← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

جاز؛ ومَنْ نذر الصدقة بمئة شاة فتصدَّق بعشرين تساوي قيمة المئة جاز، ثم ناقضتم فقلتم: لو وجب عليه أُضحيتان فذبح واحدًا سمينًا يساوي وسطين (١) لم يجز، ثم فرّقتم بأن قلتم: المقصود في الأضحية الذبح وإراقة الدم، وإراقةُ دم واحد لا تقوم (٢) مقام إراقة دمين، والمقصود في الزكاة سدُّ خُلّة الفقير وهو يحصل بالأجود الأقل كما يحصل بالأكثر إذا كان دونه (٣)؛ وهذا فرق إن صح لكم [في الأضحية لم يصح لكم] (٤) فيما ذكرناه من الصور، فكيف ولا يصح في الأضحية؟ فإن المقصود في الزكاة (٥) أمور عديدة منها: سدُّ خلَّة الفقير، ومنها إقامة عبودية اللَّه بفعل نفس ما أُمِرَ به، ومنها شكر نعمته عليه في المال، ومنها إحراز المال وحفظه بإخراج هذا المقدار منه، [ومنها المواساة بهذا المقدار لما علم اللَّه فيه من [المصلحة] (٦) مصلحة رب المال ومصلحة الآخذ] (٧). ومنها التعبد بالوقوف عند حدود اللَّه وأن لا يُنْقَص منها ولا تُغيَّر، وهذه المقاصد إن لم تكن أعظم من مقصود إراقة الدم في الأضحية فليست بدونه، فكيف يجوز إلغاؤها واعتبار مجرد إراقة الدم؟ ثم إنَّ هذا الفرق ينعكس عليكم من وجه آخر، وهو أن مقصود الشارع من إراقة دم الهدي والأضحية التقرب إلى اللَّه سبحانه بأجل ما يقدر عليه من ذلك النوع وأعلاه وأغلاه ثمنًا وأنفسه عند أهله، فإنَّه لن يَنَالَه سبحانه لحومُها ولا دماؤها وإنما يناله تقوى العبد منه، ومحبته له، وإيثاره بالتقرب إليه بأَحبِّ شيء إلى العبد وآثره عنده وأنفسه لديه، كما يتقرب المُحبُّ إلى محبوبه بأنفس ما يقدر عليه وأفضله عنده. ولهذا فطر اللَّه العباد على أن مَنْ تقرَّب إلى محبوبه بأفضل هدية يقدر عليها وأجلها وأعلاها كان أحظى لديه، وأحب إليه ممن تقرب إليه بألف واحد رديء من ذلك النوع. وقد نَبَّه سبحانه على هذا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ

стр. 842

طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ (١)﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال (٢): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وسُئل النَّبيُّ ﷺ عن أفضل الرقاب فقال: "أغلاها ثمنًا وأَنفَسُها عند أهلها" (٣) ونذر عمر أن ينحر (٤) نجيبةً فأعطى بها نجيبتين، فسأل النبي ﷺ أَن يأخذَهما بها وينحرهما، فقال: "لا، بل انحرها إياها" (٥) فاعتبر في الأضحية عين المنذور دون ما يقوم مقامه وإن كان أكثر منه، فلأن يُعتبر في الزكاة نفس الواجب دون ما يقوم مقامه ولو كان أكثر منه أولى وأحرى. وطرد قياسكم أنه لو وجب عليه أربعُ شياهٍ جياد فأخرج عشرة مِنْ أردأ الشياه وأهزلها وقيمتهن قيمة الأربع، أو وجب عليه أربع حقاق (٦) جياد فأخرج عشرين ابن لبون من أردأ الإبل وأهزلها أنه يجوز، فإن منعتم ذلك نقضتم (٧) القياس، وإن طردتموه تيممتم الخبيث منه تنفقون، وسلَّطتم رب المال على إخراج رديئه ومعايبه عن جَيِّده، والمرجع في التقويم إلى اجتهاده، وفي هذا من مخالفة الكتاب والميزان ما فيه.

стр. 843

وفرّقتم بين ما جمع الشارع بينه وجمعتم بين ما فرق بينه، أما الأول فقلتم: يصح صوم رمضان بنية من النهار قبل الزوال، ولا يصح صوم الظهار وكفارة الوطء في رمضان وكفارة القتل إلا بنية من الليل (١)، وفرّقتم بينهما بأن صوم رمضان لمَّا كان معينًا بالشرع أجزأ بنية من النهار، بخلاف صوم الكفارة، وبنَيْتُم على ذلك أنه لو قال: "للَّه عليَّ صوم يوم" فصامه بنية قبل الزوال لم يجزئه، ولو قال: "للَّه عليَّ أن أصوم غدًا" فصامه بنية قبل الزوال جاز، وهذا تفريق بين ما جمع الشارع بينه من صوم الفرض وأخبر أنه لا صيام لمن لم يبيِّتُه من الليل (٢)، وهذا في صوم الفرض، وأما النفل فصح [عنه] أنه كان ﷺ ، (٣) يُنشئه بنية من النهار (٤)، فسوَّيتم بينهما في أجزائهما بنية من النهار وقد فَرَّق الشارع بينهما. وفرّقتم بين بعض الصوم المفروض [دون] (٥) بعض في اعتبار النية من الليل وقد سَوَّى الشارع بينهما. والفرق بالتعيين وعدمه عديم التأثير فإنه وإن تعيَّن لم يصر عبادة إلا بالنية؛ ولهذا لو أمسك عن الأكل والشرب من غير نية لم يكن صائمًا؛ فإذا لم تقارن النية جميع أجزاء اليوم فقد خرج بعضُه عن أن يكون عبادة؛ فلم يُؤد ما أمِرَ به، وتعيينه لا يزيد وجوبه إلا تأكيدًا واقتضاءً؛ فلو قيل: إن المُعيَّن أولى بوجوب النية من الليل من غير المعين لكان أصح في القياس، والقياس الصحيح هو الذي

стр. 844

جاءت به السنّة من الفرق بين الفرض والنفل؛ فلا يصح الفرض إلا بنية من الليل، والنفل يصح بنية من النهار؛ لأنه يُتسامَح فيه ما لا يتسامح في الفرض، كما يجوز أن يُصلّي النفل قاعدًا وراكبًا على دابته إلى القبلة وغيرها. [وفي] (١) ذلك تكثير النفل وتيسير الدخول فيه، والرجل لما كان مخيَّرًا بين الدخول فيه وعدمه ويخير بين الخروج منه وإتمامه خُيِّر بين التبييت والنية من النهار؛ فهذا محض القياس وموجب السنّة. وللَّه الحمد. وفرّقتم بين ما جمع اللَّه بينهما من جماع الصائم والمعتكف فقلتم: لو جامع في الصوم ناسيًا لم يفسد صومه، ولو جامع المعتكف ناسيًا فسد اعتكافه وفرّقتم بينهما بأن الجماع من محظورات الاعتكاف، ولهذا لا يباح ليلًا ولا نهارًا، وليس من محظورات الصوم؛ لأنه يباح ليلًا. وهذا فرق فاسد جدًا؛ لأن الليل ليس محلًا للصوم فلم يحرم فيه الجماع؛ وهو محل للاعتكاف فحرم فيه الجماع؛ فنهار الصائم كليل المعتكف في ذلك، ولا فرق بينهما، والجماعُ محظورٌ في الوقتين، ووزان ليل الصائم اليوم الذي يخرج فيه المعتكف من اعتكافه، فهذا هو القياس المحض، والجمع بين ما جمع اللَّه بينه والتفريق بين ما فرق اللَّه بينه، وباللَّه التوفيق. وقلتم: لو دخل عَرَفَة في طلب بعيرٍ له أو حاجة ولم ينوِ الوقوف أجزأه عن الوقوف، ولو دار حول البيت في طلب شيءٍ سقط منه ولم ينوِ الطواف لم يجزئه، وهذا خروج عن محض القياس، وفَرّقتم تفريقًا فاسدًا فقلتم: المقصود الحضور (٢) بعرفة في هذا الوقت وقد حصل، بخلاف الطواف؛ فإن المقصود العبادة ولا تحصل إلا بالنية، فيقال: والمقصود بعرفة العبادة أيضًا، فكلاهما ركنٌ مأمور به، ولم ينوِ المكلف امتثال الأمر لا في هذا [ولا في هذا؛ فما الذي صحح هذا وأبطل هذا؟ ولما تنبَّه بعضُ القياسيين لفساد هذا] (٣) الفرق عدل إلى فرق آخر؛ فقال: الوقوف ركن يقع في نفس الإحرام، فنية الحج مشتملة عليه، فلا يفتقر إلى تجديد نية، كأَجْزَاء الصلاة من الركوع والسجود ينسحب (٤) عليها نية الصلاة.

стр. 845

وأما الطواف فيقع خارج العبادة (١) فلا تشتمل عليه نية الإحرام فافتقر إلى النية، ونحن نقول لأصحاب هذا الفرق: ردُّونا إلى الأول فإنه أقل فسادًا وتناقضًا من هذا، فإن الطواف والوقوف كلاهما جزء من أجزاء العبادة، فكيف تضمنت [جزءًا من أجزاء] (٢) العبادة لهذا الركن دون هذا؟ وأيضًا فإن طواف المعتمر يقع في الإحرام، وأيضًا فطواف الزيارة يقع في بقية الإحرام، [فإنه إنما] (٣) حل من إحرامه قبله تحللًا أول ناقصًا (٤)، والتحلل الكامل موقوف على الطواف. وفرّقتم بين ما جمعت السنّة والقياس بينهما فقلتم: إذا أحرم الصبي ثم بلغ فجدد إحرامه قبل أن يقف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام، وإذا أحرم العبد ثم عتق فجدد إحرامه لم يجزئه عن حجة الإسلام، والسنّة قد سَوَّت بينهما، وكذا القياس، فإن إحرامهما قبل البلوغ والعتق صحيح وهو سبب للثواب، وقد صارا من أهل وجوب الحج قبل الوقوف بعرفة فأجزأهما عن حجة الإسلام، كما لو لم يوجد منهما إحرام قبل ذلك، فإن غاية ما وجد منهما من الإحرام أن يكون وجوده كعدمه، فوجود الإحرام السابق على العتق لم يضره شيئًا بحيث يكون عدمه أنفع له من وجوده، وتفريقكم بأن إحرام الصبي إحرام تخلق وعادة وبالبلوغ انعدم ذلك فصح منه الإحرام عن حجة الإسلام، وأما العبد فإحرامه إحرام عبادة لأنه مكلف فصح إحرامه موجبًا فلا يتأتَّى (٥) له الخروج منه حتى يأتي بموجبه فرق فاسد (٦)؛ فإن الصبي مثاب (٧) على إحرامه بالنص، وإحرامه إحرام عبادة -وإن كانت لا تُسقط الفرض- كإحرام العبد سواء. وفرّقتم بين ما جمع القياس الصحيح بينه فقلتم: لو قال: ["أحِجُّوا فلانًا حجة" فله أن يأخذ النفقة ويأكل بها ويشرب ولا يحج، ولو قال] (٨): "أحِجُّوه عني" لم يكن له أن يأخذ النفقة إلا بشرط الحج (٩)، وفرّقتم بأن في المسألة الأولى أخرج كلامه مخرج الإيصاء بالنفقة له، وكأنه أشار عليه بالحج، ولا حق للمُوصي في الحج الذي يأتي به، فصححنا الوصية بالمال، ولم نُلزِم (١٠) المُوصى

стр. 846

له بما لا حَقَّ للمُوصي فيه، وأما في المسألة الثانية فإنما قصد أن يعود نفعه إليه بثواب النفقة (١) في الحج، فإن لم يحصل له غرضه لم تنفع الوصية، وهذا الفرق نفسه هو المبطل للفرق بين المسألتين؛ فإنه بتعيُّن الحج قطع ما توهموه (٢) من دفع المال إليه يفعل به ما يريد، وإنما قصد إعانته على طاعة اللَّه ليكون شريكًا له في الثواب، ذاك بالبدن وهذا بالمال، ولهذا عين الحج مصرفًا للوصية، فلا يجوز إلغاء ذلك وتمكينه من المال يصرفه في ملاذِّه وشهواته، هذا من أفسد القياس، وهو كما لو قال: "أعطوا فلانًا ألفًا ليبني بها مسجدًا أو سقاية أو قنطرة" لم يجز أن يأخذ الألف [إن لم] (٣) يفعل ما أوصى به، كذلك الحج سواء. وفرّقتم بين ما جمع محض القياس بينهما فقلتم: إذا اشترى عبدًا ثم قال له: "أَنت حُرٌّ أمس" عتق عليه، ولو تزوجها ثم قال لها: "أنت طالق أمس" لم تطلق، وفرّقتم بأن العبد لما كان حرًا أمس اقتضى تحريم شرائه واسترقاقه [اليوم] (٤)، وأما الطلاق فكونها مطلقة أمس لا يقتضي تحريم نكاحها اليوم، وهذا فرق صوري لا تأثير له ألبتة، فإن الحكم إن جاز تقديمه (٥) على سببه وقع العتق والطلاق في الصورتين، وإن امتنع تقدمه [في الموضعين] (٦) على سببه لم يقع واحد منهما، فما بال أحدهما وقع دون الآخر؟ (٧). فإن قيل: نحن لم نفرِّق بينهما في الإنشاء، وإنما فرقنا بينهما في الإقرار والإخبار، فإذا أقرّ بأَنَّ العبدَ حر بالأمس [لزمه العتق، وإذا أقرّ بالطلاق] (٨) لم يلزم بطلان النكاح اليوم؛ لجواز (٩) أن يكون المُطلِّق الأول قد طلقها أمس قبل الدخول فتزوج هو بها اليوم.

стр. 847

قلنا: إذا كانت المسألة على هذا الوجه فلا بد أن يقول: أنت طالق أمس من غيري، أو ينوي ذلك، فينفعه حيث يدين؛ فأما إذا أطْلق فلا فرق بين العتق والطلاق. فإن قيل: يمكن أن يطلقها بالأمس ثم يتزوجها اليوم. قيل: هذا يمكن في الطلاق الذي [لم] (١) يُستوف إذا كان مقصوده الإخبار، فأما إذا قال: "أنت طالق أمس ثلاثًا" ولم يقل من زوج كان قبلي ولا نواه فلا فرق أصلًا بين ذلك وبين قوله للعبد: "أنت حرّ أمس" فهذا التفصيلُ هو محض القياس، وباللَّه التوفيق. وجمعتم بين ما فرّقت السنّة بينهما فقلتم: يجب على البائن الإحداد كما يجب على المُتوفى عنها، والإحداد لم يكن من ذلك لأجل العدة، وإنما كان لأجل موت الزوج, والنبي ﷺ نفى وأثبت وخصَّ (٢) الإحداد بالمتوفى عنها زوجها (٣)، وقد فارقت المبتوتة في وصف العدة وقدرها وسببها؛ فإن سببها الموت، وإن لم يكن الزوج دخل بها، وسبب عدة البائن الفراق وإن كان الزوج حيًا، ثم فرّقتم بين ما جمعت السنّة بينهما فقلتم: إن كانت الزوجة ذمية أو غير بالغة فلا إحداد عليها، والسنّة تقتضي التسوية كما يقتضيه القياس. وفرّقتم بين ما جمع القياس المحض بينهما فقلتم: لو ذبح المُحرم صيدًا فهو ميتة لا يحل أكله، ولو ذبح الحلال صيدًا حَرَميًا فليس بميتة وأكله حلال، وفرّقتم بأن المانع من (٤) ذبح المحرم فيه، فهو كذبح المجوسي والوثني، فالذابح غير أهل، وفي المسألة الثانية الذابح أهل، والمذبوح محلٌّ للذبح إذا كان حلالًا،

стр. 848

وإنما منع منه حُرْمة المكان، ألا ترى أنه لو خرج من الحَرَم حل ذبحه؛ وهذا من أفسد فرق، وهو باقتضاء عكس الحُكم أولى؛ فإن المانع في الصيد الحَرَمي في نفس المذبوح، فهو كذبح ما لا يؤكل، والمانع في ذبح المحرم في الفاعل، فهو كذبح الغاصب. وقلتم: لو أرسل كلبه على صَيْد في الحل فطرده حتى أدخله الحرم فأصابه لم يضمنه، ولو أرسل سهمه على صيد في الحل فأطارته (١) الريح حتى قَتَل صيدًا في الحرم ضمنه، وكلاهما تولَّد القتل فيه عن فعله، وفرّقتم بأن الرمي حصل بمباشرته وقوّته التي أمدّت السهم فهو محض فعله، بخلاف مسألة الكلب فإن الصيد فيه يُضاف إلى فعل الكلب، وهذا الفرق لا يصح، فإن إرسال السهم والكلب (٢) كلاهما من فعله؛ فالذي (٣) تولَّد منهما تولد عن فعله، وجَرَيانُ السَّهم وعَدْو الكلب كلاهما هو المتسبب فيه، وكون الكلب له اختيار والسهم لا اختيار له فرق لا تأثير له إذ (٣) كان اختيار الكلب بسبب إرسال صاحبه له. وقلتم: لو رهن أرضًا مزروعة أو شجرًا مثمرًا دخل الزرع والثمر في الرهن، ولو باعهما لم يدخل الزرع والثمر (٤) في البيع، وفرّقتم بينهما بأن الرهن متصل بغيره، واتصال الرهن بغيره يمنع صحته؛ للإشاعة (٥)، فلو لم يدخل فيه الزرع والثمرة لبطل، بخلاف المبيع، فإن اتصاله بغيره لا يبطله، إذ الإشاعة لا تنافيه، وهذا قياس في غاية الضعف؛ لأن الاتصال هنا اتصال مجاورة، لا إشاعة، فهو كرهن زيت في ظروفه (٦) وقماش في أعداله ونحوه. وقلتم: لو أُكره على هبة جاريته لرجل فوهبها له مالكها فأعتقها الموهوب له نفذ عتقُه، ولو باعها لم يصح بيعه، وهذا خروج عن محض القياس، وتفريقكم -بأن هذا عتق صدر عن إكراه والإكراه لا يمنع صحة العتق، وذلك (٧) بيعٌ صدر عن إكراه والإكراه يمنع صحة البيع- لا يصح؛ لأنه إنما أكره على التمليك، ولم يكن للمكره غرض في الإعتاق، والتمليك لم يصح، والعتق لم يكره عليه فلا ينفذ كالبيع سواء، هذا مع أنكم تركتم القياس في مسألة الإكراه على البيع والعتق،

стр. 849

فصححتم العتق (١) دون البيع، وفرّقتم بأن العتق لا يدخله خيار فصح مع الإكراه [كالطلاق، والبيع يدخله الخيار فلم يصح مع الإكراه] (٢)، وهذا فرق لا تأثير له، وهو فاسد في نفسه؛ فإن الإقرار والشهادة والإسلام لا يدخلها خيار، ولا تصح مع الإكراه، وإنما امتنعت عقود المكره من النفوذ لعدم الرضى الذي هو مُصحِّحُ العقد، وهذا (٣) أمر تستوي فيه عقوده كلها معاوضاتها (٤) وتبرعاتها وعتقه وطلاقه وخلعه وإقراره، وهذا هو محض القياس والميزان؛ فإن المُكْرَه محمول على ما أكره عليه غير مختار له، فأقواله كأقوال النائم والناسي، فاعتبار بعضها وإلغاء بعضها خروج عن محض القياس، وباللَّه التوفيق. وقلتم: لو وقع في الغدير العظيم -الذي إذا حُرِّك (٥) أحد طرفيه لم يتحرك الطرف الآخر- قطرة دم أو خمر أو بول آدمي نجَّسَه كله، وإذا وقع في آبار الفلوات والأمصار البعرُ والرَّوثُ والأخباثُ لا تنجِّسها (٦) ما لم يأخذ وجه ربع الماء أو ثلثه، وقيل: أن لا يخلو دلوٌ عن شيء منه، ومعلوم أنَّ ذلك الماء أقرب إلى الطيب والطهارة حسًا وشرعًا من هذا؛ ومن العجب أنكم نجَّستُم الأدهان والألبان والْخَلَّ والمائعاتِ بأسرها بالقطرة من البول والدم، وعفوتم عما دون ربع الثوب من النجاسة المخففة، وعما دون [قدر] (٧) الكف من المغلَّظة، وقستم العفو عن ربع الثوب على وجوب مَسْح ربع الرأس ووجوب حَلْق ربعه في الإحرام، وأين مسح الرأس من غسل النجاسة؟ ولم تقيسوا الماء والمائع على الثوب مع عدم ظهور أثر النجاسة فيها (٨) ألبتة وظهور عينها ورائحتها في الثوب، ولا سيما عند محمد (٩) حيث يعفو عن قدر ذراع [في ذراع] (١٠)، وعند أبي يوسف عن قدر شبر في شبر (١١)، وبكل حال فالعفو عما هو دون ذلك بكثير مما لا نسبة له إليه

стр. 850

في المائع (١) الذي لا يظهر أثر النجاسة فيه بوجه بل يحيلها ويذهب عينها وأثرها أولى وأحْرَى. وجمعتم بين ما فرّق الشرع والحس بينهما، فقستم المني الذي هو أصْلُ الآدميين على البول والعذرة، وفرّقتم بين ما جمع الشرع والحسُّ بينهما ففرّقتم بين بعض الأشربة المسكرة وغيرها مع استوائها (٢) في الإسكار، فجعلتم بعضها نجسًا كالبول وبعضها طاهرًا طيّبًا كاللبن والماء، وقلتم: لو وقع في البئر نجاسة تنجَّس (٣) ماؤها وطينها، فإن نزح منها دلو فرشرش (٤) على حيطانها تنجست حيطانها، وكلما نزح منها شيء نبع مكانه شيء فصادف ماءً نجسًا وطينًا نجسًا، فإذا وجب نزح أربعين دلوًا مثلًا فنزح تسعة وثلاثون كان المنزوح والباقي كله نجسًا، والحيطان التي أصابها الماء والطين الذي في قرار البئر، حتَّى إذا نزح الدلو الأربعون قشقش النجاسة كلها، فطهر الطين والماء وحيطان البئر وطهر نفسه، فما رؤي أكرم من هذا الدلو ولا أعقل ولا أخير!! فصل [و] قالت الحنابلة والشافعية (٥): لو تزوجها على أن يَحُجَّ بها لم تصح التسمية ووجب مهر المثل، وقاسوا هذه التسمية على ما إذا تزوجها على شيء لا يدرى ما هو، ثم قالت الشافعية: لو تزوج الكتابية على أن يعلمها القرآن جاز، وقاسوه على جواز إسماعها (٦) إياهُ، فقاسوا أبعد قياس، وتركوا محض القياس، فإنهم صَرَّحُوا بأنه لو استأجرها ليحملها إلى الحج جاز، ونزلت الإجارة على العُرْفِ، فكيف صح أن يكون مورد العقد الإجارة ولا يصح أن يكون صداقًا؟ ثم ناقضتم أبين مناقضة فقلتم: لو تزوجها على أن يردَّ عبدَها الآبقَ من مكان كذا وكذا صح مع أنّه قد يقدر على رده وقد يعجز عنه؟ فالغَرَرُ الذي في هذا الأمر أعظم من الغرر الذي في حملها إلى الحج بكثير، وقلتم: لو تزوجها على أن يُعَلمها القرآن أو بعضَه صح، وقد تقبل التعليم وقد لا تقبله، وقد يطاوعها لسانها وقد يأبى عليها، وقلتم: لو تزوجها على مهر المثل صحت التسمية مع اختلافه

стр. 851

لامتناع مَنْ يساويها من كل وجه أو لقربه (١) وإن اتفق مَنْ يساويها في النسب فنادر جدًا من يساويها (٢) في الصِّفات والأحوال التي يقل المهر بسببها ويكثر، فالجهالة التي في حجه بها دون هذا بكثير، وقلتم: لو تزوجها على عبد مطلق صح ولها الوسط، ومعلوم أن في الوسط من التفاوت ما فيه، وقلتم: لو تزوجها على أن يشتري لها عبدَ زيدٍ صحت التسمية، مع أنه غرر ظاهر؛ إذ تسليم المهر موقوف على أمر غير مقدور له، وهو رِضَى زيد ببيعه، ففيه من الخطر ما في رد [عبدها] (٣) السابق، وكلاهما أعظم خطرًا من الحج بها، وقلتم: لو تزوجها على أن يرعى غنمها مدة صح، وليس جهالة حملانها [إلى الحج] (٣) بأعظم (٤) من جهالة أوقات الرعي ومكانه، على أن هذه المسألة بعيدة من أصول أحمد ونصوصه، ولا تُعرف منصوصة عنه، بل نصوصه على خلافها، قال في رواية مهنأ، فيمن تزوج على عبد من عبيده جاز: وإن كانوا عشرةَ عبيدٍ يُعْطِي من أوسطهم، فإن تشاحَّا أقرع بينهما، قلت: وتستقيم القرعة في هذا؟ قال: نعم (٥)، وقلتم: لو خالعها على كفالة ولدها عشر سنين صح، وإن لم يذكر قدر الطعام والإدام والكسوة، فياللَّه العجب (٦)! أين جهالة هذا من جهالة حملانها إلى الحج؟! فصل وقالت (٧) الشافعية: له أن يجبر ابْنَتَه البالغة المفتية (٨) العالمة بدين اللَّه التي تفتي في الحلال والحرام على نكاحها بمن هي أكره الناس له، وأشد الناس نُفرة عنه بغيَر رضاها، حتَّى لو عينت كفوًا شابًا جميلًا ديِّنًا تحبّه وعَيَّنَ كفوًا شيخًا مشوّهًا دميمًا كان العبرة بتعيينه دونها، فتركوا مَحْضَ القياس والمصلحة ومقصود النكاح من الود والرحمة وحسن المعاشرة، وقالوا: لو أراد أن يبيع لها حَبْلًا (٩) أو عُودَ أراكٍ من مالها لم يصح إلَّا برضاها، وله أن يرقَّها مدة العمر عند مَنْ هي

стр. 852

أكرهُ شيء فيه بغير رضاها، قالوا: وكما خرجتم عن محض القياس خرجتم عن صريح السنة؛ فإنَّ رسولَ اللَّه ﷺ خَيَّرَ جاريةً بكرًا زوَّجَها أبوها وهي كارهة (١)، وخيَّر أُخرى ثيبًا (٢)، ومن العجب أنكم قلتم: لو تصرَّفَ في حبل من مالها على غير وجه الحفظ لها كان مردودًا، حتَّى إذا تصرَّف في بُضْعها على خلاف حظها كان لازمًا، ثم قلتم: هو أخبر بحظها منها، وهذا يرده الحس؛ فإنها أعلم بميلها ونفرتها وحظها ممن [تحب أن] (٣) تعاشره وتكره عشرته، وتعلقتم بما رواه مسلم من حديث ابن عباس يرفعه: "الْأَيِّمُ أحَق بنفسها من وليها، والبكر تُسْتَأذن في نفسها، وإذْنها صُمَاتها" (٤) وهو حجة عليكم، وتركتم ما في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة يرفعه: "لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن" (٥)

стр. 853

وفيهما أيضًا من حديث عائشة قالت: "قلت: يا رسول اللَّه تُسْتأمر النساء في أبْضَاعهن؟ قال: نعم، قلت (١): فإن البكر تُسْتَأذن فتستحيي، قال: إذْنُهَا صِمَاتهَا" (٢) فنهى أن تنكح بدون استئذانها، وأمر بذلك وأخبر أنه (٣) هو شَرْعه [وحكمه] (٤)، فاتفق على ذلك أمره ونهيه وخبره، وهو محض القياس والميزان. فصل وقالت الحنابلة والشافعية والحنفية: لا يصح بيع المَقاثِي والمَباطِخ والباذنجان إلَّا لقطة (٥)، ولم يجعلوا المعدوم تبعًا للموجود مع شدة الحاجة إلى ذلك، وجعلوا المعدوم مُنزلًا منزلة الموجود في منافع الإجارة للحاجة إلى ذلك، وهذا مثله من كل وجه؛ لأنَّه يُستخلف كما تُستخلف المنافع، وما يقدر من عروض الحظر له فهو مشترك بينه وبين المنافع، وقد جوَّزوا بيع الثمرة إذا بدا الصلاح في واحدة منها، ومعلوم أن بقية الأجزاء معدومة فجاز بيعها تبعًا للموجود، فإن فرّقوا بأن هذه أجزاء متصلة، وتلك أعيان منفصلة، فهو فرق فاسد من وجهين: أحدهما: أن هذا لا تأثير له ألبتة. الثاني: أن من الثَّمرة التي بدا صلاحها (٦) ما يخرج أثمارًا متعددة كالتوت والتين فهو كالبطيخ والباذنجان من كل وجه، فالتفريق خروجٌ عن القياس والمصلحة، وإلزام بما لا يُقدر عليه إلَّا بأعظم كلفة ومشقة، وفيه مفسدة عظيمة يردها القياس؛ فإن اللقطة لا ضابط لها، فإنه يكون في المقاثي (٧) الكبار والصغار وبين ذلك، فالمشتري يريد استقصاءَها، والبائع يمنعه من أخذ الصغار، فيقع بينهما من التنازع والاختلاف والتشاحن ما لا تأتي به شريعة (٨)، فأين هذه

стр. 854

المفسدة العظيمة التي هي منشأ النزاع التي من تأمَّل مقاصد الشريعة علم قصد الشارع لإبطالها وإعدامها إلى المفسدة اليسيرة التي في جعل ما لم يوجد (١) تبعًا لما وجد لما فيه من المصلحة؟ وقد اعتبرها الشارع، ولم يأتِ عنه حرف واحد أنه نهى عن بيع المعدوم (٢)، وإنما نهى عن بيع الغرر (٣)، والغررُ شيء وهذا شيء، ولا يُسمَّى هذا البيع غررًا لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا (٤). فصل [من تناقض القياسيين مراعاة بعض الشروط دون بعضها الآخر] وقالت الحنفية والمالكية والشافعية: إذا شَرَطت (٥) الزوجة أن لا يخرجها الزوج من بلدها أو دارها أو أن لا يتزوج عليها ولا يَتسرَّى فهو شرطٌ باطل، فتركوا محض القياس، بل قياس الأولى، فإنهم قالوا: لو شرطت في المهر تأجيلًا أو غير نقد البلد أو زيادة على مهر المثل لَزِمَ الوفاء بالشرط، فأين المقصود الذي لها في الشرط الأول إلى المقصود الذي في هذا الشرط؟ وأين فواته إلى فواته؟ وكذلك من قال منهم: لو شرط أن تكون جميلة شابة سويَّة فبانت عجوزًا شمطاء قبيحة المنظر أنه لا فسخ لأحدهما بفوات شرطه، حتَّى إذا فات درهم واحد من الصداق فلها الفسخ لفواته قبل الدخول، فإن استوفى المعقود عليه ودخل بها وقضى وَطَره منها ثم فات الصداق جميعه ولم تظفر [منه] (٦) بحبةٍ واحدةٍ فلا فسخ لها، وقستم الشرط الذي دخلت عليه على شرط أن لا يؤويها ولا يُنفق عليها (٧)،

стр. 855

ولا يطأها و (١) لا ينفق على أولاده منها ونحو ذلك مما هو من أفسد القياس الذي فرّقت الشريعة بين ما هو أحقُّ بالوفاء منه وبين ما لا يجوز الوفاء به، وجمعتم بين ما فرَّق الشرع والقياس بينهما، وألحقتم (٢) أحدهما بالآخر، وقد جعل النبي ﷺ الوفاء بشروط النكاح التي يَستحلُّ بها الزوج [فرج] (٣) امرأته أولى من الوفاء بسائر الشروط على الإطلاق (٤)، فجعلتموها أنتم دون سائر الشروط وأحقها بعدم الوفاء وجعلتم الوفاء بشرط الواقف المخالف لمقصود الشارع كترك النكاح وكشرط الصلاة في المكان الذي شَرَطَ فيه الصلاة وإن كان وحده وإلى جانبه المسجد الأعظم وجماعة المسلمين (٥)، وقد ألغى الشارع هذا الشرط في النذر الذي هو قُرْبَة محضةٌ وطاعة فلا تتعين عنده بقعة عَيَّنها الناذر للصلاة إلَّا المساجد الثلاثة، وقد شرط الناذر في نذره تعيّنه؛ فألغاه الشارع لفضيلة غيره [عليه] (٦) أو مساواته له فكيف يكون [شرط الواقف] (٧) الذي غيره أفضل منه وأحب إلى اللَّه ورسوله لازمًا يجب الوفاء به؟ وتعيين الصلاة في مكان مُعيَّن لم يرغب الشارع فيه ليس بقربة، وما ليس بقربة لا يجب الوفاء به في النذر، ولا يصح اشتراطه في الوقف. [هل يعتبر شرط الواقف مطلقًا] [فإن قلتم: الواقفُ لم يخرج ماله إلَّا على وجه معين، فلزم اتباعُ ما عَيَّنه في الوقف] (٨) من ذلك الوجه، والناذر قصد القربة، والقُرَبُ متساوية في المساجد غير الثلاثة، فتعيّن (٩) بعضها لغو. قيل: هذا الفرق [بعينه] (٨) يوجب عليكم إلغاء ما لا قربة فيه من شروط

стр. 856

الواقفين (١)، واعتبار ما فيه قربة، فإن الواقف إنما مقصوده بالوقف التقريب إلى اللَّه فتقربه بوقفه كتقربه بنذره؛ فإن العاقل لا يبذل ماله إلَّا لما له فيه مصلحة عاجلة أو آجلة؛ والمرء في حياته قد يبذل ماله في أغراضه، مباحة كانت أو غيرها وقد يبذله فيما يقربه إلى اللَّه، وأما (٢) بعد مماته فإنما يبذله فيما يظن أنه يقرب إلى اللَّه، فلو (٣) قيل له: "إن هذا المصرف لا يقرب إلى اللَّه [ ] (٤)، أو إن غيره أفضل وأحب إلى اللَّه منه وأعظم أجرًا" لبادر إليه، ولا ريب أن العاقل إذا قيل له: "إذا بذلت مالك في مقابلة هذه الشروط (٥) حصل لك أجر واحد، وإن تركته حصل لك أجران" فإنّه يختار ما فيه الأجر الزائد، فكيف إذا قيل له: "إن هذا لا أجر فيه ألبتة" فكيف إذا قيل [له] (٦): "إنه مخالف لمقصود الشارع مضاد له يكرهه اللَّه ورسوله"؟ وهذا كشرط العزوبية مثلًا وترك النكاح، فإنه شرط لترك واجب أو سنّة أفضل من صلاة النافلة وصومها أو سنَّة دون الصلاة والصوم، فكيف يلزم الوفاء بـ[شرط] (٧) ترك الواجبات والسنن اتباعًا لشرط الواقف وترك شرط اللَّه ورسوله الذي قضاؤه أحق وشرطه أوثق؟ يوضحه أنه لو شرط في وقفه أن يكون على الأغنياء دون الفقراء كان (٨) شرطًا باطلًا عند جمهور الفقهاء، قال أبو المعالي الجويني -هو إمام الحرمين-[﵁] (٩): ومعظم أصحابنا قطعوا بالبطلان، هذا مع أن وصف الغنى وصف مباح ونعمة من اللَّه وصاحبه إذا كان شاكرًا فهو أَفضل من الفقير مع صبره عند طائفة كثيرة من الفقهاء والصوفية (١٠)، فكيف يلغى هذا الشرط ويصح شرط الترهب (١١)

стр. 857

في الإسلام الذي أبطله النبي ﷺ بقوله: "لا رهبانية في الإسلام" (١)؟ يوضحه أن من شرط التعزُّب فإنما قصد أن تركه أفضل وأحب إلى اللَّه، فقصد أن يتعبد الموقوف عليه بتركه، وهذا هو الذي تبرأ النبي ﷺ منه بعينه فقال: "مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي" (٢)، وكان قصد أولئك الصحابة هو قصد هؤلاء الواقفين بعينه سواء، فإنهم قصدوا ترفيه (٣) أنفسهم على العبادة وترك النكاح الذي يشغلهم تقربًا إلى اللَّه بتركه، فقال النبي ﷺ فيهم ما قال، وأخبر أنه من رغب عن سنته فليس منه؛ وهذا في غاية الظهور، فكيف يحل الإلزام بترك شيء قد أخبر به النبي ﷺ أَنَّ مَنْ رغب عنه فليس منه؟ هذا ممَّا لا تحتمله الشريعة بوجه. [عَرْض شروط الواقفين على كتاب اللَّه] فالصواب الذي لا تسوغ الشريعة (٤) غيره عرض شروط الواقفين على كتاب اللَّه سبحانه وعلي شرطه، فما وافق كتابه وشرطه فهو صحيح، وما خالفه

стр. 858

كان شرطًا باطلًا مردودًا، ولو كان مئة شرطٍ، وليس ذلك بأعظم من رد حكم الحاكم إذا خالف حكم اللَّه ورسوله، ومن رد (١) فتوى المفتي، وقد نص اللَّه سبحانه على رد وصية الجانف في وصيته والآثم فيها، مع أن الوصية تصح في غير قربة، وهي أوسع من الوقف، وقد صرح صاحب الشرع برد كل عمل ليس عليه أمره، فهذا الشرط مردود بنص رسول اللَّه ﷺ (٢) فلا يحل لأحد أن يقبله ويعتبره ويصححه. ثم كيف يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما أخرج الواقف ماله لمن قام بها وإن لم تكن قربة ولا للواقفين فيها غرض صحيح، [وإنما غرضهم ما يقربهم إلى اللَّه] (٣)، ولا يوجبون الوفاء بالشروط التي إنما بذلت المرأة بَضْعَها للزوج بشرط وفائه لها بها، ولها فيها (٤) أصح غرض ومقصود، وهي أحق من كل شرط يجب الوفاء به بنص رسول اللَّه ﷺ (٥)؛ وهل هذا إلَّا بخروج (٦) عن محض القياس والسنّة؟ [خطأ القول بأن شرط الواقف كنص الشارع] ثم من العجب العجاب قول من يقول: إن شروط الواقف كنصوص الشارع، ونحن نبرأ إلى اللَّه من هذا القول، ونعتذر ممَّا جاء به قائله، ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدًا، وإن أحسنَّا الظن بقائل هذا القول حُمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة، وتخصيص عامِّها بخاصها، وحمل مطلقها على مقيدها، واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها، وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتِّباع وتأثيم من أخلّ بشيء منها فلا يُظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم، فإذا كان حكمُ الحاكمِ ليس كنص الشَّارعِ، بل يرد ما خالف حُكمَ اللَّه ورسوله من ذلك، فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال،

стр. 859

فقد (١) ظهر تناقضهم في شروط الواقفين وشروط الزوجات، وخروجهم [فيها] (٢) عن موجب القياس الصحيح والسنّة، وباللَّه التوفيق. يوضح ذلك أن النبي ﷺ كان إذا قَسَم يُعطي الآهل حَظَّين والعزب حظًا (٣)، وقال: "ثلاثةٌ حق على اللَّه عونهم" (٤) ذكر منهم الناكح يريد العفاف؛ ومصححو هذا الشرط عكسوا مقصوده، فقالوا: نعطيه ما دام عزبًا، فإذا تزوج لم يستحق شيئًا، ولا يحل لنا أن نُعينه؛ لأنَّه ترك القيام بشرط الواقف وإن كان قد فعل ما هو أحبُّ إلى اللَّه ورسوله؛ فالوفاء بشرط الواقف المتضمن لترك الواجب أو السنة المقدمة على فضل الصوم أو (٥) الصلاة لا يحلُّ (٦) مخالفته، ومن خالفه كان عاصيًا آثمًا، حتى إذا خالف الأحب إلى اللَّه ورسوله و [خالف] (٧) الأرضى له كان بارًّا مثابًا قائمًا بالواجب عليه! يوضح بطلان هذا الشرط وأمثاله من الشروط المخالفة لشرع اللَّه ورسوله أنكم قلتم: كلُّ شرط يخالف مقصود العقد فهو باطل، حتى أبطلتم (٨) بذلك شرط دار الزوجة أو بلدها، وأبطلتم اشتراط البائع الانتفاع بالمبيع مدة معلومة، وأبطلتم اشتراط الخيار بعد (٩) ثلاثة، وأبطلتم اشتراط نفع البائع في المبيع ونحو ذلك من الشروط التي صححها النَّصُّ والآثار عن الصحابة والقياس، كما صَحَّح عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (١٠) اشتراط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها (١١)، ودلَّت السنّة على أن

стр. 860

الوفاء به أحقُّ من الوفاء بكل شرط (١)، وكما صححت السنّة اشتراطَ انتفاع البائع بالمبيع مدة معلومة (٢)، فأبطلتم ذلك، وقلتم: يُخالِف مقتضى العقد، وصححتم الشروط المخالفة [بمقتضى عقد الوقف لعقد الوقف] (٣)؛ إذ هو عقد قُربة مقتضاه التقريب إلى اللَّه تعالى (٤) ولا رَيبَ أن شرط ما يخالف القُربة يناقضه مناقضة صريحة؛ فإذا شرط عليه الصلاة في مكان لا يُصلّي فيه إلَّا هو وحده أو واحدٌ بعد واحد أو اثنان فعدوله عن الصلاة في المسجد الأعظم الذي يجتمع فيه جماعة المسلمين مع قربه (٥) وكثرة جماعته فيتعدَّاه إلى مكان أقل جماعة وأَنقص فضيلة وأقل أجرًا اتباعًا لشرط الواقف المخالف لمُقتضى عقد الوقف خروجٌ عن محض القياس، وباللَّه التوفيق. يوضحه أن المسلمين مُجمعون على أن العبادة في المساجد من الذِّكر والصلاةِ وقراءةِ القرآن أفضلُ منها عند القبور؛ فإذا منعتم فعلها في بُيوتِ اللَّه سبحانه وأوجبتم على الموقوف عليه فعلها بين المقابر إن أراد أن يتناولَ الوقف [وإلا كان] (٦) تناوله حرامًا كنتم قد ألزمتموه بترك الأحبِّ إلى اللَّه الأنفع للعبد والعدول إلى الأنقص المفضول (٧) أو المنهي عنه مع مخالفته لقصد الشارع تفصيلًا وقصد الواقف إجمالًا فإنه إنما يقصد الأَرْضى [للَّه] (٨) والأحبَّ إليه؛ ولما كان في ظنّه أن هذا أرضى للَّه (٩) اشترط؛ فنحن نظرنا إلى مقصوده ومقصود الشارع، وأنتم نظرتم إلى مجرد لفظه سواء وافق رضا اللَّه ورسوله ومقصوده في

стр. 861

نفسه أو لا، ثم لا يمكنكم طردُ ذلك أبدًا، فإنه لو شَرَط أن يُصلي وحده حتى لا يخالط الناس بل يتوفر على الخلوة والذكر أو شرط أن لا يشتغل بالعلم والفقه ليتوفر على قراءة القرآن وصلاة الليل وصيام النهار أو شرط على الفقهاء ألا يجاهدوا في سبيل اللَّه ولا يصوموا تطوعًا ولا يصلوا النوافل وأمثال ذلك، فهل يمكنكم تصحيحُ هذه الشروط؟ فإن أبطلتموها فعقدُ (١) النكاح أفضل من بعضها أو مساوٍ له في أصل القُرْبة، وفعلُ الصلاة في المسجد الأعظم العتيق الأكثر جماعة أفضل (٢) وذكر اللَّه وقراءة القرآن في المسجد أفضلُ منه بين القبور، فكيف تلزمون بهذه الشروط المفضولة وتبطلون ذلك؟ فما هو الفارق بين ما يصح من الشروط وما لا يصح؟ ثم لو شرط المبيت في المكان الموقوف ولم يشترط التعزُّب فأبحتم له التزويج فطالبته الزوجة بحقها من المبيت وطالبتموه بشرط الواقف منه فكيف تقسمونه بينهما؟ أم ماذا تُقدِّمون: ما أوجبه اللَّه (٣) ورسوله من المبيت والقَسْم (٤) للزوجة مع ما فيه من مصلحة الزوجين وصيانة المرأة وحفظها وحصول الإيواء المطلوب من النكاح، أم ما شرطه الواقف وتجعلون شرطه أحق والوفاء به أَلزم؟ أم تمنعونه من النكاح والشارع والواقف لم يمنعاه منه؟ فالحق أن مبيتَهُ عند أهله إن كان أحبَّ إلى اللَّه ورسوله جاز له، بل استحب ترك شرط الواقف لأجله، ولم يمنعه فعل ما يحبه اللَّه ورسوله من تناول الوقف، (٥) بل ترك ما أوجبه سببًا لاستحقاق الوقف، فلا نص ولا قياس ولا مصلحة للواقف ولا للموقوف عليه ولا مرضاة للَّه ورسوله. والمقصود بيان [بعض] (٦) ما في الرأي والقياس من التناقض والاختلاف الذي هو من عند غير اللَّه (٧)؛ لأن ما كان من [عنده فإنه] (٨) يصدِّق بعضه بعضًا، ولا يخالف بعضه بعضًا، وباللَّه التوفيق.

стр. 862

فصل [هل في اللطمة والضربة قصاص ؟] [وقالت الحنفية والشافعية والمالكية ومتأخرو أصحاب أحمد] (١): إنه لا قصاص في اللطمة والضربة، وإنما فيه التعزير، وحكى بعض المتأخرين في ذلك الإجماع (٢)، وخرجوا عن محض القياس وموجب النصوص وإجماع الصحابة؛ فإن ضمان النفوس والأموال مبناه (٣) على العدل، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] فأمر بالمماثلة في العقوبة والقصاص؛ فيجب اعتبارها بحسب الإمكان، والأمثل هو المأمور [به] (٤)؛ فهذا المَلْطُوم المضروب قد اعتُدي عليه، فالواجب أن يَفعل بالمُعْتَدي كما فَعَل به، فإن لم يمكن كان الواجب ما هو الأقرب والأمثل (٥)، وسقط ما عَجِز عنه العبدُ من المساواة من كل وجه، ولا ريب أن لطمة بلطمة وضربة بضربة في محلهما بالآلة التي لطمه بها أو بمثلها (٦) أقربُ إلى المماثلة المأمور بها حسًا وشرعًا من تعزيره بها بغير جنس اعتدائه وقدره وصفته، وهذا هو هَدْيُ رسول اللَّه ﷺ وخلفائه الراشدين ومحض القياس [وهو منصوص الإمام أحمد، ومن خالفه في ذلك من أصحابه فقد خرج عن نص مذهبه وأصوله كما خرج عن محض القياس] (٧) والميزان، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني في [كتابه] (٤) "المترجم" له: "باب في القصاص من اللطمة والضربة: حدثني إسماعيل بن سعيد قال: سألتُ أحمد [بن حنبل] (٤) عن القصاص من اللطمة والضربة، فقال: عليه القود من اللطمة والضربة" وبه قال أبو داود وأبو خَيْثَمة

стр. 863

وابنُ أبي شيبة، وقال إبراهيم الجوزجاني: وبه أقول: لما حدثنا شَبَابَة بن سَوَّار: ثنا شعبة، عن يحيى بن الحصين قال: سمعتُ طارق بن شهاب يقول: لَطَمَ أبو بكر رجلًا يومًا لطمة، فقال له: اقتصَّ، فعفا الرجل (١)، حدثنا شَبَابة: أنبأ شعبة (٢)، عن مخارق قال: سمعت طارقًا يقول: لطم ابن أخ لخالد بن الوليد رجلًا من مُراد، فأقاده خالد منه (٣)، حدثنا أبو بَهْز: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش قال: سمعتُ الأعمش، عن كُمَيل بن زياد قال: لطمني عثمان ثم أقادني فعفوتُ (٤)، حدثني ابن الأصفهاني: حدثنا عبد السلام بن حرب، عن نَاجِيَة، عن عمه يزيد بن عربي قال: رأيت عليًا [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (٥) أقاد من لطمة (٦)، وحدثنا الحُميديُّ: ثنا سفيان: ثنا عبد اللَّه بن إسماعيل بن زياد ابن أخي عمرو بن دينار أن ابن الزبير أقاد من لَطْمة (٧)، ثنا يزيد بن هارون: أنا الجُريريُّ، عن أبي نَضْرة، عن أبي فراس قال: خطبنا عمر فقال: إني لم أبعث عُمَّالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن إنما بعثتهم ليبلِّغوكم دينكم وسنَّة

стр. 864

نبيكم ويقسموا فيكم فيئكم، فمَنْ فُعل به غير ذلك فليرفعه إليّ فوالذي نفسُ عمر بيده لأقصنَّه منه، فقام إليه (١) عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين إنْ كان رجلٌ [من المسلمين] (٢) على رعية فأدَّب بعض رعيته لتقصنه منه؟ فقال عمر: ألا أقصه (٣) منه وقد رأيت رسول اللَّه ﷺ يقصُّ من نفسه؟ (٤) ثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن ابن حَرْملة قال؛ تلاحى رجلان فقال أحدهما: ألم أخنقك حتى سَلَحت؟ فقال: بلى، ولكن لم يكن لي عليك شهود، فاشهدوا على ما قال، ثم رفعه إلى عمر بن عبد العزيز، فأرسل في ذلك إلى سعيد بن المسيب فقال: يخنقُه

стр. 865

كما خَنَقه حتى يُحدث أو يفتدي منه، فافتدى منه بأربعين بعيرًا، فقال ابن كثير: أحسِبُه ذكره عن عثمان (١)، ثنا الحسين بن محمد (٢): ثنا ابنُ أبي ذئب، عن المُطَّلب بن السائب أن رجلين من بني ليث اقتتلا، فضرب أحدهما الآخر فكسر أنفه، فانكسر عظم كَفِّ الضارب، فأقاد أبو بكر من أنف المضروب ولم يُقد من كف الضارب، فقال سعيد بن المسيب: كان لهذا أيضًا القود من كَفِّه، قضى عثمان أن كل مقتتلين [اقتتلا ضمنا ما بينهما، فأقيد منه] (٣)، فدخل المسجد وهو يقول: يا عباد اللَّه كسر ابنُ المسيب يدي (٤)، قال الجوزجاني: فهذا رسول اللَّه ﷺ وجلة أصحابه فإلى من يركن بعدهم؟ أو كيف يجوز خلافهم؟ ". قلت: وفي "السنن" لأبي داود، والنَّسائي من حديث أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول اللَّه ﷺ يقسم قسمًا أقبل رجل فأكبَّ [عليه] (٥) فطعنه رسول اللَّه ﷺ بعُرْجُون كان معه، فجَرحَ وجهه (٦)، فقال له رسول اللَّه ﷺ : تعال فاسْتِقدْ، فقال: بل عفوتُ يا رسول اللَّه (٧)؛ وفي "سنن" النسائي، وأبي داود، وابن ماجه عن عائشة [﵂] (٥): "أن النبي ﷺ بعث أبا جَهْم بن حُذيفة مُصدقًا (٨)، فلاحَاه (٩) رجلٌ في صَدَقتِه، فضربه أبو جَهْم فشجَّه، فأتوا النبي ﷺ

стр. 866

فقالوا: القودُ يا رسول اللَّه، فقال النبي ﷺ : "لكم كذا وكذا" [فلم يرضوا [به] (١)، فقال النبي [ ﷺ ]، (٢): "لكم كذا وكذا" فرضوا، فقال النبي (٣) ﷺ : "إنني خاطب [العشية] (١) على الناس ومخبرهم برضاكم" فقالوا (٤): نعم، فخطب رسول اللَّه (٥) ﷺ فقال: "إن هؤلاء أتوني يُريدون القصاص (٦)، فعرضت عليهم كذا وكذا، فقال النَّبيُّ] (٧): فَرَضوا، أرضيتُم؟ " فقالوا (٨): لا، فهمَّ المهاجرون بهم، فأمرهم رسول اللَّه ﷺ أن يكفُّوا عنهم، فكفوا عنهم، ثم دعاهم فزادهم، فقال: أرضيتم؟ فقالوا (٨): نعم، [فقال: إني خاطبٌ على الناس ومخبرُهُم برضاكم، فقالوا: نعم، فخطب النَّبيُّ ﷺ فقال: أرضيتم؟ قالوا: نعم] " (٩) وهذا صريحٌ في القَوَدِ في الشَّجّة، ولهذا صولحوا من القود مرة بعد مرة حتى رضوا، ولو كان الواجب الأَرْشُ (١٠) فقط لقال لهم النبي ﷺ حين طلبوا القود: إنه لا حَقَّ لكم فيه (١١)، وإنما حقكم في الأرش. فهذه سنة رسول اللَّه ﷺ ، وهذا إجماع الصحابة، وهذا ظاهر القرآن، وهذا محض القياس؛ فعارض المانعون هذا كله بشيء واحد وقالوا: اللطمة والضربة لا يمكن فيهما المماثلة، والقصاص لا يكون إلَّا مع المماثلة. ونَظَرُ الصحابة أكمل وأصح وأتبع للقياس، كما هو اتبع للكتاب والسنّة، فإن المماثلة من كل وجه متعذرة، فلم يبق إلَّا أحد أمرين؛ قصاصٌ قريب إلى المماثلة، أو (١٢) تعزيرٌ بعيد منها، والأول أولى؛ لأنَّ التعزير لا يعتبر فيه جنس الجناية ولا قدرها، بل قد

стр. 867

يُعزِّر بالسوط والعصا، وقد يكون (١) لطمه أو ضربه بيده، فأين حرارة السوط ويبسه إلى لين اليد، وقد يزيد وينقص، وفي العقوبة بجنس ما فعله تَحَرِّ للمماثلة (٢) بحسب الإمكان، وهذا أقربُ إلى العدل الذي أمر اللَّه به وأنزل به الكتاب والميزان: فإنه قصاص بمثل ذلك العضو في مثل المحل الذي ضرب فيه بقَدَرِه، وقد يساويه أو يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وذلك عفو لا يدخل تحت التكليف، كما لا يدخل [تحت] (٣) التكليف المساواة في الكيل والوزن في (٤) كل وجه كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [الأنعام: ١٥٢] فأمر بالعدل المقدور، وعفا عن غير المقدور منه، وأما التعزيرُ فإنه لا يسمى قصاصًا، فإن لفظ القصاص يدل على المماثلة، ومنه قَصَّ الأثرَ إذا اتَّبَعه وقَصَّ الحديثَ إذا أتى به على وجهه، والمقاصّة: سقوط أحد الدَّيْنين بمثله جنسًا وصفة، وإنما هو تقويم للجناية، فهو قيمة لغير المُثلى، والعدول إليه كالعدول إلى قيمة المتلف (٥)، وهو ضَربٌ له بغير تلك الآلة في غير ذلك المحل، وهو إما زائدٌ وإما ناقصٌ، ولا يكون مماثلًا ولا قريبًا من المثل، فالأول أقرب إلى القياس، والثاني تقويم للجناية بغير جنسها كبدلِ المُتْلفِ، والنزاع أيضًا فيه واقع إذا لم يوجد مثله من كل وجه كالحيوان والعقار والآنية والثياب وكثير من المعدودات والمذروعات، فأكثر القياسيين (٦) من أتباع الأئمة الأربعة قالوا: الواجبُ في بدل ذلك عند الإتلاف القيمة، قالوا: لأنَّ المثل في الجنس يتعذَّر (٧)، ثم طَردَ أصحابُ الرأي قياسهم فقالوا: وهذا هو الواجب في الصيدُ في الحرم والإحرام إنما تجب قيمته لا مثله كما لو كان مملوكًا. ثم طردوا هذا القياس في القرض فقالوا: لا يجوز قرض ذلك لأنَّ موجب القرض رد المثل، وهذا لا مثل له. [ومنهم من خرج عن] (٨) موجب هذا القياس في الصيد لدلالة القرآن والسنّة وآثار الصحابة [على أنه] (٩) يضمن بمثله من النعم وهو مثل مقيد بحسب الإمكان وإن لم يكن مثلًا من كل وجه وهذا قول الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد، وهم

стр. 868

يجوِّزون قرض الحيوان أيضًا كما دلت عليه السنّة الصحيحة؛ فإنه قد ثبت عنه ﷺ [في الصحيح] (١) أنه استسْلَفَ بَكْرًا وقضى جملًا رباعيًا (٢)، وقال: "إن خياركم أحسنكم قضاء" (٣). ثم اختلفوا بعد ذلك في مُوجب قرض الحيوان، هل يجب رَدُّ القيمة أو المثل؟ على قولين، وهما في مذهب أحمد وغيره، والذي دَلَّت عليه سنّة رِسول اللَّه ﷺ الصحيحة الصريحة أنَّه يجب رَدُّ المثل (٤)، وهذا هو المنصوص عن أحمد، ثم اختلفوا في الغَصْب والإتلاف على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد: أحدها: يضمن الجميع بالمثل بحسب الإمكان، والثاني: يضمن الجميع بالقيمة، والثالث: يضمن الحيوان بالمثل (٥) وما عداه كالجواهر ونحوها بالقيمة. واختلفوا في الجِدار يُهدم، هل يضمن بقيمته أو يُعاد مثله؟ على قولين، وهما للشافعي، والصحيح ما دلت عليه النصوصُ وهو مقتضى القياس الصحيح، وما عداه فمناقض للنص والقياس (٦)؛ لأنَّ الجميع يضمن بالمثل تقريبًا، وقد نص اللَّه سبحانه على ضمان الصيد بمثله من النَّعَم، ومعلوم أن المماثلة بين بعير وبعير أعظم من المماثلة بين النَّعامة والبعير وبين شاة وشاة أَعظم منها بين طير

стр. 869

وشاة، وقد رَدَّ النَّبيُّ ﷺ بدل البعير الذي اقترضه مثله [دون قيمته] (١) ورد عوض القَصْعَة التي كسرتها بعض أزواجه بقصعة (٢) نظيرها، وقال: إناءٌ بإناء وطعامٌ (٣) بطعام (٤)، فسوَّى بينهما في الضَّمان، وهذا عين العدل ومحض القياس وتأويل القرآن. وقد نص الإمام أحمد على هذا في (مسائل إسحاق بن منصور)، قال إسحاق: قلت لأحمد: قال سفيان: من كسر شيئًا صحيحًا: فقيمته صحيحًا، فقال (٥) أحمد: إنْ كان يوجدُ مثله فمثله، وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته (٦)، ونص عليه أَحمد في رواية إسماعيل بن سعيد فقال: سألت أحمد عن الرجل يكسر قصعة الرجل أو عصاه أو يشق ثوبًا لرجل (٧)، قال: [عليه المثل في العصا والقصعة والثوب، فقلت: [أرأيت] (٨) إن كان الشق قليلًا، فقال] (٩):

стр. 870

صاحب الثوب مُخيَّر في ذلك قليلًا كان أو كثيرًا. وقال في رواية إسحاق بن منصور: مَنْ كَسَر شيئًا صحيحًا فإن كان [شيئًا] (١) يوجد مثله [رد مثله] (٢) وإن كان لا يوجد مثله فعليه قيمته، فإذا كَسَر الذهب فإنه يصلحه (٣) إنْ كان خلخالًا، وإن كان دينارًا أعطى دينارًا آخر مكانه، قال إسحاق: كما قال (٤)، وقال في رواية موسى بن سعيد (٥): وعليه المثل في العصا والقَصْعَة والقصبة إذا كسر وفي الثوب، ولا أقول في العبد والبهائم والحيوان، وصاحب الثوب مُخيَّر إن شاء شق الثوب وإن شاء [أخذ] (٦) مثله، واحتج في رواية ابنه عبد اللَّه (٧) بحديث أنس فقال حُميد، عن أنس: "أنَّ رسول اللَّه (٨) ﷺ كان عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بقَصْعة (٩) فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القَصْعة، فأخذَ النَّبيُّ ﷺ الكسرتين فضم إحداهما (١٠) إلى الأخرى وجعل يجمع فيهما الطعام ويقول: غَارَت أُمُّكم، كلوا، فأكلوا، وجلس رسول اللَّه ﷺ (١١) حتى جاءت قصعةُ التي هو في بيتها فدفع القصعة إلى الرسول، وحبس المكسورة

стр. 871

في بيته" والحديث في صحيح البخاري (١)، وعند الترمذي فيه: ["فقال النبي ﷺ ] (٢): طعام بطعام وإناء بإناء" وقال: حديثٌ صحيحٌ (٣)، وعند أَبي داود، والنسائي [فيه] (٢) قالت عائشة: "فقلت: يا رسول اللَّه ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام" (٤)، وهذا هو مذهبه الصحيح عنه عند ابن أبي موسى، قال في "إرشاده" (٥): ومن استهلك لإنسان (٦) مَا لَا يُكال ولا يُوزن عليه (٧) مثله إن وُجد، وقيل: عليه قيمته، وهو اختيار المحققين من أصحابه، وقضى عثمان وابن مسعود على مَنْ استهلك لرجل فصلانًا بفُصلانٍ مثلها (٨)، وبالمثل قضى شُريح والعنبري، وقال به قتادة وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدَّارمي (٩)، وهو الحق، وليس مع من أوجب (١٠) القيمة نص ولا إجماع ولا قياس، وليس معهم أكثر ولا أكبر من قوله ﷺ : "من أعتق شِرْكًا له في عبد فكان

стр. 872

له من المال ما يَبلغُ ثَمَنَ العبدِ قُوِّمَ عليه [قيمة عدل] ولا وَكْسَ ولا شَطَط (١) فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد" (٢) قالوا: فأوجب (٣) النبي ﷺ في إتلاف نصيب الشريك القيمة لا المثل، فقسنا على هذا كل حيوان، ثم عَدَّيناه إلى كل غير مثليّ، قالوا: ولأن القيمة أضبط وأحصر بخلاف المثل، قال الآخرون: أما الحديث الصحيح فعلى الرأس والعين وسمعًا [له] (٤) وطاعة، ولكن فيما دل عليه، وإلا فيما (٥) لم يدل عليه ولا أريد به فلا ينبغي أن يُحمل عليه، وهذا التضمين الذي يضمنه ليس [هو] (٦) من باب تضمين المتلفات، بل هو من باب تملُّك مال الغير بقيمته؛ فإن نصيب الشريك يملكه المُعتق ثم يُعتق عليه، فلا بد من تقدير دخوله في ملكه ليعتق عليه، ولا خلاف بين القائلين بالسراية في ذلك، ولأن (٧) الولاء له، وإن تنازعوا: هل يسري عقيب عتقه، أو لا يُعتق حتى يُؤدي القيمة، أو يكون موقوفًا فإذا أدى تبيَّن أنه عتق من حين العتق؟ وهي في مذهب الشافعي (٨)، والمشهور في مذهبه ومذهب أحمد القول الأول (٩)، وفي مذهب مالك (١٠) القول الثاني، [وعلى هذا الخلاف ينبني (١١) ما لو أَعتق الشريكُ نَصيبَه

стр. 873

بعد عتق الأول؛ فعلى القول الأول لا يُعتق، وعلي القول الثاني] (١) يُعتق عليه ويكون الولاء بينهما، وينبني (٢) على ذلك أيضًا إذا قال أحد الشريكين: "إذا عتق نصيبك فنصيبي حر" فعلى القول الأول لا يصح هذا التعليق ويعتق نصيبه من مال المعتق، وعلي القول الثاني يصح التعليق ويعتق على المعلق، والمقصود أن التضمين ههنا كتضمين الشفيع [الثمن] (٣) إذا أخذ بالشفعة، فإنه ليس من باب ضمان الإتلاف، ولكن من باب التقويم للدخول في الملك، لكن الشفيع أَدخل الشارع الشقص (٤) في ملكه بالثمن باختياره والشريك المعتقُ أدخل الشِّقْص في ملكه بالقيمة بغير اختياره، فكلاهما تمليك: هذا بالثمن، وهذا بالقيمة، فهذا شيء وضمان المتلف شيء، قالوا: وأيضًا فلو سلم أنه ضمان إتلاف لم يدخل على أن العبد الكامل إذا أتلف يضمن بالقيمة، والفرق بينهما أن الشريكين إذا كان بينهما مالًا ينقسم كالعبد والحيوان والجوهرة ونحو ذلك فحقُ كل واحدٍ منهما في نصف القيمة، فإذا (٥) اتفقا على المُهايأة جاز، وإن تنازعا وتشاحا (٦) بيعت [العينُ] (٧) وقسم [بينهما] (٨) ثمنها على قدر ملكيهما كما يقسم المثلي، فحقهما في المثلي في عينه، وفي المُتقوَّم عند التشاجر والتنازع في قيمته، فلولا أن حقه في القيمة لما أجيب إلى البيع إذا طلبه، وإذا ثبت ذلك [فإذا أَتلف له] (٩) نصف عبد فلو ضمناه بمثله لفات حَقُّه من نصف القيمة الواجبة له شرعًا عند طلب البيع، والشريك إنما حقه في نصف القيمة، وهما لو [تقاسماه] (١٠) تقاسماه بالقيمة، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالقيمة، وعكسه المثلي لو تقاسماه تقاسماه بالمثل، فإذا أتلف أحدهما نصيب شريكه ضمنه بالمثل، فهذا هو القياس والميزان الصحيح طردًا وعكسًا الموافق للنصوص وآثار الصحابة، ومن خالفه فلا بد له من أحد أمرين: إما مخالفة السنة الصحيحة وآثار الصحابة إن طرد قياسه، وإما التناقض البيّن إن لم يطرده (١١).

стр. 874

فصل [حكومة النَّبيَّين الكريمين داود وسليمان] وعلي هذا الأصل تنبني الحكومة المذكورة في كتاب اللَّه [ ] (١) التي حكم فيها النَّبيّان الكريمان داود وسليمان صلى اللَّه عليهما وسلم؛ إذ حكما في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، والحرث: هو البستان، وقد رُوي أنه كان بستان عنب، وهو المُسمَّى بالكرم، والنَّفش: رعيُ الغنم ليلًا، فحكم داود بقيمة المُتْلَف، فاعتبر الغنم فوجدها بقدر القيمة، فدفعها إلى أصحاب الحرث، إما لأنهم (٢) لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها [ورضوا بدفعها] (١) ورَضي أولئك بأخذها بدلًا عن القيمة، وأما سليمان فقضى بالضمان على أصحاب (٣) الغَنَم أن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يَعْمروا البُستان حتى يعود كما كان، ولم يُضيّع عليهم مغله من (٤) الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى [أصحاب البستان] (٥) ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نَماءِ حَرْثهم، وقد اعتبر النماءين فوجدهما (٦) سواء، وهذا هو العلم الذي خصَّه اللَّه به وأثنى عليه بإدراكه (٧). وقد تنازع علماء المسلمين في مثل هذه القضية (٨) على أربعة أقوال: أحدها: موافقة الحكم السُّليْمَاني في ضمان النَّفش وفي المثل (٩)، وهو

стр. 875

الحقُّ (١)، وهو أحد القولين في مذهب أَحمد، ووجه للشافعية والمالكية، والمشهور عنهم (٢) خلافه. والقول الثاني: موافقته في ضمان النفش دون التضمين بالمثل، وهذا هو المشهور من مذهب مالك (٣) والشافعي (٤) وأحمد (٥). والثالث: موافقته في التضمين بالمثل دون النفش كما إذا رَعَاها صاحبُها باختياره دون ما إذا انفلتت (٦) ولم يشعر بها، وهو قول داود ومن وافقه (٧). والقول الرابع: أن النفش لا يوجب الضمان بحال، وما وَجبَ من ضمان الراعي بغير النفش فإنه يضمن بالقيمة لا بالمثل، وهذا مذهب أبي حنيفة (٨). وما حَكمَ به نبيُّ اللَّه سليمان هو الأقرب إلى العدل والقياس، وقد حكم رسول اللَّه ﷺ أن على أهل الحَوائطِ حِفْظَهَا بالنهار وأَن ما أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها (٩)، فصح بحكمه ضمان النفش، وصح بالنصوص السابقة

стр. 876

والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل، وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم، فصح أَنه الصواب، وباللَّه التوفيق. [ما يُفعل بالجاني على النفس] ومن ذلك المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض؛ فهذه ثلاث مسائل: [الأولى]: هل يُفعل بالجاني كما يُفعل بالمجني عليه (١)؟ فإن كان الفعل

стр. 877

محرمًا لِحقِّ اللَّه كاللواط وتجريعه الخمر لم يُفعل به كما فعل اتفاقًا؛ وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار وإلقائه في الماء ورض رأسه بالحجر ومنعه من الطَّعام والشَّراب حتى يموت فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يَفعلون به كما فَعَل، ولا فَرْق بين الجرح (١) المزهق وغيره، وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه يقولان (٢): لا يقتل إلا بالسيف في العنق خاصة، وأحمد في رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مزهقًا فُعل به كما فَعَل، وإلا قُتِل بالسيف، وفي الرواية الرابعة يقول: إن كان مُزهقًا أو موجبًا للقود بنفسه لو انفرد فُعل به كما فَعل، وإن كان غير ذلك قُتل بالسيف، والكتاب والميزان مع القول الأول، وبه جاءت السنّة (٣)، فإن النبي ﷺ رضَّ رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بالجَارِية (٤)، وليس هذا قتلًا لنقضه العهد [لأن ناقض العهد] (٥) إنما يقتل (٦) بالسيف في العنق، وفي أَثر مرفوع: "مَنْ حرّق حَرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه" (٧) وحديث: "لا قَوَدَ إلا بالسيف" (٨)

стр. 878

قال الإمام أحمد: ليس إسناده بجيد، والثابت عن الصحابة أنه يُفعل به كما فَعَل، فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنّة والقياس وآثار الصحابة، واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزمُ المُماثَلة. [ضمان إتلاف المال] المسألة الثانية: إتلاف المال؛ فإن كان ممَّا له حُرمة كالحيوان والعبيد (١)

стр. 879

فليس له أن يُتلف ماله كما أَتلف مَالَه، وإن لم تكن له حُرمة كالثوب يشقُّه والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أَن يُتلف عليه نظير ما أتلفه، بل له القيمة في (١) المثل كما تقدم، والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه كما فعله الجاني [به] (٢)؛ فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نص ولا قياس ولا إجماع! فإن هذا ليس بحرام لِحقِّ اللَّه، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف، وإذا مَكَّنه الشارع أن يُتلف طَرَفَه بِطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله (٣) هو أولى وأحرى، وإن حكمةَ القصاص من التَّشَفِّي ودرك الغَيْظ (٤) لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلافِ ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك عليه لكثرة ماله، فيَشفي نفسَه منه (٥) بذلك، وَيبقى المجني عليه بُغبنهِ وغيظِه، [فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودَرْك ثأره] (٦) وبَرْد قلبه وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاق هو (٧)؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها [معًا] (٢) يأبى ذل وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، [وقوله] (٢): ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يقتضي جواز ذلك، وقد صَرَّح الفُقهاء بجواز إحراق زروع (٨) الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة، وقد أقرّ اللَّه [سبحانه] (٢) الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خِزْيِهِم (٩)، وهذا يدل على أنه (١٠) سبحانه يُحبُّ خزي الجاني الظالم ويشرعُه، وإذا جَازَ تحريق متاع الغَالّ (١١) لكونه تعديَّ على المسلمين في خيانتهم في شيء

стр. 880

من الغنيمة فلأن يُحرق مالُه إذا حَرقَ مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى، وإذا شُرعت العقوبة المالية (١) في حَقِّ اللَّه الذي مسامحته به أكثر من استيفائه فلأن تُشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن اللَّه سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجبَ الدية استدراكًا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أَكمل وأَصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه (٢)، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإلا فمن كان في نفسه من الآخر مِنْ قَتْله وقَطْع (٣) طرفه قَتَله وقَطَع (٣) طَرَفَه وأعطى ديته، والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإن قيل: فهذا ينجبرُ (٤) بأن يعطيه نظيرَ ما أتلفه عليه. قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه، [فهذا هو محض القياس] (٥)، وبه قال الأحمدان: أحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية (٦)، قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء مُخيَّر (٧)، إن شاء شَقَّ الثوبَ، وإن شاء [أخذ] (٨) مثله. [كيف يُجزى الجاني على العرض ؟] المسألة الثالثة: الجناية على العِرْض، فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقَذفهِ وسَبِّ والديه فليس له أن يَفعل به كما فُعل به اتفاقًا، وإن سَبَّه في نفسه أو
следующие страницы →