ﷺ القُمص (٧) بالدِّين والعلم (٨)،

стр. 631

والقَدْرُ المشترك بينهما أن كُلًّا منهما يستر صاحبه ويُجَمِّلُه بين الناس، فالقميصُ يستر بدنه، والعلم والدين يستر روحه وقلبه، ويجمِّله بين الناس. [الرؤيا الحُلْمية وتأويلها] ومن هذا تأويل اللَّبَن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجِبَةِ للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خُلِّي وفطرتَهُ لم يعدل عن اللبن؛ فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة الإسلام التي فَطَر اللَّه عليها الناسَ. ومن هذا تأويلُ البقر [باهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض كما أن البقر] (١) كذلك مع عدم شَرِّها وكثرة خيرها وحاجة الأرض وأهلها إليها؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ بقرًا تُنْحَر كان ذلك نحرًا في أصحابه (٢). ومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل؛ لأن العامل زارعٌ للخير والشر، ولا بد أن يخرج له ما بَذَرَه كما يخرج للباذر زرع ما بذره؛ فالدنيا مزرعة، والأعمالُ البذار (٣)، ويومُ القيامة يوم طلوع الزرع [للباذر] (١) وحصاده. ومن ذلك تأويلُ الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامع بينهما أن المنافقَ لا رُوحَ فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك؛ ولهذا شَبّه [اللَّه تعالى] (٤) المنافقين بالخشُبِ المسَنَّدة؛ لأنهم أجسامٌ خالية عن الإيمان والخير، وفي كونها مُسَنَّدة نكتةٌ أخرى، وهي أن الخشب إذا انتُفع به جُعل في سَقْف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، وما دام متروكًا فارغًا غير مُنْتَفع به جُعل مُسنَدًا بعضه إلى بعض، فشبَّه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع [فيها بها] (٥). ومن ذلك تأويل النار بالفتنة لإفساد كلٍّ منهما ما يمُرُّ عليه ويتصل به، فهذه تحرقُ الأثاثَ والمتاعَ والأبدانَ، وهذه تحرق القلوبَ والأديانَ [والإيمانَ] (٦).

стр. 632

ومن ذلك تأويل النجوم بالعلماء والأشراف؛ لحصول هداية أهل الأرض بكل منهما، ولارتفاع الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم. ومن ذلك تأويلُ الغيثِ (١) بالرحمة والعلم والقرآن والحكمة وصلاح حال الناس. ومن ذلك خروج الدم في التأويل يدل على خروج المال، والقَدْرُ المشترك أنَّ قِوامَ البدن بكل واحدٍ منهما. ومن ذلك الحدَثُ في التأويل يدل على الحدث في الدين؛ فالحدث الأصغر ذَنْبٌ صغير، والأكبر ذنب كبير. ومن ذلك أن اليهودية والنصرانية [في التأويل] (٢) بِدْعَة في الدين؛ فاليهودية تدل على فساد القَصْد واتباعِ غير الحق، والنصرانية تدل على فساد العلم والجهل والضلال. ومن ذلك الحديدُ في التأويل وأنواع السلاح يدل على القوة والنصرة بحسب جوهر ذلك السلاح ومرتبته. ومن ذلك الرائحة الطيبة تدلُّ على الثَّناء الحسن وطيب القول والعمل، والرائحة الخبيثة بالعكس، والميزان يدل على العدل، والجراد يدل على الجنود والعساكر والغَوْغاء (٣) الذي يَموجُ بعضُهم في بعض، والنَّحلُ يدل على مَنْ يأكل طيبًا ويعمل صالحًا، والديك رجلٌ عالي الهمة بعيدُ الصيت، والحية عدو أو صاحب بدعة يهلك بسمِّه، والحشرات أوْغَاد (٤) الناس، والخُلْد (٥) رجل أعمى يتكفَّفُ الناسِ بالسؤال، والذِّئْبُ رجل غَشوم (٦) ظلوم غادر فاجر، والثعلب رجل

стр. 633

غادر محتال مَكَّار مراوغ عن الحق، والكلب عدو ضعيف كثير الصخب والشر في كلامه وسبابه، أو رجلٌ مبتدع متبع هَوَاه مُؤثر له على دينه، والسِّنَّوْرُ العبد والخادم الذي يطوف على أهل الدار، والفأرة امرأة سوء فاسقة فاجرة، والأسد رجل قاهر مسلط، والكبش الرجل المنيعُ المتبُوع. [من كليات التعبير] ومن كليات التعبير أن كل ما كان وعاءً للماء فهو دال على الأثاث، وكل ما كان وعاءً للمال كالصندوق والكيس والجراب فهو دال على القلب، وكل مدخولٍ بعضُه في بعض وممتزج ومختلط فدالٌّ على الاشتراك والتعاونِ أو النكاح، وكلُّ سُقوطٍ وخُرور من علوٍ إلى سفل فمذموم، وكل صعود وارتفاع فمحمود إذا لم يجاوز العادَة [وكان ممن] (١) يليق به، وكل ما أحرقته النار فجائحة وليس يُرجى صلاحُهُ ولا حياتُه، وكذلك ما انكسر من الأوعية التي لا ينشعب (٢) مثلها؛ وكل ما خُطِفَ وسُرِق من حيث لا يُرى خَاطفُه ولا سارقه فإنه ضائع لا يُرجى، وما عُرف خاطفه أو سارقه أو مكانه أو لم يغب عن عين صاحبه فإنه يُرْجَى عَوْدُهُ، وكل زيادة محمودة في الجسم والقامة واللسان والذكر واللحية واليد والرجل فزيادة خير، وكل زيادة متجاوزة للحد في ذلك فمذمومة وشر وفضيحة، وكل ما رؤي (٣) من اللباس في غير موضعه المختص به فمكروهٌ، كالعمامة في الرِّجل، والخف في الرأس، والعقد في الساق، وكل مَنْ اسْتَقضى أو اسْتَخَلَف أو أَمَّر أو استوزر أو خَطَب ممن لا يليق به ذلك ناله بلاءٌ من الدنيا وشرُّ وفضيحة وشهوة قبيحة (٤)، وكل ما كان مكروهًا من (٥) الملابس فخَلِقُهُ أَهْوَنُ على لابسه من جَديده، والجَوْز مالٌ مكنوز، فإن تفقَّع (٦) كان قبيحًا وشرًا، ومَنْ صار له ريش أو جناح صار له مال، فإنْ طار سافر، وخروجُ المريض من داره ساكتًا يدلُّ على موته، ومتكلِّمًا يدل على حياته، والخروجُ من الأبواب الضيقة يدل على النجاة

стр. 634

والسلامة من شرٍّ [وضيق] (١) هو فيه وعلى تَوْبة، ولا سيما إنْ كان الخروجُ إلى فضاء وسَعَة فهو خيرٌ محض، والسفرُ والنقلةُ من مكان إلى مكان انتقالٌ من حال إلى حال بحسب حال المكانين، ومن عاد في المنام إلى حال كان فيها في اليقظة عاد إليه ما فارقه من خير أو شر، وموت الرجل ربما دلَّ على توبته ورجوعه إلى اللَّه، لأنَّ الموت رجوع إلى اللَّه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] , والمرهون مأسور بدَيْن، أو بحقٍّ عليه للَّه أو لعبيده (٢)، ووَدَاعُ المريض أهله أو توديعهم له دالٌّ على موته. [أمثال القرآن أصول وقواعد لعلم التعبير] وبالجملة فما تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم التعبير لمن أحسن الاستدلالَ بها، وكذلك مَنْ فهم القرآن فإنه تُعبَّر به الرؤيا أحسنَ تعبير، وأصول التعبير الصحيحة إنما أُخذت من مشكاة القرآن (٣)، فالسفينة تعبر بالنجاة، لقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وتعبر بالتجارة، والخشب بالمنافقين، والحجارة بقساوة القلب (٤)، والبَيْض بالنساء، واللباس أيضًا بهنّ، وشرب الماء بالفتنة، وأكل لحم الرجل بغيبته، والمفاتيح بالكسب، والخزائن والأموال، والفتح يُعبَّر مرة بالدعاء ومرة بالنصر، وكالمَلِك (٥) يُرى في محلَّةٍ لا عادةَ له بدخولها يعبر بإذلال أهلها وفسادها، والحبل يُعبَّر بالعهد والحق والعضد (٦)، والنعاس قد يعبر بالأمن، والبقل والبصل والثوم والعدس يُعبَّر لمن أخذه بأنه قد استبدل شيئًا أدنى بما هو خير منه من مال أو رزق أو علم أو زوجة أو دار، والمرض يعبر بالنفاق والشك وشهوة الرياء (٧)، والطفل الرضيع يعبر بالعدو, لقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:

стр. 635

٨]، والنعاج بالنساء (١)، والرماد بالعمل الباطل؛ لقوله [تعالى] (٢): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، والنور يُعبَّر بالهدى، والظلمة بالضلال، ومن ههنا قال عمر بن الخطاب (٣) لحابس بن سعد الطائي وقد ولاه القضاء، فقال له: يا أمير المؤمنين! أني رأيت الشمس والقمر يقتتلان، والنجوم بينهما نصفين، فقال عمر: مع أيهما كنتَ؟ قال: مع القمر على الشمس، قال: كنتَ مع الآية الممْحُوَّة، اذهب فلست تعمل لي عملًا، ولا تُقْتَل إلا في لَبْس من الأمر، فقتل يوم صفين (٤). وقيل لعابر: رأيت الشمس والقمر دخلا في جوفي، فقال: تموت، واحتج بقوله [تعالى] (٥): ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) [يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ]﴾ (٦) [القيامة: ٧ - ١٠] وقال رجل لابن سيرين: رأيت معي أربعة أرغفة حين طلعت الشمس (٧)، فقال: تموت إلى أربعة أيام، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
следующие страницы →