أعطي خالدًا كتابًا محمد.
أعطي خالدا محمدٌ كتابًا.
إلى غير ذلك من الصور الأخرى دون أن يحصل لبس بين المعطي والآخذ، فالمعطي في كل هذه الجمل هو محمد والآخذ خالد، وهو معلوم من حركة الاثنين فالرفع يشير إلى الفاعل، والنصب إلى المفعول في حين إنك لا تستطيع مثل هذا في اللغات المبنية بل أنت مقيد بصورة واحدة ضيقة لا تتعداها.
فهذه الجملة يقابلها في الانكليزية:
Mohammad gave khalid a book
ولا نستطيع أن نصوغ لها صورة ثانية، إلا تغير أساسي في الجملة، أو بتغيير في المعنى في حين إننا ذكرنا لهذا التعبير، سبع صور في العربية.
فالاعراب كما ترى يعطي المتكلم حرية وسعة بعكس البناء.
٣ - الدقة في المعنى: للاعراب فائدة أخرى جليلة، وهي أنه يمنح اللغة غناء ودقة في التعبير عن المعاني، ويمكن المتكلم من التعبير بدقة عن المعاني التي يريدها، مما لا نجد نظيره في اللغات المبنية.
لنعد إلى الجملة التي ذكرناها آنفا، وهي (أعطي محمدٌ خالدًا كتابا) نجد أن لكل صورة ذكرناها معى جديدا لا نجده في الجملة الأخرى، مع أن المعنى العام واحد. وتوضيح هذا الأمر بصورة مختصرة أنك تقول:
١ - أعطي محمدٌ خالدًا كتابا - هذه الجملة الفعلية تقال، والمخاطب خالي الذهن عن الموضوع، فهو إخبار بما لا يعلم عنه المخاطب شيئا.
٢ - محمد أعطي خالدًا كتابا- المخاطب يعلم أن شخصا ما أعطي خالدا كتابا، ولكنه لا يعلم المعطي أو يظن أنه غير محمد، فهو يعتقد أنه سعيد مثلا فتقدم المسند إليه لازالة الوهم من ذهنه.
стр. 37
٣ - خالدًا أعطى محمدٌ كتابا - المخاطب يعلم أن محمدًا أعطى كتابا شخصا ما، ولكنه يجهل هذا الشخص، أو يظن أنه غير خالد فتقدم (خالدا) لازالة هذا الوهم من ذهنه.
٤ - كتابًا أعطي محمدٌ خالدًا - المخاطب يعلم أن محمدًا أعطي خالدًا شيئا ما ولكنه لا يعلم الشيء الذي أعطي، أو يظن أنه أعطاه دفترا مثلا، فقدمنا الكتاب لإزالة هذا الوهم، أي أعطاه كتابا لا شيئا آخر.
٥ - كتابًا خالدًا أعطي محمدٌ - المخاطب يعلم أن محمدًا أعطي شيئًا ما شخصا ما ولكنه لا يعلم الشيء، ولا الشخص أو يظن أنهما غير المذكورين، فقدمنا المفعولين لإزالة الوهم.
٦ - أعطي خالدًا كتابًا محمدٌ - هنا أخرنا الفاعل وقدمنا المفعولين، ذلك لأن المفعولين أهم من الفاعل عند المخاطب، وذلك لأن محمدًا من شأنه أن يعطي، فليس في الإخبار بأنه (أعطي) كبير فائدة، لكن الغرابة أو المهم أنه أعطي خالدا كتابًا، فهو ليس من شأنه أن يعطي خالدًا كتابا، أما لأنه لا علاقة بينهما تؤدي إلى مثل هذا، أو لأمر آخر، فقدم المفعولان لأنهما المهمان والعرب إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم بيانه أعني، وأن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم. (١)
ومثل هذا التعبير قولك: أكرمت زيدًا وزيدًا أكرمت، ففي الجملة الأولى أخبرت أنك أكرمت زيدا ولم تتعرض لغير زيد فقد يكون أنك أكرمت شخصا آخر مع زيد أو لم يكن، أما الجملة الثانية (زيدا أكرمت) فإنها تفيد انك خصصت زيدا بالاكرام ولم تكرم غيره.
وهذا ميدان اوسع نكتفي منه الان بهذا القدر القليل إلى أن نبحثه في مكانه الذي به أحرى.
стр. 38
النكرة والمعرفة
النكرة:
إذا أطلقت النكرة دلت على أحد أمرين:
إرادة الوحدة، أو إرادة الجنس.
فإرادة الوحدة نحو قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجلٌ يسعى﴾ [يس: ٢٠] ونحو: (زارني اليوم رجل غريب).
وإرادة الجنس، نحو قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ [النور: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خيرٌ من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: ٢٢١].
وقد تحتمل الجنس والوحدة معا كقولك (جاءني اليوم رجلٌ) فهذا يحتمل إنه جاءك رجلٌ واحدٌ، ويحتمل إنه جاءك رجلٌ لا إمرأة.
فإذا كانت النكرة في حيز النفي، أو شبهه، كانت دلالتها على العموم أرجح، وذلك نحو قولك (ما جاءني رجل) فالراجح إنك تريد: لم يجئك أحد من هذا الجنس، وربما دل بوجه مرجوح على أن المعنى: لم يجئك رجل واحد بل أكثر. فإن قلت (ما جاءني رجل بل رجال) دل ذلك على إرادة نفي الواحد نصًا.
جاء في (التصريح) إن النكرة في سياق النفي تعم (١). وجاء في (الطراز): " النكرة إذا أطلقت في نحو قولك: رجل وفرس وأسد ففيها دلالة على أمرين: الوحدة والجنسية. فالقصد يكون متعلقا بأحدهما ويجيء الآخر على جهة التبعية. فأنت إذا قلت: أرجل في الدار أم امرأة؟ حصل بيان الجنسية، والوحدة جاءت تابعة غير مقصودة، وإذا قلت أرجل عندك أم رجلان؟ فالغرض ها هنا الوحدة دون الجنسية. (٢)
стр. 39
وقال سيبويه: " يقول الرجل: (أتاني رجل) يريد واحدًا في العدد، لا اثنين فيقال: (ما أتاك رجلٌ) أي أتاك أكثر من ذلك، أو يقول (أتاني رجل لا امرأة) فيقال: (ما أتاك رجل) أي: امرأة اتتك. (١)
أغراض التنكير:
للتنكير أغراض أهمها:
١ - إرادة الواحد كما مر نحو قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم﴾ [البقرة: ١٠١]، وقوله: ﴿ائتوني بأخ لكم من أبيكم﴾ [يوسف: ٥٩].
٢ - إرادة الجنس نحو قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، وقوله: ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٣٨٥].
٣ - التعظيم نحو قوله تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾ [هود: ١٠٣]، وقوله: ﴿وإنك لتلقي القراءان من لدن حكيم عليم﴾ [النمل: ٦].
وتقول: (لقيت اليوم شاعرًا) أي مجيدًا. قال سيبويه: " ويقول (أتاني اليوم رجل) أي في قوته ونفاذه. فتقول (ما أتاك رجل) أي أتاك الضعفاء". (٢)
٤ - التهويل نحو قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٨].
٥ - التكثير نحو قوله تعالى: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقوله: ﴿وإن لك لأجرا غير ممنون﴾ [القلم: ٣]، أي كثيرًا غير منقطع، ونحو قولنا (هو عنده مال) أي كثير.
٦ - التقليل كقوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس: ٤٤]، وقوله: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥].
стр. 40
٧ - التخصيص وذلك نحو قوله تعالى: ﴿من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها﴾ [النساء: ٤٧]، والمراد بالوجوه ههنا وجوه الكفار، فالنكرة عامة والمراد بها التخصيص.
٨ - التحقير نحو قوله تعالى: " من أي شيء خلقه؟ أي من شيء حقير" ثم بينه بقوله: من نطفة خلقه (١). وكقوله تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦]، بمعني أية حياة كانت ولو كانت حقيرة مهينة.
٩ - التجاهل والاستهزاء نحو قوله تعالى: ﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد﴾ [سبأ: ٧] كأنهم لا يعرفونه (٢).
إلى غير ذلك من الاغراض.
المعرفة
المعرفة ما وضع لشيء معين (٣). والمعارف هي: الضمير والعلم، واسم الإشارة والمعرف بأل، والاسم الموصول، والمضاف إلى معرفة، والمعرف بالنداء، وقد ذكرها كلها سيبويه. (٤)
وقد وردت أسماء معارف من غير هذه الأبواب، منها (أمس) لليوم الذي قبل يومك. و (سحر) المراد به سحر يوم بعينه، و (أجمع) وما تفرع منها نحو (أجمعين وجمع)، كقوله تعالى ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ٣٠]، وأسماء الأفعال، والأصوات غير المنونة، نحو ايه، وصه، وغاق، وسيأتي بيان ذلك كل في بابه.
стр. 41
كما سنذكر المعرف بالإضافة في باب الإضافة، والمعرف بالنداء، في باب النداء، ونذكر الآن بقية المعارف.
الضمير
الضمير فعيل، بمعنى اسم المفعول، من أضمرت الشيء في نفسي، إذا أخفيته وسترته فهو مضمر كالحكيم بمعنى المحكم.
والنحاة يقولون إنما سمي بذلك لكثرة استتاره، فاطلاقه على البارز توسع، أو لعدم صراحته كالأسماء المظهرة. (١)
والثاني: هو الراجح فيما أرى، وذلك لأنك بالضمير تستر الاسم الصريح، فلا تذكره فإنك إذا قلت (أنا)، فأنت لم تذكر اسمك وإنما سترته بهذه اللفظة، وكذا إذا قلت (أنت وهو وهي)، ألا ترى أنك تطرق على أحد بابه فيقول: من؟ فتقول: أنا، ويقول لك: ومن أنك؟ فتقول له: فلان. فأنت لم تذكر اسمك صراحة بقولك (أنا)، فطلب منك ذكر اسمك الصريح. فأخذ مصطلح الضمير من هذا لأنه يستر به الاسم الصريح.
والضمير مصطلح بصري، ويسميه الكوفيون كناية، ومكنيا، وهو بالمعنى نفسه، فإن الكناية تقابل التصريح، ومنه قولهم استعارة تصريحية، واستعارة مكنية، فالتصريحية ما صرح فيها بلفظ المشبه به، والمكنية، ما كني فيها لفظ المشبه به أي ما ستر وأخفى. ومنه الكنية في العلم لأنها تستر الاسم الصريح، والكناية في الكلام أن تتكلم بشيء وأنت تريد غيره. (٢)
стр. 42
جاء في (التصريح): " المضمر اسم مفعول، من أضمرته إذا أخفيته وسترته وإطلاقه على البارز توسع. والضمير بمعنى المضمر على حد قولهم (عقد العسل فهو عقيد) أي معقود. وهو اصطلاح بصري والكوفية يسمونه كناية ومكنيا، لأنه ليس باسم صريح والكناية تقابل الصريح قال ابن هانيء:
فصرح بمن تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر (١)
ألفاظه ودلالاته
ألفاظ الضمائر كثيرة فهناك ضمائر الرفع المنفصلة، وضمائر النصب المنفصلة، والمتصلة. وضمائر الجر، ولا تكون إلا متصلة.
أما ضمائر الرفع المنفصلة فهي:
أنا للمتكلم نحو: ﴿وأنا اخترتك فاستمع لما يوحي﴾ [طه: ١٣].
ونحن المتكلم مع غيره نحو ﴿بل نحن محرومون﴾ [القلم: ٢٧]، أو للواحد معظما نفسه كقوله تعالى [نحن خلقناكم فلولا تصدقون] [الواقعة: ٥٧].
أنت بفتح التاء للمخاطب، وأنت بكسر التاء للمخاطبة، وأنتما للمخاطبين، والمخاطبتين وأنتم للمخاطبين، وأنتن للمخاطبات. وهو للغائب، وهما للغائبين والغائبتين، وهم للغائبين العقلاء، ولا يكون لغير العاقل (٢) فتقول: هم الرجال ولا تقول: هم الجمال وتقول (هم في الدار) وأنت تعني الرجال، ولا تقول (هم في الدار) وأنت تعني الجمال. (٣)
стр. 43
و (هي) للغائبة تقول (هي أختك)، ويقع للجمع أيضا عاقلا، أو غيره فتقول: هي الرسل، وهي الرجال، وهي الجمال قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾. [البقرة: ٢٧١].
و(هن) للغائبات.
وأما ضمائر الرفع المتصلة فهي:
التاء المضمومة للمتكلم، و (نا) للمتكلم مع غيره، أو للمتكلم المفرد معظما نفسه، عادا إياها كالجماعة. (١)
وللمخاطب التاء المفتوحة، وللمخاطبة التاء المكسورة، وللمخاطبين والمخاطبتين (تما)، وللمخاطبين (تم).
وللغائبين والغائبتين الألف، وللغائبين الواو. وتكون الألف والواو للخطاب أيضا، إذا اتصلتا بالفعل، أو الأمر نحو: تذهبان، وتذهبون، واذهبا، واذهبوا.
ولا تكون الواو إلا للعاقل أو لما نزل منزلة العاقل مثل (هم) فتقول: الرجال حضروا ولا تقول: الجمال ذهبوا.
وما نزل منزلة العاقل نحو قوله تعالى ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠]، وقوله: ﴿يا أيها النامل ادخلوا مساكنكم﴾ [النمل: ١٨]، وجاء في كتاب سيبويه إن النمل صار " بتلك المنزلة حين حدثت عنه كما تحدث عن الأناسي.
وكذلك (في فلك يسبحون) لأنها جعلت في طاعتها، وفي أنه لا ينبغي لأحد إن يقول: (مطرنا بنوء كذا) ولا ينبغي لأحد أن يعبد شيئا منها بمنزلة من يعقل من المخلوقين ويبصر الأمور. (٢)
стр. 44
وللغائبات النون، نحو (النساء ذهبن)، وتكون للخطاب أيضا، إذا اتصلت بالمضارع والأمر نحو (تذهبن واذهبن).
وأما ضمائر النصب المنفصلة فهي:
إياي للمتكلم، وإيانا للمتكلم مع غيره، أو للواحد معظما نفسه.
إياك بفتح الكاف للمخاطب، وإياكِ بكسر الكاف للمخاطبة، و (إياكما) للمخاطبين والمخاطبين، وإياكم للمخاطبين وإياكن للمخاطبات.
إياه للغائب وإياها للغائبة، وإياهما للغائبين، وإياهم للغائبين العقلاء، وإياهن للغائبات.
وضمائر النصب المتصلة هي بحذف (إيا) من الضمائر المذكورة آنفا. وضمائر الجر بلفظ النصب المتصلة.
وذكروا أن هذا التنوع في ألفاظ الضمائر، من ضمائر رفع، إلى ضمائر نصب، إلى ضمائر جر، أغناها عن أن تكون معربة. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإنما بنيت المضمرات أما لشبهها بالحروف وضعا .. وأما لعدم موجب الإعراب فيها، وذلك أن المقتضي لإعراب الأسماء توارد المعاني المختلفة على صيغة واحدة، والمضمرات مستغنية باختلاف صيغها، لاختلاف المعاني عن الإعراب، ألا ترى أن كل واحد من المرفوع، والمنصوب، والمجرور، له ضمير خاص (١)؟
تاء التأنيث الساكنة هل هي ضمير ؟
ذهب النحاة عامة إلى إن تاء التأنيث الساكنة حرف وليست اسما (٢)، وذهب بعضهم إلى أنها اسم (٣) كالتاء المتحركة. وقد ذهب إلى هذا الرأي قسم من المحدثين فقالوا:
стр. 45
إنها شبيهة بتاء الفاعل، وذلك إن التاء المتحركة تكون للمتكلم. أو للخطاب والتاء الساكنة للغائبة. ثم إنها تقابل نون النسوة فإن التاء هذه للأفراد، ونون النسوة للجمع، ولما كانت نون النسوة اسما، كانت التاء كذلك، لأنها مفردها كالتاء المضمونة و (نا)، ضمير المتكلمين، فإن (نا) اسم، ومفرده وهو التاء المضمونة اسم أيضا، فلماذا لا تكون التاء الساكنة اسما؟
ومن أظهر ما يرد هذا القول، إنك تأتي بعد هذه التاء بالفاعل ظاهرا (١) فتقول: ذهبت ليلى، وخرجت سعاد، في حين لا يصح ذلك مع بقية الضمائر، فلا يؤتي بالفاعل بعد التاء المتحركة، ولا بعد نون النسوة فلا يقال (ذهبت خالد) على أن خالدا فاعل، ولا (ذهبن الهندات) على أن الهندات فاعل في اللغة المشهورة، فاختلف الأمر بين هذه التاء، والتاء المتحركة، جاء في (شرح ابن يعيش): " والتاء مؤذنة بأن الفعل لمؤنث والذي يدل أنها ليست اسما أشياء منها: إنك تقول (هند ضربت جاريتها) فترفع الجارية بأنها فاعلة، ولو كانت التاء اسما لم يجز رفع الاسم الظاهر، لأن الفعل لا يرفع فاعلين، أحدهما مضمر والآخر ظاهر.
ومنها أنها لو كانت اسما، لكنت إذا قلت (قامت هند) قدمت المضمر على المظهر وذلك لا يجوز.
ومنها إنك تقول في التثنية (قامتا) فتجمع بين التاء وضمير التثنية، فيلزم من ذلك أن يكون الفعل خبرًا عن ثلاثة من غير اشتراك. (٢)
وأما الشبهة القائلة بأن نون النسوة جمع لتاء التأنيث الساكنة، فهي وهم، فإن نون النسوة ليست جمعا لتاء التأنيث، وقد ذكرنا إنه لا يجوز ذكر فاعل ظاهر بعد نون النسوة بخلاف تاء التأنيث، ثم إنك قد تأتي مع الجمع بتاء التأنيث فتقول (حضرت النساء)، قال تعالى ﴿وإذا الكواكب انتثرت﴾ [الانفطار: ٢] وتستعمل تاء التأنيث لجماعة الذكور أيضا
стр. 46
قال تعالى: ﴿وإذا الرسل اقتت﴾ [المرسلات: ١١]، وقال: ﴿قالت الأعراب أمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، فتاء التأنيث تستعمل للمفرد والمثني والجمع بنوعيه المذكر والمؤنث في حين لا تستعمل نون النسوة إلا الجماعة الاناث.
ولو كانت النون جمعا لتاء التأنيث، لجمعنا قولنا (حضرت الأم) بقولنا (حضرت الامهات) وهذا باطل غير صحيح.
فدل ذلك على رجحان رأي النحاة في هذا القول والله أعلم.
ضمير الفصل
ضمير الفصل يقع بين المبتدأ والخبر، أو ما أصله مبتدأ وخبر، واشترط الجمهور أن يكون الأول معرفة، وأما الثاني فمعرفة، أو كالمعرفة، في إنه لا يقبل (أل) نحو (زيد هو المنطلق) وقوله: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا﴾ [المزمل: ٢٠]. (١)
ولو جوده في الكلام أغراض وفوائد أهمها:
١ - الإعلام بأن ما بعده خبر لا تابع: قال ابن هشام: " ولهذا سمي فصلا لأنه فصل بين الخبر والتابع، وعمادا لأنه يعتمد عليه معنى الكلام وأكثر النحويين يقتصر على هذه الفائدة" (٢) وقال سيبويه في (باب ما يكون فيه هو، وأنت، وأنا، ونحن، وإخواتهن فصلا): " اعلم إنهن لا يكن فصلا، إلا في الفعل، ولا تكون كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته، في حال الابتداء، واحتياجه إلى ما بعده كاحتياجه إليه في الابتداء، فجاز هذا في هذه الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء، واعلاما بأنه فصل
стр. 47
الاسم، وإنه فيما ينتظر المحدث عنه، ويتوقعه منه، مما لابد له من أن يذكره للمحدث، لأنك إذا ابتدأت فقد وجب عليك مذكور بعد المبتدأ لابد منه وإلا فسد الكلام ولم يسغ لك، فكأنه ذكر (هو) ليستدل المحدث أن ما بعد الاسم ما يخرجه مما وجب عليه، وأن ما بعد الاسم ليس منه، هذا تفسير الخليل". (١)
وهذا القول كسابقه أي الاعلام بأن ما بعده خبر لا تابع، فضمير الفصل قد يفيد أن ما يعده خبر لا تابع، ولولا هو لاحتمل أن يكون تابعًا، وأن يكون خبرًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ [آل عمران: ٦٢]، فوجود الضمير عين أن يكون (القصص) هو الخبر، ولولا الضمير لاحتمل أن يكون (الحق) هو الخبر، والقصص بدلا منه، فيكون المعنى: إن هذا القصص هو الحق، ولا تظنن أن (إن) هي التي عينت الخبر برفعه، فذلك صحيح في هذه الجملة ولكن لو حذفنا (أن) ماتعين الخبر إلا بالضمير.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ [الحج: ١٢] فوجود الضمير عين أن يكون (الضلال) هو الخبر، ولولا (هو) لاحتمل أن يكون البعيد هو الخبر، والضلال تابعًا، فيكون المعنى: ذلك هو الضلال هو البعيد. ونحوه قوله ﴿ذلك هو الخسران المبين﴾ [الحج: ١١] ومنه ﴿ذلك هو الفضل الكبير﴾ [فاطر: ٣٢]، وقوله: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ [الصافات: ١٠٦]، وقوله: ﴿وذلك هو الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١١١]، ويحتمل أن يكون منه قوله: ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فلو حذف لاحتمل أن يكون (الظالمون) نعتا، والخبر محذوفا.
٢ - الاختصاص والقصر: قد يأتي ضمير الفصل للدلالة على القصر، وإذا ذهب ذهب معنى القصر، جاء في (الإيضاح): " وأما توسط الفصل بينه وبين المسند إليه فلتخصصه به كقولك: زيد هو المنطلق، أو هو أفضل من عمرو، أو هو خير منه، أو هو يذهب (٢).
стр. 48
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥].
" و (هم) فصل وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر، لا صفةـ، والتوكيد، وإيجاب إن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره (١) " أي للقصر، وجاء في (معترك الأقران في إعجاز القرآن): " وممن ذكر أنه للحصر، البيانيون في بحث المسند إليه، واستدل له السهيلي بأنه أتي به في كل موضع إدعى فيه نسبة ذلك المعنى إلى غير الله، ولم يؤت به حيث لم يدع وذلك في قوله: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى. من نطفة إذا تمنى، وأن عليه النشأة الأخرى، وأنه هو أغنى وأقنى، وأنه هو رب الشعرى، وأنه أهلك عادا الأولى﴾ [النجم: ٤٣ - ٥٠]، (٢) فلم يؤت به في ﴿وأنه خلق الزوجين﴾ [النجم: ٤٥]، ﴿وأن عليه النشأة الأخرى﴾ [النجم: ٤٧]، ﴿وأنه أهلك عادا الأولى﴾ [النجم: ٥٠]، لأن ذلك لم يدع لغير الله، وأتى به في الباقي لادعائه لغيره" (٣).
وجاء في (التفسير الكبير) في إفادة ضمير الفصل الحصر " لو قلت: الإنسان ضاحك فهذا لا يفيد ان الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان أما لو قلت: الإنسان هو الضاحك فهذا يفيد أن الضاحكية لا تحصل إلا في الإنسان". (٤)
وأرى أن هذا ليس دليلا، فقد يقال أن التخصيص جاء من التعريف، لا من ضمير الفصل وإنما جاء الضمير لتوكيد التخصيص الموجود.
ومن دلالته على القصر بنفسه قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار﴾ [آل عمران: ١٠]، فضمير الفصل هنا يفيد قصرًا حقيقيًا، فالقول: ﴿وأولئك هم وقود النار﴾ قد يفيد مجرد الأخبار كما تقول (هذا صديقك) ووضع ضمير الفصل عين القصر الذي كان محتملا قبل دخوله.
стр. 49
ومنه قوله تعالى ﴿والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة﴾ [البلد: ١٩]، فقد أفاد الضمير القصر ولو حذف لكان القصر محتملا.
وإذا أخذنا بالرأي القائل أن ضمير الفصل قد يقع بين المبتدأ وخبره الفعلي (١)، كان منه قوله تعالى ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده. ويأخذ بالصدقات﴾ [التوبة: ١٠٤] فالضمير (هو) أفاد معنى القصر، ولو حذف لكان القصر محتملا لا معينا، فإن قلت (أن الله يقبل التوبة) كان أخبارا بأن الله يقبل التوبة دون إفادة القصر.
ونحوه قوله: ﴿إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة﴾ [السجدة: ٢٥]، وقوله ﴿ومكر أولئك هو يبور﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله ﴿إنه هو يبديء ويعيد﴾ [البروج: ١٣]، ونحوها فوجد الضمير ها هنا أفاد معنى القصر ولو حذف لكان محتملا.
٣ - التوكيد: ولهذا سماه بعض الكوفيين دعامة، لأنه يدعم به الكلام، أي يقوي ويؤكد (٢)، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿وأولئك هـ المفلحون﴾ [البقرة: ٥].
(وهم) فصل وفائدته الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة، والتوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره. (٣)
قال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم﴾. [التوبة: ٧٢].
стр. 50
فانظر إلى الفرق بين الآيتين، فقد جاء بإحداهما بضمير الفصل دون الأخرى، وذلك أنه لما عدل عن قوله (رضي الله عنهم ورضوا عنه) إلى قوله (ورضوان من الله أكبر) فجاء بالجملة الإسمية الدالة على الثبوت، والتي هي أقوى من الفعلية ثم أخبر بأن رضوان الله أكبر من الجنات. وملذاتها، ناسب عظم ذلك المجيء بضمير الفصل فقال (ذلك هو الفوز العظيم).
وقال تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ [البقرة: ١٢٠]
وقال: ﴿قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا اله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدي الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام: ٧١].
وقال: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذي أنزل على الذين أمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ولاتؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ [آل عمران: ٧٢ - ٧٣].
فأنت ترى أنه في الآيتين الأوليين قدم (هدى الله) وجاء بضمير الفصل، وفي الثالثة قدم (الهدى). ولم يأت بضمير الفصل.
ولعل السبب أن الآيتين الأوليين في الأديان، فالآية الأولى في اليهودية والنصرانية والثانية في الشرك فناسب الرد بتقديم (هدي الله) وهو (الإسلام) هنا فكأنه قال لهم: أن هدي الله، أي الإسلام، هو الهدى الكامل، الصحيح التام لهدايتكم، وما أنتم عليه، فناسب تقديمه، وحصر الهداية عليه، والمجيء بضمير الفصل توكيدا لهذا المعنى، وناسب هذا التوكيد والقصر زيادة (من) في الآية الأولى، وزيادة اللام في (لنسلم) في الثانية لتوكيد هذا المعنى. جاء في الكشاف في تفسير آية البقرة: يعني أن هدي الله الذي هو الإسلام، هو الهدى بالحق والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله
стр. 51
ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى أتباعه ما هو بهدى، إنما هو هوى ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ولئن أتبعت أهواءهم﴾ أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع" (١).
أما الآية الثالثة فهي ليست في الموازنة بين أهل الأديان، وإنما هي رد على تصرف سيء ومكر، إذ قالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بما أنزل على محمد وجه النهار واكفروا آخره، وقولوا نحن آمنا به ظنا بأنه حق، ولكن استبان لنا أنه باطل، فرجعنا عنه إلى ديننا الذي هو الحق لعلهم يرجعون عن دينهم، فنزلت الآية ردا على مكرهم وكيدهم وإدعائهم الهدى، فقال تعالى: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ أي أن الهدى أن يهديكم الله إلى الدين الصحيح، وإلى الحق وليس الهدى أن تعلموا مثل هذا المكر والتبييت، الهدى أن يشرح الله صدوركم لقبول الحق، ويفتح قلوبكم للخير، وليس الهدى ما تبيتون وما تنوون، فناسب هذا أن يقول: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ وهو رد على تصرفهم وزعمهم، وتبيان للهدى الصحيح جاء في (الكشاف) في هذه الآية:
" معناه أن الهدى هدي الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدك وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين (٢).
وقال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ [الحج: ٦٢].
وقال: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾ [لقمان: ٣٠].
فأنت تلاحظ تشابه الآيتين إلا في وجود ضمير الفصل في آية الحج (وهو الباطل) وخلوها منه في آية لقمان (الباطل)، وسياق الآيتين يوضح ذلك، فآية الحج واقعة في سياق الصراع بعد ذكر الأمم السالفة وتكذيبهم لرسلهم بقوله تعالى: ﴿والذين سعوا في
стр. 52
آيتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم﴾ [الحج: ٥١]، فهنا سعي لإطفاء نور الله، وقتل كلمة الحق، ثم يسترسل إلى أن يقول: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين﴾ [الحج: ٥٨]، وهذا من نتائج الصراع، الهجرة من الأرض إلى أرض أخرى، والقتل والموت إلى أن ينتهي إلى الآية.
فهنا أنصار الباطل ساعون لإطفاء نور الله معاجزون معاندون، ولا تجد مثل هذا في سورة لقمان، وإنما هو عرض لأصحاب الباطل من وجه آخر، ليس فيه هذا الصراع قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعون إلى عذاب السعير﴾ [لقمان: ٢١] ﴿ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ولين سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ [لقمان: ٢٣ - ٢٥].
﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجي إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو الغني الكبير﴾ [لقمان: ٢٩ - ٣٠].
فأنت ترى أن السياق مع أهل الباطل هنا يختلف، فهم في الصورة الأولى ساعون معاجزون معاندون مصارعون نتيجته هجرة المؤمنين، أو قتلهم، أو موتهم، فاحتاج الأمر إلى توكيد أن ما هم عليه هو الباطل لزيادة تثبيت المؤمنين. وفي الآية الثانية جدال ليس فيه صدام فلما كان الموقف مختلفا، اختلف التوكيد في الآيتين حسب ما اقتضاه السياق.
وقال تعالى: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ [التوبة: ٤٠].
стр. 53
فانظر كيف قال سبحانه ﴿جعل كلمة الذين كفروا السفلى﴾ ثم استأنف كلاما جديدا فقال ﴿وكلمة الله هي العليا﴾ فجاء بضمير الفصل مع الاستئناف، ولم يعطفها على كلمة الكفر، أي أن كلمة الله هي العليا بدون جعل جاعل، شأنها الارتفاع والعلو، وهي المرتفعة دوما بذاتها.
وهو - أي ضمير الفصل - يفيد توكيد معاني القصر المتعددة التي يدخل عليها فهو يفيد:
أ - توكيد القصر الحقيقي: فقد يكون الكلام دالا على القصر من دون ضمير الفصل فيأتي ضمير الفصل مؤكدا هذا المعنى قال تعالى: ﴿إنه هو التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧]، فلو حذف الضمير لبقي معنى القصر، ولكنه جاء بالضمير توكيدا لهذا المعني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون﴾ [البقرة: ١٢١]، وقوله: ﴿ومن يتول الله ورسوله والذين أمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ [المائدة: ٥٦]، وقوله: ﴿فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾ [المائدة: ١١٧]، وقوله: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [النحل: ١٢٥] وقوله: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ [المؤمنون: ١٠٢]، ﴿إن ربك هو القوي العزيز﴾ [هود: ٦٦].
ب - توكيد القصر الذي على جهة المبالغة: وذلك كأن تقول: زيد الشاعر فتقصر الشعر عليه مبالغة، كأن ما عداه ليس بشاعر، ثم تؤكد هذا المعنى فتقول: (زيد هو الشاعر) ـ، قال تعالى في المنافقين: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ [البقرة: ١٢]، وقال فيهم أيضا: ﴿إلا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون﴾، [البقرة: ١٣]، ومن المعلوم أن هناك مفسدين آخرين، وهناك سفهاء آخرين، قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾ [النساء: ٥]، ولكنه قصر الأفساد والسفه عليهم مبالغة على معنى أنهم أولى من يسمى هذا الاسم، أو على أنهم كاملون في هاتين الصفتين.
стр. 54
وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [المائدة: ٤٤]، هذا القصر على جهة المبالغة قال تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]، فقصر الكفر على الأولين مبالغة.
وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥]، وهذا القصر على جهة المبالغة أيضا كقوله تعالى: ﴿ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون﴾ [الممتحنة: ٩]، وقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خير منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ [الحجرات: ١١]، وقال تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون﴾ [المائدة: ٤٧] وقال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال اقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فأشهدوا وأنا معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢]، وقال: ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ [التوبة: ٦٧].
وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا، وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤].
ولا يمكن أن يكون هذا كله قصرا حقيقيا: فهو قصر على جهة المبالغة أو على معنى الكمال في الصفة.
ج - توكيد معنى المقايسة: وذلك كقولك الشاعر هو البحتري، لم ترد أن تقصر الشعر عليه، ولكن كأنك قلت هل سمعت بالشاعر وخبرت معرفته؟ فإن كنت قد عرفته حقا فهو البحتري، وتؤكد هذا المعنى فتقول: الاشعر هو البحتري قال تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك
стр. 55
هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، فكأنه قال: هل سمعت بالمهتدين وخبرت حقيقتهم؟ أنهم هؤلاء.
ونحوه قوله تعالى: ﴿إنما يفتري الكذب الذي لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ [النحل: ١٠٥]، فالكاذبون كثيرون، ولكن هؤلاء أولى من يسمى بهذا الاسم فكأنه يقول: هل عرفت حقيقتهم؟ فهم هؤلاء.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥]، ومعنى التعريف في (المفلحون) الدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم يفلحون في الآخرة، كما إذا بلغك أن إنسانا قد تاب من أهل بلدك فاستخبرت من هو؟ فقيل: التائب أي والذي أخبرت بتوبته.
أو على أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين، وتحققوا ما هم، وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الأقدام؟ إن زيدا هو هو. (١)
د - توكيد معنى الكمال: جاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: ﴿إنك أنت السميع العليم﴾ [آل عمران: ٣٥]، " فإن قيل: قوله: ﴿إنك أنت السميع العليم﴾ يفيد الحصر وليس الأمر، كذلك فإن غيره قد يكون سميعا قلنا: إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة، كأنه هو المختص بها دون غيره. (٢)
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿وأولئك هم الكاذبون﴾ [النحل: ١٠٥]، أي أولئك هم الكاذبون على الحقيقة، الكاملون في الكذب، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب، أو أولئك هم الذين عادتهم الكذب، لا يبالون به في كل شيء، لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين. (٣)
وهذا النوع في الحقيقة من باب القصر الادعائي.
стр. 56
ضمير الشأن
من عادة العرب أنهم قد يقدمون على الجملة ضميرا تفسره الجملة، بعده يسمى ضمير الشأن، ويسميه الكوفيون ضمير المجهول، وذلك في مواضع التفخيم والتعظيم يقولون: (هو زيد منطلق) ومعنى: (هو): (زيد منطلق) أي معنى الضمير هو معنى الجملة فيكون المعنى هكذا: الشأن زيد منطلق، أو الأمر زيد منطلق: ويعني بالأمر ما بعده.
جاء في (شرح التصريح): والجملة أما نفس المبتدأ في المعنى، فلا تحتاج لرابط يربطها بالمبتدأ .. نحو: (هو الله أحد) إذا قدر (هو) ضمير شأن، فهو مبتدأ (والله أحد) جملة خبره، وهي عينه في المعنى لأنها مفسرة له، والمفسر عين المفسر أي: الشأن الله أحد. ولا يكون ضمير الشأن لحاضر، وإنما يكون ضمير غيبة مفسرا بجملة بعده خبرية مصرح بجزءيها، فإن كان بلفظ التذكير، سمي ضمير الشأن، وإن كان بلفظ التأنيث، سمي ضمير القصة وقد يسمى بهما. (١)
ولا يكون ذلك إلا في مواضع التفخيم، جاء في (شرح المفصل)، اعلم أنهم إذا أرادوا ذكر جملة من الجمل الإسمية، أو الفعلية فقد يقدمون قبلها ضميرا يكون كناية عن تلك الجملة، وتكون الجملة خبرا عن ذلك الضمير، وتفسيرا له ويوحدون الضمير لأنهم يريدون الأمر والحديث، لأن كل جملة شأن وحديث، ولا يفعلون ذلك إلا في مواضع التفخيم والتعظيم، وذلك قولك (هو زيد قائم) فهو ضمير لم يتقدمه ظاهر، إنما هو ضمير الشأن والحديث، وفسره ما بعده من الخبر وهو (زيد قائم) ولم يأت في هذه الجملة بعائد إلى المبتدأ، لأنها هو في المعنى ولذلك كانت مفسرة له، ويسميه الكوفيون الضمير المجهول، لأنه لم يتقدمه ما يعود إليه ..
стр. 57
ويجيء هذا الضمير مع العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر نحو إن وأخواتها وظن وأخواتها، وكان وأخواتها، وتعمل فيه هذه العوامل .. تقول إنه زيد ذاهب، فالهاء ضمير الأمر و (زيد ذاهب) في مواضع خبر الأمر. (١)
وجاء في (شرح الرضى على الكافية): ويتقدم قبل الجملة ضمير غائب يسمى ضمير الشأن، يفسر بالجملة بعده، ويكون منفصلا، ومتصلا مستترا، وبارزا على حسب العوامل .. والمراد بهذا الضمير، الشأن والقصة، فيلزمه الأفراد والغيبة كالمعود إليه، أما مذكرا، وهو الأغلب، أو مؤنثا كما يجيء، وهذا الضمير كأنه راجع في الحقيقة إلى المسؤول عنه بسؤال مقدر تقول مثلا:
(هو الأمير مقبل) كأنه سمع ضوضاء وجلبة فاستبهم الأمر فيسأل ما الشأن والقصة؟ فقلت: (هو الأمير مقبل). أي الشأن هذا.
والقصد بهذا الإبهام، ثم التفسير، تعظيم الأمر وتفخيم الشأن، فعلى هذا لابد أن يكون مضمون الجملة المفسرة شيئا عظيما يعتني به، فلا يقال مثلا: هو الذباب يطير (٢).
وجاء في الطراز: إن ضمير الشأن والقصة على اختلاف أحواله، إنما يريد على جهة المبالغة في تعظيم تلك القصة، وتفخيم شأنها، وتحصيل البلاغة فيه، من جهة أضماره أولا وتفسيره ثانيا، لأن الشيء إذا كان مبهما فالنفوس متطلعة إلى فهمه ولها تشوق إليه (٣).
فهناك فرق في المعنى بين قولنا: زيد منطلق، وزيد هو منطلق، وهو زيد منطلق، فالجملة الأولى أخبار أولي، والثانية فيها معنى التخصيص، وليس في الثالثة معنى التخصيص، وإنما فيها معنى التفخيم والتعظيم.
стр. 58
تقول: أنا زيد، وأنا أنا زيد، وهو أنا زيد، فالأولى أخبار ابتدائي، والثانية توكيد لمن يشك في أنك زيد، وأما جملة (هو أنا زيد) فلتفخيم الأمر. تقول (هو) فتجعل السامع يذهب في الظن كل مذهب في هذا الضمير الذي لا يدري علام يعود وتجعله متشوقا لخبره ثم تأتي بجملة تفسره.
وقد ذهب بعضهم إلى أن ضمير الشأن يفيد التوكيد إضافة إلى التفخيم (١) والذي يبدو لي أن الغرض الرئيس منه هو التفخيم.
وتقول: (زيد الحاضر) و (زيد هو الحاضر) و (زيد زيد الحاضر) و (هو زيد الحاضر) فالجملة الأولى أخبار بالمعرفة على معنى القصر، والثانية لتوكيد القصر، والثالثة توكيد لمن شك في (زيد) أو ظن أنه انصرف ذهنه إلى غيره، فتكرر له زيدا لتزول هذه الاحتمالات. وأما الرابعة فلغير ذلك، أنها لتفخيم الأمر وتعظيمه والضمير (هو) في الجملة الرابعة غيره في الجملة الثانية وهو ليس زيدا.
فهو في الجملة الثانية ضمير فصل يعود على الاسم السابق ويطابقه في التذكير والتأنيث والأفراد والتنثية والجمع والحضور والغيبة فتقول:
إنني أنا السابق، زيد هو السابق، الرجلان هما السابقان، هند هي السابقة، الرجال هم السابقون إننا نحن السابقون، إنك أنت السابق، بخلاف ضمير الشأن الذي يكون بلفظ الأفراد والغيبة وإنما هو قد يؤنث لما بعده قال تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١].
وقال: ﴿إنه لا يفلح الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧]، ولا يدل الضمير على اسم بعينه بل على الجملة كما ترى في قوله: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ وغيرها، فلا يقصد بـ (هو) (زيد) وإنما يقصد به الأمر، ولذلك يصح أن تقول: (هو أنا حاضر)، ولا يصح أن تقول: (أنا هو حاضر) فلو كان الضمير يعود على الاسم بعده، لكان الكلام متناقضا إذ كيف يكون الغائب حاضرا متكلما؟
стр. 59
قال تعالى: ﴿فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني أقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١١ - ١٤].
وقال: ﴿فلما أتاها نودي من شاطيء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن ياموسى إني أنا الله رب العالمين وأن ألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبراولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الأمين﴾. [القصص: ٣٠ - ٣١].
وقال: ﴿فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم وألق عصاك فلما رءاها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون﴾ [النمل: ٨ - ١٠].
فأنت ترى إنه قال في الآية الأولى (إنني أنا الله) بلفظ المتكلم، وفي الثانية (إني أنا الله) بلفظ المتكلم أيضا، وفي الثالثة (إنه أنا الله العزيز الحكيم) بلفظة ضمير الشأن.
وأنت تلاحظ مقام التفخيم في الآية الثالثة من السياق (أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) فهو مسبوق بالتعظيم والتنزيه مما ناسب ضمير الشأن.
ولضمير الشأن إضافة إلى ما ذكرناه، وظيفة مهمة في الكلا، هي إدخال الحروف المشبهة بالفعل على الجمل الفعلية، ولولا هو ما أمكن ذلك وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإنها لاتعمي الأبصار﴾ [الحج: ٤٦]، وقوله: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١]، وقوله: ﴿ياليتها كانت القاضية﴾ [الحاقة: ٢٧]، وقوله: ﴿ويكأنه لا يفلح الكافرون﴾ [القصص: ٨٢]، فتكون الجملة الفعلية مؤكدة بأن وتكون متمناه ومترجاه، وغير ذلك قال الليث: " تقول: بلغني أن قد كان كذا وكذا، تخفف من أجل (كان) لأنها فعل. ولولا (قد) لم تحسن على حال من الفعل، حتى تعتمد على (ما) أو على (الهاء) كقولك (إنما كان غائبا) و (بلغني أنه كان أخو بكر غنيا) وكذلك (بلغني أنه كان كذا وكذا) تشددها إذا اعتمدت (١).
стр. 60
وجاء في التطور النحوي لباجشتراسر: ومن خصائص العربية إن مبتدأ الجملة الأسمية المركبة ربما كان ضميرا للغائب لا علاقة له بالجملة الخبرية، ولا راجع إليه فيها وهذا ما سماه النحويون ضمير الشأن نحو (إنه لا يفلح الظالمون) وأكثر ذلك بعد (إن) كما هو في هذا المثال أو بعد (أن).
وفائدة هذا التركيب أنه يمكن الناطق من إدخال إن أو أن على الجمل الفعلية نحو (إنه لا يفلح الظالمون)، فهذا مما يشهد بمزية العربية شهادة مبينة، فغيرها من اللغات السامية قد يقدم أمثال إن على الجملة الفعلية، وإن كان موضعها أول الجملة الأسمية فقط. والعربية أعدمت الشواذ وأقصت قاعدة إلحاق إن وأخواتها بالجملة الاسمية فقط، وهي مع ذلك أخترعت وسيلة لقلب الجملة الفعلية إسمية بغير تغيير تركيبها، لكي يمكن إلحاق إن وأخواتها بالجمل الفعلية بواسطة لا مباشرة. (١)
عود الضمير .
وفيه مسائل أهمها:
١ - إن الأصل في الضمير أن يعود على الاسم المتقدم، نحو قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاون﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، وقوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾. [البقرة: ١٢٤].
٢ - وقد يعود على متأخر في اللفظ، متقدم في الرتبة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ [طه: ٦٧]، ونحو قولهم (في بيته يؤتى الحكم) فالضمير في الآية عاد على موسى، وهو متأخر لفظا متقدم رتبة وكذلك المثل.
٣ - قد يستغني عن المفسر (٢) في اللفظ بما يدل عليه حسا (٣) وذلك نحو قوله تعالى:
стр. 61
﴿قال هي راودتني عن نفسي﴾ [يوسف: ٢٦]، وقوله: ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ [يوسف: ٢٦]، فالضمير يعود على امرأة العزيز ولم يتقدم لها ذكر صريح فهو مدلول عليه حسا. وكقوله تعالى: ﴿قالت إحداهما يأبت استأجره﴾ [القصص: ٢٦]، فالضمير يعود على موسى وذلك لأن الكلام يدور عليه وهو مدلول عليه بالحسن.
٤ - قد يدل على المفسر العلم به (١) وأن لم يتقدم له ذكر نحو قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ فالضمير يعود على القرآن، وكقوله: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢]، يعني الشمس فهي مفهومة من السياق. وكقوله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [فاطر: ٤٥]، أي على ظهر الأرض وذلك لأن الكلام على الناس والناس على الأرض.
٥ - قد يتقدم معنى المفسر ولا يتقدم لفظه صراحة وذلك كقوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ [المائدة: ٨]، فالضمير (هو) يعود على العدل، ولم يتقدم له ذكر بل تقدم الفعل (اعدلوا) الذي يدل عليه. كقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء هو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، والمعنى: فاخفاؤها خير لكم. فالضمير (هو) يعود على الاخفاء ولم يتقدم ذكره بل تقدم فعله. وكقوله.
إذا زجر السفيه جرى إليه.
أي جرى إلى السفه (٢).
٦ - قد يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة، وذلك كضمير الشأن نحو: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، وكما إذا كان الضمير مجرورا برب، مفسرا بتمييز نحو (ربه رجلا أكرمت) وغير ذلك من المواضع (٣) والقصد من هذا، هو التعظيم والتفخيم (٤) في الغالب.
стр. 62
٧ - إذا تقدم شيئا أو أكثر مما يصلح للتفسير، فالأصل أن يعود الضمير على الأقرب نحو (جاء محمد وخالد فأكرمته) أي فأكرمت خالدًا وكقوله تعالى: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل﴾ [يونس: ٥]، أي قدر القمر وكقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم لا تسمعون﴾ [الأنفال: ٢٠]، فالضمير عاد على القريب وهو الرسول. (١)
ويجوز أن يعود على الأول مع القرينة (٢) وذلك كقوله تعالى ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]، فعاد على التجارة وأعاده الضمير على أحد المذكورين أنما يكون بحسب ما يقتضيه المقام فقوله تعالى: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]، إنما أعاد الضمير فيه على التجارة، لأنها كانت سبب الانفضاض، وهو يخطب (٣) وقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥]، إنما أعاد الضمير فيه على الصلاة دون الصبر، وختم الآية بالكلام عليها لأن الكلام على الصلاة، فقد تقدم ذكر الصلاة بالمطالبة بها قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة: ٤٣]، بخلاف قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣]، فقد ختم الآية بالكلام على الصبر، وذلك لأن الكلام عليه والسياق يقتضيه فقد قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٤ - ١٥٦]، فلما كان السياق في الموطن الأول عن الصلاة أعاد الضمير عليها وختم الآية بها. ولما كان السياق في الموطن الثاني عن الصبر ختم الآية بالكلام على الصابرين والله أعلم.
стр. 63
٨ - إذا كان في الكلام مضاف ومضاف إليه، فالأصل أن يعود الضمير على المضاف نحو (جاء أخو خالد فاكرمته) أي فأكرمت الأخ وكقوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾ [إبراهيم: ٣٤]، فالضمير عاد على المضاف.
وقد يعود على المضاف إليه مع القرينة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٧]، فالضمير عائد على المضاف إليه وهو موسى.
وكقوله تعالى: ﴿واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [النحل: ١١٤]. (١)
عود الضمير على الجمع:
الأصل في جمع العلاقات أن يعود الضمير عليه بصيغة الجمع ولا يعود عليه بغير ذلك إلا قليلا فيقال: الهندات ذهبن. قال تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقل أن يقال: الهندات ذهبت (٢).
وأما جمع غير العاقل فالغالب أن يعود عليه الضمير في جمع الكثرة بالأفراد وفي القلة بالجمع. (٣) وجمع القلة يكون من الثلاثة إلى العشرة والكثرة ما زاد على العشرة تقول: (الأشجار سقطن) إذا كانت الأشجار قليلة وتقول (الأشجار سقطت) إذا كانت كثيرة جاء في الهمع: والأحسن في جمع المؤنث غير العاقل إن كان للكثرة أن يؤتى بالتاء وحدها في الرفع وهامع التاء في غيره. وإن كان للقلة أن يؤتى بالنون فالجذوع انكسرت وكسرتها أولى من انكسرن وكسرتهن والأجذاع بالعكس بالعكس (٤).
وهذا ما نطق به القرآن الكريم واستعمله العرب في الكثير من كلامهم. قال تعالى: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ [التوبة: ٣٦].
стр. 64
فجعل ضمير الأشهر بالأفراد وهو الهاء وذلك لأنها أكثر من عشرة فقال (منها) وجعل ضمير الأشهر الحرم بالجمع لأنها أربعة فقال: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ (١).
وقال: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق﴾ [البقرة: ١٩٧]، فأعاد الضمير عليهن بالجمع لأنهن ثلاثة أشهر.
وقال تعالى: ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وحعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] فأعاد الضمير على السماوات بصيغة الجمع لأنهن سبع.
ويدل على ذلك أيضا استعمال العرب للضمير فيما يؤرخون فإن " كلام العرب لما بين الثلاثة إلى العشرة تقول: لثلاث ليال خلون وثلاثة أيام خلون إلى العشرة. فإذا جزت العشرة قالوا: خلت ومضت. ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة (هن)، و (هؤلاء) فإذا جزت العشرة قالوا (هي وهذه) أرادة أن تعرف سمة القليل من الكثير. (٢)
ويقولون: لأربع عشرة ليلة بقيت، ولثلاث عشرة ليلة بقيت، ولعشر بقين، ولتسع بقين وكذا ما بعده (٣)، فيجلعون التاء للكثير والنون للقليل. قال الكسائي، كنت اتعجب من العرب تقول: لعشر مضين ولأحدى عشرة مضت (٤).
وذكر الفراء تفسيرا لهذه القاعدة فقلا: إن المميز مع جمع الكثرة وهو ما زاد على العشرة لما كان واحدا وحد الضمير، ومع القلة وهو العشرة وما دونها لما كان جمعا جمع الضمير. (٥)
стр. 65
ومن الواضح أن العرب تستعمل الجمع للقلة والمفرد للكثرة في مواطن منها:
١ - تمييز العدد كما ذكر الفراء فإن العرب تستعمل الجمع مع القلة والمفرد مع الكثرة فيقال: خمسة رجال وعشرة نسوة، ويقال عشرون رجلا ومائة رجل وألف امرأة.
٢ - الضمير في التاريخ وغيره كما ذكرنا، نحو (الجذوع انكسرت وانكسرن) ومنها ومنهن وخلت وخلون.
٣ - صفة جمع مالا يعقل، فإن الأفراد يستعمل للكثرة والجمع للقلة، نحو أيام معدوات، وأيام معدودة فإن (معدودة) تدل على ان الأيام كثيرة و (معدودات) للقلة. ونحو أنهار جاريات وأنهار جارية، فإن (جارية) تدل على ان الأنهار كثيرة و (جاريات) تدل على أنها قليلة. جاء في (شرح الأشموني).
والأفصح في جمع القلة مما لا يعقل، وفي جمع العاقل مطلقا المطابقة نحو: الأجذاع انكسرن ومنكسرات، والهندات انطلقن ومنطلقات. والأفصح في جمع الكثرة مما لا يعقل الأفراد نحو: الجذوع انكسرت ومنكسرة (١).
وجاء في درة الغواص: وكذالك اختاروا أيضا أن الحقوا بصفة الجمع الكثير الهاء فقالوا (أعطيته دراهم كثيرة) و (اقمت اياما معدودة) والحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا: أياما معدوات وكسوته أثوابا رفيعات (٢).
٤ - إسم الإشارة لغير العاقل فهؤلاء للقلة (٣)، و (هذه) للكثرة و (أولئك) للقلة و (تلك) للكثرة، جاء في (معاني القرآن) للفراء: ويقولون لما بين الثلاثة إلى العشرة هن وهؤلاء فإذا جزت العشرة قالوا هي وهذه أرادة أن تعرف سمة القليل من الكثير .. وقال الله ﵎: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 66
لقلتهن، ولم يقل (تلك) ولو قيلت كان صوابا (١).
وقد يعدل إلى غير هذا لضرب من البلاغة كتنزيل القلة منزلة الكثرة وبالعكس مما يليق به المقام، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدوات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]، فقال (أياما معدوات) لتقليلها مع أنها أكثر من عشرة، أي هي قليلة يسيرة بالنسبة إلى قدرتكم واستطاعتكم، ولذا قال بعدها ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥].
وهو من باب التلطف بعبادة المؤمنين. وهذا نظير ما نستعمله في كلامنا فنقول لواحد منا وقد أعددنا له امرا فيه شيء من الكلفة نريد أن نهونه عليه فنقول: هذا بالنسبة إليك سهل ميسور، ولا يمر وقت قليل إلا وأنت منجزة، وبالعكس في مقام التقليل من شأن المخاطب فنقول له: هذا فوق طاقتك، وأنت لا تستطيع مثل هذا. ولكل مقام مقال.
نون الوقاية
تلحق نون الوقاية قبل ياء المتكلم المنصوبة بواحد من ثلاثة:
أحدها: الفعل سواء كان متصرفا أم جامدا نحو (أكرمني) و (ذهب الطلاب ما عداني) و (ما أفقرني إلى عفو الله).
الثاني: اسم الفعل نحو (دراكني) بمعنى ادركني (وتراكني) بمعنى (اتركني) و (عليكني) بمعنى الزمني.
الثالث: الحرف نحو: (إنني ولكنني) وهي جائزة الحذف والذكر مع إن وأن ولكن وكأن.
стр. 67
وتلحق أيضا قبل الياء المجرورة بمن وعن وقبل ما أضيف إليه لدن (١) نحو ﴿قد بلغت من لدني عذرا﴾ [الكهف: ٧٦].
وقيل أنها سميت نون الوقاية لأنها تقي الفعل الكسر. (٢)
وقيل بل سميت بذلك لأنها تقي من التباس أمر المذكور بأمر المؤنث، لو قيل اكرمني، ومن التباس ياء المتكلم بياء المخاطبة فيه، ومن التباس الفعل بالاسم في نحو (ضربى) إذ الضرب اسم للفعل، وقد لحق الكسر الفعل في نحو اكرمي ولم يبال به. (٣)
ولا شك أن لنون الوقاية أكثر من وظيفة لغوية ذكر بعضها النحاة وأبرز وظائفها هي:
١ - إزالة اللبس بين أمر المخاطب وأمر المخاطبة في نحو: أكرمني وأكرمي، وأسمعني وأسعي، وأنصرني وانصري، فإن اكرمني أمر للمخاطب بإكرام المتكلم وأكرمي أمر للمخاطبة ولو حذفت نون الوقاية لالتبس أمر المخاطب بأمر المخاطبة.
٢ - إزالة اللبس بين امر المخاطبة والفعل الماضي المتصل بياء المتكلم نحو: تداركي وتداركني، وتعاوري وتعاورني، وتحملي وتحملني، فإن تداركي أمر للمخاطبة وتداركني فعل ماض ولولا النون لالتبس الفعلان وكذلك ما بعده.
بل إن النون هنا أزالت اللبس بين أمر المخاطب، وأمر المخاطبة، والفعل الماضي فإن تداراكي أمر للمخاطبة وتداركني، بسكون الكاف أمر للمخاطب، وتداركني بفتح الكاف فعل ماض ولولا النون لالتبست هذه الصيغ بعضها ببعض.
٣ - إزالة اللبس بين الاسم والفعل في نحو: حجري وحجرني، ونابي، ونابني، وضربي وضربني، فإن الحجر في (حجري) اسم مضاف إلي ياء المتكلم، ونحوه نابي
стр. 68
وضربي (١) وحجرني فعل بمعنى جيسني وكذلك نابني، وضربني، ولولا النون لالتبس الفعل بالاسم.
٤ - إزالة اللبس بين اسم الفعل وغيره من الأسماء في نحو سماعني وسماعي، فإن سماعني اسم فعل أمر بمعنى أسمعني وسماعي مصدر للفعل سمع مضاف إلى ياء المتكلم، ونحو قطني وقطي، وقدني وقدي، بعنى يكفي، وحسب التي بمعنى يكفي تكون بالنون وهي اسم فعل، والتي بمعنى حسب هي اسم وتكون بغير نون. (٢)
٥ - إزالى اللبس بين حرف الجر والفعل، في نحو خلاي وخلاني، وعداي وعداني فإن التي بالنون فعل دون أختها.
٦ - ثم هي تفيد زيادة التوكيد، في إن وأن ولكن وكأن نحو إني وإنني، وكأني وكأنني فقولك إنني مسافر غدا، اكد من قولك إني مسافر غدا، وسيأتي بيان ذلك في بابه من الأحرف المشبهة بالفعل، فتبين من ذلك إن لنون الوقاية وظيفة لغوية أهم من كونها تقي الفعل الكسر والله أعلم.
стр. 69
العلم
يطلق العلم على الجبل قال تعالى: ﴿وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: ٢٤]، ويطلق على الراية وعلى العلامة، والظاهر أنه نقل إلى المصطلح النحوي من هذا المعنى، الأخير، لأن العلم علامة على مسماه (١) يميز به من غيره.
أقسامه
ينقسم العلم باعتبار النقل والارتجال إلى منقول ومرتجل.
وباعتبار الأفراد والتراكيب إلى مفرد ومركب.
وباعتبار الاسم وغيره إلى اسم وكنية ولقب.
وباعتبار شيوعه وتخصصه إلى علم شخص وعلم جنس.
١ - المرتجل والمنقول:
العلم المرتجل هو ما أطلق أول ما أطلق علما، ولم ينقل إلى العلمية من غيرها. وهو مأخوذ من قولهم: ارتجل الخطبة والقصيدة إذا أتى بها عن غيره فكرة وسابقة روية واشتقاقه من الرجل كأن الشعر والخطيب أنشأهما وهو على رجله في حال الانشاء. (٢)
والمرتجل على قسمين:
أحدهما ما لم تقع له مادة مستعملة في الكلام العربي وذكروا من ذلك فقعسا، الثاني ما استعملت مادته، لكن لم تستعمل تلك الصيغة بخصوصها في غير العلمية، بل استعملت من أول الأمر علما، وهذا الثاني هو الكثير (٣) في العلم المرتجل وذلك نحو (سعاد) فإن مادة (سعاد) وهي (سعد) موجودة في اللغة، ولكن كلمة (سعاد) لم تستعمل في غير العلم، ونحو (حمدان) فإن مادته اللغوية وهي (حمد) مستعملة في اللغة ولكن هذه اللفظة لم تستعمل في غير العلم فهو مرتجل.
стр. 70
وأما المنقول فكثير، فقد يكون منقولا عن اسم جنس، نحو صخر وبحر، وقد يكون منقولا عن اسم مشتق نحو عامر وسليم وعباس، أو عن مصدر، نحو فضل وإقبال، أو عن غير ذلك.
٢ - الاسم والكنية واللقب .
ينقسم العلم إلى ثلاثة أقسام: الاسم والكنية واللقب.
أما الاسم فهو ما أطلقه الأبوان ونحوهما ابتداء (١) نحو عمر وخالد، وعبد الله. والكنية هي ما صدر بأب، أو أم، أو أخ، أو أخت (٢)، نحو أبي عبد الله وأم مازن. وربما أطلقت العلم ابتداء كنية كأن يسمى أب ابنه أبا اليقظان، أو أبا عبيدة: والكنية من كنيت أي سترت وعرضت كالكناية سواء لأنه يعرض بها عن الاسم. والكنية عند العرب يقصد بها التعظيم، والفرق بينها وبين اللقب معنى أن اللقب يمدح الملقب به او يذم، بمعنى ذلك اللفظ بخلاف الكنية فإنه لا يعظم المكني، بمعناها بل يعدم التصريح بالاسم فإن بعض النفوس تأنف من أن تخاطب باسمها. (٣)
وربما كانت الكنية مفيدة للمدح والذم باعتبار معناها، كأبي جهل وأبي لهب وأبي الفضل، وأما اللقب فهو ما أشعر بمدح أو ذم (٤) فالمدح كزين العابدين والذم كأنف الناقة وقفة وقطنة.
الاسم واللقب:
إذا اجتمع الاسم واللقب، أخر اللقب عن الاسم نحو (خالد فقة)، وإذا كان اللقب أشهر من الاسم جاز البدء به قبل الاسم، نحو (المسيح عيسى بن مريم) فإن المسيح لا يقع على غير عيسى بن مريم، بخلاف (عيسى) فإنه يقع على عدد كثير ولذلك تقدم القاب الخلفاء لأنها أشهر من أسمائهم. (٥)
стр. 71
ثم إذا كان الاسم واللقب مفردين أو أولهما مفردًا، ولم يمنع مانع من الاضافة، وجبت إضافة الاسم إلى اللقب عند جمهور البصريين (١) فتقول فيمن اسمه (خالد) ولقبه (منشار) مثلا (خالد منشار).
ويجوز عند الكوفيين مع الإضافة، والإتباع، والقطع، إلى الرفع والنصب (٢)، فتقول عندهم:
هذا خالد منشار - بالأضافة.
وهذا خالد منشار - بالاتباع
وهذا خالد منشارا - بالقطع.
وهو الراجح فيما نرى. (٣)
وأما إذا لم يكونا مفردين أو كان الأول غير مفرد، أو كان مفردًا ولكنه ممتنع من الإضافة كأن يكون محلي بأل، امتنعت الإضافة وجاز لك في اللقب وجهان:
الاتباع على البدلية أو عطف البيان.
والقطع إلى الرفع على تقدير هو.
أو القطع إلى النصب على التقدير أعني (٤)، فنقول: مثلا
أقبل عبد الله فخر الدين - بالاتباع.
ومررت بعبد الله فخرُ الدين بالقطع إلى الرفع
ومررت بعبد الله فخر َ الدين بالقطع إلى النصب
стр. 72
الفرق بين هذه الأوجه:
تقول فيمن اسمه (خالد) ولقبه (قوس):
أقبل خالد قوس - بالإضافة.
وأقبل خالد قوسٌ بالاتباع.
ومررت بخالدٍ قوسٌ - بالقطع إلى الرفع.
ومررت بخالدٍ قوسا بالقطع إلى النصب.
فما الفرق بين هذه الأوجه في المعنى؟
١ - معنى الإضافة:
الذي يبدو أن إضافة الاسم إلى اللقب تفيد ان الاسم لا يتعين تماما، إلا بإضافته إلى لقبه، فهما معا يعينان الاسم بصورة محددة، فقولك: (خالد قوس) هو الذي يميز خالدا من غيره الذي قد يشترك معه في الاسم، فكأنك قلت: صاحب هذا اللقب كما تقول: خالدنا وخالدكم، وسعدنا وسعدكم، ولذلك إذا نكر اللقب أصبح الاسم نكرة، فإذا قلت (هذا خالد قفة) كان خالد معرفة لأن (قفة) - هو اللقب - معرفة، وإذا قلت (هذا خالد قفة) كان خالد نكرة لأن (قفة) - وهو لقبه نكرة، ويدل على تنكيره تنوينه كما تقول: رأيت إسماعيل وإسماعيلا آخر، فإن إسماعيل الأول معرفة، والثاني نكرة، أي رأيت شخصا من الشخوص اسمه إسماعيل.
فمعنى (رأيت خالد قفة) رأيت خالدا الملقب بهذا الاسم.
معنى رأيت خالد قفة، رأيت شخصا اسمه خالد، ولقبه قفة، وهذا الشخص لا يعرفه المخاطب، جاء في كتاب سيبويه، إذا لقبت مفردا بمفرد اضفته إلى الألقاب وهو قول أبي عمرو ويونس والخليل وذلك قولك: هذا سعيد كرز، وهذا قيس قفة قد جاء، وهذا زيد بطة، فإنما جعلت قفة معرفة لأنك أردت المعرفة، التي أردتها إذا قلت هذا قيسٌ فلو نونت قفة صار الاسم نكرة لأن المضاف إنما يكون معرفة ونكرة بالمضاف إليه. (١)
стр. 73
وجاء في (شرح ابن يعيش): فإذا اضيف الاسم إلى اللقب صار كالاسم الواحد وسلب ما فيه من تعريف العلمية، كما إذا أضفته إلى غير اللقب نحو (زيدكم) فصار التعريف بالإضافة، وجعلت الألقاب معارف لأنها قد جرت مجرى الاعلام، وخرجت عن التعريف الذي كان لها بالألف واللام قبل التلقيب، كما أنا إذا قلنا (الشمس) كان معرفة بالألف واللام وإذا قلنا (عبد شمس) كان من قبيل الاعلام.
قإن قيل: كيف جازت أضافة الاسم إلى اللقب وهما كشيء واحد وهل هو إلا إضافة الشيء إلى نفسه؟
فالجواب: إن العلم إذا أضيف إلى اللقب وابتزوا ما فيه من تعريف العلمية صار للمسمى لا غير، والمسمى يضاف إلى الاسم نحو ذات مرة وذا صباح. (١)
وجاء فيه: فأما إضافة الاسم إلى اللقب نحو سعيد كرز، وقيس بطة، فذلك جائز غير ممتنع وإن كانا لعين واحدة، وذلك من قبل إنه لما اشتهر باللقب حتى صار هو الاعرفوصار الاسم مجهولا كأنه غير المسمى بانفراده اعتقد فيه التنكير، واضيف إلى اللقب للتعريف، وجعلوا الاسم مع اللقب بمنزلة ما أضيف ثم سمي به نحو عبد الله وعبد الدار، وكان اللقب أولى أن يضاف إليه لأنه صار أعرف (٢).
فالإضافة تفيد أن المضاف والمضاف إليه معا يعينان الاسم ويوضحانه.
٢ - معنى القطع:
يفيد القطع أن المسمى قد اشتهر باللقب المذكور، بحيث يعلمه كل أحد، فإذا قلت (رأيت عليا زين العابدين) علم من ذلك اشتهار علي بهذا اللقب شهرة لا تخفى على أحد.
ولا يراد من اللقب المقطوع مجرد تمام توضيح العلم، لأن العلم إذا كان لا يتعين إلا باللقب، فإنه لا يجوز قطع لقبه لأنه لا قطع مع الحاجة، وهذا نظير الصفة المقطوعة، فإن النعت المقطوع، يفيد أن المنعوت أشتهر بهذه الخصلة، وأن المخاطب يعلم من
стр. 74
اتصافه بها ما يعلمه المتكلم، ولا يصح القطع في النعوت، إذا كان المنعوت لا يتضح إلا بالنعت (١) كما سنوضحه في باب النعت.
وللقطع دلالة أخرى هي الإشارة إلى معنى اللقب، وهو المدح، أو الذم، فإذا قلت (أقبل خالد سيف الله)، لم ترد تعريف العلم أو تخصيصه، بل الإشارة إلى مدحه أيضا، وقد ذكر هذا الرضي فقال: إن قطع اللقب إلى الرفع أو النصب، إنما هو لكونه متضمنا للمدح أو الذم. (٢)
فالقطع إذن يدل على أمرين:
الأول: اشتهار العلم باللقب اشتهارا بينا بحيث لا يخف على أحد.
الثاني: الألماح إلى معنى اللقب وهو المدح والذم.
ثم إن القطع إما أن يكون إلى الرفع أو إلى النصب، فتقول مررت بخالد وسيف الله. بالنصب أو سيفُ الله، بالرفع، والقطع إلى الرفع أقوى من القطع إلى النصب، لأن القطع إلى الرفع بتقدير اسم مبتدأ، وأما القطع إلى النصب قد يكون بتقدير فعل، والاسم اقوى من الفعل وأثبت. فإذا كنت مادحا باللقب كنت بالقطع إلى الرفع أمدح، وإذا كنت ذامًا كنت بالقطع إلى الرفع أذم.
فالقطع إلى الرفع يدل على زيادة اشتهار العلم بلقبه والزيادة في مدحه أو ذمه كما سنوضح ذلك في بابه.
٢ - معنى الاتباع:
وأما الأتباع فيراد به تمام التوضيح والتعيين. جاء في (شرح الرضي على الكافية) إن اللقب إنما يتبع الاسم عطف بيان لكونه أشهر. (٣)
стр. 75
وهذا نظير الصفة والموصوف، فإن الصفة إذا اتبعت لا تدل نصا على أن الصفة، عرف بها الموصوف، وأن المخاطب يعلمها كما يعلمها المتكلم، بل قد يؤتى بها لتوضيح الموصوف، ولولا هي لالتبس بشخص آخر فإن قولك (مررت بمحمد الخياط) قد يكون لفصل محمد هذا من شخص آخر اسمه محمد، وهو غير خياط، فلا يتعين محمد إلا بنعته، وفي مثل هذه الحال لا يجوز القطع، وكذلك اللقب فإنه قد لا يتضح العلم ويتميز من شخص آخر إلا بلقبه وفي هذه الحال لا يصح قطعه.
ثم إن معنى المدح والذم في اللقب التابع قد يأتي من معنى اللقب اللغوي لا من قصد المدح والذم وإيضاح ذلك أنك تقول: (مررت بمحمدٍ الفقيه) إذا أردت تمييز محمد هذا من محمد آخر غير فقيه، فيكون الفقيه نعتا لغرض التوضيح، ولا يجوز قطعه لأنه لا يتعين إلا به، ثم إنك ههنا لم ترم إلى مدح محمد، بل أردت تمييزه، ولكن النعت فيه مدح محمد بطريقة غير مقصودة، وذلك بدلالة النعت اللغوية وهي الفقه، أما إذا قلت مررت بمحمد الفقيه، بالقطع فأنك أردت مدحه بصورة مباشرة بهذه الخصلة وجعلته مشهورا بها، وكذلك اللقب فإن القطع يرمي إلى الإشارة إلى المدح، والذم ويدل أيضا على اشتهاره بهذا اللقب.
ولا يفهم من قولنا هذا أن الأتباع يفيد دائما أن الموصوف غير مشتهر بالصفة، أو أن الصفة تكون دوما للتوضيح والتمييز بين الأشخاص، بل يكون الموصوف مشهورًا بالصفة مع الأتباع، وقد يكون غير معروف به، وللنعت التابع أغراض أخرى غير التوضيح والتمييز بين المذكورين، كالمدح والذم، والتوكيد، وغير ذلك من الأغراض، مما سنوضحه في باب النعت، ولكنا نقول: أن القطع يفيد ذلك نصا بخلاف الأتباع فإنه قد يفيد وقد لا يفيده.
يتبين من هذا:
١ - أن القطع يدل على أن العلم أشتهر باللقب أكثر من الأتباع.
٢ - أن القطع يراد به الإشارة إلى معنى اللقب بصورة مقصودة وأما الأتباع فقد يراد به ذلك وقد يراد به غير ذلك كالتوضيح وغيره فلا يكون المدح هو القصد الأول.