← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المبحث الثالث مفهوم نوازل الأقليات المطلب الأول: تعريف الأقليات المسلمة: الأقليات لغةً: جمع أَقَلِّيَّة، بفتح القاف، وتشديد اللام المكسورة، والياء المشددة المفتوحة، من القِلَّةَ، وهي ضد الكثرة، وأقَلَّ أي: أتى بالقليل، أو جعله قليلًا (١)، والأقلية خلاف الأكثرية (٢). وقال عمرو بن كلثوم يفاخر بكثرة قومه: مَلأَنْا الْبَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا ... وماء الْبَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِيْنَا (٣) وقال السَّمَوْءَلُ يعتذر عن قلَّة قومه: تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيْلٌ عَدِيْدُنَاْ ... فَقُلْتُ لَهَا: إِنَّ الْكِرَامَ قَلِيْلُ (٤) الأقليات شرعًا: لقد ورد لفظ القلة في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، واستعمل كثيرًا بمعناه اللغوي الذي يدور حول القلَّة العددية في مقابل الكثرة العددية أيضًا، ولكن دون أبعاد معنوية أخرى، فأحيانًا يحدثنا القرآن عن الكثرة في سياق التذكير بالنعمة، وإظهار الفضل والمنة، كما قال

стр. 72

تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وغالبًا ما ترتبط الكثرة في القرآن الكريم بقلَّة الإيمان والعلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨]. والقلَّة كثيرًا ما ترتبط بالصفات الإيجابية، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. فالأكثرية والأقلية مصطلحان يستخدمان بمعنى الكثرة العددية والقلة العددية، فقط لا غير، دونما أية ظلال مفهومية لصيقة بالكثرة أو القلة، وإنما العبرة بالمعايير التي تجتمع عليها وتؤمن بها وتنتمي إليها الأكثريات والأقليات، فالمدح والذم، والإيجاب والسلب، والقبول والرفض؛ إنما هو للمعايير والمكونات والهويات والمواقف ولا أثر في ذلك للكثرة أو القلة في الأعداد (١). الأقليات اصطلاحًا: بعد البحث فإننا لا نجد لمصطلح الأقليات بهذا النص وجودًا في كتب الفقهاء المذهبية

стр. 73

أو المقارنة، أو شروح آيات وأحاديث الأحكام؛ مما يمكن معه التأكيد على أن هذا المصطلح من المصطلحات الوافدة إلى واقعنا الثقافي والاجتماعي والسياسي، فهو منقول إلينا من ثقافة غير ثقافتنا، وعن حضارة غير حضارتنا؛ ولذا فإنه يتعين على من يريد أن يتعامل به أن يقف على معناه لديهم، وعلى الظلال الثقافية والاجتماعية الناشئة في بيئتهم، بل والسياسية أيضًا! وقد يعرَّف مصطلح الأقليات (Minorities) في المفهوم الغربي الوافد مرتبطًا بالهوية الثقافية، حيث تعتبر الأقلية ذات هوية ثقافية مغايرة لهوية المجتمع الثقافية الذي تعيش فيه، ومن ذلك: استعمالهم لمصطلح الأقليات في التعبير عن الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم أو يعتبرهم الآخرون مشتركين في بعض السمات والخصائص التي تميزهم عن التجمعات الأخرى، في مجتمع يستطيعون في إطاره تطوير سلوكهم الثقافي الخاص. وربما حمل هذا المصطلح أبعادًا سياسية بما يوحي بأنه مصطلح سياسي، وإن ظهرت معه بعض الأبعاد الدينية أو الاجتماعية (١). وقد وردت عدة تعريفات لهذا المصطلح، منها: ١ - الأقلية: مجموعة من سكان قطر أو إقليم أو دولة ما تخالف الأغلبية في الانتماء العرقي أو اللغوي أو الديني، دون أن يعني ذلك بالضرورة موقفًا سياسيًّا وطبقيًّا متميزًا (٢). ٢ - وهي في العرف الدولي مئات من رعايا دولة من الدول تنتمي من حيث الجنس أو اللغة أو الدين إلى غير ما تنتمي إليه أغلبية رعاياها (٣). ٣ - وعرفها بعض المؤلفين بأنها جماعة من السكان من شعب معين، عددهم أقل من

стр. 74

بقية السكان، لهم ثقافتهم ولغتهم ودينهم، ويطالبون بالمحافظة على شخصيتهم وثقافتهم على أساس نظام معين (١). ٤ - مجموعة قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية تختلف عن المجموعات الأخرى الموجودة داخل دولة ذات سيادة (٢). من هذه التعريفات نلاحظ أن الأقلية هي مجموعة من سكان دولة أو إقليم أو قطر ما يختلفون عن غالبية سكان تلك الدولة بخاصية من الخصائص السابقة، إما في العرق، أو في الثقافة، أو في الدين، ويحاولون بكل الإمكانات أن يحافظوا على هذه الخصائص لكي لا تذوب في خصائص الأغلبية. الخلفية التاريخية لهذا المصطلح: كان للحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت أثر في ظهور بنود في المعاهدات الدولية، تنص على حماية حقوق كل طائفة لا تمثل الأغلبية في الدولة التي تقيم فيها. وفي المؤتمر الذي انعقد بباريس (١٨٥٦ م) في أعقاب حرب القرم، تضمنت المعاهدات التراتيب الواجب اتخاذها لحماية المسيحين في تركيا. ثم إنه في أعقاب الحرب العالمية الأولى فرضت معاهدة فرساي تقسيمًا وتحديدًا جديدًا لخارطة كثير من الدول، مما تولد عنه وجود أقليات داخل الحدود المفروضة بقوة تلكم المعاهدة. لقد حاولت (عصبة الأمم) أن تضع نظامًا أساسيًّا يهدف لحماية الأقليات، ويحفظ هويتهم الخاصة دون أن يؤثِّر ذلك على انتمائهم للدولة التي يقيمون داخل حدودها. ولكن هذا النظام لم تكن له الفاعلية المرجوة منه، واغتيل أثره تبعًا لعجز عصبة الأمم عن تنفيذ قراراتها.

стр. 75

ثم إنه بعد الحرب العالمية الثانية، عاودت حقوق الأقليات للظهور ولفت الأنظار إليها في منظمة الأمم المتحدة، باعتبار أنها تابعة لحقوق الإنسان بصفة عامة. فاعتمدت حقوق الأقليات على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة (١٩٤٨ م)، كما اعتمدت على القرارات الصادرة من اللجنة الفرعية لمقاومة الإجراءات التمييزية والقيام على حماية الأقليات، هذه اللجنة التي تأسست (١٩٤٧ م) داخل هياكل لجنة حقوق الإنسان. لقد كان لقراراتها أثر محمود على النطاق العالمي، فاستلهمتها بعض الدول فيما يخص تعاملها مع الأقليات، وأمكن بفضل اعتمادها حل بعض المشاكل التي ظهرت داخل حدودها. ولكن تلكم القرارت تبدو غير كافية؛ لأنها لم تُتْبع بآلية تفرض احترامها وتنفيذها. كما أنه عند التطبيق يلاحظ أن الإدانات التي تدين بها الأمم المتحدة دولة من الدول لعدم احترامها لحقوق الأقليات تكون مرتبطة في كثير من الأحوال بخلفية سياسية ومصالح، وهذا ما أضعف تأثيرها لدى الرأي العام. ثم إن الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان سار خطوة إلى الأمام؛ وذلك لتضمنه تمكين الأفراد المنتسبين للأقليات داخل أوطانهم الأوروبية إذا انتهكت حقوقهم، بعد القيام بالإجراءات القانونية في أوطانهم، من رفع قضاياهم إلى المجلس الأوروبي لينصفهم، ويحمي هويتهم حماية ينقذها من مخالب التذويب. ولكن هذه التنظيمات داخل المجلس الأوروبي متوقفة على إجراءات معقدة ومكلفة مما يحد من فاعليتها. هذه صورة مختصرة عن تطور مبدأ حقوق الأقليات في القرنين الأخيرين. ويتجلى من تتبع هذا الواقع أنه يتجاذبه طرفان: أولهما: قيام رجال مؤمنين بالكرامة الإنسانية يبرزون مقتضياتها ويدافعون عنها ويشرحون تفصيلاتها، ويقدمون للمجتمع الدولي في مؤسساته الصورة المثلى التي ينبغي أن تكون عليها العلاقات البشرية، ومعاملة الإنسان كإنسان من السلطة التي تحكم المتساكنين في الوطن الواحد.

стр. 76

وثانيهما: قوى متسلطة لا يهمها إلا بسط سيطرتها على تلكم الأقليات، أو استخدام تلكم المبادئ لأغراض سياسية تمكِّن لهيمنتها المتغطرسة على بعض الدول لابتزازها، وبالتالي التدخل في شئونها الداخلية. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الأقليات الشاذة المخرِّبة للقيم وللمبادئ العليا للإنسانية تحاول اليوم أن تعتمد هذه المبادئ الرفيعة لحقوق الأقليات لتبرر انحرافها. فقد أخذت مثلًا جمعيات الشاذِّين جنسيًّا من حقوق الأقليات غطاءً لفسادها، وتحصنت بها كقوة تظهر به في العلن مطالبة بأن يكون لها كيانها المعترف به اجتماعيًّا وقانونيًّا. وهكذا تتدمر البشرية كلما حلت الرابطة التي تشدها إلى الحق (الإيمان) ويتعرض الخير إلى انتكاسة ومسخ فينقلب شرًّا. ومع الواقع المتسلط تقوم أجهزة الإعلام بضجة كبرى منوِّهة بحقوق الأقليات، وتبالغ في تشويه سمعة من ينتهكها من الدول الضعيفة في ميزان القوى الدولية، فتعد الرأي العام العالمي للانحياز إلى ما ترغب القوى العظمى في تحقيقه من غايات تسلطية بناء على تلكم الانتهاكات المقيتة فعلًا، ولكنها تخرس عن كشف الانتهاكات التي تقوم بها الدول القوية على الأقليات داخل حدودها. وإن ما تقوم به إسرائيل اليوم من تمييز بين سكان فلسطين من اليهود من جهة، ومن السكان الأصليين: المسيحيين والمسلمين من جهة أخرى، واضطهاد غير اليهودي، والاعتداءات المتكررة على حقوقهم، واعتبارهم مواطنين من الدرجة المنحطة المنبوذة في مرتبة دون اليهود الشرقيين والفلاشا؛ لأنهم أقلية داخل المجتمع الذي هوَّدته بالألاعيب السياسية، ليكشف عن وجه بشع يتولد عنه -حتمًا- الكراهية والحقد، وما يتبعها من اضطراب الأمن والقضاء على السلام العالمي (١).

стр. 77

ويعلل بعض الباحثين ظهور هذا المصطلح في الشرق في هذا القرن ببعض الأسباب، منها: ١ - وجود التقسيمات الجغرافية التي فُرضت على بني البشر؛ إذ تعيش كل طائفة منهم في بقعة جغرافية محددة حيث لا يستطيع أي فرد أن ينتقل من البقعة التي يعيش فيها إلى بقعة أخرى إلا إذا سمحت له الدولة الثانية بذلك كأن تمنحه الجنسية ليصبح أحد مواطنيها، تجري عليه الحقوق والواجبات التي تجري على سكان البلد الأصليين. ٢ - فقدان كيان العدالة الممثل في الدولة الإسلامية، حيث يجب عليها أن تقيمه وتحافظ عليه داخل حدودها وخارجها وتمنع الظلم بأشكاله. ولما ضعفت الدولة الإسلامية، وفقدت نفوذها بدأ هذا المصطلح في الظهور؛ مما يؤكد القول بأن مصطلح الأقلية ليس مصطلحًا إسلاميًّا؛ وإنما هو مصطلح سياسي جديد بدأ ظهوره واستعماله بشكل كبير في بداية العهد الاستعماري الحديث (١). وأيًّا ما كان الأمر فقد استقرت دلالة هذا المصطلح في العصر الحديث على مجموع أمرين معًا، هما: القلة العددية لمجموعة ما تعيش في مجتمع أوسع، والتميز دون سائر ذلك المجتمع بخصوصيات أصيلة، وبغضِّ النظر عن اعتبارات أخرى. ولقد وجد من الباحثين من يحاول أن يضيف إلى معنى هذا المصطلح ومغزاه أمورًا أخرى، كأن يشترط في هذه الأقلية أن تكون منظمة بشكل ما، أو أنها تعامل معاملة خاصة، أو أنها تتعرض للتذويب الثقافي، ونحو ذلك. ومن أمثلة هذا المنحى في تعريف الأقلية: هي مجموعة بشرية تعيش بين مجموعة بشرية أكثر عددًا، وتختلف عنها في خاصية من الخاصيات تصبح نتيجتها أن تعامل معاملة مختلفة عن معاملة الأكثرية (٢).

стр. 78

وإذا كنا بصدد وضع تعريف اصطلاحي للأقليات عند فقهاء المسلمين في العصر الحديث، فإننا يتعين علينا أن ننطلق من الإسلام ذاته، وموقفه من الآخر، وهذا الموقف لا يقوم على نفي الآخر أو ظلمه أو قهره. فالبشرية كلها قد خلقها الله تعالى من نفس واحدة، ثم شاء لها التنوع والاختلاف، إلى ذكران وإناث، وشعوب وقبائل، وألسنة ولغات وقوميات، وألوان وأجناس، ومناهج وثقافات وحضارات، وأعراف وتقاليد وعادات، في إطار جامعٍ هو الإنسانية الواحدة، ونفس المنهاج، قد حكم الرؤية الإسلامية في النظر إلى الأمة ورعية الدولة، فجامع الأمة هو الرابط الذي يظلل التنوع والاختلاف في الشعوب والقبائل، وفي الألسنة واللغات والقوميات، وفي الطبقات الاجتماعية، وفي الأقاليم والأوطان، وفي العادات والتقاليد والأعراف -أي: الثقافات الفرعية- كل هذا التنوع الذي هو سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل؛ يعيش الناس جميعًا في ظلال جوامع الأمة الواحدة، والحضارة الواحدة، وفي إطار دار الإسلام، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨] أي: ملة واحدة ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]. فكل هذه الأنواع من التمايزات هي القاعدة المضطردة، والإعمال لسنة الله تعالى في كل عوالم الخلق، ومن ثم فلا شبهة لوجود أية ظلال سلبية تنشأ بسبب أي تنوع أو اختلاف من هذه التمايزات، وبصرف النظر عن الأعداد التي ترتبط بأي لون من ألوان هذا الاختلاف، فهذه التمايزات إما أنها مؤسسة على صفات لصيقة، هي من صنع الله،

стр. 79

أو على خيارات إنسانية؛ التعددية فيها سنة من سنن الله (١). فلا مجال في الإسلام إذن لوجود أقلية مضطهدة أو مسلوبة الحق في الحياة الكريمة في ظل وجود الأكثرية المسلمة أو الأمة المسلمة أو الدولة المسلمة؛ بل جاء الإسلام -حين جاء- ليقضي على مفاهيم التسلط والسيطرة التي سادت بين المجتمعات القديمة، فالرومان يحتكرون الشرف والسيادة للجنس الروماني، فلا يحق لرعاياهم أن يحكموا بالقانون الروماني، ولا يحق لهم أن يدينوا إلا بدين السادة الرومان، سواء كان الدين وثنيًّا أم كان نصرانيًّا، ولم تكن اليهودية التلمودية عن هذا المسلك ببعيد، حيث صبت جام الغضب على المسيح عيسى ابن مريم ﷺ ، وعلى حوارييه والذين آمنوا به من بعد واتبعوه. أما الإسلام فقد جاء ليرفع شعار ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وليرعى القلَّة غير المسلمة من أهل الذمة في البلاد المفتوحة، ويحفظ لهم حقوقهم، ويصون لهم حرياتهم. وعلى هذا فلا ينبغي أن يحمَّل مصطلح الأقلية في الفكر والاصطلاح الإسلامي أي معنى من معاني العنصرية أو القهر والاضطهاد للأقلية في المجتمع أو الدولة الإسلامية. أما مصطلح الأقليات المسلمة، فإنه يعني: كل مجموعة مسلمة تعيش بين مجموعة أخرى لا تدين بالإسلام، ولما كان شأن غير السلمين إذا كثروا وسادوا أن يتسلطوا على المسلمين كما وقع ويقع، وكان شأن الأقليات أن تتضام وتتلاحم فيما بينها؛ فقد ذهب بعض الباحثين إلى تعريف الأقليات المسلمة بأنها: كل مجموعة بشرية تعيش بين مجموعة أكبر منها، وتختلف عنها في كونها تنتمي إلى الإسلام، وتحاول بكل جهدها الحفاظ عليه (٢). وقد ذهب بعض الباحثين إلى اعتبار ضابط المعيار العددي فحسب لتحديد ما يطلق عليه أقلية إسلامية؛ إذ تعتبر الدول التي يزيد عدد المسلمين فيها عن ٥٠ % من

стр. 80

السكان دولة إسلامية، فإن قلت النسبة عن ذلك كان المسلمون أقلية. إلا أن هذا المعيار قابل للمناقشة، حيث تعتبر أوغندا والجابون من الدول الإسلامية، وهما عضوان بمنظمة المؤتمر الإسلامي، على أن نسبة المسلمين لا تبلغ ٥٠ %، وربما بلغت في بعض البلاد هذه النسبة إلى ٥٠ % أو زيادة، ومع هذا ينظر إلى المسلمين في تلك البلاد على أنهم أقلية حيث لا وصول لهم إلى الحكم أو المناصب القيادية (١). وبالجملة: فإن المعيار العددي هو معيار أغلبي وإن لم يكن معيارًا كليًّا، ويبعد أن يكون المسلمون أقلية عددية في دولة معاصرةٍ اليوم، ثم يحكمون غيرهم، فضلًا عن أن يحكموا -والحال هذه- بالإسلام وبشريعة القرآن. وأخيرًا فإن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي قد أصدر قرارًا بشأن رعاية الأقليات المسلمة جاء فيه "ينبغي استبعاد تسمية الوجود خارج العالم الإسلامي بـ (الأقليات) أو (الجاليات)؛ لأن تلك التسميات مصطلحات قانونية لا تعبِّر عن حقيقة الوجود الإسلامي الذي يتصف بالشمولية والأصالة والاستقرار والتعايش مع المجتمعات الأخرى، فإن التسميات المناسبة هي مثل: المسلمون في الغرب، أو المسلمون خارج العالم الإسلامي" (٢). وما صدر عن مجمع الفقه الإسلامي الدولي موافق لما صدر عن الدورة العاشرة لمؤتمر القمة الإسلامي، والذي انعقد بماليزيا في شعبان ١٤٢٤ هـ - أكتوبر ٢٠٠٣ م. حيث جاء في القرار رقم ٥/ ١٠ بشأن تعبير "الأقليات المسلمة" دعم هذه الأقليات

стр. 81

وتبني قضاياها، ثم ورد ضمن بنوده ما يلي: "٢ - يقرر استخدام تعبير المجتمع الإسلامي، أو التجمع الإسلامي، في جميع وثائق منظمة المؤتمر الإسلامي المحررة باللغة العربية. ٣ - يقرر أيضًا مواصلة تعبير "أقليات مسلمة" في جميع وثائق منظمة المؤتمر الإسلامي المحررة باللغتين الإنجليزية والفرنسية. ٤ - يؤكد مع التشديد أن مثل هذا الاستخدام لن يترتب عليه، أي تغيير أو إضرار أو إقلال لحق أو حقوق أو أوضاع أو هوية قد كفلها للأقليات القانون الدولي أو الصكوك والمواثيق الدولية، أو أية صكوك أخرى فضلًا عن أية اتفاقيات إقليمية أو ثنائية أو متعددة الأطراف قد تنطلق على حق أو حقوق الأقليات والمجتمعات والجاليات وسائر الجماعات المسلمة في الدول غير الأعضاء بمنظمة المؤتمر الإسلامي". وقد أكد المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في بيانه الختامي لدورته العادية السادسة عشرة على أن المسلمين الذين يعيشون في البلاد الأوروبية هم إما مواطنون قد ضمنت لهم القوانين جميع حقوق المواطنة، ومنها: حرية التدين، والمحافظة عليه، والتمكين من التعريف به. . . وإما مقيمون وعليهم جميعًا التقيد بأحكام الشرع وآدابه وأخلاق أهل الإسلام (١). المطلب الثاني: مفهوم نوازل الأقليات المسلمة: سبق أن تبين مفهوم فقه النوازل، وأنه ذلك العلم الذي يبحث في الأحكام الشرعية للوقائع المستجدة والمسائل الحادثة، مما لم يرد بخصوصها نص، ولم يسبق فيها

стр. 82

اجتهاد، كما تبين أيضًا مفهوم الأقليات المسلمة وأنها كل مجموعة مسلمة تعيش بين مجموعة أكبر منها لا تدين بالإسلام. وعليه؛ فإن فقه نوازل الأقليات المسلمة: هو ذلك الفرع العلمي الذي يبحث في المسائل والوقائع المستجدة للأقليات المسلمة خارج ديار الإسلام. وإذا كان مصطلح الأقليات إنما ولد في الغرب هذا القرن، وإذا كان مصطلح فقه الأقليات المسلمة لا يتجاوز عمره ثلاثة عقود؛ فإن مصطلح نوازل الأقليات المسلمة أو فقه النوازل للأقليات المسلمة هو وليد السنوات القليلة الماضية، حيث تلاحقت أحداث جسام وتقدمت الحياة التقنية بشكل مذهل من جهة، وعملت الأقليات المسلمة على خوض غمار التفاعل الإيجابي في تلك البلاد من جهة أخرى، ودارت الآلة العسكرية الغربية ضد المسلمين حول العالم من جهة ثالثة، وهكذا تحاول تلك الأقليات أن تشق طريق البقاء، وترفع شعار توطين الدعوة والدعاة في تلك البلاد، وتبحث مشاكلها الشرعية والاجتماعية والسياسية، وتوجد لها الحلول العملية والواقعية المستندة إلى الشريعة الإسلامية الغراء، التي تفي بحاجات أهل كل عصر في كل مكان، وتحت كل الظروف. وفقه نوازل الأقليات ما هو إلا فرع من الفقه، أو فرع من فقه النوازل يستمد من نفس المصادر، ويرجع إلى عين القواعد الأصولية والفقهية التي يرجع إليها الفقه والفقهاء في كل عصر ومصر؛ إلا أنه يتجه إلى شيء من التخصص، مع التركيز على جملة من الثوابت والضوابط. وهو فقه اصطلاحي تاصيلي لا تسويغي تبريري، يحفظ الحياة الدينية للأقليات المسلمة ويراعي خصوصيتها، وجوانب الضرورة في حياتها، ويتعامل مع قواعد الموازنة بين المصالح والمفاسد. وسيأتي في أثناء هذا البحث -بمشيئة الله- ما يؤكد على هذه المعاني، وينبه إلى هذه القواعد المهمة بالتفصيل.

стр. 83

والكتابة في نوازل الأقليات المسلمة كتابة جديدة والعهد بها قريب، ولا يمنع هذا من وجود عدد من الإصدارات العلمية والرسائل الجامعية والتي عنيت بقضايا تأصيلية وأخرى تطبيقية. ومن تلك الدراسات والبحوث المعاصرة ما يلي: ١ - "الأحكام السياسية للأقليات المسلمة في الفقه الإسلامي"، لسليمان محمد توبولياك، من منشورات دار النفائس، ودار البيارق، عمَّان، (١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م)، وهو في الأصل رسالة علمية نال بها صاحبها درجة الماجستير من كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، وهو من أوائل البحوث في هذا الصدد. ٢ - "فقه الأقليات المسلمة"، لخالد عبد القادر، نشر دار الإيمان، طرابلس (١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م). وهو رسالة علمية قيمة نوقشت في كلية الأوزاعي بلبنان، تناول صاحبها كثيرًا من مسائل فقه الأقليات. ٣ - "الأقليات الإسلامية وما يتعلق بها من أحكام في العبادة والإمارة والجهاد"، لمحمد درويش سلامة، وهي رسالة ماجستير مخطوطة ضمن رسائل كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، (١٤٢٠ هـ). ٤ - "في فقه الأقليات المسلمة"، د. طه جابر العلواني، نشر دار نهضة مصر (٢٠٠٠ م)، وهي رسالة صغيرة، وقد نحى فيها منحى يخرج فيه بفقه الأقليات عن أن يكون مشدود العرى بالفقه والأصول بشكل تقليدي، وقد انتقد هذا المسلك ونعي عليه! ٥ - الأحكام الفقهية لما يعرض للمسلم المقيم في دار الكفر، ليوسف بن عبد اللطيف الجبر، وهي رسالة مخطوطة نال بها صاحبها درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء بالسعودية عام ١٤٢١ هـ. ٦ - "في فقه الأقليات المسلمة"، لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، نشر دار الشروق،

стр. 84

القاهرة، (١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م)، وهو كتاب مختصر، عدد فيه الشيخ أهم القواعد التي يرد إليها فقه الأقليات، مع التعرض لعدد من النوازل بالإفتاء. ٧ - "فقه الجاليات الإسلامية في المعاملات المالية والمعاملات الاجتماعية"، وهي رسالة دكتوراة في الجامعة الأمريكية المفتوحة، لشريفة سالم السعيد، (٢٠٠١ م). ٨ - "أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب"، د. سالم بن عبد الغني الرافعي، وهي رسالة دكتوراه من منشورات دار ابن حزم، بيروت، (١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م) ٩ - "المسائل العقدية المتعلقة بالأقليات الإسلامية"، لعبد المنعم عبد الغفور حيدر، وهي رسالة دكتوراه مخطوطة بكلية الدعوة وأصول الدين، جامعة أم القرى، مكة المكرمة (١٤٢٦ هـ). ١٠ - "فقه السياسة الشرعية للأقليات المسلمة"، لفلة زردومي، وهي رسالة ماجستير مخطوطة بقسم الشريعة، كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية، جامعة العقيد الحاج لخضر، باتنة، الجزائر، (١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م). ١١ - "صناعة الفتوى وفقه الأقليات"، لفضيلة الدكتور عبد الله بن بيَّه، نشر دار المنهاج، جدة (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م)، وهو كتاب قيم تناول فيه الشيخ الأصول التي يرجع إليها في فقه الأقليات، وعرض لفتاوي المجلس الأوروبي للإفتاء وعلق عليها. ١٢ - بحث "نحو فقه جديد للأقليات"، د. جمال الدين عطية، نشر دار السلام، القاهرة، (١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م)، وهي رسالة صغيرة تناولت مسألة الأقليات وإشكالاتها بشكل عام. ١٣ - "فقه الأسرة المسلمة ونوازلها في الغرب"، لعبد الرحمن البرزنجي، وهي رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية المفتوحة، ثم

стр. 85

نشرتها دار المحدثين، بالقاهرة (٢٠٠٨ م). ١٤ - "قضايا الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية"، أ. د. محمد الشحات الجندي، من منشورات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، (١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م). وهي رسالة تناول فيها مؤلفها موقفه من عدد من قضايا الأقليات باختصار. ١٥ - بحوث ندوة "فقه الأقليات في ضوء مقاصد الشريعة: تميز واندماج" المنعقدة في كوالامبور خلال الفترة من (٩/ ١١/ ٢٠٠٩ م) إلى (١١/ ١١/ ٢٠٠٩ م)، وقد تضمنت بحوثًا جادة ومتميزة في مجال فقه الأقليات ونوازلها وأصولها وضوابطها. هذا بالإضافة إلى رسائل مفردة في أبواب محددة، وبحوث ضمن مجلات علمية محكمة، وندوات بحثية، ولقاءات علمية متنوعة.

стр. 86

الفْصَلُ الثَانِي واقع الأقليات المسلمة المبحث الأول: نشأة الأقليات المسلمة وتاريخها. المبحث الثاني: الواقع الإحصائي للأقليات المسلمة. المبحث الثالث: خصائص الأقليات المسلمة. المبحث الرابع: مشكلات الأقليات المسلمة.

стр. 87

المبحث الأول نشأة الأقليات المسلمة وتاريخها البحث في نشوء الأقليات المسلمة في العالم يشير إلى وجود أسباب عملت منفردة وأحيانًا مجتمعة لتكوين نواة الأقليات المسلمة، وهذه الأسباب بطبيعة الحال يتفاوت تأثيرها من مكان لآخر، وفيما يلي عرض لأهم هذه الأسباب: ١ - اعتناق الإسلام: فإنه من الممكن أن تشكل الأقلية المسلمة في أي بقعة من بقاع الأرض إذا اعتنق بعض أهلها الإسلام، كحال الرسول ﷺ والمسلمين الذين أسلموا في بداية الدعوة الإسلامية وسط مجتمع مكة المشرك، ومن هؤلاء: الأقلية المسلمة في الهند، وفي أوروبا الشرقية. ٢ - هجرة بعض المسلمين إلى أرض غير مسلمة، وهذه الهجرة قد تكون لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، كما هو حال الأقليات المسلمة في أوروبا وأمريكا وغيرها. ٣ - احتلال أرض المسلمين، فقد يحدث أن تحتل أرض إسلامية من قِبَل دولة غير إسلامية، فتحاول الدولة المحتلة بطرق مختلفة طرد سكان الأرض الأصليين كما يحصل في فلسطين، أو أن يندمج هؤلاء المسلمون مع سكان البلد المحتل، كما حدث في شرق أوروبا والهند. ٤ - ويمكن أحيانًا أن تتكون الأقلية الإسلامية من أكثر من طريق في وقت واحد، كأن تتكون عن طريق الهجرة واعتناق الإسلام (١).

стр. 88

على أنه تجدر ملاحظة أن مفهوم الأقليات ارتبط غالبًا بالاستضعاف، وإن كان هذا لا يمنع من أن تتحول الأقلية المسلمة في بلد ما إلى أكثرية عددية قوية، ببركة الدعوة إلى الإسلام، وتتحول البلاد التي تقوم فيها الأقلية بالدعوة إلى بلاد إسلامية، وقد وقع هذا في ماليزيا، وإندونيسيا بحمد الله. كما أنه لا يخفى أن بعض البلاد يوجد فيها المسلمون بعدد أكبر من غيرهم، فهم في الواقع العددي والإحصائي أكثرية، إلا أن مقاليد الأمور بيد غيرهم، وذلك واقع اليوم في مثل كوسوفا وألبانيا وتنزانيا ولبنان وأثيوبيا (١)، كما تجدر ملاحظة أخرى، وهي أن الأقليات المسلمة الممكَّنة لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها أقلية إذا كانت مسيطرة سياسيًّا واجتماعيًّا، بل وتباشر الحكم أيضًا، كما هو الحال حين كانت شبه القارة الهندية تحت حكم الأقليات المسلمة لقرابة سبعمائة عام، وذلك قبل الاحتلال البريطاني للهند، واليوم ينظر للمسلمين في الهند على أنهم أقلية مستضعفة، وإن كان عددهم اليوم يصل إلى ١٥٠ مليون مسلم. ولا تفوت الإشارة إلى أن الأقليات المسلمة في كل بلد لها خصوصيتها التاريخية والاجتماعية والسياسية، وأحيانًا كان للاستعمار دور خطير في إضعافها، ولها هي أيضًا دور كبير في إنهائه، كما أن لكل أقلية خصوصيتها في تحولها إلى الإسلام سواء أكان ذلك عن طريق الفتح الإسلامي، أم عن طريق الدعوة إلى الله عبر التجار المسلمين. وأخيرًا -وقبل مغادرة هذه النقطة- يتعين إيضاحٌ بشأن أحد أسباب نشوء الأقليات، وهو هجرة المسلمين إلى بلاد غير المسلمين؛ إذ الأصل ألا يهاجر المسلم إلى غير بلاد الإسلام ليعيش فيها، ويقيم بشكل دائم ومستمر، كما سيأتي حكمه تفصيلًا،

стр. 89

إلا أن أسبابًا اجتمعت لتؤدي إلى ما نحن بصدد بحثه من أحكام الأقليات المسلمة في بلاد غير المسلمين، ويمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي: ١ - ضعف الخلافة العثمانية أولًا، وضمور الدور الدعوي والحضاري الرائد للمسلمين؛ مما أدى إلى تفشي الجهل والضعف العام والتخلف، مما أظهر عجزًا فاضحًا في الموازين التجارية، فارتبكت الحياة العامة، واندفع عدد من الناس إلى الهجرة إلى بعض الدول الأوروبية أو الأمريكية. ٢ - انهيار الخلافة العثمانية أخيرًا، وتمزق العالم الإسلامي خاصة بعد الحرب العالية الأولى، حيث زادت فرص الهجرة، ومن ثم الاستيطان ونشوء الجاليات. ٣ - تنحية الشريعة عن الحكم بها بين المسلمين، وقيام القوانين الوضعية مقامها، وهي من أكبر النوازل التي حلت بديار المسلمين. ٤ - الاحتلال العسكري الأوروبي الغربي لأكثر أجزاء العالم الإسلامي؛ واحتلال فلسطين من قِبَل الصهيونية العالمية وما ترتب على ذلك من هجرة العديد من أبناء البلاد وتنقلهم بين قارات الدنيا، وصراع الحدود بين الدول العربية والإسلامية المختلفة، وهذا بدوره أفرز ما يعرف باسم اللاجئين المسلمين الذين بلغت نسبتهم عام (١٩٨٣ م) ٨٧ % من مجموع اللاجئين في العالم. ٥ - التحكم والاستبداد في أنظمة العديد من دول العالم الإسلامي حيث يُفرض على المعارضين والمخالفين السجن، أو يلجئون إلى الفرار إن تمكنوا من ذلك. ٦ - الرغبة بتحسين الوضع المعيمشي والاقتصادي عبر الهجرة إلى بلدان أكثر استقرارًا وازدهارًا، مع ما يستتبع ذلك من وجود ضمانات الحياة المختلفة الصحية والاجتماعية والتعليمية، وهي حاجات لا تزال بوجه عام دون المستوى المطلوب

стр. 90

أو المعقول في بعض بلدان العالم الإسلامي (١). تقسيم الأقليات: ويمكن تقسيم الأقليات المسلمة على أساس نوعي إلى أقسام ثلاثة، هي: أقليات مستضعفة، وأقليات مكافحة، وأقليات ممكَّنة، وفيما يلي لمحة عن كل قسم: ١ - الأقليات المسلمة المستضعفة: وهي أقليات تخضع لسياسات وأيديولوجيات معادية للإسلام، ومعوقة لنمو هذه الأقليات بشكل طبيعي، وربما تنالها يد التصفية الجسدية، والتشويه الفكري، وإلى وقت قريب كان يدخل في هذه الفئة المستضعفة الجمهوريات الإسلامية المحتلة من قبل ما يسمى بالاتحاد السوفيتي، والذين كان عددهم يربو على ٥٠ مليون مسلم (٢)، وهذا واقع الحال بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في أوروبا الشرقية، وتركستان الشرقية، وكمبوديا والشيشان والصين. ومع أن عدد المسلمين في الصين يتجاوز خمسين مليونًا من نحو سبعين سنة، فإن إحصاءات الصين الرسمية تقدرهم بـ ١٢ مليون مسلم فقط! (٣) ومعظم الذين اهتموا بتعداد الأقليات الإسلامية في العالم يقدرون أن مسلمي الصين يقاربون مائة مليون (٤). وهذه الأقليات المسلمة في الجملة تعاني اضطهادًا يبلغ إلى درجة السحق والإبادة، وقد وقعت مجازر ونصبت محارق لهذه الأقليات، وطمست كل هوية إسلامية لهذه

стр. 91

الأقليات بدءًا من منع ممارسة شعائر التعبد والنسك، وانتهاءًا بتغيير الأسماء والقضاء على اللغة العربية التي هي لغة القرآن. ٢ - الأقليات المكافحة: وهذه الأقليات يعود سبب بقائها إلى كفاحها الشديد في ظل ظروف غير مواتية، وفي ظل تضييق حكومي ظاهر؛ إلا أنها -لسبب أو لآخر- تقاوم وتحاول، فالأقلية المسلمة الهندية التي تبلغ في تعدادها نحو (١٥٠) مليون مسلم بسبب من عددها الكبير تستعصي على الإبادة أو القمع والتنكيل، وإن كانت تواجه أنواع التمييز الديني والطائفي بكل ألوانه وأشكاله، ولقد نجحوا في فرض هويتهم وإظهار ديانتهم وشعائرهم، وما يزالون في كفاح رهيب في كشمير لتحريرها من يد الهندوس. وفي أمريكا الشمالية وكندا نحو ثمانية ملايين مسلم يحاولون تحسين أوضاعهم وأوضاع أبنائهم، إظهارًا لدينهم، ومطالبة بحقوقهم، فكان أول مسجد بني هناك في مدينة هايلاند بارك من ولاية ميتشيغان سنة (١٩١٩ م)، ثم تتابعت المساجد من بعده، وتسابقت الجاليات المسلمة في كل مدينة إلى ذلك، وأقيمت المدارس التابعة لتلك المساجد، ومدارس نهاية الأسبوع، ومعاهد الدراسات الإسلامية، بل وافتتحت الجامعات الإسلامية (١)، التي تعلم المسلمين الجدد وأبناء المسلمين المهاجرين أمور دينهم، وتحفظهم من ثقافة المجتمع المنحرفة في جوانب الأخلاق والسلوك. ويتفاوت الأمر بالنسبة لمسلمي بورما البالغ تعدادهم أكثر من مليون مسلم ويمثلون ١٩ % من تعداد السكان، وكذا مسلمي سيريلانكا البالغ تعدادهم مليون مسلم أيضًا ويمثلون ٨ % من تعداد السكان، حيث تشتد معاناتهم لاسيما مع ضيق ذات اليد، وقلَّة الموارد.

стр. 92

٣ - الأقليات الممكَّنة: الأقليات المسلمة في دول غير إسلامية متعددة الثقافات والأجناس والأديان، أحيانًا ما تستطيع أن تفرض سيطرة وهيمنة سواء بتكاثرها وتكاثفها النسبي في أعدادها أو في سيطرتها ونفوذها السياسي والاقتصادي، مما يجعلها تتمتع بحرية دينية وضمانات متعددة تتيح لها الدعوة إلى الإسلام فضلًا عن ممارسة شعائر دينها بحرية. وعليه فإذا لم يَسُدِ احترام الإسلام فإنه يرجع في الغالب إلى تقصير هذه الأقلية في الدعوة إلى دينها والتعريف به. ومن الأمثلة الناجحة والمتميزة في هذا الصدد: المسلمون في ماليزيا والبالغ تعدادهم ما يربو على ستة ملايين يمثلون نحوًا من ٤٩ % من تعداد السكان. ويتمتع المسلمون بكامل الحرية في ممارسة دينهم والدعوة إليه، وإقامة المؤسسات والجامعات الإسلامية، وعمل الأحزاب والتنظيمات الداعمة للأقلية، والمشاركة في العمل السياسي، بالإضافة إلى التحاكم في الأحوال الشخصية للشريعة الإسلامية. وتحذو الأقلية المسلمة في سنغافورة وموريشيوس حذو الأقلية المسلمة في ماليزيا (١).

стр. 93

المبحث الثاني الواقع الإحصائي للأقليات المسلمة ما تزال الدراسات الإحصائية عن الأقليات المسلمة في العالم بحاجة إلى مزيد من تضافر الجهود؛ حتى نصل إلى تقديرات أقرب إلى الواقع نسترشد بها في تتبع أحوال هذه الأقليات، فإنه من أفضل الوسائل التي يمكن أن يعتمد عليها توثيق الصلات بالأقليات المسلمة والاستعانة بالمراكز الإسلامية والجمعيات والاتحادات الإسلامية المختلفة. كما أن معرفة عدد الأقليات المسلمة في أقطار العالم المختلفة هو أمر بالغ الأهمية؛ لأنه مؤشر ذو دلالة في مجال تطور أعداد المسلمين وزيادتهم سواء أكانت هذه الزيادة وليدة النمو السكاني، أم نتيجة للهجرة من الكفر إلى الإسلام، والهجرة من الكفر إلى الإسلام مصدر مهم ينبغي تتبعه ودراسة كافة الوسائل التي يمكن أن تسهم في تنميته. ولا شك أن هذا الموضوع ليس سهلًا وإنما تحول دونه صعوبات عديدة سوف نعرض لنماذج منها، وذلك على النحو التالي: المطلب الأول: الاختلاف في تقدير أعداد الأقليات: يختلف تقدير أعداد الأقليات المسلمة في العالم بين الباحثين، فمنهم من يقدر أعداد هذه الأقليات بأقل من ٢٢٠ مليونًا، ومنهم من يقدر أعداد الأقليات المسلمة بما يقترب من نصف مليار مسلم (١)، بل إن هذا الاختلاف يشمل كذلك عدد الدول الإسلامية، فبعض الباحثين يقدر عدد الدول الإسلامية بسبع وخمسين دولة

стр. 94

إسلامية (١)، وبعضهم الآخر يقدر عدد الدول الإسلامية بخمسين دولة، اثنتين وعشرين دولة آسيوية، وسبع وعشرين دولة إفريقية، ودولة واحدة أوروبية (٢). وفي دراسة أجراها فريق من الباحثين بمجلة (Time) قدر عدد الدول الإسلامية بسبع وثلاثين دولة على النحو التالي: عشرون دولة إسلامية في آسيا، وست عشرة دولة في أفريقيا، ودولة واحدة في أوروبا وهي ألبانيا (٣). وإذا كان هذا هو الاختلاف في تقدير عدد الأقطار الإسلامية، فليس من المستغرب أن يكون هناك اختلاف كبير في تقدير أعداد الأقليات المسلمة، في العالم. إن اختلاف الباحثين في اعتبارهم الدولة إسلامية أو غير إسلامية ينعكس أثره ويتردد صداه في تقدير عدد الأقليات المسلمة؛ لأنه في حالة تقدير الباحث أن دولة ما إسلامية يجعله ملزمًا بأن يستبعد أعداد المسلمين فيها من الأقليات الإسلامية، أما إذا اعتبر أن الدولة غير إسلامية فإنه سيضيف سكانها المسلمين إلى أعداد الأقليات المسلمة. وهناك مجموعة أخرى من العوامل التي لا يمكن تغافلها تحول دون تقديرات صحيحة للأقليات المسلمة في العالم، منها: ١ - اختلافهم حول تحديد مفهوم الدولة الإسلامية، هل الدولة الإسلامية هي الدولة التي تزيد فيها نسبة المسلمين على نصف سكانها؟ أم أن الدولة تعد إسلامية إذا كانت نسبة المسلمين فيها تزيد على أي نسب من أتباع الديانات الأخرى وإن لم تتجاوز هذه النسبة ٥٠ % من جملة السكان، إن كل العوامل السابقة تجسد -بما لا يدع مجالًا، للشك- مشكلة تقدير أعداد الأقليات المسلمة بها العالم، وتوضح سبب التباين في تلك التقديرات بين الباحثين.

стр. 95

٢ - عدم اهتمام كثير من الدول بإحصاء الأقليات الدينية بحجة أن مثل هذه التعدادات تؤدي إلى مشكلات طائفية، والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن بعض هذه الدول تخشى أن يدرك المسلمون أحجام أعدادهم الحقيقية والأثر الذي يمكن أن يؤدي إليه ذلك. ٣ - يلجأ كثير من المسلمين في الدول الشيوعية إلى إخفاء عقائدهم وشعائرهم الدينية، والتظاهر باعتناق المعتقدات التي تساير الاتجاه العام للدولة؛ حتى يكونوا بمنأى عن الاضطهادات ولا يحرموا الوظائف الكبرى أو الحساسة. ٤ - يعيش معظم المسلمين في أقطار نامية لا تُجرِي إحصاءات حيوية ولا دورية خاصة بعدد المواليد والوفيات والزواج والطلاق وعدد أفراد الأقليات الدينية المختلفة. ٥ - تتباين التعدادات التي تجريها الأقطار التي تضم المسلمين من حيث مواعيدها، ودقتها وشمولية معلوماتها، وكل هذه أمور لا تساعد على التقديرات الصحيحة لأعداد المسلمين، كما أن هناك أقطارًا أفريقية لم تعرف التعدادات، وكل ما هنالك من أرقام عن المسلمين ليس إلا تقديرات أجرتها الحملات التنصيرية وفق ما يخدم أغراضها. المطلب الثاني: تقديرات عن أعداد الأقليات المسلمة في العالم: على ضوء بعض الأسس المتاحة التي اقترحها أحد الباحثين، فهو يقدر عدد السكان المسلمين والأقليات المسلمة سنة (١٩٨٥ م) في الجدول التالي، علمًا بأن التقديرات العددية بالمليون (١): القارة ... عدد السكان المسلمين ... الأقليات ... المجموع آسيا ... ٤٧٠ ... ٢٨٢ ... ٧٥٢ أفريقيا ... ٢٢٣ ... ٧٠ ... ٢٩٣

стр. 96

القارة ... عدد السكان المسلمين ... الأقليات ... المجموع أوروبا ... ٢ ... ١٥ ... ١٧ الأمريكتان ... - ... ٤ ... ٤ أستراليا ... - ... ٠.٣ ... ٠,٣ المجموع ... ٦٩٥ ... ٣٧١.٣ ... ١٠٦٦.٣ النسبة ... ٦٥ % ... ٣٥ % ... ١٠٠ % وتتزايد أعداد المسلمين في العالم ما بين ٢١ إلى ٢٥ مليونًا في السنة الواحدة. وعليه، فإن هذا البحث يصل بعدد الأقليات إلى أكثر من ٣٧١ مليون، أي ٣٥ % من مجموع المسلمين في العالم، وذلك من إجمالي عدد المسلمين البالغ أكثر من ١٠٦٦ مليون عام ١٩٨٥ م. وفيما يلي بعض المعلومات عن توزيع الأقليات الإسلامية، وأماكن تواجدها، وبعض الإحصائيات الحديثة: ١ - الأقليات المسلمة في آسيا: أورد الأستاذ محمود شاكر ثلاث إحصائيات تحدد عدد الأقليات الإسلامية في العالم؛ الأولى عام (١٩٧٩ م)، وحُدد فيها عدد الأقليات المسلمة في آسيا بحوالي: ١٧٦.٥٣٨.٥٠٠ ستة وسبعون ومائة مليون وثمانية وثلاثون وخمسمائة ألف وخمسمائة مسلم، والإحصائية الثانية عام (١٩٨٠ م)، في مقال نشر في مجلة الفيصل، وحُدد عدد الأقليات الإسلامية في العالم بحوالي ١٦٢ مليون مسلم، والثالثة عام (١٩٨٠ م) أيضًا، وصدرت في الطبعة الأولى من كتاب العالم الإسلامي، الصادر عن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وحُدد عدد الأقليات الإسلامية في آسيا بحوالي ١٧٦,٠٠٠,٠٠٠ مليون مسلم، وفي العالم كله حوالي ٢١١ مليون مسلم (١).

стр. 97

وفي تقدير لاحق سنة (١٩٩٥ م)، كانت جملة الأقليات المسلمة بآسيا ٢٦٣ من مجموع ٣٧٢ مليون نسمة هم تعداد الأقليات المسلمة في العالم (١). المسلمون في الهند: المسلمون في الهند ثاني أكبر تجمع إسلامي على وجه الأرض بعد إندونيسيا، وقد دخل الإسلام مبكرًا إلى الهند مع محمد بن القاسم الثقفي في عهد عبد الملك بن مروان، ونسبتهم إلى مجموع السكان وفقًا لتقرير CIA % ١٣.٤ (٢) حيث يصل تعدادهم إلى ١٥٠ مليون مسلم، يعانون ألوانًا من العنت، ولم يزد تمثيلهم في البرلمان عن ثلاثين مقعدًا عام (١٩٩٨ م)، أي: لم يزد عن ثلث ما ينبغي أن يكونوا عليه بالنظر إلى نسبتهم إلى سكان البلاد (٣)، ويتركز المسلمون في ست ولايات هي: أوتاربراديش، بيهار، ماهارشترا، غرب البنجال، إندرابراديش، كيرالا، ويكوِّنون الأغلبية في جامو وكشمير المحتلة من قبل الهند منذ عام (١٩٤٧ م)، ولا يزال أهلها في جهاد لنيل حريتهم واسترداد أراضيهم. المسلمون في الصين: دخل الإسلام الصين عام (٩٦ هـ)، ويبلغ عدد المسلمين فيها ما يزيد على مائة مليون مسلم اليوم، وإن كانت التقارير الرسمية غير موجودة والتقديرات متضاربة، إلا أنه في تقرير الـ CIA لعام ٢٠٠٢ م كانت نسبتهم من ١ إلى ٢ %، وكان بالصين عدد كبير من المساجد والمراكز الإسلامية زال أكثرها بسبب الحكم الشيوعي الآثم، وكانت

стр. 98

هناك الجمعيات الإسلامية العاملة على وحدة المسلمين وترابطهم، مثل: جمعية "تقدم مسلمي الصين" وكانت تضم ٣٠٠ فرع، وأسست في عام (١٣٣٠ هـ - ١٩٠٩ م)، وكذلك جمعية "الأدب الإسلامي ودار المعلمين" في بكين، فلما تولى الشيوعيون ألغوا وأغلقوا تلك المعاهد والمراكز الإسلامية وطمسوا كثيرًا من أنوار الأعمال الإسلامية، وقمعوا المسلمين هناك، ومن بين أبرز الأماكن التي تضررت جراء الأعمال الإجرامية تركستان الشرقية؛ حيث ضُمَّت إلى الصين بعد حروب وثورات وجهاد طويل. وفي بكين العاصمة أربعون مسجدًا أطلق على واحد منه اسم المسجد الأعظم، وقد أرسل السلطان العثماني عبد الحميد عام (١٨٩٠ م) بعثة علمية إلى هنالك حيث أقامت مدرسة ولاقت من المسلمين إقبالًا شديدًا (١). المسلمون في الفلبين: تشمل مناطق المسلمين عددًا من الجزر تمثل مساحتها ١١٦.٨٩٥ كم ٢ أكثر من ثلث المساحة الكلية والتي تشمل ٧٠٠٠ جزيرة، ومجموع سكان المناطق الإسلامية ٢١ مليونًا، يبلغ عدد المسلمين منهم ٧ ملايين وفقًا للإحصاءات الرسمية، و ١٨ مليونًا وفقًا للتقديرات غير الحكومية، أي: ٨٥ %، أما باقي سكان هذه المناطق فخليط من النصارى واللادينيين من سكان الغابات. أما نسبة المسلمين إلى مجموع سكان الدولة فـ ٥ % وفقًا لتقرير CIA لعام ٢٠٠٠ م، أما الكاثوليك فـ ٨٠.٩ %، والباقون ينتمون إلى مذاهب مسيحية أخرى بالإضافة إلى البوذيين واللادينيين (٢). والمسلمون هناك يخوضون حربًا لنيل الحكم الذاتي في ١٣ مقاطعة، إلا أن ذلك لم يتحقق بعد.

стр. 99

المسلمون في ماليزيا: يشكل المسلمون نسبة تقترب من ٥٠ % من السكان وفقًا للمصادر المختلفة، وغالبيتهم من الملاويين، والباقون من الباكستانيين والهنود المسلمين والإيرانيين والصينيين المسلمين والكادازان واللاجئين البوسنيين. أما غير المسلمين فمن معتنقي البوذية ١٥ %، والطاوية الصينية ١٥ %، والهندوسية ٧ %، والسيخ ١ %، والمسيحية ٧ %، وديانات بدائية ١ %، وترجع أصولهم إلى الهندية ٩ % والصينية ٣٢ % وغيرها. أما اللغات، فإلى جانب الملاوية -وهي اللغة الرسمية- هناك الصينية والتاميلية والإنجليزية (١). المسلمون في اليابان: الإسلام في اليابان لا يزيد عمره عن مائة سنة فقط، وليس هناك إحصاء رسمي يضبط عدد المسلمين؛ إلا أن بعض التقديرات عدت المسلمين بنحو ١٦٠ ألف مسلم، وذلك قبل عشر سنوات، ومن الطريف أن عشرة آلاف أسلموا دفعة واحدة على يد طبيب مسلم، فنظموا جمعية تعاونية طبية ملكت المستشفى الذي يديره ذلك الطبيب، وتنتشر الآن المساجد باليابان ويوجد بطوكيو مركز إسلامي كبير (٢). المسلمون في تايلاند: تقع تايلاند جنوب شرق آسيا، شمال ماليزيا، وجنوب كمبوديا، ويقدر عدد سكانها بـ ٥٥ مليون نسمة، أكثرهم يدينون بالبوذية، وعدد المسلمين بها أكثر من خمسة ملايين نسمة، ويتجمعون في منطقتين رئيستين، هما: فطاني، وحول بانكوك، ففي فطاني عددهم

стр. 100

٢.٨ مليون، ويضاف إليهم مليونان حول بانكوك، وأكثر من ثلاثة أرباع المليون في المناطق الباقية من شبه جزيرة الملايو (١). وأما الإحصائيات الحكومية فتقدرهم بنحو من ٢ مليون فقط، وعدد المساجد بالمملكة التايلاندية يزيد على ألفي مسجد، وقد دخل الإسلام تايلاند عن طريق التجار الدعاة (٢). المسلمون في لبنان: ويمثل لبنان نموذجًا فريدًا آخر حيث يشكل المسلمون ٥٨ % من السكان، موزعين بين السنَّة ٦٥٠.٠٠٠، والشيعة ٠٠٠، ٨٠٠، والدروز ٢٢٥.٠٠٠، ويشكل المسيحيون ٤٢ % من السكان موزعين بين عدة طوائف: الموارنة ٦٥٠.٠٠٠، والروم الأرثوذكس ٣٥٠.٠٠٠، والروم الملكيون الكاثوليك ٢٥٠.٠٠٠، والكلدان الكاثوليك ١٠.٠٠٠، والأرمن الكاثوليك ٢١٠.٠٠٠ (٣). ووفقًا لتقدير آخر يمثل المسلمون بطوائفهم ٥٩،٧ % من السكان، والمسيحيون ٣٩ %، وتبلغ طوائف المسيحيين ١٢ طائفة، والبهائية والبوذية والهندوسية تمارس بحرية رغم عدم الاعتراف بها (٤). أما اللغات، فالعربية هي اللغة الرسمية، ولكن يستعمل بجوارها الفرنسية والأرمينية. وأما من الناحية العرقية، فيمثل العرب ٩٣ % من السكان، بينما الأرمن ٦ %، والأكراد ١ %. وطبقًا للميثاق الوطني ١٩٤٣ م، يستحوذ المسيحيون على عدد كبير من المناصب

стр. 101

المهمة كرئاسة الجمهورية، وعدد مهم من الوزارات إلى جانب رئاسة الجيش، وعدد كبير من المناصب المهمة في الحكومة، أما الشيعة فلا بد أن يكون منهم رئيس مجلس النواب، والسنة يتولى أحد أبنائها رئاسة الوزراء (١). ولم تضع وثيقة الوفاق الوطني المعروف باتفاق الطائف سنة ١٩٨٩ م، حدًّا للنظام الطائفي، ولكنها نصت على خطوات مرحلية لإلغائه، وجاء دستور عام ١٩٩٠ م، متبنيًا المبدأ، ولكن لم يبدأ تنفيذ هذه الخطوات (٢). وقوانين الأحوال الشخصية في لبنان متعددة بتعدد الطوائف، وقد صدر سنة ١٩٩٨ م قانون الزواج المدني، ولكن رفضه المسلمون والمسيحيون على السواء (٣). المسلمون في فلسطين: وفقًا لبعض التقديرات (٤)، يبلغ عدد الفلسطينيين في العالم ٤.٢٥٠ مليون، منهم ٦٥٠ ألف داخل الكيان الصهيوني، ومليون في الضفة الغربية، وأكثر من ٥٠٠ ألف في قطاع غزة، وأكثر من ٢ مليون في دول الشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا. ووفقًا لإحصائية موقع CIA على الإنترنت لعام ٢٠٠٩ (٥) يبلغ مجموع من يحملون جنسية الكيان الصهيوني ٧.٢٣٣.٧٠١، منهم ٧٦.٤ % يهود، و ١٦ % مسلمون، و ٢.١ % مسيحيون، و ١.٦ % دروز، و ٣.٩ % ديانات أخرى. ويشمل حاملو جنسية الكيان الصهيوني ١٨٧.٠٠٠ مستوطنين في الضفة الغربية، و ٢٠.٠٠٠ في الجولان المحتلة، وأقل من

стр. 102

١٧٧.٠٠٠ في القدس الشرقية. وعليه فقد تحول المسلمون في فلسطين إلى أقلية بحسب التعداد داخل الكيان الصهيوني، وقد مر وقت كان عدد اليهود بفلسطين لا يزيد عن ١٧٤,٨٠٦ يهودي من مجموع السكان البالغ يومئذ ١,٣٣٠,٣١٤ وذلك في عام ١٩٣١ م، ثم بدأت الهجرة تتابع وتتزايد إلى أن وصل تعدادهم في عام ١٩٤٦ م إلى ٦٠٨.٢٢٥ من مجموع السكان البالغ ٩١٢,١١٠ (١). ولقد تفجرت الانتفاضة المباركة في الأرض المباركة لتؤذن بزوال شراذم اليهود، وتمهد السبيل لاستئصال شأفتهم بإذن الله، وتحرير الأقصى الأسير. ٢ - الأقليات المسلمة في أفريقيا: يقدر عدد المسلمين في أفريقيا بأكثر من ٢٩٣ مليون، منهم ٢٢٣ مليون مسلم يعيشون في الأقطار الإسلامية، أي: بنسبة ٧٦ % تقريبًا، ويعيش أكثر من ٧٠ مليونًا -٢٤ % من مجموع المسلمين في أفريقيا- في أقطار غير إسلامية، ويعد تقدير أعداد الأقليات الإسلامية في أقطار أفريقيا من أهم المشكلات التي تختلف فيها وجهات النظر بين الباحثين، وقد ظهر هذا الأمر جليًّا في البحوث التي قدمها الجغرافيون للمؤتمر الجغرافي الإسلامي الأول الذي عقد بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في يناير سنة ١٩٧٩ م، فبينما ذكر بعض الباحثين دولًا مثل: ساحل العاج والكاميرون وسيراليون وتوغو وبنين (داهومي) والحبشة كدول إسلامية، عدَّها بعض الباحثين دولَ أقلياتٍ إسلامية كبيرة، ويختلف تقدير نسبة المسلمين في أثيوبيا بين الباحثين؛ إذ إن بعضهم يقدرهم بنحو ٦٥ % من مجموع

стр. 103

السكان (١)، وبعضهم يقدرهم بنسبة ٤٨ % من مجموع السكان. ويقدر عدد المسلمين في بعض الدول الأفريقية غير الإسلامية على النحو التالي: الدولة ... عدد المسلمين بالمليون ... الدولة ... عدد المسلمين بالمليون إثيوبيا ... ١٧ ... موزمبيق ... ٢ تنزانيا ... ١٢ ... زامبيا ... ١.٢ أوغندا ... ٥ ... ليبيريا ... ١.١ كينيا ... ٤ ... مدغشقر ... ٢ غانا ... ٣.٩ ... بوروندي ... ١ ملاوي ... ٢.٨ ... زائير ... ٢ أنجولا ... ١.٥ ومما تجدر ملاحظته أن نسبة المسلمين تزيد بصفة خاصة في شرقي أفريقيا؛ لقربها من شبه الجزيرة العربية، ولقدم الهجرات الإسلامية إليها (٢). ٣ - الأقليات المسلمة في أوروبا: يتراوح عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي حاليًا بين ١٠ - ١٦ مليون مسلم وفقًا للمصادر المختلفة (٣)، منهم ٢.٢ مليون تركي، وتعتبر دولة ألبانيا دولة مسلمة وكذلك دولة البوسنة وتقعان جنوب شرقي أوروبا، يصل عدد المسلمين فيها إلى مليوني نسمة من ٣.٢ مليون نسمة، وكان العدد الإجمالي لسكان هذه الدول الأوروبية يبلغ في عام ١٩٩٥ م حوالي ٣٧٠ مليون نسمة.

стр. 104

المسلمون في بلغاريا: ويتعرض المسلمون الأتراك في بلغاريا لضغوط تعسفية من الحكم الشيوعي، وصلت إلى حد إجبار المسلمين بالقوة على تغيير أسمائهم، أو إضافة لاحقة بلغارية إلى أسمائهم، فيصبح اسم محمد (محمدوف)، وأحمد (أحمدوف)، وتحرم السلطة البلغارية إطلاق الأسماء الإسلامية أو غير البلغارية على المواليد الجدد، وتحرم كذلك أداء الفرائض الدينية الجماعية كصلاة الجمعة والعيد. وجدير بالذكر أن عدد المسلمين في بلغاريا يصل إلى أكثر من ٢.٥ مليون مسلم، ويغلب على المسلمين هناك الفقر والتخلف والحرمان. وهناك منظمة عالمية للتنصير مقرها أوروبا جندت الأموال الطائلة والكفاءات العالية لتنصير المسلمين، ويقدر عدد الذين يعملون في مجال التنصير بنحو ١٧ مليونًا، وقد قال روي جورج رئيس المنظمة: ينبغي محاربة الإسلام في نفوس المسلمين المقيمين في أوروبا، وقال: إن الملايين العشرة من المسلمين المقيمين في أوروبا هدية بعثها الله لنا (١). وفي السنوات الأخيرة بدأت بلغاريا تتنفس هواء الحرية شيئًا فشيئًا، ووقع اتفاق بين الحكومة والمعارضة وممثلين عن المسلمين الأتراك البلغار جرى فيه إقرار الحريات الدينية والثقافية للمسلمين، وحرية اختيار الأسماء الإسلامية التي تعبر عن هويتهم، إلا أن صعوبات كثيرة ما تزال تواجه مسلمي بلغاريا. المسلمون في يوغوسلافيا الفيدرالية سابقًا: ١ - صربيا: ٨ ملايين، عاصمتها بلغراد، منهم ٢ مليون مسلم - ١,٥ في إقليم كوسوفا التابع لصربيا، ٠,٥ مليون في باقي صربيا.

стр. 105

٢ - كرواتيا: ٥ ملايين، عاصمتها زغرب. ٣ - سلوفينيا: ٢ مليون، عاصمتها للوبليانا. ٤ - مقدونيا: ٢ مليون، عاصمتها سكوبيا، منهم مليون مسلم. ٥ - الجبل الأسود (مونتنجرو): مليون، عاصمته تيتوجراد منهم ربع مليون مسلم. ٦ - البوسنة والهرسك: ٥ ملايين، عاصمتها سراييفو، منهم ٤ مليون مسلم. ويزيد عدد المسلمين في يوغوسلافيا عن ٦ ملايين من أصل ٢٥ مليونًا (١). ويتكون مسلمو يوغوسلافيا من ثلاثة أجناس: السلافيون: ويقيمون في البوسنة والهرسك، وفي السنجق، وعاصمته بني بازار. والألبان: ويقيمون في المناطق المجاورة لدولة ألبانيا وهي مقدونيا وكوسوفو. والأتراك: ويقيمون في أقصى الجنوب المتاخم لليونان. وقد أعلن برلمان سراييفو في (١٥/ ١٠/ ١٩٩١ م) استقلال جمهورية البوسنة والهرسك، وفي (٩/ ٣/ ١٩٩٢ م) تفجر الموقف، وبدأ الاعتداء الصربي على جمهورية البوسنة. كان دستور (١٩٤٦ م) في عهد تيتو ينص على المساواة الكاملة بين جميع القوميات والأعراق والأديان، وتعترف لهم المادة ١ من الدستور بحق تقرير المصير بما فيه حقها في الانفصال. وجاء دستور (١٩٧٤ م)، فنص على كوسوفا كمنطقة حكم ذاتي لها الحق في دستور خاص، وبرلمان وحكومة ورئاسة مستقلة، وحدود معترف بها لا يمكن تعديلها إلا بموافقتها. إلا أن برلمان صربيا أصدر قرارًا عام (١٩٨٩ م) بإلغاء وضع كوسوفا وفقًا لدستور (١٩٧٤ م)، ونص سنة (١٩٩٠ م) على أنها مقاطعة تابعة لصربيا، وكان رد الفعل

стр. 106

الألباني إعلان استقلال كوسوفا في (٢/ ٧/ ١٩٩٠ م)، وتكوين جمهورية كوسوفا في (٧/ ٩/ ١٩٩٠ م)، عقب استفتاء شارك فيه ٩٠ % من السكان (١). وكان رد الفعل الصربي على ذلك هو العدوان الوحشي الذي تعرضت له كوسوفا وتدخلت قوات الأطلنطي على النحو المعروف. المسلمون في بلجيكا: يعيش في بلجيكا حوالي ٣٥٠.٠٠٠ مسلم يمثلون ٣.٥ % (٢) من مجموع السكان البالغ عددهم ٩.٩ مليون نسمة. وقد اعترفت الحكومة البلجيكية بالإسلام باعتباره الدين الذي يعتنقه قسم من السكان يلي في العدد المسيحيين؛ مما أعطى المسلمين حق تعليم الدين الإسلامي بالمدارس البلجيكية وإنشاء المدارس الإسلامية الخاصة للمسلمين (٣). وأكثر من ذلك قامت الحكومة البلجيكية بتنظيم انتخابات بين الجالية الإسلامية في بلجيكا في (١٣/ ١٢/ ١٩٩٨ م) لاختيار المجلس الذي يهتم بشئونهم ويمثلهم أمام الحكومة. المسلمون في فرنسا: يعيش في فرنسا نحو من ٤ ملايين مسلم يمثلون من ٥ إلى ١٠ % من مجموع السكان، ويعتبر الإسلام أكبر ثاني ديانة بعد الكاثوليكية، ثم تأتي البروتستانتية بـ ٢ % ثم اليهودية ١ % والبوذية ١ %، ولم يتم بعد تنظيم المسلمين كما حدث في بلجيكا بسبب الانقسامات الداخلية بينهم (٤).

стр. 107

وأكثر المسلمين هناك من بلدان شمالي أفريقيا، والمستعمرات الفرنسية سابقًا، وفي باريس مسجد كبير شيد عام (١٩٢٦ م)، واتحاد للطلبة المسلمين، والمعهد الإسلامي الأوروبي. المسلمون في بريطانيا: يعيش أكثر من مليون مسلم في بريطانيا، ويمثلون ٢.٧ % من سكان البلاد حسب تقرير الـ CIA لعام ٢٠٠١ (١)، ويتمتع أبناء دول الكومنولث البريطاني بحقوق ومميزات عديدة دون بقية المهاجرين المسلمين من مناطق أخرى، وفي لندن مسجد كبير، واتحاد للطلبة المسلمين، والجمعية الطبية الإسلامية، والمركز الإسلامي، وفيها مقر للمجلس الإسلامي المؤسس عام (١٩٧٣ م) للتنسيق بين جهود المنظمات الإسلامية في أوروبا الغربية، والتي تزيد على سبعين منظمة. وبانحياز إنجلترا إلى معسكر أمريكا في مواجهة الإسلام في أفغانستان والعراق، وقعت حوادث عنف متفرقة أدت إلى تضييق حكومي على المسلمين هناك؛ مما جعل بعض المسلمين المهاجرين يؤثرون مغادرة بريطانيا (٢). ٤ - الأقليات المسلمة في الأمريكتين: في عام (١٩٦٠ م) كان عدد المسلمين في أمريكا الشمالية يقدر بـ ٠٠٠, ١٠٠، وقد قفز هذا العدد خلال خمس وعشرين سنة ليصل إلى أربعة ملايين مسلم، وفي عام (٢٠٠٠ م)، بلغ التعداد ما بين ستة إلى ثمانية ملايين مسلم، وتبلغ نسبة المسلمين المهاجرين ١٤ % من إجمالي المهاجرين إلى أمريكا، هذا فضلًا عن أن الداخلين في الإسلام من الأمريكيين أكثر ممن يدخلون في أي دين آخر (٣).

стр. 108

ووفقًا لأحد التقديرات، فإن الإسلام أصبح لكثير من الأمريكيين السود هو الدين المختار، ويبلغ عدد المسلمين منهم سنة (١٩٩٧ م)، مليونًا معظمهم من الرجال (١). ويقدر مسئول إسلامي في أمريكا أن عدد المسلمين يجاوز الآن عشرة ملايين منهم ١٥.٠٠٠ في الجيش الأمريكي بكل مستوياته، وأن عدد المساجد ٢٠٠٠ مسجد، وعدد المدارس النظامية ٢٠٠ مدرسة فضلًا عن مئات المدارس التي تعمل في الإجازات في تعليم اللغة العربية (٢). ويتركز المسلمون في أربع مناطق: نيويورك، ونيوجرسي، والشرق عمومًا -٣٢.٢ %- يليها الجنوب: فلوريدا وتكساس-٢٥.٣ %- ثم منطقة البحيرات العظمى: ميتشجان وألينوي -٢٤.٣ %- وأخيرًا الغرب: كاليفورنيا -١٨.٢ %-. ويعاني العرب في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (٢٠٠١ م) من قانون مكافحة الإرهاب الذي يسمح باعتقال أي شخص تنطبق عليه مواصفات عامة توحي بأنه من أصل عربي، ومن قانون آخر يخول اعتقال وسجن أي شخص دون إيضاح الأسباب مع منعه من الاتصال بمحاميه -قانون الأدلة السرية-. ولعل أكبر المشكلات التي تواجه الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة، مشكلة التحزب أو التشرذم بسبب الخلافات الإقليمية التي حملوها معهم من أوطانهم، بالإضافة إلى التبعثر وعدم التركز في مناطق محددة لاتساع الولايات المتحدة، والنقص الحاد في العلماء والدعاة (٣). ٥ - الأقليات المسلمة في أستراليا: يزيد عدد المسلمين في أستراليا على ٥٠٠ ألف مسلم، وقد عرف الإسلام طريقه

стр. 109

لأستراليا في فترة استكشافها حينما استخدم الإنجليز الإبل وسيلة للتنقل في مناطق أستراليا الصحراوية، واستعانوا ببعض المسلمين من أفغانستان وباكستان لقيادة تلك الإبل، وقد أنشأ هؤلاء المسلمون المساجد؛ لذا فليس غريبًا أن يقول أحد المكتشفين الإنجليز بأن صوت الأذان دوَّى في أرجاء القارة الأسترالية قبل أن تدق أجراس الكنائس. وتعتبر الجالية اللبنانية اليوم هي أكبر الجاليات الإسلامية هناك، ويوجد في أستراليا خمس وخمسون جمعية إسلامية، وأكثر من ٣٥ مسجدًا ومركزًا إسلاميًّا، وأستراليا من القارات التي يمكن أن تستوعب أعدادًا كبيرة من المسلمين (١). وقد أسلم الآف الأستراليين، ويحاول المسلمون أن ينشئوا عددًا من المدارس والمراكز التي تعنى بتعليم الأمور الدينية واللغة العربية هناك. وفي الطرف الشمالي لأستراليا تقع غينيا الجديدة، حيث يبلغ عدد سكانها ١.٨٣٢.٠٠٠ مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيها ٩٥ %، وأما إقليم بابوا وهو القسم الثاني منها فيبلغ عدد سكانه ٦٥٠ ألف نسمة، ٩٠ % منهم مسلمون (٢).

стр. 110

المبحث الثالث خصائص الأقليات المسلمة إن الأقليات المسلمة هم جزء من الأمة الإسلامية، والتي تشمل كل مسلم في أنحاء العالم أيًّا كان جنسه أو لونه أو لسانه أو وطنه أو طبقته، وهم -من ناحية أخرى- جزء من مجتمعهم الذي يعيشون فيه، وينتمون إليه، فلا بد من مراعاة هذين الجانبين، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، ولا نضخم أحدهما على حساب الآخر. ويمكن أن نستخلص الخصائص التالية للأقليات الأسلامية خارج ديارها: ١ - نشأت الأقليات المسلمة نتيجة عدة عوامل، منها: الهجرة الاختيارية بهدف العمل أو الإقامة، أو بناء على ظروف شخصية، ومن تلك العوامل: الهجرة الإجبارية، وهي تلك التي تنشأ عن أعمال عسكرية وسياسية عدوانية، وهذه تعرف اليوم باسم ظاهرة اللاجئين. فأما الهجرة الاختيارية، فهي في كثير من الأحوال تكون طارئة في حياة المهاجر مع رغبة أكيدة في العودة إلى الوطن، غير أن تمادي أحد أسباب الهجرة، بالنسبة إلى وضعه الخاص، يحول الهجرة مع الزمن إلى استيطان دائم، خاصة إذا نشأت ظروف محلية جديدة في بلد الهجرة كالنجاح في العمل التجاري، أو طمأنينته إلى غده وتخوفه من التحول في بلده الأصلي إلى مكافح من جديد في طلب العيش أو إلى ارتباطه في المهجر بنشأة أبنائه وتقلبهم في مراحل الدراسة، مما يلزمه في كثير من الأحوال إلى تمديد حال الهجرة إلى حين تخرجهم، ثم قد تنشأ روابط الزواج من أهل تلك البلاد فتغدو العودة أكثر صعوية، فيتحول المهاجر إلى مستوطن، خاصة إذا ما اكتسب جنسية الدولة المقيم فيها، وأصبح حائزًا على حقوق المواطن الأصلي.
следующие страницы →