Полный текст (828 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
الذي ذكرهُ صاحبُ " المحصولِ " واتباعه، بل زادَ بعضُهم على هذا، وهو القاضي أبو محمَّدِ بنُ خَلاَّدٍ الرامَهُرْمُزيُّ، فقالَ: حَتَّى لو قالَ لهُ: هذهِ روايتي، ولكنْ لا تروِها عنِّي، ولا أُجيزُهُ لكَ، لم يضرَّهُ ذلكَ. قالَ القاضي عياضٌ: ومَا قالَهُ صحيحٌ لا يقتضي النظرُ سواهُ؛ لأَنَّ مَنْعَهُ أنْ لا يُحَدِّثَ بما حَدَّثَهُ لا لعلةٍ ولا ريبةٍ في الحديثِ لا يُؤَثِّرُ؛ لأَنَّهُ قَدْ حدَّثَهُ، فهو شيءٌ لا يُرْجَعُ فيهِ، وردَّهُ ابنُ الصلاحِ بأنْ قالَ: إنَّمَا هذا كالشاهدِ إذا ذَكَرَ في غيرِ مجلسِ الحُكْمِ شهادتَهُ بشيءٍ، فليس لمنْ سمعَهَ أنْ يَشْهَدَ على شهادتهِ، إذا لم يَأذَنْ له ولم يُشْهِدْهُ على شهادتِهِ، قال: وذلك مما تساوَتْ فيه الروايةُ والشهادةُ؛ لأَنَّ المعنى يجمعُ بينهما فيهِ، وإنِ افترقتا في غيرِهِ. وقالَ القاضي عياضٌ: قياسُ مَنْ قاسَ الإذنَ في الحديثِ في هذا الوجهِ وعدمِهِ على الإذنِ في الشهادةِ وعدمِهِ غيرُ صحيحٍ؛ لأَنَّ الشهادةَ على الشهادةِ لا تصحُّ إلاَّ مَعَ الإشْهادِ والإذنِ في كلِّ حالٍ، إلاَّ إذا سَمِعَ أَداءَها عندَ الحاكمِ، ففيهِ اختلافٌ، والحديثُ عن السماعِ والقراءةِ لا يُحتاجُ فيهِ إلى إذْنٍ باتِّفَاقٍ، فهذا يَكْسِرُ عليهم حُجَّتَهُم بالشهادةِ في مسألتِنا هنا، ولا فرقَ. وأيضاً فالشهادةُ مُفْترقةٌ مِنَ الروايةِ في أكثرِ الوُجُوْهِ. ثم عدَّدَ أشياءَ ممَّا يفترقانِ فيهِ.
стр. 422
وقولي: (ورُدَّ) أي: القولُ بالجوازِ، كمسألةِ استرعاءِ الشاهدِ لِمَنْ يُحَمِّلُهُ شهادتَهُ فلا يكفي إعلامَهُ، بل لابدَّ لهُ أَنْ يأذنَ لهُ أنْ يشهدَ على شهادتهِ، إلاَّ إذا سَمِعَهُ يؤدي عندَ الحاكمِ، كما تقدَّمَ، فهو نظيرُ ما إذا سمعَهُ يُحدِّثُ بالحديثِ فحينئذٍ لا يحتاجُ إلى إذْنِهِ في أن يَرْوِيَهُ عنهُ، ولا يضرُّهُ مَنْعُهُ إذا مَنَعَهُ، وهذا كُلُّه في الروايةِ بإعلامِ الشيخِ. أَمَّا العملُ بما أخبرَهُ الشيخُ أنَّهُ سماعُهُ فإنَّهُ يجبُ عليهِ إذا صحَّ إسنادُهُ، كما جزمَ به ابنُ الصلاحِ، وحكاهُ القاضي عياضٌ عن مُحَقِّقِي أصحابِ الأُصولِ: أَنَّهُم لا يختلفونَ في وجوبِ العملِ بهِ.
السَّاْبِعُ: الْوَصِيَّةُ بالكِتَاْبِ
٥٤٦.... وَبَعْضُهُمْ أَجَازَ لِلْمُوْصَى لَهُ ... بالْجُزْءِ مِنْ رَاوٍ قَضَى أَجَلَهُ
٥٤٧.... يَرْوِيْهِ أَوْ لِسَفَرٍ أَرَادَهْ ... وَرُدَّ مَا لَمْ يُرِدِ الْوِجَادَهْ
القسمُ السابعُ من أقسامِ الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ: الوصيةُ بالكُتُبِ، بأَنْ يُوصِيَ الراوي بكتابٍ يرويهِ عندَ مَوتِهِ، أو سَفَرِهِ لشخصٍ، فهل له أَنْ يروَيهُ عنهُ بتلكَ الوصيَّةِ؟ فرَوَى الرامَهُرْمُزِيُّ من روايةِ حَمَّادِ بنِ زيدٍ، عن أيوبَ قالَ: قلتُ لمحمدِ بنِ سيرينَ:
стр. 423
إنَّ فلاناً أَوْصَى لي بكتبهِ، أَفأُحَدِّثُ بِهَا عنهُ؟ قالَ: نَعَمْ.. ثمَّ قالَ لي بعدَ ذلكَ: لا آمُرُكَ ولا أنهاكَ. قالَ حمَّادٌ: وكانَ أبو قِلابةَ قالَ: ادفعوا كُتُبي إلى أيوبَ إنْ كانَ حَيَّاً، وإلاّ فاحرقُوهَا. وعلَّلَهُ القاضي عياضٌ: بأَنَّ في دَفْعِهَا لهُ نَوعاً من الإذْنِ وشَبَهاً من العَرْضِ والمناولةِ. قالَ: وهو قريبٌ من الضَّرْبِ الذي قبلَهُ. قالَ ابنُ الصَّلاَحِ: ((هذا بعيدٌ جدَّاً وهو إمَّا زَلَّةُ عالِمٍ، أو مُتأوَّلٌ على أَنَّهُ أرادَ الروايةَ على سبيلِ الوِجَادةِ. قالَ: وإنَّهُ لا يصحُّ تشبيهُهُ بقسمِ الإعلامِ وقسمِ المناولةِ)) .
الثَّاْمِنُ: الْوِجَاْدَةُ
... ثُمَّ الوِجَادَةُ وَتِلْكَ مَصْدَرْ ... وَجَدْتُهُ مُوَلَّدَاً لِيَظْهَرْ
٥٤٩.... تَغَايُرُ الْمَعْنَى، وَذَاكَ أَنْ تَجِدْ ... بِخَطِّ مَنْ عَاصَرْتَ أَوْ قَبْلُ عُهِدْ
... مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ ... فَقُلْ: بِخَطِّهِ وَجَدْتُ، وَاحْتَرِزْ
٥٥١.... إِنْ لَمْ تَثِقْ بِالْخَطِّ قُلْ وَجَدْتُ ... عَنْهُ، أَوْ اذْكُرْ قِيْلَ أَوْ ظَنَنْتُ
القسمُ الثامنُ من أقسامِ أَخْذِ الحديثِ وَنقْلِهِ الوِجَادَةُ بكسر الواو وهي مصدرٌ مُوَلَّدٌ لِـ وَجَدَ - يَجِدُ قالَ الْمُعَافَى بنُ زكريا النَّهْرَوَانيُّ إنَّ المولَّدِينَ
стр. 424
فَرَّعُوا قولَهم وِجَادَةً فيما أُخِذَ مِنَ العِلْمِ مِنْ صَحِيْفَةٍ من غيرِ سماعٍ ولا إجازةٍ ولا مُنَاوَلةٍ، من تفريقِ العَرَبِ بين مصادرِ وَجَدَ، للتمييزِ بينَ المعاني المختلفةِ قالَ ابنُ الصلاحِ يعني قولَهم وَجَدَ ضالَّتَهُ وِجْدَاناً، ومطلوبَهُ وُجُوداً، وفي الغَضَبِ مَوْجِدَةً، وفي الغِنى وُجْدَاً، وفي الحُبِّ وَجْداً قلتُ وَلِـ وَجَدَ مصدرانِ آخرانِ، لم يذكرْهُما وهما جِدَةٌ في الغَضَبِ وفي الغنى، وإِجْدَانٌ - بكسرِ الهمزةِ - حَكاهما ابنُ الأعرابيِّ، قالَ ابنُ سِيْدَه وهذا على بَدَلِ الهمزةِ من الواوِ، وليسَ معنى من المعاني التي ذكرَها مقتصراً على مصدرٍ واحدٍ إلاّ في الحُبِّ؛ فإنَّ مصدَرَهُ وَجْدٌ - بالفتح لا غيرُ كما قالَ ابنُ سِيْدَه وكذلكَ هو مصدرُ وَجَدَ بمعنى حَزِنَ قالَهُ الجوهريُّ وغيرُهُ وأمَّا في المَطْلُوبِ فلهُ مصدرانِ وُجُوْدٌ، ووِجْدانٌ حَكَاهما صاحبُ المشارقِ وأمَّا في الضَّالةِ فلهُ إجْدَانٌ أيضاً، كمَا تقدَّمَ وأمَّا بمعنى الغَضَبِ، فله مصادرُ مَوْجِدَةٌ وجِدَةٌ ووَجْدٌ -بالفتح- ووِجْدَانٌ، حَكَاها ابنُ سِيْدَه وأمَّا بمعنى الغِنَى، فلَهُ أيضاً مصادرُ
стр. 425
أربعةٌ وَُِجْدٌ - مثلَّثُ الواوِ - وَجِدَةٌ، حَكَاها الجوهريُّ وابنُ سِيْدَه وقُرِئَ بالثلاثةِ في قولهِ تعالى ﴿أَسْكِنُوْهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾
وقولي وذَاكَ أي والوِجادةُ أن تجدَ بخطِّ مَنْ عاصرْتَهُ لقيتَهُ أوْ لم تلْقَهُ أو لم تُعاصِرْهُ، بلْ كانَ قبلَكَ؛ أحاديثَ يرويها، أو غيرَ ذلكَ ممَّا لم تسمَعْهُ منهُ، ولم يُجِزْهُ لكَ، فلكَ أنْ تقولَ وجدْتُ بخطِّ فلانٍ، أخبرنا فلانٌ، وتسوقَ الإسنادَ والمتنَ أو ما وجدْتَهُ بخطِّهِ، أو نحو ذلكَ هذا إذا وَثِقَ بأنَّهُ خطُّهُ، فإِنْ لم يَثِقْ بأنَّهُ خطُّهُ فليحترِزْ عن جَزْمِ العبارةِ بقولِهِ بلغني عَنْ فلانٍ، أو وجدْتُ عنهُ، أو وجدْتُ بخطٍّ قِيْلَ إنَّهُ خطُّ فلانٍ، أو قالَ لي فلانٌ إنَّهُ خطُّ فلانٍ، أو ظننْتُ أنَّهُ خطُّ فلانٍ، أو ذَكَرَ كُنَاتُهُ أنَّهُ فلانُ بنُ فلانٍ، ونحوِ ذلكَ مِنَ العباراتِ الْمُفْصِحَةِ بالْمُستَنَدِ في كونهِ خطَّهِ قلتُ هكذا مَثَّلَ ابنُ الصلاحِ الوِجادةَ بما إذا لَمْ يكنْ لَهُ إجازةٌ ممَّنْ وَجَدَ ذلكَ بخطِّهِ وقدِ استعملَ غيرُ واحدٍ من أهلِ الحديثِ الوِجادةَ معَ الإجازةِ، وهو واضحٌ كقولِهِ وجدْتُ بخطِّ فلانٍ وأَجَازَهُ لي، وكذلكَ لم يذكرْهُ القاضي عياضٌ في الإلماعِ في مثالِ الوِجَادةِ، وإنِّما أرادَ الشيخُ أَنْ يَتَكَلَّمَ على الوِجَادَةِ الخاليةِ عن الإجازةِ، هلْ هيَ مُسْتَنَدٌ صحيحٌ في الروايةِ، أو العملِ؟ واللهُ اعلمُ
... وَكُلُّهُ مُنْقَطِعٌ، وَالأَوَّلُ ... قَدْ شِيْبَ وَصْلاً مَا، وَقَدْ تَسَهَّلُوْا
٥٥٣.... فيْهِ بِعَنْ، قالَ وَهَذَا دُلْسَهْ ... تَقْبُحُ إِنْ أَوْهَمَ أَنَّ نَفْسَهْ
... حَدَّثَهُ بِهِ، وَبَعْضٌ أَدَّى ... (حَدَّثَنَا) ، (أَخْبَرَنَا) وَرُدَّا
стр. 426
٥٥٥.... وَقِيْلَ فِي الْعَمَلِ إِنَّ الْمُعْظَمَا ... لَمْ يَرَهُ، وَبالْوُجُوْبِ جَزَمَا
... بَعْضُ الْمَحُقِّقِيْنَ وَهْوَ الأَصْوَبُ ... وَ (لاِبْنِ إِدْرِيْسَ) الْجَوَازَ نَسَبُوْا
أي: وكُلُّ ما ذُكِرَ منَ الرّوايةِ بالوِجادةِ منقطعٌ، سواءٌ وَثِقَ بأنَّهُ خَطُّ مَنْ وَجَدَهُ عنهُ، أَم لا. ولكنَّ الأوَّلَ وهو إذا ما وثِقَ بأنَّهُ خطُّهُ أَخَذَ شوباً من الاتصالِ بقولهِ: وجدْتُ بخطِّ فلانٍ، وقد تَسَهَّلَ مَنْ أَتى بلفظةِ: ((عَنْ فلانٍ)) في موضعِ الوِجادةِ، قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ تَدْلِيْسٌ قبيحٌ، إذا كانَ بحيثُ يُوهِمُ سماعَهُ منه على ما سبقَ في نوعِ التدليسِ.
فقولي: (أَنَّ نَفْسَهْ) أي: نَفْسَ مَنْ وَجَدَ ذلكَ بخطِّهِ حدَّثَهُ بِهِ. وجازَفَ بعضُهُمْ فأطْلَقَ في الوِجادةِ: حَدَّثَنَا وأخبرنا، وانتُقِدَ ذلكَ على فاعِلِه، قالَ القاضي عياضٌ: لا أعْلَمُ مَنْ يُقْتَدَى بهِ أجازَ النقلَ فيهِ بـ: حَدَّثَنَا، وأخبرنا، ولا مَنْ يَعُدُّهُ مَعَدَّ المُسْنَدِ. انتهى.
هذا الحكمُ في الروايةِ بالوِجادةِ، وأَمّا العملُ بها، فقالَ القاضي عياضٌ: اختلفَ أَئمةُ الحديثِ والفِقْهِ والأُصولِ فيهِ، مع اتفاقِهِم على مَنْعِ النَّقْلِ، والروايةِ بهِ، فمعظُمُ المحدِّثينَ والفقهاءِ من المالكيةِ وغيرِهم، لا يَرَوْنَ العملَ بهِ، قالَ: وحُكِيَ عن الشافعيِّ ﵀ جوازُ العملِ بهِ، وقالَتْ بهِ طائفةٌ مِنْ نُظَّارِ أَصحابهِ، قالَ: وهوَ الذي
стр. 427
نصرَهُ الْجُوينيُّ وَاخْتَارَهُ غيرُهُ مِن أربابِ التحقيقِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: قطعَ بعضُ المحقِّقِينَ من أصحابهِ في أُصولِ الفِقْهِ بوجوبِ العملِ بهِ عندَ حصولِ الثقةِ بهِ، وقالَ: لو عُرِضَ ما ذكرناهُ على جُملةِ المحدِّثينَ لأَبَوْهُ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وما قطعَ بهِ هوَ الذي لا يَتَّجِهُ غيرُهُ في الأعصارِ المتأخِّرةِ، وقالَ النوويُّ: هذا هو الصحيحُ.
٥٥٧.... وَإِنْ يَكُنْ بِغَيْرِ خَطّهِ فَقُلْ ... قالَ وَنَحْوَهَا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ
... بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوْقُ قُلْ: (بَلَغَنِيْ) ... وَالْجَزْمُ يُرْجَى حِلُّهُ لِلْفَطِنِ
إذا أردْتَ نقلَ شَيءٍ من كتابٍ مُصَنَّفٍ، فإنْ كانتِ النُّسْخَةُ بخطِّ المُصَنِّفِ، وَوَثِقْتَ بأَنَّهُ خطُّهُ، فقُلْ: وجدْتُ بخطِّ فلانٍ، واحْكِ كلامَهُ، كما تَقدَّمَ. وإنْ كانتْ بغيرِ خطِّ المُصَنِّفِ، فإنْ وَثِقْتَ بصِحَّةِ النسخةِ بأَنْ قابلَها المُصَنِّفُ، أو ثقةٌ غيرُهُ بالأَصلِ، أو بفرعٍ مُقَابَلٍ على ما تقدَّمَ؛ فقُلُ: قالَ فلانٌ، أو ذَكَرَ فلانٌ، ونحوَ ذلكَ مِنْ أَلفاظِ الجزمِ. وإنْ لَمْ تَثِقْ بصحَّةِ النسخةِ فقُلْ: بلغني عن فلانٍ، أو: وجدْتُ في نسخةٍ من الكتابِ الفلانيِّ، ونحوَ ذلكَ مِمَّا لا يقتضي الجزمَ. قالَ ابنُ الصلاحِ: فإنْ كانَ المطالِعُ عالماً فطناً بحيثُ لا يخفى عليهِ في الغالِبِ مواضعُ الإسقاطِ والسَّقَطِ، أَو ما أُحِيْلَ عَن
стр. 428
ْ جِهَتِهِ مِنْ غيرِها رجونا أَنْ يجوزَ له إطلاقُ اللَّفْظِ الجازِمِ فيما يحكيهِ من ذلكَ. قالَ: وإلى هذا فيما أَحسَبُ استروَحَ كثيرٌ من المصنِّفِينَ فيما نقلوهُ من كُتُبِ الناسِ، والعِلْمُ عندَ اللهِ تعالى.
كِتَاْبَةُ الْحَدِيْثِ وَضَبْطُهُ
٥٥٩.... وَاخْتَلَفَ الِصّحَابُ وَألاتْبَاعُ ... فِي كِتْبَةِ الْحَدِيْثِ، وَالإِجْمَاعُ
... عَلَى الْجَوَازِ بَعْدَهُمْ بالْجَزْمِ ... لِقَوْلِهِ: (اكْتُبُوْا) وَكَتْبِ (السَّهْمِيْ)
اختلفَ الصحابةُ والتابعونَ في كتابةِ الحديثِ: فكرِهَهُ ابنُ عمرَ وابنُ مسعودٍ وزيدُ بنُ ثابتٍ وأبو موسى وأبو سعيدٍ الخدريُّ، وآخرونَ من الصحابةِ والتابعينَ، لقولهِ ﷺ : ((لا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيئاً إلاَّ القرآنَ، ومَنْ كَتَبَ عنِّي شيئاً غيرَ
стр. 429
القرآنِ فليمْحُهُ)) . أخرجهُ مسلمٌ من حديثِ أبي سعيدٍ. وجوَّزَهُ أو فعلَهُ جماعةٌ من الصحابةِ، منهم: عمرُ، وعليٌّ وابنُهُ الحَسَنُ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، وأنسٌ، وجابرٌ، وابنُ عبَّاسٍ، وابنُ عُمَرَ أيضاً، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وحكاهُ القاضي عياضٌ عن أكثرِ
стр. 430
الصحابةِ والتابعينَ، قالَ: ثمَّ أجمعَ المسلمونَ على جوازِها، وزالَ ذلكَ الخِلافُ. ومما يدلُّ على الجوازِ قولُه ﷺ في الحديثِ الصحيحِ: ((اكتبوا لأبي شَاهٍ)) . ورَوَى أبو داودَ مِنْ حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قالَ: كنتُ أَكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُهُ مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ )) ... فذكَر الحديثَ. وفيهِ: أَنَّهُ ذكرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ ، فقالَ لهُ: اكْتُبْ. وفي صحيحِ البخاريِّ مِن حديثِ أبي هريرةَ قالَ: ليسَ أحدٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ أكثرَ حديثاً عنهُ منِّي إلاَّ ما كانَ مِنْ عبدِ الله بنِ عمرٍو فإنَّهُ كانَ يكتُبُ ولا
стр. 431
أَكْتُبُ. وهذانِ الحديثانِ هما المرادُ بقولي: (وَكَتْبِ السَّهْمِيْ) ، أريدُ: عبدَ الله بنَ عمرٍو السهميَّ. وهذا الاستدلالُ من الزوائدِ على ابنِ الصلاحِ ممَّا لم أُميِّزْهُ من كلامِهِ. وقد ذكرَ ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ " بيانِ آدابِ العِلْمِ ": أنَّ أبا هريرةَ كانَ يكتُبُ، قالَ: والروايةُ الأُولى أصحُّ.
وقد اختُلِفَ في الجوابِ عن حديثِ أبي سعيدٍ والجمعِ بينَهُ وبينَ أحاديثِ الإذنِ في الكتابِةِ، فقيلَ: إنَّ النهيَ منسوخٌ بها، وكانَ النهيُ في أَوَّلِ الأَمْرِ لخوفِ اختلاطِهِ بالقرآنِ، فلمَّا أُمِنَ ذلكَ أُذِنَ فيهِ، وجمعَ بعضُهُم بينهما: بأَنَّ النهيَ في حقِ مَنْ وُثِقَ بحفظِهِ وخيفَ اتَكالُهُ على خَطِّهِ إذا كَتَبَ، والإذْنُ في حقِّ مَنْ لا يُوْثَقُ بحفْظِهِ، كأبي شاهٍ المذكورِ. وحَمَلَ بعضُهم النهيَ على كتابةِ الحديثِ مع القرآنِ في صحيفةٍ واحدةٍ؛ لأنَّهُم كانوا يسمعونَ تأوْيِلَ الآيةِ فربَّما كتبوْهُ مَعَهُ فَنُهُوْا عَنْ ذلكَ، لخوفِ الاشْتِبَاهِ، واللهُ أَعلمُ.
٥٦١.... وَيَنْبَغِي إِعْجَامُ مَا يُسْتَعْجَمُ ... وَشَكْلُ مَا يُشْكِلُ لاَ مَا يُفْهَمُ
... وَقِيْلَ: كُلِّهِ لِذِي ابْتِدَاءِ ... وَأَكَّدُوْا مُلْتَبِسَ الأَسْمَاءِ
٥٦٣.... وَلْيَكُ فِي الأَصْلِ وَفِي الْهَامِشِ مَعْ ... تَقْطِعْيِهِ الْحُرُوْفَ فَهْوَ أَنْفَعْ
стр. 432
يَنْبَغِي لطالبِ العلمِ ضبطُ كتابهِ بالنَّقْطِ والشَّكْلِ ليؤدَّيهُ كما سمعَهُ فقد روينا عن الأوزاعيِّ، قالَ العَجْمُ نورُ الكتابِ، قالَ ابنُ خَلاَّدٍ هكذا الحديثُ، والصوابُ الإعَجامُ، وهو النَّقْطُ، أي يُبَيِّنُ التاءَ من الياءِ، والحاءَ من الخاءِ، قالَ والشَّكْلُ تقييدُ الإعراْبِ ثُمَّ اختلفوا هلْ يقتصرُ على ضَبْطِ المُشْكِلِ، أو يضبطُهُ هو وغيرُهُ؟ فقالَ عليُّ بنُ إبراهيمَ البغداديُّ في كتابِ سِمَاْتِ الخَطِّ ورقومِهِ إِنَّ أهلَ العلمِ يكرهون الإعْجَامَ والإعرابَ إلاَّ في المُلْتَبسِ وقالَ القاضي عياضٌ النَّقْطُ والشَّكْلُ مُتَعَيِّنٌ فيما يُشْكِلُ وَيُشْتَبهُ وقالَ ابنُ خَلاَّدٍ قالَ أصحابُنا أمَّا النَّقْطُ فلابُدَّ منهُ؛ لأنَّهُ لا تُضْبَطُ الأشياءُ المُشْكِلَةُ إلاَّ بهِ، وقالَوا إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ ولا حاجةَ إلى الشَّكْلِ مع عدمِ الإشكالِ، قالَ وقالَ آخرونَ الأَولَى أَنْ يُشْكَلَ الجميعُ قالَ القاضي عياضٌ وهذا هو الصَّوابُ لا سِيَّمَا للمُبْتَدِئ وغيرِ المتبحِّرِ في العلمِ فإنَّهُ لا يميِّزُ ما يُشْكِلُ مما لا يُشْكِلُ، ولا صوابَ وجهِ الإعرابِ للكلمةِ من خَطَئِهِ
стр. 433
وقولي كلِّهِ، مخفوضٌ بالإضافةِ، أي وقيلَ يَنْبَغِي شَكْلُ كُلِّهِ وقولي لِذِي ابتِدَاءِ، ليسَ بقيدٍ بمعنى أَنَّهُ يَشْكُلُ للمُبْتَدِئ فقطْ، وإنما هو كالتعليلِ لمنْ يقولُ يُشْكَلُ الكلُّ لأجلِ المبتدئ، فهو مُشْكِلٌ عليهِ، وربَّمَا ظُنَّ أَنَّ الشيءَ غيرُ مُشْكِلٍ لوضوحِهِ، وهو في الحقيقةِ محلُّ نظرٍ محتاجٌ إلى الضَّبْطِ
ووقعَ بينَ العلماءِ خلافٌ في مسائلَ مرتَّبةٍ على إعرابِ الحديثِ، كحديثِ
ذَكَاةُ الْجَنِيْنِ ذَكَاةُ أُمِّهِ، فاستدلَّ بهِ الجمهورُ، كالشافعيةِ والمالكيةِ وغيرِهم، على أَنَّهُ لا تجبُ (١) ذكاةُ الجنينِ، بناءً على أَنَّ قولَهُ ذكاةُ أُمِّهِ مرفوعٌ، وهو المشهورُ في الروايةِ ورجَّحَ الحنفيونَ الفتحَ على التشبيهِ، أي يُذَكَّى مثلَ ذكاةِ أُمِّهِ، ونحوِ ذلكَ مِنَ الأحاديثِ التي يَتَرتبُ الاحتجاجُ بها على الإعْرَاْبِ ثم إنَّهُ ينبغي الاعتناءُ بضبطِ ما يَلْتَبِسُ من الأسماءِ، قالَ أبو إسحاقَ النَّجيرميُّ أَوْلَى الأَشياءِ بالضبطِ أسماءُ الناسِ؛ لأَنَّهُ لا يَدْخُلُهُ القياسُ، ولا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ شيءٌ يدلُّ عليهِ وذكرَ أبو عليٍّ الغَسَّانيُّ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ إدريسَ، قالَ لَمَّا حدَّثَني شعبةُ بحديثِ أبي الحوراءِ السعديِّ عَنِ
стр. 434
الحسَنِ بنِ عليٍّ كتبتُ تحتَهُ حوُرٌ عِينٌ لئلاَّ أَغْلَطَ، يعني فيقرأهُ أبي الجوزاءِ - بالجيمِ والزايِ
وأما صورةُ ضَبْطِ المُشْكِلِ، فقالَ القاضي عياضٌ جرى رسمُ المشايخِ وأهلِ الضَّبْطِ في الحروفِ المُشْكِلَةِ، والكلماتِ المُشْتَبِهَةِ إذا ضُبِطَتْ وصُحِّحَتْ في الكتابِ أَنْ يُرْسَمَ ذلكَ الحرفُ المُشْكِلُ مُفْرداً في حاشيةِ الكتابِ قُبَالَةَ الحرفِ بإهمالِهِ، أو نَقْطِهِ وعَلَّلَ ذلكَ بأنَّ الانفرادَ يرفعُ إِشكالَ الالتباسِ بضبطِ ما فوقَهُ وتحتَهُ من السطورِ، لا سِيَّمَا معَ دقةِ الكتابِ وضيقِ الأَسطرِ وذكرَ ابنُ الصلاحِ نحوَهُ ولَمْ يَتَعَرَّضَا لتقطيعِ حروفِ الكلمةِ المُشْكِلَةِ التي تكتبُ في هامشِ الكتابِ، وقد رأيتُ غيرَ واحدٍ من أَهْلِ الضبطِ يفعلُهُ وهوَ حسنٌ وفائدَتُهُ أنهُ يُظهِرُ شَكْلَ الحرفِ بكتابتهِ مفرداً في بعضِ الحروفِ، كالنون والياء المثناة من تحتُ بخلافِ ما إذا كُتِبَتِ الكلمةُ كلُّها، والحرفُ المذكورُ في أَوَّلِها أَوْ وَسَطِها، واللهُ أعلمُ قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ في الاقتراح ومِنْ عادةِ المتُقِنِيْنَ أَن يبالغوا في إيضاحِ المُشْكِلِ فيفرِّقُوا حروفَ الكلمةِ في الحاشيةِ ويَضْبِطُوْهَا حَرْفاً حَرْفاً
стр. 435
.. وَيُكْرَهُ الْخَطُّ الرَّقِيْقُ إِلاَّ ... لِضِيْقِ رَقٍّ أَوْ لِرَحَّالٍ فَلاَ
٥٦٥.... وَشَرُّهُ التَّعْلِيْقُ وَالْمَشْقُ، كَمَا ... شَرُّ الْقِرَاءَ ةِ إذا مَا هَذْرَمَا
يُكْرَهُ الخطُ الرقيقُ؛ لأَنَّهُ لا ينتَفِعُ به مَنْ في نظرِهِ ضَعْفٌ وربَّمَا ضَعُفَ نظرُ كاتبِهِ بعدَ ذلكَ فلاَ ينتفعُ بهِ، كَمَا قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ لابنِ أخيهِ حنبلِ بنِ إسحاقَ ورآهُ يكتبُ خَطَّاً دقيقاً لا تَفْعَلْ أحوجَ ما تكونُ إليهِ يخونُكَ وهذا إذا كانَ لغيرِ عُذْرٍ فإنْ كانَ ثَمَّ عُذْرٌ كضِيقِ الوَرَقِ أو الرَّقِّ الذي يَكْتُبُ فيهِ، أو كانَ رَحَّالاً في طلبِ العلمِ يريدُ حملَ كُتُبِهِ معهُ فتكونُ خفيفةَ الْحَمْلِ؛ فلا يُكْرَهُ ذلكَ ويُستَحَبُّ لهُ تحقيقُ الخطِّ وتجويدُهُ دونَ الْمَشْقِ والتَّعْلِيقِ وقد ذكرَ ابنُ قتيبةَ أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قالَ شرُّ الكتابةِ المَشقُ وشرُّ القراءةِ الهَذْرَمةُ، وأجودُ الخَطِّ أبينُهُ انتهى والْمَشْقُ سرعةُ الكتابةِ، قالَه الجوهريُّ وذكر ابنُ قتيبةَ أيضاً عن إبراهيمَ بنِ العباسِ قالَ وزنُ الخطِّ وزنُ القراءةِ، أجودُ القراءةِ أبينُها، وأجودُ الخطِّ أبينُهُ
стр. 436
وقولي وَشَرُّهُ هو بالشينِ المعجمةِ، أي وَشرُّ الخطِّ
وقولي هَذْرَمَ هو بالذالِ المعجمةِ، والهذرمةُ السرعةُ في القراءةِ، قالَهُ الجوهريُّ
... وَيُنْقَطُ الْمُهْمَلُ لاَ الْحَا أَسْفَلاَ ... أَوْ كَتْبُ ذَاكَ الْحَرْفِ تَحْتُ مَثَلاَ
٥٦٧.... أَوْ فَوْقَهُ قُلاَمَةً، أَقْوَالُ ... وَالْبَعْضُ نَقْطَ الِسّيْنِ صَفَّاً قالَوْا
... وَبَعْضُهُمْ يَخُطُّ فَوْقَ الْمُهْمَلِ ... وَبَعْضُهُمْ كَالْهَمْزِ تَحْتَ يَجْعَلِ
هذا بيانٌ ل كيفيةِ ضَبْطِ الحرفِ المُهْمَلِ ، قالَ القاضي عياضٌ: وكما نأمُرُهُ بنَقْطِ ما يُنقطُ للبيانِ، كذلكَ نأمرُهُ بتبيينِ المُهْمَلِ. ثُمَّ ذكرَ علاماتٍ يُضْبَطُ بها الحرفُ المهملُ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وسبيلُ الناسِ في ضبطِها مختلفٌ. فمَنْهم من يَقْلِبُ النُّقَطَ الذي فوقَ المعجماتِ تحتَ ما يشاْكِلُهَاْ من المبهماتِ فينقطُ تحتَ الراءِ والطاءِ والصادِ والعينِ ونحوِها من المبهماتِ. واختلفوا في كيفيةِ نُقَطِ السينِ المُهْمَلةِ من تحتُ، فقيلَ: هوَ كصورةِ النَّقْطِ مِنْ فَوقُ، وذكرَ بعضُهم أَنَّ شكلَهُما مختلفٌ فيجعلُ النقطَ فوقَ المعجمةِ، كالأثافي وتحتَ المُهْمَلةِ مبسوطةً صَفَّاً، وهو المرادُ بقولي: (والبَعْضُ نَقْطَ السِّيْنِ صَفَّاً، قالَوا) .
стр. 437
وقولي: (لا الحا) ، هو استثناءٌ لبعضِ الحروفِ المُهْمَلةِ مما يُنقطُ تحتَهُ، وهو الحاءُ ولم يستثْنِها ابنُ الصلاحِ تَبَعَاً للقاضي عياضٍ. ولابدَّ من استثنائِها وإلاَّ فلو فعلَ ذلكَ لاشتبهَتْ بالجيمِ فلاَ يدخلُ هذا الحرفُ في عمومِ هذهِ العلامةِ للمُهْملِ.
والعلامةُ الثانيةُ للحَرْفِ المُهْمَلِ: أَنْ يَكْتُبَ ذلكَ الحرفَ المُهْمَل بعينهِ مفرداً تحتَ الحرفِ الذي يُشارُ إلى إهمالهِ، فيجعلَ تحتَ الحاءِ المهملةِ حاءً مفردةً صغيرةً، وكذا تحتَ الدالِ والصادِ والطاءِ والعينِ. قالَ القاضي عياضٌ: ((وهو عملُ بعضِ أهلِ المشرقِ والأندلسِ)) . وإلى هذا أَشرتُ بقولي: (أو كَتْبُ ذاكَ الحَرْفِ تَحْتُ) ، وهو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ تقديرُه: أو علامتُهُ كَتْبُ ذلكَ الحرفِ.
والعلامةُ الثالثةُ: أنْ يجعلَ فوقَ الحرفِ المُهْمَلِ صورةَ هلالٍ كَقُلاَمةِ الظُّفرِ مُضْجَعةً على قَفَاها. قالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّ هذهِ العلامات الثلاثَ شائعةٌ معروفةٌ.
والعلامةُ الرابعةُ: أَنْ يُجعلَ فوقَ المهمَلِ خَطٌّ صغيرٌ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وذلكَ موجودٌ في كثيرٍ من الكتبِ القديمةِ، ولا يَفْطِنُ لهُ كثيرونَ. قلتُ: وسمعتُ بعضَ أهلِ الحديثِ يفتحُ الراءَ من رِضْوان، فقلتُ: لهُ في ذلكَ، فقالَ: ليسَ لهم رِضوانٌ -بالكسرِ-، فقلتُ: إنما سُمِّي بالمصدرِ وهو بالكَسْرِ، فقالَ: وجدْتُهُ بخطِّ فلانٍ - بالفتحِ - وسَمَّى مَنْ لا يحضُرُنِي ذكْرُه الآنَ. ثُمَّ إنِّي وجدْتُ بعدَ ذلكَ في بعضِ الكتبِ القديمةِ هذا الاسمَ وفوقَهُ فتحةٌ فتأمَّلْتُ الكتابَ فإذا هو يَخُطُّ فوقَ الحرفِ المهملِ خطَّاً صغيراً فعرفْتُ أَنَّهُ عَلاَمَةُ الإهمالِ لا الفتحِ، وأَنَّ الذي قالَهُ بالفتحِ من ههنا أُتِي. لكنْ ذكرَ القاضي
стр. 438
عياضٌ عن بعضِ أهلِ المشرقِ: أنَّهُ يُعَلِّمُ فوقَ الحرفِ المهملِ بخطٍّ صغيرٍ يُشْبِهُ النَّبْرَةَ، وذكرَ الجوهريُّ، وابنُ سِيْدَه: أَنَّ النَّبْرَةَ الهمزةُ، واللهُ أعلمُ.
والعلامةُ الخامسةُ: أنْ يجعلَ تحتَ الحرفِ المهملِ مِثْلَ الهمزةِ حكاهُ ابنُ الصلاحِ عن بعضِ الكتبِ القديمةِ. وذكرَ القاضي عياضٌ: أنَّ منهم مَنْ يقتصِرُ على مثالِ النَّبْرَةِ تحتَ الحرفِ المُهْمَلِ.
٥٦٩.... وَإِنْ أَتَى بِرَمْزِ رَاوٍ مَيَّزَا ... مُرَادَهُ وَاخْتِيْرَ أَنْ لاَ يَرْمِزَا
جرتْ عادةُ أهلِ الحديثِ إذا سمعوا الكتابَ من طرقٍ أنْ يُبيِّنوا اختلافَ الرواياتِ إنِ اختلفَتْ، على ما سيأتي بيانُهُ، وبيَّنوا عندَ لفظِ كلِّ روايةٍ منها اسمَ راويها إما باسْمِهِ كاملاً، وهو أَولى وأدفعُ للالتباسِ، وإما برمزٍ يدلُّ عليهِ كحرفٍ أو حرفينِ من اسْمِهِ كما فَعَلَ اليونينيُّ في نسختِهِ من صحيحِ البخاريِّ فإنْ بَيَّنَ مرادَهُ بتلكَ العلاماتِ في أوَّلِ كتابِهِ، أو آخرِهِ، كما فعلَ اليونينيُّ فلا بأسَ بهِ، وإلاَّ فهوَ مكروهٌ لما يوقعُ فيهِ غيرَهُ من الحَيْرةِ في فَهْمِ مرادِهِ
стр. 439
.. وَتَنْبَغِي الدَّارَةُ فَصْلاً وَارْتَضَى ... إِغْفَالَهَا (الْخَطِيْبُ) حَتَّى يُعْرَضَا
ينبغي أَنْ يجعلَ بينَ كلِّ حديثينِ دارةً (صورةَ O) تفصلُ بينَ الحديثينِ وتميِّزُ بَيْنَهُمَا ، وقدْ روى ابنُ خَلاَّدٍ مِنْ روايةِ ابنِ أبي الزِّنَادِ أَنَّ كتابَ أبيهِ كانَ هكذا. وَحُكِيَ ذلكَ أيضاً عن أحمدَ والحربيِّ، وابنِ جريرٍ. واستحبَّ الخطيبُ أنْ تكونَ الدَّارَاتُ غُفْلاً، فإذا عارضَ فكلُّ حديثٍ يفرغُ من عَرْضِهِ يَنْقُطُ في الدَّارةِ التي تليهُ نُقْطَةً، أو يخطُّ في وَسَطِها خطاً. قالَ: وقد كانَ بعضُ أهلِ العلمِ لا يعتدُّ من سماعِهِ إلاَّ بما كانَ كذلكَ أو في معناهُ.
٥٧١.... وَكَرِهُوْا فَصْلَ مُضَافِ اسْمِ اللهْ ... مِنْهُ بِسَطْرٍ إِنْ يُنَافِ مَا تَلاَهْ
وُيكْرَهُ أن يَفْصِلَ في الخطِّ بينَ ما أُضيفَ إلى اسمِ اللهِ تعالى وبينَ اسمِ اللهِ في مثلِ عبدِ اللهِ بنِ فلانٍ وعبدِ الرحمنِ بنِ فلانٍ، وغيرِ ذلكَ من الأسماءِ فيكتبُ عبدَ في آخرِ سطرٍ ويكتُبُ في السطرِ الآخرِ اسمَ اللهِ، وبقيَّةَ النِّسبِ هكذا ذكرَ ابنُ الصلاحِ أنَّهُ مكروهٌ،
стр. 440
وفي كلامِ الخطيبِ مَنْعُهُ، فإنَّهُ روى في الجامعِ عن أبي عبدِ اللهِ بنِ بَطَّةَ أنَّهُ قالَ هذا كلُّهُ غَلَطٌ قبيحٌ فيجبُ على الكاتبِ أَنْ يتوَقَاْهُ ويتأمَّلَهُ ويتحفَّظَ منهُ قالَ الخطيبُ وهذا الذي ذكرَهُ أبو عبدِ اللهِ صحيحٌ فيجبُ اجتنابُهُ فعلى هذا تحملُ الكراهةُ في النَّظْمِ وفي كلامِ ابنِ الصلاحِ على التحريمِ، وجعلَهُ صاحبُ الاقتراحِ أيضاً من الأَدبِ، لا من بابِ الوُجوبِ قالَ الخطيبُ ومما أكرهُهُ أيضاً أَنْ يكتُبَ قالَ رسولُ في آخرِ السطرِ، ويكتُبَ في أولِ السطرِ الذي يليهِ اللهِ ﷺ ، فينبغي التحفظُ من ذلكَ قلت ولا يختصُّ المنعُ أو الكراهةُ بأسماءِ اللهِ تعالى، بل الحكمُ كذلكَ في أسماءِ النبيِّ ﷺ ، والصحابةِ أيضاً، مثالُه لو قيلَ سابُّ النبيِّ ﷺ كافرٌ، أو قاتِلُ ابنِ صَفيَّةَ في النارِ، يريدُ الزبيرَ بنَ العوامِ، ونحوَ ذلكَ، فلا يجوزُ أن يكتبَ سابُّ أو قاتِلُ في سطرٍ وما بعدَ ذلكَ في سطرٍ آخرَ، فينبغي أنْ يجتنبَ أيضاً ما يُسْتَبْشَعُ، ولو وقعَ ذلكَ في
стр. 441
غيرِ المُضَافِ والمُضَافِ إليهِ، كقولهِ في حديثِ شاربِ الخمرِ، الذي أوتِيَ به النبيُّ ﷺ وهو ثملٌ، فقالَ عُمَرُ أخزاهُ اللهُ ما أكثرَ ما يْؤتَى بِهِ فلا ينبغي أنْ يكتُبَ فقالَ،
في آخرِ سطرٍ، وعُمَرُ وما بَعْدَهُ في أَوَّلِ السطرِ الذي يليهِ أَمَّا إذا لم يكُنْ في شيءٍ منْ ذلكَ بعدَ اسمِ اللهِ تعالى، أو اسمِ نبيِّهِ، أو اسمِ الصحابيِّ ما ينافيهِ، بأَنْ يكونَ الاسمُ آخرَ الكتابِ، أو آخرَ الحديثِ، ونحوَ ذلكَ، أو يكونَ بَعْدَهُ شيءٌ ملائمٌ لهُ، غيرُ منافٍ لهِ، فلا بأْسَ بالفَصْلِ، نحوَ قولهِ في آخرِ البخاريِّ سبحانَ اللهِ العظيمِ، فإنَّهُ إذا فَصَلَ بينَ المضافِ، والمضافِ إليهِ، كانَ أوَّلُ السطرِ اللهِ العظيمِ، ولا منافاةَ في ذلكَ، ومَعَ هذا فجمْعُهُما في سطرٍ واحدٍ أوْلَى، واللهُ أعلمُ
... وَاكْتُبْ ثَنَاءَ (اللهِ) وَالتَّسْلِيْمَا ... مَعَ الصَّلاَةِ للِنَّبِي تَعْظِيْمَا
٥٧٣.... وَإِنْ يَكُنْ أُسْقِطَ فِي الأَصْلِ وَقَدْ ... خُوْلِفَ فِي سَقْطِ الصَّلاَةِ أَحْمَدْ
... وَعَلَّهُ قَيَّدَ بِالرِّوَايَهْ ... مَعْ نُطْقِهِ، كَمَا رَوَوْا حِكَايَه
стр. 442
ْ
٥٧٥.... وَالْعَنْبَرِيْ وَابْنُ الْمُدِيْنِيْ بَيَّضَا ... لَهَا لإِعْجَالٍ وَعَادَا عَوَّضَا
... وَاجْتَنِبِ الرَّمْزَ لَهَا وَالْحَذْفَا ... مِنْهَا صَلاَةً أَوْ سَلاَماً تُكْفَى
يَنْبَغِي أن يُحافظَ على كَتْبِ الثناءِ على اللهِ تعالى عندَ ذِكْرِ اسمِهِ، نحوِ: ، وتباركَ وتعالى، ونحوِ ذلكَ. وكذلكَ كتابةُ الصلاةِ والتسليمِ على النبيِّ ﷺ ، عند ذِكرِهِ. ولا تسأَمْ مِنْ تكرُّرِ ذلكَ فأجْرُهُ عظيمٌ، وقدَ قيلَ في قولهِ ﷺ : أَوْلى الناسِ بي أكثُرُهُم عليَّ صلاةً. أنَّهُمْ أهلُ
стр. 443
الحديثِ، وذلكَ لكثرةِ ما يتكرَّرُ ذكرُهُ في الروايةِ فيصلُّونَ عليهِ، فإنْ كانَ الثناءُ والصلاةُ والتسليمُ ثابتاً في أصْلِ سماعِهِ، أوْ أَصْلِ الشيخِ فواضحٌ، وإنْ لم يكنْ في الأَصْلِ، فلا يتقيَّدُ بهِ أيضاً، بلْ يَتَلَفَّظُ بهِ ويكتُبُهُ؛ وذلكَ لأَنَّهُ ثناءٌ ودعاءٌ يُثْبِتُه لا كلامٌ يرويهِ، وأما ما وُجِدَ في خطِّ أَحمدَ بنِ حنبلٍ مِنْ إغفالِ الصلاةِ والتسليمِ، فقالَ الخطيبُ: قَدْ خالفَهُ غيرُهُ من الأَئمة المتقدِّمِيْنَ. قالَ ابنُ الصلاحِ: لعلَّ سبَبَهُ أنَّهُ كانَ يرى
التَقَيُّدَ في ذلكَ بالرِّوَايةِ، وعزَّ عليهِ اتصالهُا في جميعِ مَنْ فوقَهُ من الرواةِ. قالَ الخطيبُ: وبلغني أَنَّهُ كَانَ يُصَلي على النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُطقاً لا خطَّاً. وقدْ مالَ ابنُ دقيقِ العيدِ إلى ما فعلَهُ أحمدُ، فقالَ في " الاقتراحِ ": والذي نميلُ إليهِ أَنْ نَتَّبِعَ الأصولَ والرواياتِ. وقالَ: إذا ذكرَ الصلاَة لفظاً من غيرِ أَنْ يكونَ في الأصلِ فينبغي أنْ يُصحبَها قرينةٌ تدلُّ على ذلكَ من كونِهِ يرفعُ رأْسَهُ عن النَّظَرِ في الكتابِ، وينوي بقلبهِ أَنَّهُ هو المصلِّي لا حاكياً عن غيرِهِ. وقالَ عبدُ الله بنُ سنانٍ: سمعتُ عبَّاساً العَنْبَرِيَّ وعليَّ بنَ المدينيِّ يقولانِ: ما تَرَكْنَا الصلاَة على رسولِ اللهِ ﷺ في كلِّ
стр. 444
حديثٍ سمعناهُ، وربما عَجِلنا فَنُبَيِّضُ الكتابَ في كُلِّ حديثٍ، حتى نَرجِعَ إليهِ. قالَ النوويُّ: وكذا الترضِّي والترحُّمُ على الصحابةِ والعلماءِ وسائرِ الأخيارِ، ويُكْرَهُ أنْ يَرْمِزَ للصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ في الخطِّ بأَنْ يقتصِرَ من ذلكَ على حرفينِ، ونحوِ ذلكَ، كمن يكتُبُ (صلعم) يشيرُ بذلكَ إلى الصلاةِ والتَّسْلِيمِ. ويُكْرَهُ حذفُ واحدٍ منَ الصلاةِ والتَّسْلِيمِ. والاقتصارُ على أحدهِما كما يفعلُ الخطيبُ، فإنَّ في خطِّهِ الاقتصارُ على الصلاةِ فقطْ. شاهدتُهُ بخطِّهِ كذلكَ في كتابِ " الموضحِ "، وليسَ بِمَرْضيٍّ، فقدْ قالَ حَمْزَةُ الكنانيُّ: ((كنتُ أكتبُ عندَ ذكرِ النبيِّ: ((صلى اللهُ عليهِ)) ، ولا أكتبُ ((وَسَلَّمَ)) ، فرأيتُ النبيَّ ﷺ في المنامِ، فقالَ لي: ما لكَ لا تُتِمُّ الصلاةَ عليَّ؟! قالَ فما كتبتُ بعدَ ذلكَ: ((صَلَّى اللهُ عليهِ)) ، إلاَّ كتبتُ: ((وَسَلَّمَ)) .
стр. 445
المُقَاْبَلَةُ
٥٧٧.... ثُمَّ عَلَيْهِ الْعَرْضُ بِالأَصْلِ وَلَوْ ... إِجَازَةً أَوْ أَصْلِ أَصْلِ الشَّيْخِ أَوْ
٥٧٨.... فَرْعٍ مُقَابَلٍ، وَخَيْرُ الْعَرْضِ مَعْ ... أُسْتَاذِهِ بِنَفْسِهِ إِذْ يَسْمَعْ
٥٧٩.... وَقِيْلَ: بَلْ مَعْ نَفْسِهِ وَاشْتَرَطَا ... بَعْضُهُمُ هَذَا، وَفِيْهِ غُلِّطَا
٥٨٠.... وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ حِيْنَ يَطْلُبُ ... فِي نُسْخَةٍ وَقالَ (يَحْيَى) : يَجِبُ
على الطالبِ مقابلةُ كتابهِ بكتابِ شيخهِ الذي يرويهِ عنه؛ سماعاً، أو إجازةً، أو بأَصلِ أَصْلِ شيخِهِ المُقَاْبَلِ بهِ أصلُ شيخهِ، أو بِفَرْعٍ مقابَلٍ بأصْلِ السماعِ؛ المقابلةَ المشروطةَ. وقالَ القاضي عياضٌ: مقابلةُ النُّسْخةِ بأصلِ السَّماعِ متعيّنةٌ، لابدَّ منها، وقد قالَ عروةُ لابنِهِ هِشَامٍ: عَرَضْتَ كتابَكَ؟ قالَ: لا. قالَ: لم تكتُبْ؟ وقالَ الأوزاعيُّ، ويحيى بنُ أبي كثيرٍ: مَثَلُ الذي يكتبُ ولا يعارِضُ مثلُ الذي يَدخلُ الخلاءَ ولا يَسْتَنْجِي. وعنِ الأخفشِ، قالَ: إذا نُسِخَ الكتابُ ولم يُعَارَضْ، ثُمَّ نُسِخَ ولم يُعَارَضْ، خَرَجَ أَعْجَمِيَّاً.
стр. 446
ثُمَّ أفضلُ المعارضةِ أنْ يُعارِضَ كتابَهُ بنفسِهِ مع شيخِهِ بكتابِهِ في حالِ تحديثِهِ بهِ. وقالَ أبو الفضلِ الجاروديُّ: أصدقُ المعارضةِ مع نفسِكَ. والقولُ الأولُ أَوْلَى. وقالَ بعضُهم: لا تصحُّ مقابلتُهُ مع أحدٍ غيرِ نفسِهِ، ولا يُقلِّدُ غيرَهُ، حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِ أهلِ التحقيقِ. قالَ ابنُ الصَّلاحِ: وهذا مذهبٌ متروكٌ.
ويُسْتَحَبُّ للطالبِ أنْ ينظرَ في نسختِهِ حالةَ السماعِ، ومَنْ ليسَ مَعَهُ نسخةٌ نظرَ في نسخةِ مَنْ معهُ نسخةٌ. وسُئِلَ يحيى بنُ معينٍ عمَّنْ لم ينظرْ في الكتابِ والمحدِّثُ يقرأُ هلْ يجوزُ أنْ يُحدِّثَ بذلكَ عنهُ؟! فقالَ: أمَّا عندي فلا يجوزُ. ولكنَّ عامةَ الشيوخِ هكذا سماعُهمْ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وهذا مِنْ مذاهبِ أهلِ التشديدِ في الروايةِ. والصحيحُ أنَّ ذلكَ لا يُشتَرطُ، وأنَّهُ يصحُّ السَّماعُ وإنْ لم ينظرْ أصلاً في الكتابِ حالةَ القراءةِ وأَنَّهُ لا يُشْتَرطُ أنْ يُقَابِلَهُ بنفسهِ، بل يكفيهِ مقابلةُ نسختِهِ بأَصْلِ الراوي، وإنْ لم يكنْ ذلكَ حالةَ القراءةِ وإن كانتِ المقابَلَةُ على يَدَيْ غيرِهِ، إذا كانَ ثقةً موثوقاً بضبْطِهِ.
٥٨١.... وَجَوَّزَ الأُسْتَاذُ أَنْ يَرْوِيَ مِنْ ... غَيْرِ مُقَابَلٍ وَ (لِلْخَطِيْبِ) إِنْ
٥٨٢.... بَيَّنَ وَالنَّسْخُ مِنَ اصْلٍ وَلْيُزَدْ ... صِحَّةُ نَقْلِ نَاسِخٍ فَالشَّيْخُ قَدْ
٥٨٣.... شَرَطَهُ ثُمَّ اعْتَبِرْ مَا ذُكِرَا ... فِي أَصْلِ الاصْلِ لاَتَكُنْ مُهَوِّرَا
стр. 447
اختلفوا في جوازِ روايةِ الراويِ من كتابه الذي لم يُعارَضْ، فقالَ القاضي عياضٌ: لا يَحِلُّ للمسلمِ التقيِّ الروايةُ مما لم يُقابِلْ بأصلِ شيخِهِ، أو نسخةٍ تحقَّقَ ووَثِقَ بمقابلتِها بالأَصْلِ، وتكونُ مقابلتُه لذلك مَعَ الثقةِ المأمونِ على ما ينظرُ فيهِ. فإذا جاءَ حرفٌ مُشِكلٌ نظرَ معهَ حتى يحقِّقُوا ذلكَ. وذهبَ الأستاذُ أبو إسحاق الإسفرايينيُّ إلى الجوازِ، وسُئِلَ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ هل للرَجُلِ أَنْ يُحَدِّثَ بما كَتَبَ عن الشيخِ ولم يُعارِضْ بأَصْلِه؟ قالَ: نَعَمْ. ولكنْ لابُدَّ أنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُعارِضْ. وإليهِ ذهبَ أبو بكرٍ البرقانيُّ، وأجازَهُ الخطيبُ بشرطِ أَنْ تكونَ سختُهُ نُقِلَتْ من الأَصلِ، وأن يُبَيِّنَ عِنْدَ الروايةِ أَنَّهُ لَمْ يُعارضْ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ولابُدَّ مِنْ شرطٍ ثالثٍ، وهو أَنْ يكونَ ناسخُ النُّسْخَةِ من الأَصْلِ غيرَ سَقِيْمِ النقلِ، بل صحيحَ النقلِ، قليلَ السَّقَطِ، ثُمَّ إِنَّهُ ينبغي أَنْ يُرَاعيَ في كتابِ شيخِهِ بالنسبةِ إلى مَنْ فَوْقَهُ مثلَ ما ذكرنا أَنَّهُ يراعيهِ من كتابِهِ ولا يكونَنَّ كَمنْ إذا رأى سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرأهُ عليهِ مِنْ أيِّ نسخةٍ اتفقتْ. والتَّهَوُّرُ: الوقوعُ في الشيءِ بقلَّةِ مبالاةٍ، قالَهُ الجوهريُّ.
стр. 448
َ خْرِيْجُ السَّاْقِطِ
٥٨٤.... وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ: وَهْوَ اللَّحَقُ ... حَاشِيَةً إلى الْيِمَيْنِ يُلْحَقُ
٥٨٥.... مَا لَمْ يَكُنْ آخِرَ سَطْرٍ وَلْيَكُنْ ... لِفَوْقُ وَالسُّطُوْرُ أَعْلى فَحَسُنْ
٥٨٦.... وَخَرِّجَنْ لِلسَّقْطِ مِنْ حَيْثُ سَقَطْ ... مُنْعَطِفَاً لَهُ، وَقِيْلَ: صِلْ بِخَطْ
٥٨٧.... وَبَعْدَهُ اكْتُبْ صَحَّ أَوْ زِدْ رَجَعَا ... أَوْ كَرِّرِ الكَلْمَةَ لَمْ تَسْقُطْ مَعَا
٥٨٨.... وَفِيْهِ لَبْسٌ وَلِغَيْرِ الأَصْلِ ... خَرِّجْ بِوَسْطِ كِلْمَةِ الْمَحَلِّ
٥٨٩.... وَ (لِعِيَاضٍ) : لاَ تُخَرِّجْ ضَبِّبِ ... أَوْ صَحِّحَنْ لِخَوْفِ لَبْسٍ وَأُبِي
أهلُ الحديثِ والكُتَّاْبةُ يُسَمُّوَن ما سَقَطَ مِن أَصْلِ الكتابِ فأُلْحِقَ بالحاشيةِ أو بينَ السطورِ: اللَّحَقُ -بفتحِ اللامِ والحاءِ المهملة معاً-. وأَمَّا اشتقاقهُ فيحتملُ أَنَّهُ من الإلْحَاقِ. قالَ الجوهريُّ: واللَّحَقُ - بالتحريكِ - شيءٌ يَلْحَقُ بالأوَّل. قالَ: واللَّحَقُ أيضاً من التَّمرِ: الذي يأتي بعدَ الأولِ. وقالَ صاحبُ " المُحكمِ ": اللَّحَقُ كلُّ شيءٍ لَحِقَ شيئاً أو أُلْحِقَ بِهِ، من الحَيَوَانِ، والنَّبَاتِ، وحَمْلِ النخلِ، وأنشدَ:
* وَلَحَقٍ يَلْحَقُ مِنْ أَعْرَابِهَا *
ويحتملُ أنَّهُ مِنَ الزيادةِ يدلُّ عليهِ كلامُ صاحبِ " المحكمِ " فإنَّهُ قالَ: واللَّحَقُ: الشيءُ الزائدُ. قالَ ابنُ عيينةَ:
* كأَنَّهُ بينَ أسْطُرٍ لَحَقُ *
وقد وقعَ في شِعْرٍ نُسِبَ لأَحمدَ بنِ حنبلٍ - بإسكانِ الحاءِ -، أنشدَهُ الشريفُ أبو عليٍّ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبي موسى الهاشميُّ، لأَحمدَ بنِ حنبلٍ.
стр. 449
مَنْ طَلَبَ العِلْمَ والحدِيْثَ فلا ... يَضْجَرُ مِنْ خَمْسَةٍ يُقَاسِيْهَا:
دَرَاهِمٍ لِلْعُلُومِ يَجْمَعُهَا ... وعِنْدَ نَشْرِ الحدِيْثِ يُفْنِيْهَا
يُضْجِرُهُ الضَّرْبُ في دَفَاتِرِهِ ... وكَثْرَةُ اللَّحْقِ في حَوَاشِيهَا
يَغْسِلُ أَثْوابَهُ وَبِزَّتَهُ ... مِنْ أَثرِ الحِبْرِ لَيْسَ يُنقِيْهَا
وكأَنَّهُ خَفَّفَ حركةَ الحاءِ؛ لضرورةِ الشِّعْرِ. وأمَّا كيفيةُ كتابةِ ما سَقَطَ من الكتابِ فلا ينبغي أنْ يُكتَبَ بينَ السُّطورِ؛ لأَنَّهُ يُضَيِّقُها وُيغلِّسُ ما يُقْرَأُ خصوصاً إِنْ كانتِ السطورُ ضيقةً متلاصقةً. والأَوْلى أَنْ يُكْتَبَ في الحاشيةِ.
ثُمَّ السَّاقطُ لا يخلوا إمَّا أَنْ يكونَ سَقَطَ مِنْ وَسَطِ السَّطْرِ، أو مِنْ آخرِهِ، فإنْ كانَ مِنْ وَسَطِ السَّطْرِ فَيُخَرَّجُلهُ إلى جهةِ اليمينِ، - وسيأتي صفةُ التَّخْرِيجِ لهُ -؛ لاحتمالِ أنْ يَطْرَأَ في بقيَّةِ السَّطْرِ سَقطٌ آخرُ، فَيُخَرَّجُ له إلى جهةِ اليسارِ. فلو خَرَّجَ للأَولِ إلى اليسارِ ثُمَّ ظهرَ في السطرِ سقطٌ آخرُ، فإنْ خَرَّجَ لهُ إلى اليسارِ أيضاً اشتبهَ موضعُ هذا السقطِ بموضعِ هذا السقطِ، وإنْ خرَّجَ للثاني إلى اليمينِ تقابلَ طرفا التخريجتينِ، وربما التقيا؛ لِقُرْبِ
стр. 450
السَّاقطينِ، فَيُظَنُّ أَنَّ ذلكَ ضَرْبٌ - عَلَى ما بينهَما عَلَى ما سيأتي في صفةِ الضَّرْبِ -. وإنْ كانَ الَّذِي سَقَطَ محلُّهُ بعدَ تمامِ السَّطْرِ، فقالَ الْقَاضِي عياضٌ: لا وَجْهَ إلاَّ أَن يُخَرِّجَهُ إِلَى جهةِ الشِّمَالِ؛ لقُرْبِ التخريجِ من اللَّحَقِ، وسرعةِ لحاقِ الناظرِ بهِ؛ ولأَنَّه أمِنَ مِنْ نقصٍ يَحْدُثُ بَعدَهُ، فلا وَجْهَ لتخريجهِ إلى اليمينِ. وتبعهُ ابنُ الصلاحِ على ذلكَ. نَعَمْ..، إنْ ضَاقَ ما بَعْدَ آخرِ السطرِ لقُرْبِ الكتابةِ من طرفِ الورقِ أو لضيقِهِ بالتجليدِ بأنْ: يكونَ السَّقطُ في الصفحةِ اليُمْنَى فلا بأسَ حينئذٍ بالتخريجِ إلى جهةِ اليمينِ. وقد رأيتُ ذلكَ في خطِّ غيرِ واحدٍ من أهلِ العلمِ. ثُمَّ الأَوْلَى أن يكتُبَ الساقطَ صاعداً لفوقُ، إلى أعلى الورقةِ من أيِّ جهةٍ كانَ تخريجُ الساقطِ: اليمينَ أو الشِّمالَ؛ لاحتمالِ حُدوثِ سقطٍ آخرَ فيكتُبَ إِلَى أسفلَ. فلو كُتِبَ الأولُ إِلَى أسفلَ لَمْ يجدْ للسقطِ الثاني موضعاً يقابِلُهُ بالحاشيةِ خالياً. وهذا معنى قولي: (وليكُنْ لفوقُ) ، والأَوْلَى أنْ يبتديءَ السُّطورَ منْ أعلى إِلَى أسفلَ. فإنْكانَ التخريجُ في جهةِ اليَمينِ انقضتِ الكتابةُ إِلَى جهةِ باطنِ الورقةِ.
وإنْ كانَ في جهةِ الشِّمالِ انتهتِ الكتابةُ إِلَى طرفِ الورقةِ؛ وذلك لأَنَّ الساقطَ ربما زادَ على السطرِ والسطرينِ أو أكثرَ. فلو
стр. 451
كُتِبَ السَّاقِطُ مِنْ أسفلَ لربمُّا فرغَ السَّطرُ، ولم يُتِمَّ السَّاقِطَ، فلا يجدُ لَهُ مَوْضِعَاً يُكْمِلُه، إلا بانتقالٍ إلى موضعٍ آخرَ بتخريجٍ أو اتِّصَالٍ. وهذا فيما إذا كتبَ السَّاقطَ لفوقُ. وإنْ كانتِ الكتابةُ إلى أسفلَ بأَنْ يكونَ ذلك في السَّقطِ الثاني، أو خالفَ أوَّلاً وخرجَ إلى أسفلَ فينعكِسُ الحالُ فيكونُ انتهاءُ الكتابةِ في الجانبِ اليمينِ إلى طرفِ الورقةِ، وفي الجانبِ اليسارِ إلى باطنِ الورَقةِ. وهذا معنى قولي: (والسُّطُوْر أَعْلَى) أي: ولتكُنِ السطورُ أعلى.
وقولي: (فَحَسُن) ، هو فعلٌ ماضٍ - بضمِّ السينِ -، أي: فَحسُنَ هذا الفعلُ ممَّنْ يفعَلُهُ. وأما صفةُ التخريجِ للساقطِ فقالَ القاضي عياضٌ: أحسنُ وجوهِها: ما استمرَّ عليهِ العملُ عندَنا من كتابةِ خطٍّ بموضعِ النَّقْصِ صاعداً إلى تحتِ السطرِ الذي فوقَهُ، ثُمَّ ينعطِفُ إلى جهةِ التخريجِ في الحاشيةِ انعطافاً يُشِيْرُ إليه. وقالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّ المخْتَارَ هذهِ الكيفيةُ. وقالَ ابنُ خَلاَّدٍ: أجودُهُ أَنْ يُخَرَّجَ من مَوْضِعِهِ حتى يُلْحِقَ بهِ طرفُ الحرفِ المبتدإِ به مِنَ الكلمةِ الساقِطةِ في الحاشيةِ. وهذا معنى قولي: وقيلَ: (صِلْ بخطٍّ) . قالَ القاضي عياضٌ: وهذا فيهِ بيانٌ لكنَّهُ تَسْخِيْمٌ للكتابِ، وتَسْوِيْدٌ لهُ، لا سِيَّما إنْ كَثُرَتِ الإلحاقاتُ والنَّقْصُ. وقالَ ابنُ الصلاحِ أيضاً: هذا غيرُ مَرْضِيٍّ. قلتُ: فإنْ لم يكنِ اللَّحَقُ قُبَالةَ موضعِ السُّقوطِ بأنْ لا يكونَ ما يقابِلُهُ خالياً، وكُتِبَ اللَّحَقُ في موضعٍ آخرَ فيَتَعَيَّنُ حينئذٍ جرُّ الخطِّ إلى أوَّلِ اللَّحَقِ، أو يَكتبُ قُبَالَةَ موضعِ
стр. 452
السقوطِ يتلُوهُ كذا وكذا في الموضعِ الفلانيِّ ونحوِ ذلكَ لزوالِ اللَّبْسِ وقد رأيتُ في خطِّ غيرِ واحدٍ ممَّنْ يَعْتَمِدُ اتِّصَالَ الخطِّ إذا بَعُدَ اللَّحَقُ عن مُقابلِ موضعِ النَّقْصِ، وهو جيدٌ حَسَنٌ، ثُمَّ إذا انتهتْ كتابةُ السَّاقطِ كَتَبَ بعدَهُ: صَحّ. قالَ القاضي عياضٌ: وبعضُهم يكتبُ آخرَهُ بَعْدَ التصحيحِ: رَجَعَ. وقالَ ابنُ خَلاَّدٍ: إِنَّ الأجودَ أن يُكتَبَ في الطرفِ الثاني حرفٌ واحدٌ مِمَّا يتصلُ بهِ الدَّفترُ ليدُلَّ أَنَّ الكلامَ قَدْ انتظمَ. وهذا معنى قولي: (أوْ كَرِّرِ الكلمةَ لَمْ تسقطْ) أي: التي لم تسقطْ في الأصلِ، بل سَقَطَ ما قبلَها.
وهذا ما حكاهُ القاضي عياضٌ عن اختيارِ بعضِ أهلِ الصَّنْعةِ من أهلِ المغربِ أيضاً، قالَ: وليسَ عندي باختيارٍ حَسَنٍ فرُبَّ كلمةٍ قد تجيءُ في الكلامِ مكرَّرَةً مرتينِ وثلاثاً لمعنى صحيحٍ، فإذا كرَّرْنا الحرفَ لم نَأْمَنْ أنْ يوافقَ ما يتكرَّرُ حقيقةً أو يُشْكِلَ أمرُهُ، فيوجبُ ارتياباً وزيادةَ إشكالٍ. قالَ ابنُ الصلاحِ: وليسَ ذلكَ بمرْضِيٍّ. قالَ القاضي عياضٌ: وبعضُهم يكتُبُ: انتهى اللَّحَقُ. قالَ: والصَّوابُ التصحيحُ. وهذا كلُّهُ في التخريجِ للسَّاقطِ، أَمَّا ما يُكتبُ في حاشيةِ الكتابِ منْ غيرِ الأَصلِ من شرحٍ أو تنبيهٍ على غَلَطٍ، أو اختلافِ روايةٍ أو نسخةٍ أو نحوِ ذلكَ؛ فالأَوْلَى أَنْ يُخَرَّجَ له على نفسِ الكلمةِ التي من أجلِهَا كتُبتِ الحاشيةُ، لا بين الكلمتينِ. وقالَ القاضي عياضٌ: لا يُحَبُّ أن يُخَرَّجَ إليهِ، فإنَّ ذلكَ يُدْخِلُ اللَّبْسَ
стр. 453
ويُحْسَبُ من الأَصلِ. قالَ ولا يُخرَّجُ إلاَّ لما هوَ من نفسِ الأَصلِ، لكن رُبمَّا جُعلَ على الحرَفِ كالضَّبَّةِ، أو التصحيحِ، ليدُلَّ عليهِ. وسيأتي بيانُ التضبيبِ والتصحيحِ بعدَهُ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: التخريجُ أَوْلَى، وأَدلُّ من وَسَطِ الكلمةِ، كما تقدَّمَ.
التَّصْحِيْحُ، وَالتَّمْرِيْضُ، وهُو التَّضْبِيْبُ
٥٩٠.... وَكَتَبُوْا (صَحَّ) عَلى الْمُعَرَّضِ ... لِلشَّكِّ إِنْ نَقْلاً وَمَعْنًى ارْتُضِي
٥٩١.... وَمَرَّضُوْا فَضَبَّبُوْا (صَاداً) تُمَدّْ ... فَوْقَ الذَّيِ صَحَّ وُرُوْداً وَفَسَدْ
٥٩٢.... وَضَبَّبُوْا فِي الْقَطْعِ وَالإِرْسَالِ ... وَبَعْضُهُمْ فِي الأَعْصُرِ الْخَوَالي
٥٩٣.... يَكْتُبُ صَادَاً عِنْدَ عَطْفِ الأَسْمَا ... تُوْهِمُ تَضْبِيْباً، كَذَاكَ إِذ مَا
٥٩٤.... يَخْتَصِرُ التَّصْحِيْحَ بَعْضٌ يُوْهِمُ ... وَإِنَّمَا يَمِيْزُهُ مَنْ يَفْهَمُ
التصحيحُ هو كتابةُ: ((صَحّ)) ، على الحرفِ الذي يُشارُ إلى صحتِهِ. والتمريضُ، والتضبيبُ: هو كتابةُ صورةِ ((صـ)) هكذا فوقَ الحرفِ الَّذِي يُشارُ إِلَى تمريضِهِ. ووجدتُ عن أبي القاسمِ بنِ الإفليلي، واسمُهُ إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ زكريا، قالَ:
стр. 454
كَانَ شيوخُنَا من أهلِ الأَدَب - وفي الإلماع للقاضي عِيَاض: شيوخُنا من أهلِ المغربِ - يَتَعَالَمُوْنَ أَنَّ الحرفَ إذا كُتبَ عليهِ ((صَحّ)) ، أَنَّ ذلكَ علامةٌ لصحةِ الحرفِ فَوُضِعَ حرفٌ كاملٌ عَلَى حرفٍ صَحَّيحٍ، وإذا كانَ عليهِ صادٌ ممدودةٌ دون حاءٍ كانَ علامةً أَنَّ الحرفَ سقيمٌ، إذ وُضِعَ عليه حرفٌ غيرُ تامٍّ، ليدلَّ نَقْصُ الحرفِ على اختلالِ الحرفِ قالَ: ويُسمَّى ذلكَ الحرفُ أيضاً: ضَبَّةً، أي: أَنَّ الحرفَ مقفلٌ بها، لا يتَّجِهُ لقراءةٍ كما أَنَّ الضَّبَّةَ مقفلٌ بها. قالَ ابنُ الصلاحِ: ولأنَّها أشبهتِ الضَّبَّةَ التي تُجعَلُ على كَسْرٍ أو خَلَلٍ فاستعيرَ لها اسمُها.
قلتُ: هذا بعيدٌ؛ لأَنَّ ضَبَّةَ القَدَحِ جُعِلَتْ للجبرِ، وهذهِ ليستْ جابرةً، وإنَّمَا هيَ علامةٌ لكونِ الروايةِ هكذا، وَلَمْ يتَّجِهْ وجْهُهَا، فهي علامةٌ لصحةِ ورودِها، لئلاَّ يظنَّ الرَّاوِي أَنَّها من غَلَطٍ فيُصْلِحَهَا، وَقَدْ يأتي بعدَ ذلكَ مَنْ يُظْهِرُ لهُ وجهَ ذلكَ. وَقَدْ غيَّرَ بعضُ المتجاسرينَ ما الصوابُ إبقاؤُهُ. وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ما ذكرتُهُ الْقَاضِي
стр. 455
عياضٌ، وتبعهُ عليه ابنُ الصلاحِ أيضاً، واللهُ أعلمُ.
ولا يُصَحِّحُ إلاَّ على ما هو عُرْضَةٌ للشكِّ، أو الخلافِ، وقد صَحَّ روايةً ومعنًى؛ ليُعْلَمَ أَنَّهُ لم يَغْفَلْ عنهُ، وأنَّهُ قد ضُبِطَ، وصحَّ على الوجهِ. وأَمَّا ما صحَّ من طريقِ الروايةِ، وهو فاسدٌ من جهةِ المعنى، أو اللَّفظِ، أو الخطِّ، بأن يكونَ غيرَ جائزٍ في العربيةِ، أو شَاذَّاً، أو مُصَحَّفَاً، أو نَاقِصَاً، وما أشبهَ ذلكَ؛ فجرتْ عادةُ أهلِ التقييدِ، كما قالَ القاضي عياضٌ أنْ يَمدُّوا على أَوَّلِهِ مثلَ الصادِ، ولا يُلزقُ بالكلمةِ المُعَلَّمِ عليها، لِئَلاَّ يُظَنَّ ضَرْبَاً. قالَ: ويسمُّونهُ ضَبَّةً، ويسمُّونَهُ تَمْرِيْضَاً. قالَ ابنُ الصلاحِ: ومن مواضعِ التَّضْبِيْبِ، أَنْ يقعَ في الإسنادِ إرسالٌ، أو انقطاعٌ، فمِنْ عَادَتِهِم تَضْبِيْبُ موضعِ الإرسالِ، والانقطاعِ. قالَ: ويُوجدُ في بعضِ الأُصولِ القديمةِ في الإسنادِ الذي يجتمعُ فيهِ جماعةٌ معطوفةٌ أسماؤُهُم بعضُها على بعضٍ، علامةٌ تُشْبِهُ الضَّبَّةَ فيما بينَ أسمائهِمِ، فَتُوْهِمُ مَنْ لا خبرةَ لهُ أَنَّهَا ضَبَّةٌّ، وليستْ بضَبَّةٍ، وكأنَّهَا علامةُ وصلٍ فيما بينهما، أُثْبِتَتْ تأكيداً للعطفِ، خوفاً من أَنْ تُجعلَ ((عن)) مكانَ الواوِ، والعلمُ عندَ اللهِ تعالى. قالَ: ثُمَّ إنَّ بعضَهم ربما اختصرَ علامةَ التصحيحِ، فجاءتْ صورتُها تُشْبِهُ صورةَ التضبيبِ، والفِطْنةُ من خيرِ ما أُوْتِيَهُ الإنسانُ.
стр. 456
الْكَشْطُ، وَالْمَحْوُ، وَالضَّرْبُ
٥٩٥.... وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ ... كَشْطاً َوَمَحْواً وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ
٥٩٦.... وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطّاً أَوْ لاَ ... مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ (لاَ) ثُمَّ إلى
٥٩٧.... أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا ... فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا
٥٩٨.... سَطْرَاً إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ ... أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ
٥٩٩.... فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا ... اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا
٦٠٠.... أَوِ اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ ... أَوْ يُوْصَفُ اوْ نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ
لَمَّا تقدَّمَ إلحاقُ الساقطِ، ناسبَ تعقيبَهُ بإبطالِ الزائدِ. فإذا وقعَ في الكتابِ شيءٌ زائدٌ لَيْسَ مِنْهُ، فإنَّهُ يُنفى عنهُ إِمَّا بالكشطِ، وَهُوَ الحكُّ. وإمَّا بالمحْوِ، بأَنْ تكونَ الكتابةُ في لوحٍ أو رَقٍ، أو وَرَقٍ صقيلٍ جِدَّاً في حالِ طَرَاْوَةِ المكتوبِ. وَقَدْ رُوِيَ عن سُحْنُوْنَ أَنَّهُ كانَ رُبَّمَا كَتَبَ الشيءَ ثُمَّ لعقهُ. وإمَّا بالضَّرْبِ عليهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: والضَّرْبُ خيرٌ من الحكِّ والمحْوِ. وروينا عن أبي محمدِ بنِ خَلاَّدٍ
стр. 457
الرامَهُرْمُزِيِّ قالَ: قالَ أصحابُنا: الحكُّ تهمةٌ، قالَ: وأجودُ الضربِ أنْ لا يَطمسَ الحرفَ المضروبَ عليهِ، بل يخطُّ من فوقِهِ خطَّاً جيِّداً بَيِّنَاً يدلُ على إبطالِهِ، وَيُقرأُ من تحتِهِ ما خطَّ عليهِ. وقد أُنبئْتُ عَمَّن أُنْبِئَ عن القاضي عياضٍ: قالَ سمعتُ أبا بحرٍ سفيانَ بنَ العاص الأسديَّ، يحكي عن بعضِ شيوخِهِ أنَّهُ كانَ يقولُ: كانَ الشيوخُ يكرهونَ حضورَ السِّكِّيْنِ مجلسَ السماعِ، حتَّى لا يُبْشَرَشيءٌ؛ لأَنَّ ما يُبْشَرُ منهُ، رُبَّما يصحُّ في روايةٍ أخرى، وقد يُسْمَعُ الكتابُ مرةً أخرى على شيخٍ آخرَ يكونُ ما بُشِرَ من روايةِ هذا صحيحاً في روايةِ الآخرِ، فيحتاجُ إلى إلحاقِهِ بعدَ أَنْ بُشِرَ، وهو إذا خُطَّ عليهِ، وأوقفَهُ من روايةِ الأَوَّلِ، وصحَّ عندَ الآخرِ، اكْتُفِيَ بعلامةِ الآخرِ عليهِ بصحَّتِهِ. انتهى.
وقد اخْتُلِفَ في كيفيةِ الضَّرْبِ على خمسةِ أقوالٍ:
الأوَّلُ: ما تقدَّمَ نقلُهُ عن الرامَهُرْمُزِيِّ، وحكاهُ القاضي عياضٌ عن الأكثرينَ. قالَ: لكنْ
стр. 458
يكونُ الخطُّ مُخْتَلِطَاًبالكلماتِ المضروبِ عليها، وهو الذي يُسمَّى: الضَّرْبَ والشَّقَّ.
والقولُ الثاني: أنْ لا يُخْلَطَ الضربُ بأوائلِ الكلماتِ، بل يكونُ فوقَها مُنْفَصلاً عنها، لكنَّهُ يَعْطِفُ طرفي الخطِّ، على أوائلِ المبطِلِ وآخرِهِ. حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِهِم. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أوْ لاْ مَعَ عطفِهِ) أي: أو لا تصلِهُ بالحروفِ، بلِ اعطفْهُ عليها من الطرفينِ.
مثالُ الضربِ في هذا القولِ هكذا.
والقولُ الثالثُ: أنْ يكتبَ في أوَّلِ الزائدِ لا، وفي آخرِهِ إلى. قالَ القاضي عياضٌ: ومثلُ هذا يصلُحُ فيما صحَّ في بعضِ الرواياتِوسقطَ منبعضٍ من حديثٍ أو كلامٍ. قالَ: وقد يُكتَفىفي مثلِ هذا بعلامةِ من ثَبَتَتْ له فَقَطْ، أو بإثباتِ لا وإلى فقطْ. وإلى هذا القولِالإشارةُ بقولي: (أَو كَتْبَ لا ثُمَّ إلى) ، وهو مصدرٌ وآخرُهُ منصوبٌ على نزعِ الخافِضِ، أي: يُبْعَدُ الزائدُ بالكشطِ، أو المحوِ، أو الضربِ، أو يكتبُ كذا.
стр. 459
لا إلى
مثالُ الإبطالِ في هذا القولِ هكذا.
والقولُ الرابعُ: أنْ يُحَوِّقَ في أوَّلِ الكلامِ الزائدِ بنِصْفِ دارةٍ، وعلى آخرِهِ بنِصْفِ دارةٍ. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أو نِصْفَ دَارَةٍ) أي: أوَّلَهُ وآخِرَهُ والفاءُ منهُ منصوبةٌ عطفاً على محلِّ المضافِ إليهِ، (مثالُ ذلكَ على هذا القولِ) .
والقولُ الخامسُ: أنْ يكتبَ في أوَّلِ الزيادةِ دائرةً صغيرةً، وكذلكَ في آخرِها دائرةً صغيرةً، حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِ الأَشياخِ المحسنينَ لكتبُهِم، قالَ: ويسمِّيها صِفْرَاً، كما يُسَمِّهَا أهلُ الحسابِ، ومعناها خُلُوُّ موضعِها من عددٍ، كذلكَ هنا تُشْعِرُ بخلوِ ما بينهما عن صحةٍ. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (وإلاَّ صِفْرَاً) o مثالُ ذلكَ o. وقولي: (وعَلِّمْ سَطْرَاً سَطْرَاً ... ) إلى آخرِهِ، هو مبنيٌّ على الأقوالِ الأخيرةِ أنَّهُ يُعَلَّمُ أَوَّلُ الزائدِ، وآخرُهُ من غيرِ ضَرْبٍ، فإذا كَثُرَتْ سُطورُ الزائدِ فاجعلْ علامةَ الإبطالِ في أَوَّلِ كُلِّ سَطرٍ وآخرِهِ للبيانِ إنْ شئتَ، أو لا تكرِّرِ العلامةَ، بلِ اكتفِ بها في أوَّلِ الزائدِ وآخرِهِ، وإن كَثرتِ السطورُ. حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِهِم، أَنَّهُ رَبمَّا اكتفى بالتَّحْوِيقِ على أوَّلِ الكلامِ وآخرِهِ، وربَّمَا كُتِبَ عليهِ (لا) في أوِّلِهِ، و (إلى) في آخرِهِ، وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أوْ لا) .
وهذا كلُّهُ فيما إذا كانَ الزائدُ غيرَ مُكرَّرٍ، فإنْ كانَ حرفاً تكرَّرَتْ كتابتُهُ فالذي رآهُ القاضي عياضٌ: أَنَّهُ إنْ كانَ تكرارُهُ في أَوَّلِ سَطرٍ أَن يضربَ على الثاني لِئَلاَّ يَطْمِسَ أوَّلَ السَّطرِ. وإنْ كانتْ إِحدى الكلمتينِ في آخرِ سطرٍ، والأُخرى في أوَّلِ الذي يليهِ فيضْربَ
стр. 460
على الأُوْلَى. وإِنْ كانتِ الكلمتانَ مَعَاً في آخرِ السطرِ فيضْربَعلى الأُوْلَى، صَوْناً لأَوائلِ السَّطورِ وأواخرِها، ومراعاةُ أوَّلِ السَّطرِ أَولى. وإِنْ كانَ التَّكرَارُ لهما في وَسَطِ السَّطرِ ففيهِ قولانِ حكاهما ابنُ خلاَّدٍ وغيْرُهُ في أصلِ المسألةِ من غيرِ مراعاةٍ لأَوائلِ السُّطورِ وأوَاخِرها:
أحدُهما: أَنَّ أَوْلاهُمَا بالإبطالِ الثاني؛ لأَنَّ الأَوَّلَ كُتِبَ عَلَى صوابٍ، فالخطأُ أَوْلَى بالإبطالِ. والقولُ الثاني: أولاهمُا بالإبقاءِ أَجودُهما صورةً وأَدَلُّهُما عَلَى قراءتِهِ. وهذا معنى قولي: (أو اسْتَجِدْ) أي: اسْتَجِدْ للإبقاءِ أجودُهما. وَقَدْ أطلقَ ابنُ خلاَّدٍ الخلافَ من غيرِ مراعاةٍ لأوائلِ السطورِ وأواخرِها، ومن غيرِ مراعاةٍ للفصلِ بَيْنَ المضافِ والمضافِ إليهِ ونحوِ ذلكَ. قالَ الْقَاضِي عياضٌ: وهذا عندي إذا تساوتِ الكلماتُ في المنازلِ، فأَمَّا إنْ كانَ مثلَ المضافِ والمضافِ إليهِ، فتكرَّرَ أحدُهما فينبغي أَنْ لا يُفصلَ في الخطِّ، ويَضربَ بعدُ عَلَى المتكرِّرِ من ذلكَ كانَ أَوَّلاً، أوْ آخِرَاً، وكذلكَ الصفةُ معَ الموصوفِ وشِبْهُ هَذَا، فمُراعاةُ هَذَا مضطرٌ إليهِ للفَهْمِ، فمراعاةُ المعاني أَوْلَى من مراعاةِ تحسينِ الصورةِ في الخطِّ. واستحسنَ ابنُ الصلاحِ من الْقَاضِي عياضٍ هَذَا التفصيلَ كُلَّهُ.
الْعَمْلُ فِي اخْتِلاْفِ الرُّوَاْيَاْتِ
٦٠١.... وَلْيَبْنِ أَوَّلاً عَلَى رِوَايَهْ ... كِتَابَهُ، وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ
следующие страницы →