يرد عليّ كعادته، ولحظت أنه يسير منتفخاً كالكرة، شامخاً بأنفه إلى أعلى. فعجبت من شأنه وعزمت على التحدث إليه لأرى أي عظمة أفيضت عليه؛ أأصاب إرثاً من قريب له في أميركا (بلد المال) أم صار زعيماً في الشام (بلد الزعامات)؟ وإذا كان زعيماً فلماذا لا تصدره الشام إلى بلاد الله الأخرى، كما تصدر كل بلد ما تنتجه، فتعوض بإصدار هذا النوع ما خسرته من «القمر الدين» ولا تنتبه البلاد الأخرى إلى أنه «مغشوش» لأن الغش فيه فنيٌّ يصعب اكتشافه!
ولحقت به ففتحت معه باب الحديث: ها، سلامات سيد؟ ... سيد؟
- «فلان»! ... سلامات.
- كيف الحال، إن شاء الله بخير، لم أرك منذ مدة، هل كنت مسافراً؟ ماذا تعمل في هذه الأيام؟
- والله ... صحافي!
- صحافي؟ .. ها، لعلك درست في هذه السنين، وأحطت بما لا بد منه للصحافي من ثقافة واطلاع و ...
- درست؟ أنسيت أن متخرج من ...
- من الصف السادس الابتدائي. أعرف ذلك، ولكن الصحافة تحتاج إلى أكثر من هذه المعلومات. وكما أنه لا يجوز لامرئ أن يكون معلماً أو محامياً أو طبيباً إلّا بعلم وشهادة فكذلك لا يجوز لأي إنسان، جاهلاً كان أو ...
وكنت أريد أن أمضي في حديثي لأكشف النقطة التي خفيت على
стр. 212
كثيراً، لولا أنه فاجأني بقهقهة مريعة أرعبتني، وضربة على كتفي جعلتني أقف مبهوتاً، ثم قال: "شو ها الحكي؟ بلا علم بلا ثقافة؛ نحن في الشام! ".
فأدركت حقيقة الواقع المؤلمة، وانصرفت عنه وأنا أقول: ولهذا صارت الشام دون بلاد الله .. اللهم زد في صحافيينا المحترمين وبارك! (١)
...
стр. 213
أبناؤنا وتاريخنا (١)
نشرت نحو سنة ١٩٣٠
قالت لي أمس بُنَيَّةُ قريباتٍ لنا جئن يَزُرننا: أي شيء هي الخنساء؟
قلت: هي امرأة. فما يدريك أنت بالخنساء؟
فقهقهت ضاحكة، وقالت: وما يدريني؟ أنا من مدرسة الخنساء!
قلت: ويحك يا بنية، لا أكاد أفهم عنكِ، فما هي مدرسة الخنساء؟
فزادها سؤالي ضحكاً، وانطلقت تثب وتقفز، وتشير بيديها، وهي تقول: أنت لا تفهم! هي مدرستنا، مدرستنا، صار اسمها مدرسة الخنساء.
ثم عادت إليّ فسألتني: والآن، هل فهمت؟ قل لي، لماذا سمّوا المدرسة باسم الخنساء؟
قلت: لأنها كانت عظيمة.
قالت: يعني ماذا؟
قلت: إنها كانت شاعرة؛ تنظم الشعر.
قالت: مثل المحفوظات؟
стр. 214
قلت: نعم، ثم إنها كانت امرأة عاقلة، مسلمة، جريئة ...
قالت: أريد أن أكون مثل هذه الخنساء!
قلت: إذن فكوني من اليوم عاقلةً مسلمة جريئة ...
قالت: وأعمل محفوظات!
قلت: لا. ليس الآن!
...
وجلست أفكر في هذه السنّة الحسنة التي استنّتها وزارتنا الجليلة، وأفكر في أن كل تلميذة في هذه المدرسة ستسأل عن الخنساء، وستتعلم كثيراً من الفضائل، وكثيراً من السجايا، وأن كل تلميذ في مدرسة الصديق والفاروق وخالد بن الوليد ﵃ سيسأل عن خالد والفاروق والصديق، حتى يعلموا جميعاً أن هؤلاء الأبطال الذين ملكوا زمام الدهر، وكانوا سادة الدنيا وأساتذة العالم، والذين هم فخر الإنسانية وخلاصتها، إنما هم أجدادهم وأسلافهم، الذين يجب عليهم أن يفخروا بهم، ويسيروا على سننهم، ويبعثوا مجدهم بعثاً جديداً.
***
стр. 215
أبناؤنا وتاريخنا (٢)
نشرت نحو سنة ١٩٣٠
وإني لفي ذاك وإذا بالباب يُدق، وإذا بصديق لي من كرام الحجازيين جاء يزورني، فاستقبلته وحييته وملت معه بالحديث يميناً وشمالاً، ثم قلت له: ألك في أن تسمع طفلة صغيرة تسأل عن الخنساء وتَتَقصّى حديثها، وترجو أن تكون مثلها؟
قال: ما أرغبني في ذلك!
فناديت: يا فلانة ... أقبلي.
فجاءت تعدو، وجاء معها أخ لها في الصف الخامس، أي أنه سيكون مشهوداً له بعد ثلاثة أشهر بأنه أكمل الدراسة الابتدائية. فسرني أن يأتي معها، وقلت في نفسي: لعل الصغيرة تعجز أو تجبن عن الجواب، فيجيب هذا ولا تسودُّ وجوهنا أمام ضيفنا.
وآنسها الضيف ولاطفها، ثم قال: يا بنيّة! بلغني عنكِ ان نك تحبين التاريخ، وإني سائلك سؤالاً هيناً، فإذا أنت عرفتِه، فلك هذه السكرة. وأخرج لها سكرة محشوة، سال لها لعاب الطفلة، فقالت: سَلْ!
فقال: وإني مسهّلٌ عليك السؤال، ما اسم والد النبي ﷺ ؟
стр. 216
قالت: لا أدري.
قال: من هو أبو بكر؟
قالت: ما هذا تاريخنا. نحن لم نصل إلى هذا، سلني عن الحثيين، عن العبرانيين، عن ...
فكاد يطير عقل الرجل من رأسه، وما من رجل عربي مسلم لا يطير لمثل هذا عقله، وقال لي: أفتقرأ ناشئتكم تاريخ الحثيين والعبرانيين قبل أن تعرف سيرة محمد رسول الله ﷺ ، وقبل أن تعرف من هو أبو بكر ﵁؟
قلت وأنا أرشح عرقاً: هذه طفلة لا تفهم، سَلْ هذا فهو في الصف الابتدائي الأخير.
فقال لهذا: تعال يا بنى، أخبرني عن سيرة محمد بن القاسم الثقفي؛ الفاتح العظيم.
قال: هذا ما قرأناه، ولكن إن شئت أخبرتك عن سيرة نابليون.
فحوقل الرجل واسترجع، وقال: إذن فاحكِ لي تاريخ سيف الدولة صديق الشعراء ومشجع الأدباء.
قال: ما درسناه. ولكن إن شئت حكيت لك تاريخ لويس الرابع عشر، فإنه صديق الشعراء، ومشجع الأدباء، ولولاه ما نشأ -من بعد- مونتسكيو وروسو وفولتير.
قال: ومن هؤلاء؟
قال: أدباء وكتاب.
стр. 217
قال: أظنك تعرف عنهم مثلما تعرف عن ابن خلدون والغزالي.
قال: أما هذان فما أعرفهما!
قال: فمثلما تعرف من سيرة أبي حنيفة والشافعي؟
قال: إذن أسقط في الامتحان، إن كل ما أعرف عن أبي حنيفة والشافعي أنهما أبو حنيفة والشافعي. ولكن أعرف تاريخ الحضارة الأوربية في القرون الوسطى، وأعرف وقائع نابليون كلها.
قال الرجل: مثلما تعرف عن وقعة اليرموك والقادسية؟
قال: ليس في تاريخنا يرموك ولا قادسية!
قال الرجل: حسبك، حسبك.
ونظر إليّ نظرة كانت أبلغ من خطبة، ومسح دمعة الشرف التي سالت على خده، ثم قام مودعاً، وأنا أودّ لو تبتلعني الأرض.
***
стр. 218
القسم الثالث
مقالات قصيرة نقلت عن أصول مخطوطة لم تُنشر من قبل وقد كُتب أكثرها لبرنامجه الإذاعة والرائي بين عامي ١٩٦٦ و ١٩٧٢
стр. 219
ديننا واضح
ألقيت محاضرة في الأسبوع الذي مضى عنوانها «مع الدعوة الإسلامية في هذه الأربعين سنة الأخيرة» تكلمت فيها ساعتين ولم أبلغ نصفها. ولا أعيدها عليكم هنا، ولا تتسع هذه الدقائق الخمس لها. ولكن أعرض فقرة منها.
قلت إن الدعوة الإسلامية مرت في هذا السنين الأربعين بمراحل ثلاث: كنا في أوائلها نقرأ لقدماء الدعاة (كفريد وجدي ورشيد رضا) مقالات من الإسلام وأنه لا يظلم المرأة وأنه لا يدعو إلى التعصب المذموم؛ يدفعون عن الإسلام هجمات خصومه، ولكنهم ينظرون إلى الإسلام كأنه متهم أمام المحكمة، وكأنهم هم المحامون عنه.
ثم انتقلنا إلى المرحلة الثانية، فكنا نقرأ للكتاب الإسلاميين مقالات في ديموقراطية الإسلام، والوطنية في الإسلام، ثم في الاشتراكية في الإسلام. كأن من وظيفة الدعاة إلى الإسلام أن يجعلوه ثوباً مرقعاً، فكلما ظهر في الغرب مذهب سياسي أو اقتصادي، وفُتن الناس به، وأقبلوا عليه، فتشنا عن شبه بينه وبين الإسلام، ثم زعمنا أن الإسلام يقوم به ويقرّه.
ثم انتقلنا (أو انتقل الواعون من الدعاة) إلى المرحلة الثالثة؛ فأعلنوا أن الإسلام نظام كامل، يحل المشكلات كلها؛ السياسية منها والاجتماعية
стр. 220
والاقتصادية على طريقته وأسلوبه، ولا تستعصي فيه مشكلة على الحل، وليس عنده داء لا يجد له دواء. ولا يهمنا -بعد ذلك- إذا وافق مذاهب الخصوم أو وافقها، فلا نزداد إيماناً بصحة ديننا إذا وجدناه يقر بعض الجزئيات التي تشابه أمثالها في المذاهب السياسية أو الاقتصادية، ولا نشك في ديننا ولا يضعف به إيماننا إن خالف هذه المذاهب وسار في غير طريقها.
وديننا في الأصل دين ظاهر مكشوف، ليس فيه حجب ولا أستار، ولا خفايا ولا أسرار. إن دستورنا يُعلَن خمس مرات كل يوم من رؤوس المآذن: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة (وهو قانون النجاة في الآخرة)، حي على الفلاح (قانون النجاح في الدنيا). فهل رأيتم أو سمعتم بدولة أو حزب أو جماعة يعلَن قانونها الأساسي خمس مرات كل يوم على السطوح؟
لذلك نبين هنا كل شيء بوضوح؛ لا نبالي برضا من رضي وسخط من سخط. هذا هو ديننا، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن أسس ديننا التي أقرّها كتاب ربنا ونزل بها جبريل من فوق سبع سماوات على نبينا قوله تعالى: ﴿إنّمَا المُؤْمِنونَ إخوة﴾. أخوّة عقدت عقدتها يد الله، فلن تحلها يد بشر. المؤمنون جميعاً إخوة؛ على اختلاف ألوانهم، وتباين لغاتهم، وتعدد هيئاتهم، وتنائي ديارهم.
أخوّة أقوى من أخوة النسب، ورابطة أمتن من رابطة الدم. فمن أنكرها أو شكّ فيها، أو أحلّ محلها أخوة غيرها فقال بأخوة الدم أو أخوة اللسان أو أخوة المذهب السياسي أو الاقتصادي، فقد دعا بدعوة الجاهلية وخالف القرآن، وصار -في حكم الشرع- مرتداً خارجاً عن الإسلام.
***
стр. 221
الله أكبر
لو سألكم سائل: إن لكل مذهب ولكل دولة ولكل جماعة شعاراً معروفاً؛ كلمة أو كلمات تردد دائماً لئلا تُنسى، فما هو شعار الإسلام؟ فأجيبوا بلا تردد بأن شعار الإسلام هو «الله أكبر».
هذا هو شعارنا الذي تردده مآذننا في أرجاء الأرض المسلمة خمس مرات كل يوم؛ تدعونا إلى مساجدنا لإقامة صلواتنا. ونكرره في كل ركعة من ركعات الصلاة ست مرات. وتهدر به جيوشنا إذا مشت للجهاد في سبيل الله.
يقول المؤذن: حان موعد وقوفكم بين يدي الله، فدعوا كل أمر من أمور الدنيا -مهما كان كبيراً- فالله أكبر. وكلما جاء الشيطان ليصرف المصلي عن الصلاة ... يقول له: إن في الدكان صفقة تجارية كبيرة، قال: أنا الآن بين يدي الله والله أكبر ... ويقول له: إن أمامك موعداً مع فلان الكبير، الله أكبر ... وكلما وسوس إليه ليصرفه عن صلاته دفع في صدره وقال الله أكبر.
وإذا اصطف المسلمون للقتال ورأوا جيش العدو كبيراً كثير العدد ذكروا أنهم مع الله وأن الله أكبر.
стр. 222
الله أكبر ... كم هتف بها المسلمون في معاركهم، فارتجّت منها الأرض، وتزعزعت منها الحصون، وانتزعوا بها النصر من فم العدو، وأزاحوا بها التيجان عن رؤوس الجبارين.
الله أكبر ... كم نادوا بها أمام كل قلعة، وفوق كل رابية، وفي قمة كل جبل، وفي قرارة كل واد، من مسيرتهم المباركة من مدينة محمد ﷺ إلى الشام ومصر وإفريقية والأندلس، حتى بلغوا قلب فرنسا من هنا ... ومسيرتهم المباركة إلى العراق وفارس والأفغان وتركستان والهند، حتى بلغوا أقصى المشرق من هناك.
الله أكبر ... كم أعلنها المسلمون في مساجدهم أيام أعيادهم، فرددتها معهم جدران المساجد ومآذنها، والأرض من حولها، وكررتها الدنيا معها.
هذا هو ديننا، دين معلن، لا خفايا ولا أسرار، ولا حجب ولا أستار. عقائدنا نعلنها خمس مرات كل يوم على المآذن: «الله أكبر». لا نستكبر أحداً إن كنا مع الله، ولا نخاف أحداً، ولا نخشى في الكون شيئاً؛ لأن الله أكبر من كل شيء.
«أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله»: هذا هو الدستور الأساسي للمسلمين.
«حيّ على الصلاة»: أي على العبادة والطاعة والعمل لما بعد الموت.
«حيّ على الفلاح»: أي على كل ما فيه نجاحنا في الدنيا وفي الآخرة.
«الله أكبر»: هذا هو شعارنا يسري في هدأة الليل ونحن نيام؛ لنترك النوم، ونذهب إلى الصلاة التي هي خير من النوم. وفي وضح النهار ونحن نعمل لنترك العمل ونذهب إلى الصلاة.
стр. 223
الله أكبر ... هذا شعارنا.
قالها أجدادنا بألسنتهم معلنين بها، وبقلوبهم مؤمنين بمعناها، وقالوها بأعمالهم وبسلوكهم في الحياة؛ فحكموا بها ما بين قلب أوربا وقلب آسيا، ونصبوا راية محمد ﷺ على ثلث كرة الأرض. وقلناها نحن بألسنتنا فقط. فـ ... فأنتم تعلمون ماذا نزل بنا!
فإذا أردتم أن يعود إليكم النصر، فعودوا إلى الله وكونوا معه، ولا تخشوا كبيراً، فالله أكبر.
***
стр. 224
الأدب والتربية
كنت قاعداً أفكر في موضوع أتحدث به إليكم (وأصعب شيء على المحدث اختيار الموضوع، لا سيّما إذا كان مثلي يحدث الناس من قديم، من أكثر من ربع قرن)، وإذا بي أسمع من رادّ الجيران أغنية: «أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر».
وأنا قديم الإعجاب بهذه القطعة؛ فهي من أروع ما قال أبو فراس، فانصرفت أتتبع الرادّ بسمعي، وإذا بي أنتبه إلى شيء عجيب في هذه القطعة لم أنتبه له من قبل: بيت فيها يوحي إلى سامعه بما يأباه الدين، ينكره الخلق الرفيع؛ لأن الدين والخلق يدفعان إلى الإيثار وحب الناس، وهذا البيت يدفع إلى الأثرة (أو الأنانية كما يقولون اليوم) وحب الذات، بل إن فيه أبشع صور الأنانية وأبعدها عن الخلق القويم، هو قوله: «إذا مت ظمآناً فلا نزل القَطْرُ».
انظروا كم بين قوله هذا وبين قول المعري:
فلا نزلت عليّ ولا بأرضي ... سحائبُ ليس تنتظمُ البلادا
أبو فراس ينحط إلى أدنى دركات الأثرة والأنانية؛ لا يرتفع درجة فيهتم بأهل أو ولد، ولا يرتفع درجة أخرى فيهتم ببلد أو وطن. إنه لا يبالي إلا بنفسه. فإذا مات عطشان فلينقطع المطر، وليحترق الزرع، ولتقفر الأرض،
стр. 225
وليعم القحط، وليهلك القريب والبعيد، والصديق والعدو، ولا يبقى أحد.
والمعري يرتفع إلى أعلى درجات الإيثار فلا يرضى أن ينزل المطر عليه ولا على أرضه وحدها، لا يرتضي إلا غيثاً عاماً يشمل خيره البلاد والعباد. كم بين هذا وبين قوله ذلك البيت: وإذا مت ظمآناً فلا نزل المطر؟!
ومثله البيت الآخر:
ونحن أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر
الصدر أو القبر؟ أما من توسط بينهما؟ هذا -والله- أسوأ منهج في الحياة!
أي أنك إذا ركبت في سفينة ومعك أهلك وولدك وأوشكت على الغرق فقال لك الربان: ألقِ في البحر نصف أمتعتك تخلص من الغرق، قلت: لا، لنا الصدر دون العالمين أو القبر. فإما أن أنجو بمتاعي كله أو أن أموت أنا أهلي.
وأن الطالب في الامتحان إذا ألقي عليه سؤال رأى أنه إن أجاب عليه نال درجة النجاح ولكن لم ينل درجة التفوق، قال: لنا الصدر ... ، فإما مئة على مئة وإما الصفر.
والتاجر إذا أمل أن يربح في البضاعة ألفاً، فنقص ربحه مئتان ركب رأسه وقال: لا، لنا الصدر ... ، وآثر أن يخسر ثمن البضاعة كله عن أن ينقص ربحه مئتان.
إن من المؤسف أن هذا البيت قد جرى على ألسنة الناس واتخذه كثير منهم منهاجاً لحياتهم، فأضاع على من أخذ به خيراً كثيراً.
стр. 226
وأنا أتمنى أن يتنبه إخواننا مدرسو الأدب العربي، فلا يقتصروا على بلاغة اللفظ حين يختارون النصوص والشواهد للطلاب؛ فبلاغة اللفظ هي المعيار الأول للكلام في رأي أستاذ الأدب، ولكنها لا تكفي وحدها، بل يجب أن ينظر إلى ما تثير في نفس الطالب من ميول، وما توحي به من توجيه في الحياة، وما يكون لها من أثر في الخلق وفي السلوك.
إن خطة زياد -مثلاً- من أبلغ الخطب، وخطبة الحجاج مثلها، وهما نافعتان في تقويم الملكة الأدبية؛ ولكن ما توحيان به من توجه سيء جداً؛ ففيهما إعلان خطة الظلم التي ينكرها الإسلام في أخذ البريء بالمجرم في خطبة زياد، وطريقة الاستبداد التي يأباها الدين في خطبة الحجاج ... وفي دراسة نقائض جرير والفرزدق أدب كثير، وفيها -كما قال يونس- ربع اللغة، وهي أنفع شيء في إقامة اللسان وتقوية السليقة، ولكنها توحي بتحسين الأعراف الجاهلية في الحياة؛ تلك الأعراف التي كان إبطالها من جملة أغراض الإسلام ... وفي شعر بشار وأبي نواس وأمثالهما أدب كثير، ولكن فيه هدم الأخلاق، ونشر الفساد ... وفي شعر أبي العتاهية أدب كثير ولكن فيه قتل الطموح والاستسلام لليأس ... والشواهد كثيرة.
وأنا ما أردت الاستقصاء، لكن التمثيل؛ لأبيّن أن أستاذ الأدب يستطيع أن يكون موجهاً ومصلحاً إذا لم يكتفِ -عند اختيار النصوص للدراسة والاستظهار- ببلاغة لفظها وصفاء ديباجتها، بل نظر إلى ما توحي به من خلق وما تشتمل عليه من توجيه.
***
стр. 227
نحن والحضارة الحديثة (١)
هل تعرفون أن العرب يسمون الشيخ المسن «الكُنتيّ»؟ إنها نسبة غريبة إلى قوله «كنت» و «كنت»؛ لأن الشاب يعيش في المستقبل، يقول: "سأكون غداً"، أما الشيخ فيعيش في الماضي، يقول: "كنت أمس".
وأنا سأعترف الليلة بأني شيخ؛ لأني سأحدثكم حديث الماضي. لا أقول: «كنتُ»، فما عن نفسي أتحدث، ولكن أقول: «كنّا».
تذكرت الماضي وأنا أستمع اليوم إلى الإذاعة من رادّ صغير أمامي، وقلت عندنا الرادّ (أي الراديو) والرائي (أي التلفزيون)، وآلات التسجيل، والبرّاد، وموقد الغاز ... فهل تدرون أننا لم نكن نعرف ونحن صغار في دمشق، بل لم تكن دمشق تعرف شيئاً من ذلك كله؟!
كنا نعيش في البلدة القديمة، ولم يكن قد فتح شارع واحد من هذه الشوارع التي تمتلئ بها اليوم دمشق، وأول شارع فيها شقه جمال باشا سنة ١٩١٦ ميلادية، أيام الحرب الأولى. وكنّا إذا جنّ الليل أوقدنا مصابيح الكاز (الكازات) وكانت صغيرة، فلما ارتقينا جاءت (الكازات نمرة ٤) ذات الفتيل العريض. ولم أعرف الكهرباء إلا وأنا تلميذ في السنة الخامسة الابتدائية، أوصلوا إلينا شريطاً من دار الجيران، فلما خبرت التلاميذ في المدرسة بأننا نشعل المصباح بلا كبريت وزيت كذبوني، فضربتهم، فجاء
стр. 228
الأستاذ فضربني، وأعلن في الطلاب أني أكبر كذاب في المدرسة لأني أدّعي أن عندنا مصباحاً يشعل بلا كبريت ولا زيت.
وعرفنا السيارة يومئذ. جاءت دمشقَ سيارة واحدة، من سيارات فورد القديمة ذات الدرجة والدواليب الدقيقة العالية وسقف القماش، وكان الناس يزدحمون على جوانب الطرق حين كان يركبها جمال باشا؛ يتعجبون منها ويخشونها، ولا يصدقون أنها تمشي وحدها من غير أن تجرها الخيل. وعرفنا الطيارة وكانت ذات جناحين دقيقين، لا تحمل إلا راكبين اثنين.
أما الراد (الراديو) فلم يكن موجوداً في الدنيا -فيما أعلم- فضلاً عن الرائي (التلفزيون) وأدوات المطبخ الكهربائية، والكناسة الكهربائية، والمصعد الكهربائي.
ولم يكن على أيامنا إلا أربع مدارس ابتدائية في دمشق، وثانوية واحدة كاملة في سورية كلها. وكان في جامعة دمشق -لما كنا طلاباً فيها من قبل خمس وثلاثين سنة- أقل من ثلاثمئة طالب، فصار الآن فيها في كلية الآداب وحدها أربعة عشر ألف طالب.
وصار في كل بيت من بيوت المملكة في مدنها وقراها رادّ، وفي كثير منها تلفزيون، وفي أكثر عماراتها مصاعد، وفي أكثر مطابخها أحدث الآلات. مع أني -لما جئت مكة أول مرة- كانت المعابدة جبلاً أجرد، وجدة لها سور وله أبواب، والرياض أعرفها وما فيها إلا «الديرة» ذات الأسواق التي عرضها متران. ولم تكن الكهرباء إلا في الحرم المكي فقط، توقد من محرك خاص.
لقد تقدمت بلادنا كلها وتحضرت، وما كنّا نتعجب نحن منه قديماً صار اليوم مألوفاً للبدوي لا يرى فيه عجباً، بل إنه ليقتني من الآلات والأدوات
стр. 229
ما لم نكن نعرفه نتخيله تخيلاً ولا نعلم بأنه يمكن أن يوجد.
لقد أخذنا من هذه الحضارة بأَكبر الحظوظ، ولكن السؤال الذي سقت من أجله هذا الحديث هو:
هل نحن اليوم أسعد حالاً مما كان عليه أجدادنا؟ هل يعدل ما ربحناه من متع العيش وسهولة الحياة، ما خسرناه من الدين والخلق؟
أنا لا أقول: اتركوا ما أخذتموه من مظاهر الحضارة، ولكن أسأل فقط والبقية غداً إن شاء الله.
***
стр. 230
نحن والحضارة الحديثة (٢)
ظن قوم أن حديثي بالأمس دعوة إلى ترك مظاهر الحضارة والابتعاد عنها. وعجب هذا الظن!
هل أنا مجنون حتى أقول دعوا السيارة واركبوا الحمار، واتركوا طيارة البوينغ وعودوا إلى الإبل، واقطعوا أسلاك الكهرباء وأشعلوا مصابيح الزيت، واتركوا المستشفيات وتداووا بأعشاب البادية، وإذا قاتلتكم إسرائيل بالصواريخ والطيارات والدبابات فقاتلوها بالسيف والرمح والقوس والنشّاب؟!
لا يا سادة، لا يقول هذا إلا مجنون.
ولكن أقول: أما كان من الممكن أن نأخذ النافع من هذه الحضارة ونترك الضار؟ وأن نجعل الشرع هو الميزان؛ فما كان محرّماً نتركه ولو أجمع الناس على الأخذ به، وما لم يكن محرماً وكان نافعاً نأخذه؟
والحضارة العالمية مثل بناء له ثلاثة أدوار، أنشأ الدورَ الأول دولُ الشرق الأدنى في القرون الأولى: الفراعنة والفنيقيون والحثيون والبابليون، ثم اليونان والرومان.
وأنشأ الدورَ الثاني فوقه المسلمون في القرون المتوسطة. فالقرون الوسطى كانت عصور تأخر ووحشية في أوروبا ولكنها كانت في الشرق
стр. 231
الإسلامي عصور تقدم ومدنية.
وأنشأ الدورَ الثالث فوقه الإفرنج.
فنحن -المسلمين- لسنا غرباء عن هذه الحضارة، بل نحن من أصحابها، ونحن شركاء في صرحها. ولكنا نمنا دهراً والقافلة تمشي فأضعنا مكاننا في المقدمة، فلما استيقظنا هرعنا لنستعيد ما أضعنا.
وفي إبان يقظتنا وجدنا شيئاً لا عهد لنا به، فوقف فريقان منّا موقفين غريبين: فريق أخذ بكل ما جاءت به هذه الحضارة أخْذَ تقليد بلا فهم ولا تمييز، وهذا خطأ ... وفريق رفض كل ما جاءت به بلا فهم ولا تمييز، وهذا خطأ.
والصواب أن نأخذ ما لا يخالف الثابت في ديننا ولا يناقض الصحيح من سلائقنا وعاداتنا، ما دام فيه النفع لنا.
ولماذا نرفض نِعَم الحضارة؟
إن أفقر فقير فينا يعيش أحسن من عيشة عبد الملك بن مروان وهارون الرشيد. عبد الملك كانت له ضرس منخورة وكان به بَخَر من ذلك (أي أن رائحة فمه كانت قبيحة) ولم يجد طبيباً يحشوها له، وأفقر فقير فينا يجد الطبيب الذي يحشو الضرس ويلبسها.
وأبو جعفر المنصور كان يشكو من أمعائه ويتألم منها، فلا يجد حبة أنتروفيوفورم أو حبة نوفالجين، وأفقر فقير فينا يجدها فيسكن ألمه، وتتطهر من الجراثيم أمعاؤه.
وهارون الرشيد كان يسافر على الإبل وعلى الدواب، ويقطع الطريق
стр. 232
من بغداد إلى مكة في شهرين، وأي واحد فينا يستطيع أن يركب الطيارة، ويقطع هذا الطريق في ساعتين.
فمن الذي يقول إن علينا أن نرفض نِعَم هذه الحضارة؟ ﴿مَنْ حَرّمَ زينةَ اللهِ التي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطيّباتِ مِنَ الرّزْق؟﴾.
لا، ولكن الذي نقوله إن علينا أن نرفض رفضاً باتاً ما يفسد عقائدنا ويوقعنا في المحرمات، ولو عدّه الناس كلهم من أركان الحضارة ومن لوازم الحياة.
***
стр. 233
النفقات
حديث اليوم باب من الفقه. لا، لن أسرد عليكم الأحكام سرداً، ولن أفتح الكتاب وأقرأ عليكم؛ فالكتب عندكم ويستطع من شاء أن يقرأ فيها. ولكني أثبت لكم أن فقهنا الإسلامي كنز لا ينفد، وأنه نبع للخير في كل زمان ومكان، وأنه هو وحده الذي يحقق العدالة الاجتماعية، التي صدعوا رؤوسنا بترديد اسمها، ولم نجد عندهم أثراً من رسمها.
هذا الباب هو باب النفقات، وإذا سمحتم قلت لكم كيف انتبهت إليه.
كنت سنة ١٩٤١، من خمس وعشرين سنة، قاضياً في منطقةٍ في الشام اسمها جبل القلمون. وكانت تلك السنة من أشد السنوات على الناس؛ فهي سنة شدة الحرب وعضتها، قد قلّت الأقوات وعم الضُّر، وكانت هذه المنطقة -بطبيعتها- أرضاً جبلية قليلة الزرع والضرع، يعيش أهلها على الهجرة إلى أميركا، فلم تكن أسرة تخلو من مغترب موسر، وسائر أفراد الأسرة فقراء.
ولقد ألهمني الله أسلوباً في الجمع والتوزيع سميته «مشروع الرغيف»، اتبعناه في هذه القرى فنجح وقلدونا فاتبعوه في الشام؛ وهو أن نوكل من يدور كل صباح على البيوت، فيجمع من بيوت الموسرين والمتوسطين رغيفاً رغيفاً (والرغيف سهل عطاؤه، لا سيّما على هؤلاء الناس الذين تعودوا
стр. 234
أن يعجنوا ويخبزوا في بيوتهم، والخبز عندهم كثير). فكنا نجمع كل يوم مئات من الأرغفة؛ أي من أقراص الخبز، ونوزعها فنسد بعض الثغرة، ولكنها لم تحل الأزمة.
فانتبهت إلى باب النفقات في الفقه. وكنت أعمل به في المحكمة ولكن لم أنتبه إلى أثره في التضامن الاجتماعي.
وحكم النفقات شرعاً أن الزوجة نفقتها على زوجها ولو كانت تملك مليون ريال. أما غير الزوجة، فإن نفقة كل إنسان في ماله، لا يُكلف أحد بالإنفاق على أحد. حتى الولد الصغير، إن كان له مال ورثه من أمه مثلاً، أو من أحد أقربائه، لم يكلف أبوه بأن ينفق عليه، بل تكون نفقته من ماله.
فإن كان الإنسان فقيراً ليس عنده ما ينفق منه؟ إذا كان رجلا ًكُلف بأن يعمل؛ لأن الإسلام لا يسمح للرجل القادر القوي أن يعيش على الصدقات ولو كان فقيراً، ولا يقول له: اقعد في بيتك وتمدد واضطجع، أو اذهب إلى القهوة وخذ النفقة من الناس، إلا إذا كان والداً أو جداً وكان فقيراً وله ولد أو حفيد غني؛ فله أخذ النفقة منه.
فإذا كان عجوزاً كبيراً، أو كان مريضاً لا يستطع أن يشتغل، أو كان قد بحث عن عمل ولم يجد واضطر إلى البطالة اضطراراً فإن له أخذ النفقة.
والمرأة يكفي أن تكون فقيرة ليكون لها أخذ النفقة، ولا نقول لها اشتغلي؛ لأن الإسلام لا يكلف المرأة بالعمل بل يوجب نفقتها على الرجل. فإن كان لها زوج فنفقتها على زوجها، وإن لم يكن لها زوج وكانت فقيرة فعلى أقربائها.
ولكن على من تجب النفقة؟
стр. 235
إذا كانت المرأة فقيرة ما عندها ما تنفق منه، أو كان الرجل فقيراً ولا يستطيع العمال، فممّن يأخذ النفقة؟ ننظر في أقربائه: مَن الذي يرثه منهم إذا مات؟ فما كان يرثه إذا مات يُكلّف بنفقته إذا افتقر. فإذا كان الورثة متعددين، دفع كل منهم من النفقة بمقدار إرثه.
أعود إلى قصتي: لما رأيت ذلك أوعزت إلى خطباء المساجد وإلى المدرسين أن ينبهوا الناس إلى هذا؛ فصار كل فقير يفتش في أسرته عن قريب موسر، فإذا وجده ولم يعطِه أقام الدعوى عليه. وكثرت الدعاوى لدي، وصدرت فيها الأحكام.
فهل تصدقون إذا قلت لكم إنه لم يبق من الفقراء بلا نفقة إلا القليل، القليل الذين لا قريب لهم، وهؤلاء نفقتهم شرعاً على بيت المال. وتحقق نوع من التضامن الاجتماعي، تضامن بين الأسر ليس له نظير.
وهذا الباب مفتوح: الأب الفقير إذا كان له أولاد أغنياء يستطيع أن يطالبهم بالنفقة، والمرأة الفقيرة تطالب ولدها أو أباها أو أخاها، وكل فقير ينظر من هم ورثته إذا مات فيطالبهم بالنفقة، فإذا لم يعطوه اختياراً ذهب إلى القاضي فألزمهم القاضي بها إجباراً. فهل في قانون من قوانين الدنيا مثل هذا التضامن بين الأسر والعائلات؟
وهذا مثال من مئات الأمثلة على أن هذا الفقه الذي تركناه (في أكثر بلدان المسلمين) -مع الأسف- وأخذنا القانون المدني كنز لا ينفد، وأنه يصلح لكل زمان ومكان.
***
стр. 236
والوصايا
هل تذكرون حديثي الماضي؟ إن حديث اليوم موصول به؛ إنه باب آخر من أبواب الفقه، وهو -لو انتبهنا- باب آخر من أبواب التضامن الاجتماعي.
لما كنت في المحكمة جاءتنا امرأة عجوز تملك أكثر من ثلاثمئة ألف ليرة، وهي تريد أن توصي بثلثها، بمئة ألف ليرة. هل تتصورون فيم تريد أن تنفقها؟
في الجنازة التي يتقدمها الآس؛ مجموعة أوراق على شكل عمود طويل مربوط بالأشرطة الحريرية كما هي العادة في الشام، وعلب الحناء، وموسيقى (مزيكة) الإسعاف، وفريق المولوية، وأمثال هذه الترهات والبدع التي لا يستفيد منها الميت ولا ينتفع بها الأحياء، ثم على ولائم المآتم التي يُدعى إليها الأغنياء ويُطرد عنها الفقراء، ثم لأيام التعزية التي يُؤتى فيها بالقارئ فيقرأ القرآن في غرفة وحدَه، والناس لا يصغون إليه ولا يتدبرون ما يقرأ، بل يشتغلون بالاستقبال والوداع وتدوير القهوة وشرب الدخان، ثم بحفلات الخميس والأربعين، وأمثال هذا.
فقلت لها: يا خالة، هذه أمور لا ترضي الله وليس لك فيها ثواب، فلو وضعت هذا المال في موضعه؛ لمدرسة أو لمستشفى أو للفقراء من
стр. 237
الناس؟ فأبت وقالت إنها تريد جنازة فخمة. فقلت: إن الجنازة لا تفيدك في الآخرة بل يفيدك العمل الصالح. فأبت.
وهذه وصية واحدة من مئاتٍ تسجل كل سنة في محكمة واحدة فقط، فكم يبلغ مجموع الوصايا في البلاد الإسلامية كل سنة؟
إن هذه الوصايا يريد أصحابها الخير والثواب ولكن ما عرفوا طريقه. ولو تألفت لجنة لتنظيم هذه الوصايا وإقناع أصحابها بوضعها في طرق الخير؛ في صدقة جارية، أو علم نافع: فتح مدرسة، أو طبع كتاب، أو تشجيع طلبة العلم الديني، ثم عُمل لها صندوق لحققت أعمالاً نراها الآن كالخيال.
الوصية سنّة، وكل مسلم عليه أن يعد وصية. وإن كان الأفضل أن تنفق في حياتك؛ أن تنفق وأنت صحيح شحيح تخاف الفقر وترجو الغنى، كما جاء في الخبر.
أراد شيخ من المشايخ أن يعرّف تلاميذه الفرق بين من ينفق في حياته وبين من يوصي بالإنفاق من بعده، وكان يمشي معهم في زقاق مظلم ومعهم فانوس فيه شمعة، فأخر الفانوس ومشى به وراءهم فلم يروا طريقهم إلا قليلاً، فقدمه ومشى به أمامهم فكشف لهم الطريق. فقال: هذا هو الفرق بين من يقدم الصدقة بين يديه وبين من يؤخرها. وإن كان تأخيرها والوصية بها فيه ثواب.
الوصية سنة، ولكن لا يجوز أن يوصي لأحد من ورثته، فإن الله هو الذي تولى توزيع الإرث. فإذا فأراد إعطاء أحد من ورثته فليعطه في حياته، مع العلم بأن تمييز أحد على أحد في العطاء -بلا سبب- غيرُ شرعي. إذا كان لك زوجتان فوهبت لهذه في حياتك داراً أو ألف ريال وحرمت الأخرى، أو أعطيت أحد الأولاد ما لم تعطه الآخر، فإنك تأثم. إلا إذا كان
стр. 238
لذلك سبب.
رجل تاجرٌ -مثلاً- وله ولد كبير اشتغل معه في تجارته من صغره، وعاونه سنوات طويلة، ولم يتعلم، وإخوته الصغار تعلموا في المدارس ونالوا الشهادات وصارت لهم رواتب، وأبوهم هو الذي أنفق على تعليمهم مع أن الابن الكبير الذي اشتغل معه لم يتعلم ولم ينفق عليه. إذا خص هذا الابن بشيء زيادة على إخوته فلا بأس؛ لأن الصغار لهم رواتب وهذا ما له شيء، ولأن أولئك ما تعبوا وهو اشتغل مع أبيه وتعب.
هذا التفضيل له سبب معقول. أما إذا ميز أحد الأخوين لأنه يحب أمه -مثلاً- أكثر فلا يجوز.
والوصية لا تجوز إلا بثلث المال، فإن أوصى بأكثر لم تنفذ إلا إذا وافق الورثة بعد موته.
فإذا وافق الورثة على الوصية بأكثر من الثلث أو الوصية لواحد منهم جاز؛ لأن الحق لهم. ولو أخذوا إرثهم فأعطوه كله لواحد منهم، هل يمنعهم أحد؟
...
فالوصايا باب آخر من أبواب العدالة الاجتماعية، ودليل آخر على أن فقهنا فيه كل خير في الدنيا والآخرة.
ولقد كانت جامعة الدول العربية أقامت -من أكثر من خمس عشرة سنة- حلقة للدراسات الاجتماعية بإشراف الأمم المتحدة، أُلقيت فيها بحوث ومحاضرات لها أول وليس لها آخر عن التكافل الاجتماعي وكيف
стр. 239
يتحقق، وجاؤوا بنظريات وخيالات. وكنت مندوب سورية وأحد الثلاثة الذين انتخبوا للجنة الصياغة، وهي اللجنة العليا، فألقيت كلمة ذكرت فيها أثر النفقات والوصايا في التكافل الاجتماعي، وأن هذا شيء عملي مطبق لا يحتاج إلي نظريات ولا إلى خيالات؛ فدهشوا لما سمعوه، ووافقوا على ما اقترحته بالإجماع.
...
أعود فأقول إن الفقه الإسلامي أغنى كنز تشريعي، ولكن علينا أن نعمل كما عمل الفقهاء الأولون، وأن نخدم هذا الفقه مثلما خدموه، وأن نجدد فيه الشكل مع المحافظة على الأصل، لنعرضه بثوب جديد.
***
стр. 240
مجتمعات إسلامية عاصية
قلت لكم أمس إن منكم من يعمل للدنيا كأنه يعيش فيها أبداً وينسى أنه قد يموت غداً، ولكني رجعت لنفسي -بعد تسجيل حديث الأمس- فوجدت أنني قد بالغت فيه كثيراً؛ فنحن لا نعمل ولا للدنيا.
نعم والله. أجدادنا عملوا للدنيا وللآخرة، ونحن ما عملنا للآخرة ولا نعمل للدنيا. ولو كنا نعمل للدنيا لما صرنا وراء الأمم، ولما صرنا لعبة الأمم، ولما صرنا القصعة التي تتداعى إليها الأكَلة من كل الأمم، ولما أخذت منا قبلتَنا الأولى ومسرى نبينا أذلُّ الأمم وأقلُّ الأمم.
فينبغي -إذن- أن نداوي هذه المجتمعات الإسلامية من عللها التي تقاسي اليوم منها، وأن نرد إليها صحتها التي كانت تتمتع بالأمس بها. فكيف نداوي مجتمعاتنا؟
الطبيب يشخص العلة قبل أن يصف الدواء، فما علّة المجتمعات الإسلامية؟
تعالوا نُلقِ عليها نظرة عامة شاملة. إن الذي يقعد في البيت يرى كل ما فيه من أثاث ورياش وأشياء وأشخاص، يرى التفاصيل كلها، ولكن لا يرى بيت الجيران. والذي يصعد المنارة يرى بيوت الحارة ولا رى الحارات
стр. 241
البعيدة. أما الذي يرى البلد من الطيارة فيراها كلها؛ يرى شوارعها وحدائقها وساحاتها، يبصر حدودها ويدرك شكلها، يعطيك وصفاً لها فيه العموم والصدق والشمول وإن لم تكن فيه التفاصيل.
فتعالوا نلق على المجتمعات الإسلامية -عامة- نظرة من الطيارة، من مركبة الفضاء، فما حال هذه المجتمعات؟
هل هي مجتمعات إسلامية تماماً تطبق أحكام الإسلام؟ الجواب: لا.
لا. أقولها صريحة؛ فنحن في مقام النقد والتقويم، لا في موقف المجاملة. أنا هنا كالطبيب؛ والطبيب إذا وجد حرارتك أربعين ووجدك مصاباً بالحمى فجاملك وقال لك: أنت سليم، ما بك شيء، هل يكون طبيباً ناصحاً؟
إن مجتمعاتنا ليست إسلامية تماماً، إن التلميذ يقرأ في دروس الدين أن الخمر حرام ثم يرى الخمارات مفتوحة، وأن كشف العورات حرام ثم يرى العورات مكشوفة، وأن الكذب والغش والظلم والعدوان حرام ثم يرى الكذابين والغشاشين والظالمين والمعتدين في كل مكان.
فكيف تكون مجتمعات إسلامية والمنكرات فيها معلنة، والفرائض مضاعة؟ نقرأ ونتعلم أن الصلاة عماد الدين، ثم نرى الأسواق ممتلئة بالناس والسيارات غادية رائحة أمام المسجد يوم الجمعة والصلاة قائمة. والمصلي يرى أخاه تاركاً للصلاة فيصادقه ولا ينكر عليه، ويبصر زوجته أو ولده تاركين للصلاة فلا يبالي ولا يهتم. ونجد المطاعم مفتوحة في رمضان والآكلين يأكلون ظاهرين غير متوارين ولا مستترين.
فهل هذه مجتمعات إسلامية؟ لا أظن أن في الدنيا من يستطيع أن
стр. 242
يجيب بنعم.
فهل هي مجتمعات كافرة؟ هل تطبق عليها أحكام دار الحرب؟ لا؛ لأن الجماهير مؤمنة بالله واليوم الآخر، والكثرة من الناس في هذه المجتمعات تقيم الواجبات وتجتنب المحرمات. حتى الذين يشربون الخمر ويأكلون الربا واللاتي يكشفن العورات، أكثرهم يعترف بأن الخمر حرام والربا حرام وكشف العورات حرام. ومن فعل الحرام وهو معترف بحرمته لا يُحكم بكفره.
فليست إذن مجتمعات كافرة. فما هي؟
إنها مجتمعات إسلامية عاصية.
إنها مثل مدرسة اضطرب فيها الأمر، وانقطع النظام، واختلفت أوقات الدروس، وعمت الفوضى. ولكنها لا تزال مدرسة، لم تَصِرْ ملعب كرة، ولا معرض بضاعة، ولا حديقة حيوان! هذه المدرسة إذا جاءها المدير الحازم القدير والمعلمون الأكفاء المخلصون عادت مدرسة مثالية.
وكذلك المسلمون.
***
стр. 243
صورتان واقعيتان (١)
أعرض عليكم -في هذا الحديث- صورتين واقعيتين، صورة من حياتنا، وصورة من حياة المسلمين في الصدر الأول.
دخلت المستشفى من سنتين لعملية جراحية، فأعدوني للعملية بفحوص كثيرة أجروها؛ فحوص مجهرية وكيميائية مختلفة للدم، وصور شعاعية، وفحوص سريرية. فلما تيقنوا باحتمال الجسم للعملية استعد الطبيب، فغسل يديه وعقمهما ولبس القفازات المعقمة، وعقمت غرفة العمليات، وربطوا الجرح بالقماش المعقم، وأعطوني المضادات الحيوية (الأنتي بيوتيك) والبنسلين والستربتومايسين وأنواعاً أخرى من ذوات السين. وفي كل يوم يأتي الطبيب ليغير أربطة الجرح فيتخذ هذه الاحتياطات؛ خشية أن يتسرب جرثوم إلى الجرح فيفسده.
هذه الصورة الأولى، وليست جديدة عليكم، ففي كل يوم ترون أمثالها أو تسمعون به.
أما الصورة الثانية فلن آتي بها مما المستشفى بل من ساحة المعركة،
стр. 244
معركة بدر، حين كان معاذ بن عمرو بن الجموح يقاتل، فأصابته ضربة سيف على عاتقه، فقُطعت يده وبقيت معلقة بجلده في كتفه، هل تدرون ماذا صنع؟
لا. لم يحملوه على محفة المستشفى العسكري المتنقل، ولم يُلقَ على سرير العمليات ليخدر ثم يخاط الجرح، ولم يعط شيئاً من مبيدات الجراثيم، بل استمر يقاتل، ولما ضايقته يده المقطوعة المعلقة بكتفه تقاصر حتى وصلت أصابعها إلى الأرض، فوضعها تحت قدمه ونهض فتمطى حتى قطع الجلدة الباقية، وأخذ اليد المقطوعة فألقاها، وعاد إلى الجهاد.
هذه قصة حقيقية. ولقد ذكرتها وأنا في المستشفى وأنا -رغم حفظ الجرح ولفه بالضمادات المعقمة وأخذي المضادات- أخاف، أو يخافون عليّ، تسمم الجرح ... وهذا يصنع ما سمعتم به!
إنكم تقرؤون الخبر من أخبار السيرة ومن أخبار التاريخ، فتمرون به من غير أن تتصوروه حقيقة. وأنا لا أشك أن كثيرين منكم قرؤوا هذا الخبر، ولكن هل تصوره أحد منكم؟
الواحد منا تجرح يده فيسرع إلى القطن والغَول (الإسبيرتو)، وتهرس إصبعه أو تنشق كفه، فيركض إلى المستشفى ليخيط الجرح ويعقمه. فكيف استطاع هذا المجاهد احتمال قطع يده من الكتف؟ ألم ينزف منها دمه؟ ألم يتلوث الجرح؟ ألم يحمل من الألم ما يمنعه من القتال؟ فكيف استمر في القتال؟
هل نحن بشر وهو فوق البشر، أم هو بشر ونحن دون البشر؟ هل يختلف تركيب أجسادنا عن تركيب أجسادهم؟ هل خُلقنا نحن من طين وهم من الإسمنت المسلح؟
стр. 245
لا. ولكنهم كانوا يملكون دواء عجيباً يزيل الأوجاع كلها والآلام، ولكنه ليسر مخدراً كالمخدرات التي نعرفها. ويصب في الجسد قوة ونشاطاً، ولكن لا نعرف -ونحن في عصر التقدم- دواء مثله، ويحفظ الجروح في الحرب سليمة من الجراثيم من غير رباط ولا تعقيم، ويصبّر الجسد على الجوع فلا يحس به ولا يضره، وعلى العطش وعلى قلة النوم.
إنه دواء له عمل السحر وليس بسحر.
وبهذا الدواء كانت رفيدة، المرأة التي لم تدخل مدرسة التمريض، تداوي الجرحى في الحرب في خيمتها التي نصبتها في مسجد رسول الله ﷺ ؛ مَن قُطعت يده، أو شق جنبه، أو شج رأسه، فيخرج معافى بلا بنسلين ولا ستربتومايسين. وبهذا الدواء كان يتداوى من يصيبه السهم فيخرجه من جسده، ويوالي القتال. وبهذا الدواء صبر الجندي المسلم على الجوع والعطش والتعب، حتى استطاع أن يمشي من المدينة إلى مصر وليبيا وساحل الأطلنطي وقلب فرنسا، وإلى الشام والعراق وفارس والأفغان والهند. وبهذا الدواء تغلب علماء المسلمين على تعب السهر واستغنوا عن المنام حتى ألّفوا هذه الكتب التي كانت معجزة الفكر البشري.
ولما نسينا نحن تركيب هذا الدواء ضعفنا في أجسادنا وأرواحنا وعقولنا، وتخاذلنا، ونزلنا بعد الرفعة، ورجعنا بعد التقدم، وصرنا وراء الناس وكنا في مقدمة الناس.
هذا الدواء يا سادة اسمه ... اسمه: الإيمان.
***
стр. 246
إلى وزير التربية والتعليم:
كلمة في القومية والدين
قرأت من أيام أن سيادة وزير التربية والتعليم جمع مديري المعارف وكلمهم، وتوعّد في آخر كلامه من لا يقول منهم بالقومية العربية ومن لا يدعو إليها.
وسيادة الوزير صديقي، ومن حقه عليّ أن أعاونه على ما هو فيه؛ فأدلّه على واحد لا يقول بالقومية، بل هو يحاربها وينفّر منها، واسم هذا الواحد: محمد بن عبد الله الهاشمي، من أهل مكة.
هل عرفته يا مولانا؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، الذي يقول: «ليس منا من دعا إلى عصبية»، ويقول: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، إلا بالتقوى».
وواحد آخر يقول بذلك؛ هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. إنه يقول، جل من قائل: ﴿إنّمَا المُؤمِنونَ إخْوَة﴾. ما قال: إنما العرب، ولا: إنما الأكراد. ويقول: ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾، ما قال: إن أكرمكم عربكم ولا عجمكم.
فهل نسمع كلامك، أم كلام الله وكلام رسول الله؟
стр. 247
وما دعوة القومية الآن وقد تركها الناس؟
إنها «موضة» انصرف عنها أصحابها ومذهب خالفه أهله. إنها كانت «موضة» القرن التاسع عشر، وقد ذهبت بذهاب أهله، وصار يقسم العالم اليوم المذهب لا القومية. إن في العالم شيوعية وديموقراطية، تضم كل منهما من القوميات الكثير؛ تذوب فيها، وتكون تبعاً لها.
والإسلام جاء بمثل هذه الرابطة من ألف وأربعمئة سنة، فكان ذلك من جملة معجزات الإسلام.
وفرنسا وألمانيا، العدوان اللدودان، ومصدر الدعوة القومية ومظهرها في أيامها، تقاربتا وتصالحتا، وهما على أبواب الوحدة الأوربية والسوق المشتركة. ونحن ندعو إلى القوميات؟
إننا نعد ثياب الشتاء لنلبسها وقد ولى الشتاء وحل الربيع. إننا نتهيأ للذهاب إلى المحطة وقد سافر القطار. إننا لا نوافق الإسلام ولا نساير ركب الحضارة.
كلا يا سيدي. لا نؤمن بالقومية العربية، ولا الكردية، ولا التركية، ولا ندعو بأي دعوة عصبية جاهلية، ولكن نؤمن بالإسلام وأخوّة الإسلام.
ولا نستطيع أن ندخل جهنم ليرضى عنا هؤلاء الذين ناموا لمّا أدلج الناس، ثم جاؤوا متأخرين، يدّعون أنهم تقدميون وهم في الحقيقة رجعيون؛ يريدون أن نرجع إلى عهد القوميات بعدما ذهبت القوميات، وولى عهدها، وصارت خبراً من أخبار التاريخ.
كلا. إننا لا نسمع إلا كلام ربنا، وبيان نبينا، ولا نقول بما يخالف الإسلام ... ولو غضب من غضب وثار من ثار: ﴿وقُل الحَقُّ مِن ربِّكُمْ فَمَنْ
стр. 248
شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
ولو كانت القومية تنجي عند الله أحداً لأنجت أبا لهب وأبا جهل. لا. ولكن أكرمكم عند الله أتقاكم، ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
ألا إننا لا نعرف في قانوننا إلا الإسلام. ما حرمه حرمناه، وما أمر به فعلناه، وما سنّه اتبعناه. إن أنكر الإسلام القومية كفرنا بالقومية، وإذا أبى الاشتراكية نبذنا الاشتراكية، وإن قبّح الفن لعنّا الفن، وإن قال لنا الإسلام انبذوا الدنيا نبذنا الدنيا.
لا نخجل بإسلامنا، ولا نساوم فيه ولا نهادن. إن قالوا عن أحكام الإسلام رجعية قلنا نحن رجعيون، وإن دعوها عصبية قلنا نحن متعصبون. ومهما أطلقوا على الشر من أسماء الخير؛ فسموا الرذيلة رقياً، والفساد فنّاً، لم نرض بالشر. ومهما سموا الخير بأسماء الشر؛ فقالوا عن الفضيلة والحق والصلاح جمود أو رجعية، لم نترك الخير.
مسلمون، مسلمون. لا نداري ولا نداور ولا نحيد إن شاء الله عن طريق الإسلام.
***