علي الطنطاوي
مقالات في كلمات
المجموعة الثانية
جمعها ورتبها حفيده
مجاهد ديرانية
دار المنارة
للنشر والتوزيع
стр. 2
الحمد لله نحمده ونستعينه ونتوب إليه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له اللهم اهدنا الصراط المستقيم وارزقنا الإخلاص في العمل والثبات عليه وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه
стр. 3
جميع الحقوق محفوظة
يمنع النقل والترجمة والاقتباس للإذاعة والمسرح إلا بإذن خطي من دار المنارة للنشر والتوزيع - جدة
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
стр. 4
مقدمة
هذا كتاب يخرج على الناس بعدما بقي حبيس الأدراج نصف قرن، وبعدما كدت أظن أنه لن يُنشر أبداً. وهذه هي القصة:
لما وفدت على المملكة من نحو ربع قرن للدراسة كنت أزور جدي ﵀ في بيته في مكة يومين أو ثلاثة أيام من آخر كل أسبوع، وكنت أمضي معه كثيراً من الوقت بين الكتب والأوراق؛ أشتغل فيما يشغّلني به من فرز وتصنيف وأنفّذ ما يكلفني به من تجميع وفهرسة وترتيب. فكان أن عرفت يومئذ -فيما عرفت- أن تحت يدي جدي عدداً من الكتب لا تحتاج لإخراجها إلى غير جهد يسير؛ من ترتيب أو تجميع أو تحرير أو تكميل. ولطالما حملتني الحماسة أو شاقني الأمل فألححت عليه أن نشتغل فيها لإتمامها وإخراجها، ولكن جدي ﵀ الذي كان فيه من الفضائل والمزايا الكثير كان كثير التسويف كثير التأجيل، فكان يؤجل العمل في كل أسبوع إلى الأسبوع الذي يليه، وفي كل شهر إلى الشهر الذي بعده.
ومرت على ذلك أربع وعشرون سنة، ولم أعد أظن أن الكتب ستُنشر
стр. 5
قط. وأنّى؟ وبقية الهمّة التي حملها جدي معه ثمانين عاماً قد خبتْ -في السنين العشر الأواخر من حياته- نارُها وخفتَ أُوارُها؛ فما عادت له في العمل رغبة ولا عليه طاقة. عندئذ نسيت الموضوع كله فما عدت أذكر هذه الكتب.
...
ثم غادر ﵀ رحمة واسعة- هذه الدنيا إلى دارٍ هي له خيرٌ منها إن شاء الله. وما تركه من علم أحرى أن يُنشر بين الناس فينتفع به الناس ويكون له أجراً مدّخراً في آخرته وأنيساً له حيث ليس غير العمل الصالح من أنيس، فلم يجد الذين أحبوه حياً وأحبوه ميتاً ما يهدونه له خيراً من نشر ما لم يُنشر مما كتب؛ لعله يكون العلمَ الذي يُنتفَع به فلا ينقطع أجره أبداً بإذن الله.
وهكذا بدأ العمل لإخراج هذه الكتب. وإني لأسأل الله أن يوفق إلى إتمامه، وأن تصدق فيه نية من يعمل به ولا يُحرم المشاركة في الأجر فيه، وأن يكون في ميزان جدي يوم توزن الأعمال بين يدي الرحمن الرحيم.
...
فما الذي صنعته في هذا الكتاب، وما الذي سأصنعه في الكتب الباقية التي أرجو أن يوفق الله إلى إخراجها عما قريب؟
جمعت -أولاً- سائر ما استطعت جمعه من أصول مما لا يزال مخطوطاً ومما نُشر من قبل في الصحف، فاستبعدت ما نُشر منها في الكتب التي أصدرها جدي في حياته، ثم ذهبت أتتبع الخطة التي كانت في ذهنه لإخراج كتب بأعيانها، مستعيناً -في ذلك- بما وجدته بين أوراقه من
стр. 6
قصاصات أو إشارات. بعد ذلك اشتغلت بفرز المقالات والفصول التي تجمعت عندي وتبويبها بحيث تستغرق كل مجموعة منها كتاباً. وبدأت بهذه المقالات القصيرة التي شكلت الجزء الثاني من كتاب «مقالات في كلمات».
أما الجزء الأول فموجود متداول بين أيدي الناس منذ أربعين سنة حين صدرت طبعته الأولى. ومبدأ هذه المقالات -كما جاء في مقدمة جدي للكتاب- أن صاحب جريدة «النصر»، وديع الصيداوي، طلب إليه عام ١٩٤٩ أن يكتب عنده زاوية يومية بعنوان «كل يوم كلمة صغيرة»، فمشى بها زماناً. ثم انتقل إلى جريدة «الأيام» عند نصوح بابيل، واستمر بها سنين. قال في المقدمة التي كتبها للطبعة الجديدة من الكتاب عام ١٩٩٠: "وجاءت (أي هذه المقالات) بأسلوب جديد، أقرؤه الآن فأرتضيه -ولست أرتضي كل ما كنت كتبت- ولكن موضوعاتها يومية يموت الاهتمام بها بموت يومها. وقد استمرت سنين فتجمّع لديّ منها مئات ومئات. فلما ألّف الدكتور مصطفى البارودي وإخوان له من الشباب (أعنى الذين كانوا شباباً في تلك الأيام) لجنةً للتأليف والنشر دفعتُها إليهم ليختاروا منها ما يجمعوه في الكتاب الذي طلبوه مني، واختاروا طائفة منها في كتاب صغير دعوه «كلمات». ثم نشرتُ مجموعة منها أكبر في كتاب «مقالات في كلمات» وبقي عندي منها الكثير الكثير". وفي مقدمة الطبعة الأولى التي كُتبت عام ١٩٥٩: " كنت في سنة ١٩٤٩ أكتب في جريدة «النصر» أولاً ثم في «الأيام» آخِراً كلمات بعنوان «كل يوم كلمة صغيرة». ولبثت على ذلك سنوات اجتمع لديّ فيها ركام منها، منه ما لا يُقرأ إلا في يومه، وقد أهملته واطّرحته، ومنه ما يُقرأ في كل الأوقات، وقد اخترت منه هذه الكلمات".
فمن هذه الكلمات القصيرة، مما لم ينشر في الكتاب السابق، اخترت معظم مقالات هذا الكتاب؛ وهي تقع في القسم الأول منه الذي يشكل
стр. 7
الجزء الأكبر فيه. ولكني لم أقتصر على كلمات تلك الزاوية اليومية، بل ضممت إليها بعض المقالات القديمة التي كتبها جدي في مطلع حياته وهو في أول العشرينيات من عمره؛ وهي تشكل القسم الثاني من الكتاب (ولم أجد من هذه المقالات الكثير، بل هي سبع لا غير). وكذلك وضعت -في القسم الثالث منه- مجموعة من المقالات التي نقلتها عن أصول مخطوطة، أُذيعت من إذاعة المملكة ورائيها من نحو ثلث قرن ولكنها لم تُنشر من قبل قط، لا في صحيفة ولا في كتاب ولا في أي مكان.
...
ولكن ما الذي صنعته سوى اختيار المقالات وتجميعها وتبويبها؟
علمتُ -بادئ ذي بدء- أن جدي ما كان ليقبل أن يعبث بكتابته أحد؛ فلم أتجرأ على شيء من ذلك، وحرصت على أن أنقل ما كتب بالشكل الذي كتب. ولكني اضطررت إلى الاجتهاد في بعض المواقع وأنا أقف أمام خطأ مطبعي واضح مما نُشر في صحيفة ولم يمر عليه قلم جدي بالتصحيح (وقليلة هي المقالات التي عاد إليها بالتصحيح، على كثرة أخطاء الطباعة) أو وأنا أحاول فك رموز جملة مخطوطة (وخط جدي كان -إذا استعجل فيه- من الرموز التي لا يفهمها غير الخاصة)، على أنه لم يكن اجتهاداً مطلقاً بل هو مقيد بما أعرفه من مفردات جدي التي تدور على قلمه أو تعبيراته التي تتكرر في كتاباته. وأرجو ألا أكون قد أغربت.
ثم كان عليّ أن أضع للمقالات عناوين؛ إذ أن أقل القليل منها قد حمل عنواناً بخطه، لأنها كانت- في الأصل- مقالات قصيرة بلا عنوان تحت عمود يومي ذي عنوان، وآمل أن أكون موفقاً فيما اجتهدت فيه من ذلك.
стр. 8
وأخيراً تجرأت فوضعت بعض الهوامش في مواطن معدودة حيث أحسست بحاجة لهامش، ولكني لم أخلط ما أدرجته من ذلك بالهوامش الأصلية التي كتبها جدي لمقالاته وميزتها عنها باسمي بين قوسين.
...
ذلك كل ما صنعته لا أكاد أزيد عليه. وما هو بالعمل الجليل ولا بالجهد الكبير، ولكن طمعي في المشاركة بالأجر يحملني على أن أسأل من قرأ هذا الكتاب فوجد فيه نفعاً (وهو لا بد فاعل) أن يدعو لكاتبه ولا ينسى جامعه من الدعاء.
ولن أنسى -ختاماً- أن أشكر بنات الشيخ ﵀؛ أمي وخالاتي، اللائي آثرنني بهذا العمل فأتحن لي أن أكون شريكاً في الأجر فيه، وكذلك زوج خالتي، نادر حتاحت، الذي كان لجدي -ما علمتُه- خير ما يكون ابنٌ بار لأبٍ محب، والذي ينشر -اليومَ- هذا الكتاب.
مجاهد مأمون ديرانية
جدة: منصرم عام ١٤٢٠
стр. 9
القسم الأول
مقالات منتقاة من الكلمات
المنشورة في جريدتَي «النصر» و «الأيام»
ومعظمها نشر بين عامي ١٩٤٩ و ١١٩٥
стр. 10
ابحثوا وخبروني
(١) روى ابن كثير في تفسيره أن النبي ﷺ سئل: هل يسرق المؤمن؟ فأجاب بأنه ربما وقع منه ذلك ولكنه يتوب ويندم، فسألوه: هل يزني المؤمن؟ فأجاب بمثل ذلك، فقالوا: هل يكذب المؤمن، قال: لا.
فانظروا إلى المؤمنين هذه الأيام، هل يكذبون؟
(٢) وفى الحديث الصحيح أن علامات النفاق ثلاث: منها إخلاف الوعد، والذي يخلف الوعد هو في رأي الإسلام ثلث منافق!
فهل في المسلمين من يخلف وعداً؟ هل فيهم أحد يعدك الساعة الثانية ويجيء الثالثة؟ هل تدعى إلى وليمة ثم يؤخرون تقديم المائدة انتظاراً لغليظ (ثلث منافق) فيعاقبون من حضر على الموعد بذنب من تأخر؟ هل تكون لك دعوى في المحكمة الساعة التاسعة ثم لا يراها الحاكم إلا في الحادية عشرة؟ هل يعدك الخياط بإرسال البدلة الجديدة إلى دارك نصف رمضان لتلبسها بالعيد، ولا تصل إلا ثالث أيام العيد؟
ابحثوا أنتم وخبروني.
(٣) قال رسول الله ﷺ (في الحديث الصحيح): «من غشنا (وفى رواية: من غش) فليس منّا».
стр. 11
وهذا الحديث -بلسان أهل العصر- مرسوم اشتراعي بطرد من يغش المسلمين (أو يغش إطلاقاً) من الجنسية الإسلامية، وحرمانه من حقوقها.
فهل في المسلمين أحد يغش؟ هل يخلط البائعُ الحليبَ بالماء ويدّعي أنه حليب صاف؟ هل ينقص المتعهد الإسمنت من البناء ويغش الدولة؟ هل يشتغل العامل عندك ست ساعات ويتكاسل ساعتين ويأخذ أجرة اليوم كاملاً؟ هل ... وهل ... وهل في المسلمين (اليوم!) أثر للغش؟ إن وجدتم هذا الأثر عند أحد من المسلمين فأبلغوه أنه مطرود من الجنسية الإسلامية بلسان الرسول ﷺ .
(٤) وفي الحديث الصحيح أن أعرابياً كان له دين على النبي ﷺ فجاء يطالبه بشدة وغلظة، فانتهره الصحابة وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي. فقال النبي ﷺ : هلا مع صاحب الحق كنتم؟ هلا مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل فاستدان مالاً فوفى الأعرابي دينه، وزاده شيئاً كثيراً. فقال الأعرابي: أوفيت أوفى الله لك. فقال الرسول ﷺ : لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع.
سمعتم؟ لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف حقه فيها، فهل يأخذ الضعيف حقه فينا كاملاً؟ وإذا دخل دائرة من الدوائر، هل يعامل معاملة القوي الغني صاحب النفوذ؟ وإذا طالبك الضعيف المسكين بحق له، هل تسرع إلى أدائه حقه كما تسرع إلى أداء القوى الغنى؟
فكروا في الجواب الصحيح، فإذا كان الجواب «نعم»؛ فأنتم أمة مقدسة، وإن كان الجواب «لا» فـ ... فأنتم أدرى؟
(٥) وفي الحديث الصحيح: «لم تظهر الفاحشة (أي الزنا واللواط ومقدماتهما) في قوم إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع، ولم ينقصوا الكيل
стр. 12
والميزان إلا أخذوا بالسنين والشدة وجور السلطان».
من صفات المجتمع الإسلامي أن الفاحشة لا تظهر فيه ولا يجد الداخل عليه عورات بادية ولا فجوراً معلناً، وأن الأمانة منتشرة فيه فلا يغشك أحد ولا يزن لك وزناً ناقصاً، ولا يضع لك بائع الحلويات صحن الكرتون في الميزان فيبيعك إياه بسعر الحلو (أي الكيلو بخمس ليرات) وتستحي أنت أن تنهاه أو تصرخ في وجهه: إن هذه سرقة!
فهل مجتمعنا الحاضر مجتمع إسلامي خالٍ من هاتين الرذيلتين؟
(٦) وفى الحديث الصحيح: «من احتكر طعاماً فهو خاطئ» (أي مذنب؛ من الخِطْء بكسر الخاء لا من الخَطَأ بالفتح).
فهل فينا أحد يحتكر طعاماً؟ هل هنالك جماعة تآمروا على خبز المسلمين فأغلقوا المطاحن لحسابهم ودفعوا لأصحابها المال ليغلوا الخبز؟ هل في المسلمين من يحتكر هذا الاحتكار الشيطاني؟
(٧) وفي الحديث الصحيح: «من باع بضاعة فيها عيب ولم ينبه إليه، لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه».
فهل في المسلمين من يرتضي لنفسه أن يكون في مقت الله ولعنة الملائكة من أجل قروش يربحها من حرام؟
ابحثوا -يا أيها القراء- في أحوال المسلمين وانظروا أين نحن اليوم من دين الإسلام؟
***
стр. 13
لن يخدعونا
من أمثال «كليلة ودمنة»:
أن ناسكاً اشترى كبشاً ضخماً ليجعله قرباناً، فانطلق به يقوده، فبصر به قوم من المكرة فائتمروا بينهم أن يأخذوه من الناسك، فعرض له أحدهم فقال: "أيها الناسك ما هذا الكلب الذي معك؟ ". ثم عرض له الآخر، فقال لصاحبه: "ما هذا ناسكاً لأن الناسك لا يقود كلباً". فلم يزالوا مع الناسك على هذا ومثله حتى لم يشك أن الذي يقوده كلب، وأن الذي باعه إياه سحر عينيه، فأطلقه من يده.
فأخذه الجماعة المحتالون ومضوا به.
...
هذا مثالنا مع أمم الغرب؛ رأوا أن هذا الدين الذي جاءنا به محمد ﷺ فأعز به العرب جميعاً مسلمهم ونصرانيهم، والمسلمين كلهم عربيهم وأعجميهم، مبعثُ القوة لنا لا نُغلب إن حافظنا عليه، ولا يبلغون منا ما يريدون إن تمسكنا به، فحشدوا حشودهم، وساقوا جنودهم من العاملين في إرساليات التبشير (وما قصدهم التبشير بالنصرانية؛ لأن النصرانية إنما انبثقت من هذه البلاد وخرجت منها، ولكن قصدهم التمهيد للاستعمار) ومن إرساليات
стр. 14
التعليم (وما غرضهم تعليم العلم، ولكن نشر الدعاية) ومن إرساليات الطب (وما مرادهم شفاء الأجسام بطبهم ولكن إمراض القلوب بدسهم) فكانوا في اتفاقهم علينا، وائتمارهم بنا، مثل هؤلاء المكرة مع الناسك.
وكما خُدع الناسك عن كبشه حتى ظنه كلباً .. من الإعادة والتكرار والإيحاء المستمر (وتكرارُ الحبل يؤثر في صخرة البئر) خُدعنا نحن عن الحقائق الظاهرة فحسبناها باطلاً، وحسبنا باطلهم الذي ما زالوا يكررونه حقاً، وصرنا نردد مقالتهم، وندعو إلى التفريق بين الدين والسياسة، وبين الدين والعلم، ونضرب الأمثلة بتاريخ أوربا ...
وأنا لا أحب أن أفرض ما أراه على المخالفين فرضاً، وألزمهم إلزاماً، بل أحب أن أناقشهم ويناقشوني حتى نتفق على الحق في هذا المسألة، ونفرغ منها لنشتغل بما هو أجدى علينا، وأنفع لنا ...
وهذه المناظرة المكشوفة خير من إفساد عقائد الناشئة في رواية خبر أو تلخيص كتاب سخيفة لمؤلف جاهل مجهول.
والكلام في ذلك غداً إذا أراد الله (١).
...
стр. 15
حتى لا نكون مغفّلين
قرأت من أسبوع أن ستين ألفاً في بومباي خرجوا بمظاهرة هائلة يحيون «آغا خان» ويهتفون له، فلم ينظر إليهم وإنما قابلتهم امرأته الفرنسية.
فقلت في نفسي: ما أعجب أمر العقيدة! هذه الآلاف المؤلفة من البشر تتجه إلى آغا خان، وتقبل عليه، وتؤثره على الأهل والولد، وتقدم له الخمس من المال، وتدفع إليه وزنه فضة وذهباً، وتكاد تعبده من دون الله، وهو معرض عنها، لا يقيم بين ظهرانيها، ولا يلتفت إليها؛ همه لذاته ولعبه وجياده. فما لها وله، وما تعلقها به وإقبالها عليه؟
ثم قلت: لماذا ألوم الإسماعيليين وحدهم، وكلنا في هذا إسماعيليون؟
أما خاننا رجالٌ ووالوا عدونا وكانوا مع المستعمر علينا، فلما ذهب المستعمر رجعوا يكذبون، يلبسون مسوح العابد بعد مئزر الجلاد، فصدقنا توبتهم ونسينا حوبتهم؟
أما سرق أموالنا رجالٌ فصيروها ضيعاً لهم وقصوراً، وجعلوها كنزاً لهم ولأولادهم واطمأنوا عليها، ثم جاؤونا متظاهرين بالورع مدعين الأمانة فأكبرنا أمانتهم، وضربنا بهم في الورع الأمثال؟
أما جربنا رجالاً فوجدناهم شرّ حاكمين وأفسدهم حكماً وأرقهم ديناً
стр. 16
وأوسعهم ذمة فنبذناهم، وطال عليهم الأمد فنسينا فسادهم، ورجعنا نصفق لهم وننحني لهم لنرفعهم على رؤوسنا مرة أخرى؟
أما يضحك علينا رجالٌ كلما أذن مؤذن الانتخاب ويعدوننا نعيم الجنة في الحياة، ويحلفون لنا -ليخدعونا- أنهم يُجرون بردى لبناً وعسلاً، ويفرشون الطرق بسطاً ويلبسون الفقراء حريراً، فإذا انتخبناهم كانت مواعيدهم كمواعيد (السيد) عرقوب ... ثم تتجدد الانتخابات فيعودون إلى الضحك على ذقوننا ونعود إلى انتخابهم؟
فمتى نصير أمة متيقظة عاقلة لا نائمة ولا مغفلة، نتخذ لكل رجل من رجال السياسة دفتراً كدفتر التاجر فيه «من» و «إلى» نقيد له فيه ما له ونسجل له ما عليه، لنرى كم أعطى الأمة، وكم أخذ منها؟ ماذا كان يملك من قبل وما يملك الآن؟ كيف كان يعيش هو وأهله وكيف يعيش اليوم؟ هل صدق الوطنية أم اتخذها تجارة رابحة؟
متى نفرق بين الصالح والطالح، والخيّر والشرير، ولا نكون مغفلين ننسى مواضي الرجال، ونُخدع مثل الأطفال؟
***
стр. 17
الطرق
فكرت اليوم في مسألة «فلسفية» صعبة؛ هي مسألة الطرق: لماذا اخترعها البشر؟ ووصلت -بعد التفكير الطويل- إلى نتيجة عجيبة لا يعرفها أكثر الناس، نتيجة فرحت بها فرح كولومب بكشف أميركا وهو لا يدري؛ هي "أن الطرق أنشئت ليمشي الناس فيها"!
لا، لا تضحكوا أرجوكم، ولا تقولوا: هذا مسألة بديهية معروفة لا تحتاج إلى كلام. إنها تحتاج إلى كلام طويل ليفهمها الناس، فإن كنتم في شك من ذلك فاسمعوا هذه القصة (بشرط ألا تُتخذ قصتي سبباً لقطع أرزاق الناس، فما أريد ذلك والله. لا أريد إلا الإصلاح والتنظيم، فليذكر هذا كل من يقرأ هذه الكلمة):
والقصة أني كنت أمس مستعجلاً أريد أن أذهب إلى آخر سوق الحميدية، ولا أستطيع أن أركب سيارة ولا عجلة لأن السيارات والعجلات ممنوع عليها هي والدراجات أن تدخل السوق، فشددت نفسي وجمعت همتي ومشيت. فلم أكد أضع رجلي في أول السوق حتى وجدت الطريق مسدوداً بالناس: هنا عربة يد عليها أشكال من البضائع، وبجنبها عربة أخرى، وهناك بياع جرائد وراءه ثلاثة من باعة الجوارب الأميركية قد بسطوها على الأرض، وفي وسط السوق عدد من بياعي المعاطف، وخلال ذلك كله
стр. 18
عشرة صبيان يبيعون الشفرات والأمشاط والمطاط، وحول كل واحد من هؤلاء جميعاً حلقة تساومه أو تخاصمه وتشتري منه أو تدفع له، وأمام بياع الجرائد نفر يحفون به يدورون معه كلما دار ليقرؤوا أخبار الجريدة من عنواناتها ويوفروا ثمنها، وعند بائع المعاطف رجل يقيس المعطف ويجربه واثنان يتفقدان طوله وعرضه وقماشه وخمسة ينظرون إليه، وعلى الرصيفين جماعات من «أكابر» القوم يتحدثون بجد ووقار، أو يتنادرون ويضحكون كأنهم في دورهم، وكل بائع ينادي ويصرخ بأعلى صوت يخرج من حنجرته؛ فيكون من ذلك مجموعة عجيبة قد اختلط فيها صوت الصبي الحاد بصوت الشيخ المبحوح فصارت كأنها برامج إذاعة دمشق في هذه الأيام، فأنت تسمع باستمرار: "النصر .. الجوز بورقة .. الجوز بورقة .. البيان الوزاري .. بردى .. بفرنك .. المشط بفرنك .. القبس .. هيئة الأمم .. بورقة الجوز .. الجوز بورقة .. دراع المطاط بفرنك .. الأيام .. الشفرات ..)، ولبياع الجوارب صوت نحاسي رنان ونفس ممتد وهو يصرخ (الجوز بورقة .. الجوز بورقة) بمعدل مرة ونصف في الثانية، ويخرج من حلقه الحروف متلاحقة متلاصقة كأنها رصاص الرشاش.
وتكون في وسط هذه المعمعة وإذا بفلاح طويل عريض يلبس «بلدكية» قد أقبل مسرعاً كالعاصفة التي تهب فتكتسح كل شيء أمامها، فأخذ واحداً بطرف بلدكيته وواحداً بذيلها وجرف الاثنين معه فضاعا وسط البلدكية ... فإذا وصل إليك صدمك صدمة دبابة من الوزن الثقيل ومضى، فتلتفت فتلقى سيارة آتية من خلفك مسرعة كأنها البلاء النازل، فتعجب كيف دخلت السوق وقد منع دخول السيارات إليه، وتنظر إليها فتلقاها سيارة شرطة تسير بسرعة سبعين ميلاً، تصوت صوتاً يثقب الآذان!
وهذا هو أكبر أسواق المدينة، والطريق إلى الجامع الأموي، أفلا
стр. 19
ترون -أيها القراء- أننا نحتاج إلى كلام طويل لنفهم الناس هذه الحقيقة الصعبة التي وصلت إليها بذكائي ... وعقلي ... وهي أن الطرق إنما وجد ليمشي الناس فيها؟
...
ملاحظه: أكرر القول إني لا أريد قطع أرزاق البياعين وطردهم فقط، بل أريد أن يخصص لهم مكان آخر يستطيعون أن يبيعوا فيه من غير أن يؤذوا المارين.
***
стр. 20
لا تخافوا اليهود
لقد كتبنا نقول إن اليهود يستعدون ونحن نائمون، وإنهم يجدّون ونحن هازلون؛ نستثير بذلك الهمم ونستفز العزائم، ولكنا جاوزنا الحد وأربينا على المدى فانقلبت الدعوة شراً وضراً، إذ صار الناس يتوهمون في اليهود قوة وبأساً ويحسبون لهم حساباً. فوجب علينا أن نعود فنكشف لهم عن الحقيقة وندلهم على الواقع.
والحقيقة هي التي ترونها وتسمعونها كل يوم. ألا تسمعون أن جماعات من جند يهود يهجمون بأسلحتهم الحديثة وعتادهم الجديد ومدافعهم الثقيلة على القرى العربية في المنطقة الحرام، فيردهم أهلها أقبح الرد ويقتلون منهم ويأسرون؟ هذا وهم بدو أو فلاحون جاهلون ما درسوا فن القتال ولا عرفوا أساليب الحروب، فكيف إن لاقوا الجيش العربي المنظم؟
هذه هي حقيقة اليهود: إنهم لا يزالون أهل الجبن والمذلة ولا يلقون عرباً في ميدان إلا ظفر بهم العرب، ولو لم تخدع الدول العربية يومئذ بخدع أميركا وإنكلترا وتهادن تلك الهدنة لألقى اليهود في البحر.
فلا تخشوا اليهود ولا تظنوا أن السلاح غيّر طبائعهم؛ إن السيف في يد الجبان عثرة له عند الهرب. وما هذا الذي أقول حماسة ولا خيالاً ولكنه الحق الذي وقع أمس وما قبله.
стр. 21
ولا تخشوا اليهود ولا تجزعوا من المال الذي أمدتهم به أميركا والسلاح الذي أعطتهم؛ فإنهم لا يقومون بهذا كله لدولة واحدة من دول العرب.
ولكن لا تستهينوا بهم وتقعدوا عن الاستعداد لهم وتطمئنوا إلى شجاعتكم وجبنهم وعزتكم وذلهم؛ فإن الرجل إن احتقر عدوه فلم يستعد له غلبه العدو، وإن بالغ في خشيته وانقطع قلبه من خوفه لم يستطع أن يحاربه.
***
стр. 22
البطل !
لا أزال أسمع ممن يحسن الظن بي قولهم أني أجيد الوصف وأن لي قدماً في هذا الباب من أبواب الإنشاء، وكنت -لطول ما أسمع ذلك منهم- أكاد أصدق قولهم، حتى كشف الله لي اليوم عن الحقيقة فعلمت أن ذلك المقال مجاملة وإيناس، وأني في الوصف من أعجز الناس ... علمت ذلك لما رأيت هذه الصورة التي يعلن بها عن فلم «البطل».
ولما حاولت أن أصفها لمن لم يرها، وأن أبين عن مبلغ ما عراني من الاشمئزاز و (القرف) لما رأيتها ... صورة هذا المهرج إسماعيل ياسين وهو مغمض العينين، محني الرأس، مفتوح الفم، ممدود الشفتين كأنه مجذوم مائل الشدق أو مجذوب سائل الريق ... وفي يديه الشيء الذي جذب لبه، وأخذ قلبه: حذاء امرأة!
فإذا كان هذا هو الإعلان فكيف يكون الفلم، وإن كان هذا هو العنوان فكيف يكون المكتوب؟
أي إهانة للذوق، وطعنة للرجولة، وإفساد لقلوب الشباب!
وإذا كان هذا كله من أجل الحذاء، فماذا يصنع إذا رأى ما في الحذاء، وما فوق الحذاء؟ ويسمونه فلم «البطل» احتقاراً للبطولة، وسخرية
стр. 23
بها، وتهويناً لشأنها؟
لا. إن هذا كثير كثير.
إنه سيجعل شبابنا يظنون أن البطل هو الذي يفتح فاه مثل المجاذيب فناء في حذاء امرأة، على حين أن وراء النهر بنات من بنات اليهود، يحملن الرشاشات ويصلين حر القتال.
إن هذا الفلم وأمثاله جريمة على الوطن، فحاربوها كما تحارب الجرائم. ولست أكره أفلام المهازل (الكوميديا) ولا أنكر على الشعب أن يضحك، ولكني أريد أن نضحك ونحن رجال أولو عزة وكرامة، لا أن نضيع كرامة أنفسنا وعزة رجولتنا من أجل ضحك ساعة.
***
стр. 24
ثورة دجلة
أقمت في بغداد سنين، أرى كل يوم وجه دجلة الباسم؛ في الصباح وأنا غاد إلى المدرسة، وفي المساء وأنا رائح من النزهة، وأجوز الجسر؛ جسر بغداد الذي كان يوماً سرة الأرض وكبد الدنيا، وأركب الزوارق أمشي مع النهر الذي ساير الزمان ووعى سير الدهور، فلا أنكر من دجلة شيئاً، وأعجب مما تطلع به الجرائد علينا كل غداة تحذر وتنذر وتدعو إلى تقوية السدود، وأرى ذلك من تهويلات الصحف.
وهذه السدود ليست إلا أكواماً من التراب على الشاطئين تمنع الماء أن يطغى على الجانبين ويغمر بغداد وهي منخفضة عن وجه الماء.
حتى كانت ليلة الذعر التي مر عليها أربع عشر سنة ولا أزال -كلما تذكرتها- أرتجف من ذكراها (١). ليلة بتنا على شفا القبر، نرقب الموت في كل لحظة، قد لبسنا ثيابنا وحملنا ما خف وغلا بأيدينا وقعدنا متحفزين: أذناً إلى الراد نسمع الإذاعة (الماء يرتفع، بقي دون الخطر خمسة سنتيمات) وأذناً إلى الطريق نصغي نرقب صفارة الإنذار. وكنت يومئذ أسكن في الأعظمية في دار واحدة مع الإخوان أنور العطار وكامل عياد وحيدر الركابي وصالح
стр. 25
عقل، ولقد متنا ألف مرة من خوف الموت وارتقابه في هذه الليلة التي لم تغمض فيها في بغداد كلها عين، وتجرعنا غصص الرعب ألف مرة قبل أن يطلع الصبح وتعلن الإذاعة أن الجند والناس الذين سيقوا جميعاً من الطرقات والبيوت إلى العمل قد استطاعوا كسر النهر من الشمال وإنقاذ بغداد.
وعادت الجرائد تنذر وتحذر، وتدعو وتنادي، وفهمت لماذا تدعو الجرائد، وظننت أنه لن يمر شهر حتى تكون الحكومة قد تيقظت واعتبرت وأنشأت لدجلة سدوداً فنية تقيها الغرق، لا أكواماً من التراب.
ومرت أربع عشرة سنة، وحسبت كل شيء قد كان، وإذا أنا أقرأ أمس خبر فواجع الماء في بغداد ...
فهل اعتبرت الآن حكومة بغداد وتيقظت؟ لا أظن! لأن هذه هي طبيعة حكوماتنا جميعاً؛ لا تفيق إلا بعد خراب البصرة كلها، وبعد غرق بغداد، وبعد ذهاب ما تبقى من فلسين إلى أيدي اليهود ... يومئذ تفيق، لا لتعمل وتستعد وتتدارك ما فات، بل لتجتمع اجتماعات جديدة، تلقى فيها الخطب، وتساق التهم، وتتبادل الشتائم، ثم تؤجل لاجتماع آخر، في يوم آخر، يبحث فيه المسؤولون عما كان ثم لا يعرف من المسؤول!
فيا بغداد، يا بلدي الحبيب بعد بلدي دمشق، يا أيتها المدينة التي خلفت فيها قطعاً من قلبي، وعمراً من حياتي، لك الله ... لك الله يا بغداد! ولنا الله؛ فإنها إن بقيت كذلك تسير سفينة العرب في لج الحياة، وإن لم يتداركنا الله بأيد جديدة توجه هذه السفينة، فلن تغرق بغداد وحدها بالماء، بل ستغرق دنيا العرب كلها بالإفلاس والأمراض والفوضى، وإسرائيل، والذين رمونا بإسرائيل.
***
стр. 26
لا نريد تماثيل
قرأت أن التمثال الذي صنع في أميركا ليوسف العظمة قد وصل وأنه سينصب في إحدى ساحات دمشق.
فذكرت مصر والتماثيل الضخمة القائمة في ميادينها: تمثال النهضة، وتمثال إبراهيم وسعد ومصطفى كامل وأحمد ماهر، وما أنفق على نحت هذه الحجارة وتسويتها بشراً سوياً من ملايين الجنيهات التي يحتاج إلى بعضها هؤلاء «البشر» ليعيشوا مثل عيش البشر، فيجدوا الطعام الذي يشبع البطن، والكساء الذي يدفع البرد، والدواء الذي يمنع المرض، وليستعيدوا «اعتبارهم الإنساني» ويشعروا بأنهم آدميون وليسوا قططاً جائعة تحوم على المائدة الشهية التي يتمتع بها (هناك) الأغنياء.
وكددت ذهني فلم أذكر أني رفعت رأسي مرة واحدة لأنظر إلى جمال واحد من هذه التماثيل ولا إلى فنه ولا إلى ملامح صاحبه، لأنها قد استأثرت بنظري هذه الهياكل البشرية التي نصبها الظلم الاجتماعي تماثيل حية للجوع والجهل والبؤس والحرمان.
وعجبت من هذه العقول التي تحسب تخليد العظماء إنما يكون بهذا الأثر الذي ينصب ليكون حظنا منه النظر، لا بالآثار الباقيات التي تمكث في الأرض، وتنفع الناس.
стр. 27
وخفت أن يسري هذا الداء إلينا فنقيم التماثيل قبل أن نفتح المدارس وننشئ المشافي ونوسع الطرق وننظف الأرض، وأن ننسى أن الضروريات قبل الكماليات وأن من كان يمشي بلا بنطلون لا يتخذ ربطة عنق من الحرير، وأن الجائع الذي لا يملك إلا (فرنكاً) لا يشتري به كف شكلاتة وإنما يشتري به رغيف خبز. وأن تخليد العظماء يكون بإنشاء المشافي بأسمائهم والمدارس والملاجئ قبل إقامة التماثيل التي لا تشفي المريض، ولا تعلم الجاهل، ولا تؤوي المشرد المسكين. وأنه ليس في الدنيا تمثال خلد اسم صاحبه كما خلد الوقفُ اسمَ نوبل والمعهدُ اسمَ باستور والأمويُّ اسمَ الوليد والمستشفى اسمَ نور الدين والتكيةُ اسمَ سليمان.
أفهذه الآثار التي تنفع البشر خيرٌ أم نحت تمثال من الحجر.
***
стр. 28
العدالة الاجتماعية
زارني شرطي دمشقي فقال إن له اثنتي عشرة سنة في الوظيفة وراتبه خمس وخمسون ليرة في الشهر، ويبلغ مع الضمائم وتعويض الأسرة مئة وخمساً وخمسين، وله امرأة وثمانية أولاد، وقد نُقل إلى اللاذقية. وسألني كيف يمكن أن يعيش فيها؟ من أين يأتي بأجرة الدار وثمن الطعام واللباس والدواء وتكاليف المدرسة؟
كيف يمكن أن يعيش؟ أأنا الذي يُسأَل عن هذا؟!
إنما تُسأل عنه الحكومة، إنما تسأل عنه السلطات التشريعية التي وضعت قانون الموظفين، وحددت المراتب والرواتب.
كيف يمكن أن يعيش؟ ألا يتنازل أحدٌ من أهل الحل والعقد فيفكر فيه؟ ألا يلتفت إليه أحد؟ أليس بشراً؟ أليس سورياً؟ أليس له على هذا الوطن الذي يخدمه ويحمي أمنه وراحته حق السكنى والطعام واللباس له ولأسرته؟
والحارس الذي يبقى في الطرقات في تلك الليالي الباردات، على حين نأوي نحن إلى دورنا الدافئات، والذي يسهر الليل كله ليدفع عنا الأخطار ونحن نيام، ألا يحق له أن يحيا الحياة التي يتمتع بها الدواب: يأكل وينام؟
стр. 29
فهل يكفيه راتبه ليجد هو وأهله كوخاً ينامون فيه، وطعاماً يشبعون به؟ وآذن (١) المحكمة، وخادم المدرسة، وموزع البريد، والدركي، وجندي الإطفاء، ومراقب الإنتاج، وممرض المستشفى ... كيف يعيشون؟
وكيف يكونون أعفّةً أمناء لا يسرقون أموال الدولة، ولا يبتزون أموال الناس؟ لقد نُشر في الجريدة الرسمية من نحو سنة أن أقل أجرة للقميمي (الذي يقعد على الزبل ويشتغل بوقود الزبل) مئة وعشرون ليرة، فإن أعطاه الحمّامي أقلَّ منها كان له أن يدعي عليه في المحكمة ويطالبه بالفرق، فخبروني: على مَن يدعي الموظف الذي تعطيه الحكومة أقل من الراتب الذي حددته للقميمي؟ وإلى أي محكمة يرفع شكواه؟ ومن هو الذي ينصفه ويدفع عنه ظلامته؟
ومتى تفرغ الحكومة لإصلاح الملاكات، فتلغي الوظائف الكبيرة التي لا ضرورة لها، وتزيد الرواتب الصغيرة التي لا يصبر عليها، حتى لا يكون في الدولة موظف لا عمل له، ولا يكون فيها موظف لا يكفيه راتبه؟
وبذلك نكون أمة ديمقراطية، ويكون فينا عدالة اجتماعية!
...
стр. 30
مزاح أم إجرام ؟
ما هذه العادة القبيحة التي تسربت إلينا، فأخذناها على غير وجهها وأجريناها غير مجراها؟ عادة الترامي بالثلج التي تكون -في بلاد الناس- بين الأصدقاء والخلطاء الذين يألفون المزاح والمباسطة، وبالثلج الهش الخفيف الذي لا يؤذي، فحولناها نحن همجية ووحشية وعدواناً على الرجل العاجز، والمرأة المسكينة، والفتاة المحتشمة، والمريض المتألم، حتى صارت شوارع الشام -أمسِ- كساحات القتال؛ لا يأمن المرء فيها على رأسه أن يشجه حجر ملبَّس بالثلج، ولا على ثيابه أن يصيبها الثلج المخلوط بالوحل وبالأقذار يؤخذ من أرض الشارع ويُرمى به الناس ...
ولقد شاهدت كتلة من الثلج فيها حجر ألقيت على الترام فكسرت النافذة وجرحت وجنة الراكب أمامها وأصابت ثلاثة بأذى، ورأيت جماعة من الشبان مرابطين في أول شارع خالد بن الوليد يكبسون الثلجي كتلاً ضخمة بحجم البطيخة وكلما مر مارٌّ ضربوه بواحدة منها ضرباً، ولقد رأيتهم ضربوا فتاة على ظهرها فانكفأت على وجهها فأقبل رجل ليرفعها فضربوه حتى وقع فوقها، وضرب شبابٌ سائقَ الترام فاضطرب حتى كاد أن يفلت منه المقود فيخرج عن الخط أو يصطدم بسيارة آتية أو بجدار قائم وتكون فاجعة!
стр. 31
فما لهؤلاء الشباب؟! أوما كان خيراً لهم لو أنهم وقفوا عند المفارق والمنعطفات يساعدون العاجز ويأخذون بيد الطفل ويسعفون المريض؟ أوما كان أفضل -عند الله والناس- لو أنهم جمعوا جموعهم من طلاب ومن كشافين فداروا على الفقراء ينظرون ما فعل الله بهم في هذا البرد، ثم داروا على الأغنياء يأخذون لهم منهم بعض حقوقهم في أموالهم؟
لا. إن المسألة خرجت عن المزاح ودخلت في الإجرام، وصار نزول الثلج باباً لكل سفيه وخبيث ليعتدي على الفاضلات من النساء، ويسيء إلى الأفاضل من الرجال، ويعبث بالأمن والحريات!
***
стр. 32
ما أضعف الإنسان !
أخي الأستاذ وديع،
أرجو أن تعتذر عني للقراء لأنه لا أستطيع أن أكتب اليوم الكلمة ولم أستطع الذهاب إلى عملي، لقد شغلت عن ذلك بنفسي بشيء يُشغل عن الكتابة والعمل والطعام والشراب ... بـ «نوبة رمل» أعاذك الله منها، ولا عرّفك بها.
بيدٍ من الحديد أحس أنها تقبض على جنبي، وبمثل طعنات الخنجر الحامي تتوالى عليّ على عدد الثواني، وبنفسي يضيق حتى لكأني أختنق، وببطني ينتفخ حتى لكأنه ينفجر؛ فأنا أتلوّى وأتقلّب لا أقدر أن أستقر دقيقة، ولا أكف عن الصراخ لحظة.
وليس يستطيع الطب أن يسعفني إلا بحقن «السيدول» التي لا تذهب بالمرض فتشفي من الوجع، بل تقتل الحس وتميت الشعور فتُنسي الألم. والسبب كله ...
أوَ تعرف يا سيدي ما السبب؟
إنها حبة رمل لا تكاد تدركها العين. هذه هي التي فعل بي الأفاعيل.
فيا لغرور الإنسان! اخترق الجبال، وخاض البحار، وركب السحاب،
стр. 33
وأنطق الحديد، وسخر النور والكهرباء، وحاول أن يخترق بعقله حجب المستقبل، وظن أنه شارك الله في ملكه، فأدّبه الله بحبة رمل لا تكاد تدركها العين؛ تصرعه وترميه وتسلبه قدرة عقله، وبطش يده، وتجعله يصرخ كالقط الذي قطع ذنبه!
وبكأس ماء إن حُرمها شراها بنصف ملكه إن كان ملكاً، وإن مُنع خروجها من جسمه شرى إخراجها بالنصف الثاني!
ألا، ما أضعف الإنسان!
***
стр. 34
القليل يصنع الكثير !
حدثنا الأستاذ الحوماني أن جامعة عليكرة في الهند إنما أنشئت بآنة، والآنة أصغر قطعة من النقد الهندي! وذلك أنهم اتفقوا على أن يعطي صاحب الدار ضيفه آنة بدلاً من فنجان القهوة أو حبة السكر، وهذا يضعها في صندوق معدٍ لذلك، فاجتمع من هذه الصناديق المالُ الذي أقيمت به جامعة عليكرة؛ أكبر جامعة في ديار الإسلام ومن أكبر جامعات الأرض.
قال أحد الحاضرين: "وعلى أن لا يكون المفتاح مع صاحب البيت"! وقصّ علينا قصة موظف استحل الرشوات وتعوّد أخذ المال الحرام، فوضعوه في عمل لا يستطيع معه أن يحتال على الناس، فعلّق في غرفته صندوقاً كتب عليه «صندوق فلسطين» وصار يلزم كل مراجع أن يلقي فيه شيئاً، ثم يلقي هو آخر النهار كل شيء في الصندوق في جيبه.
...
ونحن -إذا أمنا السرقات ووثقنا من نظافة الأيدي التي تجمع- استطعنا أن نحقق أعظم المشروعات، ونجعل سورية في عشر سنين دولة من دول أوربا في حضارتها وعمرانها بلا جهد ولا تعب.
ولقد كتبتُ قديماً في «الرسالة» أن جمعيةً تألفت في السويد (على ما أذكر) اسمها جمعية أكاليل الجنائز، عملها أن تقنع من يريد أن يقدم إكليلاً
стр. 35
لجنازة بأن يدع تقديمه ويعطي الجمعية ثمنه؛ فاجتمع لها من ذلك أموال أقامت بها عشرات الملاجئ للفقراء. وكتبتُ من سنتين في «النصر» أدعو إلى إبطال تقديم السكاكر -في العقود والأعراس- في هذه العلب الفخمة، وتقديمها في قراطيس، وجمع أثمان العلب للبر والخير، وحسبت ما يجتمع من ذلك في دمشق فظهر أنه يمكن أن يُبنى به -في كل سنة- مستشفى كمستشفى المواساة!
وما أكثر الأموال التي ننفقها جزافاً، والوطن يحتاج إلى جزء منها: الأموال التي تنفق على الزهر والورد الذي يلقى بعد يومين على المزابل ... والأموال التي تصرف على بدلة العرس وهي لا تُلبس إلا مرتين أو ثلاثاً ثم تعلق في الخزانة حتى تصفرَّ ويأكلها العث ... وهذه التحف التي توضع في غرف الجهاز فتجعل غرفة الاستقبال كدكان بائع الموبيليا وتدل على ذوق سقيم ... وهذه الثريات البلورية الجديدة التي ننفق فيها كل سنة أكثر من مليون وثلاثمئة ألف ليرة تذهب إلى أيدي الأجانب ثم لا تكون عاقبتها إلا الكسر، مع أن الثريات النحاسية التي تصنع في بلادنا أبهى منظراً وأطول عمراً ... وما ينفق على أدوات الزينة ...
ولو أن الأمة تنبهت وتيقظت وتألفت فيها جمعيات كجمعية أكاليل الجنائز، تقصر كل جمعية جهدها على وجه واحد من هذه الوجوه الكثيرة، لاستطاعت كل جمعية أن تعلّم كل سنة ألف أمي، أو تداوي ألف مريض، أو تضم إليها ألف متشرد.
فهل جاء الوقت الذي تستجاب به هذه الدعوة، أم أنها سابقة أوانها؟ أظن أنها سابقة أوانها!
***
стр. 36
احترموا عقيدتنا وديننا !
أحب أن أمهد لما سأقوله اليوم برجاء القراء أن يسألوا مَن ذهب إلى أوريا أو أميركا من إخوانهم عن حال الكنائس فيها، وكيف تمتلئ يوم الأحد بكبار القوم ووجهائهم، وأن يسألوا مَن درس الفلسفة وتاريخ العلم عن الفلاسفة العظام والعلماء الأكابر وعن إيمانهم بالله واستمساكهم بالدين، وأن يسألوا مَن كان حضر حفلات تتويج ملك الإنكليز أو قرأ وصفها كيف كانت تفتتح بالصلاة، وكان يتصدرها رجال الدين، وأن يرجعوا إلى الصحف أو يقرؤوا في «المختار» كيف كان الملوك وكبار رجال السياسة يدعون الناس -أيام الحرب الأخيرة- إلى الرجوع إلى الله، وأن يبحثوا عن قوة الكنيسة في بلاد القوم وسيطرتها على نفوس الناس وإكبار الناس لرجالها.
أسوق هذا كله لأقول لمن لا يرى الحق حقاً إلا إن جاء من الغرب ولا يرى الخير إلا إن كان عليه دمغة الغرب ... أقول: إن التمسك بالدين، والمحافظة على مظاهره، وإقامة شعائره ليس رجعية، ولا جموداً، ولا منافياً للحضارة، ولا مخالفاً للتمدن. وأن دستورنا أوجب التمسك بقواعد الإسلام ومنع إعلان المخالفة له والخروج عليه.
لذلك أطلب من الحكومة -وقد جاء رمضان- باسم جماعة العلماء، وباسم جمهرة الناس، أن تحافظ على مظهر الصيام، وأن تمنع المجاهرة
стр. 37
بالفطر، وألاّ تسمح لمطعم أن ينصب الموائد مكشوفةً على قوارع الطرق، ولا لموظف أن يشرب القهوة أو السيكارة علناً أمام المراجعين، وأن تحترم وزارة المعارف أحكام الدين وكرامة الصائمين؛ فلا تجعل الامتحانات نهاراً يُقدّم فيها الماء البارد ويدخن فيها الدخان، والصائمون من التلاميذ والمراقبين يرون ويتألمون. لتكن الامتحانات ليلاً، ما الذي يمنع أن تكون ليلاً؟ وكيف يستطع الطالب المسلم أن يجمع ذهنه ليكتب وهو يرى ما يثير أعصابه من العدوان على دينه ومن الازدراء بشخصه؟
إن الديمقراطية هي حكم الأكثرية، وإن الكثرة الكاثرة من السوريين من الصائمين. فلا يجوز في دين الله، ولا في شرعة الديمقراطية ولا في حكم الدستور، ولا في قواعد الذوق، أن تعدو القلة على الكثرة وتؤذيها في دينها وكرامتها.
إننا لا نقول لغير المسلمين: "صوموا معنا"، ولكن نقول: "لا تعلنوا فطركم أمامنا". على أن من الإنصاف أن أقرر أن إخواننا المسيحيين كانوا دائماً على قدم اللطف والذوق، وأن الأذى إنما كان يأتينا ممن يدّعي بأنه مسلم وهو في الحقيقة عدو للإسلام بعيد عن الإسلام.
إنني أطلب من الحكومة باسم العلماء، وباسم الجمعيات الإسلامية، وباسم جمهرة الناس تطبيقَ أحكام الدستور، واحترامَ عقيدة الشعب، ومنعَ المجاهرةِ بالفطر والخروجِ على أحكام الصيام.
***
стр. 38
بلى، لدينا أدب ولدينا أدباء
من بضع عشرة سنة كتبت في «الرسالة» مقالة عن «الحركة الأدبية في دمشق» قلت فيها إن في دمشق أدباء ولكن ليس فيها أدب، وقد كانت هذه المقالة موفقة من الوجهة الصحفية لأنها فتحت باباً كتبت فيه مقالات تملأ كتاباً عن الحركة الأدبية في العراق وفلسطين والحجاز ولبنان وتونس والمغرب الأقصى، وما لا أذكر الآن من البلدان.
ثم عدت فكتبت مثل ذلك في «المكشوف»، وأنكره عليّ رجال ناوشوني وناوشتهم، وكان بيني وبينهم معارك كان من سلاحها المنطق والدليل والسلاطة والشتيمة وطول اللسان، وأحسب أني كنت المجلي السابق في ذلك كله، ولا فخر!
وبقيت على هذا الرأي حتى ورد عليّ اليوم هذا الكتاب فأزالني عنه، وأظهر لي فساده، وأثبت لي أن في الشام أدباء وأن فيها أدباً. ولست أنشر هذا الكتاب لأن صاحبه قد مدحني، فأنا (مهما بلغت من الأخذ بفضيلة التواضع) أرى أني لا أستحق هذا «المدح» ... ولكن أنشره لأن فيه «شعراً» جديداً على أتم ما يكون التجديد، مبتَكراً على أكمل ما يكون الابتكار،
стр. 39
خرجتْهُ قريحةٌ بلغ من قوتها أنها نسجت هذا الشعر من غير أن يستعين صاحبها بشيء من سخافات أهل النحو والصرف والبيان والبديع والعروض، ولم يتقيد بشيء من ذلك، بل انطلق يحلق كالغراب في سماء الأدب حراً من كل قيد .. بل إنه لم يربط نفسه بهذا العرف القبيح، فكتب في ذيل كتابه «مخدومكم» ولم يقل «خادمكم» مثلاً؛ لأنه يشير بذلك إلى قولهم: "سيد القوم خادمهم".
أما هذا الكتاب فهذا هو بفصه وفصه، أرسلته إلى «الأيام» بخط صاحبه حفظه الله، وأرجو أن تحتفظ به لتُطلع عليه من يشك في الأمر، ويظن أني قد نظمت أنا هذه القصيدة ... البحترية ... وصغتها في مدح نفسي.
وهذا هو الكتاب:
أستاذي حزت على العلوم وبحرها ... يا من ضياؤك كالقنديل في الظلم
ولقد خلقت لحبك ولمدحك ... من قبل خلق الله طينة آدم
عجبت بك يا أستاذي عجباً ... بشجاعة وهمة فاقت على الهمم
عجبت بأخلاقك التي فاقت ... أدباً فصاحبها العلم والعلم
عجبت بعقلك وبلطفك عجباً ... عجباً يعجب العجاب في الفهم
من قبل خلقي حبك قد حل في ... قلبي وروحي والضلوع والدم
يا سيداً يا سائداً في فعلك ... يا حائزاً خلقاً وعلم عوالم
أهديك روحي ثم قلبي وما ... ملكت من الشعر الجميل والمفخم
وأختم كلامي بالتحية اللائقة ... لمقامكم السامي الرفيع المعظم
مخدومكم: خطيب بيت سوا
стр. 40
وأنا أهنئ دائرة الأوقاف وأهل بيت سوا بهذا الخطيب الشاعر، وأشكره أوفى الشكر، وأعتذر عن قبول هديته الثمينة؛ لأني قد أضيق بروحي أنا وأعجز عن حمل قلبي فأنا أفتش عمن أهبه له، فماذا أصنع بروحه (تسلم روحه) وبقلبه؟ وأرجو أن يتفضل فيقبل مني هذه الأبيات:
أشكرك يا حضرة خطيب بيت سوا ... شاكراً جزيلاً على الشعر الأفخم
وأعجب بعلمك ولطفك عجائباً ... أعجب من أهل العجيبة في العوالم
وأحبك أكثر من حب مجنون ليلى ... من قبل خلق حواء زوجة والدنا آدم
مع تحياتي ...
***