← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقوله لأبي الشعثاء: لا تُفتِيَنَّ إلا بكتاب ناطق، أو سنة ماضية (١). وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشَّيْباني قال: سمعت عبد اللَّه بن أبي أوفى يقول: نهى رسول اللَّه ﷺ عن نبيذ الجَرِّ (٢) الأخضر، قلت: فالأبيض؟ قال: لا أدري (٣). ولم يقل: [و] (٤) أي فرق بين الأخضر والأبيض، كما يبادرُ إليه القياسيون (٥). وقال الزهري: كان محمد بن جُبير بن مُطْعِم يحدث أنه كان عند معاوية في وفد من قريش، فقام فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله (٦)، ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالًا منكم يتحدثون أحاديث ليست في كتاب اللَّه، ولا تُؤثر عن رسول اللَّه ﷺ فأولئك جهالكم (٧). ومعلومٌ أن القياس خارج عن كليهما.

стр. 772

وتقدم قول معاذ: تكون فتنٌ يكثر فيها المال، ويُفتح [فيها] القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والكبير والصغير (١) والمؤمن والمنافق، ويقرأه الرجل فلا يُتَّبع، فيقول: واللَّه لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب اللَّه ولا من سنة رسول اللَّه فإياكم وإياه فإنها بدعةٌ وضلالة (٢). وقال عبد العزيز بن المطلب، عن ابن مسعود: إنَّكم إنْ عملتم في دينكم بالقياس أحللتم كثيرًا مما حُرِّم عليكم، وحرَّمتم كثيرًا مما أُحلَّ لكم (٣). وقال الأوزاعي، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن ابن عباس: منْ أحدث رَأيًا ليس في كتاب اللَّه ولم تمض به سنة رسول اللَّه ﷺ لم يَدْرِ على ما هو منه إذا لقي اللَّه [ ] (٤). وقال أبو خيثمة: حَدّثنا جرير، [عن ليث بن أبي سليم] عن مجاهد أن عمر نَهى عن المُكايلة، يعني المقايسة (٥).

стр. 773

وقال (١) الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا حفص بن غياث، عن أبيه عن مجاهد قال: [قال عمر] (٢): إياك والمكايلة، يعني: المقايسة (٣). وقال (١) الأثرم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا حفص بن غِياث، عن الأعمش، عن حَبيب، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال: قال عبد اللَّه: يا أيها الناس إنكم سَتُحْدثون (٤) ويُحْدَث لكم، فإذا رأيتم مُحْدَثًا فعليكم بالأمر الأول (٥) [وباللَّه التوفيق] (٦). فصل [التابعون يصرحون بذمِّ القياس] وكذلك أئمة التابعين وتابعوهم (٧) يصرِّحون بذم القياس، وإبطاله، والنهي عنه.

стр. 774

قال الطحاوي: ثنا ابن عُلَيَّة: حدثني عَمرو بن أبي عِمْران (١): ثنا يحيى بن سُليم (٢) الطائفي: حدثني داود بن أبي هند قال: سمعتُ محمد ابن سيرين يقول: القياسُ شُؤم، وأول من قاس إبليس [فهلك] (٣)، وإنما عُبدتِ الشمسُ والقمر بالمقاييس (٤). وقال ابن وهب: أخبرني مسلمة (٥) بن علي أن شُريحًا الكندي -هو القاضي- قال: إن السنة سبقت قياسكم (٦). وقال ابنُ أبي حاتم: ثنا محمد بن إسماعيل الأَحْمسي: ثنا وهب بن إسماعيل، عن داود الأوْدي (٧) قال: قال لي الشعبي: احفظ عني ثلاثًا (٨) لها شأن (٩): "ذا سُئِلت عن مسألة فأجَبْتَ فيها فلا تتبع مسألتك: أرأيت؛ فإن اللَّه قال

стр. 775

في كتابه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] حتى فرغ من الآية الأولى؛ والثانية (١) إذا سئلت عن مسألة فلا تقسْ شيئًا بشيء، فربما حرمت حلالًا أو حَلَّلت حرامًا، وإذا سئلت عمَّا لا تعلم فقل: لا أعلم، وأنا شريكك (٢). وقال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي أنه سمعه يقول: "إياكم والمقايسة؛ فوالذي نفسي بيده إنْ أخذتم بالمقايسة لتُحِلُّنَّ الحرام ولتُحَرِّمُنَّ الحلال، ولكن ما بلغكم عن أصحاب رسول اللَّه ﷺ فاحفظوه (٣). وقال الطحاوي: ثنا يوسف بن يزيد القَرَاطيسي: ثنا سعيد بن منصور: ثنا جَرير بن عبد الحميد، عن المغيرة بن مِقْسَم، عن الشعبي قال: السنة لم توضع بالقياس (٤). وقال الخُشَني: ثنا محمد بن بشار: ثنا يحيى بن سعيد القطان: ثنا صالح بن مسلم قال: قال لي عامر الشعبي يومًا، وهو آخذ بيدي: إنما هلكتم حين تركتم الآثار وأخذتم بالمقاييس (٥).

стр. 776

وقال عَبَّاس بن الفَرَج [الرياشي] (١) عن الأصمعي أنه قيل له: إن الخليل بن أحمد يُبطل القياس، فقال: أخذ هذا عن إياس بن معاوية (٢). وقال علي بن عبد العزيز [البغوي] (٣): ثنا أبو الوليد القرشي: أخبرنا محمد بن عبد اللَّه بن بَكَّار القرشي، ثنا سليمان بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى الربعي، عن ابن شبرمة أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال لأبي حنيفة: اتق اللَّه ولا تقس، فإنَّا نقف (٤) غدًا نحن ومن خَالَفنا بين يدي اللَّه، فنقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، قال اللَّه. وتقول أنت وأصحابك: رأينا، وقسنا. فيفعل اللَّه بنا وبكم ما يشاء (٥). وبهذا الإسناد إلى ابن شبرمة قال: دخلتُ أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد ابن الحنفية، فسلَّمتُ عليه وكنت له صديقًا، ثم أقبلتُ على جعفر، وقلت [له] (٣): أمْتَعَ اللَّه بك، هذا رجلٌ من أهل العراق، وله فِقْهٌ وعَقْل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه، ثم أقبل عليَّ فقال: أهو النعمان؟ فقال له أبو حنيفة: نعم، أصلحك اللَّه، فقال له جعفر: اتق اللَّه ولا تقس الدين برأيك، فإنَّ أول من قاس إبليس؛ إذ أمره اللَّه بالسجود لآدم، فقال: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، ثم قال لأبي حنيفة: أَخْبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، فقال: لا أدري، قال جعفر: هي لا إله إلا اللَّه، فلو قال: "لا إله" ثم أمسك كان مشركًا؛ فهذه كلمة أولها شرك وآخرها إيمان، ثم قال له: ويحك! أيهما أعظمُ عند اللَّه: قتلُ النفس التي حَرَّم اللَّه، أو الزنا؟ قال: بل قتلُ

стр. 777

النفس، فقال له جعفر: إن اللَّه [قد] (١) قبل في قتل النفس شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيها (٢) أعظم عند اللَّه: الصوم، أو الصلاة؟ قال: بل الصلاة، قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصيام (٣) ولا تقضي الصلاة؟ اتق اللَّه يا عبد اللَّه، ولا تقس، فإنا نقفُ غدًا نحن وأنت بين يدي اللَّه (٤) فنقول: قال اللَّه [ ] (٥)، وقال رسول اللَّه (٦) وتقول أنت وأصحابك: قِسْنَا، ورأينا، فيفعل اللَّه بنا وبكم ما يشاء (٧). وقال ابن وهبٍ: سمعت مالك بن أنس يقول: الزَم ما قاله رسول اللَّه [ ﷺ ] (١) في حجة الوداع: "أمران تركتُهُما فيكم لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب اللَّه، وسنة نبيه [ ﷺ ] " (٨). [قال ابن وهب] (١): وقال مالك: "كان رسول اللَّه ﷺ إمام المسلمين، وسيد العالمين، [يُسئل عن الشيء فلا يُجيب حتى يأتيه الوحي من السماء" (٩). فإذا كان رسول رب العالمين] (١) لا يجيب إلا بالوحي، وإلا لم يُجبْ، فمن الجرأة العظيمة إجابة من أجاب برأيه أو قياس، أو تقليد من يُحْسَن به الظن (١٠)، أو عرف، أو عادة، أو سياسة، أو ذوق، أو كشف، أو منام، أو استحسان، أو خرصٍ، واللَّه المستعان وعليه التكلان.

стр. 778

وقال أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو: ثنا يزيد بن عبد ربه قال: سمعت وكيع بن الجَرَّاح يقول ليحيى بن صالح الْوُحَاظِيِّ: يا أبا زكريا، احذر الرأي فإنِّي سمعتُ أبا حنيفة يقول: البولُ في المسجد أحسن من بعض قياسهم (١). وقال عبد الرزاق: قال لي حماد بن أبي حنيفة: [قال أبي: مَنْ لم يدع القياس في مجلس القضاء لم يفقه (٢). فهذا أبو حنيفة] (٣) يقول: إنه لا يفقه من لم يترك القياس (٤) في موضع الحاجة إليه، وهو مجلس القضاء، قالوا: فتبًا لكل شيء لا يفقه المرءُ إلا بتركه (٥). وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن شبرمة: ما عُبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس (٦). وقال داود بن الزِّبْرِقان، عن مُجالد بن سعيد قال: ثنا الشعبي يومًا، [قال]: يوشك أن يصيرَ الجهلُ علمًا والعلمُ جهلًا، قالوا: وكيف يكون هذا يا أبا عمرو؟ قال: كنا نتَّبع الآثار وما جاء عن الصحابة ﵃، فأخذ الناس في غير ذلك وهو القياس (٧). وقال وكيع: حدثنا عيسى الخَيَّاط، عن الشعبي قال: لأنْ أتعنَّى بِعَنيَّةٍ أحبُّ إليَّ من أنْ أقولَ في مسألة برأي (٨).

стр. 779

قلت: روأه أبو محمد بن قُتيبة (١) بالعين المهملة، وعَنية برزن غَنية، ثم فسره (بأن) العنية أخلاط تُنْقَع في أبوال الإبل، [وتترك] حينًا حتى تُظلى بها الإبلُ عن الجرب (٢). وقال الأثرم: حدثنا قبيصة: حدثنا سفيان عن جابر، عن الشعبي، عن مسروق قال: لا أقيس شيئًا بشيء، [قيل]: لم؟ قال: أخشى أن تزلَّ رجلي (٣). وسئل عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل له: فقس لنا برأيك، فقال: أخاف أن تزلَّ قدمي (٤). وكان يقول: إيَّاكم والقياس والرأي؛ فإنَّ الرأي قد يزلّ (٥).

стр. 780

وكان الشَّعبي يقول: لا تجالس أصحاب القياس فتحل حرامًا أو تحرم حلالًا (١). وقال الخَلَّال: ثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل ينكر على أصحاب القياس، ويتكلم فيه بكلام شديد (٢). وقال الأثرم: ثنا محمد بن كُناسة: ثنا صالح بن مسلم، عن الشعبي قال: لقد بَغَّض إليَّ هؤلاء القوم هذا المسجدَ، حتى لهو أَبغضُ إليَّ من كناسة داري، قلتُ: من هم يا أبا عمرو؟ قال: هؤلاء الآرائيون: أرأيت [أرأيت] (٣). وقال حماد بن زيد، عن مطر الوَرَّاق قال: ترك أصحاب الرأي الآثارَ واللَّه! (٤).

стр. 781

وقال محمد بن خاقان: شيَّعنا (١) ابن المبارك في آخر خَرْجَة خَرَج، فقلنا له: أوْصنا، فقال: لا تتخذوا الرأي إمامًا (٢). فصل [القياس يعارض بعضه بعضًا] [قالوا] (٣): ولو كان القياسُ حجةً لَمَا تعارضت الأقيسةُ، وناقض بعضُها بعضًا، فترى كلَّ واحدٍ من المتنازعين من أرباب القياس يزعم أنَّ قوله هو القياس، فيُبدي مُنازعُه قياسًا آخر ويزعم أنه هو القياس، وحججُ اللَّه وبيِّناته لا تتعارض، ولا تتهافت. قالوا: فلو جاز القولُ بالقياس في الدين لأفضى إلى وقوع الاختلاف الذي حَذر اللَّه منه (٤) ورسوله [ ﷺ ] (٥)، بل عامة الاختلاف بين الأمة إنما نشأ من جهة القياس، فإنه إذا ظهر لكل واحد من المجتهدين قياسٌ مقتضاه [نقيضُ] (٣) حكم الآخر اختلفا (٦)، ولا بد، وهذا يدل على أنه من عند غير اللَّه من ثلاثة أوجه: أحدها: صريح قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الثاني: [أن] (٣) الاختلاف سببه (٧) اشتباه الحق وخفاؤه، وهذا لعدم العلم الذي يُميز [به] (٨) بين الحق والباطل.

стр. 782

الثالث: أن اللَّه سبحانه ذمَّ الاختلافَ في كتابه، ونهى عن التفرق والتنازع، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى] (١) أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، والزبر: الكُتُب، أي كل فرقة صنفوا كتبًا أخذوا بها وعملوا بها [ودعوا إليها] (٢) دون كتب الآخرين؛ كما هو الواقع سواء، وقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، قال ابن عباس: تبيضُّ وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسودُّ وجوه أهل الفرقة والاختلاف (٣). وقال النبي ﷺ : "لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم" (٤)، وقال: "اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا" (٥)، وكان التنازع والاختلاف أشد شيء

стр. 783

على رسول اللَّه ﷺ ، وكان إذا رأى من الصحابة اختلافًا يسيرًا في فهم النصوص يظهر في وجهه حتى كأنّما (١) فقئ فيه حب الرُّمان ويقول: "أبهذا أمِرتُم؟ " (٢)، ولم يكن أحدٌ بعده (٣) أشد عليه الاختلاف من عمر [﵁] (٤)، وأما الصديق فصان اللَّه خلافته عن الاختلاف المستقر في حكم واحد من أحكام الدين، وأما خلافة عمر فتنازع (٥) الصحابة تنازعًا يسيرًا في قليل من المسائل جدًا، وأقر بعضهم بعضًا على اجتهاده من غير ذم ولا طعن، فلما كانت خلافة عثمان، اختلفوا في مسائل يسيرة [صَحِبَ] (٦) الاختلاف فيها بعضُ الكلام (٧) واللوم، كما لام عليٌّ عثمان في أمر المتعة وغيرها (٨)، ولامه عمار بن ياسر وعائشة في بعض مسائل قسمة الأموال والولايات (٩)، فلما أفضت الخلافة إلى علي ﵁ (١٠) صار الاختلافُ بالسيف. [الاختلاف مهلكة] والمقصود أنَّ الاختلاف منافٍ لما بعث اللَّه به رسوله [ ﷺ ] (١١)؛ قال عمر [﵁] (٤): "لا تختلفوا؛ فإنكم إن اختلفتم كان مَنْ بعدكم أشدَّ اختلافًا" (١٢)؛ ولما

стр. 784

سمع أُبيَّ بن كعب وابنَ مسعود يختلفان في صلاة الرجل في الثوب الواحد أو الثوبين، صعد المنبر وقال: رجلان من أصحاب النبي ﷺ اختلفا، فعن أيِّ فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أسمع اثنين اختلفا بعد مقامي هذا إلا صنعت وصنعت (١)؛ وقال علي [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (٢) في خلافته لقُضَاته: اقْضُوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف (٣)، وأرجو أن أموت كما مات أصحابي (٤). وقد أخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ هلاك الأمم من قبلنا إنما (٥) كان باختلافهم على أنبيائهم (٦)؛ وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع: "خرج علينا رسول اللَّه ﷺ ونحن نتنازع في شيء من الدين، فغضب غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، [قال] (٧) ثم انتَهَرنا، قال: يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار، ثم قال: أبهذا أمرتم؟ أو لَيْس عن هذا نُهيتم؟ إنما هَلَك مَنْ [كان] (٧) قبلكم

стр. 785

بهذا" (١)، وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص (٢) أنهما قالا: "جلسنا مجلسًا في عهد رسول اللَّه ﷺ ؛ كأنه أشد اغتباطًا (٣)، فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر، فلما رأيناهم اعتزلناهم، ورسول اللَّه ﷺ [خَلْفَ الحجرة يسمع كلامهم، فخرج علينا رسول اللَّه] (٤) مُغْضَبًا يُعرف في وجهه الغضبُ، حتى وَقفَ عليهم، وقال (٥): يا قوم بهذا ضلَّتْ الأمُم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتابَ بعضَه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضَه ببعض، ولكن نزل القرآن يُصدِّقُ بعضُه بعضًا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به، ثم التفت فرآني [أنا] (٦) وأخي جالسين، فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم" (٧)، قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد اللَّه، والحميدي (٨)، وإسحاق بن إبراهيم (٩)، [وأبا عبيد وعامة أصحابنا] (١٠) يحتجُّون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال أحمد بن صالح: أجمع آل عبد اللَّه [على] (٦) أنها صحيفة عبد اللَّه (١١).

стр. 786

[ليس أحد القياسين أولى من الآخر] قالوا: وأيضًا فإذا اختلفت الأقيسة في نظر المجتهدين (١) فإمَّا أنْ يُقال: كل مجتهد مصيب؛ فيلزم أن يكونَ الشيء وضدُّه صوابًا، وإمَّا أنْ يقال: المصيب واحد (٢)، وهو القول الصواب، ولكن ليس أحد القياسين بأولى من الآخر، ولا سيما قياس الشَّبه فإن الفرع قد يكون فيه وصفان شبيهان للشيء وضده، فليس جعل أحدهما صوابًا دون الآخر بأولى من العكس (٣). قالوا: وأيضًا فالنبي ﷺ قال (٤): "أوتيتُ جوامع الكلم، واختُصرتْ لي الحكمة اختصارًا" (٥)، وجوامع الكلم: هي الألفاظ الكُليّة العامة المتناولة لأفرادها، فإذا انضاف ذلك إلى بيانه الذي هو أعلى رُتَب البيان (٦) لم يُعْدَل عن

стр. 787

الكلمة الجامعة التي [في غاية البيان لما دلَّت عليه إلى لفظ أطول منها وأقلّ بيانًا، مع أن الكلمة الجامعة] (١) تزيلُ الوهمَ وترفع الشَّكَ، وتبيِّن المرادَ؛ فكأن يقول: "لا تبيعوا (٢) كلَّ مكيل ولا موزون بمثله إلا سواء بسواء"!! فهذا أخصرُ وأبينُ وأدلُّ وأجمعُ من أن يذكر ستة أنواع، ويدل بها على ما لا ينحصر من الأنواع، فكمالُ علمه ﷺ وكمالُ شفقته ونصحه وكمالُ فصاحته وبيانه يأبى ذلك. قالوا: وأيضًا فحكمُ القياس إما أن يكون موافقًا للبراءة الأصلية، وإما أنْ يكون مخالفًا لها؛ فإنْ كان موافقًا لم يُفِدِ القياسُ شيئًا؛ لأنَّ مقتضاه متحقِّق بها، وإنْ كان مخالفًا لها امتنع القولُ به؛ لأنها متيقنة فلا ترفع بأمر لا تتيقن (٣) [صحته؛ إذ اليقين يمتنع] (٤) رفعه بغير يقين. قالوا: وأيضًا فإن غالب القياسات التي رأينا القياسيين يستعملونها رجمٌ بالظنون (٥)، [وليس ذلك من العلم في شيء، ولا مصلحة للأمة في اقتحامهم وَرْطَات الرجم بالظنون] (٦) حتى يخبطوا [فيها] (٦) خَبْطَ عشواء [في ظلماء] (٦)، ويحكموا بها على اللَّه ورسوله. قالوا: وأيضًا فقول (٧) القياسي: هذا حلال وهذا حرام، هو خبر عن اللَّه [سبحانه] (٨) أنه أحلَّ كذا وحرَّمه، وأنه أخبر عنه بأنه حلال أو حرام، فإن حُكمَ اللَّه خبرُه فكيف يجوز لأحد أن يشهد على اللَّه أنه أخبر بما لم يُخْبِر به هو ولا رسوله، قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. قالوا: وأيضًا فالقياسُ لا بدَّ فيه من علة مُسْتَنبطة من حكم الأصل، والحكم في الأصل احتمل (٩) أن يكون مُعَللًا، وأن يكون غير معلل، وإذا كان معللًا احتمل [أن يكون لنا طريق إلى العلم بعلته واحتمل أن لا يكون لنا طريق، وإذا

стр. 788

كان لنا طريق احتمل] (١) أن تكون العلة هي هذه المُعيَّنة، وأن تكون جزءَ علة (٢)، وأنْ تكون العلة غيرها، وإذا ظهرت العلة احتمل أن لا تكون في الفرع، وإذا كانت فيه احتمل أنْ يتخلَّف الحكمُ عنها لمعارض آخر، وما هذا شأنه كيف يكون من حُجج اللَّه وبيناته وأدلةِ الأحكام التي هدى اللَّه بها عباده؟ قالوا: وأيضًا فلو كان القياس حُجَّة لأفْضَى ذلك إلى تكافؤ الأدلة الشرعية؛ وهو محال؛ فإنه قد يتردد فرعٌ (٣) بين أصلين، أحدهما: التحريم، والآخر: الإباحة، فإذا ظهر في نظر المجتهد شبه الفرع بكل واحد منهما لزم الحكمُ بالحلِّ والحرمة في شيء واحد، وهو مُحالٌ. قالوا: وأيضًا فليس قياس الفرع على الأصل في تَعْديةِ حكمه (٤) إليه أولى من قياسه عليه في عدم ثبوته بغير النص؛ فحينئذٍ نقول (٥) حكمُ الفرعِ حكمٌ من أحكام الشرع، فلا يجوز ثبوتُه بغير النص كحكم (٦) الأصل، فما الذي جعل قياسكم أولى من هذا؟ ومعلوم أن هذا (٧) أقربُ إلى النصوص وأشد موافقةً لها من قياسكم، وهذا ظاهر. قالوا: وأيضًا فحكمُ اللَّه بإيجاب الشيء يتضمن محبته له، وإرادته لوجوده، وعلمه بأنه أوجبه، وكلامه الطَّلبي والخَبَري، وجَعْل فعله سببًا [لمحبته لعبده ورضاه عنه وإثابته عليه، وتركه سببًا] (٨) لضدِّ ذلك، ولا سبيل لنا إلى العلم بهذا إلا من خبر اللَّه عن نفسه أو خبر رسوله [عنه] (٩)، فكيف يُعلم ذلك بقياس أو رأي؟ هذا ظاهر الامتناع. [لم يكن القياس حجة في زمن الرسول] قالوا: ولو كان القياس من حجج اللَّه وأدلة أحكامه لكان حُجةً في زمن النبي ﷺ كسائر الحجج، فلما لم يكن حجة في زمنه ﷺ لم يكن حُجةً بعده. وتقرير هذه الحجة بوجهين:

стр. 789

أحدهما: أن الصحابة لم يكن أحد منهم يقيس على ما سمع من النبي ﷺ (١) ما لم يسمع (٢)، ولو كان هو معقول النصوص لكان تعدية الحكم به وشمول المعنى كتعدية الحكم باللفظ وشموله لجميع أفراده، وذلك لا يختصُّ بزمان دون زمان، فلمَّا قلتم: لا يكون القياس في زمن النص عُلم أنه ليس بحجة. الوجه الثاني: أن تعلق النصوص بالصحابة كتعلّقها بمن بعدهم، ووجوب اتباعها على الجميع واحد. قالوا: ولأنا لسنا على ثقة من [عدم] (٣) تعليق الشارع الحكمَ بالوصف الذي يُبديه القياسيون (٤)، وأنه إنما علَّق الحكم بالاسم بحيث يوجد بوجوده وينتفى بانتفائه، بل تعليقُ الحكم بالاسم تعليق (٥) بما لنا طريق إلى العلم به طردًا وعكسًا، بخلاف تعليقه بالوصف الشبهي فإنه خَرْصٌ وحَزْرٌ، وما كان هكذا لم تَرِدْ به الشريعة. قالوا: ولأن الأصلَ عدمُ العمل بالظنون، إلا فيما تيَّقنا أن الشرع أوجب علينا العملَ به؛ للأدلة الدالة على تحريم اتباع الظن (٦)، فمعنا منعٌ يقينيٌّ من اتباع الظن، فلا نتركه إلا بيقين يُوجبُ اتباعه. قالوا: ولأن تشابه الفرع والأصل يقتضي أن لا يثبت الفرع إلا بما يثبت (٧) به الأصل، فإن كان القياسُ حقًّا لزم توقُّفُ الفرع في ثبوته على النص كالأصل؛ فالقول بالقياس من أبينِ الأدلة على بطلان القياس. قالوا: ولأن الحكم لا يخلو إما أنْ يتعلَّق بالاسم وحده، أو بالوصف المشترك وحده، أو بهما، فإنْ تعلَّق بالاسم وحده أو بهما بطلَ القياس، وإن تعلق بالوصف المشترك بينهما لزم أمران محذوران: أحدهما: إلغاء الاسم الذي اعتبره الشارع؛ فإنَّ الوصف إذا كان أعم منه، وكان هو المستقل بالحكم كان الأخص؛ وهو الاسم عديم التأثير. الثاني: أنه إذا كان الاسمُ عديمَ التأثير لم يكن جَعْلُ ما دلَّ (٨) عليه أصلًا

стр. 790

لما سكت عنه أولى من العكس؛ إذ التأثيرُ للوصف وحده، بل يلزم أن لا يكون هناك فرعٌ وأصل، بل تكون الصورتان فردَين (١) من إفراد العموم المعنوي، كما يكون (٢) إفراد العام لفظًا كذلك ليس بعضها أصلًا لبعض. قالوا: ولا ريب أنَّ البيانَ بالألفاظ العامة أعلى من البيان بالقياس، فكيف يعدل الشارعُ -مع كمال حكمته- عن البيان الجليِّ إلى البيان الأخفى؟. قالوا: ونسال القياسيَّ (٣) عن محل القياس (٤): أيجب في الشيئين إذا تشابها من كل وجه، أم إذا اشتبها من بعض الوجه وإن اختلفا في بعضها؟ فإن قال بالأول تَرَك قوله وادعى محالًا، إذ ما من شيئين إلا وبينهما جامع وفارق، وإن قال بالثاني قيل له: فهلَّا حكمتَ للفرع بضد حكم الأصل من أجل الوجه الذي خالفه [فيه] (٥)؛ فإن (٦) كانت تلك جهة وفاق (٧) تدلُّ على الائتلاف فهذه جهةُ افتراق تدل على الاختلاف؛ فليس إلحاقُ صُور النزاع بموجب الوفاق أولى من إلحاقه بموجب الافتراق. قالوا: ولا ينفعه الاعتذار بأنه متى وقع الاتِّفاقُ في المعنى الذي ثبت الحكمُ من أجله عَدَّيْت الحكم، وإلا فلا. قيل له: إذا كانت (٨) في الأصل عدة أوصافِ فتعيينُك أنَّ هذا الوصفَ الذي من أجله شُرع الحكم قولٌ بلا علم، وقد عارضكَ فيه منازعوك فادعوا أنَّ الحُكم شُرع لغير ما ذكرتَ، مثاله أنَّ الشَّارعَ لمّا نَصَّ على ربا الفضل في الأعيان المذكورة في الحديث (٩) فقال قائل: إن المعنى الذي حرم التفاضل لأجله هو الكيل في المكيلات والوزن في الموزونات، قال له منازعه: لا، بل كونها (١٠) مطعومة، فقال آخر: لا، بل هو كونها مُقْتَاتَةٌ [و] (١١) مُدَّخَرة، فقال آخر: لا، بل كونها (١٢) تجري فيها الزكاة، فقال آخر: لا، بل كونها (١٠) جنسًا واحدًا، وكل

стр. 791

فريق يزعم أن الصواب ما ادعاه دون منازعه، ويقدح فيما ادعاه [الآخر، ولا] (١) يتهيأ له قدح في قول منازعه (٢)، إلا ويتهيأ (٣) لمنازعه مثله أو أكثر منه أو دونه، فلو ظن آخرون فقالوا: العلة كونها (٤) مما تُنبته الأرضُ، واحتجَّ بأنَّ اللَّه سبحانه امتن على عباده بما تنبته لهم الأرض، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال: إن من تمام النعمة فيه أن لا يُباع بعضُه ببعض متفاضلًا، لكان قولُه واحتجاجُه من جنس قول الآخرين واحتجاجهم، وما هذا سبيلُه فكيف يكون من الدين بسبيل؟ (٥). قالوا: وأيضًا فإذا كان النَّصُّ [في الأصل قد دل على شيئين: ثبوت الحكم فيه نطقًا، وتعديته إلى ما في معناه بالعلة، فإذا نُسخ الحكم] (٦) في الأصل هل يبقى الحكم في الفرع أو يزول؟ فإنْ قلتم: "يبقى" فهو محال، وإنْ قلتم: "يزول" تناقضتم؛ إذ من أصلكم أنَّ نسخَ بعض ما يتناوله النص لا يوجبُ نسخَ جميع ما يتناوله (٧) كالعام إذا خُصَّ بعضُ أفراده لم يوجب ذلك تخصيصَ (٨) غيره؛ فإذا كان حكم الأصل قد دلَّ على شيئين فارتفع أحدُهما فما الموجب لارتفاع الثاني؟ وإن قلتم: "يثبت بالقياس ويرتفع بالقياس" قيل: إنما أثبتُّموه لوجود العلة الجامعة عندكم، والعلة لم تزلْ بالنسخ، وهي سبب ثبوته، وما دام السبب قائمًا فالمسبَّب كذلك، ولو زالت العلة بالنسخ لأمكن تصحيحُ قولِكم. فإن قلتم: نسخُ حكمِ الأصلِ [يقتضي نسخ كون العلَّةِ علةً. قيل: هذه دعوى لا دليلَ عليها، فإن النص اقتضى ثبوتَ حكم الأصل] (٦)، وكون وصف كذا علة تقتضي (٩) التعدية على قولكم، فهما حكمان متغايران؛ فزوالُ أحدهما لا يستلزم زوالَ الآخر. قالوا: ولو كان القياسُ من الدين لقال النبي ﷺ لأمته: "إذا أمرتكم بأمرٍ أو نهيتكم عن شيء فقيسوا عليه ما كان مثله أو شبهه" ولكان هذا أكثر شيء في

стр. 792

كلامه، وطرق الأدلة عليه متنوعة لشدَّة الحاجة إليه، ولا سيما عند غلاة القياسيين الذين يقولون: إن النصوص لا تفي بعشر معشار الحوادث، وعلى قول هذا الغالي الجافي عن النصوص، فالحاجة إلى القياس أعظم من الحاجة إلى النصوص، فهلا جاءت الوصيةُ باتباعه ومراعاته، والوصية (١) بحفظ حدود ما أنزل اللَّه على رسوله وأن لا تُتعدى (٢)؛ ومعلوم أن اللَّه سبحانه حَدَّ لعباده حدودَ الحلال والحرام بكلامه، وذمَّ مَنْ لم يعلم حدودَ ما أنزل اللَّه على رسوله [ ﷺ ] (٣)، والذي أنزله هو كلامه؛ فحدود ما أنزله (٤) اللَّه هو الوقوف عند حد الاسم الذي عَلَّق عليه الحِلَّ والحرمةَ، فإنه هو المنزلُ على رسوله وحده بما (٥) وُضع له لغة أو شرعًا، بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه، ولا يخرج منه شيء من موضوعه (٦)، ومن المعلوم أنَّ حد البُرِّ لا يتناول الخردل، وحد التمر لا يدخل فيه البلوط، وحد الذهب لا يتناول القطن؛ ولا يختلف الناس أن حدّ الشيء ما يمنع دخول غيره فيه، ويمنع خروجَ بعضه منه. وقد تقدم تقريرُ هذا (٧) وأعَدْنَاهُ لشدة الحاجة إليه، فإنَّ أعلمَ الخلق بالدين أعلمهم بحدود الأسماء التي عُلِّق بها الحل والحرمة، والأسماء التي لها حدود في كلام اللَّه ورسوله ثلاثة أنواع (٨): نوع له حد في اللغة، كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار، فمن حمل هذه الأسماء على غير مُسمَّاها أو خَصَّها ببعضه أو أخرج منها بعضه (٩) فقد تَعدَّى حدودها؛ ونوعٌ له حد في الشرع، كالصَّلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام والتقوى ونظائرها، فحكمها في تناولها لمسمياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي؛ ونوعٌ له حد في العُرف لم يحده اللَّه ولا رسوله (١٠) بحد غير المتعارف، ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للتَّرخُّص والسَّفَه والجنون الموجب للحَجْرِ، والشقاق الموجب لبعث الحكمين، والنشوز المسوِّغ لهجر الزوجة وضَرْبِها، والتراضي المسوغ لحلِّ التِّجارة، والضّرار المحرم بين المسلمين، وأمثال ذلك،

стр. 793

وهذا النوع في تناوله لمسماه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولهما لمسماهما، ومعرفة حدود هذه (١) الأسماء ومراعاتها مُغْنٍ عن القياس غير مُحوج إليه، وإنَّما يَحتاج إلى القياس مَنْ قصر في [معرفة] (٢) هذه الحدود، ولم يُحط بها علمًا، ولم يعطها حقَّها من الدلالة. مثاله: تقصير (٣) طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصُّوه بنوع خاص من المسكرات، فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس، وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه، فنازعهم الآخرون في هذا القياس، وقالوا: لا يجري في الأسباب، وطال النزاع بينهم، وكَثُر السؤال والجواب، وكل هذا من تقصيرهم في معرفة حد الخمر؛ فإنَّ صاحب الشرع قد حدَّه بحد يتناول كلَّ فردٍ من أفراد المسكر فقال: "كل مسكر خمر" (٤) فأغنانا (٥) هذا الحدُّ عن بابٍ طويلٍ عريضٍ كثيرِ التَّعب من القياس، وأثبتنا التحريم بنصّه لا بالرأي والقياس. ومن ذلك أيضًا تقصيرُ طائفة في لفظ الميسر، حيث خصُّوه بنوع من أنواعه، ثم جاؤوا إلى الشَّطْرَنْج مثلًا فراموا (٦) تحريمه قياسًا عليه، فنازعهم آخرون في هذا القياس وصحته، وطال النِّزاعُ، ولو أعطوا لفظ الميسر حقَّه، وعرفوا حدَّه؛ لعلموا أن دخول الشَّطْرَنْجَ فيه أولى من دخول غيره، كما صَرَّح به مَنْ صرح من الصحابة والتابعين [﵃] (٧)، وقالوا: الشطرنج من الميسر (٨). ومن ذلك تقصيرُ طائفةٍ في لفظ السارق حيث أخرجوا منه نباش القبور، ثم راموا قياسه في القطع على السارق، فقال لهم منازعوهم: الحدود والأسماء لا تثبتُ قياسًا، فأطالوا وأعرضوا في الرد عليهم، ولو أعطوا لفظَ السَّارقِ حقّه (٩) لرأوا أنه لا فرق في حدِّه ومسمَّاه بين سارق الأثمان و [سارق] (١٠) الأكفان، وأنَّ إثباتَ الأحكام في هذه الصور بالنصوص لا بمجرد القياس.

стр. 794

ونحن نقول قولًا ندينُ اللَّه به، ونحمدُ اللَّه على توفيقنا [له] (١)، ونسأله الثَّبات عليه: إن الشريعة لم تحوجنا إلى قياس (٢) قط، وأنَّ فيها غُنيةً وكفايةً عن كل رأي وقياس (٣) وسياسة واستحسان، ولكن ذلك مشروط بفهم يؤتيه اللَّه عبدَه فيها، وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال علي ﵁ (٤): "إلا فهمًا يؤتيه اللَّه عبدًا في كتابه" (٥)، وقال النبي ﷺ لعبد اللَّه بن عباس "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (٦)، وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول اللَّه ﷺ (٧)، وقال عمر لأبي موسى: "الفَهْمَ الفَهْمَ" (٨).

стр. 795

سلسلة مكتبة ابن القيم [٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين تصنيف أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان شارك في التخريج أبو عمر أحمد عبد الله أحمد [المجلد الثالث] دار ابن الجوزي

стр. 796

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 797

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين [٣]

стр. 798

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ الطبعة الأولى رَجَب ١٤٢٣ هـ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © ١٤٢٣ هـ لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣ ص ب: ٢٩٨٢ - الرَّمْز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: ٥٨٨٣١٢٢ جدة ت: ٦٥١٦٥٤٩ الرياض ت: ٤٢٦٦٣٣٩

стр. 799

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي] (١) فصل [تناقض أهل القياس دليل فساده] قالوا (٢): ومما يبين فساد القياس وبطلانه تناقض أهله فيه، واضطرابهم تأصيلًا وتفصيلًا. أما التأصيل فمنهم من يحتج بجميع أنواع القياس، وهي: قياس العلة، والدلالة، والشبه (٣)، والطرد، وهم غُلاتهم كفقهاء ما وراء النهر وغيرهم، فيحتجون (٤) في طرائقهم على منازعهم في مسألة المنع من إزالة النجاسة بالمائعات بأنه مائع لا تُبنَى عليه القناطر ولا تجري فيه السفن؛ فلا تجوز (٥) إزالة النجاسة به كالزيت والشيرج، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي إلى التلاعب بالدين أقرب منها إلى تعظيمه (٦). وطائفة يحتجون (٧) بالأقيسة الثلاثة دونه، وتقول: قياس العلة أن يكون الجامع هو العلة التي لأجلها شُرع الحكم في الأصل، وقياس الدلالة: أن يُجمع بينهما بدليل العلة، وقياس الشبه: أن يتجاذب الحادثة أصلان حاظر ومبيح، ولكل واحد من الأصلين أوصاف، فتلحق الحادثة بأكثر (٨) الأصلين شبهًا بها، مثل أن يكون بالإباحة أشبه بأربعة أوصاف وبالحظر بثلاثة؛ فيلحق بالإباحة. وقد قال الإمام أحمد في هذا النوع في رواية أحمد بن الحسين (٩): القياس أن يقاس الشيء على الشيء إذا كان مثله في كل أحواله، فأما إذا أشبهه (١٠) في

стр. 800

حال (١) وخالفه في حال، فأردتَ أن تقيس عليه فهذا خطأ، وقد خالفه في بعض أحواله ووافقه في بعضها، فإذا كان مثله في كل أحواله فما أقبلت به وأدبرت به فليس في نفسي منه شيء؛ وبهذا قال أكثر الحنفية (٢) والمالكية (٣) والحنابلة (٤)؛ وقالت طائفة: لا قياس إلا قياس العلة فقط، وقالت فرقة بذلك، [و] (٥) لكن إذا كانت العلة منصوصة. ثم اختلف (٦) القياسيون في محل القياس فقال جمهورهم: يجري في الأسماء والأحكام؛ وقالت فرقة: [لا بل] (٥) لا تثبت الأسماء قياسًا، وإنما محل القياس الأحكام. ثم اختلفوا فأجراه جمهورهم في العبادات واللغات والحدود والأسباب وغيرها، ومنعه طائفة في ذلك (٧)، واستثنت طائفة الحدود والكفارات [فقط] (٨)، واستثنت طائفة أخرى معها الأسباب (٩). وكل هؤلاء قسموه إلى ثلاثة أقسام: قياس أولى، وقياس مثل، وقياس أدنى؛ ثم اضطربوا في تقديمه على العموم أو بالعكس على قولين، واضطربوا في تقديمه على خبر الآحاد الصحيح؛ فجمهورهم قدم الخبر. و [قد] (١٠) قال أبو بكر بن الفرج القاضي وأبو بكر الأبهري المالكيان (١١):

стр. 801

هو مقدم على خبر الواحد، ولا يمكنهم ولا أحد من الفقهاء طرد هذا القول ألبتة، بل لا بد من تناقضهم، واضطربوا في تقديمه على الخبر المرسل، وعلى قول الصحابي؛ فمنهم من قدم القياس، ومنهم من قدم المرسل وقول الصحابي، وأكثرهم -بل كلهم- يقدمون هذا تارة، وهذا تارة؛ فهذا تناقضهم في التأصيل. وأما تناقضهم في التفصيل فنذكر منه طرفًا يسيرًا يدل على ما وراءه من قياسهم في المسألة قياسًا وتركهم فيها مثله أو ما هو أقوى منه، أو تركهم نظير ذلك القياس أو أقوى منه في مسألة أخرى، لا فرق بينهما ألبتة. [أمثلة من تناقض القياسيين] فمن ذلك أنهم أجازوا الوضوء بنبيذ التمر، وقاسوا في أحد القولين عليه سائرَ الأنبذة، وفي القول الآخر لم يقيسوا عليه، فإن كان هذا القياس حقًا فقد تركوه، وإن كان باطلًا فقد استعملوه، ولم يقيسوا عليه الخل ولا فرق بينهما؛ وكيف كان نبيذ التمر تمرةً طيبةً وماءً طهورًا (١)، ولم يكن الخل عنبةً طيبةً وماءً طهورًا (١)، والمرق لحمًا طيبًا وماءً ظهورًا (٢)، ونقيع المشمش [والزبيب] (٣) كذلك؟ فإن ادعوا الإجماع على عدم الوضوء بذلك فليس فيه إجماع؛ فقد قال الحسن بن صالح بن حي، وحميد بن عبد الرحمن: يجوز الوضوء بالخل، وإن كان الإجماع (٤) كما ذكرتم فهلا قستم المنع من الوضوء بالنبيذ على ما أجمعوا عليه من المنع من الوضوء بالخل؟ فإن قلتم: اقتصرنا على موضع النص ولم نقس عليه، قيل لكم: فهلا سلكتم ذلك في جميع نصوصه، واقتصرتم على محالها الخاصة، ولم تقيسوا عليها؟ فإن قلتم: لأن هذا خلاف القياس، قيل لكم: فقد صرحتم أن ما ثبت على خلات القياس يجوز القياس عليه، ثم هذا يبطل أصل القياس، فإنه إذا جاز ورود الشريعة (٥) بخلاف القياس علم أن القياس ليس من الحق، وأنه عينُ الباطل؛ فإن الشريعة لا ترد بخلاف الحق أصلًا؛ ثم إن من قاعدتكم أن خبر الواحد إذا خالف الأصول لم يقبل، وفي أي الأصول وجدتم ما

стр. 802

يجوز التطهير (١) به خارج المصر والقرية [ولا يجوز التطهير (١) به داخلهما] (٢)؟ فإن قالوا: اقتصرنا في ذلك على موضع النص، قيل: فهلا اقتصرتم به على خارج مكة فقط حيث جاء الحديث، وكيف ساغ لكم قياس الغسل من الجنابة في ذلك على الوضوء دون قياس داخل المِصْر على خارجه؟ وقياس العنبة الطيبة والماء الطهور واللحم الطيب والماء الطهور والدِّبْس الطيب والماء الطهور على التمرة الطيبة والماء الطهور، فقستم قياسًا، وتركتم مثله، وما هو أولى منه، فهلا اقتصرتم على مورد الحديث ولا عديتموه [إلى] (٣) أشباهه ونظائره؟ ومن ذلك أنكم قستم على خبر مرويّ: "يا بني المطلب إن اللَّه كَرِه لكم غسالة أيدي الناس" (٤) فقستم على ذلك الماء الذي يُتوضأ به، وأبحتم لبني المطلب غسالة أيدي الناس التي نص عليها الخبر، وقستم الماء المستعمل في رفع الحدث (٥) وهو طاهر لاقى أعضاءً طاهرة (٦) على الماء الذي لاقى العذرة والدم والميتات، وهذا من أفسد القياس، وتركتم قياسًا أصح منه وهو قياسه على الماء المستعمل في محل التطهير من عضو إلى عضو ومن محل إلى محل، فأيّ (٧) فرق بين انتقاله من عضو المتطهر الواحد إلى عضوه [الآخر] (٣) وبين انتقاله إلى عضو أخيه المسلم؛ وقد قال النبي ﷺ : "مثل المسلمين (٨) في توادهم وتراحمهم [وتعاطفهم] (٩) كمثل الجسد الواحد" (١٠)، ولا ريب عند كل عاقل أن قياس جسد المسلم على جسد أخيه أصح من قياسه على العَذِرَة والجِيَفِ والميتات والدم. ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي توضأ به الرجل على العبد الذي أعتقه في

стр. 803

كفارته والمال الذي أخرجه في زكاته، وهذا من أفسد القياس، وقد تركتم قياسًا أصح في العقول والفطر منه، وهو قياس هذا الماء الذي قد أُدي به عبادة على الثوب الذي قد صُلِّي فيه، وعلى الحصى الذي رُمي به (١) الجِمَار مرة عند من يجوِّز منكم الرمي بها ثانية، وعلى الحجر الذي استُجمر به مرة إذا غسله أو لم (٢) يكن به نجاسة. ومن ذلك أنكم قستم الماء الذي وردت عليه النجاسة فلم تغيِّر له لونًا ولا طعمًا ولا ريحًا على الماء الذي غيَّرت النجاسة لونه أو طعمَه أو ريحَه، وهذا من أبعد القياس عن الشرع والحس (٣)، وتركتم قياسًا أصح منه، وهو قياسه على الماء الذي ورد على النجاسة؛ فقياس الوارد على المورود مع استوائهما (٤) في الحد والحقيقة والأوصاف أصحُ من قياس مئة رطل [ماء وقع فيه شعرة كلب على مئة رطل] (٥) خالطها مثلها بولًا وعذرة حتى غيّرها. ومن ذلك [أنكم] (٦) فرَّقتم بين ماء جارٍ بقدر طرف الخنصر تقع فيه النجاسة فلم تغيره وبين الماء العظيم المستبحر إذا وقع فيه مثل رأس الإبرة من البول، فنجّستم الثاني دون الأول، وتركتم محض القياس فلم تقيسوا الجانب الشرقي من غدير كبيرٍ (٧) في غربيِّه نجاسة على الجانب الشمالي والجنوبي، وكل ذلك مُمَاسٌّ لما قد تنجَّس عندكم مماسة مستوية. وقاسوا باطن الأنف على ظاهره في غسل الجنابة، فأوجبوا الاستنشاق، ولم يقيسوه عليه في الوضوء الذي أمر رسول اللَّه ﷺ فيه بالاستنشاق [نصًا] (٨)،

стр. 804

ففرقوا بينهما، وأسقطوا الوجوب في محل الأمر به، وأوجبوه في غيره، والأمر بغسل الوجه في الوضوء كالأمر بغسل البَدَن (١) في الجنابة سواء. ومن ذلك أنكم قستم النسيان على العمد في الكلام في الصلاة، وفي فعل المحلوف عليه ناسيًا، وفيما يوجب الفدية [من محظورات الإحرام] (٢) كالطيب واللباس والحلق والصيد، وفي حَمْل النجاسة في الصلاة، ثم فرَّقتم بين النسيان والعمد في السلام قبل تمام الصلاة، وفي الأكل والشرب في الصوم، وفي ترك التسمية على الذبيحة، وفي غير ذلك من الأحكام، وقستم الجاهل على الناسي في عدة مسائل وفرَّقتم بينهما في مسائل أُخر، ففرقتم بينهما فيمن نسي أنه صائم فأكل أو شرب (٣) لم يبطل صومه، ولو جهل فظن وجودَ الليل فأكل أو شرب فسد صومه، مع أن الشريعة تعذر الجاهل كما تعذر الناسي أو أعظم (٤)؟ كما عذر النبي ﷺ المسيء في صلاته بجهله بوجوب الطمأنينة فلم يأمره بإعادة ما مضى (٥)، وعَذَر الحامل المستحاضة بجهلها بوجوب الصلاة والصوم عليها مع الاستحاضة ولم يأمرها بإعادة ما مضى (٦)، وعَذَرَ عديَّ بن حاتم بأكله في رمضان حين تبين له الخيطان اللذان جعلهما تحت وسادته (٧) ولم يأمره بالإعادة (٨)، وعَذَر أبا ذر بجهله

стр. 805

بوجوب الصلاة إذا عدم الماء فأمره بالتيمم ولم يأمره بالإعادة (١)، وعذر الذين

стр. 806

تَمَعَّكوا في التراب كتمعك الدابة لما سمعوا فرض التيمم ولم يأمرهم بالإعادة (١)، وعذر معاوية بن الحكم بكلامه في الصلاة عامدًا لجهله بالتحريم (٢)، وعذر أهل قباء بصلاتهم إلى بيت المقدس بعد نَسْخ استقباله لجهلهم (٣) بالناسخ ولم يأمرهم بالإعادة (٤)، وعذر الصحابةُ والأئمة بعدهم من ارتكب محرمًا جاهلًا بتحريمه فلم يحدّوه (٥).

стр. 807

وفرّقتم بين قليل النجاسة في الماء وقليلها في الثوب والبدن، وطهارة الجميع شرط لصحة الصلاة، وترك الجميع صريح القياس في مسألة الكلب؛ فطائفة لم تقس عليه غيره، وطائفة قاست عليه الخنزير وحده دون غيره كالذئب الذي هو مثله أو شر منه، وقياس الخنزير على الذئب أصح (١) من قياسه على الكلب، وطائفة قاست عليه البغل والحمار، وقياسهما على الخيل التي هي قرينتهما (٢) في الذكر وامتنان اللَّه [سبحانه] (٣) على عباده بها (٤) بركوبها (٥) واتخاذها زينة وملامسة (٦) الناس لها أصح من قياس البغل [على الكلب (٧)؛ فقد علم كل أحد أن الشبه بين البغل والفرس أظهر وأقوى من الشبه بينه وبين الكلب، وقياس البغل] (٨) والحمار على السِّنَّوْر لشدة (٩) ملامستهما والحاجة إليهما وشربهما من آنية البيت أصح من قياسهما على الكلب. وقستم الخنافسَ والزنابيرَ والعقاربَ والصِّرْدَانَ على الذباب في أنها لا تنجس بالموت بعدم النفس السائلة لها وقلة الرطوبات والفضلات التي توجب التنجيس فيها (١٠)، ونَجَّسَ من نَجَّس منكم العظام بالموت مع تعريها من الرطوبات والفضلات [جملة] (١١)، ومعلوم أن النفس السائلة التي في تلك الحيوانات المقيسة أعظم من النفس المسائلة التي في العظام. وفرَّقتم بين ما شرب منه الصقر والبازي والحدأة والعقاب والأحناش (١٢) وسباع الطير وما شرب منه سباع [البهائم من غير فرق بينهما] (١٣)؛ [قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن الفرق في هذا بين سباع] (١٤) الطيور وسباع ذوات الأربع، فقال: أما في القياس فهما سواء، ولكني أستحسن في هذا (١٥).

стр. 808

وتركتم صريح القياس في التسوية بين نبيذ التمر والزبيب والعسل والحنطة ونبيذ العنب، وفرقتم بين المتماثلين، ولا فرق بينهما ألبتة، مع أن النصوص الصحيحة الصريحة قد سَوَّت (١) بين الجميع. وفرَّقتم بين من معه إناءان طاهر ونجس فقلتم: يريقهما ويتيمم، ولا يتحرّى فيهما (٢)، ولو كان معه ثوبان كذلك يتحرى فيهما، والوضوء بالماء النجس كالصلاة في الثوب النجس، ثم قلتم: فلو كانت الآنية ثلاثة تحرى ففرقتم بين [الاثنين والثلاثة، وهو فرق بين] (٣) متماثلين، وهذا على أصحاب الرأي، وأما أصحاب الشافعي ففرقوا بين الإناء الذي كلّه بول وبين الإناء الذي نصفه فأكثر بول، فجوّزوا الاجتهاد بين الثاني والإناء الطاهر، دون الأول، وتركوا محض القياس في التسوية بينهما. وقستم القيء على البول، وقلتم: كلاهما طعام أو شراب خرج من الجوف، ولم تقيسوا الجشوة (٤) الخبيثة على الفسوة ولم تقولوا: كلاهما ريح خارجة من الجوف. وقستم الوضوء وغسل الجنابة على الاستنجاء وغسل النجاسة (٥) في صحته بلا نية، ولم تقيسوهما على التيمم وهما أشبه به من الاستنجاء، ثم تناقضتم فقلتم: لو انغمس جنب (٦) في البئر لأخذ الدلو ولم ينوِ الغسل لم يرتفع حدثه، كما قاله أبو يوسف ونقض أصله في أن مسَّ الماء لبدن الجنب يرفع حدثه وإن لم ينوِ، وقال محمد: بل يرتفع حدثه ولا يفسد الماء، فنقض أصله في فساد الماء الذي يرفع الحدث (٧).

стр. 809

وقستم التيمم إلى المرفقين على غسل اليدين إليهما (١)، ولم تقيسوا المسح على الخفين إلى الكعبين على غسل الرجلين إليهما، ولا فرق بينهما ألبتة، وأهل الحديث أسعدُ بالقياس منكم كما هم أسعد بالنص. وقستم إزالة النجاسة عن الثياب بالمائعات على إزالتها بالماء (٢)، ولم تقيسوا إزالتها من القذر بها على الماء، فما الفرق؟ ثم قلتم: تُزَال من المَخْرَجين بكل مزيل جامد، ولا تزال من سائر البدن إلا بالماء، وقلتم: تزال من المخرجين بالروث اليابس، ولا تزال بالرجيع اليابس، مع تساويهما في النجاسة (٣). وقستم قليل القيء على كثيره في النجاسة، ولم تقيسوه عليه في كونه حدثًا (٤)، وقستم نوم المتورِّك على المضطجع في نقض الوضوء، ولم تقيسوا عليه نوم الساجد (٥) وتركتم محض القياس المؤيد بالسنة المستفيضة في مسح العمامة (٦) -[إذ] (٧) هي ملبوس معتاد ساتر لمحل الفرض ويشق نزعه على كثير من الناس إما لحنك (٨) [أو لكلاب] (٩) أو لبرد- على المسح على الخفين، والسنة قد سَوّتْ بينهما (١٠) في المسح كما هما (١١) سواء في القياس ويسقط فرضهما في التيمم، وقستم مسح الوجه واليدين في التيمم على الوضوء في وجوب الاستيعاب [ولم تقيسوا مسح الرأس في الوضوء على الوجه في وجوب الاستيعاب] (١٢)، والفعل

стр. 810

والباء والأمر في الموضعين سواء (١). وقستم وجود الماء في الصلاة على وجوده خارجها في بطلان صلاة المتيمم به (٢)، ولم تقيسوا القهقهة في الصلاة على القهقهة في خارجها (٣)، وفرقتم بين تقديم الزكاة قبل وجوبها فأجزتموه وبين تقديم الكفارة [قبل وجوبها] (٤) فمنعتموه، وقستم وجه المرأة في الإحرام على رأس الرجل [وتركتم قياس وجهها على يديها أو على بدن الرجل] (٤)، وهو محض القياس وموجب السنّة فإن النبي ﷺ سَوّى بين يديها ووجهها وبين يدي الرجل ووجهه حيث قال: "لا تلبس القفازين ولا النقاب" (٥) وكذلك قال: "لا يلبس المحرمُ القميصَ ولا السَّراويل ولا تنتقب المرأة" (٦) فتركتم محض القياس وموجب السنّة. وقستم المزارعة والمساقاة (٧) على الإجارة الباطلة فأبطلتموهما، وتركتم محض القياس وموجب السنّة وهو قياسهما على المضاربة والمشاركة (٨) فإنهما أشبه بهما منهما بالإجارة؛ فإن صاحب الأرض والشجر يدفع أرضه وشجره لمن يعمل عليهما وما رزق اللَّه من نماء (٩) فهو بينه وبين العامل، وهذا كالمضاربة (١٠) سواء؛ فلو لم تأتِ السنّة الصحيحة بجوازها (١١) لكان القياس يقتضي جوازها (١١) عند القياسيين (١٢).
следующие страницы →