← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 1779

شرح التبصرة والتذكرة ألفية العراقي

العراقي

Полный текст (828 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الْكَشْطُ، وَالْمَحْوُ، وَالضَّرْبُ ٥٩٥.... وَمَاَ يزِيْدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ ... كَشْطاً َوَمَحْواً وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ ٥٩٦.... وَصِلْهُ بِالْحُرُوْفِ خَطّاً أَوْ لاَ ... مَعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبَ (لاَ) ثُمَّ إلى ٥٩٧.... أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلاَّ صِفْرَا ... فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا ٥٩٨.... سَطْرَاً إذا مَا كَثُرَتْ سُطُوْرُهْ ... أَوْلا وَإِنْ حَرْفٌ أتَى تَكْرِيْرَهْ ٥٩٩.... فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا ... اخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا ٦٠٠.... أَوِ اسْتَجِدْ قَوْلاَنِ مَا لَمْ يُضِفِ ... أَوْ يُوْصَفُ اوْ نَحْوُهُمَا فَأَلِفِ لَمَّا تقدَّمَ إلحاقُ الساقطِ، ناسبَ تعقيبَهُ بإبطالِ الزائدِ. فإذا وقعَ في الكتابِ شيءٌ زائدٌ لَيْسَ مِنْهُ، فإنَّهُ يُنفى عنهُ إِمَّا بالكشطِ، وَهُوَ الحكُّ. وإمَّا بالمحْوِ، بأَنْ تكونَ الكتابةُ في لوحٍ أو رَقٍ، أو وَرَقٍ صقيلٍ جِدَّاً في حالِ طَرَاْوَةِ المكتوبِ. وَقَدْ رُوِيَ عن سُحْنُوْنَ أَنَّهُ كانَ رُبَّمَا كَتَبَ الشيءَ ثُمَّ لعقهُ. وإمَّا بالضَّرْبِ عليهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: والضَّرْبُ خيرٌ من الحكِّ والمحْوِ. وروينا عن أبي محمدِ بنِ خَلاَّدٍ

стр. 457

الرامَهُرْمُزِيِّ قالَ: قالَ أصحابُنا: الحكُّ تهمةٌ، قالَ: وأجودُ الضربِ أنْ لا يَطمسَ الحرفَ المضروبَ عليهِ، بل يخطُّ من فوقِهِ خطَّاً جيِّداً بَيِّنَاً يدلُ على إبطالِهِ، وَيُقرأُ من تحتِهِ ما خطَّ عليهِ. وقد أُنبئْتُ عَمَّن أُنْبِئَ عن القاضي عياضٍ: قالَ سمعتُ أبا بحرٍ سفيانَ بنَ العاص الأسديَّ، يحكي عن بعضِ شيوخِهِ أنَّهُ كانَ يقولُ: كانَ الشيوخُ يكرهونَ حضورَ السِّكِّيْنِ مجلسَ السماعِ، حتَّى لا يُبْشَرَشيءٌ؛ لأَنَّ ما يُبْشَرُ منهُ، رُبَّما يصحُّ في روايةٍ أخرى، وقد يُسْمَعُ الكتابُ مرةً أخرى على شيخٍ آخرَ يكونُ ما بُشِرَ من روايةِ هذا صحيحاً في روايةِ الآخرِ، فيحتاجُ إلى إلحاقِهِ بعدَ أَنْ بُشِرَ، وهو إذا خُطَّ عليهِ، وأوقفَهُ من روايةِ الأَوَّلِ، وصحَّ عندَ الآخرِ، اكْتُفِيَ بعلامةِ الآخرِ عليهِ بصحَّتِهِ. انتهى. وقد اخْتُلِفَ في كيفيةِ الضَّرْبِ على خمسةِ أقوالٍ: الأوَّلُ: ما تقدَّمَ نقلُهُ عن الرامَهُرْمُزِيِّ، وحكاهُ القاضي عياضٌ عن الأكثرينَ. قالَ: لكنْ

стр. 458

يكونُ الخطُّ مُخْتَلِطَاًبالكلماتِ المضروبِ عليها، وهو الذي يُسمَّى: الضَّرْبَ والشَّقَّ. والقولُ الثاني: أنْ لا يُخْلَطَ الضربُ بأوائلِ الكلماتِ، بل يكونُ فوقَها مُنْفَصلاً عنها، لكنَّهُ يَعْطِفُ طرفي الخطِّ، على أوائلِ المبطِلِ وآخرِهِ. حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِهِم. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أوْ لاْ مَعَ عطفِهِ) أي: أو لا تصلِهُ بالحروفِ، بلِ اعطفْهُ عليها من الطرفينِ. مثالُ الضربِ في هذا القولِ هكذا. والقولُ الثالثُ: أنْ يكتبَ في أوَّلِ الزائدِ لا، وفي آخرِهِ إلى. قالَ القاضي عياضٌ: ومثلُ هذا يصلُحُ فيما صحَّ في بعضِ الرواياتِوسقطَ منبعضٍ من حديثٍ أو كلامٍ. قالَ: وقد يُكتَفىفي مثلِ هذا بعلامةِ من ثَبَتَتْ له فَقَطْ، أو بإثباتِ لا وإلى فقطْ. وإلى هذا القولِالإشارةُ بقولي: (أَو كَتْبَ لا ثُمَّ إلى) ، وهو مصدرٌ وآخرُهُ منصوبٌ على نزعِ الخافِضِ، أي: يُبْعَدُ الزائدُ بالكشطِ، أو المحوِ، أو الضربِ، أو يكتبُ كذا.

стр. 459

لا إلى مثالُ الإبطالِ في هذا القولِ هكذا. والقولُ الرابعُ: أنْ يُحَوِّقَ في أوَّلِ الكلامِ الزائدِ بنِصْفِ دارةٍ، وعلى آخرِهِ بنِصْفِ دارةٍ. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أو نِصْفَ دَارَةٍ) أي: أوَّلَهُ وآخِرَهُ والفاءُ منهُ منصوبةٌ عطفاً على محلِّ المضافِ إليهِ، (مثالُ ذلكَ على هذا القولِ) . والقولُ الخامسُ: أنْ يكتبَ في أوَّلِ الزيادةِ دائرةً صغيرةً، وكذلكَ في آخرِها دائرةً صغيرةً، حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِ الأَشياخِ المحسنينَ لكتبُهِم، قالَ: ويسمِّيها صِفْرَاً، كما يُسَمِّهَا أهلُ الحسابِ، ومعناها خُلُوُّ موضعِها من عددٍ، كذلكَ هنا تُشْعِرُ بخلوِ ما بينهما عن صحةٍ. وإليهِ الإشارةُ بقولي: (وإلاَّ صِفْرَاً) o مثالُ ذلكَ o. وقولي: (وعَلِّمْ سَطْرَاً سَطْرَاً ... ) إلى آخرِهِ، هو مبنيٌّ على الأقوالِ الأخيرةِ أنَّهُ يُعَلَّمُ أَوَّلُ الزائدِ، وآخرُهُ من غيرِ ضَرْبٍ، فإذا كَثُرَتْ سُطورُ الزائدِ فاجعلْ علامةَ الإبطالِ في أَوَّلِ كُلِّ سَطرٍ وآخرِهِ للبيانِ إنْ شئتَ، أو لا تكرِّرِ العلامةَ، بلِ اكتفِ بها في أوَّلِ الزائدِ وآخرِهِ، وإن كَثرتِ السطورُ. حكاهُ القاضي عياضٌ عن بعضِهِم، أَنَّهُ رَبمَّا اكتفى بالتَّحْوِيقِ على أوَّلِ الكلامِ وآخرِهِ، وربَّمَا كُتِبَ عليهِ (لا) في أوِّلِهِ، و (إلى) في آخرِهِ، وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أوْ لا) . وهذا كلُّهُ فيما إذا كانَ الزائدُ غيرَ مُكرَّرٍ، فإنْ كانَ حرفاً تكرَّرَتْ كتابتُهُ فالذي رآهُ القاضي عياضٌ: أَنَّهُ إنْ كانَ تكرارُهُ في أَوَّلِ سَطرٍ أَن يضربَ على الثاني لِئَلاَّ يَطْمِسَ أوَّلَ السَّطرِ. وإنْ كانتْ إِحدى الكلمتينِ في آخرِ سطرٍ، والأُخرى في أوَّلِ الذي يليهِ فيضْربَ

стр. 460

على الأُوْلَى. وإِنْ كانتِ الكلمتانَ مَعَاً في آخرِ السطرِ فيضْربَعلى الأُوْلَى، صَوْناً لأَوائلِ السَّطورِ وأواخرِها، ومراعاةُ أوَّلِ السَّطرِ أَولى. وإِنْ كانَ التَّكرَارُ لهما في وَسَطِ السَّطرِ ففيهِ قولانِ حكاهما ابنُ خلاَّدٍ وغيْرُهُ في أصلِ المسألةِ من غيرِ مراعاةٍ لأَوائلِ السُّطورِ وأوَاخِرها: أحدُهما: أَنَّ أَوْلاهُمَا بالإبطالِ الثاني؛ لأَنَّ الأَوَّلَ كُتِبَ عَلَى صوابٍ، فالخطأُ أَوْلَى بالإبطالِ. والقولُ الثاني: أولاهمُا بالإبقاءِ أَجودُهما صورةً وأَدَلُّهُما عَلَى قراءتِهِ. وهذا معنى قولي: (أو اسْتَجِدْ) أي: اسْتَجِدْ للإبقاءِ أجودُهما. وَقَدْ أطلقَ ابنُ خلاَّدٍ الخلافَ من غيرِ مراعاةٍ لأوائلِ السطورِ وأواخرِها، ومن غيرِ مراعاةٍ للفصلِ بَيْنَ المضافِ والمضافِ إليهِ ونحوِ ذلكَ. قالَ الْقَاضِي عياضٌ: وهذا عندي إذا تساوتِ الكلماتُ في المنازلِ، فأَمَّا إنْ كانَ مثلَ المضافِ والمضافِ إليهِ، فتكرَّرَ أحدُهما فينبغي أَنْ لا يُفصلَ في الخطِّ، ويَضربَ بعدُ عَلَى المتكرِّرِ من ذلكَ كانَ أَوَّلاً، أوْ آخِرَاً، وكذلكَ الصفةُ معَ الموصوفِ وشِبْهُ هَذَا، فمُراعاةُ هَذَا مضطرٌ إليهِ للفَهْمِ، فمراعاةُ المعاني أَوْلَى من مراعاةِ تحسينِ الصورةِ في الخطِّ. واستحسنَ ابنُ الصلاحِ من الْقَاضِي عياضٍ هَذَا التفصيلَ كُلَّهُ. الْعَمْلُ فِي اخْتِلاْفِ الرُّوَاْيَاْتِ ٦٠١.... وَلْيَبْنِ أَوَّلاً عَلَى رِوَايَهْ ... كِتَابَهُ، وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ

стр. 461

٦٠٢.... بِغَيْرِهَا بِكَتْبِ رَاوٍ سُمِّيَا ... أَوْ رَمْزَاً اوْ يَكْتُبُهَا مُعْتَنِيَا ٦٠٣.... بِحُمْرَةٍ، وَحَيْثُ زَادَ الأَصْلُ ... حَوَّقَهُ بِحُمْرَةٍ وَيَجْلُو إذا كانَ الكتابُ مروياً بروايتينِ، أو أكثرَ ويقعُ الاختلافُ في بعضِهِا، فينبغي لمنْ أرادَ أَنْ يجمعَ بينَ روايتينِ فأَكثرَ في نسخةٍ واحدةٍ أنْ يَبْني الكتابَ أوَّلاً على روايةٍ واحدةٍ، ثُمَّ ما كانَ من روايةٍ أُخرى أَلحْقَهَا في الحاشيةِ أو غيرِها مع كتابةِ اسمِ راوِيْها مَعَهَا، أو الإشارةِ إليهِ بالرمزِ إِنْ كانتْ زيادةً. وإنْ كانَ الاختلافُ بالنَّقْصِ أَعْلَمَ على الزائدِ أنَّهُ ليسَ في روايةِ فلانٍ باسمِهِ، أو الرمزِ إليهِ. وإنْ شاءَ كتبَ زيادةَ الروايةِ الأخرى بِحُمْرَةٍ، وما نَقَصَ منها حَوَّقَ عليهِ بالحُمْرةِ، فقد حكاهُ القاضي عياضٌ عَنْ كثيرِ من الأَشياخِ، وأهلِ الضَّبْطِ كأبي ذَرٍّ الهرويِّ وأبي الحسنِ القابسيِّ وغيرِهِما. وقولي: (ويَجْلُو) أي: ويُوَضِّحُ مرادَهُ بالرَّمْزِ أو بالْحُمْرَةِ في أوَّلِ الكتابِ أو آخرِهِ على ما سبقَ، ولا يَعْتَمِدُ على حفظِهِ في ذلك وذِكْرِه، فرُبَّما نسي فالصوابُ - كما قالَ القاضي عياضٌ - أَنْ لا يتساهلَ في ذلك ولا يهملهُ، وقد يقعُ كتابُه إلى غيرِهِ فيقعُ في حَيْرةٍ من رموزِهِ، كما قالَ ابنُ الصلاحِ.

стр. 462

الإِشَاْرَةُ بِالرَّمْزِ ٦٠٤.... وَاخْتَصَرُوْا فِي كَتْبِهِمْ (حَدَّثَنَا) ... عَلَى (ثَنَا) أَوْ (نَا) وَقِيْلَ: (دَثَنَا) ٦٠٥.... وَاخْتَصَرُوْا (أَخْبَرَنَا) عَلَى (أَنَا) ... أَوْ (أَرَنَا) وَ (الْبَيْهَقِيُّ) (أَبَنَا) جَرتْ عادةُ أهلِ الحديثِ باختصارِ بعضِ ألفاظِ الأَداءِ في الخطِّ دونَ النُّطْقِ. فمنْ ذلكَ: حَدَّثَنَا. والمشهورُ عندَهم حذفُ شَطْرِها الأَوَّلِ، ويقتصرونَ مِنه على صُورة: ثنا. وربَّما اقتصروا على الضَّميرِ فقطْ، فكتبوا: نا. وربَّمَا اقتصروا على حذفِ الحاءِ فقطْ () ، فقالَوا: دثنا. وقالَ ابنُ الصلاحِ () : إنَّهُ رآه في خَطِّ الحاكمِ وأبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ والبَيهقيِّ. ومن ذلكَ: أخبرنا. والمشهورُ في اختصارِها حذفُ أُصولِ الكلمةِ، والاقتصارُ على الأَلفِ والضميرِ، وربَّمَا لَمْ يَحْذِفْ بعضُهُمُ الراءَ، فقالَ: أرنا. وبعضُهُمْ يَحْذِفُ الخاءَ والراءَ، ويكتبُ: أبنا، وقد فعلَهُ البيهقيُّ في طائفةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِيْنَ، قالَ ابنُ الصلاحِ: وليسَ بِحَسَنٍ () . ٦٠٦.... قُلْتُ: وَرَمْزُ (قالَ) إِسْنَادَاً يَرِدْ ... (قَافَاً) وَقالَ الشَّيْخُ: حَذْفُهَا عُهِدْ ٦٠٧.... خَطَّاً وَلاَبُدَّ مِنَ النُّطْقِ كَذَا ... قِيْلَ لَهُ: وَيَنْبَغِي النُّطْقُ بِذَا وممَّا جَرتْ به عادةُ أهلِ الحديثِ حذفُ ((قالَ)) في أثناءِ الإسنادِ في الخطِّ، أَو الإشارةُ إليها بالرَّمْزِ. فرأيتُ في بعضِ الكُتبِ المعتَمدةِ الإشارةَ إليها بقافٍ، فبعضُهم يجمعُها معَ أَداةِ التحديثِ فيكتبُ: قثنا، يريدُ: قالَ: حَدَّثَنَا. وقد توهَّمَ () بعضُ مَنْ رأى هذا هكذا أَنَّها الواوُ التي تأتي بعدَ () حَاءِ التحويلِ، وليسَ كذلكَ. وبعضُهم

стр. 463

يفردُها فيكتبُ: ق ثنا، وهذا اصطلاحٌ متروكٌ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: جرتِ العادةُ بحذفِها خطَّاً. قالَ: ولابدَّ من ذكْرِهِ حالَ القراءةِ لفظاً، قالَ: وإذا تكرَّرتْ كلمةُ: قالَ، كما في قولِهِ في كتابِ البخاريِّ () : حَدَّثَنَا صالحُ بنُ حيانَ، قالَ: قالَ عامرٌ الشَّعْبيُّ. حذفوا إحداهُما في الخطِّ. وعلى القارئِ أنْ يلفظَ بهما جميعاً () . وقد سُئِلَ ابنُ الصلاحِ في "فتاويهِ" () عن تركِ القارئِ ((قالَ)) ، فقالَ: هذا خطأٌ من فاعلِهِ، قالَ: والأَظهرُ أَنَّهُ لا يَبْطُلُ السماعُ به؛ لأَنَّ حذفَ القولِ جائزٌ اختصاراً، وَقَدْ () جاءَ بهِ القرآنُ العظيمُ، وكذا قالَ النوويُّ في " التقريبِ والتيسيرِ ": تَرْكُهَا خطأٌ، والظاهرُ صحةُ السماعِ () . وقولي: (كذا قيلَ لهُ) أي: كذا لفظُ ((قيلَ لهُ)) ، فيما إذا كانَ في أَثناء الإسنادِ قُرِئَ على فلانٍ أخبركَ فلانٌ، قالَ ابنُ الصلاحِ: ((فينبغي للقاري أنْ يقولَ فيهِ: قيلَ لهُ أَخبركَ فلانٌ. قالَ: ووقَعَ في بعضِ ذلكَ: قُرِئَ على فلانٍ حَدَّثَنَا فلانٌ. فهذا يذكرُ فيهِ: قالَ)) . انتهى () . وقدْ كانَ بعضُ مَنْ لقيتُهُ من أَئِمَّةِ العربيةِ يُنكِرُ اشتراطَ المحدِّثينَ للتلفِّظِ بـ: قالَ في أَثناءِ السَّنَدِ، وهو العلاَّمةُ شهابُ الدينِ عبدُ اللَّطيفِ بنُ عبدِ العزيزِ ابنِ المرحِّلِ. وما أدري ما وجْهُ إنكارِهِ لذلكَ! لأَنَّ الأَصلَ الفَصْلُ بين كلامَي المتكلمَيْنِ، للتمييزِ بينهُما، وحيثُ لم يُفْصَلْ فهو مُضْمَرٌ، والإضْمَاْرُ خلافُ الأَصلِ.

стр. 464

٦٠٨.... وَكَتَبُوْا عِنْدَ انْتِقالٍ مِنْ سَنَدْ ... لِغَيْرِهِ (ح) وَانْطِقَنْ بِهَا وَقَدْ ٦٠٩.... رَأَى الرَّهَاوِيُّ بأَنْ لاَ تُقْرَا ... وَأَنَّهَا مِنْ حَائِلٍ، وَقَدْ رَأَى ٦١٠.... بَعْضُ أُوْلِي الْغَرْبِ بِأَنْ يَقُوْلاَ ... مَكَانَهَا: الْحَدِيْثَ قَطْ، وَقِيْلاَ ٦١١.... بَلْ حَاءُ تَحْوِيْلٍ وَقالَ قَدْ كُتِبْ ... مَكَانَهَا: صَحَّ فَحَا مِنْهَا انْتُخِبْ جرتْ عادةُ أهلِ الحديثِ وكَتَبَتِهِ: أنَّهُ إذا كانَ للحديثِ إسنادانِ فأكثرُ، وجمعُوا بينَ الأَسانِيدِ في متنٍ واحدٍ، أَنَّهم إذا انْتَقَلُوا مِنْ سَنَدٍ إلى إسْنَادٍ آخَرَ كتبوا بينهُمَا حاءً مفردةً مهملةً، صورة: ((ح)) . والذي عليهِ عملُ أهلِ الحديثِ أن ينطقَ القارئُ بها كذلك مفردةً. واختارَهَ ابنُ الصلاحِ، وذهبَ الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ القادرِ بنُ عبدِ اللهِ الرُّهاويُّ إلى أَنَّ القارئَ لا يتلفظُ بها، وأنّها حاءٌ مِنْ حَاْئِلٍ، أي: تَحُوْلُ بينَ الإسنادينِ، وأنكرَ كونَهَا من قولهِم: ((الحديثَ)) وغيرَ ذلكَ لَمَّا سَأَلَهُ ابنُ الصلاحِ عن ذلكَ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وذاكرتُ فيها بعضَ أهلِ العلمِ من أهلِ الغَرْبِ، وحكيتُ له عن بعضِ مَنْ لقيتُ مِنْ أهلِ الحديثِ: أَنَّها حاءٌ مهملةٌ، إشارةً إلى قولِنا: ((الحديث)) ، فقالَ لي: أهلُ المغربِ ما عرفتُ بَيْنَهم اختلافاً يجعلونها حاءً مهملةً، ويقولُ أحدُهم إذا وصلَ إليها: الحديث)) . قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وحكى لي بعضُ مَنْ جمعتْنِي وإيَّاهُ الرحلةُ بِخُرَاسَانَ عَمَّنْ وصَفَهُ بالفضلِ مِنَ الأصبهانِيِّيْنَ: أَنَّها من التحويلِ، أي: من إسنادٍ إلى إسنادٍ آخرَ)) . وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((وجدْتُ بخطِّ الأُستاذِ الحافظِ أبي عثمانَ الصابونيِّ، والحافظِ أبي مسلمٍ عمرَ بنِ عليٍّ الليثيِّ البخاريِّ، والفقيهِ المحدِّثِ أبي سعيدٍ

стр. 465

الخليليِّ () ، في مكانِها بدلاً عنها ((صَحّ)) صريحةً. قالَ: وهذا يُشْعِرُ بكونِها رمزاً إلى ((صَحّ)) . وَحَسُنَ إثباتُ صحَّ ههنا لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ أَنَّ حديثَ هذا الإسنادِ سَقَطَ، ولِئَلاَّ يُرَكَّبَ الإسنادُ الثاني على () الأوَّلِ فيُجْعَلا إِسناداً واحداً)) () . كِتَاْبَةُ التَّسْمِيْعِ ٦١٢.... وَيَكْتُبُ اسْمَ الشَّيْخِ بَعْدَ الْبَسْمَلَهْ ... وَالسَّامِعِيْنَ قَبْلَهَا مُكَمَّلَهْ ٦١٣.... مُؤَرِّخَاً أَوْ جَنْبَهَا بِالطُّرَّهْ ... أَوْ آخِرَ الْجُزْءِ وَإِلاَّ ظَهْرَهْ ٦١٤.... بِخَطِّ مَوْثُوْقٍ بِخَطٍّ عُرِفَا ... وَلَوْ بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ كَفَى ٦١٥.... إِنْ حَضَرَ الْكُلَّ، وَإِلاَّ اسْتَمْلَى ... مِنْ ثِقَةٍ، صَحَّحَ شَيْخٌ أَمْ لاَ قالَ الخطيبُ في كتابِ الجامعِ: ((يكتبُ الطالبُ بعدَ التسميةِ اسمَ الشيخِ الذي سمعَ الكتابَ منهُ، وكنيتَهُ، ونسبَهُ. قالَ: وصورةُ ما ينبغي أَنْ يكتُبَهُ: حَدَّثَنَا أبو فلانٍ فلانُ بنُ فلانِ بنِ فلانٍ الفلانيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا فلانٌ، ويسوقَ ما سمعَهُ مِنَ الشَّيخِ على لفظِهِ)) . قالَ: ((وإذا كَتَبَ الطالبُ الكتابَ المسموعَ فينبغي أَنْ يكتبَ فوقَ سَطْرِ التسميةِ أسماءَ مَنْ سمعَ معهُ، وتاريخَ وقتِ السماعِ. قالَ: وإنْ أَحَبَّ كَتْبَ

стр. 466

ذلكَ في حاشيةِ أَوَّلِ ورقةٍ مِنَ الكتابِ، فكلاهُما قد فَعَلَهُ شُيُوخُنا. قالَ: وإنْ كانَ سماعُهُ للكتابِ في مجالسَ عِدَّةٍ، كتبَ عند انتهاءِ السماعِ في كُلِّ مجلسٍ علامةَ البلاغِ، ويكتبُ في الذي يليهِ التسميعَ والتاريخَ كما حكيتُ في أولِ الكتابِ. فعلى هذا شاهدتُ أُصولَ جماعةٍ من شيوخِنِا مرسومةً)) . قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ولا بأْسَ بكتبتهِ - أي: التسميعِ - آخِرَ الكتابِ، وفي ظهرِهِ، وحيثُ لا يخفى موضعُهُ)) . وقولي: (مُكَمَّلَهْ) أي: ويَكتبُ أسماءَ السامعينَ قبلَ البَسْمَلةِ مُكَمَّلَةَ الأَنْسابِ، والعددِ، فيكتبُ أسماءَهم وأسماءَ آبائِهِم وأجدادِهِم وأنسابِهِم التي يُعْرَفُونَ بها، ولا يسقطُ أحداً منُهْم. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وعليهِ الحذرُ من إسقاطِ اسمِ أحدٍ منهم لغرضٍ فاسدٍ)) . قالَ: ((وينبغي أَنْ يكونَ التسميعُ بخطِّ موثوقٍ بهِ غيرِ مجهولِ الخطِّ)) . قالَ: ((ولا بأْسَ على صاحبِ الكتابِ إذا كانَ موثوقاً به أَنْ يقتصِرَ على إثباتِ سماعِه بخطِّ نفسِهِ،

стр. 467

فطالما فعلَ الثقاتُ ذلكَ)) () . قالَ: ((فإنْ كانَ مُثبتُ السماعِ غيرَ حاضرٍ في جميعهِ، لكنْ أثبتَهُ معتمداً على إخبارِ مَنْ يثقُ بخبرِهِ من حاضريْهِ، فلا بَأْسَ بذلكَ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى)) () . وقولي: (صَحَّحَ () شيخٌ، أَمْ لا) أي: لا يُشترطُ كتابةُ الشيخِ المُسْمِعِ التصحيحَ على التسميعِ بعد أَنْ يكونَ كاتبُ السماعِ ثقةً. ٦١٦.... وَلْيُعِرِ الْمُسْمَى بِهِ إِنْ يَسْتَعِرْ ... وَإِنْ يَكُنْ بِخَطِّ مَالِكٍ سُطِرْ ٦١٧.... فَقَدْ رَأَى حَفْصٌ وَإِسْماعِيْلُ ... كَذَا الزُّبَيْرِيْ فَرْضَهَا إِذْ سِيْلُوْا ٦١٨.... إِذْ خَطُّهُ عَلَى الرِّضَا بِهِ دَلْ ... كَمَا عَلَى الشَّاهِدِ مَا تَحَمَّلْ ٦١٩.... وَلْيَحْذَرِ الْمُعَارُ تَطْوِيْلاً وَأَنْ ... يُثْبِتَ قَبْلَ عَرْضِهِ مَا لَمْ يُبَنْ أي: ومَنْ كانَ اسمُهُ في طبقةِ السَّماعِ فأرادَ أَنْ يستعيرَ الكتابَ من مالكِهِ ليستنسخَهُ، أو ينقلَ سماعَهُ منه، فَلْيُعِرْهُ إيَّاهُ استحباباً، فإنْ كانَ التَّسْميعُ بخطِّ مالكِ الكتابِ، فقد قالَ جماعةٌ من الأَئِمَّةِ بوجوبِ العاريَّةِ، فروى ابنُ خَلاَّدٍ: أَنَّ رجلاً ادَّعى على رجلٍ بالكوفةِ سماعاً منعَهُ إيَّاهُ فتحاكما إلى قاضِيها حفصِ بنِ غياثٍ - وهو من الطبقةِ الأُولى من أصحابِ أبي حنيفةَ - فقالَ لصاحبِ الكتابِ: أَخْرِجْ إلينا كُتُبَكَ، فما

стр. 468

كانَ منْ سماعِ هذا الرجلِ بخطِّ يَدِكَ ألزمناكَ بهِ، وما كانَ بخطِّهِ أعفيناكَ منهُ. قالَ ابنُ خَلاَّدٍ: فسألتُ أبا عبدَ اللهِ الزُّبيريَّ -وهو من أئمةِ أصحابِ الشافعيِّ- عنْ هذا، فقالَ: لا يجيءُ في هذا البابِ حُكْمٌ أحسنُ من هذا؛ لأنَّ خطَّ صاحبِ الكتابِ دالٌّ على رضاهُ باستماعِ صاحبهِ معهُ. قالَ ابنُ خَلاَّدٍ: ((وقالَ غيرُهُ: ليس بشيءٍ)) . وروى الخطيبُ: أنَّهُ تُحُوْكِمَ في ذلكَ إلى إسماعيلَ بنِ إسحاقَ القاضي - وهو إمامُ أصحابِ مالكٍ - فأطرقَ مليَّاً، ثُمَّ قالَ: للمدَّعَى عليهِ: إنْ كانَ سماعُهُ في كتابِكَ بخطِّ يَدِكَ فَيَلْزَمُكَ أنْ تُعيرَهُ، وإنْ كانَ بخطِّ غيرِكَ فأنتَ أَعلمُ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ويرجعُ حاصلُ أقوالهِم إلى أنَّ سماعَ غيرِهِ إذا ثبتَ في كتابِهِ برضاهُ فيلزمُهُ إعارتُهُ إيَّاهُ. قالَ: وقدْ كانَ لا يَبِيْنُ لي وَجْهُهُ، ثُمَّ وَجَّهْتُهُ بأنَّ ذلكَ بمنْزلةِ شهادةٍ لهُ عندَهُ، فيلزَمُهُ أداؤُها بما حَوَتْهُ، وإنْ كانَ فيهِ بذلُ مالِهِ، كما يلزمُ متحمِّلَ الشَّهادةِ أداؤُها، وإنْ كانَ فيهِ

стр. 469

بذلُ نفسِهِ بالسَّعيِّ إلى مجلسِ الحكمِ لأَدائِها)) . انتهى. ثُمَّ إذا أعارَهُ فليحذَرِ المعارُ لهُ مِنَ التطويلِ بالعاريَّةِ، والإبطاءِ بهِ عليهِ إلاَّ بقدرِ الحاجةِ، فقدْ روينا عن الزهريِّ أنَّهُ قالَ: أيَّاَكَ وغُلُولَ الكُتُبِ قيلَ: وما غُلُولُ الكُتُبِ؟ قالَ: حَبْسُها عن أصحابِها. وروينا عن الفُضَيْلِ بنِ عياضٍ، قالَ: ليسَ مِنْ فَعَالِ العلماءِ أنْ يأخُذَ سماعَ رجلٍ وكتابهُ فيحبِسَهُ عنهُ)) . انتهى. ثُمَّ إذا نسخَ الكتابَ فلا يُثْبِتُ سماعَهُ عليهِ ولا ينقلُهُ إلاَّ بعدَ العرضِ والمقابلةِ، وكذلكَ لا ينبغي إثباتُ سماعٍ على كتابٍ إلاَّ بعدَ المُقابلةِ، إلاَّ أنْ يُبَيِّنَ في النقلِ والإثباتِ أَنَّ النسخةَ غيرُ مُقابلةٍ. صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ، وَأَدَائِهِ ٦٢٠.... وَلْيَرْوِ مِنْ كِتَابِهِ وَإِْن عَرِي ... مِنْ حِفْظِهِ فَجَائِزٌ لِلأَكْثَرِ ٦٢١.... وَعَنْ أبي حَنِيْفَةَ الْمَنْعُ كَذَا ... عَنْ مَالِكٍ وَالصَّيْدَلاَنِيْ وَإِذَا ٦٢٢.... رَأَى سَمَاعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَعَنْ ... نُعْمَانٍ الْمَنْعُ وَقالَ ابْنُ الْحَسَنْ ٦٢٣.... مَعَ أَبِي يُوْسُفَ ثُمَّ الشَّافِعِيْ ... وَالأَكْثَرِيْنَ بِالْجَوَازِ الْوَاسِعِ اختلفوا في الاحتجاجِ بمَنْ لا يحفَظُ حديثَهُ، وإنَّمَا يحدِّثُ مِنْ كتابهِ مُعتمداً عليهِ. فذهبَ الجمهورُ إلى جوازِ الروايةِ لذلكَ، وثبوتِ الحجَّةِ بهِ إذا كانَ قدْ ضَبَطَ سماعَهُ، وقابلَ كتابَهُ على الوجهِ الذي سَبَقَ ذكرُهُ في المقابلةِ. ورُوِيَ عَنْ أبي حنيفةَ

стр. 470

ومالكٍ: أنَّهُ لا حجَّةَ إلاَّ فيما رواهُ الراوي من حفظِهِ وتذكُّرِه، وإليهِ ذهبَ أبو بكرٍ الصَّيْدلانيُّ المروزيُّ مِنَ الشَّافِعيةِ. والصوابُ كما قالَ ابنُ الصلاحِ: الأولُ. وإذا وجدَ سماعَهُ في كتابهِ وهو غيرُ ذاكرٍ لهُ فحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّهُ لا يُجَوِّزُ لهُ روايتَهُ. وإليهِ ذهبَ بعضُ أصحابِ الشافعيِّ، وخالفَ أبا حنيفةَ في ذلكَ صاحباهُ: محمدُ ابنُ الحسنِ، والقاضي أبو يوسفَ، فذهبا إلى الجوازِ. وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ وأكثرُ أصحابهِ، وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((ينبغي أنْ يُبْنَى على الخلافِ في جوازِ اعتمادِ الراوي على كتابهِ في ضَبْطِ ما سمعَه، فإنَّ ضبْطَ أصلِ السَّماعِ كأَصلِ المسموعِ، فكما كانَ الصحيحُ وما عليهِ أكثرُ أهلِ الحديثِ تجويزَ الاعتمادِ على الكتابِ المصونِ في ضبطِ المسموعِ حتى يجوزَ لهُ أنْ يرويَ ما فيهِ، وإنْ كانَ لا يذكرُ أحاديثَهُ حديثاً حديثاً، كذلكَ ليكنْ هذا إذا وُجِدَ شرْطُهُ وهو أنْ يكونَ السماعُ بخطِّهِ أو بخطِّ مَنْ يثقُ بهِ، والكتابُ مصونٌ. قالَ: وهذا إذا سكنَتْ نفسُهُ إلى صحتِهِ فإنْ شكَّ فيهِ لم يَجُزِ الاعتمادُ عليهِ))

стр. 471

٦٢٤.... وَإِنْ يَغِبْ وَغَلَبَتْ سَلاَمَتُهْ ... جَازَتْ () لَدَى جُمْهُوْرِهِم رِوَايَتُهْ ٦٢٥.... كَذَلِكَ الضَّرِيْرُ وَالأُمِّيُّ ... لاَ يَحْفَظَانِ يَضْبُطُ الْمَرْضِيُّ ٦٢٦.... مَا سَمِعَا وَالْخُلْفُ فِي الضَّرِيْرِ ... أَقْوَى، وَأَوْلَى مِنْهُ فِي الْبَصِيْرِ إذا كانَ اعتمادُ الراوي على كتابِهِ دونَ حفظِهِ، وغابَ عنه الكتابُ بإعارةٍ، أو ضياعٍ، أو سرقةٍ، ونحوِ ذلكَ؛ فذهبَ بعضُ أهلِ التشديدِ في الروايةِ إلى أنَّهُ لا يجوزُ الروايةُ منهُ لغيبتِهِ عنهُ، وجوازِ التغييرِ فيهِ () . والصوابُ الذي عليهِ الجمهورُ أنَّهُ إذا كانَ الغالبُ على الظنِّ مِنْ أَمرِهِ سلامَتَهُ من التغييرِ والتبديلِ جازتْ لهُ الروايةُ منهُ، لا سِيَّمَا إذا كانَ ممَّنْ لا يخفى عليهِ في الغالبِ إذا غُيَّرَ ذلكَ، أو شيءٌ منهُ، لأنَّ بابَ الروايةِ مبنيٌ على غَلَبةِ الظنِّ () . وقولي: (كَذَلِكَ () الضَّرِيْرُ والأُمِّيُّ) أي: كذلكَ يجري الخلافُ في الضريرِ والأُمِّيِّ اللَّذَينِ لا يحفظانِ حديثهَ ما. فإذا ضَبَطَ سماعَ هُمَا ثقةٌ، وحفظَا كتابيهِ ما عن التغييرِ بحيثُ يغلِبُ على الظنِّ سلامتُهُ؛ صحتْ روايتُهما. قالَ الخطيبُ: والسماعُ من البصيرِ الأَمِّيِّ والضريرِ اللذينِ لَمْ يحفظا () من المحدِّثِ ما سمعاهُ منهُ، لكنَّهُ كُتِبَ لهما، بمثابةٍ واحدةٍ؛ قدْ منعَ منهُ غيرُ واحدٍ من العلماءِ، ورخصَ فيهِ بعضُهم () . وقالَ ابنُ الصلاحِ في الضَّريرِ الذي لَمْ () يحفظْ حديثَهُ مِن فَمِ مَنْ حَدّثَهُ واستعانَ بالمأمونينَ في ضَبْطِ سماعِهِ وحِفْظِ كتابِهِ ثُمَّ عندَ روايتِهِ في القراءةِ منهُ عليهِ، واحتاطَ في ذلكَ على حَسبِ حالِهِ بحيثُ يحصلُ معهُ الظنُّ بالسلامةِ مِنَ التغييرِ صَحَّتْ روايتُهُ. غيرَ أنّهُ أَولى بالخلافِ من مثلِ ذلكَ في البصيرِ () .

стр. 472

الرِّوَاْيَةُ مِنَ الأَصْلِ ٦٢٧.... وَلْيَرْوِ مِنْ أَصْلٍ أَوِ الْمُقَابَلِ ... بِهِ وَلاَ يَجُوْزُ بِالتَّسَاهُلِ ٦٢٨.... مِمَّا بِهِ اسْمُ شَيْخِهِ أَوْ أُخِذَا ... عَنْهُ لَدَى الْجُمْهُوْرِ وَأَجَازَ ذَا ٦٢٩.... أَيُّوْبُ وَالبُرْسَانِ () قَدْ أَجَازَهْ ... وَرَخَّصَ الشَّيْخُ مَعَ الإِجَازَهْ إذا أرادَ الراوي أن يُحدِّثَ ببعضِ مسموعاتِهِ فليرْوِهِ مِنْ أَصلِهِ الذي سمعَ منهُ، أو مِنْ نسخةٍ مقابلةٍ على أَصْلِهِ بمقابلةِ ثقةٍ، وهلْ لهُ أنْ يُحَدِّثَ مِنْ أَصلِ شيخِهِ الذي لم يسمعْ فيهِ هو، أو مِن نسخةٍ كُتبتْ عنْ شيخِهِ تسكنُ نفسُهُ إلى صحَّتِها؟ فذكرَ الخطيبُ () : أنَّ عامَّةَ أصحابِ الحديثِ مَنَعُوا من روايتِهِ من ذلكَ، وجاءَ عن أيَّوبَ ومحمَّدِ بنِ بكرٍ الْبُرْسَانيِّ، الترخيصُ فيهِ. وحُكِيَ عن أبي نَصْرِ بنِ الصَّبَّاغِ: أنَّهُ قطعَ بأنَّهُ لا يجوزُ أنْ يرويَ من نسخةٍ سمعَ منها على شيخِهِ، وليسَ فيها سماعُهُ، ولا قُوبِلْتَ بنسخةِ سماعِهِ؛ وذلكَ لأنَّهُ قد يكونُ فيها زوائدُ ليستْ في نسخةِ سماعِهِ. وقولي: (ورَخَّصَ الشَّيْخُ) أي: ابنُ الصلاحِ، فقالَ: ((اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ تكونَ لهُ إجازةٌ عَنْ شيخهِ عامَّةٌ لمروياتِهِ، أو نحوِ ذلكَ، فيجوزُ لهُ حينئذٍ الروايةُ منها إذ ليسَ فيه أَكْثَرُ من روايةِ تلك الزياداتِ بالإجازةِ بلفظ: أخبرنا أو حَدَّثَنَا، من غيرِ بيانٍ للإجازَةِ فيها. والأمرُ في ذلكَ قريبٌ يقعُ مثلُه في محلِّ التَّسَامحِ)) . قالَ: ((فإنْ كانَ الذي في النُّسْخَةِ سماعَ شيخِ شيخِهِ، أو هي مسموعةٌ على شيخِ شيخِهِ، أو مرويةٌ عن شيخِ

стр. 473

شيخِهِ، فينبغي له حينئذٍ في روايتِهِ منها أَنْ تكونَ له إجازةٌ شاملةٌ من شيخِهِ، ولشيخِهِ إجازةٌ شاملةٌ من شيخِهِ. قالَ: وهذا تيسيرٌ حَسَنٌ، هدانا اللهُ لهُ)) () . ٦٣٠.... وَإِنْ يُخَالِفْ حِفْظُهُ كِتَابَهْ ... وَلَيْسَ مِنْهُ فَرَأَوْا صَوَابَهْ: ٦٣١.... الْحِفْظَ مَعْ تَيَقُّنٍ وَالأَحْسَنُ ... الجَمْعُ كَالْخِلاَفِ مِمَّنْ يُتْقِنُ إذا وجدَ الحافظُ للحديثِ في كتابهِ خلافَ ما يحفظُهُ، فإنْ كانَ إنَّمَا حَفِظَ من كتابهِ فليرجعْ إلى كتابِهِ. وهذا معنى قولي: (وَلَيْسَ مِنْهُ) أي: وليسَ حفظُهُ من كتابهِ. وإنْ كان حفظَهُ مِنْ فَمِ المحُدِّثِ، أو مِنَ القراءةِ على المحدِّثِ وهو غيرُ شاكٍّ في حفظِهِ فليعتمِدْ حفظَهُ، والأحسنُ أنْ يجمعَ بينهما، فيقول: حفظي كذا، وفي كتابي كذا. فهكذا فعلَ شعبةُ وغيرُ واحدٍ من الحفَّاظِ. وقولي: (كالخلافِ مِمَّنْ يُتقنُ) أي: كمسألةِ ما إذا حَفِظَ شيئاً وخالفَهُ فيهِ بعضُ الحفَّاظِ المتقنينَ فإنَّهُ يحسنُ فيه أيضاً بيانُ الأمرينِ، فيقولُ: حفظِي كذا وكذا، وقالَ فيهِ فلانٌ: كذا وكذا، ونحوُ ذلكَ. وقدَ فعلَ ذلكَ سفيانُ الثوريُّ وغيرُهُ. الرِّوَاْيَةُ بِالْمَعْنَى ٦٣٢ ... وَلْيَرْوِ بِالأَلْفَاظِ مَنْ لاَ يَعْلَمُ ... مَدْلُوْلَهَا وَغَيْرُهُ فَالْمُعْظَمُ ٦٣٣.... أَجَازَ بِالْمَعْنَى وَقِيْلَ: لاَ الْخَبَرْ ... وَالشَّيْخُ فِي التَّصْنِيْفِ قَطْعَاً قَدْ حَظَرْ ٦٣٤ ... وَلْيَقُلِ الرَّاوِي: بِمَعْنَىً، أَوْ كَمَا ... قالَ وَنَحْوُهُ كَشَكٍّ أُبْهِمَا لا يجوزُ لمنْ لا يعلمُ مدلولَ الألفاظِ ومقاصدَها، وما يحيلُ معانيها أنْ يرويَ ما سمعَهُ بالمعنى دونَ اللفظِ بلا خلافٍ. بلْ يَتَقَيَّدُ بلفظِ الشيخِ، فإنْ كانَ عالماً بذلكَ جازتْ لهُ

стр. 474

الروايةُ بالمعنى عندَ أكثرِ أهلِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ. ومنعَ بعضُ أهل الحديثِ والفقهِ مطلقاً () . وقولي: (وغيرُهُ) ، ليستْ الواوُ للعطفِ، بل للأستئنافِ، أي: وأَمَّا غيرُهُ وهو الذي يعلمُ مدلولَ الألفاظِ. وقولي: (وقيل: لا الخبرَ) أي: وقيلَ: لا تجوزُ الروايةُ بالمعنى () في الخبرِ، وهو حديثُ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويجوزُ في غيرِهِ () ، والقولُ الأولُ هو الصحيحُ. وقد روينا عن غيرِ واحدٍ من الصحابةِ التصريحَ بذلكَ، ويدلُّ على ذلكَ روايتُهم للقصَّةِ الواحدةِ بألفاظٍ مختلفةٍ. وقد وردَ في المسألةِ حديثٌ مرفوعٌ رواهُ ابنُ مَنْدَه في " معرفة () الصحابةِ " () ، من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ سُليمانَ ابنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ () ، قالَ: قلتُ يا رسولَ اللهِ: إنِّي أسمعُ منكَ الحديثَ لا أستطيعُ أنْ أُؤَدِّيَهُ كما أسمعُ منكَ، يزيدُ حرفاً، أو ينقصُ حرفاً، فقالَ: إِذْ لم تُحِلُّوْا حَرَاماً، ولم تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وأَصبتُمُ المعنى، فلا بأسَ.

стр. 475

فَذُكِرَ ذلكَ للحَسَنِ، فقالَ: لولا هذا ما حَدَّثَنَا. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ثُمَّ إِنَّ هذا الخلافَ لا نراهُ جارياً ولا أَجراهُ الناسُ فيما نعلمُ فيما تضَمَّنتْهُ بطونُ الكتبِ، فليسَ لأَحدٍ أنْ يغيِّرَ لفظَ شيءٍ من كتابٍ مصنَّفٍ ويُثْبِتَ بدلَهُ فيه لفظاً آخرَ بمعناهُ. فإِنّ الروايةَ بالمعنى رخصَ فيها مَنْ رخصَ، لما كانَ عليهِم في ضبطِ الألفاظِ والجمودِ عليها من الْحَرَجِ والنَّصَبِ، وذلكَ غيرُ موجودٍ فيما اشتملَتْ عليهِ بطونُ الأوراقِ والكتبِ، ولأنَّهُ إنْ ملكَ تغييرَ اللفظِ، فليسَ يملكُ تغييرَ تصنيفِ غيرِه، واللهُ أعلمُ)) () . وقدْ تَعَقَّبَ كلامَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ، فقالَ: إنَّهُ كلامٌ فيهِ ضَعْفٌ () ، قالَ: ((وأَقلُّ ما فيهِ أَنَّهُ يقتضِي تجويزَ هذا فيما يُنْقَلُ مِنَ المصنَّفَاتِ إلى أجزائِنِا وتخاريجِنِا، فإنَّهُ ليسَ فيهِ تغييرُ التصنيفِ () المتقدِّمِ. قالَ: وليسَ هذا جارياً على الاصطلاحِ، فإنَّ الاصطلاحَ على أنْ لا تُغَيَّرَ الألفاظُ بعدَ الانتهاءِ إلى الكتبِ المصنفةِ سواءٌ رَويناها فيها أو نَقَلْناها منها)) () ، (قلتُ: لا نسلِّمُ أَنَّهُ يقتضي جوازَ التغييرِ فيما نقلناهُ إلى تخاريجِنا، بلْ لا يجوزُ نقلُهُ عن ذلكَ الكتابِ، إلاَّ بلفظِهِ دونَ معناهُ، سواءٌ في تصانيفِنا، أو غيرِها، واللهُ أعلمُ) () . وقولي: (حَظَرْ) أي: مَنَعَ من قولهِ تَعَالَى: ﴿وَمَاْ كَاْنَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوْرَاً﴾ () ، أي: ممنوعاً. وينبغي لمَنْ روى بالمعنى أنْ يقولَ، أو كما قالَ، أو نحوَ هذا، وما أَشبَه ذلكَ. فقد وردَ ذلكَ عن ابنِ مسعودٍ، وأبي

стр. 476

الدرداءِ، وأنسٍ، وَهُمْ مِنْ أعلَمِ الناسِ بمعاني الكلامِ. وقولي: (كَشَكٍّ أُبْهِمَا) أي: كمسألةِ ما إذا شكَّ القارئُ أو الشيخُ في لفظةٍ أو أكثرَ فقرأَها على الشكِّ، فإنَّهُ يحسنُ أنْ يقولَ: أو كما قالَ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهو الصوابُ في مثلِهِ؛ لأنَّ قولَهُ: أو كَمَا قالَ، يتضمنُ إجازةً من الرَّاوِي وإذناً في روايةِ صوابِها عنهُ، إذا بانَ. ثُمَّ لا يُشترطُ إفرادُ ذلكَ بلفظةِ الإجازةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ قريباً)) . الاقْتِصَاْرُ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيْثِ ٦٣٥.... وَحَذْفَ بَعْضِ الْمَتْنِ فَامْنعَ او أَجِزْ ... أَوْ إِنْ أُتِمَّ أَوْ لِعَالِمٍ وَمِزْ ٦٣٦.... ذَا بِالصَّحِيْحِ إِنْ يَكُنْ مَا اخْتَصَرَهْ ... مُنْفَصِلاً عَنِ الَّذِي قَدْ ذَكَرَهْ ٦٣٧.... وَمَا لِذِي تُهْمَةٍ أَنْ يَفْعَلَهْ ... فَإِنْ أَبَى فَجَازَ أَنْ لاَ يُكْمِلَهْ ٦٣٨.... أَمَّا إِذَا قُطِّعَ فِي الأبوابِ ... فَهْوَ إلى الْجَوَازِ ذُو اقْتِرَابِ اختلفَ العلماءُ في جوازِ الاقتصارِ على بعضِ الحديثِ، وحذفِ بعضِهِ، على أقوالٍ: أحدُها: المنعُ مطلقاً. والثاني: الجوازُ مطلقاً.

стр. 477

وَيَنْبَغِي تَقْييدُ الإطلاقِ بما إذا لم يكنِ المحذوفُ مُتعلِّقاً بالمأتيِّ بِهِ تَعَلُّقاً يُخِلُّ بالمعنى حَذْفُهُ، كالاستثناءِ، والحالِ، ونحوِ ذلكَ، كما سيأتي في القولِ الرابعِ. فإنْ كانَ كذلكَ لم يَجُزْ بلا خلافٍ، وبهِ جزمَ أبو بكرٍ الصَّيْرَفيُّ () وغيرُهُ، وهو واضحٌ. والثالثُ: أَنَّهُ إِنْ لم يكنْ رواهُ على التمامِ مَرَّةً أخرى هو أو غيرُهُ، لم يَجُزْ. وإنْ كانَ رواهُ على التمَامِ مَرَّةً أُخرى هو أو غيرُه جازَ () . وإليهِ الإشارةُ بقولي: (أو إنْ أُتِمَّ) أي: أو أجِزْهُ إِنْ أَتَمَّ مرَّةً ما، منهُ أو من غيرِهِ. والقولُ الرابعُ: وهو الصحيحُ كما قالَ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّهُ يجوزُ ذلكَ مِنَ العالمِ العارفِ إذا كانَ ما تركَهُ متمَيّزاً عمَّا نَقَلَهُ، غيرَ متعلِّقٍ بهِ، بحيثُ لا يختلُّ البيانُ، ولا تختلفُ الدلالةُ، فيما نَقَلَهُ بتركِ ما تَرَكَهُ. قالَ: فهذا ينبغي أنْ يُجَوَّزَ، وإنْ لم يَجُزِ النقلُ بالمعنى () ؛ لأنَّ ذلكَ بمنْزلةِ خبرينِ منفصلينِ)) () . وإلى تصحيحِ هَذَا القولِ الإشارةُ بقولي: (وَمِزْ ذا بالصَّحِيحِ) . وليسَ للمُتَّهمِ أنْ يحذفَ بعضَ الحديثِ، كما ذكرَ الخطيبُ () أنَّ مَنْ روى حديثاً على التَّمامِ، وخافَ إِنْ رواهُ مرَّةً أُخرى على النقصانِ أَنْ يُتَّهَمَ بأَنَّهُ زادَ في أَولِ مرَّةٍ ما لَمْ يكنْ سَمِعَهُ أو أَنَّهُ نسيَ في الثاني باقي الحديثِ؛ لقلَّةِ ضَبْطِهِ، وكثرةِ غَلَطِهِ، فواجبٌ عليهِ أَنْ ينفي هذهِ الظِنَّةَ عنْ نفسِهِ. وقالَ سُلَيمٌ الرَّازيُّ: ((مَنْ رَوَى بعضَ الخبرِ، ثُمَّ أرادَ أنْ ينقلَ تمامَهُ، وَكَانَ ممَّنْ يُتَّهَمُ بأنَّهُ زادَ في حديثِه ِ؛ كانَ ذلكَ عُذْرَاً لهُ في تركِ الزيادةِ، وكتمانِها)) () . وإليهِ الإشارةُ بقولي: (فإنْ أبى) أي: فإنْ خَالَفَ،

стр. 478

ورواهُ () ناقصاً مرَّةً، فجازَ أنْ لا يكمِلَهُ بعدَ ذلكَ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((مَنْ كانَ هذا حالُهُ، فليسَ لهُ منَ الابْتِدَاءِ، أنْ يرويَ الحديثَ غيرَ تامٍّ، إذا كانَ قدْ تعيَّنَ عليهِ أَدَاءُ تمامِهِ؛ لأنَّهُ إذا رواهُ أوَّلاً ناقصاً، أخرجَ باقِيَهُ عن حَيِّزِ الاحتجاجِ بهِ، ودارَ بينَ أنْ لا يرويَهُ () أصلاً فيضيِّعَهُ رأساً، وبينَ أنْ يرويَهُ متَّهماً فيهِ، فيضيِّعَ ثمرتَهُ؛ لسقوطِ الحجَّةِ فيهِ)) () . وأَمَّا تقطيعُ المصنِّفِ للحديثِ الواحدِ، وتفريقُهُ في الأبوابِ بِحَسَبِ الاحتجاجِ بهِ عَلَى مسألةٍ مسألةٍ، فَهُوَ إِلَى الجوازِ أقربُ، وَقَدْ فعلَهُ الأَئِمَّةُ: مالكٌ وأحمدُ والبخاريُّ وأبو داودَ والنسائيُّ وغيُرهُم من الأَئِمَّةِ () . وحَكَى الخَلاّلُ عن أحمدَ: أَنَّهُ ينبغي أَنْ لا يُفْعلَ () . قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ولا يَخْلُو مِنْ كَرَاهِيَةٍ)) () . التَّسْمِيْعُ بِقِرَاءَةِ اللَّحَّاْنِ، وَالْمُصَحِّفِ ٦٣٩.... وَلْيَحْذَرِ اللَّحَّانَ وَالْمُصَحِّفَا ... عَلَى حَدِيْثِهِ بِأَنْ يُحَرِّفَا ٦٤٠.... فَيَدْخُلاَ فِي قَوْلِهِ: مَنْ كَذَبَا ... فَحَقٌّ النَّحْوُ عَلَى مَنْ طَلَبَا ٦٤١.... وَالأَخْذُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لاَ الْكُتُبِ ... أَدْفَعُ لِلتَّصْحِيْفِ فَاسْمَعْ وَادْأَبِ أي () : وليحذرِ الشَّيْخُ أنْ يرويَ حديثَهُ بقراءةِ لَحَّانٍ أو مُصَحِّفٍ فقد روينا عنْ الأصمعيِّ قالَ إنَّ أخوفَ ما أخافُ على طالبِ العلمِ إذا لم يعرفِ النَّحْوَ أنْ يدخلَ في جملةِ قولِ النبيِّ ﷺ : مَنْ كَذَبَ عليَّ فليتبوَّأْ مقعَدَهُ مِنَ النَّارِ () ، لأنَّهُ لم يكن يَلْحَنُ،

стр. 479

فمَهْمَا رويتَ عنهُ ولحنتَ فيه كذبتَ عليهِ () وقد روينا نحوَ () هذا عن حمَّادِ بنِ سلمةَ أنَّهُ قالَ لإِنْسَاْنٍ: إنْ لحنتَ في حَدِيْثِي فقدْ كذبتَ عليَّ، فإنِّي لا أَلْحَنُ () وقدْ كانَ حمَّادٌ إمَامَاً في ذلكَ وقدْ روينا () أنَّ سيبويهِ شكاهُ إلى الخليلِ بنِ أحمدَ، قالَ سألتُهُ عن حديثِ هِشامِ بنِ عُرْوةَ عن أبيهِ في رجلٍ رَعُفَ () ، فانتهرني، وقالَ لي () : أخطأتَ، إنَّمَا هو رَعَفَ، أي بفتحِ العينِ -، فقالَ لهُ الخليلُ: صدقَ، أَتَلْقَى بهذا الكلامِ أبا أسامةَ قالَ ابنُ الصلاحِ: فحقَّ على طالبِ الحديثِ أنْ يتعلمَ مِنَ النَّحْوِ واللُّغَةِ ما يتخلَّصُ بهِ عن () شَيْنِ اللَّحْنِ، والتحريفِ، ومَعَرَّتِهمَا () وروى الخطيبُ عن شعبةَ قالَ مَنْ طَلَبَ الحديثَ ولم يُبْصِرِ العربيةَ كمثل رَجُلٍ عليه بُرْنُسٌ، وليسَ لهُ رأسٌ () وروى الخطيبُ أيضاً عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، قالَ مَثَلُ الذي يطلبُ الحديثَ ولا يعرفُ النحوَ، مَثَلُ الحمَارِ عليهِ مِخْلاَةٌ لا شعيرَ فيها () فبتعلُّمِ النَّحْوِ يسلمُ من اللَّحنِ وأما السلامةُ من التصحيفِ فسبيلُها الأَخْذُ من أفواهِ أهلِ العلمِ، والضبطِ عنهم، لا من بُطُونِ الكُتُبِ، فقلَّمَا سَلِمَ من التصحيفِ مَنْ أخذَ العلمَ مِنَ الصُّحُفِ من غيرِ تدريبِ المشايخِ

стр. 480

إِصْلاَحُ اللَّحْنِ، وَالْخَطَأِ ٦٤٢.... وَإِنْ أَتَى فِي الأَصْلِ لَحْنٌ أَوْ خَطَا ... فَقِيْلَ: يُرْوَى كَيْفَ جَاءَ غَلَطَا ٦٤٣.... وَمَذْهَبُ الْمُحَصِّلِيْنَ يُصْلَحُ ... وَيُقْرَأُ الصَّوَابُ وَهْوَ الأَرْجَحُ ٦٤٤.... فِي اللَّحْنِ لاَ يَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ ... وَصَوَّبُوْا الإِبْقَاءَ مَعْ تَضْبِيْبِهِ ٦٤٥.... وَيُذْكَرُ الصَّوَابُ جَانِبَاً كَذَا ... عَنْ أَكْثَرِ الشُّيُوْخِ نَقْلاً أُخِذَا ٦٤٦.... وَالْبَدْءُ بِالصَّوَابِ أَوْلَى وَأَسَدْ ... وَأَصْلَحُ الإِصْلاَحِ مِنْ مَتْنٍ وَرَدْ إذا وقعَ في الأصلِ لحنٌ أو تحريفٌ، فقيلَ: يُرْوَى على الخطإِ، كما وقعَ. حُكِيَ ذلكَ عن ابنِ سيرينَ وعبدِ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ. وقيلَ: يُصلحُ ويُقرأُ على الصوابِ، وإليهِ ذهبَ الأوزاعيُّ وابنُ المباركِ والْمُحَصِّلُوْنَ مِنَ العلماءِ والمحدِّثينَ، لا سِيَّما في اللَّحْنِ الذي لا يختلفُ المعنى بهِ. وإصلاحُ مثلِ ذلكَ لازمٌ على تجويزِ الروايةِ بالمعنى، وهوَ قولُ الأكثرينَ، وقد ذكرَ ابنُ أبي خيثمةَ في كتابِ " الإِعرابِ " لهُ: أَنَّهُ سُئِلَ الشعبيُّ والقاسمُ بنُ محمدٍ وعطاءٌ ومحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسينِ: الرجلُ يحدِّثُ بالحديثِ فيلحَنُ أَأُحَدِّثُ كَمَا سمعتُ؟ أو أعْرِبُهُ؟ فقالَوا: لا، بل اعْرِبْهُ. واختارَ الشيخُ عزُّ الدينِ بنُ عبدِ السَّلاَمِ في هذه المسألةِ تَرْكَ الخطأِ والصوابِ أيضاً، حكاهُ عنه ابنُ دقيقِ العيدِ في

стр. 481

" الاقتراحِ "، فقالَ: سمعتُ أبا محمدِ بنَ عبدِ السَّلامِ، وكانَ أحدَ سلاطينِ العلماءِ، كانَ يَرى في هذه المسألةِ ما لَمْ أرَهُ لأحدٍ، أنَّ هذا اللفظَ المحتملَ لا يُرْوَى على الصوابِ ولا على الخطأِ. أما على الصوابِ، فإِنّهُ لَمْ يسمعْ مِنَ الشَّيْخِ كذلكَ، وأمَّا عَلَى الخطأِ فلأَنَّ سَيدَنا رسولَ اللهِ ﷺ لم يقلْهُ كذلكَ، وهذا معنى ما قالَهُ أو قريبٌ منهُ. وقولي: (في اللَّحْنِ) ، هو متعلقٌ بقولي: (وَهْوَ الأَرْجَحُ) أي: الأرجحُ في هذهِ الصورةِ لا مطلقاً. قالَ ابنُ الصلاحِ: وأمَّا إصلاحُ ذلكَ وتغييرهُ في كتابهِ وأَصلهِ، فالصوابُ تَرْكُهُ، وتقريرُ ما وقعَ في الأَصلِ على ما هوَ عليهِ معَ التَّضْبِيْبِ عليهِ، وبيانِ الصَّوَابِ خَارِجَاً في الحاشِيَةِ. وحكاهُ القاضي عياضٌ عن عملِ أكثرِ الأَشياخِ.

стр. 482

قالَ أبو الحسينِ بنُ فارسٍ: وهذا أحسنُ ما سمعتُ في هذا البابِ. ثُمَّ إذا قرأَ الرَّاوي، أوِ القارئُ عليهِ شيئاً من ذلكَ، فإنْ شاءَ قَدَّمَ ما وقعَ في الأَصلِ، والروايةِ ثُمَّ يُبَيِّنُالصَّوابَ. وإنْ شَاءَ قَدَّمَ مَا هُوَ الصَّوابُ ثُمَّ قالَ: وقعَ في الروايةِ كذا وكذا. وهذا أَوْلَى مِنَ الأَوَّل كَيْلاَيقولَ على رسولِ اللهِ ﷺ ما لَمْ يَقُلْ. قالَهُ ابنُ الصلاحِ قالَ: ((وأَصلحُ ما يعتمدُ عليهِ في الإصلاحِ أنْ يكونَ ما يصلحُ بهِ الفاسدُ قدْ وردَ في أحاديثَ أُخَرَ، فإنَّ ذاكِرَهُ آمنٌ مَنْ أنْ يكونَ متقوِّلاً على رسولِ اللهِ ﷺ ما لم يَقُلْ)) . ٦٤٧.... وَلْيَأْتِ فِي الأَصْلِ بِمَا لاَ يَكْثُرُ ... كَابْنٍ وَحَرْفٍ حَيْثُ لاَ يُغَيِّرُ ٦٤٨.... وَالسَّقْطُ يُدْرَى أَنَّ مِنْ فَوْقُ أَتَى ... بِهِ يُزَادُ بَعْدَ يَعْنِي مُثْبَتَا إذا كانَ الساقطُ من الأَصلِ شيئاً يسيراً يُعْلَمُ أنَّهُ سقطَ في الكتابةِ، وهو معروفٌ كلفظِ: ابنِ في النسبِ، وكحرفٍ لا يختلفُ المعنى بهِ، فلا بَأْسَ بإلحاقِهِ في الأصلِ من غيرِ تنبيهٍ على سقوطِهِ. وقد سألَ أبو داودَ أحمدَ بنَ حنبلٍ فقالَ: وجدْتُ في كتابي: ((حَجَّاجٌ عن جُرَيْجٍ عن أبي الزُّبَيْرِ)) ، يجوزُ لي أنْ أُصلحَهُ: ((ابنُ جريجٍ؟)) فقالَ: أرجو أنْ يكونَ هَذَا لا بأسَ بهِ. وقيلَ لمالكٍ: أرأيتَ حديثَ النبيِّ ﷺ يُزادُ فيهِ الواوُ والألفُ، والمعنى واحدٌ؟ فقالَ: أرجو أنْ يكونَ خفيفاً. انتهى. وإذا كانَ الساقطُ يُعلمُ أنَّهُ

стр. 483

سقطَ من بعضِ مَنْ تأخَّرَ من رواةِ الحديثِ، وأنَّ مَنْ فوقَهُ من الرواةِ أَتى بهِ، فإنَّهُ يُزادُ في الأصلِ، ويُؤتَى قبلَهُ بلفظِ: يعني، كما فعلَ الخطيبُ إذ روى عن أبي عُمَرَ ابنِ مهديٍّ عن المحامليِّ بسنِدهِ إلى عُرْوَةَ عن عَمْرَة - يعني - عن عائشةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي إليَّ رأسَهُ فأُرَجِّلُهُ. قالَ الخطيبُ: كانَ في أصلِ ابنِ مهديٍّ ((عن عَمْرَةَ، قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي إِليَّ رأسَهُ)) . فأَلْحَقْنَا فيهِ ذكرَ (عائشةَ) ، إذ لم يكنْ منهُ بُدٌّ. وعَلِمْنا أنَّ المحامليَّ كذلكَ رواهُ، وإنَّما سقطَ مِنْ كتابِ شيخِنا، وقلنا فيهِ: ((يعني عن عائشةَ)) ؛ لأنَّ ابنَ مهديٍّ لم يقلْ لنا ذلكَ. قالَ: وهكذا رأيتُ غيرَ واحدٍ من شيوخِنا يفعلُ في مثلِ هذا، ثُمَّ روى عن وكيعٍ قالَ: ((أنا استعينُ في الحديثِ بـ: يعني)) . ٦٤٩.... وَصَحَّحُوْا اسْتِدْرَاكَ مَا دَرَسَ في ... كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِهِ إِنْ يَعْرِفِ ٦٥٠.... صِحَّتَهُ مِنْ بَعْضِ مَتْنٍ أَوْ سَنَدْ ... كَمَا إذَا ثَبَّتَهُ مَنْ يُعْتَمَدْ ٦٥١.... وَحَسَّنُوا الْبَيَانَ كَالْمُسْتَشْكِلِ ... كَلِمَةً فِي أَصْلِهِ فَلْيَسْألِ إذا دُرِسَ من كتابهِ بعضُ المتنِ، أو الإسنادِ بتقطيعٍ، أو بللٍ، أو نحوِ ذلكَ فإنَّهُ يجوزُ له استدراكُهُ من كتابِ غيرِهِ، إذا عرفَ صحتَهُ، ووَثِقَ بصاحبِ الكتابِ، بأنْ يكونَ قد أَخَذَهُ عن شيخِهِ، وهو ثقةٌ، أو نحوَ ذلكَ على الصحيحِ وممَّنْ فعلَ ذلكَ نُعَيمُ بنُ حَمَّادٍ وذهبَ بعضُ المحدِّثينَ إلى المنعِ مِنْ

стр. 484

ذلكَ قالَ الخطيبُ: ولو بَيَّنَ ذلكَ كانَ أولى وهكذا الحكمُ فيما إذا شكَّ المحدِّثُ في شيءٍ فاستثْبَتَهُ مِنْ ثقةٍ غيرِهِ من حفظِهِ، أو كتابهِ، كما رُوِيَ ذلكَ عن أبي عوانةَ وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وغيرِهما ويحسُنُ أنْ يُبَيِّنَ مَنْ ثَبَّتَهُ كما فعلَ يزيدُ بنُ هارونَ، وغيرُهُ، وقدْ روينا في " مسندِ أحمدَ "، قالَ حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قالَ أخبرنا عاصمٌ بالكوفةِ، فلَمْ اكتبْهُ فسمعْتُ شعبةَ يُحَدِّثُ بهِ، فعرفتُهُ بهِ عن عاصمٍ، عن عبدِ الله بنِ سَرْجِسَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا سافرَ قالَ اللهُمَّ إني أعوذُ بكَ مِنْ وَعْثَاءِ السفرِ، ... الحديثَ وفي غيرِ المُسْنَدِ عن يزيدَ، قالَ أخبرنا عاصمٌ وثَبَّتَنِي شُعبةُ، فإنْ بَيَّنَ أَصلَ التثبيتِ، ولم يُبَيِّنْ مَنْ ثبَّتَهُ، فلا بأسَ بهِ، فعلَهُ أبو داودَ في "سُنَنِهِ" عَقِبَ حديثِ الحكمِ بنِ حَزْنٍ الكُلَفِيِّ، فقالَ ثَبَّتَنِي في شيءٍ منهُ بعضُ أصحابِنا وقولي (كالمُسْتَشْكِلِ) ، أي كما الحكمُ كذلكَ في مسألةِ ما إذا وجدَ في أصلِهِ كلمةً مِنْ غريبِ العربيةِ، أو غيرِها غيرَ مُقَيَّدةٍ، وأشكلتْ عليهِ، فجائزٌ أنْ يسألَ عنها أهلَ العلمِ بها، ويرويها على ما يخبرونَهُ بهِ، رُوِيَ مثلُ ذلكَ عَنْ أَحَمدَ وإسحاقَ وغيرِهما

стр. 485

اخْتِلاَفُ أَلْفَاْظِ الشُّيُوْخِ ٦٥٢.... وَحَيْثُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْخٍ سَمِعْ ... مَتْنَاً بِمَعْنَى لاَ بِلَفْظٍ فَقَنِعْ ٦٥٣.... بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَسَمَّى الْكُلَّ: صَحّْ ... عِنْدَ مُجِيْزِي النَّقْلِ مَعْنَىً وَرَجَحْ ٦٥٤.... بَيَانُهُ مَعْ قالَ أَوْ مَعْ قالاَ ... وَمَا بِبَعْضِ ذَا وَذَا وَقالاَ ٦٥٥.... اقْتَرَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ لَمْ يَقُلِ: ... صَحَّ لَهُمْ وَالْكُتْبُ إِنْ تُقَابَلِ ٦٥٦.... بِأَصْلِ شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِهِ فَهَلْ ... يُسْمِى الجَمِيْعَ مَعْ بَيَانِهِ؟ احْتَمَلْ إذا سَمِعَ الرَّاوي الحديثَ منْ شيخينِ فأكثرَ بلفظٍ مختلفٍ، والمعنى واحدٌ جاز لَهُ أنْ يَرْوِيَهُ عن شَيْخَيْهِ، أو شيوخِهِ معَ تسميةِ كُلٍّ، ويسوقَ لفظَ روايةِ واحدٍ فقطْ عندَ مَنْ يجيزُ الروايةَ بالمعنى، وهمُ الأكثرونَ بالشَّرْطِ المتقدِّمِ، والأحسنُ الراجحُ أنْ يُبَيِّنَ لفظَ الروايةِ لِمَنْ هِيَ بقولهِ: وهذا لفظُ فلانٍ، ونحوُ ذلكَ، للخروجِ من الخلافِ. ثُمَّ هُوَ مخيرٌ بَيْنَ أنْ يُفْرِدَ فعلَ القولِ فيخصِّصَهُ بمَنْ لهُ اللَّفْظُ، فيقولُ: أَخبرنا فلانٌ وفلانٌ، واللَّفْظُ لهُ، قالَ: وبينَ أَنْ يأتَي بالفعلِ لهما فيقولُ: قالاَ أَخْبَرَنَا فلانٌ. وإلى هَذَا الإشارةُ بقولي: (مَعْ قالَ، أَوْ مَعْ قالاَ) . واستُحْسِنَ لمسلمٍ قولُهُ: حَدَّثَنَا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ وأبو سعيدٍ الأشجُّ؛ كِلاَهُمَا عن أبي خالدٍ، قالَ أبو بكرٍ: حَدَّثَنَا أبو خالدٍ الأحمرُ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((فإعادتُهُ ثانياً ذِكْرَ أحدِهما خاصَّةً إِشعارٌ بأنَّ اللَّفْظَ المذكورَ لهُ)) . قلتُ: ويحتملُ أنَّهُ أرادَ

стр. 486

بإعادتِه بيانَ التصريحِ فيهِ بالتحديثِ، وأنَّ الأشجَ لم يُصَرِّحْ في روايتهِ بالتحديثِ، واللهُ أعلمُ. وقولي: (وما بِبَعْضِ ذَا وذَا وقالاَ) ، الألفُ في آخرِ حرفِ الروي للإطلاقِ، أي: وما أتى فيه الراوي ببعضِ لفظِ أحدِ الشيخينِ، وبعضِ لفظِ الآخرِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لفظَ أحدِهما منَ الآخرِ، بلْ قالَ: وتقاربا في اللَّفْظِ، أو المعنى واحدٌ، ونحوَ ذلكَ؛ فهوَ جائزٌ صحيحٌ عندَ مَنْ يُجَوِّزُ الروايةَ بالمعنى، وهكذا لَوْ لَمْ يقلْ وتقاربا، وما أشبهَهَا، فهوَ جائزٌ صحيحٌ أَيْضاً عِنْدَ مَنْ جَوَّزَ الروايةَ بالمعنى، وإليهِ الإشارةُ بقولي: (صَحَّ لَهُمْ) أَي: لِمُجيزِي الروايةِ بالمعنى. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهذا ممَّا عِيبَ بهِ البخاريُّ أو غيرُهُ)) ، أي تَركَ البيانِ. وقولي: (وَالكُتْبُ إنْ تُقَابَلِ ... ) إلى آخرهِ، أي: إذا قُوبلَ كتابٌ من الكتبِ المصنَّفةِ سمعَه على شيخينِ فأكثرَ بأَصلِ أحدِ شَيْخَيْهِ، أو أَحَدِ شيوخِهِ دونَ بقيِّتِهِم، فهل له أنْ يُسمِّيَ جميعَ شيوخِهِ في روايتهِ لذلكَ الكتابِ مع بيانِ أيِّ اللفظِ للشيخِ الذي قاَبلَهُ بأصلهِ؟ قالَ ابنُ الصلاحِ: ((يحتملُ أنْ يجوزَ كالأَوَّلِ؛ لأنَّ ما أوردَهُ قد سمعَهُ بنصِّهِ ممَّنْ ذكرَ أنَّهُ بلفظِهِ، ويحتملُ أنَّهُ لا يجوزُ؛ لأنَّهُ لا علمَ عندَهُ بكيفيةِ روايةِ الآخرينَ، حتى يُخبرَ عنها بخلافِ ما سبق؛ فإنهُ اطَّلَعَ فيهِ على موافقةِ المعنى)) . الزِّيَاْدَةُ فِيْ نَسَبِ الشَّيْخِ ٦٥٧.... وَالشَّيْخُ إِنْ يَأْتِ بِبَعْضِ نَسَبْ ... مَنْ فَوْقَهُ فَلاَ تَزِدْ وَاجْتَنِبْ ٦٥٨.... إِلاَّ بِفَصْلٍ نَحْوُ هُوْ أَوْ يَعْنِي ... أَوْجِئْ بِأَنَّ وَانْسِبَنَّ الْمَعْنِي ٦٥٩.... أَمَّا إذا الشَّيْخُ أَتَمَّ النَّسَبَا ... فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ فَقَطْ فَذَهَبَا

стр. 487

٦٦٠.... الأَكْثَرُوْنَ لِجَوَازِ أَنْ يُتَمْ ... مَا بَعْدَهُ وَالْفَصْلُ أَوْلَى وَأَتَمْ إذا سمعَ من شيخٍ حديثاً فاقتصرَ شيخُهُ في نسبِ شيخِهِ، أو مَنْ فوقَهُ على بعضِهِ، فليسَ له أَنْ يزيدَ في النسبِ على ما ذكرَ منهُ شيخُهُ منْ غيرِ فصلٍ يُبَيِّنُ أنَّهُ مِنَ الزيادةِ على شيخِهِ، كقولهِ: هو ابنُ فلانٍ الفلانيُّ، أو يعني: ابنَ فلانٍ، او نحوُ ذلكَ. وروى الخطيبُ عن أحمدَ: أنَّهُ كانَ إذا جاءَ اسمُ الرجلِ غيرَ منسوبٍ، قالَ: يعني ابنَ فلانٍ. وروينا في كتابِ " اللُّقطِ " للبرقانيِّ بإسنادِهِ إلى ابنِ المدينيِّ، قالَ: إذا حدَّثَكَ الرجلُ فقالَ: حَدَّثَنَا فلانٌ، ولَمْ ينسبْهُ، وأحببْتَ أن تنسبَهُ، فقلْ: حَدَّثَنَا فلانٌ أَنَّ فلانَ بنَ فلانِ بنِ فلانٍ حَدَّثَهُ. وأَمَّا إذا أتمَّ الشيخُ نَسَبَ شيخهِ في أولِ كتابٍ أو جزءٍ واقتصرَ في بقيةِ الكتابِ، أو الجزءِ على اسمِ الشيخِ، فإنَّهُ يجوزُ لمَنْ سمعَ من الشيخِ أنْ يفردَ ما بعدَ الحديثِ الأوَّلِ معَ إتمامِ نسبِ شيخِ شيخِهِ فيهِ، كما حكاهُ الخطيبُ عن أكثرِ أهلِ العلمِ. وحَكَى عن شيخهِ أبي بكرٍ أحمدَ بنِ عليٍّ الأصبهانيِّ أحدِ الحفَّاظِ أنَّهُ كانَ يقولُ في مثلِ هذا: إنَّ فلانَ بنَ فلانٍ. وعنْ بعضِهِم: أنَّ الأَوْلى أنْ يقولَ فيهِ: يعني ابنَ فلانٍ. وبعضُهُم يقول: هو ابنُ فلانٍ، قالَ: وهذا الذي اسْتَحِبُّهُ؛ لأنَّ قوماً من الرواةِ كانوا يقولونَ فيما أُجيزَ لهم: أخبرنا فلانٌ أنَّ فلاناً حدَّثَهُم. انتهى. ولعلَّهُ فيما أُجيزَ لشيوخِهِم، كما تقدَّمَ نَقْلُهُ عن الخطَّابيِّ.

стр. 488

الرِّوَاْيَةُ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إسْنَاْدُهَا وَاحِدٌ ٦٦١.... وَالنُّسَخُ الَّتِي بِإِسْنَادٍ قَطُ ... تَجْدِيْدُهُ فِي كُلِّ مَتْنٍ أَحْوَطُ ٦٦٢.... وَالأَغْلَبُ الْبَدْءُ بِهِ وَيُذْكَرُ ... مَا بَعْدَهُ مَعْ وَبِهِ وَالأَكْثَرُ ٦٦٣.... جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بَعْضاً بِالسَّنَدْ ... لآِخِذٍ كَذَا وَالإِفْصَاحُ أَسَدْ ٦٦٤.... وَمَنْ يُعِيْدُ سَنَدَ الْكِتَابِ مَعْ ... آخِرِهِ احْتَاطَ وَخُلْفَاً مَا رَفَعْ النسخُ التي إسنادُ أحاديثِها إسنادٌ واحدٌ كنُسخةِ همَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ عن أبي هريرةَ ﵁ روايةُ عبدِ الرزاقِ عن مَعْمرٍ عنهُ ونحوِها. الأحوَطُ أنْ يُجَدِّدَ ذكرَ الإسنادِ عندَ كُلِّ حديثٍ منها. ومن أهلِ الحديثِ مَنْ يفعلُهُ. ويوجدُ ذلكَ في كثيرٍ من الأُصولِ القديمةِ، وأَوجبَ بعضُهم ذلكَ، وأشرتُ إلى الخلافِ بقولي في آخرِ الأبياتِ: (وخُلْفاً ما رَفَعْ) . والأغلبُ الأكثرُ أنْ يُبدأَ بالإسنادِ في أوَّلها، أو في أَوَّلِ كُلِّ مجلسٍ من سماعِها، ويُدْرَجُ الباقي عليهِ، بقولهِ، في كُلِّ حديثٍ بعدَ الحديثِ الأوَّلِ، وبهِ، أو وبالإسنادِ، ونحوِ ذلكَ. ثُمَّ إنَّ مَنْ سمعَ هكذا يذكرُ السندَ في أوَّلهِ. وإدراجُ ما بعدَهُ عليهِ هلْ لهُ أنْ يُفردَ ما بعدَ الحديثِ الأولِ بالسندِ المذكورِ في أولِهِ؟ ذهبَ الأكثرونَ إِلَى الجوازِ منهمْ وكيعٌ وابنُ معينٍ والأسماعيليُّ؛ لأَنَّ المعطوفَ لهُ حُكمُ المعطوفِ عليهِ وهوَ بمثابةِ تقطيعِ المتنِ الواحدِ في أبوابٍ بإسنادِهِ المذكورِ في أوَّلهِ. وذهبَ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ وبعضُ أهلِ الحديثِ إلى المنعِ، إِلاَّ معَ بيانِ كيفيةِ التحمُّلِ. وعلى القولِ بالجوازِ،

стр. 489

فالأحسنُ البيانُ كما يفعلُ كثيرٌ من المؤلِّفِيْنَ، منهمْ مُسْلِمٌ، كقولهِ: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ رافعٍ، قالَ: حَدَّثَنَا عبدُ الرزاقِ، قالَ: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرةَ، وذكرَ أحاديثَ منها: قالَ رسولُ الله ﷺ : إنَّ أدنى مَقْعَدِ أَحَدِكُم في الجنَّةِ، ... الحديثَ. وما يفعلُهُ بعضُهُمْ من إعادةِ السندِ في آخرِ الكتابِ، أو الجزءِ، فهو احتياطٌ وتأكيدٌ، ولا يَرْفَعُ الخلافَ في إفرادِ كُلِّ حديثٍ بالسنَدِ. تَقْدِيْمُ المَتْنِ عَلى السَّنَدِ ٦٦٥.... وَسَبْقُ مَتْنٍ لَوْ بِبَعْضِ سَنَدِ ... لاَ يَمْنَعُ الْوَصْلَ وَلاَ أَنْ يَبْتَدِي ٦٦٦.... رَاوٍ كَذَا بِسَنَدٍ فَمُتَّجِهْ ... وَقالَ: خُلْفُ النَّقْلِ مَعْنَى يَتَّجِهْ ٦٦٧.... في ذَا كَبَعْضِ الْمَتْنِ قَدَّمْتَ عَلَى ... بَعْضٍ فَفِيْهِ ذَا الْخِلاَفُ نُقِلاَ إذا قدَّمَ الرَّاوي الحديثَ على السندِ، كأنْ يقولَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كذا وكذا، أخبرنا به فلانٌ، ويذكرُ سندَهُ، أو قدَّمَ بعضَ الإسنادِ معَ المتنِ على بقيَّةِ السَّنَدِ كأَنْ يقولَ: رَوَى عمرُو بنُ دينارٍ عن جابرٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ : كذا وكذا، أخبرنا به فلانٌ، ويسوقُ سندَهُ إلى عمروٍ، فهو إسنادٌ متَّصلٌ لا يمنعُ ذلكَ الحكمَ باتِّصَالهِ، ولا يمنعُ ذلكَ كمنْ روى كذلكَ أي تحمَّلَهُ من شيخِهِ كذلكَ أنْيبتدئَ بالإسنادِ جميعِهِ، أوَّلاً، ثُمَّ يذكرُ المتنَ كما جوَّزَهُ بعضُ المتقدِّمينَ من أهلِ الحديثِ، قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وينبغي أنْ يكونَ فيهِ خلافٌ نحوُ الخلافِ في تقديمِ بعضِ المتنِ على بعضٍ، فقد حَكى الخطيبُ: المنعَ من ذلكَ، على القولِ بأَنَّ الروايةَ على المعنى لا تجوزُ، والجوازَ على القولِ بأَنَّ الروايةَ على المعنى تجوزُ ولا فرقَ بينهُما في ذلكَ)) .

стр. 490

إذا قالَ الشَّيْخُ: مِثْلَهُ، أَوْ نَحْوَهُ ٦٦٨.... وَقَوْلُهُ مَعْ حَذْفِ مَتْنٍ مِثْلَهُ ... أَوْ نَحْوَهُ يُرِيْدُ مَتْنَاً قَبْلَهُ ٦٦٩.... فَالأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ انْ يُكَمِّلَهْ ... بِسَنَدِ الثَّاني وَقِيْلَ: بَلْ لَهْ ٦٧٠.... إِنْ عَرَفَ الرَّاوِيَ بِالتَّحَفُّظِ ... وَالضَّبْطِ وَالتَّمْيِيْزِ لِلتَّلَفُّظِ ٦٧١.... وَالْمَنْعُ فِي نَحْوٍ فَقَطْ قَدْ حُكِيَا ... وَذَا عَلَى النَّقْلِ بَمِعْنَى بُنِيَا ٦٧٢.... وَاخْتِيْرَ أَنْ يَقُوْلَ: مِثْلَ مَتْنِ ... قَبْلُ وَمَتْنُهُ كَذَا، وَيَبْنِي إذا رَوَى الشيخُ حديثاً بإسنادٍ لهُ، وذكرَ متنَ الحديثِ. ثُمَّ أتبعَهُ بإسنادٍ آخرَ، وحذفَ متنَهُ، وأحالَ به على المتنِ الأوَّلِ، بقولِهِ: مِثْلُهُ، أو نحوُهُ، فهلْ لِمَنْ سمعَ منهُ ذلكَ أنْ يقتصرَ على السندِ الثاني، ويسوقَ لفظَ حديثِ السندِ الأوَّلِ؟ فيهِ ثلاثةُ أقوالٍ: أظهرُهَا منعُ ذلكَ، وهو قولُ شعبةَ. فروينا عنهُ أَنَّهُ قالَ: فلانٌ عن فلانٍ: مِثْلُهُ، لا يُجْزِئُ. وروينا عنهُ أيضاً، أنَّهُ قالَ: قولُ الراوي: نحوَهُ، شكٌّ. والثاني: جوازُ ذلكَ إذا عُرِفَ أنَّ الراوي لذلكَ ضابطٌ مُتَحَفِّظٌ، يذهبُ إلى تمييزِ الألفاظِ وَعَدِّ الحروفِ، فإنْ لم يُعْرَفْ ذلكَ منهُ، لم يَجُزْ. حكاهُ الخطيبُ عن بعضِ أهلِ العلمِ. وروينا عن سفيانَ الثوريِّ قالَ: فلانٌ عن فلانٍ مِثْلهُ يُجْزِئُ، وإذا قالَ: نحوَهُ، فهو حديثٌ.

стр. 491

والثالثُ: أنَّهُ يجوزُ في قولِهِ: مثلِهِ، ولا يجوز في قولِهِ: نحوهِ. وهو قولُ يحيى بنِ معينٍ. وعليهِ يدلُّ كلامُ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ حيثُ يقولُ: لا يَحِلُّ لهُ أنْ يقولَ: مِثلَهُ إلاَّ بعدَ أنْ يَعْلَم أنَّهُما على لفظٍ واحدٍ، ويحلُّ أنْ يقول: نحوَهُ، إذا كانَ على مثلِ معانيهِ. قالَ الخطيبُ: ((وهذا على مذهبِ مَنْ لم يُجِزِ الروايةَ على المعنى، وأمَّا على مذهبِ مَنْ أجازَها فلا فَرْقَ بينَ مثلِهِ ونحوِهِ)) . قالَ الخطيبُ: وكانَ غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ، إذا روى مثلَ هذا يوردُ الإسنادَ، ويقولُ: مثلُ حديثٍ قبلَهُ، متنُهُ كذا وكذا، ثم يسوقُهُ. قالَ: وكذلكَ إذا كانَ المحدِّثُ قدْ قالَ نحوَهُ. قالَ: ((وهذا الذي أَختارُهُ)) . ٦٧٣.... وَقَوْلُهُ: إِذْ بَعْضُ مَتْنٍ لِمْ يُسَقْ ... وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ فَالْمَنْعُ أَحَقّْ ٦٧٤.... وَقِيْلَ: إِنْ يَعْرِفْ كِلاَهُمَا الْخَبَرْ ... يُرْجَى الْجَوَازُ وَالْبَيَانُ الْمُعْتَبَرْ ٦٧٥.... وَقالَ: إِنْ يُجِزْ فَبِالإِجَازَهْ ... لِمَا طَوَى وَاغْتَفَرُوْا إِفْرَازَهْ أي: إذا أتى الشيخُ الراوي ببعضِ الحديثِ وحذفَ بقيتَهُ، وأشارَ إليهِ بقولهِ: وذكرَ الحديثَ، أو نحوَ ذلكَ، كقولِهِ: وذَكَرَهُ، وكقولِهِ: الحديثَ، ولم يكنْ تقدَّمَ كمالُ الحديثِ، كالصورةِ الأُولى، فليسَ لمَنْ سمعَ كذلكَ أنْ يتمِّمَ الحديثَ، بل يقتصرُ على ما سمعَ منهُ، إلاَّ معَ البيانِ، كما سيأتي. وهذا أَوْلى بالمنعِ من المسألةِ التي قبلَها؛ لأنَّ المسألةَ التي قبلَها قد ساقَ فيها جميعَ المتنِ قبلَ ذلكَ، بإسنادٍ آخرَ، وفي هذه الصورةِ لم يُسِقْ إلاَّ هذا القَدَرَ من الحديثِ.

стр. 492

وبالمنعِ أجابَ الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ، وقالَ أبو بكرٍ الإسماعيليُّ: إذا عَرَفَ المحدِّثُ والقارِئُ ذلكَ الحديثَ فأرجو أَنْ يجوزَ ذلكَ. والبيانُ أولى بأنْ يقولَ: كما قالَ. وطريقُ مَنْ أرادَ إتمامهُ أنْ يقتصرَ ما ذكرَهُ الشيخُ منهُ، ثُمَّ يقولُ: قالَ، وذكرَ الحديثَ. ثُمَّ يقولُ: وتمامُهُ كذا وكذا، ويسوقُهُ. وقالَ ابنُ الصلاحِ بعدَ حكايةِ كلامِ الإسماعيليِّ: ((إذا جَوَّزْنَا ذلكَ، فالتحقيقُ فيهِ أنَّهُ بطريقِ الإجازَةِ فيما لم يذكرْهُ الشيخُ. قالَ: لكنَّها إجازةٌ أكيدةٌ قويةٌ من جهاتٍ عديدةٍ، فجازَ لهذا - معَ كونِ أَوَّلِهِ سماعاً - أدراجُ الباقي عليهِ من غيرِ إِفرادٍ لهُ بلفظِ الإجازةِ)) . إِبْدَاْلُ الرَّسُوْلِ بِالنَّبِيِّ، وَعَكْسُهُ ٦٧٦.... وَإِنْ رَسُوْلٌ بِنَبِيٍّ أُبْدِلاَ ... فَالظَّاهِرُ الْمَنْعُ كَعَكْسٍ فُعِلاَ ٦٧٧.... وَقَدْ رَجَا جَوَازَهُ ابْنُ حَنْبَلِ ... والنووي صَوَّبَهُ وَهْوَ جَلِيْ إذا وقعَ في الروايةِ: عن النبيِّ ﷺ ، فهلْ للسامعِ أَنْ يقولَ: عن رسولِ اللهِ ﷺ . وهكذا عكسُهُ، كأَنْ يكونَ في الروايةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فيقولَ: عن النبيِّ ﷺ . قالَ ابنُ الصلاحِ: ((الظاهرُ أنهُ لا يجوزُ وإِنْ جازتِ الروايةُ بالمعنى، فإنَّ شَرْطَ ذلك أَلا يختلفَ المعنى، والمعنى في هذا مختلفٌ)) . وكان أحمدُ إذا كانَ في الكتابِ: النبيُّ، فقالَ المحدِّثُ: رسولَ اللهِ، ضَرَبَ وكتبَ: رسولَ اللهِ. قالَ الخطيبُ: ((هذا غيرُ لازمٍ، وإنَّما استُحِبَّ اتباعُ اللفظِ، وإِلاَّ فمذهبُهُ الترخيصُ في ذلكَ)) . وقد سألَهُ ابنُهُ صالحٌ: يكونُ في الحديثِ رسولُ اللهِ فَيَجْعَلُ النبيَّ؟! قالَ: أرجو ألا يكونَ بِهِ

стр. 493

بأسٌ، وقالَ حمَّادُ بنُ سَلَمَةَ لعفانَ وبهزٍ، لما جَعَلا يُغيِّرانِ النبيَّ من رسولِ اللهِ: أمَّا أنتُما فَلاَ تَفْقَهانِ أبداً. قلتُ: وقولُ ابنِ الصلاحِ: أنَّ ((المعنى في هَذَا مختلفٌ)) لا يمنعُ جوازَ ذلكَ؛ لأَنَّهُ وإنِ اختلفَ معنى النبيِّ والرسولِ، فإنَّهُ لا يختلفُ المعنى في نسبةِ ذلكَ القولِ لقائلهِ بايِّ وصفِ وصفَهُ، إذا كانَ يُعَرِّفُ بهِ. وأمَّا ما استدلَّ بهِ بعضُهُم على المنعِ بحديثِ البراءِ بنِ عازبٍ في الصحيحِ في الدُّعاءِ عندَ النومِ، وفيهِ: ونبيِّكَ الذي أرسلتَ. فقالَ يستذكِرُهُنَّ: وبرسولِكَ الذي أرسلتَ، فقالَ: ((لا وبنَبِيِّكَ الذي أرسلتَ)) فليسَ فيهِ دليلٌ؛ لأنَّ ألفاظَ الأذكارِ توقيفيَّةٌ، وربَّمَا كانَ في اللَّفْظِ سِرٌّ لا يحصلُ بغيرِهِ، ولعلَّهُ أرادَ أنْ يجمعَ بينَ اللَّفظينِ في موضعٍ واحدٍ. وقالَ النوويُّ: ((الصوابُ - واللهُ أعلمُ - جوازُهُ؛ لأنَّهُ لا يختلفُ بهِ هُنَا مَعْنًى)) . السَّمَاْعُ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الوَهْنِ، أَوْ عَنْ رَجُلَيْنِ ٦٧٨.... ثُمَّ عَلَى السَّامِعِ بِالْمُذَاكَرَهْ ... بَيَانُهُ كَنَوْعِ وَهْنٍ خَامَرَهْ إذا سمعَ مِنَ الشيخِ مِنْ حفظِهِ في حالةِ المذاكرةِ، فعليهِ بيانُ ذلكَ بقولِهِ: حَدَّثَنَا مذاكرةً، أو في المذاكرةِ، ونحوِ ذلكَ؛ لأنهم يتساهلونَ في المذاكرةِ. والحِفْظُ خَوَّانٌ، ولهذا كانَ أحمدُ يمتنعُ من روايةِ ما يحفظُهُ إلاَّ من كتابِهِ، وقد منعَ عبدُ الرحمنِ بنُ

стр. 494

مهديٍّ وابنُ المباركِ وأبو زُرْعَةَ الرازيُّ أَنْ يُحَملَ عنهم في المذاكرةِ شيءٌ. هكذا قالَ ابنُ الصلاحِ: إنَّ عليهِ بيانَ ما فيهِ بعضُ الوَهْنِ. وجعلَ من أمثلتِهِ ما سمِعَهُ في المذاكرةِ فتبعتُهُ في ذلكَ. وفي كلامِ الخطيبِ: إنَّهُ ليسَ بحتمٍ، فإنَّهُ قالَ: ((وأستَحِبُ أَنْ يقولَ: حدثنَاهُ في المذاكرةِ)) . وقولي: (كنَوْعِ وَهْنٍ خَامَرَهْ) أي: كما إذا كانَ في سماعِهِ نوعٌ من الوَهْنِ، فإنَّ عليهِ بيانَهُ، كأنْ يسمَعَ من غيرِ أصلٍ، أَو كانَ هو، أو شيخُهُ يتحدَّثُ في وقتِ القراءةِ عليهِ، أَوْ يَنْسَخُ، أو يَنْعَسُ، أو كانَ سماعُ شيخِهِ، أو سماعُهُ هو بقراءةِ مُصَحِّفٍ، أو لَحَّانٍ، أَو كُتَّابَةِ التَّسْمِيعِ بخطِّ مَنْ فيهِ نَظَرٌ، ونحوِ ذلكَ، فإنَّ في إغفالِ ذلكَ وَتَرْكِ البيانِ نوعاً من التَّدْلِيْسِ. ٦٧٩.... وَالْمَتْنُ عَنْ شَخْصَيْنِ وَاحِدٌ جُرِحْ ... لاَ يَحْسُنُ الْحَذْفُ لَهُ لَكِنْ يَصِحْ ٦٨٠.... وَمُسْلِمٌ عَنْهُ كَنَى فَلَمْ يُوَفْ ... وَالْحَذْفُ حَيْثُ وُثِقَا فَهْوَ أَخَفْ إذا كانَ الحديثُ عن رجلينِ: أحدُهما مجروحٌ، كحديثٍ لأنَسٍ يرويهِ عنهُ مثلاً ثابتٌ البُنَانيُّ، وأبانُ بن أبي عيَّاشٍ، ونحوُ ذلكَ، لا يحسنُ إسقاطُ المجروحِ - وهو أبانُ - والاقتصارُ على ثابتٍ لجوازِ أَنْ يكونَ فيه شيءٌ عن أبانَ لم يذكرْهُ ثابتٌ؛ وحملُ لفظِ أحدِهما عَلَى الآخَرِ، قالَ نحوَ ذلكَ أحمدُ، والخطيبُ، وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّهُ

стр. 495

لا يمتنعُ ذلكَ امتناعَ تحريمٍ؛ لأنَّ الظاهرَ اتفاقُ الروايتينِ، وما ذُكِرَ من الاحتمالِ نادرٌ بعيدٌ)) . قالَ الخطيبُ: وكانَ مسلمُ بنُ الحجَّاجِ في مثلِ هذا رُبَّمَا أسقطَ المجروحَ من إلاسنَاْدِ ويذكرُ الثقةَ، ثُمَّ يقولُ: ((وآخرُ)) كِنَايَةً عن المجروحِ. قالَ: وهذا القولُ لا فائدةَ فيهِ. قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهكذا ينبغي، إذا كانَ الحديثُ عن ثقتينِ أنْ لا يُسقِطَ أحدَهما منهُ؛ لتطرقِ مثلِ الاحتمالِ المذكورِ إليهِ، وإنْ كانَ محذورُ الإسقاطِ فيهِ أقلَّ، ثُمَّ لا يمتنعُ ذلكَ)) . ٦٨١.... وَإِنْ يَكُنْ عَنْ كُلِّ رَاوٍ قِطْعَهْ ... أَجِزْ بِلاَ مَيْزٍ بِخَلْطِ جَمْعَهْ ٦٨٢.... مَعَ الْبَيَانِ كَحَدِيْثِ الإِْفْكِ ... وَجَرْحُ بَعْضٍ مُقْتَضٍ لِلتَّرْكِ ٦٨٣.... وَحَذْفَ وَاحِدٍ مِنَ الإِسْنَادِ ... فِي الصُّوْرَتَيْنِ امْنَعْ لِلاِزْدِيَادِ إذا لم يكن سمعَ جميعَ الحديثِ من شيخٍ واحدٍ فأكثرَ، بل سمعَ قطعةً من الحديثِ من شيخٍ، وقطعةً منه من شيخٍ آخرَ، فما زادَ، فإنَّهُ يجوزُ لهُ أنْ يخلطَ الحديثَ ويرويَهُ عنهما، أو عنهم جميعاً، معَ بيانِ أَنَّ عن كُلِّ شيخٍ بعضَ الحديثِ من غيرِ تمييزٍ لما سمعَهُ من كُلِّ شيخٍ من الآخَرِ، كحديثِ الإفْكِ في الصحيحِ من روايةِ الزُّهريِّ، حيثُ قالَ:
следующие страницы →