← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

والقياس الصحيح وجوب الضمان بالمثل، وصح بنص الكتاب الثناء على سليمان بتفهيم هذا الحكم، فصح أَنه الصواب، وباللَّه التوفيق. [ما يُفعل بالجاني على النفس] ومن ذلك المماثلة في القصاص في الجنايات الثلاث على النفوس والأموال والأعراض؛ فهذه ثلاث مسائل: [الأولى]: هل يُفعل بالجاني كما يُفعل بالمجني عليه (١)؟ فإن كان الفعل

стр. 877

محرمًا لِحقِّ اللَّه كاللواط وتجريعه الخمر لم يُفعل به كما فعل اتفاقًا؛ وإن كان غير ذلك كتحريقه بالنار وإلقائه في الماء ورض رأسه بالحجر ومنعه من الطَّعام والشَّراب حتى يموت فمالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه يَفعلون به كما فَعَل، ولا فَرْق بين الجرح (١) المزهق وغيره، وأبو حنيفة وأحمد في رواية عنه يقولان (٢): لا يقتل إلا بالسيف في العنق خاصة، وأحمد في رواية ثالثة يقول: إن كان الجرح مزهقًا فُعل به كما فَعَل، وإلا قُتِل بالسيف، وفي الرواية الرابعة يقول: إن كان مُزهقًا أو موجبًا للقود بنفسه لو انفرد فُعل به كما فَعل، وإن كان غير ذلك قُتل بالسيف، والكتاب والميزان مع القول الأول، وبه جاءت السنّة (٣)، فإن النبي ﷺ رضَّ رأس اليهودي بين حجرين كما فعل بالجَارِية (٤)، وليس هذا قتلًا لنقضه العهد [لأن ناقض العهد] (٥) إنما يقتل (٦) بالسيف في العنق، وفي أَثر مرفوع: "مَنْ حرّق حَرَّقناه، ومن غرَّق غرَّقناه" (٧) وحديث: "لا قَوَدَ إلا بالسيف" (٨)

стр. 878

قال الإمام أحمد: ليس إسناده بجيد، والثابت عن الصحابة أنه يُفعل به كما فَعَل، فقد اتفق على ذلك الكتاب والسنّة والقياس وآثار الصحابة، واسم القصاص يقتضيه لأنه يستلزمُ المُماثَلة. [ضمان إتلاف المال] المسألة الثانية: إتلاف المال؛ فإن كان ممَّا له حُرمة كالحيوان والعبيد (١)

стр. 879

فليس له أن يُتلف ماله كما أَتلف مَالَه، وإن لم تكن له حُرمة كالثوب يشقُّه والإناء يكسره فالمشهور أنه ليس له أَن يُتلف عليه نظير ما أتلفه، بل له القيمة في (١) المثل كما تقدم، والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه كما فعله الجاني [به] (٢)؛ فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نص ولا قياس ولا إجماع! فإن هذا ليس بحرام لِحقِّ اللَّه، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والأطراف، وإذا مَكَّنه الشارع أن يُتلف طَرَفَه بِطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله (٣) هو أولى وأحرى، وإن حكمةَ القصاص من التَّشَفِّي ودرك الغَيْظ (٤) لا تحصل إلا بذلك، ولأنه قد يكون له غرض في أذاه وإتلافِ ثيابه ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك عليه لكثرة ماله، فيَشفي نفسَه منه (٥) بذلك، وَيبقى المجني عليه بُغبنهِ وغيظِه، [فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ودَرْك ثأره] (٦) وبَرْد قلبه وإذاقة الجاني من الأذى ما ذاق هو (٧)؟ فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة وقياسها [معًا] (٢) يأبى ذل وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، [وقوله] (٢): ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] يقتضي جواز ذلك، وقد صَرَّح الفُقهاء بجواز إحراق زروع (٨) الكفار وقطع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا، وهذا عين المسألة، وقد أقرّ اللَّه [سبحانه] (٢) الصحابة على قطع نخل اليهود لما فيه من خِزْيِهِم (٩)، وهذا يدل على أنه (١٠) سبحانه يُحبُّ خزي الجاني الظالم ويشرعُه، وإذا جَازَ تحريق متاع الغَالّ (١١) لكونه تعديَّ على المسلمين في خيانتهم في شيء

стр. 880

من الغنيمة فلأن يُحرق مالُه إذا حَرقَ مالَ المسلم المعصوم أولى وأحرى، وإذا شُرعت العقوبة المالية (١) في حَقِّ اللَّه الذي مسامحته به أكثر من استيفائه فلأن تُشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى، ولأن اللَّه سبحانه شرع القصاص زجرًا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجبَ الدية استدراكًا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أَكمل وأَصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه (٢)، وأحفظ للنفوس والأطراف، وإلا فمن كان في نفسه من الآخر مِنْ قَتْله وقَطْع (٣) طرفه قَتَله وقَطَع (٣) طَرَفَه وأعطى ديته، والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك، وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإن قيل: فهذا ينجبرُ (٤) بأن يعطيه نظيرَ ما أتلفه عليه. قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه، [فهذا هو محض القياس] (٥)، وبه قال الأحمدان: أحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية (٦)، قال في رواية موسى بن سعيد: وصاحب الشيء مُخيَّر (٧)، إن شاء شَقَّ الثوبَ، وإن شاء [أخذ] (٨) مثله. [كيف يُجزى الجاني على العرض ؟] المسألة الثالثة: الجناية على العِرْض، فإن كان حرامًا في نفسه كالكذب عليه وقَذفهِ وسَبِّ والديه فليس له أن يَفعل به كما فُعل به اتفاقًا، وإن سَبَّه في نفسه أو

стр. 881

سَخِرَ به أو هزأ به أو بال عليه أو بصق عليه أو دعا عليه فله أن يفعل به نظير ما فعل به متحريًا للعدل، وكذلك إذا كسعه أو صفعه فله أن يستوفيَ منه نظير ما فعل به سواء، وهذا أَقرب إلى الكتاب والميزان وآثار الصحابة من التعزير المخالف للجناية جنسًا ونوعًا (١) وقدرًا وصفة، وقد دلّت السنّة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها؛ ففي "صحيح البخاري": "أن نساء النبي ﷺ أَرسلنَ زَيْنب بنت جحش إلى رسول اللَّه ﷺ تكلمه في شأن عائشة، فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءَك يَنْشُدنك العَدْلَ في بنت (٢) ابن أبي قُحافة، فرَفَعت صوتَها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة، فسبَّتها، حتى إنَّ رسول اللَّه ﷺ لينظر إلى عائشة هل تتكلم، فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت: فنظر النَّبيُّ ﷺ إلى عائشة وقال: إنها بنتُ أبي بكر" (٣)، وفي "الصحيحين" [في] (٤) هذه القصة، قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ -وهي التي كانت تُساميني في المنزلة عند رسول اللَّه ﷺ فذكرت الحديث، وقالت: ثم وقعت فيَّ، فاستطالت عليَّ، وأنا أرقبُ رسولَ اللَّه ﷺ وأرقبُ طَرفَه: هل يأذن لي فيها؟ قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول اللَّه ﷺ لا يكره أن أَنتصر، فلما وقعت بها لم أَنْشَبها حتى أنحيت عليها (٥)، قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ وتبسَّم: "إنها ابنةُ أبي بكر"، وفي لفظ [فيهما]: "فلم أنشبها أن أثخنتها غلبة" (٦) وقد حكى اللَّه سبحانه عن يوسف الصديق إنه قال لإخوته: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ] (٧)﴾ [يوسف: ٧٧] لما قالوا: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ (٨) [يوسف: ٧٧]

стр. 882

للمصلحة (١) التي اقتضت كتمان الحال، ومن تأمل الأحاديث رأى ذلك فيها كثيرًا جدًا، وباللَّه التوفيق. فصل [قوة أدلة الفريقين تحتاج إلى نظر دقيق] قالوا: وهذا غَيْضٌ من فيضٍ، وقطرة من بحر، من تناقض القياسيين (٢) الآرائيين وقولهم بالقياس وتركهم لما هو نظيره من كل وجه أو أولى منه (٣) وخروجهم في القياس عن موجب القياس، كما أوجب لهم مخالفة السنن والآثار كما تقدم الإشارة إلى بعض ذلك، فليوجدنا القياسيون (٤) حديثًا واحدًا صحيحًا [صريحًا] (٥) غير منسوخ قد خالفناه لرأي أو قياس أو تقليد رجل، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا، فإن كان مخالفةُ القياس ذنبًا (٦) فقد أريناهم مخالفته صريحًا، ثم نحن أسعدُ الناس بمخالفته منهم؛ لأنا إنما خالفناه للنصوص؛ وإن كان حقًا فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ فانظر إلى هذين البَحْرين اللذين قد تلاطمت أمواجهما، والحزبين اللذين قد ارتفع في مُعتركِ الحَرْب عَجَاجُهما، فجرَّ كلُّ منهما جيشًا من الحجج لا تقوم له الجبال، وتتضاءل له شجاعةُ الأبطال، وأدلى كل منهما (٧) من الكتاب والسنة والآثار بما خضعت له الرقاب، وذَلَّت له الصِّعاب، وانقاد له علم كل عالم، ونفَّذَ (٨) حكمه كلُّ حاكم، وكان نهاية قدم الفاضل النحرير الراسخ في العلم أن يفهم عنهما ما قالاه، ويحيط علمًا بما أضَّلاه وفضَّلاه؛ فليعرف الناظر في هذا المقام قدره، ولا يتعدى طوره، وليعلم أن وراء سويقتيه (٩) بحارًا طامية، وفوق مرتبته في العلم مراتب فوق السُّهى (١٠) عالية، فمن وثق من نفسه بأنه (١١) من

стр. 883

فرسان هذا الميدان، وجملة هؤلاء الأقران، فليجلس مجلس الحكم بين الفريقين، ويحكم بما يرضي اللَّه ورسوله بين هذين الحزبين، فإن الدين كله للَّه، وإن الحكم إلا للَّه، ولا ينفع في هذا المقام: قاعدة المذهب كيت وكيت، وقطع به جمهورٌ [من] (١) الأصحاب، وتحصَّل لنا في المسألة كذا وكذا وجهًا، [و] (١) صحح هذا القول خمسة عشر، وصحح الآخر سبعة، وإن على نسبُ علمه قال: "نصَّ عليه" (٢) فانقطع النزاع، ولزم ذلك النص في قرن الإجماع (٣)، واللَّه المستعان وعليه التكلان. فصل [القول الوسط بين الفريقين] قال المتوسطون بين الفريقين: قد ثَبتَ أن اللَّه سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان، [فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الأحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه فالميزان] (٤) الصحيح لا يتناقض في نفسه ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض (٥) دلالة النصوص الصحيحة، ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصحيح (٦) والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض؛ فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدًا، ونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل (٧) الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة أو جملة وتفصيلًا، ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة، فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه، كما (٨) أن القسم الثالث

стр. 884

في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقلُ الصحيحُ (١) فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. [إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين] وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما (٢) أن الذِّكر الأمري محيطٌ بجميع أفعال المكلفين أمرًا ونهيًا وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابةً وقدرًا، فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده وأمره ونهيه وإباحته وعفوه [الواقعة تحت التكليف وغيرها] (٣)، قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية، فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري (٤)، فقد بَيِّن اللَّه سبحانه على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره (٥) به وجميع ما نهى عنه وجميع ما أحلَّه وجميع ما حرمه وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينه كاملًا كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي] (٦)﴾ [المائدة: ٣] ولكن قد يقصُر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها (٧)، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن اللَّه ورسوله، لا يحصيه إلا اللَّه، ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص اللَّه سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى (٨) عليه وعلي داود بالعلم والحُكْم (٩)، وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه "الفَهْمَ الفَهْمَ فيما أُدلي إليك" (١٠)، وقال علي: "إلا فهمًا يؤتيه اللَّه عبدًا في كتابه" (١١)، وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول اللَّه ﷺ (١٢) ودعا النبي ﷺ لعبد اللَّه بن عباس أن

стр. 885

يُفَقِّهه (١) في الدين ويعلمه التأويل (٢)، والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهمُ المعنى المراد (٣)، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي آخيَّتُه وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بُطلانَه، واللَّه يعلم بطلانه. فصل [اختلفوا هل تحيط النصوص بحكم جميع الحوادث . رأي الفرقة الأولى] والناس انقسموا في هذا الموضع إلى ثلاث فرق: فرقة قالت: [إن] (٤) النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعض هؤلاء حتى قال: ولا بعُشر معشارها (٥)، قالوا: فالحاجة إلى القياس فوق الحاجة إلى النصوص، ولعمرُ اللَّه إن هذا مقدار [النصوص في] (٦) فهمه وعلمه ومعرفته لا مقدارها في نفس الأمر، واحتج هذا القائل بأن النصوص متناهية، وحوادث العباد غير متناهية، وإحاطة المتناهي بغير المتناهي ممتنع، وهذا احتجاج فاسد [جدًا] (٤) من وجوه: أحدها: أن مالا تتناهى أفراده لا يمتنع أن يُجعل أنواعًا، فيُحكم لكل نوع منها بحكم واحد فتدخل الأفراد التي لا تتناهى تحت ذلك النوع. الثاني: أن أنواع الأفعال بل والأعراض كلها متناهية. الثالث: أنه لو قُدِّر عدم تناهيها فإن أفعال (٧) العباد الموجودة إلى يوم القيامة متناهية، وهذا كما تُجعل الأقارب نوعين: نوعًا مباحًا، وهو بنات العَمِّ والعمة وبنات الخال والخالة، وما سوى ذلك حرام، وكذلك تجعل ما ينقض الوضوء محصورًا، وما سوى ذلك لا ينقضه، وكذلك ما يفسد الصوم، وما يوجب الغسل وما يوجب العدة، وما يُمنع منه المحرمُ، وأمثال ذلك، وإذا كان أرباب المذاهب

стр. 886

يضبطون مذاهبهم ويحصرونها بجوامع تحيط بما يَحلُّ ويَحرمُ عندهم مع قصور بيانهم فاللَّه ورسوله المبعوث بجوامع الكلم أقدر على ذلك، فإنه ﷺ يأتي بالكلمة الجامعة وهي قاعدة عامة وقضية كليَّة تجمع أنواعًا وأفرادًا وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس. وهذا كما سئل ﷺ أنه عن أنواع من الأشربة كالبتْع والمِزْر (١)، وكان قد أوتي بجوامع الكلم فقال: "كل مسكر حرام" (٢)، و"كُلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" (٣)، و"كُل قرضٍ جر نفعًا فهو ربا" (٤)، و"كُلُّ شرطٍ ليس في كتاب اللَّه فهو

стр. 887

باطلٌ" (١)، و"كل المسلم على المسلم حرام دمُه وماله وعرضه" (٢)، و"كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين" (٣)، و"كل مُحدثةٍ بدعة وكل بدعة ضلالة" (٤)،

стр. 888

و"كُلُّ معروفٍ صدقة" (١) وسَمَّى النبي ﷺ هذه الآية جامعة فاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (٢) [الزلزلة: ٧، ٨] ومن هذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠] فدخل في الخمر كل مسكرٍ، جامدًا كان أو مائعًا، من العنب أو من غيره، ودخل في الميسر كل أكل مالٍ بالباطل، وكل عمل محرم يُوقع في العداوة والبغضاء ويصدُ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، ودخل في قوله (٣): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] كل يمين منعقدة، ودخل في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] كل طَيّبٍ من المطاعم والمشارب والملابس والفروج، ودخل في قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ما لا تُحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللَّطمة والضَّربة والكَسْعة كما فهم الصحابة، ودخل في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣] تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة، وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض، وكل شرك باللَّه وإن دَقَّ في قول أو عمل أو إرادة بأن يُجعل للَّه عدلًا بغيره (٤) في اللفظ أو القصد أو الاعتقاد، [وكل قول على اللَّه لم] (٥) يأتِ به نصٌّ عنه

стр. 889

ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيًا أو إثباتًا، أو خبرًا عن فعله؛ فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه، ودخل في قوله ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، وجوبه في كل جرح يمكن القصاص منه، وليس هذا تخصيصًا، بل هذا (١) مفهومٌ من قوله: ﴿قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وهو المماثلة، ودخل في قوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريبٍ أو بعيدٍ، ودخل في قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] جميع الحقوق التي للمرأة وعليها، وأن مرد ذلك إلى ما يتعارفه الناس بينهم ويجعلونه معروفًا لا منكرًا، والقرآن والسنة كفيلان بهذا أتم كفالةٍ. فصل الفرقة الثَّانية قابلت هذه الفرقة، وقالت: القياس كُلُّه باطلٌ، محَرَّم في الدين، ليس منه، وأنكروا القياس الجلي الظَّاهر حتى فرقوا بين المتماثلين، وزعموا أن الشارع لم يشرع شيئًا لحكمة أصلًا، ونفوا تعليل خلقه وأمره، وجَوَّزوا -بل جزموا- بأنه يُفرّق بين المتماثلين، ويقرن بين المختلفين في القضاء [والشرع، وجعلوا كل مقدور فهو عدل، والظلم عندهم هو] (٢) الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين. هذا (٣) وإن كان قاله طائفة من أهل الكلام المنتسبين إلى السنة في إثبات القدر، [وخالفوا القدرية والنفاة؛ فقد أصابوا في إثبات القدر وتعليق] (٤) المشيئة الإلهية بأفعال العباد الاختيارية كما تتعلق بذواتهم وصفاتهم، وأصابوا في إثبات (٥) تناقض القدرية النفاة، ولكن (٦) ردّوا من الحق المعلوم بالعقل والفطرة والشرع ما سَلَّطوا عليهم به خصومهم، وصاروا ممن رد بدعة ببدعة، وقابل الفاسد بالفاسد، ومكَّنوا خصومهم بما نفوه من الحق من الرد عليهم، وبيان تناقضهم، ومخالفتهم الشرع والعقل.

стр. 890

فصل الفرقة الثالثة (١) قوم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، وأقروا بالقياس كأبي الحسن الأشعري وأتباعه ومن قال بقوله من الفقهاء أتباع الأئمة، وقالوا: إن علل الشرع إنما هي مجرد أمارات وعلامات محضة كما قالوه في ترك الأسباب. وقالوا: إن الدعاء علامة محضة على حصول المطلوب، لا أنه سَببٌ فيه، والأعمال الصالحة والقبيحة علاماتٌ محضة ليست سببًا في حصول الخير والشر، وكذلك جميع ما وجدوه من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض قالوا: أحدهما دليل على الآخر، مقارنٌ له اقترانًا عاديًا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة، ولا له فيه تأثير بوجه من الوجوه. وليس عند أكثر الناس غير أقوال هؤلاء الفرق الثلاثة (٢)، وطالب الحق إذا رأى ما في هذه الأقوال من الفساد والتناقض والاضطراب ومناقضة بعضها لبعض [ومعارضة بعضها لبعض] (٣) بقي في الحيرة، فتارة يتحيز إلى فرقة منها له ما لها وعليه ما عليها، وتارةً يتردد بين هذه الفرق تميميًا (٤) مرَّة وقيسيًا أخرى، وتارة يَلقى الحرب بينهما ويقف في النظارة (٥)، وسبب ذلك خفاء الطريقة المثلى والمذهب الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمة وأئمتها والفقهاء المعتبرون من إثبات الحِكَم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره، وإثبات لام التعليل وباء السببية في القضاء والشرع كما دلت عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة واتفق عليه الكتاب والميزان. ومن تأمل كلام سلف الأمة وأئمة أهل السنة رآه يُنكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط؛ فينكر قول المعتزلة المكذبين بالقدر، وقول الجهمية المنكرين للحِكَم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدرية المجوسية، ولا بقول القدرية الجبرية نفاة الحكمة والرحمة والتعليل، وعامة البدع المحدثة (٦) في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهمية والقدرية، والجهمية

стр. 891

رؤوس الجبرية وأئمتهم أنكروا حكمة اللَّه ورحمته وإن أقروا بلفظ مجرد فارغ عن حقيقة الحكمة والرحمة، والقدرية النفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته؛ فأولئك أثبتوا نوعًا من [الملك بلا حمد، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من] (١) الحمد بلا ملك؛ فأنكر أولئك عُمومَ حَمْدِه، وأنكر هؤلاء عموم مُلكه، وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه؛ فله كمال الملك وكمال الحمد؛ فلا يخرج عينٌ ولا فعلٌ عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كل ذلك حكمة وغاية مطلوبة يستحق عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراطٍ مستقيم، وهو حمده الذي يتصرف في ملكه به لأجله (٢). والمقصود أنهم كما انقسموا ثلاث (٣) فرق في هذا الأصل انقسموا في فرعه -وهو القياس- إلى ثلاث فرق: فرقة أنكرته بالكلية، وفرقة قالت به وأنكرت الحِكَم والتعليل والأسباب (٤)؛ والفرقتان أخلت النصوص عن تناولها لجميع أحكام المكلفين (٥) وأنها أحالت على القياس، ثم قالت غلاتهم: أحالت عليه أكثر الأحكام، وقال متوسطوهم: بل أحالت عليه كثيرًا من الأحكام لا سبيل إلى إثباتها (٦) إلا به. [النصوص محيطة بأحكام جميع الحوادث] والصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلنا اللَّه ولا رسوله (٧) على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق (٨) للنصوص، فهما دليلان: الكتاب والميزان، وقد تخفى دلالةُ النص أو لا تبلغ العالم فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له فيكون فاسدًا؛ وفي نفس الأمر (٩) لا بد من موافقته أو مخالفته، ولكن عند المجتهد قد تخفى موافقته أو مخالفته.

стр. 892

فصل [الرد على الفرق الثلاث] وكل فرقة من هذه (١) الفرق سَدُّوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق؛ فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر ممَّا تحتمله؛ فنفاة القياس لما سدّوا على أنفسهم (٢) باب التمثيل والتعليل واعتبار الحِكَم والمصالح وهو من الميزان والقسط الذي أنزله اللَّه احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحمَّلوهما فوق الحاجة ووسعوهما أكثر مما يَسعَانه، فحيث (٣) فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا بما وراءه، وحيث [لم يفهموا منه نفوه، وحملوا الاستصحاب] (٤)، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها (٥)، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد، وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس وتركهم له، وأخذهم بقياس وتركهم ما هو أولى منه. ولكن أخطأوا من أربعة أوجه: أحدها: رد القياس الصحيح، ولا سيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي ﷺ لما لعن عبدَ اللَّه حِمَارًا (٦) على كثرة شُرْبه للخمر: "لا تلعنه، فإنه يُحِبُّ اللَّه ورسوله" (٧) بمنزلة قوله: لا تلعنوا كل من يحب اللَّه ورسوله، وفي أن قوله: "إن اللَّه ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُرِ فإنها رِجْسٌ" (٨) بمنزلة قوله:

стр. 893

ينهيانكم (١) عن كل رجس، وفي أن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نهي عن كل رجس، وفي [أن] (٢) قوله ﷺ في الهِرِّ (٣): "ليست بنَجَس إنها من الطَّوافين عليكم والطوافات" (٤) بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس (٥)؛ ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره: "لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم"، نَهْي [له] (٦) عن كل طعام كذلك، وإذا قال: "لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر" نَهْي له عن كل مسكر، و"لا تتزوج (٧) هذه المرأة فإنها فاجرة" وأمثال ذلك. الخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص؛ فكم من حُكم دَلَّ عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه، وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ، دون إيمائه وتنبيهه وإشارته وعُرفه عند المخاطبين، فلم يفهموا من قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] ضربًا ولا سبًا ولا إهانة غير لفظة أف، فقصَّروا في فهم الكتاب كما قصَّروا في اعتبار الميزان. الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه؛ لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علمًا بالعدم. [الاستصحاب: معناه وأقسامه] وقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ومراتبها (٨)

стр. 894

فالاستصحابُ: استفعالٌ من الصحبة، وهي استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفي ما كان منفيًا (١)، وهو ثلاثة أقسام: استصحاب البراءة الأصلية ، و استصحاب الوصف المُثْبت للحكم الشرعي حتى يثبت (٢) خلافه، واستصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. [استصحاب البراءة الأصلية] فأما النوع الأول (٣) فقد تنازع الناسُ فيه: فقالت طائفة من الفقهاء والأصوليين: إنه يصلح للدفع لا للإبقاء، كما قاله بعض الحنفية، ومعنى ذلك أنه يصلح لأن يدفع به من ادعى تغيير الحال [لا] (٤) لإبقاء الأمر على ما كان، فإن بقاءه على ما كان إنما هو مستند إلى موجب الحكم، لا إلى عدم المُغيِّر له، فإذا لم نجد دليلًا ناقلًا ولا مثبتًا (٥) أمسكنا، لا نثبت الحكم ولا ننفيه، بل ندفع (٦) بالاستصحاب دعوى مَنْ أثبته (٧)، فيكون حالُ المتمسك بالاستصحاب كحال المعترض مع المستدل؛ فهو يمنعه الدلالة حتى يثبتها، لا أنه (٨) يقيم دليلًا على نفي ما ادعاه، وهذا غير حال المعارض؛ فالمعارض لون والمعترض لون، فالمعترض يمنع دلالة الدليل، والمعارض يسلم دلالته ويقيم دليلًا على نقيضه (٩)، وذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يصلح لإبقاء الأمر على ما كان عليه، [قالوا: لأنَّه إذا غلب على الظن انتفاء الناقل غلب على الظن بقاء الأمر على ما كان عليه] (١٠). [استصحاب الوصف المثبت للحكم] ثم النوع الثاني استصحابُ الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، وهو حجة، كاستصحاب حكم الطهارة وحكم الحدث واستصحاب بقاء النكاح (١١)

стр. 895

وبقاء الملك وشُغل الذمة بما تُشغل به (١) حتى يثبت خلاف ذلك، وقد دل الشارع على تعليق الحكم به في قوله في الصيد: "وإن وجَدْتهُ غريقًا فلا تأكله، فإنك لا تَدْري الماءُ قَتَله أو سهمُك" (٢) وقوله: "فإن خالطها (٣) كلامه من غيرها فلا تأكل، فإنك إنما سَمَّيت على كلبك ولم تُسمِّ على غيره" (٤) لما كان الأصلُ في الذبائح التحريم وشَكَّ هل وجد الشرط المبيح أم لا بقي الصيدُ على أصله في التحريم، ولما كان الماء طاهرًا فالأصل (٥) بقاؤه على طهارته ولم يزلها بالشك، ولما كان الأصل بقاء المتطهر على طهارته لم يأمره بالوضوء مع الشك في الحدث، بل قال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٦)، ولما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمَّته أمر الشاكَّ أن يبنى على اليقين ويطرح الشك (٧)، ولا يعارض هذا

стр. 896

رفعهُ للنِّكاح المتيقِّن بقول الأمة السوداء إنها أرضعت الزوجين (١)؛ فإن أصل الأبضاع على التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية، وقد عارض هذا الظاهر ظاهرٌ مثله أو أقوى منه وهو الشهادة، فإذا تعارضا تساقطا (٢) وبقي أصلُ التحريم لا معارض له؛ فهذا الذي حكم به النبي ﷺ ، وهو عين الصواب ومحض القياس، وباللَّه التوفيق. ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين، مثاله أن مالكًا منع الرجل إذا شك هل أحدث أم لا من الصلاة حتى يتوضأ، لأنه وإن كان الأصل بقاء الطهارة فإن الأصل بقاء الصلاة في ذِمّته (٣)، فإن قلتم: لا نخرجه من الطهارة [بالشك] (٤)، قال مالك: [ولا ندخله في الصلاة بالشك] (٥)، فيكون قد خرج منها بالشك، فإن قلتم: يقين (٦) الحدث قد ارتفع بالوضوء فلا يعود بالشك، قال منازعكم (٧): وبقين البراءة الأصلية قد ارتفع بالوجوب فلا (٨) يعود بالشك، قالوا: والحديث الذي تحتجون به من أكبر حُجَجِنا، فإنه مَنَع المصلي بعد دخوله في الصلاة بالطهارة المتيقَّنة أن يخرج منها بالشك، فأين هذا من تجويز الدخول فيها بالشك (٩)؟ ومن ذلك لو شك هل طَلَّق واحدة أو ثلاثًا فإن مالكًا يلزمه بالثلاث؛ لأنه تيقن طلاقًا وشك هل هو ممَّا تُزيلُ أَثَره الرَّجعةُ أم لا، وقول الجمهور في هذه المسألة أصح؛ فإن النكاح متيقن فلا يزول بالشك، ولم يعارض يقين النكاح إلا شك محض فلا

стр. 897

يزول به، وليس هذا نظير الدخول في الصلاة بالطهارة التي شك في انتقاضها؛ فإن الأصل هناك شغل الذمة وقد وقع الشك في فراغها، ولا يُقال هنا (١): إن الأصل التحريم بالطلاق وقد شككنا في الحِل، فإن التحريم قد زال بنكاح متيقن وقد حصل الشك في ما يرفعه، فهو نظير ما لو دخل في الصلاة بوضوء متيقن ثم شك في زواله، فإن قيل: هو متيقن للتحريم بالطلاق شاك في الحل بالرَّجعة، فكان جانب التحريم أقوى، قيل: ليست الرجعية بمحرِّمَة، وله أن يخلو بها، ولها أن تتزين له وتتعرض له، وله أَن يطأها، والوطءُ رجعة عند الجمهور، وإنما خالف في ذلك الشافعيُّ وحده (٢)، وهي زوجته في جميع الأحكام إلا في القسم خاصة، ولو سلم أنها محرمة فقولُكم: "إنه متيقن للتحريم" إن أردتم به التحريم المطلق فإنه (٣) غير متيقن، وإن أردتم به مطلق التحريم لم يستلزم أن يكون بثلاث؛ فإن مطلق التحريم أعم من أن يكون بواحدة أو يكون بثلاث، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، وهذا في غاية الظهور. فصل [استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع] النوع الثالث (٤): استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، وقد اختلف فيه الفقهاء والأصوليون هل هو حجة (٥)؟ على قولين: أحدهما: أنه حجة، وهو قول المُزَنَي (٦)، والصَّيْرفي (٧) وابن شاقلا (٨). . . .

стр. 898

وابن حامد (١) وأبي عبد اللَّه الرَّازي (٢)، والثاني: ليس بحجة، وهو قول أبي حامد (٣)، وأبي الطيب الطَّبري (٤) والقاضي أبي يعلى (٥)، وابن عَقيل (٦) وأبي الخَطَّاب (٧) والحَلْواني (٨) وابن الزَّاغُوني (٩)، وحجة هؤلاء أن الإجماع إنما كان على الصفة التي كانت قبل محل النزاع كالإجماع على صحة الصلاة قبل رؤية الماء في الصلاة، فأما بعد الرؤية فلا إجماع، فليس هناك ما يُستصحب؛ إذ يَمتنع دعوى الإجماع في محل النزاع، والاستصحاب إنما يكون لأمر ثابت فيُستصحب ثبوتُه، أو لأمر منتفٍ (١٠) فيستصحب نفيه، قال الأولون: غاية ما ذكرتم أنه لا إجماع في محل النزاع، وهذا حق، ونحن لم نَدَّع الإجماع في محل النزاع، بل استصحبنا حال المجمع عليه حتى يثبت ما يزيلُه، قال الآخرون: الحكم إذا كان إنما ثبت بالإجماع (١١)، وقد زال الإجماع، زال الحكم لزوال دليله (١٢)، فلو ثبتَ الحكم [بعد ذلك] (١٣) لثبتَ بغير دليل، وقال المُثبتون: الحكم كان ثابتًا، وعلمنا بالإجماع ثُبوتَه، فالإجماع ليس هو عِلَّةُ ثبوته ولا سبب ثبوته في نفس الأمر حتى يلزم من زوالِ العلةِ زوال معلولها، ومن زوال السبب زوال حكمه، وإنما الإجماع دليلٌ عليه، وهو في نفس الأمر مستندٌ إلى نص أو معنى [نص] (١٤)، فنحن نعلمُ أن الحكم المجمع عليه ثابتٌ في نفس الأمر، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من

стр. 899

انتفاء الإجماع انتفاء الحكم، بل يجوز أن يكون باقيًا ويجوز أن يكون منتفيًا، لكن الأصل بقاؤُه، فإن البقاء لا يفتقر إلى سبب حادث، ولكن يفتقر إلى بقاء (١) سبب ثبوته، وأما الحكم المخالف فيفتَقِر إلى ما يُزيل [الحكم] (٢) الأَوَّل، وإلى ما يُحدث الثاني، وإلى ما يُبينه (٣)، فكان ما يفتقر إليه الحادثُ أكثر ممَّا يفتقر إليه الباقي، فيكون البقاء أولى من التغيير، وهذا مثلُ استصحاب حال براءة الذمة، فإنها كانت بريئة قبل وجود ما يُظنّ [به] (٤) أنه شاغل، ومع هذا فالأصل البراءة، والتحقيق أن هذا دليل من جنس استصحاب البراءة، ومن لا يُجوِّز الاستدلال به إلا بعد معرفة المزيل فلا يجوز الاستدلال به لمن لم يعرف الأدلة الناقلة، [كما لا يجوز الاستدلال بالاستصحاب لمن يعرف الأدلة الناقلة] (٥)؛ وبالجملة فالاستصحاب لا يَجوزُ الاستدلالُ به إلا إذا اعتقد انتفاء الناقل، فإن قَطَع المُسْتَدِل بانتفاء الناقل قطع بانتفاء الحكم، كما يُقطع ببقاء شريعة محمد ﷺ ، وأنها غير منسوخة، وإن ظَنَّ انتفاءَ النَّاقل أو ظن انتفاء دلالته ظن انتفاء النَّقلْ، وإن كان الناقل معنى مؤثرًا وتبيَّن له عدم اقتضائه تبيّن له انتفاء النقل، [وإن كان الناقل معنى مؤثرًا وتبين له عدم اقتضاءه تبيّن له انتفاء النقل] (٦)، مثل رؤية الماء في الصلاة لا تنقض (٧) الوضوء، وإلا فمع تجويزه لكونه ناقضًا للوضوء لا يطمئن ببقاء الوضوء، وهكذا كل مَنْ وقع النزاع في انتقاضِ وضوئه ووجوب الغسل عليه فإن الأصل بقاء طهارته، كالنزاع في بطلان الوضوء بخروج النجاسات من غير السبيلين، وبالخارج النادر منهما، وبمس النساء بشهوة (٨) وغيرها، وبأكل ما مَسَّته النار، وغسل الميت، وغير ذلك، لا يمكنه اعتقاد استصحاب الحال فيه حتى يتيقن له بطلان ما يُوجب الانتقال، وإلا بَقي شاكًّا، وإن لم يتبين له صحة الناقل -كما لو أخبره فاسق بخبر (٩) - فإنه مأمور بالتبيُّن والتَّثبت، لم يُؤمر بتصديقه ولا بتكذيبه (١٠) فإنَّ كليهما ممكن منه، وهو مع خبره لا يَستدلُّ باستصحاب الحال كما

стр. 900

كان يستدل به بدون خبره، ولهذا (١) جعل لوثًا وشُبهة، وإذا شهد مجهول الحال فإنه هناك شاك في حال الشاهد، ويلزم منه الشك في [حال] (٢) المشهود به، فإذا تبين كونه عدلًا تم الدليل، وعند شهادة المجهولين تضعف البراءة أعظم مما [تضعف] عند شهادة الفاسق (٣)، [لأنه ليس بدليل، لكن يمكن صدقه، وذلك] (٤) قد يكون دليلًا ولكن لا تعرف دلالته، [وأما هناك فقد علمنا أنه ليس بدليل، لكن يمكن وجود المدلول [عليه] في هذه الصورة؛ فإن صِدْقَه ممكن] (٥). فصل [الدليل على أنه حجة] ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبديل (٦) حال المَحلِّ المُجمع على حكمه أو لا كتبديل (٧) زمانه ومكانه وشخصه، وتبديل (٨) هذه الأمور وتغيُّرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبديل (٩)، فكذلك تبدُّل وصفه وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم (١٠) دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضده، كما جعل الدباغ ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليل الخَمْرة للحكم بتحريمها (١١)، وحدوث الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية، وحينئذ لا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحًا، وأما مجرد النزاع فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع، والنزاع في رؤية الماء في الصلاة (١٢) وحدوث العَيْب عند المُشتري واستيلاد الأمة

стр. 901

لا يُوجب رفع ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام؛ فلا يقبل قول المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث؛ فإن النزاع (١) لا يرفع ما ثبت من الحكم؛ فلا يمكن المعترض رفعه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم، وحينئذ فيكون معارضًا في الدليل لا قادحًا في الاستصحاب، فتأمله فإنه التحقيقُ في هذه المسألة. فصل [الأصلي في الشروط الصحة أو الفساد] الخطأ الرابع لهم: اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان حتى يقوم دليل على الصحة (٢)، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقدٍ أو معاملة استصحبوا بطلانه، فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من اللَّه بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه، وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكم ببطلانها حكم بالتحريم والتأثيم (٣)، ومعلوم أنه لا حرامٌ إلا ما حَرَّمه اللَّه ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثمَّ اللَّه ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجبَ إلا ما أوجبه اللَّه، ولا حرامَ إلا ما حرمه اللَّه، ولا دينَ إلا ما شرعه؛ فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم (٤). والفرق بينهما أن اللَّه سبحانه لا يُعبدُ إلا بما شرعه على ألسنة رُسُلِه، فإن العبادة حَقُّه على عباده، وحَقُّه الذي أحقَّه هو ورضي به وشَرَعَه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها؛ ولهذا نعى اللَّه سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين (٥) -وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما

стр. 902

لم يشرعه- وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان [ذلك] (١) عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحلَّه اللَّه، والحرام ما حرمه، وما سكت عنه فهو عفو، فكلُّ شَرْط وعَقْد ومعاملة سكت عنها فإنه لا يجوز القولُ بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال، فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما (٢) عدا ما حَرَّمه؟ وقد أمر [اللَّه تعالى] (٣) بالوفاء بالعقود والعهود كلها؛ فقال [تعالى] (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ [هُمْ] (١) لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ [المعارج: ٣٢]، وقال [تعالى] (١): ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال [تعالى] (١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢، ٣]، وقال؛ ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾ [آل عمران: ٧٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] وهذا كثير في القرآن، وفي "صحيح مسلم" من حديث الأعمش، عن عبد اللَّه بن مُرَّة، عن مسروق، عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومَنْ كانت فيه خَصْلةٌ منها (٤) كانت فيه خَصْلةٌ من النِّفاق [حتى يَدَعَهَا] (١): إذا حَدَّث كَذَب، وإذا عَاهَدَ غَدَر، وإذا وعد أخلَفَ، وإذا خَاصَم فَجَر" (٥) وفيه من حديث سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من عَلاماتِ المنافقِ ثلاثٌ وإن صلى وصَامَ وزعم أنه مسلم: إذا حَدَّث كَذَب، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا ائتُمنَ خانَ" (٦)، وفي "الصحيحين" من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ : "يُرفعُ لكل غادرٍ لواء يوم القيامة بقدر غَدْرَته، فيُقال: هذه غَدْرَةُ فلان بن فلان" (٧)، وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ : إن أحقَّ

стр. 903

الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفُروج" (١)، وفي "سنن أبي داود" عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول اللَّه ﷺ ، فلما رأيته أُلقيَ في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول اللَّه، واللَّه إني لا أَرجعُ إليهم أبدًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إني لا أَخِيسُ (٢) بالعهد، ولا أحبس البُرُدَ (٢)، ولكن ارْجِع إليهم، فإنْ كانَ في نفسك الذي في نفسك الآنَ فارْجِع" قال: فذهبت ثم أتيتُ النبي ﷺ فأَسلمتُ (٣)، وفي "صحيح مسلم" عن حذيفة قال: "ما مَنَعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجتُ أنا وأبي حُسَيْلٌ، فاخَذَنَا كُفَّارُ قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فاخذوا مِنَّا عَهْدَ اللَّه وميثاقَه لننصرِفَنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول اللَّه ﷺ فأخبرناه الخبرَ، فقال: "انْصرِفَا نَفِي (٤) لهم بعهدِهم

стр. 904

ونستعينُ اللَّه عليهم" (١)، وفي "سنن أبي داود" عن عبد اللَّه بن عامر قال: دعتني أمي يومًا ورسول اللَّه ﷺ قاعد في بيتها، فقالت: تعال أُعْطِك، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "ما أردت أن تعطيه؟ " فقالت: أعطيه تمرًا، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "أما إنك لو لم تعطيه شيئًا كُتبت عليك كذبة" (٢)، وفي "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال اللَّه : ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غَدَر، ورجلٌ بَاعَ حرًا [فأكل ثمنه]، ورجل استاجر أجيرًا [فاستوفى منه] ولم يُعْطِ أَجْرَه" (٣)، وأمر النبي ﷺ عمر بن الخطاب أن يُوفي بالنَّذر الذي نذره في الجاهلية من اعتكافه ليلة عند المسجد الحرام (٤)، وهذا عَقْدٌ كان قبل الشرع (٥)، وقال ابن وهب: [ثنا هشام بن سعد،

стр. 905

عن زيد بن أسلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: "وأْيُ المؤمن واجب" (١) قال ابن وهب: و] (٢) أخبرني إسماعيل بن عَيَّاش، عن أبي إسحاق أن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: "ولا تَعِدْ أخاك عِدَةً وتخلفه، فإن ذلك يُورثُ بينك وبينه عداوة" (٣)، قال ابن وهب: وأخبرني اللَّيثُ بن سعد، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شِهاب، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال لصبِيِّ: تعالَ هذا لك، ثم لم يعطهِ شيئًا فهي كذبة" (٤)، وفي "السنن" من حديث كثير بن عبد اللَّه بن زيد بن عَمرو بن عوف عن أبيه عن جده يرفعه: "المؤمنون عند شروطهم" (٥)، وله شاهد من حديث محمد بن

стр. 906

عبد الرحمن [بن] (١) البَيْلَماني عن أبيه، عن ابن عمر يرفعه: "النَّاسُ على شروطهم ما وافق الحق" (٢)، وليست العمدة على هذين الحديثين، بل على ما تقدم. فصل [أجوبة المانعين] وأصحاب القول الآخر يجيبون عن هذه الحجج: تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة بمعارضتها بنصوص أخرى، كقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، ما كان من شَرطٍ ليس في كتاب اللَّه فهو باطلٌ وإن كان مئةَ شرط، كتابُ اللَّه أحق، وشرطُ اللَّه أوثقُ" (٣)، وكقوله: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩] ونظائر هذه الآية. قالوا: فصح بهذه النصوص إبطال كل عهد وعقد ووعد (٥) وشرط ليس في كتاب اللَّه الأمرُ به أو النَّصُ على إباحته، قالوا: وكل شرط أو عقد ليس في النصوص إيجابه ولا الإذن (٦) فيه فإنه لا يخلو من أحد وجوهٍ أربعةٍ: إما أن يكون

стр. 907

صاحبُه قد التزم فيه إباحةَ ما حَرَّم اللَّه ورسوله، أو تحريم ما أباحه، أو إسقاط ما أوجبه، أو إيجاب ما أسقطه، ولا خامس لهذه الأقسام البتة؛ فإن مَلَّكتُم المُشترط والمعاقد (١) والمعاهد جميع ذلك انسلختم من الدين، وإن ملكتموه البعض دون البعض تناقضتم، وسألناكم ما الفرق بين ما يملكه من ذلك وما لا يملكه؛ ولن تجدوا إليه سبيلًا. فصل [رد الجمهور على أجوبة المانعين] قال الجمهور: أما دعواكم النسخ [فإنها دعوى] (٢) باطلة تتضمن أن هذه النصوص ليست من دين اللَّه، ولا يحل العمل بها، وتجب مخالفتها، وليس معكم برهان قاطع بذلك؛ فلا تسمع دعواه، وأين التحاكم (٣) إلى الاستصحاب والتثبت (٤) به ما أمكنكم؟ وأما تخصيصها فلا وجه له، وهو يتضمن إبطال ما دلت عليه من العموم، وذلك غير جائز إلا ببرهان من اللَّه ورسوله. وأما ضعف بعضها من جهة السند فلا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة. وأما معارضتها بما ذكرتم فليس بحمد اللَّه بينها وبينه تعارض، وهذا إنما يعرف بعد معرفة المراد بكتاب اللَّه في قوله: "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه" (٥)، ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل عُلمت من السنة؛ فعُلم أنَّ المرادَ بكتاب اللَّهِ حُكمُه كقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول النبي ﷺ : "كتابُ اللَّه القصاصُ" (٦) في

стр. 908

كسر السن فكتابُه سبحانه يُطلَق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله، ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم اللَّه فهو مخالف له فيكون باطلًا (١)؛ فإذا كان اللَّه ورسوله ﷺ قد حكم بأن الولاء للمُعتِق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم اللَّه سبحانه، ولكن أين في هذا أن ما سكت عن تحريمه [من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا] (٢) [وتعديًا لحدوده] (٣)؛ وتعدِّي حدود اللَّه هو تحريم ما أحلَّه اللَّه أو إباحة ما حرمه أو إسقاط ما أوجبه، لا إباحة ما سكت عنه أو عفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده. وأما ما ذكرتم من تضمن الشرط (٤) لأحد تلك الأمور الأربعة ففاتكم قسم خامس وهو الحق، وهو ما أباح اللَّه سبحانه للمكلف تنويع أحكامه بالأسباب التي مَلَّكه إياها، فيباشر من الأسباب ما يُحلُّه له بعد أن كان حرامًا عليه، أو يُحرِّمه عليه بعد أن كان حلالًا له، أو يوجبه بعد أن لم يكن واجبًا، أو يُسقطه بعد وجوبه (٥)، وليس في ذلك تغيير لأحكامه، بل كل ذلك من أحكامه سبحانه؛ فهو الذي أحل وحرم وأوجب وأسقط، وإنما إلى العبد الأسباب المقتضية لتلك الأحكام ليس إلا، فكما أن شراء (٦) الأمة ونكاح المرأة يُحلُّ له ما كان حرامًا عليه قبله وطلاقها وبيعها بالعكس يحرمها عليه ويُسقط عنه ما كان واجبًا عليه من حقوقها، كذلك التزامه (٧) بالعقد والعهد والنذر (٨) والشرط؛ فإذا ملك تغيير الحكم بالعقد ملكه بالشرط الذي هو تابع له؛ وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فأباح التجارة التي تراضَى بها المتبايعان؛ فإذا تراضيا على شرطٍ لا يخالف حكم اللَّه جاز لهما ذلك، ولا يجوز إلغاؤه وإلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما اللَّه و [لا] (٩) رسوله به، ولا (١٠) يجوز إلزامهما بما لم يلزمهما اللَّه ورسوله به ولا هما التزماه ولا إبطال ما شَرطَاهُ مما لم يحرم اللَّه ورسوله عليهما شَرْطَه، ومُحرِّم الحلال كمحلل الحرام، فهؤلاء ألغوا من شروط

стр. 909

المتعاقدين ما لم يلغه اللَّه ورسوله (١)، وقابلهم آخرون من القياسيين (٢) فاعتبروا من شروط الواقفين ما ألغاه اللَّه ورسوله، وكلا القولين خطأ، بل الصوابُ إلغاءُ كل شرط خالف حكم اللَّه، واعتبار كل شرط لم يحرمه اللَّه ولم يمنع منه، وباللَّه التوفيق. فصل [أخطاء القياسيين] وأما أصحاب الرأي والقياس [فإنهم] (٣) لمَّا لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها؛ وغلاتُهم على أنها لم تفِ بعُشر معشارها فوسَّعوا (٤) طرق الرأي والقياس، وقالوا بقياس الشَّبَه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يُعلم أن الشارع عَلَّقها بها، واستنبطوا عللًا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها، ثم اضطرهم ذلك إلى أن عارضوا بين كثير من النصوص والقياس، ثم اضطربوا فتارة يُقدِّمون القياس، وتارة يقدمون النص، وتارة يفرقون بين النَّص المشهور وغير المشهور، واضطرهم ذلك أيضًا إلى أن اعتقدوا في كثير من الأحكام أنَّها شُرعت على خلاف القياس؛ فكان خطؤهم من خمسة أوجه: أحدها: ظنهم قصور النصوص عن بيان جميع الحوادث. الثاني: معارضة كثير من النصوص بالرأي والقياس. الثالث: اعتقادهم في كثير من أحكام الشريعة أنها على خلاف الميزان والقياس، والميزان هو العدل، فظنوا أن العدل خلاف ما جاءت به هذه (٥) الأحكام. الرابع: اعتبارهم عللًا وأوصافًا [لم يُعلم اعتبار الشارع لها وإلغاؤهم عللًا وأوصافًا] (٦) اعتبرها الشارع كما تقدم بيانه. الخامس: تناقضهم في نفس القياس كما تقدم أيضًا. ونحن نعقد ههنا ثلاثة فصول:

стр. 910

الفصل الأول: في بيان شمول النصوص للأحكام، والاكتفاء بها عن الرأي والقياس. الفصل الثاني: في سقوط الرأي والاجتهاد والقياس، وبطلانها مع وجود النص. الفصل الثالث: في بيان أن أحكام الشرع كلها على وفق القياس الصحيح، وليس فيما جاء به الرسول ﷺ حكم يخالف الميزان والقياس الصحيح. وهذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبين للعالم المنصف مقدار الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع، وأن رسول اللَّه ﷺ كما هو عامُّ الرسالة إلى كل مكلف فرسالته عامة في كل شيء من الدين أصوله وفروعه ودقيقه وجليله، فكما لا يخرج أحدٌ عن رسالتِه فكذلك لا يخرج حكمٌ تحتاج إليه الأمة عنها وعن بيانه له، ونحن نعلم أنا لا نوفِّي هذه [الفصول] (١) حقَّها ولا نقارب، وأنَّها أَجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبه أدنى تنبيه ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها وينهج طرقها، واللَّه المستعان وعليه التكلان. الفصل الأول [شمول النصوص وإغناؤها عن القياس] في شمول النصوص وإغنائها (٢) عن القياس. وهذا يتوقف على بيان مقدمة، وهي أن دلالة النصوص نوعان: حقيقية، وإضافية، فالحقيقية تابعة لقصد المتكلم وإرادته، وهذه الدلالة لا تختلف، والإضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة [فكره] (٣) وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف اختلافًا متباينًا بحسب تباين السامعين في ذلك، وقد كان أبو هريرة وعبد اللَّه بن عمر (٤) أحفظَ الصحابة للحديث وأكثرهم رواية له، وكان الصِّدِّيقُ وعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت أفقه منهما، بل عبد اللَّه بن عباس أيضًا أفقه منهما ومن عبد اللَّه بن عمر، وقد أنكر النبي ﷺ على عمر فهمه إتيانَ البيتِ الحرام عام الحُدَيبية من إطلاقِ قوله:

стр. 911

"إنك ستأتيه وتطوف به" (١) فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه، وأنكر على عديّ بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفسَ العقالين (٢)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله: "لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ حبة خَرْدلةٍ من كِبْر" شمول لفظه لحسْن الثوب وحُسن النعل، وأخبرهم أنه: "بَطرُ الحق وغَمطُ الناس" (٣) وأنكر على من فهم من قوله: "مَنْ أحبَّ لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءَه، ومن كره لقاءَ اللَّهِ كره اللَّه لقاءه" أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احْتُضِرَ وبُشِّر بالعذاب فإنه حينئذ يكره لقاء اللَّه، واللَّه يكره لقاءه، وأن المؤمن إذا احْتُضِرَ وبُشِّر بكرامة اللَّه أحَبَّ لقاء اللَّه وأحبَّ اللَّه لقاءه (٤)، وأنكر

стр. 912

على عائشة (١) إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق: ٨] معارضته لقوله [ ﷺ ]: "مَنْ نُوقش الحِسَاب عُذِّبَ" وبيَّن لها أن الحساب اليسير هو العَرْض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة (٢)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله [تعالى] (٣): ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة وأنه لا يسلم أحدٌ من عمل السوء، وبيَّن لهم أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بِالهَمِّ (٤) والحَزَنِ والمرض والنَّصبِ وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة (٥)، وأنكر على مَنْ فهم من قوله [تعالى] (٣): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] (٣)﴾ [الأنعام: ٨٢] أنه ظُلم

стр. 913

النَّفس بالمعاصي، وبيَّن لهم أنه الشرك، وذَكَر قولَ لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] (١) مع أن سياق اللفظ عند (٢) إعطائه حقه من التأمل يبين ذلك؛ فإن اللَّه سبحانه لم يقل ولم يظلموا أنفسهم، بل قال: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] ولَبْسُ الشيء بالشيء تغطيتهُ به وإحاطته به من جميع جهاته، ولا يغطي الإيمانَ ويحيطُ به ويلبسه إلا الكفرُ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾ [البقرة: ٨١] فإن الخطيئة لا تحيط بالمؤمن أبدًا، فإن إيمانه يمنعه من إحاطة الخطيئة به، ومع أن سياق قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١] ثم حُكمُ اللَّه أعدلُ حُكمٍ وأصدقُه أَنَّ مَنْ آمن ولم يلبس إيمانه بظلم فهو أحق بالأمن والهُدى، فدل على أن الظلم الشِّرك، وسأله عمر بن الخطاب (٣) ﵁ عن الكَلالَة وراجعه فيها مرارًا، فقال: تكفيك آية الصَّيف (٤)،

стр. 914

واعترف عمر بأنه خَفِيَ عليه فهمهما وفهمها الصديق (١)، وقد نهى النبي ﷺ عن لحومِ الحُمرِ الأهلية ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تُخمَّس وفهم بعضهم أن النهي لكونها (٢) كانت حمولة القوم وظهورهم، وفهم بعضهم [أنه لكونها] (٣) كانت جوَّالي القرية، وفهم علي بن أبي طالب وكبار الصحابة ﵃ ما قَصَدَه [رسول اللَّه] (٤) ﷺ بالنهي وصَرَّح بعلَّته من كونها رجسًا (٥)، وفهمت المرأة

стр. 915

من قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠] جواز المُغَالاة في الصَّداق فذكرته لعمر فاعترف به (١)، وفهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أن المرأة قد تَلدُ لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان فهمَّ برجم امرأة ولدت لها حتى ذكَّره به ابنُ عباس فأقر به (٢)، ولم يفهم عمر من قوله:
следующие страницы →