بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
اللهم انفعني بما علمتني وزدني علمًا.
وبعد:
فإنه من المعلوم أن علم (النحو) يُعنى، أول ما يعنى، بالنظر في أواخر الكلم، وما يعتريها من إعراب وبناء، كما يعنى بأمور أخرى على جانب كبير من الأهمية، كالذكر، والحذف والتقديم، والتأخير، وتفسير بعض التعبيرات، غير أنه يولي العناية الأوى للاعراب.
وهناك موضوعات ومسائل نحوية كثيرة، لا تقل أهمية عن كل ما بحثه النحاة، بل قد تفوق كثيرا منها، لا تزال دون بحث، لم يتناولها العلماء بالدرس ولم يولوها النظر.
قد أبدو مغاليا في هذا الزعم، ولكن هذا الزعم حقيقة. أننا عجز عن فهم كثير من التعبيرات النحوية، أو تفسيرها، ولا نستطيع التمييز بين معانيها، فمن ذلك على سبيل المثال.
ما الفرق في المعنى بين قولك: (لا رجلَ - بالفتح - في الدار)، و (ما من رجل في الدار) مع أن كلتا العباراتين لنفي الجنس على سبيل الاستغراق؟
ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ وقوله: ﴿وما من إله إلا الله﴾ لم نفى العبارة الأولى بـ (لا) والثانية بـ (ما)؟
ما الفرق في المعنى بين قولك (ليس محمد حاضرا) و (ما محمد حاضرا) و (إن محمد حاضرا) أقول ما الفرق في المعنى، وليس في الاعراب؟
ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾ وقوله: ﴿وما أنا عليكم بوكيل﴾ لماذا نفى العبارة الأولى بليس، والثانية بـ (ما)؟
стр. 5
ما الفرق بين قوله تعالى: ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ وقوله: ﴿إن أنا إلا نذير مبين﴾ لماذا نفى العبارة الأولى بـ (ما) والثانية بـ (إن)؟
أهو لمجرد التغيير في التعبير، أم هو لمعنى مقصود؟
ما الفرق بين التعليل باللام، وكي؟ أهناك فرق في المعنى بين قولك (جئت لاستفيد) و (جئت كي استفيد) أم هما بمعنى واحد؟
قال تعالى: ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣] فجاء بالتعليل الأول بكي (كي تقر) والثاني باللام (لتعلم) فلم كان ذاك؟
أهذا التغيير لمعنى مقصود أم هو لمجرد التغيير؟
ثم ما الفرق بين أنواع التعليل المختلفة؟
هناك تعليل باللام مثل ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
وتعليل بالباء مثل: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠].
وتعليل بمن مثل: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١].
وتعليل بفي مثل: ﴿لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: ١٤].
وتعليل بعن كقوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه﴾ [التوبة: ١١٤].
وتعليل بعلى كقوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥].
فهل التعليل بهذه الأدوات المختلفة واحد؟
هل هناك فرق في المعنى بين (مع)، و (واو) المعية، في نحو قولك: " جئت مع محمد" و " جئت ومحمدا"؟
ما الفرق في المعنى، بين " واو" رب، في نحو قوله:
стр. 6
وليل كأن الصبح في اخرياته ... حشاشة نصل ضم إفرنده غمد
وقوله:
رب ليل كأنه الصبح في الحسـ ... ن وإن كان اسود الطيلسان
ما الغرض من الاتيان بواو الحال في نحو قوله: (جاء محمد وبيده حقيبة)؟
وما الفرق بين ذكرها وحذفها؟
ما الفرق في المعنى بين قولك، إن تسهر تتعب، إن تسهر تعبت، إن سهرت تعبت، إن سهرت تتعب (بالجزم)، إن سهرت تتعب (بالرفع) إن سهرت فتتعب، إن سهرت فأنت تتعب، إن أنت سهرت تعبت، أنت إن سهرت تعبت، أنت تتعب إن سهرت؟
ما الفرق في المعنى بين قولك:
عندي سوار ذهب - بالاضافة.
وعندي سوار ذهبا.
وعندي سوار ذهب - بالاتباع
وعندي سوار من ذهب
وعندي سوار من الذهب؟
ما الفرق بين قولك (جئت إكرما لك) و (جئت لاكرام لك)؟ إن النحاة يقولون: كلاهما جائز ونحن نقول: نعم كلاهما جائز، ولكن هل ثمة فرق بينهما في المعنى؟
وغير ذلك وغيره، مما لايخص موضوعا دون موضوع بل هو يعم جميع الموضوعات النحوية بلا استثناء. فهناك في كل موضوع سؤالات أكثر مما ذكرت لا تزال بها حاجة إلى الإجابة عنها.
стр. 7
ربما لا أكون مغاليا إذا قلت نحن لا نفهم اللغة كما ينبغي لأن أكثر دراستنا تتعلق بالعلاقات الظاهرة بين الكلمات أما المعنى فهو بعيد عن تناولنا وفهمنا. بل ربما لا أكون مغالبا إذا قلت أننا نجهل أكثر مما نعلم فيما نحسب أننا نعلم.
ومن هنا محتاجون إلى (فقه) للنحو يصل إلى درجة الضرورة. صحيح أن قسما من المسائل المتعلقة بالمعنى عرض لها علم النحو، وعلم البلاغة، لكن لا يزال كثير منها دون نظر. ومن ذلك على سبيل المثال، ما عرضته قبل قليل، فإن أكثر هذه المسائل لم تبحث لا في كتب النحو، ولا في كتب البلاغة، ولا في غيرها من كتب اللغة، في حدود ما أعلم.
قد تكون هناك شذرات، أو عبارات متناثرة، وردت عرضا في كتاب تفسير، أو في بحث اعجاز، أو في كتاب أدب، ولكن أكثر هذه المسائل بقيت بلا جواب.
أن دراسة النحو على أساس المعنى، علاوة على كونها ضرورة فوق كل ضرورة، تعطي هذا الموضوع نداوة وطراوة، وتكسبه جدة وطرافة، بخلاف ما هو عليه الآن من جفاف وقسوة.
إن الدارس له على هذا النهج، يشعر بلذة عظيمة وهو ينظر في التعبيرات ودلالتها المعنوية، ويشعر باعتزاز، بانتسابه إلى هذه اللغة الفنية، الثرية، الحافلة بالمعاني الدقيقة الجميلة، ثم هو بعد ذلك يحرص على هذه اللغة الدافقة بالحيوية، وهو وراء كل ذلك يحاول تطبيق هذه الأوجه في كلامه، ويشعر بمتعة في هذا التطبيق.
أن الجهل بالمعنى أدى إلى أن تختفي، وتموت ظواهر لغوية كانت شائعة مستعملة ومن ذلك على سبيل المثال، ظاهرة " القطع" الجميلة الدلالة، والتي كانت شائعة شيوعا كبيرا في الشعر، والنثر، في القرآن وغيره، وذلك نحو قولك" مررت بمحمد الكريم أو الكريم " واكتفى بالاتباع، علما بأن دلالة القطع، تختلف عن دلالة الاتباع، وإن دلالة القطع إلى الرفع تختلف عن دلالة القطع إلى النصب.
стр. 8
إن الأوجه النحوية ليست مجرد استكثار من تعبيرات لا طائل تحتها، كما يتصور بعضهم، وإن جوزا أكثر من وجه تعبيري ليس معناه أن هذه الأوجه ذات دلالة معنوية واحدة، وإن لك الحق أن تستعمل أيها تشاء كما تشاء وإنما لكل وجه دلالته فإذا أردت معنى ما لزمك إن تستعمل التعبير الذي يؤديه، ولا يمكن أن يؤدي تعبيران مختلفان معنى واحدا، إلا إذا كان ذلك لغة، نحو قولك" ما محمد حاضرا" و " ما محمد حاضر" فالأولى لغة حجازية، والثانية تميمية، ولا يترتب على هذا اختلاف في المعنى.
وفيما عدا ذلك لابد أن يكون لكل تعبير معنى، إذ كل عدول من تعبير إلى تعبير، لابد أن يصحبه عدول من معنى إلى معنى، بالأوجه التعبيرية المتعددة، إنما هي صور لأوجه معنوية متعددة.
إن هذا الكتاب محاولة في فقه النحو على النهج الذي اسلفته، إنه محاولة للتمييز بين التراكيب المختلفة وشرح معنى كل تركيب.
فهو إذن يدور على المعنى أساسا وبناء. وموضوع المعنى موضوع جليل، وحسبك من جلالته أن اللغة ما وجدت إلا للافصاح عنه.
إن تأليف أي كتاب في النحو، أيسر من موضوع هذا الكتاب بكثير، وذلك لأن الأحكام النحوية مذكورة مبينة في كتب النحو لا تكلفك إلا استخراجها، وجمعها في كتاب واحد على حسب الخطة التي تريدها.
وأما هذا الموضوع فليس الأمر فيه أمر جمع أحكام نحوية، ولا ذكر قواعد مبينة، وإنما هو تفسير للجملة العربية، وتبيين لمعاني التراكيب المختلفة، مما لا تجلو أغلبه في كتب النحو، وقد تفزع إلى كتب البلاغة والتفسير وغيرها من المظان، فلا تجد شيئا مما تريد.
فلابد من أن تضطلع بهذه المهمة أنت بنفسك تنظر في النصوص، وتدقق في الصور التعبيرية المختلفة، لاستباط المعاني للتعبيرات المختلفة، لقد أمضيت في هذا البحث أكثر من عشرة أعوام، وكان شغلى الشاغل في الليل والنهار أتأمل النصوص،
стр. 9
وأديم النظر فيها، وأوازن بينها، وأدقق فيما تحتمله من معان، وكان القرآن الكريم هو المصدر الأول لهذا البحث، أفهرس آياته بحسب الموضوعات، وانظر في الفروق التعبيرية، وفي السياق الذي ورد فيه كل تعبير، إضافة إلى المظان الأخرى من كتب النحو، والبلاغة، واللغة، والتفسير، وعلوم القرآن وغيرها.
وأنا لا أدعي، أني وصلت إلى أمور نهائية في كل ما بحثت، وإنما هي - كما ذكرت - محاولة للسير في هذا الطريق فإن أكن قد أصبت فمن الله، وإن أكن قد أخطأت، فمن النفس والشيطان، وأرجو ألا أحرم أجر المجتهدين في الحالتين. نسأل الله أن يلهمنا الرشد ويجنبنا الزلل، ويهدينا إلى الخير كله، ويعصمنا من الشر كله، إنه سميع مجيب.
فاضل السامرائي
стр. 10
الجملة العربية
عناصر الجملة العربية:
تتألف الجملة العربية من عناصر وأبرز هذه العناصر هي:
١ - المفردة: ونعني بها الكلمة مثل أسد، سيف، شجرة.
٢ - البناء الصرفي: (الصيغة) كأسماء الفاعلين، والمفعولين، والمبالغة، واختلاف الجموع للاسم الواحد، وغير ذلك مثل طاعن، ومطعان وطعان، وحمق، وأحمق، وسائد وسيد، وسنبلات وسنابل، وأشهر وشهور ونحو ذلك.
وكل صيغة - في الغالب - لها دلالة تختلف عن أختها قليلا، أو كثيرا، وكما أنهم قالوا: " زيادة المباني دليل على زيادة المعاني" نرى أن " اختلاف المباني دليل على اختلاف المعاني"
٣ - التأليف بنوعيه:
أ - التأليف الجزئي: نحو رغب إلى، رغب في، رغب عن، فرغب إليه بمعنى تضرع إليه وابتهل، ورغب فيه أراده واستحبه، ورغب عنه عزف ومال عنه.
ب - التأليف التام: كالتقديم، والتأخير، والذكر، والحذف، والتوكيد، وعدمه، وما إلى ذلك نحو: زيد قائم وقائم زيد والقائم زيد وإن زيدًا قائم وما إلى ذلك.
٤ - النغمة الصوتية: وهي ذات دلالة على معنى - فالجملة الواحدة قد يختلف معناها باختلاف النغمة كأن تقول: " زيد عند مال " وتشد صوتك على " مال" وتفخم الصوت فيه فيكون المعنى، أنه ذو مال كثير أو متعدد ونحو ذلك. وتقول: " عنده مال " وترقق الصوت وتكسره فيكون معناها أنه ذو مال قليل، لا يعتد به ونحو ذلك. قال أبو الفتح عثمان بن جني: " وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح، والتطريح،
стр. 11
والتفخيم، والتعظيم، ما يقوم مقام قوله (طويل) أو نحو ذلك. وأنت تحسن هذا من نفسك إذا تأملته وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه فتقول: كان والله رجلا، فتزيد في قوة اللفظ بـ " الله " هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام، وإطالة الصوت بها وعليها، أي رجلا فاضلا، أو شجاعا أو كريما ونحو ذلك.
وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانًا، وتمكن الصوت بـ " إنسان " وتفخمه فتستغني بذلك عن وصفه بقوله: إنسانا سمحا، أو جوادا ونحو ذلك. وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنسانا وتزوي وجهك وتقطبه فيغني ذلك عن قولك: إنسانا لئيما، أو لحزا أو مبخلا أو نحو ذلك" (١).
"وقد برهنت التجارب الحديثة على أن الإنسان حين ينطق بلغته، لا يتبع درجة صوتية واحدة في النطق بجميع الأصوات. ومن اللغات ما يجعل لاختلاف درجة الصوت أهمية كبيرة، إذ تختلف فيها معاني الكلمات تبعا لاختلاف درجة الصوت حين النطق بها. ومن أشهر هذه اللغات اللغة الصينية إذ قد تؤدي فيها الكلمة الواحدة عدة معنا، ويتوقف كل معنى من هذه المعاني على درجة الصوت حين النطق بالكلمة. ففي اللغة الصينية كلمة (فان) مثلا تؤدي ستة معان لا علاقة بينها هي (نوم، يحرق، شجاع، واجب، نعم، مسحوق) وليس هناك من فرق سوى النغمة الموسيقية في كل حالة" (٢).
٥ - التطور التاريخي للدلالة: فدلالات التعبير الواحد قد تتغير والمعاني قد تتحول وربما كان من الصعوبة معرفة الأصل للدلالة وذلك نحو قولهم " رفع عقيرته"، بمعنى صاح، إذ ليس هناك من علاقة لغوية بين " رفع عقيرته" و " صاح" " فلو ذهبت تشتق هذا بأن تجمع معنى الصوت وبين معنى" ع ق ر " لبعد عنك وتعسفت. وأصله أن رجلا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى ثم صرخ بأرفع صوته فقال الناس: رفع عقيرته" (٣).
стр. 12
وكقولهم " لله دره" للدلالة على التعجب فنحن حين نقول: " لله دره كاتبا أو شاعرا" لا نريد المعنى المعجمي لهذه العبارة، بل ربما لم نفهم المعنى الأصلى لها. وقد اختلف اللغويون في أصل هذا التعبير وأشهر ما ذكر فيه، إن الدر هو اللبن، فمعنى قولهم " لله دره " إن الله سقاه لبنا خاصا. " أي ما أعجب هذا اللبن الذي نزل به مثل هذا الولد الكامل في هذه الصفة" (١).
بل ربما تكلم الناس بكلام لا يفهمون معناه ولا ألفاظه وإنما تعارفوا عليه، أو نقل من لغة أخرى، واختفى المعنى الدلالي واللغوي للأصل، فنحن في العراق نستعمل مثلا " قزل قرط" في التوبيخ، والغضب، والدعاء على المخاطب، ولكن الناس لا يفهمون القصد الحقيقي من هذا التعبير ولا معناه، وقد استفسرت من كثير من الناس عن معنى هذا التعبير الدارج فلم يعرفه منهم أحد (٢).
ومن ذلك قولهم في الاستحسان وتحبيذ الأمر عَلُوّا الذي فيه معنى التمني، ولكن الأصل لهذا التعبير قد فقد، وأظن أن أصله ألا يا حبذا فاقتصر على ألا يا تخفيفا، ثم أبدلت العامة الهمزة عينا، كقولهم القرعان، في القرآن ثم قلبت يا إلى وا فتغير التعبير إلى ما ترى، ومثل هذا التغيير كثير في اللغة.
ونحو ذلك قولهم حي الله بمعنى أيا كان، تقول لصاحبك: ماذا تأخذ أهذا أم ذلك؟ فيجيبك حي الله أي: أيا كان، وبقيت مدة أفكر في أصل هذا التعبير وعلاقته بهذا المعنى، إلى أن استقر رأيي على أن أصله أيا كان ثم أي إللى كان ومعنى اللى الذي عند العامة وأحيانا نقول: هي اللى كان بإبدال الهمزة هاء ثم حذفت كان
стр. 13
اختصارا، وأبدلت الهمزة جاء لتقاربهما، فكلتاهما من أحرف الحلق فصارت: حي اللي ثم حي الله.
٦ - الإعراب: وهو أبرز ظاهرة، أو من أبرز الظواهر في العربية، ومن أهم عناصر الجملة فيها وسنفرد له بحثا.
تأليف الجملة العربية:
الجملة العربية - كما يرى النحاة - تتألف من ركنين أساسيين، هما المسند، والمسند إليه. فالمسند إليه هو المتحدث عنه ولا يكون إلا إسما، والمسند هو المتحدث به ويكون فعلا أو إسما، وهذان الركنان هما عمدة الكلام وما عداهما فضلة أو قيد.
وليس المقصود بالفضلة عند النحاة أنها يجوز الاستغناء عنها من حيث المعنى، كما أنه ليس المقصود بها أنها يجوز حذفها متى شئنا. فإن الفضلة قد يتوقف عليها معنى الكلام وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦]، فإنه لا يمكن الاستغناء عن قوله: لا عبين، وكقوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ [الإسراء: ٣٧]، فإنه لا يستغنى عن قوله " مرحا".
والحذف لا يكون في العمدة، ولا في الفضلة إلا بالقرائن، فإن العمدة تحذف جوازا ووجوبا كالفضلة، وذلك كحذف كل من المبتدأ والخبر جوازا، ووجوبا، وحذف عامل المفعول المطلق جوازا، ووجوبا وحذف عامل الاغراء والتحذير جوازا ووجوبا. وهذه كلها عمد. ويحذف المفعول به والحال وغيرهما من الفضلات. فليس معنى الفضلة إذن إمكان الاستغناء عنها متى شئنا وإنما المقصود بـ ﴿الفضلة﴾ أنه يمكن أن يتألف كلام بدونها، إذ كل كلام لابد أن يكون فيه عمدة مذكورة أو مقدرة بخلاف الفضلة فإنه لا يمكن أن يتألف كلام بدونها نحو " محمد مسافر" و " فاض النهر ".
وقد تخرج بعض التعبيرات على طريقة التأليف هذه ولكن النحاة يتأوَّلون ذلك، كالنداء نحو " يا رجل" فإنهم أوّلوه بـ " ادعو رجلا " على ما بين التعبيرين من تباين. وكالتعجب نحو " ما أعذب الماء" فإنهم أولوه بـ " شيء جعل الماء عذبا".
стр. 14
ولا داعي لأن تخرج كل التعبيرات الواردة في اللغة على هذا النمط من التأليف، بل ينبغي الاعتراف بأن بعض التعبيرات تكون على غير هذا النمط، وإن كان الأصل في تأليف الجملة العربية أن يكون على النمط الذي ذكروه.
وقد ذهب الخليل وسيبويه إلى أنه لا خبر لـ (ألا) التي تفيد التمني نحو قولهو " ألا ماء ماء باردًا" انظر الكتاب ١/ ٣٥٩، الأشموني ٢/ ١٥، الهمع ١/ ١٤٧" وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه لا خبر لنحو قولنا (الإنسان وعمله - انظر الأشموني ١/ ٢١٧).
ومعنى ذلك أن بعض التعبيرات يتألف من إسم وحرف، وبعضها يتألف من اسم ومعطوف، وهذا خروج على الطريقة العامة التي يقول بها النحاة.
صورة تأليف الجملة:
يظهر تأليف الجملة العربية بصورتين تبعًا للمسند: فعل مع اسم، واسم مع اسم. وبالتعبير الإصطلاحي فعل وفاعل أو نائبه، ومبتدأ وخبر نحو: أقبل سعيد، وسعيد مقبل، وكل التعبيرات الأخرى إنما هي صور أخرى لهذين الأصلين.
والصورة الأساسية للجمل التي مسندها فعل، أن يتقدم الفعل على المسند إليه كما في جملة " أقبل سعيد " ولا يتقدم الفاعل (١) على الفعل أو بتعبير أدق
لا يتقدم المسند إليه على الفعل إلا لغرض يقتضيه المقام.
والصورة الأساسية للجمل التي مسندها اسم، أن يتقدم المسند إليه على المسند، أو بتعبير آخر، أن يتقدم المبتدأ على الخبر، ولا يقدم الخبر إلا لسبب يقتضيه المقام، أو طبيعة الكلام.
стр. 15
والفرق بين هاتين الصورتين - أعني الجملة التي مسندها فعل والجملة التي مسندها اسم - أن الجملة التي مسندها فعل، إنما يدل على الثبوت. تقول مثلا: يجتهد زيد وزيد مجتهد، ويحفظ زيد وزيد حافظ، ويطلع سعيد وسعيد مطلع، ويتعلم سعيد وسعيد متعلم، ويجود مصعب ومصعب جواد ونحو ذلك. فأنت ترى في هذه الأمثلة جميعها أن الفعل يدل على التجدد والحدوث، والاسم يدل على الثبوت. تقول لصديقك: أتظن أنك تنجح في هذا العام؟ فيقول لك (أنا ناجح) أي لوثوقه بنفسه ادعى أن الأمر منته وثابت، ولو لم يكن هذا الأمر قد تم فعلا. فالفعل يدل على التجدد والحدوث، والاسم يدل على الثبوت، فإذا أردت الدلالة على الحدوث جئت بجملة مسندها فعل تقدم الفعل أو تأخر. وإذا أردت الدلالة على الثبوت جئت بجملة مسندها اسم.
فالجملتان يجتهد سعيد وسعيد يجتهد كلتاهما تدلان على الحدوث (١)، وإنما قدم المسند إليه لغرض من أغراض التقديم.
ثم إن الأصل أن يتقدم الفعل على المسند إليه - كما ذكرنا - فإذا جاء الفعل متقدما لم يسأل عن سبب تقدمه، لأنه هو الصورة الأساسية، فإن تقدم المسند إليه سألنا عن سبب تقدمه.
وإذا جاء المسند إليه في الجملة التي مسندها إسم متقدما، لم نسأل عن سبب تقدمه لأنه هو الصورة الأساسية لهذا التعبير، فإن تقدم المسند سألنا عن سبب تقدمه، فالتأليف الطبيعي للجملة العربية هو نحو هذا.
يقبل سعيد.
سعيد مقبل.
فإن تقدم سعيد في الجملة الأولى، أو تقدم مقبل في الجملة الثانية نظرنا في سبب ذلك
стр. 16
وكلا التعبيرين بدرجة واحدة بالنسبة إلى المخاطب، فكلاهما إخبار أولي والمخاطب خالي الذهن عن الموضوع، ويسمى هذا الضرب من الخبر " الخبر الابتدائي" إلا أن الفرق بينهما - كما ذكرت - أن الفعل يدل على الحدوث، والاسم يدل على الثبوت.
دلالة الجملة العربية:
ينظر إلى دلالة الجملة العربية من جهتين:
١ - الدلالة القطعية والاحتمالية .
٢ - الدلالة الظاهرة والباطنة.
وسننظر في هذين النوعين.
١ - الدلالة القطعية والاحتمالية:
المدقق في الجملة العربية ودلالتها على المعنى يرى أنها على ضربين:
أ - تعبير نصي أو قطعي أي يدل على معنى واحد.
ب - تعبير احتمالي أي يحتمل أكثر من معنى.
وهذا خط واضح في طبيعة دلالة الجملة العربية يبرز للمستقري بصورة جلية، فمن ذلك على سبيل المثال أنك لا تقول: (اشتريت قدح ماء) بالاضافة (واشتريت قدحا ماء) فالجملة الأولى تعبير إحتمالي، لأنها تحتمل أنك اشتريت ماء مقدار قدح، وتحتمل أنك اشتريت القدح أي الإناء. أما الجملة الثانية فدلالتها قطعية لأنها لا تحتمل إلا أنك اشتريت ماء مقدار قدح. جاء في (شرح الأشموني):
" النصب في نحو ذنوب ماء، وحب عسلا، أولى من الجر، لأن النصب يدل على أن المتكلم اراد أن عنده ما يملأ الوعاء المذكور من الجنس المذكور، وأما الجر فيحتمل أن يكون مراده ذلك وأن يكون مراده بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك (١).
стр. 17
وتقول: (الذي يدخل الدار له جائزة) و (الذي يدخل الدار فله جائزة) فالجملة الأولى ذات دلالة إحتمالية، لأنها تحتمل أنك تعني بـ (الذي يدخل الدار) شخصا معروفا وأن الجائزة ليست مترتبة على دخول الدار بل هو مستحقها قبل ذلك، كما تحتمل أن يكون الاسم الموصول هنا مشبها بالشرط، فالجائزة مترتبة على دخول الدار فكل من يدخلها يستحق الجائزة. وأما الجملة الثانية فذات دلالة قطعية لأنها لا تعني إلا المعنى الثاني أي فيها معنى الشرط والجزاء، وهذه الفاء واقعة في جواب " الذي" كما تقع في جواب الشرط أي أن الجائزة مترتبة على دخول الدار (١).
وتقول: " اعبد ربك خوفا وطمعًا" و (اعبد ربك خائفا وطامعا) فالمنصوب في الجملة الأولى يحتمل الحالية، والمفعول لأجله، والمفعولية المطلقة، وفي الجملة الثانية حال ليس غير.
وتقول: (أنا ضارب زيد) بالإضافة، و (أنا ضارب زيدا)، فالتعبير الأول يحتمل المضي والحال، والاستقبال، فهو تعبير احتمالي، في حين أن الجملة الثانية هي نص، في أنها بمعنى الحال، أو الاستقبال، لأن إسم الفاعل المضاف، يحتمل المضي كقوله تعالى: ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤] ويحتمل الاستمرار، كقوله تعالى: ﴿إن الله فالق الحب والنوى .. فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٥ - ٩٦]، والحال، كقولك (انا ضارب سعيد الآن) والاستقبال، كقوله تعالى: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لاريب فيه﴾ [آل عمران: ٩].
أما الذي ينصب مفعولا به، فلا يدل إلا على الحال أو الاستقبال (٢).
وتقول (لا رجل في الدار) و (لا رجل في الدار)، فالأولى نص في نفي الجنس، أما الثانية فتحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة (٣).
стр. 18
وتقول: (ما جاءني رجل) و (ما جاءني من رجل) فالأولى تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، أي ما جاءني رجل واحد بل أكثر، والثانية لا تحتمل إلا نفي الجنس (١).
وتقول: (كرم زيد ضيفا) و (كرم ضيف زيد) فالجملة الأولى تحتمل أن يكون المقصود الثناء على ضيف زيد بالكرم، كما تحتمل أن يكون زيد كريما حال كونه ضيفا، أي زيد هو الموصوف بالكرم، أما الثانية، فلا تحتمل إلا أن يكون الثناء على ضيف زيد (٢). جاء في (شرح الرضي على الكافية) في (طاب زيد أبا) " يجوز أن تريد بـ (أبا) نفس زيد وأن تريد به أباه" (٣).
إلى غير ذلك من الأمثلة:
وهذا خط واضح في التعبير العربي.
٢ - الدلالة الظاهرة والباطنة:
ونعني بالدلالة الظاهرة المعنى الذي يعطيه ظاهر اللفظ مثل سافر محمد ونام خالد ونحو قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وأما الدلالة الباطنة فهي الدلالة التي تؤدي عن طريق المجاز والكنايات والملاحن والإشارات، وما إلى ذلك، كقوله: (رمتني بسهم ريشه الكحل) أي بنظرة من عين مكحولة وقوله (بعيدة مهوى القرط) أي طويلة العنق وقولهم (بنو فلان فلان يطؤهم الطريق) أي أهل الطريق جاء في (دلائل الإعجاز): " الكلام على ضربين:
ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلا بالخروج على الحقيقة فقلت: خرج زيد، وبالإنطلاق عن عمرو فقلت: عمرو منطلق وعلى هذا القياس.
стр. 19
وضربٌ آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك، اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض. ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل أو لا ترى إنك إذا قلت: هو كثير رماد، القدر، أو قلت: طويل النجاد، أو قلت في المرأة: نؤوم الضحى، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى، على سبيل الاستدلال، معنى ثانيا، هو غرضك كعرفتك من كثير رماد القدر إنك مضياف ومن طويل النجاد، إنه طويل القامة .. وكذا إذا قال: (رأيت أسدًا) ودلك الحال على إنه لم يرد السبع علمت أنه أراد التشبيه، إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه، بحيث لا يتميز عن الأسد في شجاعته ..
وإذا قد عرفت هذه الجملة، فههنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة. وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى، إلى معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى، إلى معنى آخر كالذي فسرت لك" (١).
стр. 20
ظاهرة الإعراب
وهو كما ذكرنا أبرز ظاهرة، أو من أبرز الظواهر في العربية. وقد ورثت العربية ظاهرة الأعراب من اللغة السامية الأم وقد كانت اللغات السامية القديمة كلها معربة (١).
وقال المستشرق الألماني نولدكه، إن النبط كانوا يستعملون الضمة في حالة الرفع والفتحة في حالة النصب، والكسرة في حالة الجر (٢).
" والنصوص في اللغة، الأكدية وتشمل اللغتين البابلية والآشورية، تدل على وجود الأعراب فيهما كاملا.
وهذا قانون حمورابي (١٧٩٢ - ١٧٥٠ ق. م) المدون باللغة البابلية القديمة، يوجد فيه الاعراب، كما هو في اللغة العربية الفصحى تماما، فالفاعل مرفوع، والمفعول منصوب وعلامة الرفع الضمة، وعلامة النصب الفتحة، وعلامة الجر الكسرة، تماما كما في العربية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل، إن المثنى، والجمع، المذكر، يماثلان، في الاعراب المثنى والجمع في العربية. فيرفع المثنى بالألف، وينصب ويجر بالياء .. أما الجمع المذكر فإنه يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء" (٣).
ومعنى الاعراب لغة، الابانة عما في النفس، وهو مصدر الفعل (أعرب) ومعنى أعرب أبان يقال: أعرب الرجل عن حاجته، أي أبان عنها. جاء في (أسرار العربية): " أما الإعراب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون سمي بذلك لأنه يبين المعاني مأخوذ من قولهم: أعرب الرجل عن حجته إذا بينها ومنه قوله ﷺ : " الثيب تعرب عن نفسها " أي تبين وتوضح .. فلما كان الإعراب يبين المعاني سمي إعرابًا.
стр. 21
والوجه الثاني أن يكون سمي إعرابا لأنه تغير يحلق أواخر الكلم من قولهم:
" عربت معدة الفصيل" إذا تغيرت.
فغن قيل: العرب في قولهم: عربت معدة الفصيل معناه الفساد وكيف يكون الإعراب مأخذوا منه؟
قيل: معنى قولك: أعربت الكلام أي أزلت عربه، وهو فساده، وصار هذا كقولك: أعجمت الكتاب، إذا أزلت عجمته، وأشكيت الرجل، إذا أزلت شكايته .. وهذه الهمزة تسمى همزة السلب.
والوجه الثالث أن يكون سمي إعرابا لأن المعرب للكلام كأنه يتحبب إلى السامع باعرابه من قولهم: إمرأة عروب إذا كانت متحببة" (١)
وجاء في (شرح شذور الذهب): " للاعراب معنيان لغوي واصطلاحي. فمعناه اللغوي الإبانة يقال: أعرب عما في نفسه إذا أبان عنه وفي الحديث " البكر تستأمر وأذنها صماتها والأيم تعرب عن نفسها" أي تبين رضاها بصريح النطق" (٢).
وجاء في (الايضاح في علل النحو): " الإعراب أصله البيان يقال أعرب الرجل عن حاجته إذا أبان عنها، ورجل معرب أي مبين عن نفسه ومنه الحديث " الثيب تعرب عن نفسها .. " هذا أصله، ثم إن النحويين لما رأوا في أواخر الأسماء والأفعال حركات تدل على المعاني وتبين عنها سموها إعرابا أي بيانا وكأن البيان بها يكون ..
والإعراب الحركات عن معاني اللغة. وليس كل حركة إعرابًا، كما إنه ليس كل الكلام معربًا" (٣).
стр. 22
وهذا المعنى اللغوي للاعراب هو الأصل لمعنى الاعراب في النحو: فالاعراب " هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه، وشكر سعيدا أبوه علمت برفع أحدهما، ونصب الآخر الفاعل، من المفعول، ولو كان الكلام شرجا واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه" (١).
" وإنما أتي به للفرق بين المعاني، وإذا أخبرت عن الإسم بمعنى من المعاني المفيدة إحتيج إلى الإعراب، ليدل على ذلك المعنى" (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " الإعراب ما أختلف آخره .. ليدل على المعاني المعتورة عليه. وقوله " ليدل على المعاني المعتورة عليه " بيان لعلة وضع الاعراب في الأسماء" (٣).
قال الزجاجي في (الإيضاح) " فإن قال قائل: قد ذكرت أن الإعراب داخل عقب الكلام فما الذي دعا إليه واحتيج إليه من أجله؟
فالجواب أن يقال: إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني، وتكون فاعلة، ومفعولة ومضافة، ومضافا إليها، ولم يكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني، بل كانت مشتركة، جعلت حركات الاعراب فيها تنبيء عن هذه المعاني فقالوا: ضرب زيد عمرا فدلوا برفع زيد على إن الفعل له، وبنصب عمرو على إن الفعل واقع به. وقالوا (ضرب زيد) فدلوا بتغيير أول الفعل، ورفع زيد على إن الفعل لما لم يسم فاعله، وأن المفعول قد ناب منابه. وقالوا: (هذا غلام زيد) فدلوا بخفض زيد، على إضافة الغلام إليه وكذلك سائر المعاني، جعلوا هذه الحركات دلائل عليها، ليتسعوا في كلامهم وقدموا الفاعل إذا أرادوا ذلك، أو المفعول عند الحاجة، إلى تقديمه، وتكون الحركات دالة على المعاني. هذا قول جميع النحويين إلا أبا علي قطربا فإنه عاب عليهم هذا الاعتلال،
стр. 23
وقال لم يعرب الكلام للدلالة على المعاني، والفرق بين بعضها وبعض .. وإنما أعربت العرب كلامها لأن الأسم في حال الوقف يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون أيضا، لكان يلزمه الاسكان في الوقف، والوصل فكانوا يبطئون عند الإدراج، فلما وصلوا وأمكنهم التحريك، جعلنا التحريك معاقبا للإسكان ليعتدل الكلام ..
وقال الخالفون له ردًا عليه " لو كان كما ذكر لجاز جر الفاعل مرة، ورفعه، أخرى ونصبه، وجاز نصب المضاف إليه لأن القصد في هذا، إنما هو الحركة تعاقب سكونا، ليعتدل بها الكلام فأي حركة أتى بها المتكلم أجزأته، فهو مخير في ذلك، وفي هذا فساد للكلام، وخروج عن أوضاع العرب وحكمة نظمهم في كلامهم (١).
وقد ذهب الأستاذ إبراهيم أنيس مذهب قطرب، قال: " يظهر والله أعلم أن تحريك أواخر الكلمات، كان صفة من صفات الوصل في الكلام، شعرا ونثرا، فإذا وقف المتكلم او اختتم، لم يحتج إلى تلك الحركات بل يقف على آخر كلمة من قوله، بما يسمى السكون. كما يظهر أن الأصل في كل الكلمات أن تنتهي بهذا السكون، وأن المتكلم لا يلجأ إلى تحريك الكلمات إلا لضرورة شعرية (٢).
وقال أيضا: " لم تكن تلك الحركات الإعرابية تحدد المعاني في أذهان العرب القدماء كما يزعم النحاة، بل لا تعدو أن تكون حركات يحتاج إليها في الكثير من الأحيان لوصل الكلمات بعضها ببعض" (٣).
" وكون الاعراب علما على المعاني، هو الرأي المقبول الواضح البين، إذ لو كانت الغاية منه الخفة عند درج الكلام، ما التزمته العرب هذا الإلتزام.
стр. 24
ومن أوضح الأمور على هذا انه لو قرأ أحدٌ قوله تعالى: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣٠]، بالجر لاختل المعنى وفسد. وقيل أن حادثة كهذه هي التي أدت إلى وضع النحو (١).
وذكر لنا الزمخشري أعرابيا مر فسمع مؤذنا يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، بالنصب فصاح به: ويحك ماذا تصنع؟
ثم .. إن أول حكايات ظهور اللحن على زمن أبي الأسود الدؤلي تدل على أن الإعراب له أثر في المعنى (٢).
ومن يستطيع أن ينكر أن قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] لو أبدلت فيه حركة (الله) إلى الرفع وحركة (العلماء) إلى النصب، لاختل المعنى وتغير إلى العكس تماما؟ وأن الجملة التالية - مثلا - إذا كانت غفلا احتملت معاني عدة فإن شكلت نصت على معنى واحد:
أكرم الناس أحمد.
أكرم الناسُ أحمدَ.
أكرم الناسَ أحمدُ.
أكرمُ الناسِ أحمدُ.
أكرمِ الناسَ أحمدُ.
وهو من الوضوح بمكان" (٣).
стр. 25
معاني الاعراب
ذهب كثير من النحويين إلى أن الرفع علم الفاعلية، وبقية المرفوعات مشبهة به والنصب علم المفعولية، وبقية المنصوبات ملحقة بالمفاعيل، والجر علم الإضافة (١).
وقيل بل المبتدأ والخبر هما الأول والأصل في استحقاق الرفع وبقية المرفوعات محمولة عليهما، ونسب هذا القول إلى سيبويه وابن السراج (٢).
وقيل: المرفوعات كلها أصول (٣)، إلا إن ما عليه حذاق النحويين هو الأول (٤).
ورجح رضي الدين الإستراباذي أن الرفع علم العمدة، والنصب علم الفضلة، والجر علم الإضافة، جاء في (شرح الرضى على الكافية) تعقيبا على قول المصنف أن الرفع علم الفاعلية، والنصب علم المفعولية، والجر علم الإضافة، " والأولى كما بينا أن يقال: الرفع علم كون الاسم عمدة الكلام، ولا يكون في غير العمد، والنصب علم الفضلة في الأصل، ثم يدخل في العمد تشبيها بالفضلات كما مضى .. وأما الجر فعلم الإضافة أي كون الاسم مضافا إليه معنى أو لفظًا، كما في غلام زيد وحسن الوجه" (٥).
وجاء فيه: وجعل الرفع أقوى الحركات للعمد وهي ثلاثة: الفاعل والمبتدأ والخبر.
وجعل النصب للفضلات سواء اقتضاها جزء الكلام بلا واسطة، كغير المفعول معه من المفاعيل، وكالحال، والتمييز، أو اقتضاها بواسطة حرف كالمفعول معه، والمستثنى غير المفرع، والأسماء التي تلي حروف الاضافة، أعني حروف الجر. وإنما جعل للفضلات النصب الذي هو أضعف الحركات وأخفها، لكون الفضلات أضعف من العمد، وأكثر منها.
стр. 26
ثم أريد أن يميز بعلامة ما هو فضلة، بواسطة حرف ولم يكن بقي من الحركات غير الكسر، فميز به، مع كونه منصوب المحل، لأنه فضلة، فصار معنى معنى كون الاسم مضافا إليه معنى العمدة بحرف، معنى آخر منضما إلى المعنيين المذكورين، علامته الجر فإن سقط الحرف ظهر الاعراب المحلي في هذه الفضلة، نحو: " الله لا فعلن " فإذا عطف على المجرور فالحمل على الجر الظاهر أولى من الحمل على النصب المقدر. وقد يحمل على المحل كما في قوله تعالى ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم﴾ بالنصب فإن سقط الجار مع الفعل لزوما كما في الاضافة زال النصب المقدر.
فأصل الجر أن يكون علم الفضلة التي تكون بواسطة حرف، ثم يخرج في موضعين عن كونه علم الفضلة، ويبقى علما للمضاف إليه فقط:
أحدهما فيما أضيف إليه الاسم.
والثاني في المجرور المسند إليه نحو: مر بزيد.
والأصل فيهما أيضا ذلك كما بينا" (١).
والظاهر إن ما رجحه الرضي، من أن الرفع دليل العمدة، هو الأصل، لقول إبراهيم مصطفى ومن تابعه، إن الضمة دليل السناد.
والذي أراه في تعليل إعراب الاسم ما يأتي:
١ - إن الرفع دليل الإسناد، أو العمدة، وليس في العربية اسم مرفوع، إلا وهو طرف في الإسناد أي عمدة.
٢ - إن حق العمدةـ أن يرتفع ولكن قد يدخل على المسند، أو المسند إليه ما يعدل حركته الأصلية، إلى النصب، أو إلى الجر، كالنصب، بالأحرف المشبهة بالفعل، والجر بالحروف الزائدة.
стр. 27
٣ - النصب علامة الفضلة.
٤ - قد يدخل على قسم من الفضلات ما يعدل حركتها إلى الجر كقولهم: ما رأيت من أحد، ورب رجل أكرمت.
٥ - الجر دليل الإضافة، وأحيانا يكون علامة لاسناد غير مباشر، أو مفعولية غير مباشرة (١).
دلالة العلامات (٢) على المعنى:
الأصل في العربية أن تكون العلامات ذوات دلالة على المعاني، وإن اختلاف العلامات يؤدي إلى اختلاف المعاني ويستثني من ذلك أمور منها:
١ - علامات البناء: فليست علامات البناء أعلاما لمعان، كما هي في الإعراب فـ (أين) مثلا تقع عمدة نحو: أين دارك؟ وتقع فضلة محلها النصب نحو:
أين ذهبت؟ وتقع في محل جر نحو: من أين جئت؟ وهي في جميع ذلك، لها حركة واحدة هي الفتحة.
٢ - إختلاف اللغات: من الواضح أن اختلا العلامات في اللغة الواحدة، يتبعه إختلاف في المعنى نحو: ما أحسن زيد ما أحسن زيدا، وكما يذكر النحاة في نحو: لا رجل في الدار (بالفتح) ولا رجل في الدار (بالرفع).
ولكن ليس من الضرورة أن يؤدي اختلاف العلامات في اللغتين إلى إختلاف المعنى في التعبير الواحد، فنحن لا نستطيع أن نقول أن معنى جملة (ما محمد حاضرا) في لغة الحجاز يختلف عن معنى جملة (ما محمد حاضر) في لغة تميم فـ (ما) كما هو معلوم يعملها الحجازيون إذا دخلت على الجملة الإسمية بشروط معروفة ويهملها التميميون" (٣)
стр. 28
أو أن جملة (ليس الطيب إلا المسك) بنصب (المسك) في لغة الحجاز، يختلف معناها عن جملة (ليس الطيب إلا المسك) برفع (المسك) في لغة تميم، فإن (ليس) إذا انتقض خبرها بالا يبقى عملها عند الحجازيين ويهملها بنو تميم (١).
أو أن جملة (لعل الله فضلكم علينا) بجر لفظ الجلالة عند عقيل، يختلف معناها عن جملة (لعل الله فضلكم علينا) بالنصب في لغة سائر العرب، فإن الجر بلعل لغة عقيل، والنصب بها، لغة سائر العرب (٢).
أو (اقبل أباك) في لغة بني الحارث وجماعة يختلف معناها عن جملة (أقبل أبوك) في لغة سائر العرب، فإن بني الحارث وزبيدا وخثعما وهمدان تجعل أبا وأخا وحما، بالألف مطلقا (٣).
فاختلاف اللغات في التعبير الواحد لا يؤدي إلى إختلاف المعنى، وإن كانت العلامات الإعرابية مختلفة.
٣ - الاتباع والمجاورة: ظاهرة من ظواهر العربية تكون في الحركات والكلمات ويعود في حقيقته إلى الانسجام الموسيقي بين الأصوات، كقراءة من قرأ: الحمدُ لله بضم اللام اتباعا لضمة الدال، أو الحمد للهِ (٤) بكسر الدال اتباعا لكسر اللام.
ومن الاتباع في غير الأواخر قولهم (حدث أمر) بضم الدال، حين يقرن الفعل بقدم فإذا أفردت لفظة (حدث) قالوا (حدث) بفتح الدال لأنه زال السبب الذي أوجب ضم دالها (٥).
ومن الاتباع في الكلمات قولهم (الغدايا والعشايا) إذا قرنوا بينهما، فجاؤا بكلمة الغدايا لموازنة العشايا فإن أفردوا الغدايا ردوها إلى أصلها، فقالوا الغدوات. ومنه ما جاء في الحديث عنه ﷺ إنه قال للنساء المتبرزات في العيد: " ارجعن مأزورات غير مأجورات".
стр. 29
والأصل في (مأزورات) (موزورات) لاشتقاقها من الوزر (١).
ومن الاتباع أن يجاء بكلمات لا معنى لها أصلا، وإنما ضمت إلى الكلمات التي قبلها لزيين الكلام، مثل قولهم حسن بسن (٢).
ومنه المجاورة كقول الحطيئة:
فإياكم وحية بطن واد ... هموز الناب ليس لكم بسي
فيمن جر هموز الناب. وقول الآخر
كأن نسج العنكبوت المرمل
وإنما صوابه المرملا (٣).
ولا نستطيع أن نقول في حركات الاتباع، أنها حركات ذات معنى خاص، فلا فرق في المعنى بين القرائتين: الحمد لله والحمدِ لله، وإنما هو أمر يعود إلى الإنسجام الموسيقي بين الأصوات كما ذكرنا.
٤ - النقل وحذف الحركة لسبب غير إعرابي: فمن النقل قول الشاعر:
عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه
فضمة الباء منقولة من الهاء (٤) وإلا فهي ساكنة لأن الفعل مجزوم والضمة هنا ليست ذات دلالة على معنى، ولا يقاس أمرها على ضمة المضارع الإعرابية.
ومنه رأي بعض النحاة قراءة من قرأ: (ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله) بضم الكاف من (يدركه) قيل ضم الكاف منقول
стр. 30
من الهاء، كأنه أراد أن يقف عليها ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف كقوله:
عجبت والدهر كثير عجبه ... من عنزي سبني لم أضربه (١)
ومن ذلك في رأي بعض النحاة قول الشاعر:
من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر أم يوم قدر
فقد ذهب إلى إن فتحة الراء في (يقدر) نقل من همزة (أم) (٢)، وإلا فالفعل مجزوم ومن حذف الحركة لسبب غير إعرابي قوله تعالى: ﴿مالك لا تأمنا على يوسف﴾ [يوسف: ١١] والأصل: لا تأمننا لأن الفعل مرفوع وإنما حصل هنا إدغام النونين، فسكنت النون الأولى لأجل الإدغام.
٥ - علامات الحكاية: وذلك لأن المحكي لا تتغير حركاته وسكناته بل يحكي بلفظه وذلك نحو (اقبل جاد الحق) و (رأيت جاد الحق) و (مررت بجاد الحق) فهو يلازم حالة تعبيرية واحدة مهما اختلفت حالاته الاعرابية فلا تدل علاماته على معنى، وإن كان في أصله قد يكون جاريا على الأسس التعبيرية العامة في الاعراب والبناء.
٦ - الضرورة الشعرية: وذلك لأن لغة الشعر لغة خاصة فقد يضطر الوزن صاحبه إلى ما لا يجوز في سعة الكلام من حركة أو سكون أو غيرها كقول الشاعر:
يوم الصليفاء لم يوفون بالجار.
وقوله:
أبيت أسري وتبيتي تدلكي.
وقوله:
فاليوم اشرب غير مستحقب
ونحو ذلك:
وهذا كله مما لا علاقة له بدلالات الأعراب التي ذكرناها.
стр. 31
الغرض من الاعراب:
للاعراب أغراض وفوائد منها مالا يمكن الاستغناء عنه ومنها ما فيه نفع كثير للغة وأهلها، حرمت منه اللغات المبنية، وأهم هذه الاغراض وهي:
١ - الإبانة عن المعاني: ذلك لأن الأصل في الاعراب، أن يكون للإبانة عن المعاني كما ذكرنا فإنه إذا كانت الجملة غفلا من الاعراب، احتملت معاني عدة فإن أعرب تعين معناها: " يدلك على ذلك أنك لو قلت: (ما أحسن زيدا) لكنت متعجبا، ولو قلت: (ما أحسن زيدا) لكنت نافيا: ولو قلت: (ما أحسن زيد) لكنت مستفهما عن أي شيء منه حسن، فلو لم تعرب في هذه المواضع لالتبس التعجب بالنفي، والنفي بالاستفهام، واشتهبت هذه المعاني بعضها ببعض وإزالة الالتباس واجب" (١).
ومن ذلك ما ذكرناه في جملة (اكرم الناس أحمد).
ويذكر النحاة أمثلة كثيرة لاختلاف المعاني باختلاف الاعراب، من ذلك قولهم: " بكم ثوبك مصبوغا؟ ، وبكم ثوبك مصبوغ؟ وبينهما فرق يختلف المعنى فيه، وهو إنك إذا نصبت مصبوغا كان انتصابه على الحال، والسؤال واقع عن ثمن الثوب وهو مصبوغ، وإن رفعت مصبوغا رفعته على أنه خبر المبتدأ، الذي هو ثوبك وكان السؤال واقعا عن أجرة الصبغ، لا عن ثمن الثوب (٢).
ومن ذلك وله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩]، بنصب (كل) إذ لو تغيرت علامة إعرابها لتغير المعنى، قال السيرافي ما ملخصه: " فإن قال قائل: قد زعمتم أن نحو: (إني زيد كلمته) الاختيار فيه الرفع، لأنه جملة في موضع الخبر، فلم اختبر النصب في (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وكلام الله تعالى أولى بالاختيار؟
стр. 32
فالجواب إن في النصب ههنا دلالة على معنى ليس في الرفع، فإن التقدير على النصب إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فهو يوجب العموم. وإذا رفع فليس فيه عموم، إذ يجوز أن يكون (خلقناه) نعتا لشيء، و (بقدر) خبرا لكل، ولا يكون فيه دلالة على خلق الأشياء كلها إنما يدل على أن ما خلقه منها خلقه بقدر". (١)
وتوضيح ذلك أن قوله تعالى (كل) بالنصب معناه إنا خلقنا كل شيء بقدر، ولو جاءت بالرفع لاحتمل المعنى أن تكون (خلقناه) صفة لسيء و (بقدر) خبرا لكل فيكون المعنى إن الشيء الذي خلقناه كان بقدر. ومعنى ذلك ما روى عن عتبان الحروري في قوله:
فإن يك منكم كان مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين وابطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فإنه لما بلغ الشعر هشاما وظفر به قال له: أنت القائل.
ومان أمير المؤمنين شبيب.
فقال: لم اقل كذا وإنما قلت:
ومنا أميرَ المؤمنين شبيب.
فتخلص بفتحة الراء بعد ضمها". (٢)
فأنت تلاحظ أن فتح الراء من (أمير) أنجاه من هلاك محقق، وذلك أن المعنى برفع (أمير) أن شبيبا هو أمير المؤمنين لا هشاما: فـ (منا) خبر مقدم (وأمير) مبتدأ مؤخر وشبيب بدل.
والمعنى بنصب (أمير) أن يكون على النداء: أي: ومنا - يا أمير المؤمنين - شبيب فهو يقر بأن هشاما أمير المؤمنين، وفرق بين التعبيرين.
стр. 33
ومن ذلك ما روى عن الكسائي إنه قال: " اجتمعت وأبو يوسف القاضي عند هارون الرشيد فجعل أبو يوسف يذم النحو ويقول: ما النحو؟ فقلت - واردت أن أعلمه فضل النحو - ما تقول في رجل قال لرجل: أنا قاتٌ غلامَك، وقال له آخر: أنا قاتلُ غلامِك أيهما كنت تأخذ به؟ قال: آخذهما جميعا.
فقال له هارون: أخطأت. وكان له علم بالعربية، فاستحيا. وقال: كيف ذلك؟ فقال: الذي يؤخذ بقتل الغلام هو الذي قال: أنا قاتلُ غلامِك بالاضافة، لأنه فعل ماضٍ فأما الذي قال: أنا قاتلٌ غلامَك بلا إضافة فإنه لا يؤخذ لأنه مستقبل، لم يكن بعد كما قال الله تعالى: ﴿ولا تقولن لشأي إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
فولا أن التنوين مستقبل ما جاز فيه غدا (١).
ومن ذلك قولك: ما صنعت وأباك؟ ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها إنما أردت: ما صنعت مع أبيك، ولو تركت الناقة مع فصيلها.
فالفصيل مفعول معه والأب كذلك. (٢)
ولو قلت: ما صنعت وأبوك لكان المعنى: ما صنعت وما صنع أبوك؟ لأنه عطف. جاء في كتاب سيبويه: " وكذلك ما أنت وعبد الله، وكيف أنت وعبدُ الله كأنك قلت: ما أنت وما عبد الله؟ وأنت تريد أن تحقر أمره. وكذلك: كيف أنت وعبد الله، وأنت تريد أن تسأل عن شأنها لأنك إنما تعطف بالواو، إذا أردت معنى " مع" على " كيف" وكيف بمنزلة الابتداء كأنك قلت: وكيف عبد الله؟ (٣)
ومن ذلك قولهم: (جاء بالرد والطيالسة): " ترفع بالبرد بفعله وتنصب الطيالسة، لأنك لست تريد جاءت الطيالسة وإنما أردت جاء البردُ مع الطيالسة، فادت الواو معنى مع، وعمل الفعل الذي قبلها فيما بعدها فنصبه، ولو أردت: (جاء البر وجاءت الطيالسة)
стр. 34
لرفعت وكان ذلك جائزا. وتقول: (استوى الماء والخشبةَ) بالنصب، لا غير لأنك تريد ساوي الماء الخشبة واستوي مع الخشبة" (١).
ونحو ذلك قولك (كن أنت وزيدا كالأخ) وذلك لأنك لو عطفت زيدًا على الضمير في (كن) لزم أن يكون زيد مأمورا، وأنت لا تريد أن تأمره، وإنما تريد أن تأمر مخاطبك بأن يكون معه كالأخ (٢).
ومثل هذا الأمر يكون في الفعل المضارع فـ " العلة الموجبة لإعراب الاسم، موجودة في الفعل وذلك أنا لو قلنا: (ضرب زيد عمرو، وزيدا عمرا) لم يتميز لنا الفاعل من المفعول كذلك إذا قلنا: (لا يضرب زيد عمرا) لولا الرفع والجزم، ما عرف النفي من النهي". (٣)
ومنه المثال المشهور، (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) فإنه يجوز في (تشرب) الرفع والنصب، والجزم، ولكن المعنى يختلف في كل حالة، فالجزم عطف على (تأكل) ويكون النهي عنهما جميعا فكأنه قال: لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن. والنصب معناه النهي عن الجمع بينهما وإباحة كل واحد على حدة، فهو منهي عن الجمع بين أكل السمك وشرب اللبن، ولكن أكل السمك وحده مباح، وشرب اللبن وحده مباح.
ومعنى الرفع أنه منهي عن أكل السمك على آية حالة، ومباح له شرب اللبن على اية حال، فكأنه قال ولك شرب اللبن.
ومثله قولهم (لا تعن بالجفاء وتمدح عمرا) " فإنه يحتمل المعاني الثلاثة في (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) ويغني عن الاعراب في ذلك وضع الاسم مكان كل من، المجزوم، والمنصوب، والمرفوع فيقال: لا تعن بالجفاء ومدح عمرو، ولا تعن بالجفاء مادحا عمرا، ولا تعن بالجفاء ولك مدح عمرو". (٤)
стр. 35
ونحوه قولك: (حسبته شتمني فأثب عليه) إذا لم يقع الوثوب، ومعناه لو شتمني لو ثبت عليه، وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع. (١)
ومثله قولك: أعطني فأمدحك، فإذا نصبت (أمدح) كان المعنى، إنه لم يقع المدح، وإنما يقع بعد العطاء، فالمدح مسبب عن العطاء، ولو قلت (أعطني فأمدحك) بالرفع كان المعنى، فأنا أمدحك أي أنا قائم بمدحك قبل العطاء، أي أعطني فأنا ممن يمدحك.
ومثله قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]، " فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابًا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لاعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت فتشكر؟ إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه فيه، وأن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الاعراب وتوقير أهله. (٢)
٢ - السعة في التعبير: وذلك أن يكون للمتكلم سعة في التقدير والتأخير، إذ أن الكلمة تحمل معها مركزها في الجملة بعلامتها الإعرابية فالجملة الآتية مثلا، يمكن صوغها في عدة صور مع بقاء المعنى العام واحدًا.
اعطي محمدٌ خالدًا كتابًا.
محمدٌ أعطي خالدًا كتابًا.
خالدًا أعطي محمدٌ كتابا.
كتابا أعطي محمدٌ خالدًا.
كتابًا خالدًا أعطى محمد.
стр. 36
أعطي خالدًا كتابًا محمد.
أعطي خالدا محمدٌ كتابًا.
إلى غير ذلك من الصور الأخرى دون أن يحصل لبس بين المعطي والآخذ، فالمعطي في كل هذه الجمل هو محمد والآخذ خالد، وهو معلوم من حركة الاثنين فالرفع يشير إلى الفاعل، والنصب إلى المفعول في حين إنك لا تستطيع مثل هذا في اللغات المبنية بل أنت مقيد بصورة واحدة ضيقة لا تتعداها.
فهذه الجملة يقابلها في الانكليزية:
Mohammad gave khalid a book
ولا نستطيع أن نصوغ لها صورة ثانية، إلا تغير أساسي في الجملة، أو بتغيير في المعنى في حين إننا ذكرنا لهذا التعبير، سبع صور في العربية.
فالاعراب كما ترى يعطي المتكلم حرية وسعة بعكس البناء.
٣ - الدقة في المعنى: للاعراب فائدة أخرى جليلة، وهي أنه يمنح اللغة غناء ودقة في التعبير عن المعاني، ويمكن المتكلم من التعبير بدقة عن المعاني التي يريدها، مما لا نجد نظيره في اللغات المبنية.
لنعد إلى الجملة التي ذكرناها آنفا، وهي (أعطي محمدٌ خالدًا كتابا) نجد أن لكل صورة ذكرناها معى جديدا لا نجده في الجملة الأخرى، مع أن المعنى العام واحد. وتوضيح هذا الأمر بصورة مختصرة أنك تقول:
١ - أعطي محمدٌ خالدًا كتابا - هذه الجملة الفعلية تقال، والمخاطب خالي الذهن عن الموضوع، فهو إخبار بما لا يعلم عنه المخاطب شيئا.
٢ - محمد أعطي خالدًا كتابا- المخاطب يعلم أن شخصا ما أعطي خالدا كتابا، ولكنه لا يعلم المعطي أو يظن أنه غير محمد، فهو يعتقد أنه سعيد مثلا فتقدم المسند إليه لازالة الوهم من ذهنه.
стр. 37
٣ - خالدًا أعطى محمدٌ كتابا - المخاطب يعلم أن محمدًا أعطى كتابا شخصا ما، ولكنه يجهل هذا الشخص، أو يظن أنه غير خالد فتقدم (خالدا) لازالة هذا الوهم من ذهنه.
٤ - كتابًا أعطي محمدٌ خالدًا - المخاطب يعلم أن محمدًا أعطي خالدًا شيئا ما ولكنه لا يعلم الشيء الذي أعطي، أو يظن أنه أعطاه دفترا مثلا، فقدمنا الكتاب لإزالة هذا الوهم، أي أعطاه كتابا لا شيئا آخر.
٥ - كتابًا خالدًا أعطي محمدٌ - المخاطب يعلم أن محمدًا أعطي شيئًا ما شخصا ما ولكنه لا يعلم الشيء، ولا الشخص أو يظن أنهما غير المذكورين، فقدمنا المفعولين لإزالة الوهم.
٦ - أعطي خالدًا كتابًا محمدٌ - هنا أخرنا الفاعل وقدمنا المفعولين، ذلك لأن المفعولين أهم من الفاعل عند المخاطب، وذلك لأن محمدًا من شأنه أن يعطي، فليس في الإخبار بأنه (أعطي) كبير فائدة، لكن الغرابة أو المهم أنه أعطي خالدا كتابًا، فهو ليس من شأنه أن يعطي خالدًا كتابا، أما لأنه لا علاقة بينهما تؤدي إلى مثل هذا، أو لأمر آخر، فقدم المفعولان لأنهما المهمان والعرب إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم بيانه أعني، وأن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم. (١)
ومثل هذا التعبير قولك: أكرمت زيدًا وزيدًا أكرمت، ففي الجملة الأولى أخبرت أنك أكرمت زيدا ولم تتعرض لغير زيد فقد يكون أنك أكرمت شخصا آخر مع زيد أو لم يكن، أما الجملة الثانية (زيدا أكرمت) فإنها تفيد انك خصصت زيدا بالاكرام ولم تكرم غيره.
وهذا ميدان اوسع نكتفي منه الان بهذا القدر القليل إلى أن نبحثه في مكانه الذي به أحرى.
стр. 38
النكرة والمعرفة
النكرة:
إذا أطلقت النكرة دلت على أحد أمرين:
إرادة الوحدة، أو إرادة الجنس.
فإرادة الوحدة نحو قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجلٌ يسعى﴾ [يس: ٢٠] ونحو: (زارني اليوم رجل غريب).
وإرادة الجنس، نحو قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خيرٌ من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقد تحتمل الجنس والوحدة معا كقولك (جاءني اليوم رجلٌ) فهذا يحتمل إنه جاءك رجلٌ واحدٌ، ويحتمل إنه جاءك رجلٌ لا إمرأة.
فإذا كانت النكرة في حيز النفي، أو شبهه، كانت دلالتها على العموم أرجح، وذلك نحو قولك (ما جاءني رجل) فالراجح إنك تريد: لم يجئك أحد من هذا الجنس، وربما دل بوجه مرجوح على أن المعنى: لم يجئك رجل واحد بل أكثر. فإن قلت (ما جاءني رجل بل رجال) دل ذلك على إرادة نفي الواحد نصًا.
جاء في (التصريح) إن النكرة في سياق النفي تعم (١). وجاء في (الطراز): " النكرة إذا أطلقت في نحو قولك: رجل وفرس وأسد ففيها دلالة على أمرين: الوحدة والجنسية. فالقصد يكون متعلقا بأحدهما ويجيء الآخر على جهة التبعية. فأنت إذا قلت: أرجل في الدار أم امرأة؟ حصل بيان الجنسية، والوحدة جاءت تابعة غير مقصودة، وإذا قلت أرجل عندك أم رجلان؟ فالغرض ها هنا الوحدة دون الجنسية. (٢)
стр. 39
وقال سيبويه: " يقول الرجل: (أتاني رجل) يريد واحدًا في العدد، لا اثنين فيقال: (ما أتاك رجلٌ) أي أتاك أكثر من ذلك، أو يقول (أتاني رجل لا امرأة) فيقال: (ما أتاك رجل) أي: امرأة اتتك. (١)
أغراض التنكير:
للتنكير أغراض أهمها:
١ - إرادة الواحد كما مر نحو قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم﴾ [البقرة: ١٠١]، وقوله: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ [يوسف: ٥٩].
٢ - إرادة الجنس نحو قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، وقوله: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٣٨٥].
٣ - التعظيم نحو قوله تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ [هود: ١٠٣]، وقوله: ﴿وإنك لتلقي القراءان من لدن حكيم عليم﴾ [النمل: ٦].
وتقول: (لقيت اليوم شاعرًا) أي مجيدًا. قال سيبويه: " ويقول (أتاني اليوم رجل) أي في قوته ونفاذه. فتقول (ما أتاك رجل) أي أتاك الضعفاء". (٢)
٤ - التهويل نحو قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٨].
٥ - التكثير نحو قوله تعالى: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله: ﴿وإن لك لأجرا غير ممنون﴾ [القلم: ٣]، أي كثيرًا غير منقطع، ونحو قولنا (هو عنده مال) أي كثير.
٦ - التقليل كقوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس: ٤٤]، وقوله: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥].
стр. 40
٧ - التخصيص وذلك نحو قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ [النساء: ٤٧]، والمراد بالوجوه ههنا وجوه الكفار، فالنكرة عامة والمراد بها التخصيص.
٨ - التحقير نحو قوله تعالى: " من أي شيء خلقه؟ أي من شيء حقير" ثم بينه بقوله: من نطفة خلقه (١). وكقوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦]، بمعني أية حياة كانت ولو كانت حقيرة مهينة.
٩ - التجاهل والاستهزاء نحو قوله تعالى: ﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد﴾ [سبأ: ٧] كأنهم لا يعرفونه (٢).
إلى غير ذلك من الاغراض.
المعرفة
المعرفة ما وضع لشيء معين (٣). والمعارف هي: الضمير والعلم، واسم الإشارة والمعرف بأل، والاسم الموصول، والمضاف إلى معرفة، والمعرف بالنداء، وقد ذكرها كلها سيبويه. (٤)
وقد وردت أسماء معارف من غير هذه الأبواب، منها (أمس) لليوم الذي قبل يومك. و (سحر) المراد به سحر يوم بعينه، و (أجمع) وما تفرع منها نحو (أجمعين وجمع)، كقوله تعالى ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ٣٠]، وأسماء الأفعال، والأصوات غير المنونة، نحو ايه، وصه، وغاق، وسيأتي بيان ذلك كل في بابه.