احترموا عقيدتنا وديننا !
أحب أن أمهد لما سأقوله اليوم برجاء القراء أن يسألوا مَن ذهب إلى أوريا أو أميركا من إخوانهم عن حال الكنائس فيها، وكيف تمتلئ يوم الأحد بكبار القوم ووجهائهم، وأن يسألوا مَن درس الفلسفة وتاريخ العلم عن الفلاسفة العظام والعلماء الأكابر وعن إيمانهم بالله واستمساكهم بالدين، وأن يسألوا مَن كان حضر حفلات تتويج ملك الإنكليز أو قرأ وصفها كيف كانت تفتتح بالصلاة، وكان يتصدرها رجال الدين، وأن يرجعوا إلى الصحف أو يقرؤوا في «المختار» كيف كان الملوك وكبار رجال السياسة يدعون الناس -أيام الحرب الأخيرة- إلى الرجوع إلى الله، وأن يبحثوا عن قوة الكنيسة في بلاد القوم وسيطرتها على نفوس الناس وإكبار الناس لرجالها.
أسوق هذا كله لأقول لمن لا يرى الحق حقاً إلا إن جاء من الغرب ولا يرى الخير إلا إن كان عليه دمغة الغرب ... أقول: إن التمسك بالدين، والمحافظة على مظاهره، وإقامة شعائره ليس رجعية، ولا جموداً، ولا منافياً للحضارة، ولا مخالفاً للتمدن. وأن دستورنا أوجب التمسك بقواعد الإسلام ومنع إعلان المخالفة له والخروج عليه.
لذلك أطلب من الحكومة -وقد جاء رمضان- باسم جماعة العلماء، وباسم جمهرة الناس، أن تحافظ على مظهر الصيام، وأن تمنع المجاهرة
стр. 37
بالفطر، وألاّ تسمح لمطعم أن ينصب الموائد مكشوفةً على قوارع الطرق، ولا لموظف أن يشرب القهوة أو السيكارة علناً أمام المراجعين، وأن تحترم وزارة المعارف أحكام الدين وكرامة الصائمين؛ فلا تجعل الامتحانات نهاراً يُقدّم فيها الماء البارد ويدخن فيها الدخان، والصائمون من التلاميذ والمراقبين يرون ويتألمون. لتكن الامتحانات ليلاً، ما الذي يمنع أن تكون ليلاً؟ وكيف يستطع الطالب المسلم أن يجمع ذهنه ليكتب وهو يرى ما يثير أعصابه من العدوان على دينه ومن الازدراء بشخصه؟
إن الديمقراطية هي حكم الأكثرية، وإن الكثرة الكاثرة من السوريين من الصائمين. فلا يجوز في دين الله، ولا في شرعة الديمقراطية ولا في حكم الدستور، ولا في قواعد الذوق، أن تعدو القلة على الكثرة وتؤذيها في دينها وكرامتها.
إننا لا نقول لغير المسلمين: "صوموا معنا"، ولكن نقول: "لا تعلنوا فطركم أمامنا". على أن من الإنصاف أن أقرر أن إخواننا المسيحيين كانوا دائماً على قدم اللطف والذوق، وأن الأذى إنما كان يأتينا ممن يدّعي بأنه مسلم وهو في الحقيقة عدو للإسلام بعيد عن الإسلام.
إنني أطلب من الحكومة باسم العلماء، وباسم الجمعيات الإسلامية، وباسم جمهرة الناس تطبيقَ أحكام الدستور، واحترامَ عقيدة الشعب، ومنعَ المجاهرةِ بالفطر والخروجِ على أحكام الصيام.
***
стр. 38
بلى، لدينا أدب ولدينا أدباء
من بضع عشرة سنة كتبت في «الرسالة» مقالة عن «الحركة الأدبية في دمشق» قلت فيها إن في دمشق أدباء ولكن ليس فيها أدب، وقد كانت هذه المقالة موفقة من الوجهة الصحفية لأنها فتحت باباً كتبت فيه مقالات تملأ كتاباً عن الحركة الأدبية في العراق وفلسطين والحجاز ولبنان وتونس والمغرب الأقصى، وما لا أذكر الآن من البلدان.
ثم عدت فكتبت مثل ذلك في «المكشوف»، وأنكره عليّ رجال ناوشوني وناوشتهم، وكان بيني وبينهم معارك كان من سلاحها المنطق والدليل والسلاطة والشتيمة وطول اللسان، وأحسب أني كنت المجلي السابق في ذلك كله، ولا فخر!
وبقيت على هذا الرأي حتى ورد عليّ اليوم هذا الكتاب فأزالني عنه، وأظهر لي فساده، وأثبت لي أن في الشام أدباء وأن فيها أدباً. ولست أنشر هذا الكتاب لأن صاحبه قد مدحني، فأنا (مهما بلغت من الأخذ بفضيلة التواضع) أرى أني لا أستحق هذا «المدح» ... ولكن أنشره لأن فيه «شعراً» جديداً على أتم ما يكون التجديد، مبتَكراً على أكمل ما يكون الابتكار،
стр. 39
خرجتْهُ قريحةٌ بلغ من قوتها أنها نسجت هذا الشعر من غير أن يستعين صاحبها بشيء من سخافات أهل النحو والصرف والبيان والبديع والعروض، ولم يتقيد بشيء من ذلك، بل انطلق يحلق كالغراب في سماء الأدب حراً من كل قيد .. بل إنه لم يربط نفسه بهذا العرف القبيح، فكتب في ذيل كتابه «مخدومكم» ولم يقل «خادمكم» مثلاً؛ لأنه يشير بذلك إلى قولهم: "سيد القوم خادمهم".
أما هذا الكتاب فهذا هو بفصه وفصه، أرسلته إلى «الأيام» بخط صاحبه حفظه الله، وأرجو أن تحتفظ به لتُطلع عليه من يشك في الأمر، ويظن أني قد نظمت أنا هذه القصيدة ... البحترية ... وصغتها في مدح نفسي.
وهذا هو الكتاب:
أستاذي حزت على العلوم وبحرها ... يا من ضياؤك كالقنديل في الظلم
ولقد خلقت لحبك ولمدحك ... من قبل خلق الله طينة آدم
عجبت بك يا أستاذي عجباً ... بشجاعة وهمة فاقت على الهمم
عجبت بأخلاقك التي فاقت ... أدباً فصاحبها العلم والعلم
عجبت بعقلك وبلطفك عجباً ... عجباً يعجب العجاب في الفهم
من قبل خلقي حبك قد حل في ... قلبي وروحي والضلوع والدم
يا سيداً يا سائداً في فعلك ... يا حائزاً خلقاً وعلم عوالم
أهديك روحي ثم قلبي وما ... ملكت من الشعر الجميل والمفخم
وأختم كلامي بالتحية اللائقة ... لمقامكم السامي الرفيع المعظم
مخدومكم: خطيب بيت سوا
стр. 40
وأنا أهنئ دائرة الأوقاف وأهل بيت سوا بهذا الخطيب الشاعر، وأشكره أوفى الشكر، وأعتذر عن قبول هديته الثمينة؛ لأني قد أضيق بروحي أنا وأعجز عن حمل قلبي فأنا أفتش عمن أهبه له، فماذا أصنع بروحه (تسلم روحه) وبقلبه؟ وأرجو أن يتفضل فيقبل مني هذه الأبيات:
أشكرك يا حضرة خطيب بيت سوا ... شاكراً جزيلاً على الشعر الأفخم
وأعجب بعلمك ولطفك عجائباً ... أعجب من أهل العجيبة في العوالم
وأحبك أكثر من حب مجنون ليلى ... من قبل خلق حواء زوجة والدنا آدم
مع تحياتي ...
***
стр. 41
الإسلام والمرأة (١)
عن عمرو بن الأحوص الجشمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنما هنّ عوانٌ عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً إلا أن يأتينَ بفاحشة مبينة، فإن فعلنَ فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعْنَكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً. ألا أن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً؛ فحقكم عليهن ألا يوطئنَ فرشكم من تكرهون ولا يأذنَّ في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهنَّ في كسوتهن وطعامهن». رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
بيّن رسول الله ﷺ في هذا الحديث أن الزواج شركة تقوم على تبادل الحقوق، وكما أن كل شركة لا بد لها من رئيس، فالرياسة في هذه الشركة للرجل، وله الحق في إدارة سياسة البيت، ولا يجوز لها أن تخالفه فيها. وعليه -في مقابلة ذلك- أن يقوم بنفقاتها ونفقات البيت، وليست مكلفة أن تنفق على نفسها ولو كانت تملك عشرة آلاف وكان هو عاملاً أو موظفاً صغيراً.
وكما أن لكل رئيس سلطة تأديبة، فإن للزوج سلطة هجر الزوجة (في المخدع الزوجي فقط) وضربها ضرباً خفيفاً. ولا يستعجل أحدٌ فيقول: كيف يسمح الإسلام للرجل أن يضرب المرأة؟ لأن الإسلام إنما جعل له
стр. 42
هذه السلطة عندما تجاوز المرأة كل حد ولا ينفع معها وعظ ولا نصح، وتعلن النشوز والبَذاء، وتسعى لهدم الحياة العائلية. ولا أظن أن أحداً يستكثر عليها في هذه الحالة أن تُضرَب كما يضرب الأب ولده العاصي، وهو يحبه ويبتغي صلاحه.
أما في الأحوال العادية، فإن الضرب مَنهيٌّ عنه شرعاً: روى البخاري ومسلم (من حديث): «يعمد أحدكم إلى امرأته فيجلدها جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه». فنهى عن أن يعامل الرجل زوجته معاملة السيد لعبده، ثم يقف منها موقف المحب من حبيبه.
وحتى إذا كانت المرأة مخالفة سيئة الخلق، روى مسلم: «لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة (أي لا يبغضها)، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر». فيقول الرسول ﷺ : إنه ليس في الدنيا أحدٌ كاملاً، فإذا كانت في زوجتك صفات سيئة وأخلاق ذميمة، فلا تنس أن لها أيضاً صفات أخرى حسنة وأخلاقاً حميدة، فاحتمل هذه من أجل تلك.
***
стр. 43
الإسلام والمرأة (٢)
وجعل الرسول ﷺ مقياس خلق الرجل ومعيار ما فيه من الخير معاملته لأهله، فكلما كانت معاملته لأهله أحسن، كان أفضل في نظر الإسلام. قال: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم». وقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب ﵁ يشكو إليه زوجته، فوجد زوجة عمر (عمر الشديد المخيف ...) تستطيل عليه بلسانها، فرجع. فرآه عمر فناداه، فقال له: "يا أمير المؤمنين، جئت أشكو إليك امرأتي، فوجدت عندك مثل الذي أشكو منه! ". فقال عمر: "احتملتها لحقوقٍ لها عليّ".
واحتقارُ المرأة، ومعاملتها بالشدة، والترفع عليها، ودخول البيت بوجه عابس باسر، وإدارته إدارة عرفية ظالمة، ومخاطبة المرأة بمثل «الإيعازات» العسكرية ... كل هذا ليس من صفات المسلم. وكان الرسول ﷺ هيناً ليناً في بيته، يمازح أهله، ويحدث نساءه (وقد سمعتم في حديث عائشة -في الإذاعة- طرفاً من ذلك).
ولكن ليس معنى هذا أن يكون الرجل ضعيفاً في بيته حتى تسيّره امرأته وتستهين به ولا تسمع له أمراً ولا نهياً. لا، وعليه أن يكون لطيفاً في غير ضعف، لطيفاً في الأمور العادية، فإذا كان في الأمر مخالفة للشريعة والأخلاق
стр. 44
فيجب أن يكون رجلاً، وأن يمنع أهله من كل ما يخالف الشرع والأخلاق. والمرأة -بطبعها- ميّالةٌ إلى التقليد واتباع (الموضة) وإلى التكشف؛ لأن من فطرة المرأة المباهاة بجمالها وإظهاره للناس. وإذا تركها الرجل تعمل ما تريد أضاعت بذلك مال الأسرة ودينها.
والخلاصة أن الرجل هو رئيس هذه الشركة ولكنه رئيس (ديمقراطي) مقيد بالقوانين الشرعية، والمرأة أمانة عنده. فإذا فرط في الأمانة وأضاعها يكون خائناً، وإذا ظلم وطغى يكون ظالماً، والظالم والخائن مستحقان لعقاب الله.
وعلى المرأة أن تطيع زوجها (إلا فيما هو معصية)، ولها بذلك ثواب المجاهدين والشهداء، وقد قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة». رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
***
стр. 45
أحاديث نبوية
• قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبى طالب ﵁: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة». رواه الترمذي وأبو داود.
أي أنك إن رأيت امرأة أجنبية فعليك أن تغض بصرك عنها، ولا تعود إلى النظر إليها؛ فإن الأولى مغتفرة لك، ولكن الثانية محسوبة عليك.
• وقال: «كُتب على ابن آدم نصيبه من الزنا لا محالة؛ العينان زناهما النظر (أي إلى ما يحرم النظر إليه)، والأذنان زناهما الاستماع (أي إلى حديث الفحش أو الغناء المحرم -كغناء النساء- أو لأصوات الآلات الوترية للطرب)، واللسان زناه الكلام (أي في أحاديث الصلات الجنسية المحرمة)، واليد زناها اللمس، والرجلان زناهما الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدّق ذلك الفرجُ أو يكذبه». رواه البخاري ومسلم.
• وقال: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة». رواه مسلم.
• وقال: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحم (أي قريب الزوج)؟ قال: الحمو الموت». رواه البخاري ومسلم.
نبّه في هذا الحديث إلى ما يتساهل به أكثر النساء من التكشف أمام
стр. 46
الأقرباء -من غير المحارم- والاختلاط بأنسباء الزوج من الرجال، مع أن الشرع يعتبر ابن العم كالرجل الغريب، لا يجوز للمرأة أن تكشف عليه أكثر من وجهها عند أمن الفتنة وكفيها، ولا يجوز لها الانفراد به ولا بغيره أصلاً.
• وقال: «لا يخلُونَّ أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم». رواه البخاري ومسلم. وروى الطبراني أنه قال: «ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما».
• وقال: «من استطاع منكم الباءة (أي طلبت نفسه الزواج) فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصيام». رواه البخاري ومسلم.
• وقال: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». رواه مسلم.
• وقال: «ما استفاد المؤمن -بعد تقوى الله- خيراً من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وفي ماله» (أي حافظت في غيابه على عفافها وعلى مال زوجها). رواه ابن ماجة.
***
стр. 47
حساب النواب
رتبت اليوم مكتبي، وجمعت أوراقي، فإذا بين يديّ عشرات من بيانات المرشحين وصورهم ووعودهم، ومن أراد أن ينصر الفلّاح ويحمي الضعاف ويقلل الضرائب، ويفتح في كل شارع مدرسة ويشق في كل حي شارعاً، ومن وعد -إي والله- بأن يوزع الخبز مجاناً إذا صار نائباً ويزوج كل شابة وشاب، ولم يبقَ عليه إلا أن يجعل سورية كالجنة التي وعد الله للمتقين؛ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين!
وهممت بأن ألقي هذه الأوراق في السلة، ثم فكرت فعدلت واحتفظت بها، وذهبت فاشتريت دفتراً جديداً، كتبت اسم كل نائب في صفحة منه وكتبت برنامجه ومشروعاته ووعوده، وعزمت على تسجيل كل ما سيعمله هذا النائب في المجلس لتحقيق هذه الوعود. حتى إذا جاءت الانتخابات القادمة نشرتها على الناس، ليميزوا بين الصادق والكاذب، والطيب وغير الطيب.
...
بقي شيء واحد لا أملكه أنا، هو أن الإذاعة تنقل إلينا كثيراً من الحفلات الخطابية والغنائية، أو تنقل الصلاة والخطبة من الجامع، فلماذا لا
стр. 48
تنقل جلسات المجلس النيابي (إلا السرّي منها) ليسمع كل واحد -وهو في بيته- ما يجري في المجلس، ويسجل على كل نائب الحسنات والسيئات، ويعرف من يقول خيراً ومن يقول شراً، ومن هو أخرس لا ينطق ولا فرق بينه وبين الكرسي إلا أن له يداً تُرفع عند اللزوم ... و «تُمدُّ» عند اللزوم!
فهل تستجيب الإذاعة لهذا الطلب؟ وهل يتخذ كل واحد دفتراً مثل دفتري؟
***
стр. 49
في الاقتصاد
كنت أعتقد دائماً أني أجهل الناس بأمور الاقتصاد وأبعدهم عن معرفة طرق التدبير ووجوه التوفير، وكنت أجد -لذلك- في نفسي وأتألم. فلمّا كانت هذه الحرب الأخيرة ورأيت ما كنا عليه وما كان عليه الناس رأيت أني من علماء الاقتصاد وأئمة التدبير بالنسبة إلى من كان في أيديهم الأمر والنهي و ... خزانة الدولة، وصرت أعزي نفسي وأسليها.
اجتاحت هذه الحربُ بلادَ الناس، وأصابتها بالتخريب ورمتها بنقص الأموال والثمرات، فكانت عليهم جحيماً وكانت لنا نعيماً؛ إذ سلمنا من شرورها، ونلنا من خيراتها، فزادت في أيدينا الأموال، ونشأت الصناعات، واتسعت التجارات، فماذا صنعوا وماذا صنعنا؟
صبروا عليها وضيقوا على أنفسهم وأمسكوا من الجوع بطونهم، فلا يأكلون إلا بقدر، ولا يلبسون إلا بقدر؛ كي يوفروا المال ليشتروا به النصر، فلما نالوه لبثوا يحرمون نفوسهم ويضيقون عليها، ليبيعونا من الكماليات ما يسترجعون به المال الذي اشتروا به النصر، وانطلقنا نحن نفتش عن نافذة نلقي منها أموالنا ونبددها ونضيعها.
كان ملك إنكلترا أثناء الحرب يعتذر عن تقديم الحلوى في الحفلات لضيوفه لأن جرايته منها لا تقوم بذلك، وكنا نحن ننصب هنا وهناك مائدة
стр. 50
طولها ثلاثون متراً في كل شبرين منها صحن حلو من مطعم الأمراء مرصوص رصاً كأنه البناء المشيد، لا يقل ثمنه عن خمس وثلاثين ليرة ... وها هي ذي إنكلترا لا تزال إلى اليوم تعيش على نظام الجراية وتحشد كل ما تستطيع من جهود وقوى لزيادة التصدير، ونحن لا نزال نتسابق إلى استيراد ما ينفع وما لا ينفع، ونتفنن في وجوه البذخ والتبذير، حتى صارت الالآف من نساء أغنياء الحرب في بلادنا والوارثين وكبار الموظفين تلبس -بيقين- أثمن وأغلى مما تلبسه ملكة بريطانيا العظمى!
فكانت النتيجة أن ضاع (أو كاد يضيع) كل ما اكتسبناه أيام الحرب، ونزلت أثمان أسهم الشركات التي ألّفناها، وقلّ المال في أيدينا. وأوشك أن يصير مثلنا ومثل الإفرنج كذلك الذي ركب في المسعى بين الصفا والمروة حيث يمشي الناس فأذله الله حتى مشى على جسر بغداد حيث يركب الناس.
وهذا خطر على أموالنا تستطيع الحكومة أن تدرأه عنا حين تمعن في إنجاز مشروعاتها الإصلاحية، وحين تعلم الناس أن يقلدوا الإفرنج (إذا قلدوهم) في مثل هذا، لا في اللهو والإلحاد والمذاهب الهدامة والعادات المؤذية.
***
стр. 51
خاطبوهم بلغة المدفع
هذه أول مرة -مذ بدأت حرب فلسطين- استطعت فيها أن أرفع رأسي الذي أحناه الخجل، وأثقله الألم ... هذي أول مرة وضع فيها قادة العرب أقدامهم على الطريق، بعدما كانوا يتيهون في الفلاة، ويمشون على غير الهدى ... هذا أول مرة تقرر فيها الجامعة قراراً، فيقول العرب: "صحيح"، وكانت من قبل تقرر فلا يرضى عنها أحد ... هذي أول مرة تدرك فيها الحكومات أن ساحة المعركة ليست في ليك ساكس ولا في نيويورك، وأن سلاحها ليس الخطب ولا المذكرات، ولكن المعركة -كما كان يقول الأستاذ فارس خوري- هنا: في فلسطين، والسلاح هو الدم والنار والحديد ...
هذا هو الطريق، قد وضعتم الآن أقدامكم عليه فسيروا قدماً. اضربوا ضربة الحق، ودعوا اليهود يشتكون هم إلى مجلس الأمن، فلقد كنا في المدرسة نحتقر التلميذ الذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الشر فيذهب باكياً إلى المعلم، فيقول بصوت رخو، وعين دامعة، وشفة مقلوبة: "أستاذ، هاد ضربني"!
وكان شاعرنا الجاهلي، يقول:
بغاة ظالمين وما ظلمنا ... ولكنا سنبدأ ظالمينا
стр. 52
ونحن لا نريد أن نظلم أحداً؛ فقد أذهب الله عهد الجاهلية وحرم الظلم، ولكنا لا نريد أن نكون كعير الحي، ولا الوتد، ولا الشاة بين أنياب الذئب. إننا نحب أن نتأدب بأدب القرآن الكريم؛ جل من أدب، ونأخذ بقول الله تقدس من قول: ﴿ومَن اعْتَدى عَلَيكُم فاعتَدُوا عليْهِ بمثلِ ما اعْتَدى علَيْكُم﴾. من ضربكم بالمدافع فاضربوه بمثلها، لا تضربوه بالكلام. ومن أخذ الإبل فاستردوا منه الإبل وأدّبوه، لا توسعوه شتماً (وأودي بالابل)!
وإن صادر اليهود أموالكم فصادروا أنتم أموال اليهود، وإن طردوكم من منازلكم فاسترجعوا أنتم -على الأقل -هذه المنازل، واطردوهم منها كما طردوكم
﴿وأَعِدو لهُمْ مَا اسْتَطَعتُم مِنْ قُوَّةٍ﴾ ... صدق الله العظيم. ودعوا الكماليات، ووفروا المال، واشتروا السلاح، وانشروا نظام الفتوة، وافتحوا معسكرات التدريب. دربوا الرجال على القتال، وعلموا النساء اتقاء الغارات، اجعلوا البلد كلها ثكنة كبيرة.
الآن، وضعتم أقدامكم على الطريق، فسيروا قدماً، فإنه -والله- ما خنس اليهود وأبلسوا، ولا كان هذا القرار الرباعي، إلا لأنكم أفهمتم الدنيا إنكم مستعدون للضرب، وأنه مضى عهد الكلام.
إن اللغة التي يفهم بها البشر اليوم هي لغة المدفع، والحق على شفار السيوف وحد الأسنة، لا بأطراف الألسنة ولا بصحائف الكتب ...
فلا تتكلموا بعد اليوم إلا بلغة المدفع!
***
стр. 53
في نقد الإذاعة
شرعت أكتب هذه الكلمة وما أدري: أتُنشَر أم تؤثر «الأيام» المجاملة فتُطوى ويذهب عنائي في كتابتها هدراً، لذلك أسطر فيها طرفاً مما ينبغي أن يقال، وأدع الباقي ليوم آخر.
وليثق القراء أني ما أكتب عن «الإذاعة» بغضاً بمن فيها، ولا حقداً عليها، ولكني أكتب للمصلحة العامة. وتحت يدي كتب ورسائل كثر تفيض بالشكاة المرة وبالألم والحسرة على ما انتهت إليه إذاعتنا، وتقول إن إذاعة إسرائيل لا تزال تحفز الهمم، وتشد العزائم، وتعد قومها لليوم الأسود، وتوجههم وجهة الجد والحماسة، وإذاعتنا تخدر الأعصاب بهذه الأغاني الماجنة الرخوة. وإذا هي جاوزت إلى تلاوةٍ ذكّرت السامعين بحديث: «رب تال للقرآن ...» لأنها لا تكاد تجيئنا إلا بقارئين يغنون بالقرآن غناء، ويقفون حيث لا يجوز الوقف، ويتلون آيات العذاب بالنغمات اللطاف وآيات النعيم باللحن القوي، ويقرؤون أول الآية بالقرار الخافت الذي لا يُسمع، ثم يثبون في آخرها إلى الجواب العالي الذي لا يُدرك، ومنهم من يقطع القراءة في وسط الآية ويقف عند مبتدأ لا خبر له أو فعل لم يأت فاعله ... لأن الوقت قد انتهى!
وإن أسمعتنا الإذاعة أحاديث كان أكثرها فياضاً باللحن القبيح المزري.
стр. 54
وأذكر -على سبيل المثال- الحديث الذي أذيع صباح الجمعة (أمس)، وهو ليس إلا سرداً لقصة تاريخية مشهورة، ومع ذلك لم يعرف المحدّث كيف يقرؤها؛ فقرأ: "جدٌّ لما جئنا له" وأعادها مرتين وهو يجعل «جد» اسماً مرفوعاً ولا يدري أنه لا يبقى لها بذلك معنى وإنما هي «جُدَّ»؛ فعل أمر من الجد، وقرأ «الفضل بن عياض» وأطفال المدارس يعلمون أنه «الفضيل»، وقال: «بر» بضم الباء وهي بالكسرة (١)، وقال عليٌّ بن أبي طالب (بالتنوين) مع أن القاعدة (التي تُقرأ في الصف الأول الثانوي) أن كل عَلَمٍ وُصف بابن لا يُنوَّن.
وهذا مثال صغير من اللحن في الأحاديث، أما اللحن في الأخبار فلا يمكن إحصاؤه. والأخبار لا يُراعى في سردها مصلحة قومية، ولا وعي وطني، بل ربما جاء فيها ما هو مناف للمصلحة القومية؛ كخبر إعطاء جائزة للدكتور بانش ومدحه والثناء عليه مع أن موقفه في فلسطين معروف، (والجائزة لم تعطَ له إلا بفعل اليهود كيداً للعرب وإيذاء لهم).
والجلسات التي تعقد للطلاب أقل ما يقال فيها إنها لا ترضي العلم ولا اللغة، ولا يمكن أن ترضيهما ما دام يقوم عليها مذيع عادي، ولم يوسد أمرها إلى أستاذ كبير مشهود له بالعلم والبيان.
إن الإذاعة هي ترجمان الأمة، ولسان الوطن. وإنه ينبغي أن يكون عليها أديب ضليع، قوي المشاركة في العلم، موثوق من إيمانه ومتانة أخلاقه وإخلاصه للوطن.
...
стр. 55
أثر الإيمان
من أعظم الكتب التي قرأتها أثراً في النفس وجلباً للسعادة كتاب «دع القلق وابدأ الحياة» الذي ألفه ديل كارنيجي وترجمه عبد المنعم الزيادي.
فيه فصل قيم عن أثر الإيمان في سعادة الإنسان روى فيه عن وليم جيمس (فيلسوف أميركا الذي كان أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد) قوله: "إن أعظم علاج للقلق هو الإيمان". اشتمل هذا الفصل على قصص واقعية كثيرة لرجال معروفين في أميركا عانوا أشد الأزمات النفسية، حتى أشرفت بهم الحال على الجنون أو الانهيار، فلم ينقذهم إلا الإيمان.
قال فيه (والعبارة بلفظ المترجم): أعرف رجالاً ينظرون إلى الدين نظرتهم إلى شيء مقصور على النساء والأطفال والوعّاظ، ويتباهون بأنهم «رجال» يسعهم أن يخوضوا المعارك بلا سند ولا معين، فما أشد الدهشة التي تتولاهم حين يعلمون أن معظم «الرجال» (أي الأبطال المشهورين) يضرعون إلى الله كل يوم أن يساندهم ويؤازرهم. (وضرب أمثلة لرجال منهم أيزنهاور، الذي لم يحمل معه حين طار إلى إنكلترا ليتولى قيادة جيوش الحلفاء إلا الإنجيل، والجنرال مارك كلارك الذي كان لا ينقطع عن تلاوة الإنجيل كل يوم من أيام الحرب).
ثم قال: "لقد أدرك هؤلاء الأبطال الحقيقة التي قالها وليم جيمس: "إن
стр. 56
بيننا وبين الله رابطة لا تنفصم، فإذا نحن أخضعنا أنفسنا لإشرافه -سبحانه- تحققت كل أمانينا".
وكثيرون من هؤلاء «الأبطال» قد تحققوا بأنفسهم من صدق قول الدكتور ألكسيس كاريل، مؤلف كتاب «الإنسان ذلك المجهول» وأحد الحائزين على جائزة نوبل. قال: "لعل الصلاة هي أعظم مولّد للنشاط عُرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت -بوصفي طبيباً- كثيراً من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يديه عجزاً وتسليماً تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم. إننا نربط أنفسنا -حين نصلي- بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون، ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبساً منها نستعين به على معاناة الحياة. بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا، ولن تجد أحداً ضرع إلى الله مرة إلا عادت عليه الضراعة بأحسن النتائج".
وبعد أن روى قصصاً يدلل بها على ما ذكر قال: "ترى لماذا يجلب الإيمان بالله والاعتماد عليه سبحانه الأمان والسلام والاطمئنان؟ سأدع وليم جيمس يجيب على هذا السؤال: إن أمواج المحيط الصاخبة لا تعكر قط هدوء القاع العميق، وكذلك الإيمان لا تعكره التقلبات السطحية، فالرجل المتدين حقاً عصيٌّ على القلق، محتفظ أبداً باتزانه، مستعد دائماً لمواجهة ما عسى أن تأتي به الأيام من صروف. فلماذا لا نتجه إلى الله إذا استشعرنا القلق؟ ولماذا لا نؤمن بالله ونحن في أشد حاجة لهذا الإيمان؟
(صورة طبق الأصل)
***
стр. 57
نظامٌ يحتاج إلى إصلاح
نحن نشكو دائماً من كل شيء، ونطلب الإصلاح الشامل الكامل، فإذا لم يتم دفعةً واحدة (ولا يمكن أن يتم) لم نصنع شيئاً، مع أن المعقول أن نباشر بالإصلاح الجزئي، وأن ننزع حجراً حجراً من هذا البناء المتداعي ونأتي بأحجار أمتن وأقوى.
وقد سقت هذه المقدمة الطويلة المملة لئلا يقول أحد إن هذا الرجل يتكلم عن المختارين والبلاد تتكلم عن الوزارة والأزمة الوزارية. سقتها لأقول بأن الإصلاح لا يبدأ من فوق؛ من الشرفات والقباب، ولكن يبدأ من تحت؛ من الأساس والدعائم.
ونظام المختارين -الذي يُعمل الآن على تعديله- أسخف نظام وأغربه، وأبعده عن روح العصر ومطالب الزمن.
المختار -سواء أكان معيناً تعييناً كما هو الآن، أم منتخباً انتخاباً كما يريدون أن يكون- رجل لا يكون على الغالب إلا عامياً، لا يشترط فيه علم ولا دراسة ولا سن، وليس فوقه مراقبة فعليه، وليس لعمله أسلوب واضح، وهو -مع ذلك- المؤتمَن على أعراض الناس وأموالهم وأخلاقهم! من أراد أن يتزوج احتاج إلى تصديق المختار والإمام، ومن أراد أن يطلق، ومن شاء أن يبيع عقاراً، ومن ابتغى أن يدخل وظيفة، ومن ماتت له بنت أو وُلد له
стр. 58
مولود ... كل ذلك مرده للمختار. ومِن المختارين مَن يتحكم في حيه تحكم الجبارين، ويشاركهم في مهر المخطوبة وثمن البيت، ليضع لهم خاتمه الكريم، ومنهم من هو في وظيفته هذه من أن ربعين سنة، لا يُنقل ولا يُعزل ولا يُبدّل.
أما حوادث المختارين فكثيرة، كثيرة، كثيرة. لا تتسع لها عشرٌ من هذه الكلمات. وآخرها ما صنعه مختار حي من الأحياء، فقد جاءته امرأة وخبّرته أن زوجها قد مات وهي ترجو أن يشهد لها، فحوقل واسترجع وأخذ المبلغ، وكتب لها. وأخذت الشهادة إلى الشرطة فصادقت على صحتها، ودارت بها حتى وصلت إلى النفوس، فسجل الموظف وفاة عزيزة بنت فلان. قالت: "أنا عزيزة، وأنا لم أمت، وإنما مات زوجي". قال: "كذابة؛ الميت عزيزة". قالت: "أنا عزيزة". قال: "هل أصدقك وأكذب شهادة المختار وتحقيقات الشرطة؟ ".
وذهبت المسكينة (تمشي) من مكان إلى آخر، لتثبت أنها ليست هي الميتة ولكن الميت زوجها، وذلك لأن المختار كتب اسمها في شهادة الوفاة، والشرطة قد صدقت على الشهادة!
...
إنه إن لم يكن بدٌّ من نظام المختارين فليكونوا شبه موظفين، وليكن لهم مِلاك، وليوضع لهم نظام يبين أعمالهم، ويحدد أجورهم، ويوضح تبعاتهم، ويسهّل ملاحقتهم. أما هذا النظام الحاضر فمن العار على سورية أن يبقى فيها سنة ١٩٥١.
***
стр. 59
أناشيد
قرأت في «الأيام» أمس في باب «جلسة المجلس النيابي» نبأ عريضة للعلماء يحتجّون فيها على الإذاعة لأنها أبطلت ما سمّوه بالأناشيد الدينية، وقد كانت تذاع بعد صلاة الجمعة. فرأيت من الواجب عليّ بيان حقيقة الأمر في نظر الإسلام، والإسلام ليس فيه أكليروس، وليس لأحد وحده حق التكلم باسمه، بل إن لكل مسلم عَرَف دليل مسألة أن يردّ فيها على علماء الأرض لو قالوا بعكسها بلا دليل.
والحقيقة أن هذه الأناشيد ليست دينية، ولا أصل لها في الإسلام، وأن أكثر ما كان يذاع منها نصفه كفر وشرك لأنه سؤال المخلوق مما لا يقدر عليه إلا الخالق، ونصفه قلة أدب مع الرسول لأنه تغزّلٌ به ﷺ وذكرٌ لجماله وعيونه ودلاله وطلب لوصاله. ولو قيل مثل هذا «العَلْك» لمدير ناحية أو لرئيس مخفر لعدّه وقاحة وأمر بصاحبه إلى السجن أو مستشفى المجانين، فكيف يقال لسيد الخلق؟ ثم إن ألفاظه عامية مبتذلة، وأنغامه رخوة مخنثة.
والحق كان مع الإذاعة في إلغائها، وليس مع العلماء المحتجين على إلغائها ذرة من الحق، وهذا كلام لي عليه من الأدلة الشرعية ما لا يقبل نقضاً ولا رداً.
***
стр. 60
نحن في حرب
يا أيها الناس، ألم تشعروا -بعدُ- أننا في حرب مع أعداء الله: اليهود؟ فهل سمعتم أن أمة تعيش الحرب كما كانت تعيش السلم؛ لا تدع شيئاً من لهوها ولعبها، وسرفها وترفها؟ هل سمعتم أن أمة تعطي مالها لعدوها، تعينه به على نفسها، وتشتري له به السلاح ليوجّهه إلى صدور أبنائها؟ فما لكم ما نقصتم شيئاً من لهوكم ولعبكم؟ ما لكم تعطون أموالكم عدوكم، تشترون بها ما لا ينفعكم ولا يفيدكم؟ لم لا تستغنون عن «الكماليات» لتشتروا بأثمانها السلاح؟ لم لا يبذل أغنياؤكم من حرّ أموالهم ما يهدون به الطيارات والدبابات والمدافع إلى جيش البلاد، فتسمى الطيارة أو الدبابة باسم مهديها، فتبقى له ذكراً وفخراً، وتكون له للآخرة ذخراً، وينال بها عند الله أجراً؟
إن أبا بكر تبرّع للجيش بماله كله، فقالوا له: "ماذا تركت لأهلك؟ "، فقال: "تركت لهم الله ورسوله". وعمر تبرع بنصف ماله، وعثمان أعطى الشيء الكثير، وما من الصحابة إلا من بذل وأعطى. وإن أغنياء الإنكليز اليوم والأمير كان يعطون الحكومة أكثر من نصف ما يدخل عليهم، فما لكم لا تقتدون بسلفكم الصالح، ولا تتشبهون بالقوم المتمدنين؟ أتقلدونهم في الرقص والشراب والاختلاط وما يشكون هم منه، ويتمنّون الإقلاع عنه، ولا تقلدونهم فيما ينفع ويفيد؟
***
стр. 61
القاضي الشهيد
رجعت الآن من جنازة الزميل الشيخ عادل العلواني وقعدت لأكتب هذه الكلمة وأنا لا أزال مشدوهاً مقسم الذهن لا أكاد أصدق أنه مات ولا أدري ماذا أكتب عنه!
ما الذي تسعه هذه الزاوية الصغيرة من إخاء عشرين سنة؟
ماذا أقول عن الرجل الذي عرفته رفيقاً في كلية الحقوق جنبي في المقعد إلى جنبه، ثم عرفته قاضياً في المحكمة الشرعية قاعتي مقابل قاعته، والذي رافقته أمداً يملأ حديثي عنه تاريخاً؟ إني والله لا أدري ماذا أقول، فاعذروني؛ فإني لا أزال في روعة الصدمة الأولى!
ولقد سمعت الناعي في الهاتف يقول لي: إن الشيخ عادل قُتل، فما صدقت، وحسبتها مزحة ثقيلة، وما ظننت أن من الممكن أن يُقتل قاضي دمشق وسط دمشق. وغدوت أسأل فإذا الخبر صحيح، فذهبت إلى الدار أدبر أمر الجنازة، فلم أرَ في الدار إلا امرأة حيرى، وأطفالاً تسعة أيتاماً، وإذا القاضي الذي كان مستوراً بالتجمّل لم يخلف بعده ما يكفي لإيصاله إلى القبر.
ولقد يكون في هذا الذي أقول إيلام لأسرة الفقيد، ولكني أقوله بإكبار وإعجاب، وأحنى هذا الرأس -الذي ما انحنى قط لغير الله- أمام
стр. 62
نعش الرجل الذي استطاع أن يكون قاضياً نزيهاً أميناً، وهو يكابد الفقر عمره كله ويتجرعه ويصبر عليه، حتى عاش شريفاً، ومات شهيداً!
وتولى القضاة والمحامون نعيه وإخراجه، ومشت الجنازة صامتة رهيبة على السنة؛ لا صراخ ولا نشيد ولا آس ولا أكاليل، وأبّنْتُهُ وأنا لا أعلم ماذا أقول؛ لأن أطفاله كانوا أمامي، فكان يشغلني التفكير في مصيرهم عن صوغ آيات البيان.
كنت أفكر فيهم فأخشى أن لا تفي هذه الأمة للرجل الذي وفى لها، وأن تدع أولاده يحتاجون من بعده لأن ضميره ودينه منعاه من أن يدخر لهم مالاً يجمعه من حرام، وأن تضيق خزانة الدولة فلا تجود بالمال لمن جاد بالدم، وأن تتمسك بحرفية قانون التقاعد وتعطي أسرة الفقيد ما لا يكفيها ثمن الخبز ... حتى يرى ذلك القضاة فلا يبقى فيهم قاض نزيه.
وبعد، فإني -والله- لا أزال في روعة الصدمة الأولى، فاعذروني اليوم.
***
стр. 63
لا نريد من يدافع عن القاتل
بعض هذا -يا سيد حسن غزاوي- فإن الحياء من الإيمان!
ولك أن تدافع عن «القاتل»؛ فإن الدفاع حق مطلوب، ولك أن تحرص على «الأجرة»؛ فإن المال مُشتهىً محبوب، ولكن ليس لك أن تنسى الحق من أجل المال، وتضحي بالإنسانية في سبيل المهنة، فتصغر هذا الجرم وهو عظيم، وتكسر بلسانك قلوب هؤلاء الأطفال بعد أن كسر موكِّلك -بنذالته- ركنَهم، وذبح بسكينه أباهم كما تُذبح في المسلخ الخراف، وتسخر من هذه الأمة التي فتحت لك أبوابها وأعطتك من المجد والمال ما لو وجدتَه عند أهلك لما لجأت إليها!
ولو كنتَ من أهل هذا البلد لعلمت أنها لم تَصنع بأهله جريمةٌ آثمة سافلة ما صنعت هذه الجريمة ... وأنها راعت قلوبَ ساكنيه، وأغضبتهم وآلمتهم؛ أسفاً على الفقيد، وحزناً على أولاده، وإكباراً لفقره، وخوفاً على العدالة أن لا ينصب لها في الشام ميزان بعد اليوم، ما دام كل نذل يغضبه القاضي يبعث إليه بوحش يقتله! .. وأنها فرشت بالشوك مضاجعهم، فما يقر لهم قرار حتى يصطبحوا بمرأى المجرمين كافة تهتز أرجلهم فوق أرض المرجة (١) ... وأن النساء في البيوت، أي والله، والرجال في الأسواق، والأولاد
стр. 64
في المدارس، لا يزالون يسألون عن المحاكمة ماذا جرى فيها، وعن المجرمين متى يلقون جزاء ما جنوا؟
ولو كنت تقرأ التاريخ لعلمت أنها جريمة لم يعرف تاريخنا جريمة مثلها، ولقد قُتل مئات من الخلفاء والملوك والأمراء، ولكن لم يُقتل قاضٍ في الإسلام اغتيالاً قبل القاضي العلواني.
فهو وثقت الآن أنها جريمة ليست كالجرائم؟ يا سيد حسن!
إني لا أعرفك، ولكني أظن -مما سمعت عنك- أن هذا كله لا يقنعك. إنه كان يقنعك لفظ واحد من الرئيس لو أنه قاله في الجلسة؛ هو أن يأمر بتوقيفك، على هذا التعريض المكشوف بالمجلس وهذه الجرأة عليه!
ولكن الرئيس كان حليماً جداً، فإياك .. فإن العرب تقول في أمثالها: «اتق غضبة الحليم»!
***
стр. 65
الكماليات
حدثني صديق أديب أقام شهراً يتنقل بين أنقرة وإسطنبول وإزمير أنه لم يبصر في هذه الأيام كلها إلا عشراً من السيارات الخصوصية الفخمة التي نرى العشرات من أمثالها كل يوم تحمل أغنياءَ الحرب إلى مخازنهم وأولادَهم إلى مدارسهم، وتحمل نساءهم إلى الاستقبالات والأعراس.
وقصّ علي قادم من تشيلي (كان قطنها عشرين سنة) أن التجار فيها محرم عليهم تحريماً استيراد الكماليات كلها من البلاد الأجنبية؛ فلا فرو يُباع بوزنه ذهباً، ولا أحمر للشفاه تضيع في ثمنه الآلاف، ولا عطر نادر، ولا شيء من مثل ذلك. وما لم يُستغنَ عنه من هذه الكماليات صُنع في البلاد وكان ربحه لأبنائها.
ونسمع عن بلاد الناس أن الحكومات فيها تعمل على حفظ ثروة سكانها ومنعها أن تذهب إلى بلاد الأجانب ثمناً لتوافه لا ينفع وجودها، ولا يضر عدمها.
فما لنا نحن خاصةً -دون عباد الله- نضيع ثروتنا في هذه الكماليات؛ في السيارات الفخمة، والفراء وأدوات الزينة ووسائل الترفيه؟ حتى السكاكر (١)
стр. 66
صرنا نأتي بها من إنكلترا وأميركا ولعب الأطفال وعلب الدخان!
من أميركا التي كان من صادراتها إلينا دولة إسرائيل!
إن هذه الأموال التي يأخذونها منا يصنعون بها المدافع والقنابل فيرسلونها إلى إسرائيل. وإن هذه الكماليات التي يعطوننا إياها يأخذون بها منا رجولتنا وقوتنا ويحوّلون بها هذا النشء الجاد المكافح المناضل إلى نشء رخو ضعيف؛ همه زينته، وغايته لذاته.
يا أيها الناس،
إن البطل الذي يمشي حافياً وينام على الأرض ويسكن في الكوخ، خير من المخنث الذي يلبس الحرير، ويسكن القصور، ويركب سيارات الرولزرايس!
***
стр. 67
في الناس خير
حدثني سَمِيَّ؛ الأستاذ علي الطنطاوي القاضي، قال: أقمت على قضاء النبك قرابة عام (١)، ما كنت أكلف أحداً من أهلها مالاً يبذله لوجه من وجوه البر إلا لبّى، على فقر أهل النبك وقلة ذوات أيديهم.
وما ذلك إلا لأنهم وثقوا أن ما نجمعه نؤديه ولا نحتجزه، ونقر به ولا نجحده، ونسلمه إلى أربابه لا ننسى شيئاً منه في زوايا جيوبنا. وما وثقوا بنا لأنا أعدنا الخُطَب عليهم، وكررنا القول لهم، وزكينا لهم أنفسنا بألسنتنا (كما تنظف القطة نفسها بلسانها، أو كما يفعل المرشحون يوم الانتخاب)، بل لأنهم رأوا ذلك منّا بعيونهم: كان يوم الفقير من أيام سنة ١٩٤١ الذي ابتدعته الحكومة ذلك الوقت عوناً للفقير وتفريجاً عنه، أو دعاية لها وتثبيتاً لكراسيها، وأي ذلك كان فقد كان فيه خيرٌ للفقيرِ كبيرٌ.
وأَحبَّ قائم المقام أن يكون جمعاً نظيفاً فوكلني به -حسنَ ظن منه بي- فعمدت إلى طريقة يستحيل أن يدخل عليها زيف، أو تمكن معها سرقة: جمعنا الناس في رحبة البلد وجئنا بصناديق مقفلة لها في ظهورها
стр. 68
شقوق يُلقى منها المال، فحمّلناها أولاداً من أولاد المدرسة، وعمدنا إلى أكياس كبيرة وضعناها على ظهور دواب من دواب القرية، وسيّرنا ذلك أمامنا وسرنا مع ذلك الحشد. وجعلت أمام الموكب من ينادي: "هاتوا قليل، هاتوا كثير ... هاتوا قمح، هاتوا شعير ... كله مليح للفقير". فكان مَن يأتي بمال يرميه في الصندوق، ومَن يجيء بحبٍّ يلقيه في الكيس. ودرنا في الأسواق، وجزنا البيوت، حتى إذا أكملنا طوافنا عدنا إلى الرحبة فقعدنا ووقف الناس من حولنا وبسطنا بساطين، فطرحنا الحب على بساط، والمال على بساط، وكِلْنا وعدَدْنا ومئاتُ العيون -من حولنا- ترقب العد والكيل. وكنا قدم كتبنا أسماء الفقراء، على درجات فقرهم، في صحيفة؛ فقسمنا المال والحب عليهم، فجعلت أنادي الفقير فأدفع له وآخذ خطه بما استلم، حتى نفد ما جمعنا.
هذا ما وثّق الناس بي، ومن قبل رأى الناس في سنة ١٩٣٠ أسلوب الأمانة في التبرع لأطفال الصحراء؛ أبناء الثوار اللاجئين يومئذ إلى وادي السرحان، وكانت قد قامت به «الأيام» أيامَ كنت أعمل فيها (١)، وكان يقوم عليها الأستاذ عارف النكدي، فكان ينشر أسماء المتبرعين وصور الإيصالات في الجريدة، فيعرف الناس طريق المال من منبعه إلى مصبِّه، فيقبلون على الدفع إقبالاً عجيباً. ولو غير النكدي تولاه، أو على غير هذا الأسلوب جرى فيه، لما أقبلوا عليه.
وأنا ما قلت هذا (يقول صديقنا القاضي ...) فخراً بنفسي، ولا مدحاً للأستاذ النكدي، بل لأبيّن أن الناس لا يزال فيهم خير، ولا يزالون مستعدين للبذل في سبيل الله، بشرط أن يثقوا بأن أيدي الجامعين أيدٍ نظيفةٌ، وأن
стр. 69
المال يصل إلى وجوه الخير التي يُجمع من أجلها.
ونحن مقبلون على الشتاء، والدين الأخلاق والإنسانية، كل ذلك يوجب على كل حي من أحياء دمشق إعانة فقرائه على دهرهم. والناس إذا وثقوا بأن من يجمع المال لا يسرقه يعطون الكثير، فألّفوا في كل حي لجنة من المعروفين بالأمانة واجمعوا للفقراء، فإنه لا يجوز أن يأوي الأغنياء غداً إلى بيوتهم الناعمة وغرفهم الدافئة ويتركوا الفقراء واللاجئين لبرودة المساجد وشقاء الأكواخ.
***
стр. 70
كونوا مثل عمر
روى الإمام ابن عبد الحكم -في سيرة عمر بن عبد العزيز- أن عمر ﵁ كان يأمر أصحاب البريد أن يحملوا إليه كل كتاب يُدفع إليهم، فخرج البريد (الرسمي) من مصر يوماً، فدفعت جاريةٌ اسمها «فرتونة السوداء» مولاة رجل يسمى «ذا أصبح» كتاباً تذكر فيه أن جدار منزلها قصير وأنه يقتحم عليها منه فيسرق دجاجها.
فكتب إليها عمر: "بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح. بلغني كتابك وما ذكرت من قصر حائطك وأنه يدخل عليك فيه فيسرق دجاجك، وقد كتبت إلى أيوب بن شُرحبيل (١) آمره أن يبني لك ذلك حتى يحصنه مما تخافين إن شاء الله. والسلام".
فيا أيها القراء، سألتكم بالله: هل تتصورون أن يكون في الدنيا شخص أهون على الناس وأدنى منزلة فيهم وأقل شأناً من هذه الجارية السوداء؟ وهل تتصورون أن يكون في الدنيا رجل أسمى مكانة، وأكثر شغلاً، وأعز
стр. 71
وأكرم من عمر الذي كان يحكم -وحدَه- ما بين حدود فرنسا وحدود التُبَّت، لا رادّ لحكمه ولا ناقض لإبرامه، وليس فوقه إلا الله؟ وهل تتصورون أن يكون في الدنيا موضوع أتفه وأسخف من جدار فرتونة ودجاجها؟
ومع ذلك لم تمنع عمرَ بنَ عبد العزيز جلائلُ الأمور من أن يهتم بشكَاة فرتونة، ويكتب بشأنها إلى والي مصر وقائدها العام أيوب بن شرحبيل، وأن يجيبها مطمئناً ومخبراً.
هذا خبر من آلاف الأخبار التي يطفح بها تاريخنا أسوقه إلى رجلين: رجل يزهد في تاريخنا ويحقره ويولي وجهه تلقاء الغرب في كل شيء؛ يظن أن الخير لا يأتي إلا منه، والنور لا ينبثق إلا من جهته، وينسى أنها من الشرق تشرق الشمس، ومن الغرب تأتي الظلمات ... ورجل ولي ولاية، أو نال وزارة، فتكبر وتجبر، وطغى وبغى، وحسب أنه ساد الدنيا، فلم يعد يردّ على كتاب ولا يحفل بشكَاة ولا ينظر إلى أحد ... لعله يتنازل فيرضى أن يكون بمنزلة عمر الذي كانت الدولة السورية كلها ضيعةً واحدة في دولته، ثم لم يمنعه ذلك أن يهتم بحائط فرتونة السوداء ودجاجاتها، وأن يشغل والي مصر وقائد جندها بشأنها، وأن يرد بيده على كتابها!
ألا تتنازلون -يا سادتي- من معاليكم فتكونوا مثل عمر؟!
***
стр. 72
مثل الساعة !
لما وصل الترام ذات يوم إلى المرجة أخرجتُ ساعتي -على عادتي- لأضبطها، وقلت لجاري: "كم الساعة من فضلك؟ "، فنظر إلى ساعة المرجة وقال: "سبعة ونصف"، فقال الآخر: "بل هي سبعة ونصف وخمس دقائق".
فنزلنا من الترام ونظرنا، فإذا وجه الساعة الذي يواجه فندق أمية يختلف عن وجهها المقابل للمحافظة (ولم أنظر علامَ ما يدلُّ وجهها الثالث!).
فقال أحد الوقوف: "قبح الله هذه الساعة! " قلت: "وما لها؟ ". قال: "إنها سبقت المنافقين وإن المنافق بوجهين ولسانين، وهذه بثلاثة أوجه وثلاثة ألسنة".
قلت: إنك تتكلم عن منافقي الزمان الماضي، وقد ارتقت الدنيا اليوم وتقدم الناس، وصار من المنافقين من له خمسون وجهاً؛ يختار كل يوم الوجه المناسب كما يختار رباط عنقه! وله خمسون لساناً يركّبها عليها ويبدّلها -كلما تبدل الحكام- كما يغير ثيابه كلما تغير الجو! (وما أكثر ما تغير الجو من أيام الأتراك إلى أيام الفرنسيين إلى أيام الاستقلال والعهود التي جاءت بعده ... وهم -أبداً- جماعة كل عهد وأحباب كل حاكم). وكيف لا تكون هذه الساعة علَمَ الفوضى وقد أقيمت لتكون شارة الضبط والنظام؟ ألا ترى وجهها الغربي سابقاً لأن في الغرب الشوارع الفساح
стр. 73
وأحياء الأغنياء التي جعلتها المحافظة تسبق وتتقدم وتأخذ الذي لها والذي لغيرها، والوجه الشرقي يدل على التأخر لأن في الشرق المدينة القديمة الفقيرة التي لا تهتم بها المحافظة؟
قال الرجل: إنك تظلم المحافظة. وما للمحافظة يدٌ في فساد الساعة؛ إنما هم الكناسون يجيئون الفجرَ متأخرين فيدفعون عقرب الساعة بذنَب المكنسة.
قلت: الآن حزرت! إنه ذنَب المكنسة؛ ولكنه ذنَبٌ طويل يصل إلى كل ساعة في المحافظة وفي غير المحافظة فيفسدها ويضر الناس كلهم أبلغ الضرر ليجلب نفعاً قليلاً لفردٍ واحدٍ منهم. إنها أخلاقنا -يا صاحبي- سَرَتْ عدواها إلى الساعة؛ فلم يعد للوقت قيمة ولا ضابط، ولم يبقَ مِن دافع إلى الصدق ولا مانع من الكذب، وصار النفاق فضيلة، وغلبت مصالحُ الأفراد مصلحةَ الأمة.
إنها عدوى سرت إلى الساعة وهي حديد، فكيف لا تسري في النشء وهم من لحم ودم؟!
***
стр. 74
وظِّفوا الأصلح
أحب أن أرجع اليوم إلى هذه الكتب التي سماها أعداؤنا الكتب الصفراء لينفروا منها شبابنا ويصرفوهم عنها، لا حباً بهم بل خوفاً منها؛ فهم يعلمون أن في هذه الكتب ثروة لا تفنى من الفضائل والقوى، وهم لا يريدون أن تقوى. وفيها أقوى الدوافع إلى اليقظة والجهاد، وهم لا يحبون أن نتيقظ ولا أن نجاهد.
في هذه الكتب قاعدة من قواعد ديننا اشتمل عليها هذا الحديث الجليل؛ هي أن من ولى أحداً أمراً عاماً من أمور المسلمين، وفي الأمة من هو أصلح له وأقدر عليه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين. أي أن الحاكم الذي يعين موظفاً في وظيفة من الوظائف قبل أن يفتش ويبحث وينظر هل في الأمة من هو أصلح لها منه (وقبل أن يعلن الأمر ويدعو الراغبين فيها الصالحين لها إلى المسابقة) والذي يجعل من أسباب الترجيح والتقديم القرابة والصداقة والرابطة الحزبية .. والمنتخِب الذي ينتخب للنيابة رجلاً وفي المرشحين من هو أحسن منه .. والرئيس الذي ينتقي للوزارة رجلاً وعنده من هو خير منه .. كل أولئك ينطبق عليهم هذا الحديث.
والمسلم ليس الذي ينطق بالشهادة ويصلي ويصوم ويحج فقط، بل الذي يكون في أخلاقه ومسلكه متّبعاً ما جاء به الإسلام، واقفاً عند أمره
стр. 75
ونهيه، مؤثراً أحكامه على شهوات قلبه وميول حزبه. وإن للمسلم موازين ومقاييس يعرف بها هل هو مسلم حقاً، أم هو مدع منافق، فإذا كان من أولياء الأمر، وسمي له رجلان لوظيفة أحدهما نكرة مجهول لا صلة له به، بل ربما كان عدوه وخصيمه، وثانيهما صديق معروف، له عليه فضل المعونة في الانتخاب، وحق المشاركة في الحزب، وكان الأول أفضل منه بوزن شعرة واحدة، واختار الثاني للوظيفة ... فإنه يكون خائناً.
أقول هذا وأنا لا أريد وظيفة ولا أطلبها لصديق ولا قريب. ما أقوله إلا لأن على العالم أن ينصح، وعلى الكاتب أن يبين، فإذا سُمعت هذه النصيحة فإن الحمد لله، وإن مرت كأنها نسمة في صحراء، فإن حسبي أني قد بلّغت.
***