← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 177

مفتاح الوصول إلى علم الأصول في شرح خلاصة الأصول

محمد الطيب الفاسي

Полный текст (343 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة الدراسات الأصولية (٢١) مفتاح الوصول إلى علم الأصول للشيخ محمد الطيب الفاسي في شرح خلاصة الأصول للشيخ عبد القادر الفاسي تقديم وتحقيق الدكتور إدريس الفاسي الفهري

стр. 2

افتتاحية نستفتح بالذي هو خير، حمدا لله، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى. وبعد: فيسر دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي أن تقدم للباحثين كتابها الحادي والعشرين في «سلسلة الدراسات الأصولية» تحت عنوان «مفتاح الوصول شرح خلاصة الأصول». وهذا التقديم مقرون بالشكر والعرفان لأسرة «آل مكتوم» حفظها الله تعالى، التي ترعى العلم، وتشيد نهضته، وتحيي تراثه، وتؤازر قضايا العروبة والإسلام، وعلى رأسها صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، الذي أنشأ هذه الدار لتكون منار خير، ومنبر حق على درب العلم والمعرفة، تجدد ما اندثر من تراث هذه الأمة، وتبرز محاسن الإسلام فيما سطره الأوائل، وفيما يمتد من ثماره، مما تجود به القرائح، في شتى مجالات البحوث الإسلامية، والدراسات الجادة، التي تعالج قضايا العصر، وتؤصل أسس المعرفة، على مفاهيم الإسلام السمحة: عقيدة، وشريعة، وآدابا، وأخلاقا، ومناهج حياة، مستلهمة الأدب القرآني، في الدعوة إلى الله على بصيرة ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. . .﴾. وكذلك مؤازرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي، وزير المالية والصناعة، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، وزير الدفاع.

стр. 3

ولا يفوت الدار أن تشكر من أسهم في خدمة هذا العمل العلمي من العاملين بالدار، وهو: - مساعد باحث: الشيخ/سامح علي ناصر الناخبي، الذي قام بتصحيح هذا الكتاب، ومراجعة تجارب الطبع والتنفيذ. سائلين الله العون والسداد، والهداية والتوفيق، ونرجو من الله أن يعين على السير في هذا الدرب، وأن يتواصل هذا العطاء من حسن إلى أحسن. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. دار البحوث

стр. 4

التقديم ويشمل: - التعريف بالمصنف والشارح. الشيخ: عبد القادر بن علي الفاسي الفهري. الشيخ: محمد الطيب بن محمد الفاسي. - التعريف بكتاب مفتاح الوصول. - ورقة وصفية لعملية التحقيق. - اصطلاحات التحقيق.

стр. 5

تقديم: ١ - التعريف بالمصنف والشارح جمعت المصنف والشارح الذين نترجم لهما (١) فيما يلي خمسة وعشرون عاما؛ حضر الشارح خلالها منذ تفتق وعيه مجالس المصنف ودروسه. ويتعدى الرابط بينهما حد المعاصرة، والمجاورة، والمشيخة، فالشيخ محمد الطيب بالنسبة للشيخ عبد القادر هو: «. . . حفيده المباشر، وقريبه المعاشر» (٢). وقد انتسب سيدي محمد الطيب إلى جده وتولد منه روحيا وسلوكيا فضلا عن الولادة الأولى. حيث جمعهما رابط الزاوية التي تعرف إلى اليوم باسم المصنف سيدي عبد القادر الفاسي، والتي تصدرها الشارح في فترة لا حقة لموت جده: يعلم العلوم، ويفتي في المعضلات، ويرشد الأصحاب، كما كان جده ثم عمه ثم أبوه. فهذه بيئات ثلاث ربطت بين المصنف والشارح: العصر، والزاوية، والأسرة؛ وما يقال في التمهيد لترجمة كل واحد منهما في موضوعها؛ يقال في التمهيد لترجمة الآخر. ولذلك فإنني سأجعل الكلام عنها بالنسبة إليهما معا كلاما واحدا مجتمعا. _________ (١) ما يأتي في ترجمتيهما هو تلخيص لما كتبته في تقديم فهرستيهما. وأرجو أن يتم العمل فيه قريبا بحول الله. وهو ما يبرر وجود بعض المعلومات من غير ذكر لمصادرها. (٢) نشر المثاني: ٢/ ٢٩٠.

стр. 6

البيئات الثلاث للمصنف والشارح الأولى: عصر المصنف والشارح: ما بين ولادة المصنف في ٢ رمضان ١٠٠٧ هـ الموافق ٢٩ مارس ١٥٩٩ م إلى وفاة الشارح في ١٩ ربيع الثاني ١١١٣ هـ الموافق ٢٣ سبتمبر ١٧٠١ م زهاء قرن من الزمان. هو جملة القرن السابع عشر الميلادي والحادي عشر الهجري مع طرف من بداية الثاني عشر. وقد شهد مطلع هذا القرن بقية من عهد الاستقرار والرخاء الذي عرفه المغرب أيام المنصور الذهبي. ثم استغرقت معظمه أي زهاء ثمانية عقود منه، فتن متلاحقة، ومخاض طويل. ولكننا لا نكاد نصل إلى العقود الأخيرة من هذا القرن حتى نشهد انتهاء ذلك العهد العصيب، وتوحيد مجموع التراب المغربي تحت راية الدولة العلوية. ومن أوفى النصوص التاريخية التي تختصر أحداث هذا القرن ما جاء في رسالة السلطان المولى إسماعيل بن الشريف إلى علماء المشرق. حيث قال: «وحين جاء الله بنا لهذا المغرب (١)، وولانا أمره، وأقامنا فيه بمحض فضله واختياره؛ جئناه على حين فترة من الملوك، ووجدناه فارغا من الجيش _________ (١) هذه إشارة إلى قدوم جد المولى إسماعيل مولاي الحسن بن قاسم من بنبوع النخل بالحجاز إلى سجلماسة أوائل المائة السابعة بدعوة من أهلها وقد قسم الشيخ عبد القادر الفاسي شرفاء المغرب بحسب القوة والضعف إلى خمسة أقسام، الأول المتفق على صحته، ومثّله بجملة من الأسر في طليعتهم السادة السجلماسيون.

стр. 7

والعيش؛ وخفيف العمارة، بعيد العهد بالخلافة والإمارة. فبسبب تلك الفترة التي اعترته، ودامت فيه نحو الثمانين سنة، حتى تنوسي فيها أمور المملكة وسياستها، واضمحلت فيها الأوضاع الملكية وتوالت فتن وأوجاع وهرج كثير لا أعاد الله ذلك على المسلمين. فصرنا نحن - حيث أقامنا الله، ونصبنا لهذا المنصب المبارك، المحفوف بالخير المتدارك - نبتدئ السيرة والطريقة من أولها، ونعقدها من أصلها» (١). فقد توالدت الحروب بين أبناء أحمد المنصور الذهبي وأبنائهم حتى صار ملكهم الذي كان يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى أقاصي الصحراء الإفريقية الكبرى مجرد إمارة صغيرة في حدود أسوار مدينة مراكش. وافتقد الناس الأمن على أنفسهم وأموالهم في الحواضر والبوادي. وسقطت كثير من الثغور في أيدي الإمبريالية الأوربية. وتردت الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إلى درك سحيق. وقد تأثرت الحواضر والبوادي بحالة التمزق في السلطة، والحروب المستمرة بين طلابها من وجوه : أحدها : فقد الأمن الذي كان في حد ذاته من أهم أسباب المعاناة التي عاشها الناس، فقد انتشرت أعمال السلب والنهب والقتل من غير رادع. _________ (١) كتاب «الفقيه أبو علي اليوسي : نموذج من الفكر المغربي في فجر الدولة العلوية» للدكتور الوزير عبد الكبير العلوي المدغري : ص ٤٢، عن مخطوط الرسالة بالخزانة الملكية برقم ٣٩٨٤.

стр. 8

ثانيها : ما يتولد عن فقد الأمن من انقطاع الطرق مما عاق الحركة التجارية وأنواع الصناعات التي تمدها. ومن أهم ذلك التجارة عبر الصحراء التي كانت إلى عهد قريب الشريان الأكبر للازدهار الاقتصادي في عهد المنصور. وقد تحولت هذه التجارة ذاتها عبر الطريق البحري لصالح الأوربيين، وساعدهم على انتظامها وتدفق خيراتها تمركزهم بالشواطئ المغربية، مما أمد سفنهم بمرافئ ومحطات للتزود باحتياجاتهم وتأمين رحلاتهم. ثالثها : تعطل الفلاحة بسبب تجنيد الرجال في الحروب الدائرة، وإهمال المزارع. وهو من الأسباب التي أدت إلى مجاعات متكررة. وقد نبتت في هذا المناخ نوابت لم يعد ما يمنع من ظهورها : كترؤس ابن مشعل اليهودي بتازة؛ وظهور طائفة العكاكزة (١) المارقة عن الدين؛ وادعاء ابن محلي المهدوية. . . . وتحركت في المقابل جهود المصلحين ممن تأهل للرئاسة وتوفرت فيه شروطها : فنهض بجبال الأطلس محمد الحاج الدلائي؛ وبالجنوب سيدي محمد ابن الشريف؛ وبالغرب المجاهد أبو عبد الله العياشي؛ كل على حدته. وإلى جوار هذه الزعامات الثلاث الكبرى كانت هنالك إمارات صغيرة متفرقة كبقايا دولة السعديين بمراكش، وإمارة أبي حسون السملالي _________ (١) كتب بشأنهم الفقيه العلامة أبو الحسن اليوسي رسالة إلى المولى إسماعيل يستدل فيها على كفرهم، ومما جاء فيها : «. . . ومن ذلك ما ارتكبوه من رفض المأمورات من الصلاة والصيام والضحية ونحوها، واقتحام المنهيات كالزنا وأكل الميتة وقتل المسلمين ونهب أموالهم ونحو ذلك» (رسائل أبي علي الحسن اليوسي : ١/ ٢٨٠).

стр. 9

في سوس، وأبي محمد عبد الله أعراس في الريف، وأحمد النقسيس في تطوان، والخضر غيلان بالفحص. وظهر في خضم هذه الأحداث والصراعات أحد القواد البارزين في التاريخ المغربي، وهو المولى الرشيد الأخ الأصغر لمولاي الشريف. وقد انعقد النصر برايته حتى وحد الدولة المغربية تحت إمرته. وكان أبرز انتصاراته هو نصره على الدلائيين سنة ١٠٧٩ هـ، ثم تداعت الإمارات الصغيرة المتعددة بأنحاء المغرب بعد ذلك أمام جيوشه. ولكن المنية لم تمهله حيث توفي سنة ١٠٨٢ هـ وبويع بالخلافة من بعده لأخيه المولى إسماعيل. وواجهت المولى إسماعيل مهام لا تقل شأنا عما مهده أخوه من أمر الملك. فقد تصور كثير ممن انهزم بين يدي أخيه المولى الرشيد أنهم قد ينالون منه ما لم يستطيعوا من أخيه. كما واجهته صراعات عائلية على السلطة عانى منها مثل ما عاناه من غيرها. وواجهته في أثناء ذلك مهام كبرى أبلى فيها أحسن البلاء منها مهمة استرداد الثغور من يد الأجانب، ومهمة تأمين البلاد، ومهمة صياغة نظام مالي وإداري محكم للدولة، ومهمة تكوين جيش نظامي، وغيرها من المهام. . . .

стр. 10

الثانية: الزاوية الفاسية: أولا: مفهوم الزاوية: تعد الزاوية في العصر والمصر الذي نتحدث عنه ضمن المساجد التي تؤدى فيها الصلوات الخمس. ولا تكون مسجدا جامعا تقام بها صلاة الجمعة إلا إذا لم يكن بالبلدة مسجد غيرها، تجنبا للطائفية والتحزب. ويمكن تحديد المقومات الظاهرة للفضاء الروحي الذي يعبر عنه بالزاوية في أربع: طرفان: وهما: أولا: الشيخ، وثانيا: المريدون. ورابطتان: وهما: أولا: الطريقة، أي: المنهج أو المقومات النظرية؛ وثانيا: السلوك، أي: التربية العملية اليومية. ثانيا: الزوايا المغربية في القرن الحادي عشر: اضطلعت الزوايا في العصر الذي نتحدث عنه بأدوار روحية وعلمية واجتماعية وسياسية في غاية الأهمية. ولعل أهم الزوايا التي تعايشت في هذه الفترة هي: ١ - الزاوية الشرقاوية بأبي الجعد (١). _________ (١) أسسها سيدي محمد الشرقي، في حدود سنة ٩٦٠ هـ ولينظر تفصيل في تاريخ تأسيسها فيما حرره د. أحمد بوكاري في كتاب «الزاوية الشرقاوية: زاوية أبي الجعد، إشعاعها الديني والعلمي» ص ٦٨ وما بعدها.

стр. 11

٢ - الزاوية الفاسية بفاس وتطوان والقصر الكبير (١). ٣ - الزاوية الدلائية بالأطلس المتوسط (٢). ٤ - الزاوية الناصرية بدرعة (٣). ٥ - الزاوية الحمزوية بسفح جبل العياشي (٤). وكانت عامتها متصلة السند بالإمامين : سيدي محمد بن سليمان الجزولي (ت ٨٧٠ هـ) (٥)، وسيدي أحمد زروق (ت ٨٩٩ هـ) (٦). ويتصل _________ (١) قدمت في موضوعها رسالة لنيل الدكتوراه في التاريخ بجامعة محمد الخامس بالرباط بعنوان : «الزاوية الفاسية : التطور والأدوار حتى نهاية العهد العلوي الأول» أنجزتها الدكتورة نفيسة الذهبي، واعتنت بطبعها رابطة أبي المحاسن ابن الجد. (٢) أسسها أبو بكر بن محمد بن سعيد الدلائي حوالي ٩٧٤ هـ ولينظر تفصيل خبر تأسيسها وموقعها في كتاب الزاوية الدلائية : ص ٣٠ وما بعدها. (٣) أسسها أبو حفص عمر بن أحمد الأنصاري سنة ٩٨٣ هـ بتامكرت. وقد نسبت الزاوية إلى سيدي محمد بن ناصر الدرعي الذي تولى مشيختها بعد قتل حفيد المؤسس سنة ١٠٥٢ هـ. (م. س. ص ٥٧ وما بعدها). (٤) أسسها سيدي محمد بن أبي بكر العياشي عام ١٠٤٤ هـ، وقد عرفت الزاوية نشاطا علميا كبيرا على يد ولده أبي سالم، ثم على يد حمزة بن أبي سالم الذي تعرف الزاوية إلى اليوم باسمه (م. س. ص ٦٤ وما بعدها). (٥) خصص سيدي محمد المهدي بن أحمد بن يوسف الفاسي (ت ١١٠٩ هـ) كتاب «ممتع الأسماع في ذكر الجزولي والتباع ومن لهما من الأتباع» لترجمة الإمام الجزولي وأتباعه كما هو واضح من عنوانه. (٦) خصص سيدي محمد المهدي كتاب «تحفة أهل الصديقية بأسانيد الطريقة الجزولية والزروقية» لذكر طرق هذين الإمامين كما هو واضح من عنوان الكتاب. وتوجد منه عدة نسخ، ومنها نسخة الخزانة العامة بالرباط تحت رقم : ٧٦ ج.

стр. 12

سندهما بالإمام أبي الحسن الشاذلي (ت ٦٥٦ هـ) (١). ولا أملك أن أذكر تلك الزوايا في هذه الورقات ولا تفصيلات تلك الطرق، والتعريف برجالاتها، ولكنني أكتفي بتسجيل ثلاث ملاحظات : أ - توحد الطريقة الصوفية في أنحاء المغرب في ذلك العصر. ويمكننا أن نطلع عند مراجعة أسانيد رجالات الزاوية الفاسية مثلا على اتصال أسانيد متصوفة المغرب بمختلف الطرق المعروفة في العالم الإسلامي (٢)، ولكن أخذهم بتلك الطرق لم يتجاوز قصد التبرك، ومعنى التسليم للرجالات السالكين. ب - الالتئام على نهج السنة، والنفور من تعقيدات التصوف الفلسفي. في انسجام مع التشبث بالمذهب المالكي في الفروع، والمذهب الأشعري في الأصول. وكانت هذه من أعظم المهمات التي أبلى فيها مشايخ تلك الزوايا من علماء الإسلام البلاء الحسن. إذ لا يمكننا اليوم أن _________ (١) يمكن الاطلاع على عامة طرق الشاذلية بالمغرب من خلال كتاب سيدي عبد الحفيظ بن محمد الطاهر بن عبد الكبير الفاسي (ت ١٣٨٣ هـ) والذي سماه : «الترجمان المعرب عن أشهر فروع الشاذلية بالمغرب». وتوجد نسخة المؤلف بخطه في الخزانة بالرباط تحت رقم : ٤٤٠٠ د. (٢) بلغت تلك الطرق ستة وسبعين طريقا في فهرسة سيدي محمد الصغير بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي التي سماها «المنح البادية في الأسانيد العالية والمسلسلات الزاهية والطرق الهادية الكافية» وقد قام بتحقيقها الدكتور سيدي محمد بن عبد الرحمن بن جعفر الصقلي الحسيني - حفظه الله تعالى - وهي أطروحته لنيل دكتوراه الدولة من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة ١٤١٦ هـ/١٩٩٥ م.

стр. 13

نتصور ما راج في ذلك العصر من البدع والخرافات والانحرافات وضروب الشعوذة، وما كان يلزم في حربها من التبصر والجهد. ج - وهو في حكم الناتج عن الملاحظتين السابقتين: تمهيد قاعدة سلوكية وروحية لتوحيد الدولة المغربية، واستقرار خلفية ثقافية لتميزها كأمة قائمة. ثالثا: الزوايا الفاسية: هنالك مجموعة من الزوايا الفاسية يمكن تقسيمها إلى قسمين: مجموعة الزوايا الفاسية القديمة، وزاوية حديثة نسبيا. أما الزاوية الحديثة فهي زاوية الدور الجدد بحي القلقليين من مدينة فاس الإدريسية (١)، وتنسب لمؤسسها الإمام العارف أبو محمد عبد القادر بن أبي جيدة بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي (١١٧١ - ١٢١٣ هـ) (٢). وهي زاوية نقشبندية. _________ (١) لما كان جل الدارسين الذين تعرضوا لتاريخ الزوايا الفاسية قد أغفلوا ذكر هذه الزاوية فقد أردت أن أشير إليها هنا وإن كان تاريخها لا حقا للفترة التي نتحدث عنها. (٢) ظهر عليه الفتح العميم منذ حال الصبا، ونبغ في أصناف العلوم، من شيوخه أبو عبد الله القادري، ومحمد بن عبد السلام الفاسي، وعبد الرحمن حسين وعبد الكريم اليازغي، ومحمد بناني، واختص بزين العابدين العراقي، وتلقى الذكر عن مولاي إدريس بن علال الدباغ. حج مرتين والتقى بجملة شيوخ المشرق في عصره. خلف تآليف متعددة منها «ذوق البداية ولمحة النهاية» وشرح على فصوص ابن العربي، وشرح على مسند السلطان سيدي محمد بن عبد الله. وله شرح على الصلاة -

стр. 14

وأما الزوايا القديمة فهي تنقسم إلى مجموعتين : ترجع المجموعة الأولى إلى نفس التاريخ تقريبا، بل يمكننا أن نرجعها جميعا إلى نفس المؤسس وهو الشيخ أبو المحاسن يوسف الفاسي. وتضم هذه المجموعة ثلاث زوايا : الأولى : بحي المخفية من عدوة الأندلس بفاس. وقد باشر تأسيسها أبو المحاسن بنفسه في حدود سنة ٩٨٩ هـ. والثانية : بحي القطانين بمدينة الكبير لا نعرف تاريخ تأسيسها على وجه التحديد وإن كنا نعلم أن تاريخ تأسيسها مقارب لتاريخ تأسيس الزاوية السابقة، وأن المباشر لتأسيسها هو سيدي علي بن أبي المحاسن بأمر من والده. وتعرف اليوم باسم ولده سيدي محمد أبي عسرية لأن مدفنه بها. والثالثة : بحي العيون بتطوان أسست بأمر من أبي المحاسن أيضا سنة ١٠٠٣ هـ. وتضم المجموعة الثانية ثلاث زوايا بنفس المدن الثلاثة المذكورة، في مواقع قريبة من مواقع الزوايا الثلاثة السابقة. وترجع جميعها إلى فترة واحدة لاحقة لتاريخ المجموعة الأولى، وإن لم يكن يفصلها عن المجموعة الأولى إلا بضعة عقود : _________ - المشيشية. ولعل أهم مخلفاته تصليته على رسول الله صلى الله وسلم عليه وعلى آله، والتي مطلعها : «اللهم صل بكمال سعتك في إطلاقك. . .» ولينظر ما ترجم له به السلطان مولاي سليمان في عناية أولي المجد : ص ٦٩. والدراسة التي قام بها الزعيم علال الفاسي في كتابه «التصوف الإسلامي في المغرب» : ص ٥٥ وما بعدها.

стр. 15

الأولى: بفاس وقد أسسها الأخ الأصغر لأبي المحاسن وهو الشيخ عبد الرحمن العارف، ولكنها اشتهرت باسم حفيد أخيه سيدي عبد القادر بن علي بن أبي المحاسن. والثانية: بالقصر وتعرف باسم سيدي أحمد بن أحمد بن أبي المحاسن (١٠٢١ - ١٠٩٤ هـ). والثالثة: بتطوان أسسها سيدي عبد العزيز بن علي بن أبي المحاسن (٩٩٩ - ١٠٨٩ هـ). رابعا: ملامح من أحوال مشايخ الزوايا الفاسية: كان مشايخ الزوايا الفاسية انطلاقا من شيخ مشايخها سيدي عبد الرحمن المجذوب «ملامتيون» أي أنهم يعتنون بإصلاح الباطن ويتسترون على أحوال القلب. بحيث لا يظهر الملامتي للناس من الأحوال الخاصة شيء بل إن من سلوك بعض الملامتية التستر على الأحوال بإظهار ما يخالفها. وينبني سلوك الملامتية على أصلين هما: مجانبة الرياء، وتطلب الخمول. جاء في ترجمة سيدي عبد الرحمن المجذوب أنه كان: «. . . كثير الفرار واللجوء إلى الله، شديد الميل إلى الانفراد به عما سواه. مبالغا في كتم الأسرار، مولعا بخمول الذكر وعدم الاشتهار، ويقول: الخمول كله نعمة ... والنفوس كلها تأباه والظهور كله نقمة ... والنفوس كلها تهواه» (١) _________ (١) ابتهاج القلوب بأخبار الشيخ أبي المحاسن وشيخه المحذوب لأبي زيد عبد الرحمن -

стр. 16

وكان مشايخ الزاوية الفاسية في عمومهم جماليون يأخذون الناس من باب سعة الرحمة، ويذيعون مبشرات قبول التوبة، ويدخلون الحضرة من باب المحبة؛ ولكنهم يستعملون الخشية لاتقاء الخيبة، ويركبون نجائب الخائفين لاتقاء هول يوم الدين. ويسمعون مقطعات الأشعار لترقيق الطبع وتجيب الخير؛ ولكنهم لا يأذنون باستماع الأشعار إلا بعد استيفاء كل لورده من القرآن وحزبه من الأذكار (١). وينبني سلوك الجمالية على أصلين هما: التبشير من غير تنفير، والتيسير من غير تعسير. خامسا: ملامح من سلوك مشايخ الزاوية الفاسية: قال الشيخ أبو المحاسن مؤسس الزاوية الفاسية الأولى: «رتب الأئمة الوظائف والأحزاب لما قصرت المقاصد، وذهبت المشارب والموارد. ولو كانوا على القدم الأولى من سلامة الدين، والرسوخ في اليقين، لم تر لهم أورادا موظفة، وأحزابا مكلفة. هذا هو الأصل» (٢). وكذلك كان الشيخ عبد القادر: قال ولده الحافظ عبد الرحمن في أثناء ترجمته: «. . . ومتابعته للسنة في الأقوال والأفعال والأحوال إلى الغاية، وكثرة صلاته على النبي ﷺ ، وأمره _________ - الفاسي: ص ٢٣ مخطوط الخزانة العامة برقم: ٢٣٠٢ ك. (١) قال سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر (تحفة الأكابر: ٢/ ٣٢١) يحكي عن الزاوية الفاسية في عهد والده، وعن نشاط أصحابه بها: «. . . ولا يستعملون شيئا من السماع حتى يقدموا قبله قراءة قرآن أو بعده أو فيهما». (٢) تحفة الأكابر: ١/ ٤٨.

стр. 17

بها، مما يحقق أن طريقته محمدية، إلا أنه كان لا يتقيد بورد معين إلا ما عينته آداب السنة، والعمل على المحبة، وكثرة تلاوة القرآن بالحضور مع الحق والغيبة عما سواه (. . .) وعدم التميز بشيء زائد على الفرض والسنة المعتادة» (١). وقال الشيخ أبو العباس أحمد بن يعقوب الولالي في كتابه «مباحث الأنوار في أخبار بعض الأخيار» عن الشيخ عبد القادر أيضا: «لم يقبل تلقين الذكر على عادة مشايخ الفقراء، إلا أن يكون ذلك على وجه الرواية» (٢). سادسا: المدرسة العلمية بزاوية الشيخ عبد القادر الفاسي: كانت مجالس العلم بالزاوية حافلة تستغرق أغلب أوقات أصحابها. ويمكننا أن نلحظ أهم السمات لهذه المدرسة العلمية من خلال ثلاث مميزات: أولا: كانت المعارف التي تلقن بالزاوية في غاية الكثرة والتنوع. والبرنامج التعليمي المنظوم الذي يوجد بين أيدينا من ذلك العهد يثير الدهشة فعلا. وهو كتاب ضخم يسمى ب «الأقنوم» من نظم الحافظ أبي زيد عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي. ويشتمل على أربعة عشر ومائة علم (٣). _________ (١) تحفة الأكابر: ١/ ٨٢. (٢) عن كتاب «ناطح صخرة» ص ٩٨ عن مخطوط الكتاب المذكور. (٣) عددت في نسختي الخاصة من هذا الكتاب قريبا من سبعة عشر ألف بيت.

стр. 18

ثانيا: أن المدرسة العلمية للزاوية قد امتد أثرها العلمي في عصرها إلى سائر أنحاء المغرب. قال القادري: «قلما تجد عالما أو متعلما بإفريقية والمغرب إلا من تلامذته [أي الشيخ عبد القادر الفاسي]، أو من تلامذتهم، أو يروم التمسك في الانتساب إليه بأي وجه أمكنه» (١). ثالثا: العناية الخاصة بالسنة المشرفة وعلومها قال أبو محمد عبد السلام ابن الخياط القادري في معرض الترجمة للشيخ عبد القادر الفاسي: «. . . اعتنى [يعني الشيخ عبد القادر الفاسي] بتدريس علوم الحديث، والمغازي والسير، فإن أهل فاس كانوا اشتغلوا بطلب علم الفقه والعلوم العقلية وتركوا علوم الحديث، فاعتنى المترجم بها حتى أحياها» (٢). الثالثة: الأسرة الفاسية: نسب هذه الأسرة «فهري» باتفاق النسابين والمؤرخين في المغرب والأندلس. يقول في ذلك الملك المغربي العلامة مولاي سليمان العلوي (ت ١٢٣٨ هـ): «. . . ولم يزل وصفهم الذاتي من النسب إلى فهر ملازما لهم فيما استوطنوه بالعدوة [يعني المغرب الأقصى] من حاضرة فاس والقصر، يحوزونه بما تحاز به الأنساب، في السؤال والجواب، والكتابة والخطاب؛ والرسوم والظواهر، والكراسي والمنابر؛ حتى تواتر فيهم هنا [يعني بالمغرب] تواتره في أسلافهم هناك [يعني بالأندلس]» (٣). _________ (١) نشر المثاني: ٢/ ٢٧١. (٢) عن فهرس الفهارس للشيخ عبد الحي الكتاني: ٢/ ٧٦٧. (٣) عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي ابن الجد: ص: ٦. وقال النسابة الشريف مولاي -

стр. 19

وقد عرفوا في الأندلس بلقب «ابن الجد» مع النسبة الفهرية. قال المقري (ت ١٠٤١ هـ) : «وفي الأندلس (. . .) كثير من قريش المعروفون بالفهريين من بني محارب بن فهر، وهم من قريش الظواهر، ومنهم عبد الملك بن قطن سلطان الأندلس، ومن ولده بنو القاسم الأمراء الفضلاء، وبنو الجد الأعيان العلماء» (١). وقد انتقل عبد الرحمن وأحمد ابنا أبي بكر ابن الجد الملقب ب «الحفيد» عن مالقة بالأندلس في حدود سنة ثمانين وثمانمائة بسبب الفتنة الناشئة بها (٢). واستقرا بمدينة فاس. وأبو الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المذكور هو أول من لقب ب «الفاسي» من هذه الأسرة : كان يتردد من فاس إلى مدينة القصر الكبير بقصد التجارة، ثم تزوج بالقصر واستوطنه. فعرف هناك لقدومه من مدينة فاس بلقب «الفاسي» (٣). وقد اشتهرت أسرته في المغرب بهذا اللقب إلى _________ = إدريس الفضيلي : «. . . وأما نسبهم فإلى فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بلا خلاف» (الدرر البهية : ٢/ ٢٥٢). (١) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب : ١/ ٢٩٠ - ٢٩١. وقد وقع خلاف قديم في الفرع الذي ينتسب إليه بنو الجد من فروع فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. وليس هنا متسع لتفصيله. (٢) نشأت تلك الفتنة عن ثورة القائد القرسوطي، وكانت آخر النزاعات على الحكم بالأندلس، حيث سقطت مالقة بيد النصارى أواخر شعبان سنة ٨٩٢ هـ. ثم أجلي المسلمون عن غرناطة آخر معاقلهم بالأندلس بعد مالقة بخمس سنين. ولله الأمر من قبل ومن بعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (٣) عن «مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن»، للعلامة المجتهد أبي حامد محمد العربي الفاسي الفهري (ت ١٠٥٢ هـ) : ص ٢٠٢.

стр. 20

الآن، واكتفى رجالاتها به في توقيعاتهم غالبا استغناء بما اشتهر (١). وولد لمحمد بن أبي الحجاج يوسف (٩١٢ - ٩٧٤ هـ) بمدينة القصر أبو المحاسن يوسف (٩٣٧ - ١٠١٣ هـ) (٢) الذي انتقل إلى فاس وأسس بها زاويته، وبقي بها إلى حين وفاته، وانتشر منها علمه وأثره، وبها مدفنه. وهو الذي تشعبت منه فروع هذه الأسرة بالمغرب، فكان - رحمه الله تعالى - قعددها المبارك : نسبا، وعلما، وسلوكا. قال المولى سليمان : «هذا الشيخ هو قطب رحى بني الفاسي، وطود مجدهم الراسي، وبيت عددهم، وأصل مددهم» (٣). _________ (١) قال في مرآة المحاسن (ص ٢٠٢) : «. . . كما جرت كثيرا النسبة إلى الأوطان - كما ذكره المحدثون - قالوا : ولا سيما في المتأخرين. وهو نوع من أنواع علوم الحديث، وبه ختم ابن الصلاح ومن تبعه في الترتيب كتابه، وجعله الشراطي والسمعاني وغيرهما من مقاصد كتبهم. ولما وقعت المعرفة والشهرة بهذا [يعني بلقب الفاسي] تنوسي ما كان قبله، لأن المقصود إنما هو ما يحصل به التعارف». (٢) خصصت لترجمته مؤلفات منها : «مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن» المذكور في هامش سابق. وكتاب «ابتهاج القلوب بخبر الشيخ أبي المحاسن وشيخه المجذوب» لحفيد ولده أبي زيد عبد الرحمن بن عبد القادر بن علي، اعتنت بتحقيقه الباحثة حفيظة الدازي ضمن رسالة جامعية تحت إشراف الدكتور محمد حجي نوقشت بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالرباط خلال السنة الجامعية ١٩٩١ - ١٩٩٢ م. وكتاب «روضة المحاسن الزهية بمآثر أبي المحاسن البهية» لحفيد ولده أبي عيسى المهدي بن أحمد بن علي (ت ١١٠٩ هـ) واختصره في نحو كراستين بعنوان «الجواهر الصفية من المحاسن اليوسفية»، وله عدة نسخ خطية بمختلف الخزانات المغربية، وبيدي منها نسختان. (٣) عناية أولي المجد : ص.١٦.

стр. 21

والشيخ عبد القادر صاحب الخلاصة هو حفيده من ولده الفقيه العلامة الشيخ المربي سيدي علي (٩٦٠ - ١٠٣٠ هـ). وقد أعقب الشيخ عبد القادر ابنين عالمين جليلين حافظين هما : سيدي عبد الرحمن (١٠٤٠ - ١٠٩٦ هـ)، وشيخ الجماعة الحافظ سيدي محمد - بفتح الميم - (١٠٤٢ - ١١١٦ هـ). وأعقب سيدي محمد ثلاثة أبناء، هم : محمد الطيب وهو صاحب الشرح، وأبو مدين، وقد توفاهما الله تعالى في حياة والدهما عن غير عقب (١)، وأحمد ومنه جميع عقب الشيخ عبد القادر الموجودين اليوم (٢). ومنهم كاتب هذه الكلمات أصلح الله حاله. والمجال هنا ضيق عن ذكر أسماء علماء الأسرة الفاسية المتعاصرين في ذلك العهد، فبالأحرى عن التعريف بمكانتهم العلمية التي كان لها من غير شك أثر كبير على كل من المصنف والشارح. وأجتزئ من ذلك بطرف من الخاتمة التي كتبها السلطان مولاي سليمان في مؤلفه الذي كتبه للتعريف بأعلام هذه الأسرة. حيث قال : «فلله كم في هذا البيت من العلماء العاملين، وأولياء الله الصالحين! قد ساق (٣) الله بهم، منذ نزلوا _________ (١) يعني عن غير عقب ذكر، وإلا فقد خلف سيدي محمد الطيب بنتا اسمها «منانة» تزوجت وخلفت بنين وبنات، كما يعلم من رسم إراثتها، وهو بيدي. (٢) توفي مؤخرا آخر من بقي من ذرية سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر وهو سيدي عبد المالك عن غير عقب مطلقا. (٣) في المطبوع منها (سبق) بتوسط الباء، ولا يستقيم سياق الكلام بسببه، والمثبت من نسخة خطية خاصة منقولة عن خط المؤلف.

стр. 22

بهذه العدوة المغربية، ما كان لهم من الفضل في الجزيرة الأندلسية؛ بل زادوا مزية أخرى، بتكرير الولاية الكبرى؛ حتى انتشرت في الأولياء مناقبهم، وارتفعت بين العلماء مناصبهم. فمزيتهم في العلم والصلاح شائعة، وأحوالهم في الخيرات بين الناس ذائعة. منذ قدموا على فاس، وهم يبثون العلوم في صدور الناس؛ وذلك نحو ثلاثمائة سنة أو أكثر؛ والأول لمن بعده كالصبح إذا أسفر. فما منهم إلا من قرأ العلم فحققه، وأحكم قياسه وحرر طرقه؛ وعم الانتفاع به في العباد، وشاعت فضائله في البلاد. وقلما تجد في المغرب من أحد، عالما أو صالحا، إلا ومنهم صار له المدد؛ وعليهم عول في طريقه واعتمد» (١). _________ (١) عناية أولي المجد : ص.٨٠.

стр. 23

٢ - المصنف: الشيخ عبد القادر الفاسي الاثنين ٢ رمضان ١٠٠٧ هـ/٢٩ مارس ١٥٩٩ م الأربعاء ٨ رمضان ١٠٩١ هـ/٢ أكتوبر ١٦٨٠ م تقديم: إن التعريف بالشيخ عبد القادر هو صفحة من صفحات التعريف بدور علماء الإسلام في الزوايا الصوفية بأرض المغرب الأقصى في الحفاظ على توقد جذوة هذا الدين في النفوس، وتألق علوم الشريعة الغراء خلال أحلك الظروف وأشد النكبات. «ومن الجاري على الألسنة - وحكاه لي بعضهم عن شيخنا أورع أهل زمانه سيدي الكبير بن محمد السرغيني ﵁ قولهم: لولا ثلاثة لا نقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر لكثرة الفتن التي ظهرت فيه، وهم: سيدي محمد - فتحا - بن ناصر في درعة، وسيدي محمد بن أبي بكر الدلائي في الدلاء، وسيدي عبد القادر الفاسي بفاس» (١). وهؤلاء الثلاثة هم شيوخ الزوايا الناصرية والدلائية والفاسية، وهذا القول المتواتر على ألسنة أهل العلم، المعلوم على التحقيق لمن تدبر أحداث هذه الفترة من التاريخ، هو من قبيل التعيين لما أطلقت، والتفصيل لما أجملت. وكفى به شاهدا على ما ذكرت. _________ (١) نشر المثاني: ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥.

стр. 24

أ - الاسم والنسب واللقب والحلى: هو عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي الفهري ابن الجد. وقد تقدم الكلام عن هذه النسب وأصلها عند الحديث عن الأسرة الفاسية. يلقب ب «أبي محمد» رغم أن محمدا أصغر ولديه، وهي عادة جارية تتعلق بالاسم لا بالولد. ويكنى كثيرا على لسان مترجميه وغيرهم ب «أبي السعود» وأصل هذه الكنية من وضع ولده الحافظ أبي زيد عبد الرحمن، قال: «وإنما كنيته بأبي السعود لكثرة ما يميل إلى حال أبي السعود بن الشبل، وكثرة شبهه به في قوة أدبه مع ربه، وما شهد له الجمهور من مشايخه فمن دونهم به، من وفور العقل. وكان كلما نسب إلى شيء زهد فيه، وإذا ذكر له عن أحد تصرف أو نسبة حال أو مقام يقول له: قل له يأخذ حقي وحقه» (١). ويكنيه حفيده محمد الصغير بن عبد الرحمن ب «أبي البركات» (٢)، وهو واضح المناسبة لمن عرف كثرة بركات الشيخ عبد القادر. _________ (١) تحفة الأكابر: ١/ ٣٧. وابن الشبل هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن شبل المتوفى سنة ٤٧٤ هـ (عيون الأنباء: ١/ ٢٤٧، كشف الظنون: ١/ ٧٦٦). وهو من تلاميذ الشيخ عبد القادر الجيلاني. ووجه التشبيه بين حال ابن الشبل وحال الشيخ عبد القادر هو أمران: وفور العقل والحكمة، والزهد في المقامات العالية مع استحقاقها استغناء بالعبودية لله تعالى. وهذا من ذاك. (٢) هي كنية خاصة مطردة في فهرسته «المنح البادية» كما لاحظه محققها الدكتور سيدي محمد الصقلي الحسيني ص ١٠٩.

стр. 25

ويحلى ب «شيخ الجماعة»، وب «إمام الأئمة»، نظرا لأن الله تعالى قد نسأ في عمره، وبارك في علمه، حتى ألحق الأصاغر بالأكابر، فكان سائر علماء القطر المغربي من تلامذته بالتعلم أو بالإجازة. وقد تقدم قريبا كلام القادري في هذا الشأن. وقد صار الشيخ عبد القادر في العصور الموالية قعددا للإسناد في المغرب والمشرق على حد سواء. ويحلى أيضا ب «شيخ الإسلام»، وصاحب هذه الحلية في الدولة العثمانية هو متولي خطة الإفتاء. وأما في المغرب فلم تكن الفتوى ضمن الخطط المعتبرة في نطاق التراتيب الإدارية في أي عصر من العصور، وإنما ظلت الفتوى عملا تطوعيا. فلعل هذه الحلية إنما أطلقت على الشيخ عبد القادر تقليدا لما كان مصطلحا عليه بالنسبة للعثمانيين الذي كانوا في أدنى الحدود الشرقية من المغرب. ويزكي هذا ما كان لفتاوى الشيخ عبد القادر من الاعتبار عند حكام عصره على مختلف مستوياتهم من السلطان فمن دونه، كما في سائر الأوساط العلمية في عصره فما بعده. ويحلى ب «العارف بالله» كما في عدد لا أحصيه من المصنفات والوثائق. ويحلى ب «القطب» كما سنقف عليه في صدر نسخة خلاصة الأصول لا حقا، وكما في غيرها. وهي حلية ابتدأها بالنسبة للشيخ عبد القادر تلميذه الشيخ أبو سالم العياشي بنقل عن بعض أكابر الوقت، «وشاع ذلك في الألسنة ولهج به العموم والخصوص، ولم ينكر ذلك الشيخ ﵁» (١). _________ (١) تحفة الأكابر : ١/ ١٠٧.

стр. 26

ب - ولادته ونشأته ودراسته بالقصر الكبير: «ولد ﵁ بالقصر الكبير عند زوال يوم الاثنين ثاني رمضان سنة سبعة وألف. ونشأ في حجر والده مصونا عن عبث الصبيان، وعن لهو الأقران، ملازما لدار جده، وبها ولد وربي محفوفا بالتدريج الرحماني، والتوفيق الرباني» (١). وقد وهبه الله تعالى في طلب العلم استعدادات خاصة «. . . فيسر الله له القراءة والتعلم حتى كان يحفظ دون كثير قراءة. حدثنا من كان يقرأ معه في الصغر أنه كان ينظر في اللوح، ويحرك شفتيه من غير أن يسمع له صوت، ثم يعرض لوحه كما ينبغي» (٢). وقد كان الشيخ عبد القادر يوم غادر القصر الكبير إلى فاس لطلب العلم عن شيوخها ابن ثمانية عشر عاما آخذا بحظ وافر في عدد من العلوم. فقد ابتدأ على العادة بحفظ القرآن على يد معلمه «الرجل الصالح سيدي غانم السفياني» (٣). ويأتي في طليعة شيوخه بالقصر والده سيدي علي (٩٦٠ - ١٠٣٠ هـ)، وأخواه أحمد (٩٩٧ - ١٠٦٢ هـ) ومحمد - بالفتح - أبو عسرية (٩٩٥ - ١٠٤٨ هـ). ونجد في تحفة الأكابر من شيوخه بالقصر أيضا، _________ (١) نفسه: ١/ ٥٨. (٢) نفسه: ١/ ٧٩. (٣) تحفة الأكابر: ١/ ٥٨.

стр. 27

«الفقيه سيدي محمد أزيات، وسيدي محمد الرفاس، وسيدي عبد القوي» (١). ولم يأت في إجازته الإسناد من بينهم إلا عن والده في علمي الفقه والنحو (٢)، وعن أخيه أحمد في علم الحساب (٣). ويفيدنا ولده سيدي عبد الرحمن في تحفة الأكابر أنه «لازم القراءة على أخيه الفقيه الإمام أبي العباس أحمد مدة» (٤). ج - إجازاته العامة عن شيوخه الثلاثة: احتل مكان الصدارة من إجازة الشيخ عبد القادر ثلاثة من الشيوخ هم: عم أبيه أبو زيد عبد الرحمن بن محمد المشهور بالعارف بالله (٩٧٢ - ١٠٣٦ هـ) (٥)، والقاضي ابن أبي النعيم الغساني (٩٥٢ - _________ (١) نفسه: ص س. (٢) مخطوط الخزانة العامة من إجازة سيدي عبد القادر على التوالي: ص ٣٧ ثم ٥٣. ومن مصادر ترجمة والده سيدي علي: مرآة المحاسن: ص ٢١٠ وص.٢٨٩، تحفة الأكابر: ١/ ٦٠، صفوة من انتشر: ص ١٦٦، نشر المثاني: ١/ ١٣٩، التقاط الدرر: ص ٧٧، عناية أولي المجد: ص ٢٤، زهرة الآس: ٢/ ٧١. (٣) إجازة الشيخ عبد القادر: ص ٤٧. (٤) ١/ ٥٨. من مصادر ترجمته: عناية أولي المجد: ص ٣٢. (٥) من مصادر ترجمته: «أزهار البستان في أخبار الشيخ أبي محمد عبد الرحمن» لحفيده من ابنته فاطمة سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر (مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم: ٢٠٧٤ د. ابتهاج القلوب بخبر الشيخ أبي المحاسن وشيخه المجذوب لنفس المؤلف (تحقيق حفيظة الدازي). وممتع الأسماع: ص ١٩٠، ومرآة المحاسن: ص ٢٠٧. والصفوة: ص ٣٤، ونشر المثاني: ١/ ٢٦٦. والتقاط الدرر: ص ٨٥، وعناية أولي المجد: ص ٢٥.

стр. 28

١٠٣٢ هـ) (١)، وعمه أبو حامد محمد العربي بن أبي المحاسن (٩٨٨ - ١٠٥٢ هـ) (٢). وقد أجازه ثلاثتهم بسائر ما أجازهم به شيوخهم من حديث وتفسير وأصول ونحو وبيان وعقائد ولغة وشعر وأنساب وتعبير وعروض ومنطق وحساب وهندسة وتوقيت وطب وفرائض ورسم وتاريخ وكتب القوم من الصوفية. ويمكننا أن نعتبر إجازة الشيخ عبد القادر جمعا بين برامج شيوخ هؤلاء الأئمة الثلاث، بحيث يمكن أن تستنبط منها فهرسة لكل واحد منهم. ولا نعلم أن لأصل ذلك وجودا في غيرها مثلها أو أعلى منها سندا. إلا ما كان من شيوخ التصوف فقد ذكر سيدي محمد العربي شيوخه في ترجمته لنفسه بختام مرآة المحاسن. د - بقية شيوخه وما أخذه عن كل واحد منهم: يأتي في الدرجة اللاحقة لأولئك الثلاثة شيخه «الفقيه المشارك أبو _________ (١) من مصادر ترجمته مرآة المحاسن: ص ٢٢٣. نشر المثاني: ١/ ٢٥٤، والتقاط الدرر: ص ٨٠. والمنح البادية: ٢/ ١٥١ وشجرة النور الزكية:.٢٩٨. (٢) من مصادر ترجمته: ترجمته لنفسه في مرآة المحاسن: ص ١٥٩ إلى آخر الكتاب، صفوة من انتشر: ص ٧١، نشر المثاني: ٢/ ١٠، التقاط الدرر: ص ١١٤، مناقب الحضيكي: ٢/ ٢٢٦، عناية أولي المجد: ص ٢٩، الدرر البهية: ٢/ ٢٧٩، سلوة الأنفاس: ٢/ ٣١٣، تاريخ تطوان: ٢/ ٢٧٨، الأعلام: ٦/ ٢٦٥، تقديم تحقيق عقد الدرر في نظم نخبة الفكر له، للدكتور محمد بن عزوز، تقديم تحقيق مرآة المحاسن للدكتور سيدي حمزة الكتاني.

стр. 29

الحسن علي بن أبي القاسم ابن القاضي» (٩٩٩ - ١٠٨٢ هـ) (١) فقد أخذ عنه جملة من العلوم منها في علوم القرآن علم الرسم، والدرر اللوامع، والعشر لنافع (٢). ومنها العروض (٣) والحساب (٤). وأخذ عن شيخه «الفقيه المشارك النظار أبي محمد عبد الواحد بن أحمد ابن عاشر» (ت ١٠٤٠ هـ) (٥) الفقه (٦) والأصول (٧) كما أخذ عنه الشاطبية (٨). وأخذ عن «الفقيه المسن أبي عبد الله محمد بن أحمد الجنان الغرناطي المدجن» (٩٥٣ - ١٠٥٠ هـ) (٩) الفقه (١٠) والبيان (١١). _________ (١) تحفة الأكابر : ١/ ٥٩، ومن مصادر ترجمته : مرآة المحاسن : ص ٢٢١ وص.٢٢٣، وتحفة الأكابر : ١/ ٦٣، ونشر المثاني : ٢/ ١٩٤، والتقاط الدرر : ص ١٨٨، والمنح البادية : ٢/ ١٥٨. (٢) إجازة الشيخ عبد القادر : ص ٤٥. (٣) نفسها : ص ٤٦. (٤) نفسها : ص ٤٧. (٥) تحفة الأكابر : ١/ ٥٩، ومن مصادر ترجمته : تحفة الأكابر : ١/ ٦٤، والمنح البادية : ٢/ ١٥٢، ونشر المثاني : ١/ ٢٨٣، والتقاط الدرر : ص ٩١. (٦) إجازة الشيخ عبد القادر الفاسي : ص ٥٦. (٧) نفسها : ص ٣٧. (٨) نفسها : ص ٤٥. (٩) تحفة الأكابر : ١/ ٥٩، ومن مصادر ترجمته : تحفة الأكابر : ١/ ٦٣، والمنح البادية : ٢/ ١٥٢، ونشر المثاني : ١/ ٣٧٩، والتقاط الدرر : ص ١١١. (١٠) إجازة الشيخ عبد القادر الفاسي : ص ٥٩. (١١) نفسها : ص ٣٩.

стр. 30

وأخذ عن «الإمام الحافظ المفتي الخطيب أبي العباس أحمد بن محمد المقري التلمساني» (ت ١٠٤١ هـ) (١) الفقه (٢). وأخذ عن «إمام النحاة العلامة الدراك أبي الحسن بن الزبير السجلماسي» (٣) النحو (٤). وأخذ عن «الفقيه القاضي أبي الحسن علي بن محمد المري الشريف التلمساني» المنطق وغيره (٥). وقد جود القرآن على يد «الفقيه الأستاذ المقرئ أبي عبد الله محمد الخروبي» (٦) وأخذ العشر لنافع سماعا وتجويدا عن الفقيه الأستاذ أبي مهدي عيسى الشرقي، وعن الفقيه الأستاذ أبي عبد الله محمد بن أحمد السوسي (٧)، فضلا عن أخذها عن ابن القاضي، وأخذه الشاطبية عن ابن عاشر كما تقدم. _________ (١) تحفة الأكابر : ١/ ٥٨، ومن مصادر ترجمته : خلاصة الأثر : ١/ ٣٠٢، وتحفة الأكابر : ١/ ٦٣، والمنح البادية : ٢/ ١٥١، ونشر المثاني : ١/ ٢٩١، والتقاط الدرر : ص ٩٤. (٢) إجازة الشيخ عبد القادر الفاسي : ص ٥٥. (٣) تحفة الأكابر : ١/ ٥٩. ومن مصادر ترجمته : تحفة الأكابر : ١/ ٦٤، والمنح البادية : ٢/ ١٥٢، نشر المثاني : ١/ ٢٦٥، والتقاط الدرر : ص ٨٥،. وسلوة الأنفاس : ٣/ ٣١٣، وشجرة النور الزكية : ص ٢٩٩. (٤) إجازة الشيخ عبد القادر : ص ٣٧. (٥) تحفة الأكابر : ١/ ٥٩. وقد ترجم له : ١/ ٦٣. (٦) نفسه : ١/ ٥٩. (٧) تحفة الأكابر : ١/ ٥٩، وإجازة الشيخ عبد القادر : ص.٤٥.

стр. 31

ومن حاصل ما ذكر أنه أخذ الفقه على جماعة من الشيوخ ذكر في إجازته سبعة منهم هم: والده علي، وعم والده عبد الرحمن، وعمه محمد العربي، وابن أبي النعيم، وعبد الواحد ابن عاشر، وأحمد المقري، ومحمد الجنان الأندلسي. هـ - بقية أطوار حياته: كانت تنتظر الشيخ عبد القادر بعد التخرج مدرسة أخرى اختص بها، ومهمة أنيط بها، واقتضت منه أن يلازم فاس إلى أن توفي بها رحمة الله عليه. يقول ولده: «. . . فلما أكمل القراءة، طولب بالرجوع إلى وطنه، بعد كتب الإجازة عن شيخه ابن أبي النعيم، وأستاذه عم أبيه وذلك في جمادى الأولى سنة اثنين وثلاثين وألف. فقال له الشيخ [يعني سيدي عبد الرحمن العارف عم أبيه]: «لو كنت وحدك ما أطلقتك ولكن سر». فلما وصل بعث إليه بالفور يأتيه وحده. فاختص به، وكان يطالع معه سائر يومه، وربما يخرج ليلا بحسب ما يحدث له من حال فيبثه» (١). ثم «. . . قام مقامه بعده مدرسا في مكانه وإماما بزاويته» (٢). ورغم ما أقامه فيه شيخه على رأس الزاوية فإن الشيخ عبد القادر لم ينهض بدعوى المشيخة، بل صاحب سيدي محمد بن عبد الله معن _________ (١) تحفة الأكابر: ١/ ١١٤. ونصه: «. . . ويبتدئ البخاري بزاوية الشيخ سيدي محمد بن عبد الله في نصف جمادى الأولى كل عام، ويختمه آخر رمضان لليلة القدر». (٢) نفسه: ١/ ٧٠.

стр. 32

(ت ١٠٦٢ هـ) (١) رفيقه في الأخذ عن شيخهما على خير ما اجتمع عليه الأصحاب. ولم تتخلل حياة الشيخ عبد القادر أحداث ينبغي التنويه بها، ولم يتقلد منصبا ولا خطة (٢)، ولا خاض في شيء من أمور الدنيا بسبب. «كان الشيخ الإمام سيد محمد بن أبي بكر المجاطي يقول فيه : الشاب التائب، العالم الزاهد، من أول أمره. لا يبالي بإقبال الدنيا ولا بإدبارها، كلما أقبلت أعرض عنها مستوحشا من خطور غير الله تعالى بباله، صحيح المعاملة مع ربه، وهو يأتيه بها راغمة ويغنيه به عنها وعن أسبابها، ما تناول قط خطة، ولا بنى ولا غرس» (٣). وقد كان «. . . يقسم أوقاته على ثلاثة : إما صلاة، أو ذكر، أو تعليم علم» (٤). و «كان ديدن الشيخ في زمانه غالبا قراءة القرآن، فكان يقرؤه ليلا ونهارا قائما وقاعدا ومصليا. وكان ديدنه في آخر عمره التسبيح وتعليم العلم لا يفتر عن ذلك» (٥). ولم يثبت عنه أنه كان يتقاضى عن الوظائف التعليمية ما كان مخصصا لها من ريع الأحباس، قال سيدي محمد بن جعفر الكتاني الحسني : «كان _________ (١) كتب في ترجمته سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي كتابا خاصا توجد منه نسخ خطية متعددة إحداها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم : ٢٠٧٤ د. . (٢) تقدم هنا بأن الفتوى في المغرب لا تعد من الخطط، وإنما هي عمل تطوعي. (٣) تحفة الأكابر : ١/ ٩١. (٤) نفسه : ١/ ٨٩. (٥) نفسه : ١/ ١١٤.

стр. 33

زاهدا في الدنيا، معرضا عنها كل الإعراض. لا يأكل الأحباس، ولا يلتفت لما في أيدي الناس، بل كان يعرض عليه التجار العطايا الجزيلة، فلا يقبلها» (١). وقال أبو عبد الله محمد الصغير اليفرني : «. . . ولما دخل مولانا الرشيد فاس أفاض المال على علمائها وغمرهم بجزيل العطايا» (٢). وقد أرسل لسيدي عبد القادر في جملتهم بنصيب وافر فقال : «قولوا له يشغل نفسه بغيري، فالذي رزقني من المهد إلى أن ابيضت لحيتي هو يرزقني» (٣). أما كيف كان يتعيش مع الزهد في جميع ما ذكر، فقد «اتخذ نسخ كتب الحديث وما في معناه حرفة وعبادة، فنسخ نسخا عديدة من صحيحي البخاري ومسلم، ومن الشفا، والشمائل، والشهاب، ودلائل الخيرات، وسيرة ابن سيد الناس، وغير ذلك. وكان أكثر ما يكتب الصحيحين مع إدمان قراءتهما بزاويته» (٤). قال سيدي عبد الرحمن : «. . . فكانت حرفة الشيخ عبادة في عبادة في عبادة : كان يقصد نفع المسلمين، فيستعمل يده وجوارحه في ذلك تعبدا. مع ما في أثناء ذلك من الذكر، والصلاة على النبي ﷺ ، وما في تخليد ذلك كله في الكتاب، وإقامة النسخ المعتمدة، واكتساب الحلال، والجد _________ (١) سلوة الأنفاس فيمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس : ١/ ٣١٠. (٢) روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف : ص ٣٨. (٣) نشر المثاني : ٢/ ٢٧٥. (٤) تحفة الأكابر : ١/ ١١٤.

стр. 34

في القيام بمن عليه مؤونته، مع النية الصالحة» (١). وكان ينسخ ما يكتبه عن «كتب مسموعة مقروءة على الشيوخ الحفاظ مثل نسخة أبي عمران موسى بن سعادة المقروءة على الحافظ أبي علي الحسن بن محمد الصدفي بالنسبة إلى صحيح البخاري، ونسخة الحافظ ابن خير الأموي الفاسي المعتمدة بالمغرب والأندلس بالنسبة إلى صحيح مسلم. وكانت منتسخات الشيخ عبد القادر مفتتحة ومذيلة بعدة سماعات وإجازات ثابتة في الأصول مع المقابلة والتصحيح وتعداد ما عرف من الرواية» (٢). وأقدم فيما يلي نموذجا من إحدى نسخ صحيح البخاري بخط الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي. وقد ذكر في هذا النموذج أن الأصل المنتسخ منه هو نسخة ابن سعادة التي كتبها بخطه : _________ (١) تحفة الأكابر : ١/ ١١٦. (٢) ناطح صخرة : ص ٨٨.

стр. 35

و - من أخباره وأخلاقه: عايش الشيخ عبد القادر فترة تاريخية في غاية الاضطراب، وفتنا متعددة. كما عايش فجر الدولة العلوية والمخاض الذي صاحب استقرار حكمها. وما تسمح به النصوص التي بين أيدينا من تصوير مواقفه خلال ذلك كله يقدم لنا شخصية بارزة ومؤثرة، تتراوح بين الشدة واللين، ناضحة فيهما بالإحسان واليقين، والنصيحة للمسلمين. وقد جلب عليه جهره بالحق وتمسكه بالشريعة، في مرحلة من مراحل الفتنة (١) غاية الإساءة مع غاية الجهل، وبلغ ذلك حدا تعطلت من جرائه زاويته وأنشطتها. يقول ولده سيدي عبد الرحمن في هذا السياق: «. . . إلى أن أداهم الأمر أن يكثروا الضجيج وقت صلاته لكونه إماما بالناس، ويضربون الأبواب وقت إقرائه تشويشا وصرفا عنه، وهو لا يبالي. إلى أن آل الأمر إلى قطع التدريس، وضرر السامعين، وتعطيل المسجد» (٢). وقد ولت تلك الفتن، وعادت الزاوية إلى نشاطها عن قريب. وجنى الشيخ عبد القادر من صبره وحلمه خيرا، ومزيد تقدير. وكذلك كان حاله في عهد الاستقرار منذ بدايته لا تنقص جرأته على _________ (١) كان ذلك في الفترة الفاصلة بين وفاة سيدي عبد الرحمن العارف ووفاة سيدي عبد الله معن أي ما بين سنة ١٠٣٦ هـ وسنة ١٠٦٢ هـ بدليل رسالة سيدي محمد في الموضوع، وبدليل كونه منتصبا للإمامة والتدريس بالزاوية وقد كان ذلك بعد وفاة سيدي عبد الرحمن. (٢) تحفة الأكابر: ١/ ٩٨.

стр. 36

قول الحق (١) من أدبه وفقهه، ولا تنقص طاعته لولاة الأمر ولا توقيره لمناصبهم من طاعته لربه وامتثاله لأمره: ومن ذلك أن أهل فاس امتنعوا من السلطان مولاي رشيد بحيث لم يدخلهما إلا بحيلة دبرها سيدي أحمد بن الشيخ عبد الرحمن العارف (٢). ودخلها حين دخلها وبه غضب شديد على أهلها. وتعرض الشيخ لمولاي رشيد لا يراه الناس إلا منفذا فيهم وعيده ومنتقما منهم شر انتقام. فخاطبه الشيخ قائلا: «مالك وللمسلمين وضررهم؟! إنما هم مغلوبون، لا يملكون مع من احتوى عليهم شيئا. فأي عقوبة عليهم ولا اختيار لهم؟!» فقال مولاي رشيد: «رجعنا عما عقدنا عليه» (٣). ز - دروسه وتلاميذه: بكر الشيخ عبد القادر في الأخذ عن أكابر شيوخ عصره، واعتنى بتوثيق جميع مروياته، وتأخرت وفاته بالنسبة لجل أقرانه، فلا غرو أن يكون الإسناد عنه من أعلى وأضبط ما يوجد في عصره. وقد اتسعت دائرة مشاركته العلمية رواية ودراية فاعتنى بالأخذ من كل فن بطرف. وكان عناية أهل عصره منصبة على الفقه دون غيره لأنه كان طريقا لتقلد الوظائف، وتسنم المراتب. فلما نشطت الحركة العلمية _________ (١) تحفة الأكابر: ١/ ٩٣. (٢) لينظر التحقيق التاريخي الجيد في الواقعة ضمن كتاب «ناطح صخرة» ص ٤٣ وما بعدها. (٣) تحفة الأكابر: ١/ ١١١.

стр. 37

واحتيج إلى غيره من الفنون احتيج إلى ما عنده منها. قال الشيخ محمد بن القاسم جسوس : «. . . وكانت له القدم الراسخة في كل فن من الفنون سيما علم الفقه والتفسير والحديث وعلم المعرفة بالله تعالى المؤيد بالكتاب والسنة، وإليه كان المرجع فيه، وكان مواظبا على قراءة الحديث والتصوف. وكان إذا تكلم في علوم الرقائق والآداب يغشاه وأهل مجلسه من الحسن والنور والبهاء ما يشهد لتخلقه بتلك الأحوال. . .» (١). وقال تلميذه أبو العباس أحمد بن جلال : «كل من يحسن النحو بفاس، ويزعم أنه أخذه عن غير سيدي عبد القادر فهو كاذب» (٢). وقال في موضع آخر : «مارسنا العلماء فكان إذا أشكل علينا شيء في المحلي أو السعد، أتينا شيخنا أبا العباس بن عمران فسألناه، فيأخذ الكتاب من أيدينا، فيتأمله ويجيبنا. وإذا أتينا سيدي عبد القادر سألناه، فلا يأخذ كتابا ولا ينظر فيه، ويجيبنا على البديهة» (٣). ومن أجل ذلك كله، فلا جرم أن يكثر طلبته والمتخرجون على يديه، وأن يقصده العلماء فمن دونهم رغبة في إجازته والرواية عنه. ولا أجد في هذا المجال متنفسا لذكر تلاميذه ولا للتنويه بمكانتهم في العلم والفضل والدين. وقد كتب ولده الشيخ عبد الرحمن كتابا خاصا في _________ (١) تحفة الأكابر : ١/ ٨٦. (٢) شرح فقهية الشيخ عبد القادر الفاسي : ص ٤. (٣) نفسه : ١/ ٨٦.

стр. 38

الموضوع سماه «ابتهاج البصائر فيمن أخذ عن الشيخ عبد القادر». وجاء ذكر عدد منهم في استدعاءات إجازته. ومنها إجازته لعلماء المدينة المنورة على ساكنها أطيب الصلاة وأزكى التسليم وعلى آله وصحبه ومتبعيه، وهي المسماة «استنزال السكينة بتحديث أهل المدينة». ومنها إجازته للشيخ الإمام أبي علي الحسن اليوسي (١). ومنها إجازته للشيخ أبي سالم العياشي، ومن شملهم استدعاؤه من المغاربة والمشارقة. وفي ضمنها إجازة ولديه الإمام الحافظ أبي زيد عبد الرحمن، والإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد. وقد ورد ذكر عدد هام من تلاميذه في كتاب «ناطح صخرة» للشيخ محمد العابد الفاسي (٢). ح - آثار الشيخ عبد القادر: لم يشتغل الشيخ عبد القادر الفاسي بالكتابة إلا إذا تعينت الحاجة إليها؛ فقد كان من مذهبه أن في تآليف السابقين ما يغني، وهو مذهب كثير من العلماء. ولذلك فإن تآليف الشيخ عبد القادر على أربعة أقسام: أولا: ما قيده من كلام شيخه سيدي عبد الرحمن العارف، قال ولده: «. . . وأما تآليف شيخه سيدي عبد الرحمن فأكثرها جمعه هو من تقاييده، منها ما هو بحضرته وزيادته ونقصه، ومنها ما هو بعده. وفيها فوائد سببها بحث منه، واستجلاب للكلام على محالها من الشيخ، وخصوصا حاشيتي _________ (١) توجد نسخة خطية منها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ١٢٣٤ ك. (٢) وذلك في مواضع متعددة منه ولا سيما ص ١٥٧ وما بعدها.

стр. 39

البخاري (١) والصغرى، فإنه ربما قصد المواضع التي تحتاج إلى بحث أو كلام فسأل منه التقييد عليها ويجمعه لغيره في محله» (٢). ثانيا : ما كتبه بغرض تيسير بعض مبادئ العلوم، قال ولده : «. . . وأما التآليف فلم يكن يتصدى لوضعها اكتفاء بكثرة تآليف من قبله، وما يوجد من المنسوب له فإنما وضعه بطلب من متعلم يتعين عليه إرشاده أو يندب» (٣) وذلك مثل خلاصته في فقه العبادات التي كتبها بطلب من صاحبه الطبيب ابن أدراق (٤)، وخلاصة الأصول التي كتبها لولده عبد الرحمن، وهي التي نقدم اليوم لطبعها. ومنها ما لا نعلم طالب كتابته كخلاصته في العقيدة (٥)، وخلاصته _________ (١) طبعت حاشيته على البخاري بالمطبعة الحجرية بفاس. (٢) تحفة الأكابر : ١/ ٨٩. (٣) نفسه : ص س. (٤) كتبت عليها شروح متعددة منها شرح الشيخ محمد بن قاسم جسوس، وقد طبع بالمطبعة الحجرية بفاس طبعات متعددة، ومنها شرحان للأخوين أبو مدين بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي، وهو شرح وجيز، وأحمد وهو شرح متوسط، ومنها شرح عبد الكبير بن عبد الرحمن الفاسي وتوجد منه نسخة بمؤسسة علال الفاسي بخط مؤلفه تحت رقم : ١٥١٥ ع ٧١٢. (٥) طبعت بفاس طبعات متعددة مجردة، وطبعت بشرح الشيخ أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي، وقد ذكر لها الشيخ محمد العابد الفاسي شرحا آخر لولد المصنف سيدي عبد الرحمن «ناطح صخرة» ص ١٤٨. وتوجد منه نسخة خطية بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم : ٤٩٦. ذكرها الأستاذ الوزير محمد بن عبد الواحد الفاسي في مقاله بمجلة المناهل (ع.٣٥، السنة ١٣، ١٩٨٦، ص ٦٠) عن -

стр. 40

في علم الكلام (١)، وخلاصته في علم الجدل (٢)، ومنظومته في القلم الفاسي (٣). ثالثا : ما هو ملتقط من كلامه، وهذا ينطبق على مضامين فصول متعددة من كتاب ولده في مناقبه المسمى ب «تحفة الأكابر» وهو الذي أكثرنا النقل عنه هنا في ترجمته. ومن ذلك الفصول الخاصة بكلامه في تفسير آيات وأحاديث، وكلامه في تفسير كلام أهل الحقائق، وغيرها من فصول الكتاب. ومن ذلك أيضا تقريراته في أثناء تدريس بعض المصنفات كتقريراته على خلاصة ابن مالك وهو خاص بالمباحث الإنشائية (٤)، وكلامه على مواضع من التلخيص (٥). رابعا : أجوبته في مختلف العلوم، وفي النوازل الفقهية على الأخص. ومن أشهرها رسالته في الإمامة العظمى (٦)، ورسالته في مسألة من ملكية _________ = مؤلفات أبي زيد عبد الرحمن الفاسي. (١) نظمها ولد المصنف سيدي عبد الرحمن في خمسة وعشرين ومائة بيت. ذكرها الشيخ محمد العابد الفاسي وأتى بطليعتها في كتبه «ناطح صخرة» : ص ١٤٥. (٢) توجد منها نسخة بمؤسسة علال الفاسي تحت رقم : ١٣١٤ ع ٢٦٣. (٣) توجد منها نسخ كثيرة متداولة منها نسخة خزانة جامع القرويين بفاس رقم : ٢٨٢٥، وبيدي نسخة منها، وقد طبعت مع شرحها لأبي العباس أحمد بن العياشي سكيرج في المطبعة الحجرية بفاس. (٤) توجد منه نسخة بمؤسسة علال الفاسي برقم : ١٧٢٩ ع ٣٨٩. (٥) توجد منه نسخة بمؤسسة علال الفاسي برقم : ١٧٧٨ ع ٣٨٩. (٦) طبعت بالمطبعة الحجرية بفاس.
следующие страницы →