قول الحق (١) من أدبه وفقهه، ولا تنقص طاعته لولاة الأمر ولا توقيره لمناصبهم من طاعته لربه وامتثاله لأمره:
ومن ذلك أن أهل فاس امتنعوا من السلطان مولاي رشيد بحيث لم يدخلهما إلا بحيلة دبرها سيدي أحمد بن الشيخ عبد الرحمن العارف (٢).
ودخلها حين دخلها وبه غضب شديد على أهلها. وتعرض الشيخ لمولاي رشيد لا يراه الناس إلا منفذا فيهم وعيده ومنتقما منهم شر انتقام. فخاطبه الشيخ قائلا: «مالك وللمسلمين وضررهم؟! إنما هم مغلوبون، لا يملكون مع من احتوى عليهم شيئا. فأي عقوبة عليهم ولا اختيار لهم؟!» فقال مولاي رشيد: «رجعنا عما عقدنا عليه» (٣).
ز - دروسه وتلاميذه:
بكر الشيخ عبد القادر في الأخذ عن أكابر شيوخ عصره، واعتنى بتوثيق جميع مروياته، وتأخرت وفاته بالنسبة لجل أقرانه، فلا غرو أن يكون الإسناد عنه من أعلى وأضبط ما يوجد في عصره.
وقد اتسعت دائرة مشاركته العلمية رواية ودراية فاعتنى بالأخذ من كل فن بطرف. وكان عناية أهل عصره منصبة على الفقه دون غيره لأنه كان طريقا لتقلد الوظائف، وتسنم المراتب. فلما نشطت الحركة العلمية
_________
(١) تحفة الأكابر: ١/ ٩٣.
(٢) لينظر التحقيق التاريخي الجيد في الواقعة ضمن كتاب «ناطح صخرة» ص ٤٣ وما بعدها.
(٣) تحفة الأكابر: ١/ ١١١.
стр. 37
واحتيج إلى غيره من الفنون احتيج إلى ما عنده منها.
قال الشيخ محمد بن القاسم جسوس : «. . . وكانت له القدم الراسخة في كل فن من الفنون سيما علم الفقه والتفسير والحديث وعلم المعرفة بالله تعالى المؤيد بالكتاب والسنة، وإليه كان المرجع فيه، وكان مواظبا على قراءة الحديث والتصوف. وكان إذا تكلم في علوم الرقائق والآداب يغشاه وأهل مجلسه من الحسن والنور والبهاء ما يشهد لتخلقه بتلك الأحوال. . .» (١).
وقال تلميذه أبو العباس أحمد بن جلال : «كل من يحسن النحو بفاس، ويزعم أنه أخذه عن غير سيدي عبد القادر فهو كاذب» (٢). وقال في موضع آخر : «مارسنا العلماء فكان إذا أشكل علينا شيء في المحلي أو السعد، أتينا شيخنا أبا العباس بن عمران فسألناه، فيأخذ الكتاب من أيدينا، فيتأمله ويجيبنا. وإذا أتينا سيدي عبد القادر سألناه، فلا يأخذ كتابا ولا ينظر فيه، ويجيبنا على البديهة» (٣).
ومن أجل ذلك كله، فلا جرم أن يكثر طلبته والمتخرجون على يديه، وأن يقصده العلماء فمن دونهم رغبة في إجازته والرواية عنه.
ولا أجد في هذا المجال متنفسا لذكر تلاميذه ولا للتنويه بمكانتهم في العلم والفضل والدين. وقد كتب ولده الشيخ عبد الرحمن كتابا خاصا في
_________
(١) تحفة الأكابر : ١/ ٨٦.
(٢) شرح فقهية الشيخ عبد القادر الفاسي : ص ٤.
(٣) نفسه : ١/ ٨٦.
стр. 38
الموضوع سماه «ابتهاج البصائر فيمن أخذ عن الشيخ عبد القادر». وجاء ذكر عدد منهم في استدعاءات إجازته. ومنها إجازته لعلماء المدينة المنورة على ساكنها أطيب الصلاة وأزكى التسليم وعلى آله وصحبه ومتبعيه، وهي المسماة «استنزال السكينة بتحديث أهل المدينة». ومنها إجازته للشيخ الإمام أبي علي الحسن اليوسي (١). ومنها إجازته للشيخ أبي سالم العياشي، ومن شملهم استدعاؤه من المغاربة والمشارقة. وفي ضمنها إجازة ولديه الإمام الحافظ أبي زيد عبد الرحمن، والإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد.
وقد ورد ذكر عدد هام من تلاميذه في كتاب «ناطح صخرة» للشيخ محمد العابد الفاسي (٢).
ح - آثار الشيخ عبد القادر:
لم يشتغل الشيخ عبد القادر الفاسي بالكتابة إلا إذا تعينت الحاجة إليها؛ فقد كان من مذهبه أن في تآليف السابقين ما يغني، وهو مذهب كثير من العلماء. ولذلك فإن تآليف الشيخ عبد القادر على أربعة أقسام:
أولا: ما قيده من كلام شيخه سيدي عبد الرحمن العارف، قال ولده:
«. . . وأما تآليف شيخه سيدي عبد الرحمن فأكثرها جمعه هو من تقاييده، منها ما هو بحضرته وزيادته ونقصه، ومنها ما هو بعده. وفيها فوائد سببها بحث منه، واستجلاب للكلام على محالها من الشيخ، وخصوصا حاشيتي
_________
(١) توجد نسخة خطية منها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ١٢٣٤ ك.
(٢) وذلك في مواضع متعددة منه ولا سيما ص ١٥٧ وما بعدها.
стр. 39
البخاري (١) والصغرى، فإنه ربما قصد المواضع التي تحتاج إلى بحث أو كلام فسأل منه التقييد عليها ويجمعه لغيره في محله» (٢).
ثانيا : ما كتبه بغرض تيسير بعض مبادئ العلوم، قال ولده : «. . . وأما التآليف فلم يكن يتصدى لوضعها اكتفاء بكثرة تآليف من قبله، وما يوجد من المنسوب له فإنما وضعه بطلب من متعلم يتعين عليه إرشاده أو يندب» (٣) وذلك مثل خلاصته في فقه العبادات التي كتبها بطلب من صاحبه الطبيب ابن أدراق (٤)، وخلاصة الأصول التي كتبها لولده عبد الرحمن، وهي التي نقدم اليوم لطبعها. ومنها ما لا نعلم طالب كتابته كخلاصته في العقيدة (٥)، وخلاصته
_________
(١) طبعت حاشيته على البخاري بالمطبعة الحجرية بفاس.
(٢) تحفة الأكابر : ١/ ٨٩.
(٣) نفسه : ص س.
(٤) كتبت عليها شروح متعددة منها شرح الشيخ محمد بن قاسم جسوس، وقد طبع بالمطبعة الحجرية بفاس طبعات متعددة، ومنها شرحان للأخوين أبو مدين بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي، وهو شرح وجيز، وأحمد وهو شرح متوسط، ومنها شرح عبد الكبير بن عبد الرحمن الفاسي وتوجد منه نسخة بمؤسسة علال الفاسي بخط مؤلفه تحت رقم : ١٥١٥ ع ٧١٢.
(٥) طبعت بفاس طبعات متعددة مجردة، وطبعت بشرح الشيخ أبي القاسم بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي، وقد ذكر لها الشيخ محمد العابد الفاسي شرحا آخر لولد المصنف سيدي عبد الرحمن «ناطح صخرة» ص ١٤٨. وتوجد منه نسخة خطية بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم : ٤٩٦. ذكرها الأستاذ الوزير محمد بن عبد الواحد الفاسي في مقاله بمجلة المناهل (ع.٣٥، السنة ١٣، ١٩٨٦، ص ٦٠) عن -
стр. 40
في علم الكلام (١)، وخلاصته في علم الجدل (٢)، ومنظومته في القلم الفاسي (٣).
ثالثا : ما هو ملتقط من كلامه، وهذا ينطبق على مضامين فصول متعددة من كتاب ولده في مناقبه المسمى ب «تحفة الأكابر» وهو الذي أكثرنا النقل عنه هنا في ترجمته. ومن ذلك الفصول الخاصة بكلامه في تفسير آيات وأحاديث، وكلامه في تفسير كلام أهل الحقائق، وغيرها من فصول الكتاب. ومن ذلك أيضا تقريراته في أثناء تدريس بعض المصنفات كتقريراته على خلاصة ابن مالك وهو خاص بالمباحث الإنشائية (٤)، وكلامه على مواضع من التلخيص (٥).
رابعا : أجوبته في مختلف العلوم، وفي النوازل الفقهية على الأخص.
ومن أشهرها رسالته في الإمامة العظمى (٦)، ورسالته في مسألة من ملكية
_________
= مؤلفات أبي زيد عبد الرحمن الفاسي.
(١) نظمها ولد المصنف سيدي عبد الرحمن في خمسة وعشرين ومائة بيت. ذكرها الشيخ محمد العابد الفاسي وأتى بطليعتها في كتبه «ناطح صخرة» : ص ١٤٥.
(٢) توجد منها نسخة بمؤسسة علال الفاسي تحت رقم : ١٣١٤ ع ٢٦٣.
(٣) توجد منها نسخ كثيرة متداولة منها نسخة خزانة جامع القرويين بفاس رقم : ٢٨٢٥، وبيدي نسخة منها، وقد طبعت مع شرحها لأبي العباس أحمد بن العياشي سكيرج في المطبعة الحجرية بفاس.
(٤) توجد منه نسخة بمؤسسة علال الفاسي برقم : ١٧٢٩ ع ٣٨٩.
(٥) توجد منه نسخة بمؤسسة علال الفاسي برقم : ١٧٧٨ ع ٣٨٩.
(٦) طبعت بالمطبعة الحجرية بفاس.
стр. 41
المياه (١)، ومنها الأجوبة الستينية التي أجاب فيها عن ثلاث وستين مسألة من وضع الفقيه الخطيب العلامة أبي فارس عبد العزيز بن الشيخ أبي الطيب الزياتي وهي التي تعرف بالأجوبة الصغرى. ومنها أجوبته الكبرى التي جاءت في غالبها جوابا عن أسئلة أهل عصره في مختلف النوازل ومن بينها مجموعة كبيرة من الأسئلة في مواضيع علمية متنوعة وجهها إليه علماء عصره (٢).
ظ - وفاته وكرامته:
وقد «توفي ﵁» بعد أذان الظهر من يوم الأربعاء ثامن رمضان سنة إحدى وتسعين وألف، ودفن بزاويته بموضعه الذي كان يدرس فيه بوصية منه في حياته» (٣). ودام الازدحام على جنازته أياما لكثرة من قصدها من الخلق قبل دفنه وبعده (٤).
واستمع الجم الغفير لقراءة الشيخ القرآن في قبره حتى خشيت من
_________
(١) اسمها: «نتيجة المقدمات المحمودة في الرد على زاعم ملكية وادي مصمودة» وتوجد منها نسخ متعددة منها نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم: ١٢٠٢ ك، ونسخة الخزانة الناصرية بتمكروت رقم ٢٥٧٢، ومنها ثلاث نسخ بمؤسسة علال الفاسي برقم: ١٤٥٢ ع ٧٥٤، ورقم: ١٦١٤ ع ٢٥٧، ورقم: ١٦١٥ ع ٧٦٥، ومنها نسخة الخزانة الأحمدية بفاس.
(٢) طبعت المجموعتان ضمن مجلد واحد الأجوبة الكبرى في الصلب والصغرى بالهامش بالمطبعة الحجرية بفاس.
(٣) تحفة الأكابر: ٢/ ٣٠٥.
(٤) نفسه: ٢/ ٣١٢.
стр. 42
ذلك الفتنة. وتدبروا الأمر بإشارة من ولده سيدي عبد الرحمن، فاجتمعت منهم جماعة هدأة من الليل عند قبره وأخذوا يقرؤون القرآن جهرا من المصاحف حتى سكنت قراءته (١).
_________
(١) تحفة الأكابر : ٢/ ٣١٣. وقد ذكرت للشيخ كرامات متعددة لا يسع المجال لذكرها ولا للتعليق عليها، وكتاب تحفة الأكابر زاخر بذكرها، وإنما ذكرت هذه الكرامة خاصة لتواترها كتابة ومشافهة على ألسنة أهل فاس إلى اليوم.
стр. 43
٣ - الشيخ محمد الطيب الفاسي:
حياته ومكانته:
هو أبو عبد الله محمد الطيب بن محمد بن عبد القادر الفاسي.
اختلف في سنة ولادته فذكر أنها كانت سنة أربع وستين وألف، وذكر أنها كانت سنة ثمان وستين وألف أي أربع سنوات بعد ذلك (١).
والمرجح هو الأول نقلا عن نشر المثاني لأنه قال في علاقة الشيخ محمد الطيب بجده «. . . فقد أدركه بالسن نحو خمس وعشرين سنة» (٢). فإذا علمنا أن وفاة الشيخ عبد القادر كانت في رمضان سنة واحد وتسعين وألف فإن الحاصل من ذلك ما رجحناه.
وقد كان والده يؤمل أن يكون خليفته من بعده، بل إنه قد أقامه بالزاوية مقامه في حياته. ولكن قدر الله تعالى أن يكون الوالد هو الذي يخلف ولده، فقد توفي سيدي محمد الطيب ليلة الخميس تاسع عشر ربيع الثاني سنة ثلاث عشرة ومائة، ودفن بصدر زاوية جده الشيخ عبد القادر.
وخرج والده بسبب ذلك من عزلته وعاد لمكانه في زاويته.
وقد نشأ سيدي محمد الطيب بزاوية جده، وكان من ملحقاتها كتاب لتحفيظ القرآن تلقى به تعليمه الأولي في جملة أقرانه. حيث «جود القرآن
_________
(١) عناية أولي المجد: ص ٤٦.
(٢) نشر المثاني: ٢/ ٨٧.
стр. 44
تجويد أهل الضبط والإتقان» (١).
ثم أكب على الدراسة والتحصيل، وتلقى عن شيوخ العصر بزاوية جده وبجامع القرويين مختلف العلوم. ولا يمكنني أن أفصل ذكر شيوخه الذين أخذ عنهم قبل العثور على فهرسته الخاصة المنظومة التي تأتي الإشارة إليها ضمن آثاره، ولكنني أذكر شيوخه الذين اقتصر على ذكرهم مترجموه، وهم : جده الشيخ عبد القادر. ووالده شيخ الجماعة الفقيه العلامة الحافظ سيد محمد - بالفتح - (١٠٤٢ - ١١١٦ هـ) (٢)، وعمه الفقيه العلامة الحافظ الموسوعي أبو زيد عبد الرحمن (١٠٤٠ - ١٠٩٦ هـ) (٣)، وابن عم والده الفقيه العلامة العارف أبو عبد الله محمد المهدي بن أحمد بن علي بن يوسف الفاسي (١٠٣٣ - ١١٠٩ هـ) (٤)، والفقيه العلامة
_________
(١) عناية أولي المجد : ص ٤٦.
(٢) من مصادر ترجمته : المنح البادية : ٢/ ١٥٣، ابتهاج القلوب : ص ٣٣٣، وصفوة من انتشر : ص ٢١٥، ونشر المثاني : ٣/ ١٥١، التقاط الدرر : ص ٢٩٢، عناية أولي المجد : ص.٤٨، سلوة الأنفاس : ١/ ٣١٦.
(٣) من مصادر ترجمته : المنح البادية لولده محمد الصغير : ٢/ ١٥٧، وصفوة من انتشر : ص ٢٠٢، ونشر المثاني : ٢/ ٨٨، وعناية أولي المجد : ص ٤٣، وسلوة الأنفاس : ١/ ٣١٦. ومن المؤلفات الحديثة في ترجمته مؤرخو الشرفا : ص ١٨٧، النبوغ المغربي : ص ٢٨٥، الحياة الأدبية بالمغرب على عهد الدولة العلوية : ص ١١٤، ومقال : العالم الموسوعي أبو زيد عبد الرحمن الفاسي للأستاذ الوزير محمد الفاسي : مجلة المناهل، العدد ٣٥. ومقدمة المحقق لكتابه تحفة الأكابر الحسن الويشمي مع الملحق الخاص بمؤلفات الشيخ عبد الرحمن بآخر التحقيق.
(٤) من مصادر ترجمته : كتاب «جلاء القلب القاسي بمحاسن سيدي المهدي الفاسي» لأحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني. نشر المثاني : ٢/ ٨٠، والتقاط الدرر : ص -
стр. 45
المحدث الرحالة أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي (١٠٣٧ - ١٠٩٠ هـ) (١).
وقد نبغ الشيخ محمد الطيب في أقرب مدة، حتى لقد نال مكانة سامية بين العلماء في حياة شيوخه، وتصدر - كما ذكرنا - زاوية جده في حياة والده وغيره من علماء أسرته.
قال القادري : «وكان له درس حفيل في التفسير والحديث والفقه، قام فيه مقام أبيه مدة» (٢) من سبع سنين إلى حين وفاته. وقد ذكر السلطان مولاي سليمان دروس الشيخ محمد الطيب بما يقرب من ذلك، فقال في تعداد خصاله : «. . . وحسن التعبير في الإلقاء، والجمع بين البراعة والتحقيق في التدريس والتأليف والإفتاء» (٣).
ونوه مترجموه بمكانته العلمية ومن ذلك قول القادري في نشر المثاني :
«كان صاحب الترجمة علامة حافظا متقنا» (٤). وقال في التقاط الدرر : «من
_________
= والصفوة : ص ٢١١، وعناية أولي المجد : ص ٤٤، وسلوة الأنفاس : ٢/ ٣١٦، ومن المحدثين مؤرخو الشرفا : ص ١٩٢، وشجرة النور الزكية : ص ٣٢٨.
(١) من مصادر ترجمته : كتاب «الثغر الباسم في جملة من كلام أبي سالم» لأبي عبد الله محمد بن حمزة العياشي، مخطوط الخزانة العامة برقم : ٣٠٤ ك، وفهرسته : مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم : ٥٨٣ ك، ورحلته «ماء الموائد» وقد طبعت على الحجر بفاس، ثم أعيد طبعها بالأوفست، وقدم تحقيقها رسالة لنيل الدكتوراه بكلية الآداب بفاس. والمنح البادية : ٢/ ١٦٢، ونشر المثاني : ٢/ ٢٥٤، والتقاط الدرر : ٢٦٠.
(٢) التقاط الدرر : ص ٢٨٢.
(٣) عناية أولي المجد : ص ٤٦.
(٤) ٢/ ٨٧.
стр. 46
أعاجيب الزمان في التحقيق والإتقان والمشاركة وتحرير النوازل» (١). وقال المولى سليمان : «صار رأس المحققين، وقدوة المدققين، علامة حافظا، متبحرا، متقنا ماهرا في العربية، متضلعا بالفقه، والحديث، والأصول، والبيان، والمنطق، والتصوف، بصيرا بالتاريخ، وملح النوادر، مع الإقدام في حل المشكلات، وفهم المعضلات» (٢)
وقد تلقى عنه في مدة تدريسه عدد من العلماء الأعلام منهم أبو محمد عبد السلام بن الطيب القادري الحسني (١٠٥٨ - ١١١٠ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي (١٠٥٨ - ١١٣٤ هـ)، وأبو العباس أحمد بن العربي ابن سليمان الأندلسي (ت ١١٤١ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بناني (ت ١١٦٣ هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي (١٠٩٣ - ١١٦٤ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس (١٠٨٩ - ١١٨٢ هـ).
وأما في حياته العامة بين الناس فقد «كان صدرا في الرأي، رحب الجانب في الوجاهة، محبوبا عند الخاصة والعامة، ذرب اللسان مع حسن التأدية» (٣).
وقد عرف بهذه الصفات وانتشر ذكره، حتى انتدب لمهمات جسيمة عرضت في عصره، ومن ذلك مسألة الحدود الشرقية للدولة المغربية. قال
_________
(١) عناية أولي المجد : ص ٤٦.
(٢) ص ٢٨٢.
(٣) عناية أولي المجد : ص ٤٦.
стр. 47
السلطان مولاي سليمان: «اختاره سلطان وقته أمير المؤمنين مولانا أبو النصر إسماعيل بن الشريف ﵁ للسفارة في عقد الصلح مع عظيم الأتراك، فسافر للجزائر حدود ثلاثة ومائة وألف، بعد وقعة المشارع، وكان في صحبة ابن السلطان المذكور وهو مولانا أبو مروان عبد الملك، والكاتب البارع الأرفع أبو عبد الله الوزير الغساني، وغيرهما من وجوه الدولة الإسماعيلية. فعاد عنه محمود العواقب، فائزا من الوطر بملء الحقائب» (١).
آثاره العلمية:
ينحصر ما وقفت عليه من آثاره فيما يلي:
أولا: شرحه لمقدمة جده في أصول الفقه الذي نقدم له هنا.
ثانيا: فهرسة شيوخ والده، وهي من أحسن الفهارس التي اطلعت عليها أسلوبا وإتقانا. قال في افتتاحها: «الله أستعين، وإياه أحمد، وهو القوي المعين، أحق من عليه يعتمد، وإلى جنابه المتين في اكتساب الملائم ودفع المؤلم يصمد، مجيز سائليه بأجزل عطائه، وواصل حبل من تعلق بأذيال أوليائه» (٢)، ثم قال: «. . . فلم يكن بد من أن أجمع هذه الفهرسة، المسماة ب «أسهل المقاصد، لحلية المشايخ ورفع الأساند، الواقعة في مرويات شيخنا الإمام الوالد» سالكا في ذلك سبيل الإنابة، لأسقط عنه فيها كلفة
_________
(١) عناية أولي المجد: ص ٤٧.
(٢) مخطوطة الخزانة العامة بالرباط من أسهل المقاصد رقم: ٢٨٤٣ د، ضمن مجموع: ص ٦٧.
стр. 48
الكتابة، متوسطا بين الإيجاز المخل، والإسهاب الممل، بعد مساعفته على هذه المنية، وإجابته للظفر بهذه البغية، وتعميمه الإجازة لمن ذكر في الاستدعاء وفق المرام، حسبما تحمله بأنواع التحمل عن مشايخه الأعلام، مصابيح الدنيا ومشايخ الإسلام. . .» (١).
ثالثا : فهرس منظوم في نحو مائتي بيت افتتحه بقوله :
يقول أفقر العباد الطيب ... نحل محمد الفاسي المذنب
ذكره الشيخ عبد السلام بن عبد القادر ابن سودة المري، في «دليل مؤرخ المغرب الأقصى» (٢)، ولم أقف عليه لحد الآن.
رابعا : رسالة في الجواب عن نازلة التحبيس على الأعقاب، يوجد بخط سيدي محمد الطيب ضمن محفوظات مؤسسة علال الفاسي برقم (١٤٢٠ ع ٤٣٢). كما تحتفظ المؤسسة بنسختين منه.
خامسا : أجوبة عن نوازل فقهية في نحو كراسة، أغلبها يتعلق بمسائل من العبادات، وهو أيضا من محفوظات مؤسسة علال الفاسي برقم (١٢٤٦ ع ٧٨٣).
سادسا : كتاب في وفيات أهل القرن الحادي عشر سماه «مطمح النظر، ومرسل العبر، بذكر من غبر، من أهل القرن الحادي عشر»، قال مولاي سليمان : «بلغ فيه إلى سنة ثلاث عشر، فختم ترجمة جده أبي
_________
(١) نفسه : ص ٧٦.
(٢) تحت رقم : ١٩٥٠، ٢/ ٤٢٥.
стр. 49
المحاسن يوسف بن محمد ﵁ ولم تتفق له زيادة عليه» (١). ومن الموافقات أنه توفي في حدود ما أنجز من وفيات الكتاب من المائة الموالية.
ولم أقف على هذا الكتاب، وقد ذكر الشيخ عبد السلام ابن سودة في دليل مؤرخ المغرب الأقصى (٢) أنه وقف على نسخة منه.
ومن المفيد أن أذكر هنا أن لابن أخت الشيخ محمد الطيب الشيخ عبد الله بن محمد الصغير بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي كتابا مقاربا في الاسم والموضوع وهو كتاب «الإعلام بمن غبر من أهل القرن الحادي عشر». فلعله أراد تحقيق «مطمح نظر» خاله في هذا الموضوع، وقد اشتبهت بعض القطع الموجودة منه بكتاب الشيخ محمد الطيب المذكور هنا (٣).
_________
(١) عناية أولي المجد : ص ٤٦.
(٢) ذكره تحت رقم : ١١٠١، ١/ ٢٧١.
(٣) مخطوط الخزانة الحسنية برقم : ١١٣٢٩، نقلا عن مقدمة الأستاذة فاطمة نافع لتحقيق كتاب الإعلام : ص ٣٦.
стр. 50
كلمة في التعريف بكتاب مفتاح الوصول
١ - ظاهرة التلخيص في العلوم الشرعية:
نبعت ظاهرة التلخيص في العلوم الشرعية تلبية لحاجة التدرج في التعليم، والتعاقب في التلقين. مع العلم بأن تلبية حاجات المتعلمين في هذا المضمار لا يفي به تلقين جزء دون جزء من أحد العلوم الشرعية، نظرا لترابط البناء المعرفي في كل علم منها؛ ولا يفي به تعلم علم دون علم من تلك العلوم نظرا للتكامل النسقي بين العلوم الشرعية. ولذلك فقد اعتنى العلماء بوضع مصنفاتهم في مختلف العلوم الشرعية ضمن أحجام متفاوتة متدرجة: صغير ووسط وكبير؛ أو صغير وكبير؛ من غير مس بالتصور العام للعلم.
ومن أجل الوفاء بالغرض الذي وضعت من أجله اكتفت تلك الخلاصات في الغالب باستيفاء أمرين:
أحدهما: التعريف بالمصطلحات الأساسية المتداولة في كل علم من العلوم الشرعية. فإن التعاريف المركزة، والمنسقة بحسب نسق المفاهيم في كل علم هي الطريقة الوحيدة التي تضمن ولوج عتبته، وتداول لغته، والتلقي عن أهله، والمذاكرة في كل شأن من شؤونه.
وثانيهما: ضبط القواعد الأولية في كل علم من العلوم الشرعية. فإن تحصيل المعطيات التي أسفرت عنها جهود العلماء، واجتهادات المجتهدين
стр. 51
بحسب استقراءاتهم واستنباطاتهم، وتحليلاتهم وتركيباتهم، ومناقشاتهم ومذاكراتهم، تقوم بضبطها قواعد العلم التي تنبني عليها الاستنباطات المتجددة، والجهود الموالية.
٢ - ملخصات أصول الفقه:
أما بالنسبة لعلم أصول الفقه، ونظرا لما حدث فيه من الاختلافات المنهجية والاصطلاحية، فإن الخلاصة كانت تكتفي بتسجيل اختيارات واضعها. وهذا شأن الورقات لإمام الحرمين، واللمع للشيرازي، والنبذ لابن حزم، والإشارات للباجي. ومختصر المنتهى السؤل لابن الحاجب.
ويلتحق بهذه الطائفة من المصنفات ملخصات العلماء لكتب غيرهم، ومن أقدمها تلخيص إمام الحرمين لكتاب التقريب والإرشاد للباقلاني، وتلخيصات المستصفى للغزالي، ومن أبرزها تلخيص ابن رشد الحفيد المالكي المعروف ب «الضروري في أصول الفقه»، وتلخيص ابن قدامة الحنبلي المعروف ب «روضة الناظر وجنة المناظر»، وتلخيص البزدوي الحنفي لأصول السرخسي، وتنقيحه لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي البخاري.
وهذه الطائفة من التلخيصات يظهر فيها أثر من تصرف صاحب التلخيص واختياراته، ويتعدد فيها منهج التلخيص بتعدد الملخصين.
وقد ظهر عند المتأخرين من الأصوليين الاتجاه الجامع للأقوال والاختيارات في متن الخلاصة، بحيث تطمح لأن تستوعب مجموعة من كتب ذلك الفن في عدد محدود من الصفحات، يكون بمثابة جرد
стр. 52
لمضامينها. وأوضح مثال على هذا الصنيع جمع الجوامع لابن السبكي.
ومنهم من تعدى مجرد الجمع إلى محاولة تجاوز الاختلاف الموجود بين المدرستين الأصوليتين الحنفية والشافعية كما هو الشأن بالنسبة لتحرير الكمال بن الهمام.
٣ - الخلاصة الحالية:
والخلاصة التي نقدمها اليوم كتبها الشيخ عبد القادر الفاسي لأكبر ولديه العلامة النابغة الحافظ عبد الرحمن عند شروعه في دراسة علم أصول الفقه. فقد أتت استجابة لحاجة تربوية خاصة لا يمكننا أن نستوعبها - مع فارق العصر - ما لم نطلع على ما كان متداولا من كتب الأصول، في برامج التعليم المتبعة يومئذ.
وقد رجعت في هذا الشأن لإجازة المصنف فألفيت ما ذكر فيها من إسناد المصنفات الأصولية لا يتجاوز جمع الجوامع، وشرحه للمحلي، وشرحه للعراقي، وحاشية ابن أبي شريف. ومختصر المنتهى لابن الحاجب (١). وذكر عند عرض أسانيده في علم البيان مؤلفات العضد والتفتازاني بما يفهم منه ضمنا أن الإسناد عام لشرحيهما على مختصر المنتهى لابن الحاجب (٢). وذكر مصنفات الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي. والفخر الرازي أبي إسحاق الشاطبي في أثناء عرضه لأسانيد علم
_________
(١) إجازة الشيخ عبد القادر الفاسي: مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم: ٢٨٤٣ د، ص ٣٦ - ٣٧.
(٢) نفسها: ص ٣٩ - ٤٠.
стр. 53
العقائد (١).
ولا أظن أن مختصري ابن السبكي وابن الحاجب من الكتب التي يمكن أن يقبل عليها المبتدئ في هذا العلم. ولا إخال أن هذا الأمر يخفى على مصنف الخلاصة الحالية الذي كان مشتغلا بتدريس العلوم الشرعية مدى حياته. وأعتقد أنه أراد بها وضع مقدمة تؤهل لولوج مدارج التحقيق في علم الأصول.
ويمكن للقارئ المتمرس بأصول الفقه عند المتأخرين من العلماء - على الأخص - أن يدرك من مطالعة هذه المقدمة التي وضعها الشيخ عبد القادر الفاسي ثلاثة أمور :
الأول : أنه عمل فيها على صياغة تلخيص يجمع بين مضامين مختصر المنتهى لابن الحاجب وجمع الجوامع لابن السبكي.
والثاني : أنه انتقى مادتها الأصولية بعناية، ثم جردها من عامة التعقيدات، والخلافيات.
والثالث : أنه تميز عن ابن السبكي وابن الحاجب بترتيبه الخاص لمضامين المباحث الأصولية. ومن أهم مميزات الترتيب الذي اعتمده مصنفها، الاعتناء بتقديم التعاريف للمصطلحات الأصولية الخاصة بكل باب. ثم ذكر أهم القواعد الأصولية المتعلقة بذلك الباب، وقد تعمدت إبراز صنيعه هذا في العناوين التي أدخلتها على الكتاب بعد أن كان خلوا منها.
_________
(١) نفسها : ص.٤١ - ٤٢.
стр. 54
وإذا قارنا بين هذه المقدمة الأصولية وبين غيرها من الخلاصات في نفس الموضوع فإننا نلاحظ:
أولا: أنها مقاربة في حجمها لورقات إمام الحرمين، ولب الأصول للشيخ زكريا الأنصاري.
ثانيا: أنها تتجاوز مضامين الورقات بإضافات متعددة، من أهمها الإلماع لأصول المذهب المالكي، واختيارات الأصوليين من أتباعه.
ثالثا: أنها تتجاوز لب الأصول، لأن صاحبه اقتصر في الغالب على تلخيص جمع الجوامع وتجريده من الخلافيات.
٤ - شرح الخلاصة:
وقد شرحت الخلاصة التي نقدمها اليوم شرحين:
أحدهما: شرح حفيد المصنف الشيخ محمد الطيب بن محمد الفاسي.
وهو الشرح الذي نقدمه اليوم.
وثانيهما: شرح كتبه الأديب الشهير الشاعر النابغة أبو عبد الله محمد بن قاسم ابن زاكور (ت ١١٢٠ هـ) في نحو الكراستين، قال الشيخ محمد العابد الفاسي ﵀: «وقفت عليها بخط المؤلف» (١).
والشرح الحالي ماض على نفس النهج الذي سلكته الخلاصة من تيسير المادة الأصولية، وترويض المبتدئين عليها. بحيث يمكننا أن نقسم مضمونه إلى قسمين:
_________
(١) «ناطح صخرة»: ص ١٤٨.
стр. 55
أحدهما : عمل تحليلي يفسر عبارات الخلاصة ويحلل تعريفاتها، ويبين مقاصدها، وبعض الوجوه من الخلاف الذي أشير إليه فيها من غير بيان.
وثانيهما : أنه عمل انتقائي لأنفع النصوص في كل باب من أبواب أصول الفقه. ولا يقتصر على المصنفات الأصولية، بل إنه يأتي ببعض النصوص من كتب الفقه والعقائد. ولكنه في غالبه من المقتطفات المختارة من الشروح والحواشي المذكورة في فهرسته مع بعض التحقيقات المفيدة.
وقد وقفت عند تحقيق نسبة نصوص الشرح على تصحيح كثير من الأخطاء في نسخ مخطوطة ومطبوعة من تلك المصادر، جاءت في الشرح الذي بين أيدينا على وجهها الصحيح. ووقفت بسبب ذلك أيضا على نقول متعددة لمقاطع من شرح المحلي على جمع الجوامع أو غيره لم يشر الشارح إلى مصدره فيها، ولم يكن ذلك مما يتحرج منه العلماء يومئذ.
وختاما فإنني أعتقد أن حفظ هذه الخلاصة، ودراستها مع هذا الشرح هو من أنفع ما يمكن أن يتعاطاه طلبة العلم في دراساتهم الأصولية. فإن ذلك يؤهلهم للإقبال على غيرها من النصوص الأصولية والفقهية على بصيرة بالقاعدة الاصطلاحية التي تنبني عليها، متسلحين بالقواعد الأصولية المقررة عند أهلها.
وقد كنت مدفوعا للاعتناء بتحقيقه منذ أول يوم بغرض الاستعانة به في تدريس هذه المادة. ومن أجل ذلك فقد اعتنيت غاية العناية بتصحيح نص الكتاب، وتيسير تناوله.
стр. 56
ثم وقفت على كلمة لشيخي ومجيزي سيدي محمد العابد الفاسي ﵀ عن هذه المقدمة الأصولية قال فيها : «. . . وحبذا لو طبعت هذه المقدمة، التي تشرح بطريقة مبسطة واضحة أصول الفقه، وتداولها الناس وخاصة منهم طلبة الجامعات» (١).
والله تعالى من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
_________
(١) كتاب «ناطح صخرة» : ص ١٤٨.
стр. 57
ورقة وصفية لعملية التحقيق
١ - النسخ المعتمدة في التحقيق:
وقفت على أربع نسخ من كتاب مفتاح الوصول، وعلى نسخة واحدة من الخلاصة مجردة عن الشرح:
أما نسخة الخلاصة فهي محفوظة بمؤسسة علال الفاسي بالرباط تحت رقم (٧٤٧)، عدد صفحاتها تسع صفحات. مكتوبة بخط مجوهر جميل.
وكتبت بخط الشيخ عبد الله بن محمد بن حمزة. وقد وضعت فيما يلي بالصفحة الموالية صورة من صفحتها الأولى.
стр. 58
وأما بالنسبة لمفتاح الوصول، فإنه يمكن تقسيم النسخ التي وقفت عليها - بحسب ما تبين من المتابعة الدقيقة أثناء عملية التحقيق - أنها تنقسم إلى أصلين وفرعين :
أما الأصل الأول فهو النسخة المحفوظة بمؤسسة علال الفاسي بالرباط، تحت رقم (٢٣١)، وقد تبين لي بعد إجراء المقابلة بين النسخ الأربع أنها أصح النسخ على الإطلاق. ولم يذكر فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ وإنما ذكر فيها تاريخ التأليف. وقدرت بناء على هذين الاعتبارين أنها بخط المؤلف.
وقد وفق الله تعالى إلى الحصول على صورة من كتاب «أسهل المقاصد» الذي كتبه الشيخ محمد الطيب في فهرسة شيوخ والده محفوظة بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم : (٢٨٤٣ د). ووجدت على الورقة الأخيرة من تلك النسخة نص الإجازة، وكتب بإزائها في الطرة ما يلي :
«من هنا خط طالب الإجازة سيدي محمد الطيب الفاسي وبعدها خط والده المجيز سيدي محمد رحم الله الجميع». وإذا بالخط المنسوب فيها لسيدي محمد الطيب هو نفس الخط الذي كتبت به نسخة مؤسسة علال الفاسي من مفتاح الوصول، فتبين بذلك أنها نسخة المؤلف، ولذلك فإنني اعتمدتها أصلا في عملية التحقيق.
وقد أثبت فيما يلي صورة للصفحة الأخيرة من هذه النسخة مع صورة من الصفحة التي تتضمن التعريف بخط سيدي محمد الطيب من أجل مقارنة الخط.
стр. 59
وعلى هذه النسخة طرر متعددة تبين لي أنها ليست من وضع الشارح، لأن صاحب الطرر يتحدث في أثنائها عن الشارح بصيغة الغائب، فيقول «هذا الشارح». وقد ضمنت ما تبينت لي فائدته من تلك الطرر في هوامش التحقيق هنا.
الصفحة ما قبل الأخيرة من كتاب أسهل المقاصد نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ٢٨٨٣ د وبهامشها التعريف بخط الشيخ محمد الطيب الفاسي
стр. 60
الصفحة الأخيرة من كتاب مفتاح الوصول نسخة مؤسسة علال الفاسي
وأما الأصل الثاني فهو النسخة المحفوظة بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم ٣٦٥٣ د، وقد رمزت لها هنا بحرف (ب). وهي نسخة في غاية الإتقان وجودة الخط. منقولة عن نسخة المؤلف بواسطة واحدة. وقد ذكرت بأنها أصل ثان لاعتبارين:
أحدهما: وجود اختلافات بينها وبين النسخة المعتمدة أصلا هنا.
وثانيهما: أن مواضع الخلاف بينهما ليست في أكثر الأحيان من باب التحريف والتصحيف أو الزيادة والنقصان، وإنما هي وجوه محتملة مقبولة، بل منها ما هو تصويب لما بالأصل المذكور آنفا الذي اقتنعت بأنه بخط مؤلف الشرح. ولا غرابة في ذلك نظرا لما لا يخلو منه بشر من السهو والغفلة.
وتعدد أصول الكتاب يحتمل تفسيرين، أحدهما أرجح من الثاني:
أما الاحتمال الأول والأرجح فهو أن يكون المؤلف قد أخرج من كتابه نسختين، واستدرك على نفسه في بعض المواضع. ويدل على ذلك من صنيع هذا المؤلف أنني قد وقفت على أصلين من كتابه «أسهل المقاصد»، أحدهما بخطه والثاني عليه خطه، وبينهما اختلافات متعددة.
стр. 61
وأما الاحتمال الثاني فهو أن تكون الاختلافات بين الأصلين راجعة إلى ناسخ الأصل الثاني من نسخة المؤلف الفقيه العلامة الوزير سيدي عبد الله الفاسي.
وقد وضعت صورة من الصفحتين الأخيرة ثم الأولى منها فيما يلي:
стр. 62
وأما الفرع الأول فهو نسخة الخزانة العامة رقم (١٠٣٩ ق)، وقد رمزت إليها هنا بحرف (د). وهي نسخة دون الأصلين المذكورين تصحيحا وضبطا، وفيها سقط وتصحيف. ولكنها متابعة في الأغلب للنسخة المحفوظة بمؤسسة علال الفاسي التي نرمز إليها هنا بعبارة الأصل.
ولذلك فقد اعتبرتها فرعا عنها.
وأما الفرع الثاني فهو نسخة الخزانة الحسنية رقم (٤٥٣٣)، وقد رمزت إليها بحرف (ج). وهي مثل النسخة (د) من جهة ما يتخللها من السقط والتصحيف. ولكنها متابعة في الأغلب للأصل الثاني أي النسخة (ب)، ولذلك فقد اعتبرتها فرعا عنها.
٢ - منهج التحقيق:
أ - تصحيح النص:
جعلت النص المحقق في صلب الورقة على الصورة المرتضاة بحسب ما توصلت إليه. وذلك بناء على مجموعة من الإجراءات والاعتبارات:
أولا: اعتماد نسخة المؤلف، إذ هي التي يقع الترجيح بحسبها فيما وقع من الاختلاف بين النسخ، وكان الأمر فيه محتملا.
ثانيا: ما كان من التصويب لما وقع في نسخة المؤلف من السهو بناء على ما يوجد في غيره وضعته في صلب الكتاب على الوجه المرتضى بين معقوفتين هكذا [. .]. وعلقت في الهامش بما يبرر ذلك.
стр. 63
ثالثا: أشرت في هوامش المقابلة على ما يوجد من الاختلافات بين النسخ.
رابعا: وضعت ما يوجد من السقط أو التحريف الذي يتجاوز الكلمة الواحدة بين نجمتين في صلب الكتاب ليسهل التعليق في الهامش.
خامسا: وضعت ما تبينت لي فائدته من الطرر المسجلة على نسخة المؤلف في الهامش مسبوقا بكلمة الطرة بين قوسين هكذا (الطرة).
ب - توثيق النصوص:
أولا: قمت بتخريج الآيات، وشكلتها بالشكل التام، وراجعت ذلك أولا وثانيا تقديسا وصيانة لكلام الله تعالى عن الخلل الذي يحتمل منه في غير القرآن ما لا يحتمل فيه، ويقع من الإثم بسببه ما لا يقع بسبب غيره.
ووضعت الآيات بين قوسين مزهرين تزيينا لآيات القرآن وتمييزا.
ثانيا: قمت بتخريج الأحاديث النبوية المعظمة، وبذلت غاية ما في وسعي لتحقيق القول في كل حديث منها. وجنحت إلى أشد ما علمت من قواعد الإحالة على المصنفات الحديثية. ومن الله التوفيق.
ثالثا: قمت بتوثيق النسبة عند كل إشارة إلى مذهب من مذاهب الأصوليين. وقد عانيت من ذلك الأمرين، فإن عادة الأصوليين أن ينقل الواحد منهم عن غيره نسبة مذهب من المذاهب في مسألة من المسائل إلى أحد العلماء، وقد يتناقلون ذلك زمانا متطاولا من غير أن تحقق النسبة. ولم يذهب ذلك الجهد سدى فقد فتح الله تعالى في هذا الموضوع بتحقيقات
стр. 64
مفيدة.
رابعا: قمت بتوثيق النصوص التي أفاد بها الشارح أو استظهر بشيء منها بالرجوع إلى مصادره نفسها. وقد يسر الله تعالى الرجوع إلى المخطوط منها والمطبوع فما فاتني منها إلا الأقل.
خامسا: قمت بتعريف المصطلحات الأصولية التي لم يأت الشارح بتعريفها، ووقفت على تضارب اصطلاحي في بعض المواضيع أشرت إليه في مكانه. ومن ذلك ما يفتح أبوابا من البحث العلمي في شأنها عسى أن يقيض الله له من يكشف عما فيه.
سادسا: عرفت بالأعلام الذين ورد ذكرهم في النص. ولكنني لم أذكر تراجمهم ولا مصادرها في هوامش النص على العادة في ذلك نظرا لازدحام الهوامش بأغراض التخريج والمقابلة وغيرها. واخترت عوضا عن ذلك أن أذكر تراجمهم في نهاية الكتاب ضمن فهرس الأعلام. ومن أجل تيسير الرجوع إلى ترجمة كل واحد منهم في مكانها من فهرس الأعلام فقد ذكرت تاريخ وفاة كل واحد منهم بعد ذكر اسمه، ورتبت ذكرهم في الفهرس بحسب تواريخ الوفيات.
ج - تيسير تناول النص:
حاولت أن أقدم نص الكتاب في أيسر صورة يمكن أن تقدم للقارئ، وذلك وفق ما يذكر:
أولا: قمت بوضع عناوين للمباحث التي اشتمل عليها الكتاب. وقد
стр. 65
استغرق مني ذلك جهدا كبيرا، لأنني اعتنيت بالمحافظة على عبارة المصنف والشارح. ولأن تقسيم المباحث وتمييزها عن بعضها، ومعرفة الخطة التي سلكها المصنف ثم الشارح، كان يقتضي مني إعادة النظر ومراجعة الكتاب والرجوع إلى مصادره المرة بعد الأخرى.
ثانيا : وضعت نص الخلاصة بعد العنوان وقبل الشرح رغم أنها تأتي ممتزجة بكلام المؤلف ليمكن تمييزها عنه بأيسر سبيل. وقد جعلت نص الخلاصة بين معقوفتين وميزها بتسويد الخط.
ثالثا : وضعت ألفاظ الخلاصة الممتزجة بالشرح بين قوسين هكذا (. .).
ليسهل تمييز كلام المصنف من كلام الشارح عند المطالعة من غير جهد.
رابعا : أضفت إلى النص علامات الترقيم من الفواصل والنقط والقواطع وعلامات الجمل الاعتراضية وغيرها من العلامات. وقطعت النص إلى الفقرات المناسبة بالرجوع إلى السطر كلما تبينت فائدته. وكل ذلك بحسب اجتهادي الخاص في فهم النص؛ لأن أغلب تلك العلامات تشير إلى الوقف والابتداء، والبداية والانتهاء، وهو جزء لا يتجزأ من فهم النصوص.
خامسا : وضعت في نهاية الكتاب الفهارس للآيات والأحاديث والأعلام، وختمتها بفهرس تفصيلي للموضوعات. وقد أغفلت جعل فهرس للمصطلحات والقواعد الأصولية؛ لأن تفاصيل فهرس الموضوعات تغني عنهما.
стр. 66
اصطلاحات التحقيق:
أولا: اصطلاحات التوثيق
الأصل \نسخة مؤسسة علال الفاسي رقم ٣٣١ ع.
(ب) \نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ٣٦٥٣ د.
(ج) \نسخة الخزانة الحسنية رقم ٤٥٣٣.
(د) \نسخة الخزانة العامة بالرباط رقم ١٠٣٩ ق.
/ [و.١] مثلا\لبيان ابتداء وجه الورقة رقم ١ - مثلا - في الأصل.
/ [ظ.١] مثلا\لبيان ابتداء ظهر الورقة رقم ١ - مثلا - في الأصل.
[. .]. \تحديد استدراك بخلاف الأصل.
*. . . * \تحديد استدراك بخلاف إحدى النسخ، أو لتحديد سقط فيها.
ثانيا: اصطلاحات التحديد
. . . \ لتحديد الآيات.
«» \لتحديد الأحاديث والأقوال.
[. .]. \ - مع التسويد - لتحديد نص المتن الذي سيتم شرحه.
(. .). \لتحديد عبارة المتن عندما يكون ممتزجا بكلام الشارح.
". . . "\لتحديد الأمثلة، وللتأكيد بالنسبة لبعض العبارات.
(ت. . . هـ) \تاريخ وفاة الأعلام بالتقويم الهجري، وهو إحالة على الترجمة في فهرس الأعلام المرتب تاريخيا.
ثالثا: اصطلاحات الإحالات
ص \الصفحة إذا كان الكتاب في جزء واحد.
. . /. . \الجزء على اليمين والصفحة على اليسار مفصولا بينهما بعارضة.
ف \قبل رقم الفقرة إذا كانت فقرات الكتاب مرقمة.
стр. 67
مفتاح الوصول إلى علم الأصول
стр. 68
[ظ ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
تقديم الكتاب:
غايته وموضوعه وتسميته
الحمد لله الذي زين بساط الإسلام، بمنثور جواهر الأحكام، ورقم طرازه على طرف التمام، بمعالم الحلال والحرام، باعث الرسل لبيان أصول الفقه ومعالمه، ورفع قوائمه (١)، وتمهيد دعائمه، في غاية الإحكام.
والصلاة والسلام على مولانا (٢) محمد خير الأنام، ولبنة التمام، وعلى آله وأصحابه الكرام.
وبعد:
فيقول العبد الفقير إلى عفو الله تعالى، محمد الطيب بن محمد بن عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي، عامله الله بألطافه:
لما كانت المقدمة التي أنشأها شيخنا الإمام، شيخ الإسلام، أبو محمد عبد القادر بن علي بن يوسف الفاسي، قد اشتملت من فن أصول الفقه على ما لا يسع الطلاب جهله، بل هو كل لب الأصول، أو جله؛ إلا أنها
стр. 69
- لفرط الاختصار - ربما عجزت دونها [أفكار] (١) الصغار؛ بادرت (٢) إلى مزجها بشرح يحل مبانيها، ويوضح معانيها، وسميته :
مفتاح الوصول إلى علم الأصول ومن الله العصمة والتوفيق، والهداية لأوضح طريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 70
مقدمة
مبادئ أصول الفقه
فأقول: قال المصنف رحمه الله تعالى: (الحمد لله)، بدأ به على عادة المصنفين، و (١) اقتداء بالحديث الوارد في ذلك، ومعلوم ما قيل فيه (٢)، فلا
стр. 71
نطيل بذكره.
١ - لقب «أصول الفقه»:
هو علم جنس، أصله مركب من مضاف ومضاف إليه، ثم نقل إلى العلمية، وصار (١) لقبا على هذا الفن، وهو/ [و ٢] لقب مدح لإشعاره برفعة مسماه، لابتناء الفقه في الدين عليه.
стр. 72
والأصل لغة: ما يبتنى عليه غيره، كأصل الجدار، أي: أساسه، وأصل الشجرة، أي: طرفها الثابت في الأرض.
٢ - مبادئ أصول الفقه:
ثم اعلم أن مما ينبغي أن يقدم أمام كل فن معرفة مبادئه، وهي: الحد، والموضوع، والفائدة، والنسبة، وأنهاها بعضهم إلى عشرة (١)، وقد نظمها أبو العباس ابن زكري (ت ٨٩٩ هـ) (٢) في رجزه المسمى ب «محصل المقاصد» (٣)، فقال:
فأول (٤) ... الأبواب في المبادي
وتلك عشرة على مرادي:
الحدّ، والموضوع، ثم الواضع ... والاسم، الاستمداد، حكم الشارع
стр. 73
تصور المسائل، الفضيلة، ... ونسبة، فائدة جليلة (١)
وأنا أتلوها عليك (٢) باختصار :
١ - فموضوع هذا العلم هو : الأدلة، والأحكام، من حيث إثبات الأدلة للأحكام، وثبوت الأحكام بالأدلة.
٢ - وواضعه : قال (٣) في «شرح النّقاية» : «هو الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) (٤) ﵁ (٥)، وألف فيه كتاب «الرسالة»، التي
стр. 74
أرسل بها (١) إلى ابن مهدي (ت ١٩٨ هـ) (٢)، وهي مقدمة «الأم» (٣).
- ٣ - وفائدته : العلم بأحكام الله المتعلقة بأفعال المكلف.
- ٤ - واستمداده : من علم الكلام، والعربية، ومعرفة (٤) الأحكام.
- ٥ - ومسائله : مطالبه (٥) الجزئية التي يطلب إثباتها فيه، كمسائل الأمر، والنهي، وغيرهما.
- ٦ - واسمه : أصول الفقه كما تقدم.
- ٧ - ونسبته من العلوم : نسبة الفرع من الأصل (٦).
- ٨ - وفضيلته : دون درجة أصول الدين، وفوق درجة الفقه، لأنه أصل له، ولا يخفى تقدم أصل الشيء عليه.
- ٩ - وحكم الشارع فيه : فرض كفاية، كغيره من العلوم.
стр. 75
- ١٠ - وحده: [معرفة أدلة الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد]. (١)
٣ - تحليل حد أصول الفقه:
اختار المصنف ما حده به البيضاوي (ت ٦٧٥ هـ) (٢)، وهو «معرفة أدلة الفقه. . .» (٣) وعلى هذا مشى ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) (٤)، غير أنه عبر ب «العلم» (٥).