٢ - الواقعات أو الوقائع:
لغةً: جمع واقعة، والجذر منها (وق ع)، وهو أصل واحد يرجع إلى فروعه، يدل على سقوط شيء، يقال: وقع الشيء وقوعًا فهو واقع (١)، والواقعة النازلة الشديدة من صروف الدهر، ووقع الشيء يقع وقوعًا أي: هَوِيًّا (٢)، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ (وقع) جاء في العذاب والشدائد (٣)، والوقائع كالحوادث في شيوع استعمالها في معنى النوازل (٤).
والفقهاء يطلقون الواقعات على النوازل، إلا أن الظاهر أنهم لا يكادون يستعملون لفظ الواقعات في العبادات، وإنما هي في المعاملات (٥).
وإطلاقهم لفظ الواقعات على المسائل المستجدة فيه تعبير عمَّا يعانونه من الشدة والصعوبة في البحث عن أحكامها أيضًا، والواقعات عند المعاصرين هي: الفتاوي المستنبطة لأحكام الحوادث المستجدة (٦).
وعند الحنفية خاصة ربما أطلق مصطلح النوازل أو الوقائع على كل مسألة لم يتكلم فيها علماء الطبقة الأولى منهم، بخلاف بقية المذاهب فإنها تطلق على كل مسألة لم يجدوا فيها كلامًا لمن سبقهم من أهل العلم مطلقًا، ومن كتبهم في ذلك
стр. 37
"واقعات المفتين" لعبد القادر أفندي (١) (ت: ١٠٨٥ هـ)، وكتاب "الواقعات" للصدر الشهيد (ت: ٥٣٦ هـ) (٢).
٣ - الأقضية والأحكام:
يأتي القضاء في اللغة لمعانٍ متعددة، أقربها إلى المعنى الشرعي: الحكم والإلزام (٣).
وأما الأحكام، فمفردها حُكْم بتسكين الكاف، وهو العلم والفقه، والفصل في الأمر، والقضاء، ودقق بعضهم فقال: القضاء بالعدل (٤)، وأصل الحكم: المنع، يقال: حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه فلم يقدر على الخروج من ذلك، وحكمت بين القوم: فصلت بينهم، فأنا حاكِمٌ وحَكَمٌ بفتحتين، والجمع حكَّام ويجوز بالواو والنون (٥)، ووجه التسوية بين الأقضية والأحكام في المعنى هو في كون كلا اللفظين إلزامًا ومنعًا عن غيرهما.
هذا وقد عُرِّف كلٌّ من القضاء والحكم باعتبارات مختلفة، وأقرب تعريف للقضاء
стр. 38
إلى بحثنا هذا تعريفه باعتباره فعلًا للقاضي، كما عرفه العز ابن عبد السلام (١) بأنه: "إظهار حكم الشرع في الواقعة فيمن يجب عليه إمضاؤه فيه" (٢).
على أن المقصود بالحكم هنا ليس "خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع" (٣)، وإنما هو فعل القاضي أو الحاكم؛ وعليه فإن الحكم اصطلاحًا هو: "إنشاء إطلاقٍ (٤) أو إلزامٍ في مسائل الاجتهاد المتقارب فيما يقع فيه النزاع لمصالح الدنيا" (٥).
والعلاقة بين الأقضية والأحكام بهذا الاعتبار، هي علاقة المؤثر بالأثر، ووجه إطلاقهم هذين اللفظين على المسائل المستجدة هو كون القاضي بفعله يقطع الخصومة فيها، ويبين ما يظهر له من الشرع باجتهاده فيها.
ويلاحظ هنا أن الأقضية والأحكام لا تكون في العبادات.
٤ - الفتاوي:
لغةً: من الإفتاء، وهو: تبيين المبهم (٦)، أو هو: تبيين المشكل من الأحكام والجواب عنها (٧).
стр. 39
وأما الفتاوي اصطلاحًا، فقد سبقت الإشارة إلى أن علماء الحنفية يطلقون الفتاوي على الأحكام التي استنبطها علماؤهم بعد الطبقة الأولى تخريجًا على أصول المذهب، خلافًا لعلماء بقية المذاهب.
وجملة أقوال الفقهاء تدل على أن الفتيا: "هي الإخبار بحكم شرعي عن دليلٍ لمن سأل عنه من غير إلزام" (١)، ويكون الإفتاء هو: "الإخبار بحكم الله تعالى باجتهاد عن دليل شرعي، لمن سئل عنه في أمر نازل" (٢)، وهو أقرب إلى موضوعنا.
يلاحظ هنا أن بعضهم شرط في كون البيان فُتْيا، أن يكون جوابًا لسؤالٍ كما سبق، وأن المسألة التي تكون عنها الفتوى لا يشترط أن تكون نازلة، بمعنى أنه لم ينص عليها الشارع.
وعلى هذا، فوجه إطلاقهم لفظ الفتاوي على نوازل عصرهم وتسميتهم لكتبهم بذلك إنما هو من باب التغليب؛ بل كونه من باب أن المسألة مستجدة أو نازلة في حق السائل أظهر لكل من نظر في الكتب التي عنون لها صاحبها بالنوازل أو الفتاوي.
ومن الكتب التي عنون لها بـ "الفتاوي":
- خلاصة الفتاوي، للبخاري الحنفي ﵀ (٣)، (ت: ٥٤٢ هـ).
- فتاوي العزِّ ابن عبد السلام ﵀، المعروف بسلطان العلماء، (ت: ٦٦٠ هـ).
- الفتاوي المصرية، لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀، (ت: ٧٢٨ هـ).
ومما تجدر ملاحظته أن إطلاق الفتاوي على النوازل والحوادث المستجدة إنما هو
стр. 40
اصطلاح قديم، وربما لا تطلق الفتاوي على المسائل المستجدة في الاصطلاح المعاصر، ولكلٍّ مأخذ، فإن الفتاوي تجتمع مع النوازل في أن كليهما تعبير عن الفقه التطبيقي، كما أن المصطلحين يجتمعان في دلالتهما على دور الفقيه أو المفتي في إخبار السائل والمستفتي عن الحكم الشرعي فيما يسأل عنه.
ولعل الاصطلاح المعاصر اليوم يمايز بين الفتاوي والنوازل؛ فالفتاوي قد تتعلق بما لا يسمى نازلة كسائر الأحكام الأساسية للعبادات والمعاملات مثلًا، وأما النوازل فإنها لا تكون إلا مستحدثة، والإفتاء إخبار بالحكم الشرعي، وقد يكون هذا اتباعًا لبعض العلماء، وقد يكون تقليدًا، كما أنه قد يكون عن اجتهاد.
وأما الإفتاء في النوازل فلا يكون إلا عن اجتهاد، فمفتي النوازل يُطْلَبُ فيه أن يتملك أدوات الاجتهاد، وأن يأخذ بأسباب الاستنباط وأزمَّته.
بل إن المدونات في النوازل المستجدة تختلف عن كتب الفقه التقليدية، حيث عرفت هذه المدونات بارتباطها بالأحداث الجارية، والاستجابة لحاجات الناس في مختلف الظروف والبيئات، وبذلك لم تعرف كتب النوازل الرتابة التي عرفتها كتب الفقه المعاصرة (١).
وعليه فإن الإفتاء في النوازل أخص من الإفتاء في غيرها، ويشترط في فقهاء النوازل ما لا يشترط في فقهاء الفتوى (٢).
٥ - الأسئلة والسؤالات والمسائل:
الأسئلة والسؤالات والمسائل، مفردها: سؤال وسؤل ومسألة، وأصلها (سأل)، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة، ورجل سُؤَلَة: كثير السؤال (٣)؛ والعرب قاطبة تحذف
стр. 41
همزة سَلْ، فإذا سُبقت بفاء أو واو هُمِزَت، كقولك: فاسأل واسأل، وجمع المسألة مسائل، فإذا حذفوا الهمزة قالوا: مَسَلة والفقير يسمى سائلًا (١).
والسؤال: استدعاء معرفة؛ أو ما يؤدي إلى المعرفة، واستدعاء مالٍ، أو ما يؤدي إلى المال، فاستدعاء المعرفة جوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللسان خليفة لها إما بوعدٍ أو بردٍّ (٢).
والمسألة في الاصطلاح: هي القضية التي يبرهن عليها، أو هي المطلوب الخبري الذي يبرهن عنه في العلم الذي تنتمي إليه، والنوازل يُسأل عنها، والجواب لا بد له من برهان، فهذا وجه تسميتهم النوازل بالمسائل والسؤالات أو الأسئلة (٣)، وسيأتي ذكر نماذج من تلك الكتب.
٦ - المستجدات (المستحدثات):
لغةً: تطلق المستجدات على الأمور الجديدة، وهي بكسر الجيم وفتحها، مفردها مستجد، وجذرها (ج د د) فيه ثلاثة أصول في العظمة والحظ والقطع، والقطع هو ما يتعلق بموضوع البحث، فيقال: جَدَدْتُ الشيء جَدًّا، فهو مجدود، أي: مقطوع، والثوب الجديد كأن ناسجه قطعه الآن، ثم سمي كل شيءٍ لم تأت عليه الأيام جديدًا (٤).
والمصدر منه الجِدَّة، يقال: فلان أجدَّ ثوبًا واستجدَّه، أي: صيره جديدًا.
وأما المستحدثات فهي في اشتقاقها قريبة من الحوادث وفي معناها قريبة من المستجدات.
واصطلاحًا: فإن استعمال هذا اللفظ وما يقاربه في النوازل إنما هو عند الفقهاء المعاصرين فحسب، وهو يطلق عندهم على ما يلي:
стр. 42
١ - المسائل الفقهية التي حدثت، أو أُحدثت في هذا الزمان، وليس لها حكمٌ ظاهرٌ مفصل في المراجع الفقهية القديمة (١).
٢ - أو المسائل التي لم يتقدم فيها قولٌ لمتبوع (٢).
٣ - كما أنهم يطلقونها -أيضًا- على المسائل التي تغيَّرت موجبات الحكم عليها (٣) بعامل الزمان أو المكان أو طبيعة حياة الإنسان.
وقد تُطلق ألفاظ أخرى في وقت الناس هذا للتعبير عن النوازل، منها: القضايا المعاصرة (٤)، والفتاوي المعاصرة (٥)، والنظريات والظواهر (٦).
التعريف اللقبي:
بناءً على ما سبق؛ فإن "فقه النوازل" هو العلم الذي يبحث في الأحكام الشرعية للوقائع المستجدة والمسائل الحادثة، مما لم يرد بخصوصها نص ولم يسبق فيها اجتهاد.
على أن المقصود بتلك المسائل الحادثة والوقائع المستجدة ما يشمل أمورًا ثلاثة، هي:
١ - ما وقع للمرة الأولى، مثل: زراعة الأعضاء، والاستنساخ، مما لم يرد بخصوصه نص أو يسبق فيه اجتهاد.
٢ - ما وقع قبل ذلك؛ لكن تغير حكمه لتغير ما ابتني عليه الحكم، مثل: اختلاف صور
стр. 43
قبض المبيع باختلاف الأعراف وتغيرها.
٣ - ما وقع قبل ذلك؛ إلا أنه اجتمع لدى وقوعه فيما بعد تداخل أكثر من صورة، مثل: عقود المقاولات والاستصناع.
ومن هنا تتبين العلاقة بين علم الفقه، وعلم فقه النوازل باعتباره لقبًا على فن معين، وهي العموم والخصوص، فالفقه أعم من جهة مسائله، وعلم النوازل أخص.
المطلب الثاني: نشأته والدراسات السابقة:
لا يخفى أن المسلمين في زمن النبي ﷺ كانت تَجدُّ بينهم وقائع، وتنزل بهم نوازل، فيلجئون إلى النبي ﷺ يلتمسون حكمها، ويطلبون هدايةً فيها، وكثيرًا ما كان يوجه السؤال إلى النبي ﷺ فلا يلبث الوحي أن ينزل بجوابٍ يشفي الصدور، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]، وغير ذلك من الأسئلة.
وربما جاء التعبير عن هذه المسائل بالاستفتاء، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦].
وربما تدخل الوحي القرآني مباشرة في واقعة مستجدة أو نازلة حادثة، كما في مسألة الظهار التي سطرها الوحي في صدر سورة المجادلة، وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ الآيات [المجادلة: ١].
وربما قضى النبي ﷺ وأفتى بسنته الشريفة في مسائل ونوازل لم ينزل فيها قرآن يتلى، وهذا في السنَّة كثير مشتهر (١)، ومن ذلك قوله ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ،
стр. 44
ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي على نحو ما أسمع. . . " (١).
قال ابن القيم ﵀: "وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] " (٢).
وبعد وفاته ﷺ كان الصحابة يرجعون إلى علمائهم، وعلى رأسهم الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء، المأمور بلزوم سنتهم، واقتفاء أثرهم، وكانوا ﵃ يلتمسون الأحكام في كتاب ربهم وسنة نبيهم، لا يجاوزون ذلك، فإذا أعياهم البحث عن النص القاطع للنزاع اجتهدوا في استنباط حكم تلك الواقعة المستجدة الذي يوافق الكتاب والسنة، ولا يصادم مقاصد الشريعة الغراء، ولا ينافي قواعدها الكلية.
يقول عنهم أبو شامة ﵀ (٣): "فكانوا إذا نزلت بهم نازلة بحثوا عن حكم الله فيها من كتاب الله وسنة نبيه، وكانوا يتدافعون الفتوى، ويود أحدهم لو كفاه إياها غيره" (٤).
стр. 45
ومع هذا التحفظ فقد وقع منهم الاجتهاد كثيرًا، ولقد أحمى ابن حزم ﵀ (١) في كتابه "جوامع السير" فقهاء الصحابة فبلغ عددهم اثنين وستين ومائة ما بين رجل وامرأة، المكثرون منهم سبعة هم: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأم المؤمنين عائشة بنت الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر ﵃.
يقول ابن القيم ﵀: "وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يجتهدون في النوازل، ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره" (٢).
ولعل من أخطر النوازل التي واجهها الصحابة في أول خلافة الصديق ﵁، ردة عدد من القبائل عن الإسلام، وامتناع عدد آخر عن أداء الزكاة وإن بقوا على الإسلام، ووقع الخلاف بين الصحابة؛ حيث ذهب كثير منهم إلى ترك قتالهم، ثم ما لبثوا أن شرح الله صدورهم لاجتهاد الصديق ومن معه في هذه النازلة.
عن ميمون بن مهران ﵀ (٣) قال: كان أبو بكر ﵁ إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاء فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا ﷺ فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله
стр. 46
- ﷺ جمع رءوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (١).
وفي بداية عهد الفاروق ﵁ وما تبعه من عهود الراشدين كثرت النوازل والأقضيات التي تزامنت مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية، ودخول بلاد ذات ثقافات وحضارات مختلقة في دين الله ، وكان عمر ﵁ يقفو أثر الصديق في ذلك، فعن المسيب بن رافع (٢) قال: "كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله ﷺ أمر، اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا، فالحق فيما رأوا" (٣).
وفي القرن الهجري الأول كانت العناية بالفقه وأحكامه الأساسية تعليمًا وتعلمًا، وبما يجدُّ وينزل سؤالًا واستفتاءً، ولم يكن ثمة ما يدعو للفصل بين الفقه والنوازل؛ بل كانا متلازمين، وإن كانا لم يدوَّنا آنذاك.
ولقد بدأ التدوين الفقهي في القرنين الثاني والثالث، وفيهما نشأت المذاهب الفقهية الأربعة وازدهر الفقه ازدهارًا عظيمًا، حيث كان الفقهاء المجتهدون يعدون بالمئات؛ ولذا عرف في هذه الفترة ثلاثة عشر مذهبًا فقهيًّا، أولها لأبي حنيفة النعمان (ت: ١٥٠ هـ)،
стр. 47
وآخرها لمحمد بن جرير الطبري (١) (ت: ٣١٠ هـ)، وإن كان لم يبق مكتوبًا ومدونًا محفوظًا إلا المذاهب الأربعة المشتهرة، بالإضافة إلى ما لدى الشيعة الإمامية والزيدية.
وفي هذه الفترة ألفت أمهات كتب هذه المذاهب غالبًا، وأما ما يتعلق بتدوين النوازل وفقه هذه المسائل المستجدة فلم تقم عناية من حيث التدوين، وإن كان الاشتغال بالفتيا في تلك النوازل ظاهرًا، بل وعرف أيضًا الفقه التقديري الفرضي الذي يعدُّ الجواب لمسائل لم تقع، سواء أكانت قريبة أم بعيدة الوقوع، بل وأحيانًا لن تقع أبدًا.
ومع بداية القرن الرابع الهجري بدأت مرحلة جديدة تميزت بالاستقرار الفقهي حيث عني كثير من الفقهاء بمذاهب الأئمة المتبوعين تنظيمًا وتوسيعًا، ومع بلوغ عدد من هؤلاء الفقهاء رتب الاجتهاد المطلق، إلا أنهم فضلوا العناية بهذه المذاهب المتبوعة درسًا وشرحًا وتصنيفًا، فاكتمل بفضل جهودهم بنيان المذاهب الأربعة، وقامت على سوقها، وخرجت الموسوعات الفقهية المذهبية الكبرى، كما قامت إلى جانبها الموسوعات الفقهية المقارنة هي الأخرى، وتراكمت المسائل المجموعة سواء الواقع منها أو المتوقع جنبًا إلى جنب مع فرضيات ومسائل مستبعدة الوقوع، وخلال تلك الفترة كانت الحاجة ماسة لتدوين كتب النوازل مصطبغة بالفقه المذهبي الذي يتمذهب به هذا المفتي أو ذاك، وإن وجدت مساحة للاجتهاد داخل فقه المذهب مراعاة لظروف النازلة والملابسات المحيطة بها، واستجابة لمتغيرات الأعراف والعادات.
وعرفت تلك المصنفات بأسماء منها: كتب النوازل، والفتاوي، والحوادث، والقضايا وهي أشيع تلك الأسماء لدى الفقهاء، كما دعيت باسم الأجوبة، والجوابات، والمسائل،
стр. 48
والأسئلة، كما عرفت في بلاد ما وراء النهر وبلاد العجم باسم الواقعات، ويشيع عند المالكية مصطلح النوازل، وعند بقية المذاهب الفتاوي، والأجوبة، والمسائل (١).
وكادت كلمة نازلة في المغرب الأقصى أن تتلازم مع الفتوى في المشرق، والمسائل في إفريقية (تونس) (٢).
الدراسات السابقة:
احتلت كتب الفتاوي والنوازل والمسائل مكانة بارزة لدى الحكام والقضاة والمفتين والفقهاء عامة؛ وذلك لما احتوته من فقهٍ حيٍّ يواكب الحياة، فيلبي احتياجات الخلق إلى الاجتهاد الحق؛ ولذا فإن الحاجة إلى الفتيا في النوازل بمنزلة الضرورة الحتمية المتجددة بتجدد الحوادث والوقائع على مر العصور وكر الدهور.
كما أن تلك الكتب تعطي تصورًا عن قيمة النازلة وعلاقتها بغيرها من النوازل التي تستجد؛ ولذا قال صاحب مفتاح السعادة (٣) عن علم الفتاوي: "علم تروى فيه الأحكام الصادرة عن الفقهاء في الوقائع الجزئية؛ ليسهل الأمر على القاصدين من بعدهم" (٤)؛ وهذا يفسر كثرة استشهاد المتأخرين من الفقهاء في كتبهم وفتاويهم بما في كتب النوازل والفتاوي للأئمة المتقدمين.
стр. 49
وغني عن البيان أن كتب النوازل عبر التاريخ الفقهي قد تنوعت مناهجها، وتباينت مشاربها ومآخذها؛ وذلك لاختلاف دواعي تأليفها وظروف تصنيفها وجمعها.
ويمكن تقسيمها باعتبارين:
أولًا: باعتبار المذاهب الفقهية.
ئانيًا: باعتبار منهج الجمع والتصنيف.
أولًا: كتب النوازل باعتبار المذاهب الفقهية:
وهذه الكتب قسمان أساسيان، الأول ما يتعلق بالمذاهب الأربعة المتبوعة، والثاني ما يتعلق بالفتاوي الجماعية الصادرة عن المجامع الفقهية، والمؤتمرات العلمية الدولية المعاصرة.
المذهب الحنفي:
١ - نوازل السمرقندي: لأبي الليث نصر بن محمد (١) (ت: ٣٧٣ هـ).
٢ - الفتاوي الكبرى أو "تجنيس الواقعات": للإمام الصدر حسام الدين عمر بن عبد العزيز (ت: ٥٣٦ هـ).
٣ - فتاوي قاضي خان: لفخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي (٢) (ت: ٥٩٢ هـ).
٤ - الفتاوي الظهيرية: لظهير الدين محمد بن أحمد البخاري (٣) (ت: ٦١٩ هـ)، وهو مخطوط.
стр. 50
٥ - فتاوي الوَلْوَالجي: لظهير الدين الولوالجي (١) (ت: بعد ٥٤٠ هـ)، وهو مخطوط.
٦ - الفتاوي البزازية: لمحمد بن محمد البزازي (٢) (ت: ٨٢٧ هـ).
٧ - الفتاوي السراجية: علي بن عثمان الأوشي الفرغاني (٣) (ت: بعد سنة ٥٦٩).
٨ - فتاوي التمرتاشي: لمحمد بن عبد الله التمرتاشي (٤) (ت: ١٠٠٤ هـ).
٩ - الفتاوي الزينية: لزين الدين إبراهيم بن نجيم (٥) (ت: ٩٧٠ هـ).
المذهب المالكي:
١ - أجوبة ابن سحنون: لعبد السلام بن سعيد التنوخي (٦)، المعروف بسحنون (ت: ٢٤٠ هـ)، وابنه محمد (ت: ٢٥٦ هـ)، وهو مخطوط، وإن كان في صحة نسبته شك (٧).
стр. 51
٢ - فتاوي أصبغ: لأصبغ بن خليل (١) (ت: ٢٧٣ هـ).
٣ - نوازل أبي عمران الفاسي: لموسى بن عيسى (٢) (ت: ٤٣٠ هـ).
٤ - فتاوي ابن رشد، أو نوازل ابن رشد، أو أجوبة ابن رشد: لأبي الوليد محمد بن أحمد القرطبي (٣) (ت: ٥٢٠ هـ)، جمعها تلميذاه أَبو الحسن ابن الوزان، وأبو مروان ابن مسرة، وقد نشرت محققة (٤).
والكتب السابقة جميعًا تشتمل على فتاوي فقهاء المالكية الأندلسيين والمغارية، وأما الكتب التالية فتشتمل على الفتاوي وما يسمى بـ"نوازل الأحكام"، وهي خاصة بكبار شيوخ الفقه المالكي والمفتين المشاوَرين -بفتح الواو- ولقد بلغ عدد هؤلاء الفقهاء المشاوَرين في قرطبة في أواخر الخلافة خمسة عشر فقيهًا، وفيما يلي طائفة من هذه الكتب عند المالكية:
١ - فصول الأحكام فيما جرى به عمل المفتين والحكام: للباجي (٥) (ت: ٤٧٤ هـ).
стр. 52
٢ - مذاهب الحكام في نوازل الأحكام: للقاضي عياض (١) (ت: ٥٤٤ هـ)، جمعها ولده محمد (٢)، وطبعت محققة (٣).
٣ - معين الحكام في نوازل القضايا والأحكام: لابن عبد الرفيع التونسي (٤) (ت: ٧٣٤ هـ)، وقد طبع محققًا (٥).
٤ - فتاوي الشاطبي: لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الغرناطي الشاطبي (٦) (ت: ٧٩٠ هـ)، وقد طبعت محققة (٧).
٥ - نوازل البرزلي، ويسمى جامع مسائل الأحكام مما نزل بالمفتين والحكام:
стр. 53
لأبي القاسم ابن أحمد القيرواني البرزلي (١) (ت: ٨٤٤ هـ)، اختصرها الونشريسي صاحب المعيار واعتمدها كمصدر لكتابه، وطبعت محققة (٢).
٦ - المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي علماء أفريقية والأندلس والمغرب: لأحمد بن يحيى الونشريسي (٣) (ت: ٩١٤ هـ)، وقد طبع محققًا، وكتابه يعد أهم موسوعة في النوازل الفقهية بالمغرب الإسلامي.
وتعد فتاوي ابن رشد، ونوازل البرزلي، ومعيار الونشريسي أهم مصادر نقل الفتاوي والنوازل عند المالكية.
٧ - المعيار الجديد أو النوازل الجديدة الكبرى: لأبي عيسى محمد المهدي بن محمد الوزاني (٤) (ت: ١٣٤٢ هـ).
وقد ألف أولًا النوازل الصغرى أو المنح السامية في النوازل الفقهية، رتبها على أبواب الفقه، جمع فيها فتاويه التي اجتمعت لديه حتى العقد الأول من القرن الرابع عشر الهجري، وأضاف إليها فتاوي غيره من معاصريه وشيوخه، وطبعت عام ١٤١٢ هـ، بالمغرب في أربعة أجزاء.
ثم ألف النوازل الجديدة في أجوبة أهل فاس وغيرهم من البدو والقرى أو المعيار
стр. 54
الجديد الجامع المعرب، وذلك بعد مضي عقدين على تأليفه النوازل الصغرى.
وقد أضاف إلى ما استجد من فتاويه فتاوي المتقدمين من الأندلسيين والقيروانيين وغيرهم، وذلك من غير تكرار بينه وبين النوازل الصغرى.
المذهب الشافعي:
١ - فتاوي ابن الصباغ: لأبي نصر البغدادي (١) (ت: ٤٧٧ هـ).
٢ - فتاوي ابن الصلاح: لأبي عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (٢) (ت: ٦٤٣ هـ).
٣ - فتاوي العز ابن عبد السلام: لعز الدين ابن عبد السلام الشامي ثم المصري (ت: ٦٦٠ هـ).
٤ - فتاوي النووي: لمحيي الدين يحيى بن شرف الحوراني (ت: ٦٧٦ هـ).
٥ - فتاوي السبكي: لتقي الدين علي بن عبد الكافي (٣) (ت: ٧٥٦ هـ).
٦ - فتاوي ابن حجر العسقلاني: لأحمد بن علي بن حجر (ت: ٨٥٢ هـ).
٧ - فتاوي زكريا الأنصاري: لزكريا بن محمد الأنصاري (٤) (ت: ٩٢٦ هـ).
стр. 55
٨ - الفتاوي الفقهية الكبرى: لابن حجر المكي الهيتمي (١) (ت: ٩٧٢ هـ).
المذهب الحنبلي:
من أشهر كتب المسائل في المذهب الحنبلي ما يعرف بمسائل أحمد (٢)، وهي كثيرة جدًّا، وقد طبع منها عدد لا بأس به، وهي لتلامذة الإمام، وتلامذة تلامذته، ومن أشهر كتب الفتاوي والنوازل لدى الحنابلة ما يلي:
١ - مسائل الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، جمع ابن هانئ (٣) (ت: ٢٧٥ هـ) مطبوع.
٢ - مسائل الإمام أحمد: لأبي داود (٤) (ت: ٢٧٥ هـ) مطبوع.
٣ - جوابات مسائل ابن شاقلا (٥): لابن بطة (٦)، (ت: ٣٨٧ هـ). مخطوط.
стр. 56
٤ - جوابات ومسائل وردت من الحرم: للقاضي أبي يعلى (١)، (ت: ٤٥٨ هـ)، مخطوط.
٥ - الفتاوي: للموفق ابن قدامة (٢)، (ت: ٦٢٠ هـ)، مخطوط.
٦ - مجموع الفتاوي: لشيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، (ت: ٧٢٨ هـ)، جمع عبد الرحمن ابن قاسم (٣)، مطبوع.
٧ - الفتاوي الأحمدية: ليوسف بن عبد الهادي (٤)، (ت: ٩٠٩ هـ)، مخطوط.
٨ - الأجوبة النجدية عن الأسئلة النَّجْدية: للسفاريني (٥)، (ت: ١١٨٨ هـ)، مخطوط.
стр. 57
٩ - الأجوبة الجلية في الأحكام الحنبلية: للقدومي موسى بن عيسى النابلسي (١)، (ت: ١٣٣٦ هـ)، مطبوع.
١٠ - الدرر السنية في الفتاوي النجدية: جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، (ت: ١٣٩٢ هـ) مطبوع.
١١ - فتاوي ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٢)، (ت: ١٣٨٩ هـ)، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبوع (٣).
١٢ - فتاوي الشيخ محمد بن صالح العثيمين، (ت: ١٤٢١ هـ)، مطبوع.
الفتاوي الجماعية:
وهذا اللون من الكتب تمثلها في العصر الحديث، كتب المجامع الفقهية الرسمية، سواء مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو التابع لرابطة العالم الإسلامي، أو مجمع البحوث الإسلامية بمصر، أو المجامع غير الرسمية كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، أو مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، أو مجلدات فتاوي دور الإفتاء في الدول العربية والإسلامية، وهيئات كبار العلماء، إضافة إلى الفتاوي التخصُّصية في أبواب من النوازل، كفتاوي هيئات الرقابة الشرعية على البنوك الإسلامية في مجال المعاملات والجوانب
стр. 58
الاقتصادية المعاصرة، وغير ذلك من الهيئات العلمية والفقهية (١).
ثانيًا: كتب النوازل باعتبار منهج الجمع والتصنيف:
يمكن تقسيم كتب النوازل من حيث منهج جمعها وإعدادها إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
كتب الفتاوي العامة:
وهذه الكتب تتسم بشمولية موضوعاتها، وتنوع مسائلها، وتعدد المفتين فيها، وتنوع مذاهبهم الفقهية، فهي تمثل دواوين كبيرة للنوازل، ومن أمثلتها: ما يصدر عن دور الإفتاء من المجلدات الكبيرة التي تغطي أبواب الفقه جميعًا، ويشترك في تحرير الفتاوي والإجابة عن النوازل والأسئلة عدد كبير من المفتين في سنوات متعاقبة، مثل: ما يصدر عن دار الإفتاء في مصر والسعودية وغيرها، وكذلك ما يجمعه بعض الباحثين من فتاوي العلماء حسب الموضوعات الفقهية من غير تقيد بفقهاء بلد بعينها، سواء أكان الإفتاء جماعيًّا كما هو الحال في المجامع الفقهية المعاصرة (٢)، أم كانت الفتاوي فردية تصدر باسم أصحابها.
وسواء كان مصنفو تلك الكتب الجامعة من أهل الفتوى والاجتهاد الذين كانوا يجمعون إلى فتاويهم فتاوي مَن عاصرهم وسبقهم كما فعل بعض المالكية كالبرزلي والونشريسي، وبعض الحنفية كالكمال ابن الهمام (٣)، وبعض الشافعية كالسبكي،
стр. 59
وبعض الحنابلة كعبد الرحمن بن قاسم وغيرهم، أم كانوا من طلبة العلم الذين يقفون عند حدود الجمع والترتيب والفهرسة لفتاوي العلماء، وهذا كثير في العصر الحاضر.
كتب الفتاوي الخاصة:
وهذه الكتب يلتزم جامعوها بجهة واحدة عند الجمع، كأن يجمع فتاوي المعاملات أو فتاوي المناسك فحسب، وهذه جهة موضوعية، وقد يجمع فتاوي أهل بلد بعينه، كفتاوي الأندلسيين، أو الحجازيين، أو النجديين، وهذه جهة جغرافية، أو فتاوي المالكية أو الحنفية فحسب، فهذه جهة مذهبية، وفي جميع ما سبق وجدت كتب كثيرة في القديم والحديث على حد سواء.
كتب الفتاوي الشخصية:
وهذه كتب وضعها أصحابها أو جمعها التلامذة أو طلبة العلم لفقيه بعينه أو مفتٍ بخصوصه، وربما شملت هذه الكتب أبواب الفقه بأسرها، وربما اقتصرت على بعض الأبواب، وربما كانت لعلاج نازلة واحدة ودراسة مسألة مفردة، وربما كانت جوابًا لسؤال ورد من شخص بعينه، وهي أكثر من أن تحصى وأوسع من أن تستقصى، وفيها المطبوع والمخطوط.
وفي العصر الحديث بدأ لونٌ، جديد من الكتابة في فقه النوازل من جهة تأصيلية نظرية، تُعنى ببيان حقيقته وأهميته، وأصوله، وشرائط الفقيه النوازلي، ومناهج الاستنباط وطرائق التعرف على أحكام النوازل، ونحو ذلك.
ومن تلك الدراسات والبحوث المعاصرة ما يلي:
١ - بحث "فقه النوازل، قيمته التشريعية والفكرية"، تأليف: د. الحسن الفيلالي، من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس بالمغرب، (١٤٠٤ هـ).
٢ - بحث "منهج معالجة القضايا المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي"، منشور ضمن مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالإمارات، العدد الرابع، سنة (١٤١٢ هـ)، ص ٥٩ - ٦٩،
стр. 60
وقد عني البحث بذكر شروط المجتهد في النوازل، وأحوال الحكم فيها من حيث وجود نص في الحادثة، أو وجود نظير لها عُلِمَ حكمه، أو عدم وجود شيء من ذلك.
٣ - قام الدكتور محمد الروكي بتنسيق جهود مجموعة من الأساتذة الباحثين في ندوة بعنوان: "الاجتهاد الفقهي، أي دور وأي جديد"، ونشرته بالعنوان نفسه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس - الرباط، (١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م). وتناولت البحوث الاجتهاد الفقهي الحديث، منطلقاته، واتجاهاته، ومناهجه، وأساليبه، ووسائله، مع نماذج تطبيقية في الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، ونحو ذلك.
٤ - بحث "المدخل إلى فقه النوازل"، تأليف: د. عبد الناصر أبو البصل، منشور ضمن مجلة أبحاث اليرموك، العدد ١ لسنة (١٩٩٧ م)، من ص ١٢٣ إلى ص ١٥١، وقد اشتمل -على وجازته- على تسعة مطالب، تعرِّف بفقه النوازل، وتعدد أنواعها، وتبين حكم التصدي لها، وشروط مفتي النوازل، وأصول بحث النازلة، ونحو ذلك.
٥ - بحث "سبل الاستفادة من النوازل والفتاوي والعمل الفقهي"، د. وهبة الزحيلي، نشر دار المكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، (١٤٢١ هـ)، وهو بحث قدم للدورة الحادية عشرة لمجمع الفقه الإسلامي المنعقدة بالبحرين في رجب (١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م)، وقد عني بوضع الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند النظر في النوازل المعاصرة.
٦ - "نظرات في النوازل الفقهية"، د. محمد حجي، وهو من منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، المغرب، (١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م)، ويعرض التطور التاريخي لفقه النوازل ونشأته وعرض عددًا من كتبه، وبيَّن خصائص النوازل الفقهية.
٧ - "منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة، دراسة تأصيلية تطبيقية"، وهو رسالة دكتوراه للباحث مسفر بن علي القحطاني، من منشورات دار الأندلس الخضراء، جدة، (١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م)، وقد تناول الباحث في هذا المؤلَّف القيم في بابه تأصيل منهج
стр. 61
استنباط أحكام النوازل المعاصرة، وفصَّل في ضوابط النظر في النوازل، ومناهج العلماء في ذلك، وعقد فصلًا للتطبيقات الفقهية لاستخراج أحكام النوازل المعاصرة.
٨ - "فقه المستجدات في باب العبادات"، لطاهر يوسف الصديقي، وهو رسالة ماجستير من منشورات دار النفائس، بعمَّان، الأردن، (١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م)، وقد اعتنى بدراسة مناهج الفقهاء المتقدمين في الاجتهاد في الحوادث والنوازل بشكل عام، وأبواب العبادات بشكل خاص، والعوامل المؤثرة على الاجتهاد الفقهي في هذا العصر، ثم عقب بدراسة مسائل تطبيقية معاصرة في مستجدات العبادات.
٩ - فقه النوازل دراسة تأصيلية تطبيقية: للدكتور محمد بن حسين الجيزاني، في أربع مجلدات، تضمن المجلد الأول دراسة تأصيلية في نحو ٧٠ صفحة، ثم احتوى قرارات المجامع الفقهية في النوازل المعاصرة، طبع عام (١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م) من منشورات دار ابن الجوزي بالسعودية.
١٠ - الضوابط الشرعية لاستنباط الأحكام الفقهية للنوازل المعاصرة: رسالة دكتوراه مقدمة في كلية دار العلوم للباحث: كمال طه مسلم، وقد نوقشت في (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م)، وقد احتوت جانبًا تأصيليًّا وآخر تطبيقيًّا، اعتمد فيها الباحث على رسالة د. مسفر القحطاني بشكل واضح وإن لم يشر إلى ذلك، وهي رسالة غير مطبوعة.
١١ - "المنهج في استنباط أحكام النوازل": رسالة علمية للباحث وائل بن عبد الله الهويريني، مطبوعة بدار الرشد بالمملكة العربية السعودية، عام (١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م)، واقتصرت على الجانب التأصيلي، وبالاعتماد على ما سبق من رسائل.
١٢ - "الفتيا المعاصرة، دراسة تأصيلية تطبيقية في ضوء السياسة الشرعية"، د. خالد بن عبد الله المزيني، وهي رسالة دكتوراه نوقشت عام (١٤٢٨ هـ)، وطبعت بدار ابن الجوزي، بالسعودية عام (١٤٣٠ هـ)، وقد عنيت ببيان أصول الفتيا المعاصرة وأسسها العامة ومناهجها.
стр. 62
المبحث الثاني
ثمرة دراسة فقه النوازل وأهميته
إن كل فائدة ترجى وكل ثمرة تجنى من دراسة الشريعة والفقه الإسلامي هي ثابتة كذلك لدى دراسة فقه النوازل، وتتبدى تلك الغايات الجليلة من جهات عديدة، وحيثيات متنوعة؛ إلا أنها تعود وترجع إلى جوانب ثلاثة، هي:
أولًا: ثمرته بالنسبة للشريعة والفقه الإسلامي.
ثانيًا: ثمرته بالنسبة للمجتمع الإسلامي.
ثالثًا: ثمرته بالنسبة للفقيه والمجتهد.
وفيما يلي تفصيل لهذه الجهات وبيان لتلك الثمرات:
المطلب الأول: ثمرته بالنسبة للشريعة والفقه الإسلامي:
تجديد الأدلة وتنويعها على إعجاز الشريعة:
مع تناهي الأدلة وتعاقب النوازل، وتجدد الحوادث؛ فإن الشريعة التي تفرض الاجتهاد، لا ينضب معين الأحكام فيها على مر العصور، وكر الدهور، وما ذاك إلا لأنها وحي يوحى، قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، وفي الحديث: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١).
стр. 63
إن الشريعة التي قطب رحاها يدور على جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها -في كل زمان ومكان- هي شريعة معجزة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وإذا كان بعض الفقهاء قد قال: إن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم (١)، فإن منهم من قال بحق: إن الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح (٢).
إن طرفًا من إعجاز هذه الشريعة ينبع من صلاحيتها لكل زمان ومكان وإنسان، ولا تكون كذلك حتى تكون مبنية على اليسر ورفع الحرج، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وطرف آخر من إعجازها ينشأ من شمولها لجميع مناحي الحياة، فلا تترك شاذة ولا فاذة من أعمال المكلفين إلا وضبطتها بما يحقق منفعتهم، ويلائم فطرتهم، ويناسب واقعهم، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
ذلك أنها شريعة الله للإنسان، قال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، ثم إن هذه الشريعة على شموليتها وسعة جوانبها وتعدد عطائها في كل ميدان، لا تتعارض أجزاؤها، ولا تتضارب أحكامها، ولا تتنافر مبادؤها؛ فهي التناسق والتكامل والتوازن، والإحكام في الأحكام، وكما أن الكون على اتساعه وتنوع ممالكه ودوران أفلاكه ينتظم ولا يضطرب، فكذا هذه الشريعة في تناسق أحكامها واستقرار بنائها.
стр. 64
ودرس النوازل المستجدة وتقرير أحكامها في كل زمان ومكان، بما يحقق مصلحة الإنسان، هو برهان ساطع متجدد على إعجاز التشريع.
يقول الرافعي: "وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة وتعاوروه من كل ناحية، وأخلقوا جوانبه بحثًا وتفتيشًا، ثم هو بعدُ لا يزال عندهم على ذلك خلقًا جديدًا ومرامًا بعيدًا وصعبًا شديدًا" (١).
ومن أوضح صور الإعجاز التشريعي أنه لا تنزل نازلة ولا تجدُّ حادثة إلا ولها حكم يُلتمس في نصوص هذه الشريعة مباشرة، أو تُلحق الحادثة بنظيرتها إلحاقًا، أو تندرج تحت قاعدة فقهية كلية، أو يدرك حكمها بالنظر إلى قانون المصالح وقواعد الاستصلاح، وغير ذلك من موارد الأدلة في الشريعة الإسلامية، ولا يوفق لإقامة هذا البرهان، وإظهار هذا البيان؛ إلا متضلِّعٌ من علوم الشريعة ريَّان.
وهذا ما أشار إليه الإمام الجويني (٢) بقوله: "فلو قال قائلٌ: ما يتوقع وقوعه من الوقائع لا نهاية له، ومآخذ الأحكام متناهية، فكيف يشتمل ما يتناهى على ما لا يتناهى، وهذا إعضال لا يبوء بحمله إلا موفق ريَّانٌ من علوم الشريعة" (٣).
وهذا الإعجاز التشريعي إنما يظهر ويثبت عن طريق الفقه الإسلامي، الذي حقيقته عمل الفقهاء المجتهدين في نصوص الوحيين، إدراكًا للعلل والحكم، واستنباطًا للأحكام، وتخريجًا عليها، ومراعاة للمصالح والأعراف والعادات.
стр. 65
وإن التصدي اليوم للنوازل الفقهية في مجالات الحياة كافة، وتكييفها تكييفًا فقهيًّا صحيحًا، واستنباط أحكامها لمما يجدد الأدلة على حيوية الفقه الإسلامي الأصيل، ويؤكد على صلاحيته لمواكبة التطورات، والتصدي للمستجدات، ويبرهن مجددًا على أن الشريعة الإسلامية هي شريعة الخلود (١).
ومن ناحية أخرى فإنه يسهم بشكل ظاهر في كشف عدم موضوعية ما يسمى بالصراع بين الأصالة والمعاصرة في الفقه الإسلامي! فيثبت وجوب اتباع النهج الفقهي الأصيل، ورفض الجمود والتقليد، والتعامل مع المستجدات الفقهية على هذا الأساس.
على أن من أرباب المذاهب الفقهية من المعاصرين من تمهر بفقه إمامه، واطلع على أصوله، ووقف على كلام أصحابه، فإذا أفتى في تلك النوازل تخريجًا على نصوص إمامه أو كلام أصحابه فإن في هذا فائدة جديدة لهذه المذاهب التليدة.
قطع طريق الاعتماد على القوانين الوضعية:
إن النازلة الأخطر والبلاء الأكبر، هو ما حل بديار المسلمين من استبدال الشرع المطهر، وتنحية ما نزل به الروح الأمين على قلب نبينا ﷺ ليكون من المنذرين.
يقول محدِّث ديار مصر القاضي الشرعي الشيخ أحمد شاكر (٢) ﵀: "إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام -كائنًا من كان- في العمل بها أو الخضوع لها أو
стр. 66
إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه" (١).
ويقول الشيخ محمد الخضر حسين، شيخ الجامع الأزهر ﵀: "فصل الدولة عن الدين هدم لمعظم الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين" (٢).
وإن ما ينعق به خصوم الشريعة دعواهم جمودها، وعدم قدرتها على الوفاء بمتطلبات العصر، وضعف استجابتها لمتغيراته، ولقد علم المسلمون أن وفاء الشريعة بمصالح العباد ضرورة عقدية، وبدهية إيمانية، ومسألة واقعية، والقول بغير هذا طعن فيمن شرعها ، واجتراء على من بلَّغها ﷺ وكفى بذلك إثمًا مبينًا.
ومعلوم أنه لا يتأتى لأي تشريع كان إلهيًّا أو وضعيًّا أن يبقى معمولًا به نافذ القول؛ إلا بالاجتهاد الذي تمليه ضرورات الواقع وتطورات الحياة.
وعلى هذا فإن درس النوازل وبحثها، واستنباط أحكامها يقطع ذريعة دهاقنة القوانين الوضعية، ويغلق باب الاجتراء على مقام الشريعة، ويقيم البرهان بصورة عملية على حيوية الفقه الإسلامي وتجدد عطائه في جميع العصور، ولا شك أن في هذا العمل إلزامًا للحجة، وقطعًا للدعاوي، وتفويتًا للفرصة التي ينتهزها العلمانيون للنيل من الشريعة الإسلامية الغراء.
المطلب الثاني: ثمرته بالنسبة للمجتمع الإسلامي:
تقوية الأمة وتعميق الإيمان:
تعاني مجتمعاتنا الإسلامية اليوم من حالة من الهزيمة النفسية، ويتعرض كثير من أبناء الأمة لحملات تشكيك منظمة، تهز كيانهم الفكري والثقافي، عِلاوة على انبهار بحضارة مادية زائفة، وتبعية شبه مطلقة، حتى بات الكثير من أبناء الأمة يتحرج ويجد غضاضة في نفسه من تطبيق تعاليم دينه أو إظهار شعائر عبادته وعبوديته لله تعالى.
стр. 67
ولا شك أن العناية بمتغيرات العصر، وملاحقة تطوراته، وإبداء الرأي الشرعي في حديث مخترعاته، وجديد تقنياته -لمما يسهم في إعادة الثقة إلى نفوس متذبذبة، وتقوية الإيمان في قلوب ضعيفة، وزيادة للإيمان في قلوب واثقة.
إن الجامعات الإسلامية، ومراكز البحوث، والمجامع الفقهية، ودور الإفتاء في العالم الإسلامي رصيد هائل، وطاقة ضخمة، وهي تملك من البحوث والدراسات العلمية الجادة في مختلف المجالات، والكفاءات النادرة المتخصصة في الجوانب الشرعية والواقعية كافة، فجميع هذه المؤسسات مدعوة إلى العناية بقضايا النوازل، وإصدار بحوثها حولها؛ ومن ثم الإسهام بشكل مباشر في تقوية المجتمع المسلم من خلال العناية بنوازله المعاصرة، وهذه معاصَرة مطلوبة في كل ميدان، فلا يخلو باب من أبواب الفقه غالبًا إلا ومنه مسائل تحتاج إلى اجتهاد أو تجديد لا يكاد المتأمل يستثني من تلك الأبواب بابًا، كالطهارة (١) مثلًا أو الصلاة (٢)، أو الإرث (٣) وغير ذلك.
وعليه فلا يستغني مجتمع قوي، ولا أمة مرهوبة، تنبع إرادتها من ذاتها عن التجديد والاجتهاد في كل ميدان، ويلاحظ بشكل جلي أن الفترة الذهبية للأمة الإسلامية، والازدهار الحضاري المتنامي في سالف عهدها كان متواكبًا معه ذلك الإنتاج الفقهي الثري، والذي قدمه الأئمة المجتهدون، تأصيلًا وتطبيقًا.
ويمكن القول بأن فقه النوازل لا يزدهر إلا في المجتمعات المتحضرة، حيث تزداد قيمة العمل، ولا يخشى أحد من إبداء الرأي، ومن جهة أخرى فإن تلك المجتمعات تشهد غالبًا تحولات اجتماعية كبيرة من شأنها أن توجِد نوازل جديدة في مجالات الحياة
стр. 68
كالتجارة والصناعة وفي الأعراف الاجتماعية والتقاليد.
ولعل الاجتهاد في العصر الحاضر ألزم من عصور مضت؛ وذلك لكثرة النوازل، وتعقُّد المسائل، وتطور الحياة بشكل سريع، وللبعد عن أجواء الانضباط بالشريعة، وقيام تحدي الأنظمة الوضعية.
سد حاجة المسلمين لمعرفة حكم الله في النوازل:
إن عناية الفقيه المجتهد مصروفة بلا شك إلى إدراك الحكم الشرعي لأفعال المكلفين، سواء تعلقت هذه الأفعال بعبادات محضة كالصلاة والحج، أم تعلقت بالعقود والمعاوضات أو النكاح والطلاق، أو ما له تعلُّق بالسياسة الشرعية والقضاء.
فمن الطبيعي إذن أن يلجأ المسلمون إلى علمائهم المفتين لاستجلاء أحكام الدين في كل ما يتعلق بالحياة وأفعال الأحياء، وهذه الأحكام قد تختلف باختلاف القيم الاجتماعية السائدة والأعراف، وفقيه النوازل يحتاج إلى إدراك هذه المتغيرات جميعًا، حتى يكون لسان صدق يعبر عن قدرة الفقه الإسلامي على مواكبة هذه المتغيرات في الحياة الاجتماعية، فمجتمعات الحضارة المتقدمة، تختلف -ولا بد- عن مجتمعات البداوة، وهو مطالب بأن يراعي ظروف الزمان والمكان في كل حال.
وأما تلك النوازل من كل وجه، والمستجدة مطلقًا، فليس للمسلمين بد من أن يفيئوا إلى فقهاء النوازل المجتهدين ليصدروا عن قولهم ويأخذوا بحكمهم؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وكثير من أبناء المسلمين تشتد حاجتهم اليوم -وهم يدرسون في تخصصات علمية متعددة، كالطب والهندسة والاقتصاد والسياسة والزراعة وغير ذلك- إلى بيان أحكام ما نزل واستجد مما له تعلق بدراستهم من جهة، وواقع الحياة من جهة أخرى؛ وفي هذا عصمة لهم من التناقض أو الانفصام بين العلم الشرعي والتجريبي.
стр. 69
علاوة على أن عدم العناية بهذه القضايا، وإطلاق أحكام من غير بحث وتروٍّ ربما أوقع الناس في حيرة واضطراب، ولا سيما ما يتعلق بالمسائل الطبية المستجدة، والقضايا الاقتصادية المعاصرة، والنوازل السياسية المعقدة، والعناية بهذا الفقه يضبط الأحكام ويجلِّيها، ويقرِّب وجهات النظر، ويضيِّق هوَّة الخلاف، وفي هذا سد لباب الطعن والافتراء من ناحية، وباب اللجوء إلى غير الشريعة من ناحية أخرى.
المطلب الثالث: ثمرته بالنسبة للفقيه المجتهد:
١ - إذا كان مقصود المسلم من الطاعات وأعمال البر هو مرضاة الله وتحصيل الثواب، فلا شك أن الاشتغال بالشرعيات في الجملة ميدان رحيب لكسب الحسنات وتحصيل الخيرات، والمشتغل بالنوازل الفقهية درسًا وبحثًا من أعلى العلماء رتبة، وأجلِّهم قدرًا، وأكثرهم أجرًا.
ففي الحديث: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (١)، فإن عني هذا الفقيه المجتهد -بعد بحث النازلة ودرسها والإفتاء فيها- بالتعليم فله أجر نشر العلم، وهذه درجات من الثواب، بعضها فوق بعض.
٢ - إن الاشتغال ببحث النوازل ودراسة المسائل المستجدة يدور حكمه بين فرض العين وفرض الكفاية، والقيام بهذا الفرض العيني أو الكفائي أداء للأمانة التي حمَّلها الله تعالى أهل العلم فقد أخذ تعالى الميثاق على العلماء ليبينوا الأحكام الشرعية، ولا يكتموها، والتكليف بهذه الأمانة منحصر فيهم، لقيام أهليتهم، واكتمال آلتهم الشرعية لاستنباط أحكام النوازل الفقهية، فكان لزامًا أن يتصدى
стр. 70
المتأهلون من الفقهاء، والمجتهدون من العلماء لهذا الواجب، إبراءً للذمة، وطلبًا للمعذرة عند الله، وقيامًا بحق قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
٣ - ومن ثمرات الاشتغال بفقه النوازل بالنسبة للفقيه المجتهد تحصيل الدُّربة على تخريج الأحكام؛ وذلك لأن تلك المستجدات المعاصرة غير منصوص على حكمها، فلا سبيل لاستنباط الحكم إلا بالتخريج على ما يشابهها من وقائع، وكما لا يكفي العلم بالقوانين الرياضية دون التدريب عليها لحلِّ مسائلها، وفك غوامضها، فكذلك لا يكفي العلم بالقواعد الأصولية والفقهية دون التدرب على تطبيقها، واستعمالها في إدراك الأحكام الشرعية، وشحذ الذهن، وتقوية الملكة الفقهية، وقد عني أبو حنفية ﵀ بتدريب خواص تلاميذه على هذا المنهج بطرح المسائل عليهم، ومناقشة الأحكام معهم، وتصحيح الصحيح، وتزييف الزائف، كما عرف ذلك عن المالكية في القضاة المشاوَرين، وهم العلماء الذين يحضرون مع القاضي في مجلسه ليستشيرهم القاضي شفاهة أو كتابة في المسائل التي ينظرها بين الخصوم، حتى بلغت عدَّة المشاوَرين في قرطبة خمسة عشر فقيهًا (١).
стр. 71
المبحث الثالث
مفهوم نوازل الأقليات
المطلب الأول: تعريف الأقليات المسلمة:
الأقليات لغةً:
جمع أَقَلِّيَّة، بفتح القاف، وتشديد اللام المكسورة، والياء المشددة المفتوحة، من القِلَّةَ، وهي ضد الكثرة، وأقَلَّ أي: أتى بالقليل، أو جعله قليلًا (١)، والأقلية خلاف الأكثرية (٢).
وقال عمرو بن كلثوم يفاخر بكثرة قومه:
مَلأَنْا الْبَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا ... وماء الْبَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِيْنَا (٣)
وقال السَّمَوْءَلُ يعتذر عن قلَّة قومه:
تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيْلٌ عَدِيْدُنَاْ ... فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيْلُ (٤)
الأقليات شرعًا:
لقد ورد لفظ القلة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، واستعمل كثيرًا بمعناه اللغوي الذي يدور حول القلَّة العددية في مقابل الكثرة العددية أيضًا، ولكن دون أبعاد معنوية أخرى، فأحيانًا يحدثنا القرآن عن الكثرة في سياق التذكير بالنعمة، وإظهار الفضل والمنة، كما قال
стр. 72
تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦].
وغالبًا ما ترتبط الكثرة في القرآن الكريم بقلَّة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨].
والقلَّة كثيرًا ما ترتبط بالصفات الإيجابية، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠].
فالأكثرية والأقلية مصطلحان يستخدمان بمعنى الكثرة العددية والقلة العددية، فقط لا غير، دونما أية ظلال مفهومية لصيقة بالكثرة أو القلة، وإنما العبرة بالمعايير التي تجتمع عليها وتؤمن بها وتنتمي إليها الأكثريات والأقليات، فالمدح والذم، والإيجاب والسلب، والقبول والرفض؛ إنما هو للمعايير والمكونات والهويات والمواقف ولا أثر في ذلك للكثرة أو القلة في الأعداد (١).
الأقليات اصطلاحًا:
بعد البحث فإننا لا نجد لمصطلح الأقليات بهذا النص وجودًا في كتب الفقهاء المذهبية
стр. 73
أو المقارنة، أو شروح آيات وأحاديث الأحكام؛ مما يمكن معه التأكيد على أن هذا المصطلح من المصطلحات الوافدة إلى واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي، فهو منقول إلينا من ثقافة غير ثقافتنا، وعن حضارة غير حضارتنا؛ ولذا فإنه يتعين على من يريد أن يتعامل به أن يقف على معناه لديهم، وعلى الظلال الثقافية والاجتماعية الناشئة في بيئتهم، بل والسياسية أيضًا!
وقد يعرَّف مصطلح الأقليات (Minorities) في المفهوم الغربي الوافد مرتبطًا بالهوية الثقافية، حيث تعتبر الأقلية ذات هوية ثقافية مغايرة لهوية المجتمع الثقافية الذي تعيش فيه، ومن ذلك: استعمالهم لمصطلح الأقليات في التعبير عن الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم أو يعتبرهم الآخرون مشتركين في بعض السمات والخصائص التي تميزهم عن التجمعات الأخرى، في مجتمع يستطيعون في إطاره تطوير سلوكهم الثقافي الخاص.
وربما حمل هذا المصطلح أبعادًا سياسية بما يوحي بأنه مصطلح سياسي، وإن ظهرت معه بعض الأبعاد الدينية أو الاجتماعية (١).
وقد وردت عدة تعريفات لهذا المصطلح، منها:
١ - الأقلية: مجموعة من سكان قطر أو إقليم أو دولة ما تخالف الأغلبية في الانتماء العرقي أو اللغوي أو الديني، دون أن يعني ذلك بالضرورة موقفًا سياسيًّا وطبقيًّا متميزًا (٢).
٢ - وهي في العرف الدولي مئات من رعايا دولة من الدول تنتمي من حيث الجنس أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه أغلبية رعاياها (٣).
٣ - وعرفها بعض المؤلفين بأنها جماعة من السكان من شعب معين، عددهم أقل من
стр. 74
بقية السكان، لهم ثقافتهم ولغتهم ودينهم، ويطالبون بالمحافظة على شخصيتهم وثقافتهم على أساس نظام معين (١).
٤ - مجموعة قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية تختلف عن المجموعات الأخرى الموجودة داخل دولة ذات سيادة (٢).
من هذه التعريفات نلاحظ أن الأقلية هي مجموعة من سكان دولة أو إقليم أو قطر ما يختلفون عن غالبية سكان تلك الدولة بخاصية من الخصائص السابقة، إما في العرق، أو في الثقافة، أو في الدين، ويحاولون بكل الإمكانات أن يحافظوا على هذه الخصائص لكي لا تذوب في خصائص الأغلبية.
الخلفية التاريخية لهذا المصطلح:
كان للحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت أثر في ظهور بنود في المعاهدات الدولية، تنص على حماية حقوق كل طائفة لا تمثل الأغلبية في الدولة التي تقيم فيها.
وفي المؤتمر الذي انعقد بباريس (١٨٥٦ م) في أعقاب حرب القرم، تضمنت المعاهدات التراتيب الواجب اتخاذها لحماية المسيحين في تركيا.
ثم إنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى فرضت معاهدة فرساي تقسيمًا وتحديدًا جديدًا لخارطة كثير من الدول، مما تولد عنه وجود أقليات داخل الحدود المفروضة بقوة تلكم المعاهدة.
لقد حاولت (عصبة الأمم) أن تضع نظامًا أساسيًّا يهدف لحماية الأقليات، ويحفظ هويتهم الخاصة دون أن يؤثِّر ذلك على انتمائهم للدولة التي يقيمون داخل حدودها. ولكن هذا النظام لم تكن له الفاعلية المرجوة منه، واغتيل أثره تبعًا لعجز عصبة الأمم عن تنفيذ قراراتها.
стр. 75
ثم إنه بعد الحرب العالمية الثانية، عاودت حقوق الأقليات للظهور ولفت الأنظار إليها في منظمة الأمم المتحدة، باعتبار أنها تابعة لحقوق الإنسان بصفة عامة. فاعتمدت حقوق الأقليات على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة (١٩٤٨ م)، كما اعتمدت على القرارات الصادرة من اللجنة الفرعية لمقاومة الإجراءات التمييزية والقيام على حماية الأقليات، هذه اللجنة التي تأسست (١٩٤٧ م) داخل هياكل لجنة حقوق الإنسان.
لقد كان لقراراتها أثر محمود على النطاق العالمي، فاستلهمتها بعض الدول فيما يخص تعاملها مع الأقليات، وأمكن بفضل اعتمادها حل بعض المشاكل التي ظهرت داخل حدودها.
ولكن تلكم القرارت تبدو غير كافية؛ لأنها لم تُتْبع بآلية تفرض احترامها وتنفيذها.
كما أنه عند التطبيق يلاحظ أن الإدانات التي تدين بها الأمم المتحدة دولة من الدول لعدم احترامها لحقوق الأقليات تكون مرتبطة في كثير من الأحوال بخلفية سياسية ومصالح، وهذا ما أضعف تأثيرها لدى الرأي العام.
ثم إن الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان سار خطوة إلى الأمام؛ وذلك لتضمنه تمكين الأفراد المنتسبين للأقليات داخل أوطانهم الأوروبية إذا انتهكت حقوقهم، بعد القيام بالإجراءات القانونية في أوطانهم، من رفع قضاياهم إلى المجلس الأوروبي لينصفهم، ويحمي هويتهم حماية ينقذها من مخالب التذويب. ولكن هذه التنظيمات داخل المجلس الأوروبي متوقفة على إجراءات معقدة ومكلفة مما يحد من فاعليتها.
هذه صورة مختصرة عن تطور مبدأ حقوق الأقليات في القرنين الأخيرين.
ويتجلى من تتبع هذا الواقع أنه يتجاذبه طرفان:
أولهما: قيام رجال مؤمنين بالكرامة الإنسانية يبرزون مقتضياتها ويدافعون عنها ويشرحون تفصيلاتها، ويقدمون للمجتمع الدولي في مؤسساته الصورة المثلى التي ينبغي أن تكون عليها العلاقات البشرية، ومعاملة الإنسان كإنسان من السلطة التي تحكم المتساكنين في الوطن الواحد.