سمعت -أقسم بالله- أمس طفلاً لا يكاد يبين معه الكلام، ولم يتعلم بعد النطق، يردد: ياوازلفيو (يا عوازل فلفلوا) ... هذه ثمرة من ثمرات الإذاعة التي تكلف الأمة ثلاثة آلاف ليرة كل ليلة!
ولماذا لا تنشر في الناس الكراسات، وفي الصحف المقالات، وفي المذياع الإذاعات، تعلمهم كيف يتقون الهلاك إن كانت غارة؟
أنا لا أدري إن كانت غارة ماذا أصنع: هل أبقى في البيت أم أخرج إلى الشارع؟ وهل أقوم أم أنبطح على الأرض؟ فمن أين أتعلم ذلك: من القانون المدني أم من كتاب البيان والتبيين؟!
أيها الحاكمون:
إن عندكم شعباً يريد أن يعمل، يريد أن يجاهد، فلا تصبوا على جمرة حماسته كأس ماء؛ فإنكم لا تجدون كل يوم مثل هذه الحماسة!
متى كنتم تجدون طلاباً يطلبون أن تخرس هذه الأفواه التي تغني في الإذاعة الأغاني الرخوة المائعة الفاسقة، لتنطلق من الحناجر أناشيد الجهاد والجلاء؟ متى كنتم تجدون طلاباً يطلبون أن تقطع الأيدي التي تعرض هذه الأفلام الداعرة الفاجرة، وأن نستبدل بهز البطون هز الأعلام، وبتحريك الأفخاذ تحريك البنادق؟ متى كنتم تجدون طلاباً يتركون لذائذ الشباب، ومغريات الشباب، ليصيروا جنوداً للوطن يشتغلون بصناعة الموت؟
يا أيها الحاكمون أنتم وحدكم الآن المسؤولون!
***
стр. 177
من هو العالم ؟
من الألقاب التي ابتُذلت وادعاها غير أهلها لقب «العالِم». وليس العالم من كوّر عمامته ووسّع جبته وعرّض لحيته وأطال سبحته، بل العالم من قرأ كثيراً، وفهم ما قرأ، وعقل ما فهم، وعمل بما علم.
ومن أمارات العلم تحقيق مسألة من مسائله لم تُحقق، أو تصنيف كتاب لم يُسرق من كتب الأوائل، أو ابتكار أسلوب يقرب العلم للناس.
ومن صفات العالم احتمال النقد، وردّ الحجة بمثلها، والبعد عن السفه والطيش والبذاء، والتنزه عن التزلف إلى العامة بالحشويات، وإلى الأمراء بالنفاق.
***
стр. 178
إصلاح الإذاعة
أظن أن القراء قد أدركوا أني لا أكتب هذه الكلمة إلا للمصلحة العامة، وأني كمن يفتح شارعاً مستقيماً فهو مضطر لأن يهدم كل بيت يعترضه؛ بيت صديق كان أم بيت عدو. فإن تعرضت لصديق أو هاجمت عدواً فلهذا، ولكن في الناس من لا يتصور أن في الدنيا من يمدح أو يذم إلا لغاية شخصية ومنفعة مادية. وأنا لو شئت لأخذت من وراء هذه الكلمات مالاً كثيراً، إي والله، ولقد عرض علي ولكني لم أنل إلا الأجر الذي آخذه من صاحب الجريدة والذي حددته أنا.
ولقد قدمت هذه المقدمة لأني أريد أن أكتب اليوم عن مدير الإذاعة، وأسأل الله أن يبعدني عن ظلمه؛ لأنه كان تلميذي صغيراً وهو صديقي كبيراً، وليس بيني وبينه إلا المودة، ولكن الواجب يقضي بإزاحته من الإذاعة لأنه يقف في وجه الإصلاح كما يقف البيت المهدم في وجه الشارع الجديد. لا لنقص في ذكائه؛ فهو ذكي وهو نشيط، ولكن فيه صفة أخرى تجعل ذكاءه ونشاطه من العيوب لا من الحسنات، هي أنه يخدم غيرنا من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر: أما من حيث يشعر فلأن له صلات معروفة بشركات إخبارية أجنبية، وهذه الشركات ليست مصالحها مصالحنا، ولا هي من الغفلة بحيث تدفع المال الكثير لمن لا يرضيها ولا يمشي على هواها، ولا تختار لمراسلتها إلا من تثق هي به ... وهل تختار شركة شيوعية
стр. 179
رجلاً نازياً ليراسلها من ألمانيا الغربية، هل تنتقي جريدة الشعب رجلاً من الحزب الوطني ليراسلها من دير الزور مثلاً؟ هذه مسألة واضحة. وللسيد المدير عدة صلات بغير هذه الشركات. لا أقول إنها صلات آثمة، ولكنها صلات على كل حال.
وأما من حيث لا يشعر فإنها (عقدة نفسية) فيه، هي أنه نشأ في بيت عامي، وليس ذلك بعيب ولكنه رآه هو عيباً، وحاول أن يتخلص من ذكراه فذهب فأقام في فلسطين فتعلم فيها الإنكليزية، وعاشر فيها من يقويه في هذه اللغة ... ورحل إلى أميركا، ورجع -بعدُ- مفتوناً بكل شيء غربي ... بكل شيء! عازفاً عن كل شيء شرقي يذكره بمنشئه الأول، على قاعدة «مركّب النقص»، والأدلة على ذلك تبدو كل ساعة لمن يعرفه أو يعاشره، وتظهر كل يوم لمن يستمع الإذاعة بانتباه!
والإذاعة -بعد هذا- تحتاج لمدير من كبار رجال البلد الذين يوثق بوطنيتهم وأمانتهم، ومن الأدباء الذين يرجع إلى ذوقهم وحسن اختيارهم، وممن يفهم روح البلد ويقدرها ويعتز بها. والأخ مدير الإذاعة ليس من هؤلاء جميعاً في شيء، ولا هو من عباقرة الأدباء، ولا هو من أهل الشهادات. وأحسب أن الوزارة التي ضربت مثلاً رائعاً باختيارها الرجل المناسب لمديرية الأوقاف ستعرف كيف تختار للإذاعة مديراً من هذا المعدن!
***
стр. 180
مكافأة البطولة
جاءتني رسالة من أخي شاعر الشام أنور العطار وهو مريض في داره، لم يمنعه مرضه من التنبيه إلى مكرمة والتذكير بواجب. يقول إنه شاهد في الأسبوع الماضي فلم «النافذة» فكان أعلق مشاهده بالذاكرة وأمسها بالنفس مشهد الطفل وقد انهار البناء به ولبث معلقاً على سارية متكئة على جدار تهتز في الفضاء، فما كان من رجال الإنقاذ إلا أن أخذوا بأطراف بساط وكلموا الطفل بالمكبر يستدرجونه ليلقي بنفسه عليه حتى نجا، والنظارة مشدوهون من هول المنظر ممسكون قلوبهم بأيديهم.
ويقول إن هذا المنظر -على هوله- لا يعد شيئاً إذا قيس بمشهد الطفل الذي روت «الأيام» أنه كان في جماعة العمال لما انهار بناء مسعود فبقي معلقاً من يده، وكان من المستحيل إنقاذه بالسلالم لأن أدنى حركة تهوي به وبالركن الذي يعتمد عليه، وكان مشهد الطفل يفتت الأكباد وكان صراخه يقطع القلوب، فما كان من رجال الإطفاء إلا أن تبايعوا على الموت، وانتدب نفسَه بطلٌ منهم فعرضها للهلاك ليخلص الطفل من الهلاك، وتدلى بحبل من شاهق حتى أنقذ الغلام.
حقيقة أربت -في روعتها- على زخرف الفلم وواقع أزري بالخيال، وبطولة إنسانية يهون معها كثير من البطولات التي دانت التاريخ.
стр. 181
ويعجب الأخ من المحافظة لأنها لم تشأ أن تعلّم الناس تقدير البطولة بإعلان اسم هذا البطل المجهول، ولم تلقنهم تمجيدها بمكافأته مكافأة توازي عمله. وبم لعمري يكافأ من عرض نفسه للموت في سبيل الواجب وفي سبيل الإنسانية؟ وهل نستكثر عليه أن نجود له بدرجة أو علاوة أو وسام وقد جاد لنا بنفسه التي لا يملك غيرها؟
والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
...
إن مكافأة المحسن واجبة وجوب معاقبة المسيء، وإن «مصلحة الإطفاء» قد أثبتت في كل موقفه أنها من خير مصالح الدولة وأنه لا يعدل صلاحها إلا فساد المحافظة الممتازة تشكو -معتذرةً عن ضعف مراقبة الأبنية- بقلة المهندسين، وتدفع أمس أربعة عشر ألف ليرة من أموال البائس والفقير من المكلفين لشراء سيارة جديدة ... لأن السيارة الفخمة التي شريت من سنتين لم تعد تليق بالمقام!
وإذا كانت الحكومة عاجزة عن مكافأة هذا البطل لأن رواتب الموظفين الكبار (وتوابع الرواتب من هواتف وسيارات وتعويضات ورحلات وحفلات) تستنفد أموال الخزينة فإنني أقترح على «الأيام» أن تفتح باباً للتبرعات لتجمع مبلغاً من المال يقدم هدية لهذا البطل الذي لا أعرف إلى الآن من يكون، ولكني أعرف أنه من العار على دمشق أن تقعد عن تكريم البطولة وتقدير التضحية ومكافأة الإحسان.
***
стр. 182
فصل مفقود من كتاب «كليلة ودمنة»
كان عند الرافعي ﵀ نسخة من كتاب كليلة ودمنة ليس لها في الدنيا ثانية، وقد وقعت لي أمس ورقة منها صغيرة فيها هذه الأسطر أنقلها بالحرف الواحد:
قال كليلة: أفلا تضرب -يا دمنة- مثل الأيام التي تختل فيها الموازين، وتفسد المقاييس، وتضيع الحدود، حتى ينزل العالي، ويصعد الواطي (١)؟
قال دمنة: إن مثل ذلك مثل إناء فيه زيت وزئبق وماء، إذا نظرت إليه رأيت كل واحد من الثلاثة قائماً مقامه، نازلاً منزلته، لا يرتفع الزئبق من القعر، ولا يهبط الزيت عن الصدر. فإن هو اضطرب الإناء أو انقلب تداخلت بالاضطراب الحدود، وتعادلت بالانقلاب المنازل، فاختلط الخفيف بالثقيل، والرفيع بالوضيع، وصار أسفل من حقه العلو، وأعلى من محله السفل.
ولكن هذا الحال لا تدوم، ولا بد أن يسكن المضطرب، ويستقيم المنقلب، ويعود كلٌّ إلى المكان الذي خلق له.
(طبق الأصل)
...
стр. 183
لا تيأسوا
من كان يظن سنة ١٩٢٧ ونحن في أعقاب الثورة السورية والفرنسيون هم الحاكمون، والمستشار هو الوزير، والمفوض هو السيد المطلق ... هو الحكومة وهو البرلمان وهو الحاكم بأمره، إن قال فقوله القانون، ورأى فرأيه الأمر، وإن نهى فنهيه التحريم، وفي كل قرية ظل من الانتداب وفي كل واد أثر من «ثعلبة»! من كان يظن أنها لن تمر عشرون سنة حتى تستقل الشام فلا يبقى فيها جندي فرنسي واحد، وحتى تصير دارُ «الإيتاماجور» المعهدَ العربي الإسلامي، وقلعةُ غورو قلعةَ يوسف العظمة، وقصرُ المفوضية في العفيف خالياً خاوياً لا يقف عليه أحد، وقد كان مطمح الآمال؛ آمال المتزلفين والطامعين، ومهوى القلوب؛ قلوب المستوظفين والمستوزرين، وكانت الرغبة فيه، وكانت الهيبة له والرهبة منه، فغاب عنه ربه، وشرد عنه صحبه، ولم يبق منهم إلا ذكريات كادت تنطمس من النفوس، وأحاديث أوشكت أن تموت على الشفاه!
من كان يظن -قبل عشرين سنة- أنها ستكون للعرب جامعة دول، وأنه سيكون للعرب صوت في هيئة الأمم، وأنه سيكون رجل من سوريا رئيس مجلس الأمن، فيشهد له العالم بأنه خير رئيس؟ وأن تركيا سترجع إلى الإسلام؟ وأن الخمسة الذين كانوا مع الصديق الشهيد حسن البنا -رحمة الله عليه- سيصيرون مليوناً؟ ولا يزدادون على الأذى والعدوان إلا قوة
стр. 184
وتماسكاً؟ وأنها ستقوم في الشرق دولتان إسلاميتان عظيمتان فيهما مئة وخمسون مليوناً هما أندونيسيا والباكستان؟ وأن أمم الإسلام ستتعارف وتتدانى ويكون لها مؤتمر إسلامي يضم مصر والباكستان، وسورية والأفغان، والعراق وإيران، وأندونيسيا وسيلان، والمغرب والسودان، واليمن وتركستان، وغير هذه من الدول؟ وأن المسلمين غدوا كالجسد الواحد، تتألم الشام لمصاب مراكش، وتهتم الباكستان بقضية مصر، وتجزع دنيا الإسلام من «تهنيد» كشمير جزعها من «تهويد» فلسطين؟
فيا أيها الناس: لا تيأسوا؛ إننا نمشي إلى خير. إنها لا تزال في الأرض الأوحال، وفي السماء السحب، ولكنها أعقاب الشتاء، قد أقبل الربيع.
إنه قد طلع الفجر فلا تخشوا بقايا الظلام على حواشي الأفق. إننا كصاعد الجبل ننظر إلى الحفر تحت أقدامنا والذروة من فوقنا، فنشكو بعد الغاية، وصعوبة المرتقى، وحق لنا الشكوى. ولكن لننظر وراءنا لنرى كم قطعنا من الجبل، إننا ماشون إلى الأمام، وكل من مشى على الطريق وصل.
وإني لأرجو ألا أموت حتى أرى جامعة الدول الإسلامية قد صارت حقيقة، وأن أحكام الإسلام قد غدت قانوناً، وأن عز الإسلام قد رجع، وأن السماء قد صفت وانقشعت عنها هذه الغيوم؛ غيوم التفرق والانقسام، وإسرائيل والاستعمار، وما يؤذي الأخلاق من الفسوق، وما يؤذي العقيدة من النحل الخبيثة والمذاهب المنحرفة.
فيا دعاة الإصلاح، يا جند الإسلام، سيروا إلى الأمام مطمئنين.
***
стр. 185
جريدة «الأيام»
لقد جددت لي «اليوم» شبابي، وأعادت لي مواضي أيامي، ورجعتني مسيرة عشرين سنة في طريق الزمان، حتى كأني أرى مولد جريدتَي «الأيام» و «الإنشاء» وأشهد ذلك العهد -سقى الله لياليه- عهد الشباب، عهد النضال، العهد الذي كان -على رغم الانتداب- عهد وثبة وطنية عزيزة المثيل.
وكأن التاريخ يعود واقعاً والماضي يصير حاضراً، فقد كان مولد جريدة «الأيام» حدثاً في تاريخ الصحافة في بلاد الشام، وكان لها هزة في قلوب الحاكمين والمحكومين على السواء؛ هزة فرح في قلوب، وجزع في قلوب، وكان الناس يرقبون صدورها ويزدحمون على بابها كل يوم ازدحامهم على الأفران أيام الحرب، وبيعت أعداد منها بأضعاف أضعاف ثمنها، ورأت من العز ما لا أظن جريدة رأت مثله.
وما ذلك لمجرد أنها جريدة الكتلة الوطنية (والكتلة يومئذ قائدة الجهاد وزعيمة الوطن) ولا لأنها حشدت لها قواها ومالها، ولا لأنها أول جريدة صدرت بالصفحات الكثيرة والمظهر الفخم، بل لأن الناس رأوا فيها شيئاً جديداً لم يروه من قبلها؛ رأوا فيها رجولة الرجل الذي كان يقوم عليها. الرجل حقاً القوي الأمين ذي العزم المتين والقلم المبين عارف النكدي. كانت الصحف تهجم على الحكومات المحلية فهجم هو على الدولة
стр. 186
المنتدِبة، وكانت تنقد رئيس الوزراء فنقد هو المفوض السامي ... وجعل الجريدة مدرسة للرجولة وللجرأة، وعلّم قراءها أننا إن كنّا أضعف من المستعمرين لا نملك دباباتهم ولا مدافعهم فإننا أقوى بإيماننا وأشرف بماضينا، وأنّا المحقون وأنهم الغاصبون المبطلون، وأن الباطل قد يغلب الحق حيناً والمستعمر قد يسطو بالشعب زمناً ولكن ذلك لا يمكن أن يدوم.
وكانت -فوق ذلك- مدرسة للبيان العربي، والأسلوب المشرق، والبلاغة التي تهز حبات القلب وتثير سواكن النفس حتى تجعل البَكِيّ فَرِحاً والعييّ فصيحاً والجبان جريئاً والشعب الأعزل جيشاً يهزأ بالحديد والنار.
ولقد كانت للناس ثقة بها لم يكن مثلها لجريدة، وكان من المظاهر الكثيرة لهذه الثقة أنها لما دعت الناس إلى مساعدة أطفال الصحراء (أبناء الثوار الذين كانوا في وادي السرحان مع سلطان) أقبل الناس على البذل إقبالاً لا شبيه له، وكانت هي محلاً لهذه الثقة فنشرت أسماء المتبرعين ومقدار ما دفعوا ووجوه إنفاق المبلغ ووثائق وصوله؛ فلم يضع قرش واحد ولم يسرق.
لقد كان لي شرف العمل في «الأيام»، وأنا أشهد أن دارها كانت كعبة الوطنية وقبلة رجالها وكانت «مقر أركان حرب» الجهاد الوطني وفيها كانت اجتماعات قادة الأمة وفيها كانت مجالس الشباب، وكان فيها بهو للجنة الطلبة المركزية التي تمثل طلاب دمشق جميعاً وكان كاتب هذا المقال هو رئيسها وكان أول داع لتأليف لجان للطلاب عقب عودته من مصر سنة ١٩٢٨. مضى وقت طويل ولجان دمشق كلها يديرها رجلان: الدكتور صبري القباني وكاتب هذه السطور، وكان الأول طالباً في كلية الطب والثاني طالباً في كلية الحقوق.
стр. 187
لقد سايرت هذه الجريدة الأمة في جهادها، ورافقتها في نكباتها وأعيادها، وكانت معها في بيض أيامها وسوادها، حتى غدت مجلداتها تاريخاً لنهضتها.
إن الأمة تريد جرائد محترمة رزينة ذات مبدأ تصدر عنه وغاية تسعى إليها، تعيش لقرائها فقط وتعيش على قرائها فقط. وإنّا لنرجو أن تكون «اليوم» كما تريد الأمة أن تكون الجرائد، فتصل مجدها الطريف بمجدها التليد، وتبني مستقبلها العظيم على أركان ماضيها العظيم.
***
стр. 188
أبو حية النميري، والموظفون
كان لأبي حية النميري غنم فكان يطعم السمينة ويغذوها ويختصها بأحسن الكلأ وأطيب الشعير ويهمل الهزيلة، فقيل له في ذلك، فقال: أُكرم ما أكرم الله وأُهين ما أهان الله!
وملاكات الموظفين على طريقة أبى حية ... فالموظف الكبير صاحب الراتب الضخم والعلاوات الكبيرة له تعويض التمثيل، وله سيارة وله سائقها، وله التقدم وقلة العمل والحرية والوجاهة؛ والموظف الصغير يرتقب سنتين أو ثلاثاً أو أكثر من ذلك لينال علاوة القدم وفرق الدرجة خمس ليرات فقط، وقد لا يصل إليها. وإخواننا موظفو الخارجية لهم التكرمة والرعاية، والقصر الفخم والأثاث الغالي، وعلى أبوابهم الحجّاب والأعوان يمسكون عليهم الأبواب أن يزعجهم مراجع أو يعكر صفوهم صاحب معاملة، حتى الحافلات منعوها أن تقف أمام البناء أو تدنو من هذا الحمى الأقدس، وهم يسيحون في البلدان على حساب السلطان، ويُنقل أحدهم من باريس إلى واشنطن ويُنقل غيرهم من الدير إلى حوران، ويأتي مِلاكهم بعد ذلك فينص في المادة (٦٥) على ما يلي:
تتألف مخصصات موظفي السلك الخارجي من:
(١) الراتب.
(٢) نفقات السفر وتعويض الانتقال.
стр. 189
(٣) بدل الاغتراب.
(٤) بدل التمثيل والإنابة.
(٥) التعويض العائلي.
(٦) بدل الملابس.
(٧) مخصصات السكنى والأثاث.
(٨) مخصصات التداوي.
(٩) مخصصات نقل الجثمان ودفنه.
ومخصصات غيرهم من الموظفين تتألف من:
(١) الراتب.
(٢) الراتب.
(٣) الراتب.
(٤) الراتب، ولا شيء إلا الراتب، ولو كان الراتب لا يكفي ثمن الخبز. ولو كانوا مرهقين بالأعمال التي تكسر الظهور وتعمي العيون، ولو لم يذوقوا معشار هذه الرعاية التي يلقاها موظفو الخارجية!
أما بدل الملابس فليس لهم لأن المفروض أن يجيئوا إلى دوائرهم بالقميص واللباس، ولا مخصصات سكنى وأثاث لأنهم ينامون في الشوارع على التراب، ولا مخصصات تداوي لأنهم من عناية الحكومة بهم لا يمكن أن يمرضوا، ولا مخصصات دفن لأنهم يُلقَون -إن ماتوا من الغيظ- على سفوح قاسيون لتأكل أجسادهم الطيور ...
أفليست هذه هي طريقة أبي حية؟ ولكن أبا حية النميري- يا سادتي- كان معدوداً مع الحمقى!
***
стр. 190
هذه هي الصلاة
كلمة اليوم للمصلين ... للمصلين الذين يحسبون الصلاة حركات رياضية؛ فهم لا يهتمون إلا بقيامها وقعودها وركوعها وسجودها، أو يظنونها تمرينات لسانية؛ فلا يعنون إلا بتكرار ألفاظها، مع أن الصلاة (التي جعلها الله ركن الإسلام والتي تنهى عن الفحشاء والمنكر) هي شيء آخر وراء الركوع والسجود والتلاوة والتسبيح. هذا كله هو جسم الصلاة، ولا يعيش الإنسان بلا جسم ولا تصح الصلاة بغير الحركات والألفاظ، ولكنها إن اقتصرت عليها كانت جسماً بلا روح، وكانت صلاة ميتة. ومتى كان للميت جناحان يطير بهما حتى تصل هذه الصلاة إلى أبواب السماء؟
الصلاة التي أرادها الإسلام أن يتصور المسلم أنه داخل على الله وقائم بين يديه، وأنه ترك الدنيا كلها وراءه، وأن الجنة بملذاتها وحورها عن يمينه والنار بويلاتها وزبانيتها عن شماله، وأن الصراط أمامه، والكعبة نصب عينيه، ويتصور أنه مقبل على حضرة الله، فيهون عليه هذا كله: الجنة التي يرجوها، والنار التي يخشاها، والكعبة التي يستقبلها، والدنيا التي يستدبرها، في جنب الله؛ لأن الله أكبر منها ومن كل شيء. وتمتلئ نفسه شعوراً بعظمة الله ولا يبقى فيها إلا خشيته وهيبته، فيقول من أعماق قلبه لا من طرف لسانه: «الله أكبر». وكلما وسوس له الشيطان بخاطر في الصلاة أو داخلته
стр. 191
فكرة من أفكار الدنيا، تصور أنه قائم بين يدي الله فطردها بقوله «الله أكبر»، فلذلك كان شعار الصلاة عند الدخول إليها، وعند الانتقالات فيها: «الله أكبر».
ويفكر فيما ينطق به ويستحضر معانيه حية في ذهنه. فإذا قال: ﴿الحَمْدُ لله﴾ تصور نعم الله التي لا تحصى ولا تستقصى؛ نعمة الحياة، ونعمة السمع والبصر والنطق، ونعمة الإسلام، ونعمة الصحة. إن الإنسان لا يعرف قيمة النعم حتى يفقدها، فإن سد أنفَه الزكامُ فلم يستطع أن يتنفس أو ينام عرف قيمة الأنف، وإن لويت قدمه فلم يقدر أن يخطو عرف قيمة الرجل، وإن وإن ... وإن مات ولده أو ضاع منه شيء تمنى لو أنه دفع ربع ماله وعاد الضائع أو رجع الولد. يتصور هذه النعم كلها وهو يقول «الحمد لله».
فإن قال: ﴿رَبِّ العَالَمين﴾ (والرب في لغة العرب ليس الخالق فقط، بل المربي. ففي كلمة الرب معنى اللطف والعناية والحفظ)، إن قالها تصور أن العوالم كلها (عالم الإنسان وعالم النبات وعالم الحيوان وعالم السماء، وكل ما في الوجود من عوالم) الله الذي أنشأها ونماها وحفظها ورعاها.
﴿الرّحْمن الرّحيم﴾: وسعت رحمته كل شيء؛ يرحم الناس جميعاً حتى الكافر الذي يكفر بالله بلسانه يرحمه الله فيحفظ عليه هذا اللسان، والفاسق الذي يحارب الله بجسده يرحمه الله فيبقي عليه هذا الجسد. أنزل الله رحمة واحدة فيها يتراحم الأحياء وتعطف الأم على ولدها والأخ على أخته، وأبقى تسعاً وتسعين ليوم القيامة.
﴿مالِكِ يَوْمِ الدّين﴾: يوم القيامة، يوم الحساب؛ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من شر تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، يوم لا ينفع المالُ أربابَ المال ولا الجاهُ أهلَ الجاه ولا يفيد السلطان ولا القوة ولا الجنود ولا الأعوان إلا من قدم صالحاً ورحمه الرحمن.
стр. 192
﴿الرّحْمنِ الرّحيمِ، مَالِكِ يَومِ الدّين﴾: يتلوهما معاً ليكون المؤمن دائماً بين الخوف والرجاء، وليعلم أن الله رحمن رحيم فلا ييأس من روحه، وأنه شديد العقاب فلا يأمن من بطشه.
﴿إيّاكَ نَعبُدُ﴾: أي لا نعبد غيرك، ولا ندعو سواك، ولا نحس الخوف المطلق إلا منك، ولا الحب المطلق إلا لك، ونعتقد أنه لا يستطيع أن يضرنا أحد إذا لم ترد أنت ضرنا ولم تكتبه علينا، ولا ينفعنا أحد إذا لم تشأ أنت نفعنا ولم تكتبه لنا. ﴿وإيّاكَ نَسْتَعينُ﴾: لا نستعين إلا بك. ولا بأس أن تطلب المعونة على الشفاء من الطبيب والمعونة على الأثقال من الحمال والمعونة على البناء من البنّاء، هذه المعونة لا تنافي العبادة ولا التوحيد، أما الاستعانة بالولي على شفاء المريض وبالذي يضرب الرمل ويمارس السحر وبسؤال المدفونين في القبور ودعوة الرسول والصالحين؛ فهذه هي الاستعانة الممنوعة التي لا تجتمع مع الإيمان في قلب.
﴿اِهْدِنا الصّراطَ المُسْتَقيمَ﴾: أي؛ يا رب: إني حمدتك وذكرت آلاءك وتصورت رحمتك وعقابك وأخلصت العبادة والاستعانة لك، فكن لي هادياً في كل عمل من أعمالي ودلني دائماً على الصراط المستقيم؛ على طريق الصواب في كل أمر من أمور الدين ومن أمور الدنيا.
﴿صِراطَ الّذينَ أَنْعَمْتَ عَليهِم﴾ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. هذا هو الطريق الذي أسألك أن تهديني إليه حتى أسلكه. ﴿غَيرِ المَغْضوبِ عَلَيهِم﴾ الذين أنكروا الحق وحاربوه وأبوا أن يمشوا في طريقه وقد عرفوه، ﴿ولا الضّالّين﴾ الذي يجهلون الطريق وتاهوا عنه ومشوا في غيره.
***
стр. 193
طاقة أفكار (١)
تصحيح أخطاء شائعة
نشرت سنة ١٩٦١
لما كتبت العنوان «طاقة أفكار» خشيت أن يظنها عامل المطبعة خطأً فيصححها من عند نفسه -على عادته- فيجعلها «باقة» مكان «طاقة»، مع أن «باقة» هي الخطأ. فلا تقولوا «باقة أزهار» بل «طاقة أزهار».
ولا نزال نسمع من الإذاعة وفي الرائي (التلفزيون) اسم «الطرف الأغر»: ميدان الطرف الأغر، ومعركة الطرف الأغر، يعرّبون بها اسم «ترافلغار». مع أن ترافلغار تحريفٌ للاسم العربي طرف الغار. فقولنا عنه: «الطرف الأغر» خطأ وصوابه: «طرف الغار».
وكلما ذُكرت «عبادان»، المدينة الإيرانية، في الأخبار نطق بها المذيع بكسر العين وتخفيف الباء، مع أنها «عَبّادان» (بفتح العين وتشديد الباء)، ومنه المثل المعروف "ما بعد عبّادان قرية".
ومثلها التبت، ينطقونها التيبت مع أن لفظها العربي يُبَّت، بضم التاء وتشديد الباء المفتوحة.
وربما تركوا الفصيح؛ لأن العامة تستعمله، وجاؤوا بما لا أصل له في
стр. 194
اللغة، كقولهم: «دهست السيارة رجلاً»، مع أن «دهس» لا أصل لها واللفظ الفصيح هو «دعس».
ومن الخطأ الشائع قولهم: «اغرُبْ عني» بغين وراء، مع أنها «اعزُبْ» بعين وزاي، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عن عِلمِهِ مِثْقالُ ذَرّة﴾.
ومن ذلك قولهم: «مرأة»، مع أنها «امرأة». فإن عُرّفت قيل «المرأة».
ومن الأخطاء الشائعة -في مصر- أنهم يؤنثون الرأس، فيقولون: «هذه رأسي» و «رأسه ناشفة». ويجري هذا الخطأ على أقلام أكثر الكتاب، مع أن الرأس مذكر، والعرب لا يؤنّثون الرأس ولا يرئّسون الأنثى.
***
стр. 195
طاقة أفكار (٢)
العامي الفصيح
نشرت سنة ١٩٦١
ولا تزال تدور على ألسنة العامة آلاف من الكلمات الفصيحة، وأنا مولع باستعمالها والتنبيه عليها على أنها «من العامي الفصيح»، وقد أشرت في حواشي كتبي إلى أكثر من مئتي كلمة منها. وعامية الشام أغنى اللهجات العامية بالفصيح.
وكان الأستاذ أحمد تيمور باشا قد تتبع الفصيح في عامية مصر، وألف فيه معجماً طبع منه أجزاء، وكان في مكتبتي اثنان منها فُقدا من أكثر من عشرين سنة. وقد قرأت أن ابنه، الأستاذ محمود تيمور، ألف في هذا الموضوع، ولست أدري هل جاء بشيء جديد، أم نشر ما كان وضعه أبوه؟
وكنت في زيارة أستاذنا الدكتور الشيخ أبي اليسر عابدين، المفتي العام، فأراني رسالة له مخطوطة أسماها «الرداف اللغوية للألفاظ العامية» فيها فوائد جليلة، أنقل منها -على سبيل المثال- قوله:
«نتفة نتفة»؛ أي قليلاً قليلاً، وأصلها نطفة. وذكر النووي في شرح مسلم: «أن نبي الله ﷺ قال: هل من وضوء؟ فجاء رجل بإداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة؛ أي نصبّه صبّاً شديداً» والنُّطفة
стр. 196
الماء القليل الذي يبقى في دلو أو قربة، جمعه نِطاف أن نُطَف، ولا فعل للنطفة. ويجوز أن يكون من مادة «النتف» لمجاز قولهم: «نَتَفَهُ» لمن ينتف من العلم شيئاً ولا يستقصيه؛ نقله الجوهري. وأعطاه نُتفة من الطعام وغيره؛ أي شيئاً منه. قلت: ولكن كون أصلها من مادة الطاء أوجه لقولهم في النطفة: أصل معناها القطرة، ومنه نطفة الرجل لما يكون منه الولد.
...
ووجدت لديه كتباً أخرى، ألفها ولا تزال مخطوطة، في التفسير وفي الفقه وفي الحديث، وكثير منها في اللغة. فمن ذلك كتاب: «الأصول والكليات اللغوية»، وسأعود للحديث عنه وعن كتب أخرى للشيخ في الحلقة المقبلة بإذن الله.
***
стр. 197
طاقة أفكار (٣)
مباحث لغويّة
نشرت سنة ١٩٦١
قلت إنني وجدت لدى الشيخ أبى اليسر عابدين كتباً ألّفها ولا تزال مخطوطة، منها كتاب: «الأصول والكليات اللغوية»، وهذه أمثلة منه:
كل ما كان مختصاً بالنساء من الصفات يُستغنى فيه عن العلامة، فيقال ثيب لا ثيبة، وقاعد لا قاعدة؛ لاختصاصها بالنساء. والقاعد التي قعدت عن الولد وعن الحيض وعن الزوج. وإذا أردت القعود بمعنى الجلوس قلت قاعدة.
كل ما كان من العيوب والعاهات تكون عين الفعل الماضي فيه مكسورة والمضارع مفتوحة، فمَن كان مشقوق الشفة العليا يقال له «أعلم» والفعل الماضي منه علِم (بكسر اللام)، وفي المضارع يعلَم (بفتحها)، وفي المصدر عَلَماً (بفتح اللام أيضاً). فإن كان مشقوق الشفة السفلى يقال له «أفلح» بالفاء والحاء المهملة، والفعل منه كما تقدم في الأعلم. يقال فَلِح يفلَحُ فَلَحاً. وهذه القاعدة مضطردة في العيوب والعاهات كلها؛ تقول: خرِس يخرَس خَرَساً، وبرِص يبرَص بَرَصاً، وعمِي يعمى عَمَىً. واسم الفاعل منه «أفعل» مثل: أخرس وأبرص وأعمى وأعلم وأفلح.
стр. 198
وللشيخ أبى اليسر كتب أخرى منها: «القول السديد في إعراب الشريد» وفيه جزء خاص لإعراب بعض الآيات المشكلة، و «الإيجاز في تفسير آيات الإعجاز»، و «الصوم على المذاهب الأربعة مع أبحاثه الطيبة»، و «الأحاديث المشتهرة»، و «الأجوبة البديهية»، و «أغلاط المؤرخين» يحوي التنبيه على ما هو كذبٌ بيقين، و «علم الأصول»، و «التذكرة الجليلة»، وهو ذيل لتذكرة ابن حمدون، ورسالة «لِمَ سُمّي» وفيها سبب تسمية كثير من الأشياء، و «بسط الكف في التعدي بالحرف» تبحث عن الأفعال بما تتعدى به لمفاعيلها وعن الحروف بأي الأفعال تختص، قال: "ولم أر من سبقني بها". و «رسالة في الأحاديث المتواترة»، و «رسالة في جوامع كلمه ﷺ »، و «موافقات الصحابة زيادة عن موافقات العمادي»، وكتب ورسائل غيرها.
...
وأنا أعتذر إلى القراء، فما أردت بما كتبت مدح الأستاذ المفتي، ولا الدعاية له، وهو مستغنٍ -بعلمه ومنصبه- عن الدعاية، ولكن أردت تنبيه وزارة الثقافة التي حملت نفسها تشجيع المؤلفين وطبع الكتب، وتنبيه الناشرين، إلى ما في نشر هذه الكتب من نفع للناس.
وأردت شيئاً آخر، وما كل ما نريد يكون؛ هو أن تفكر الحكومة في تفريغ بعض العلماء للتصنيف والتأليف، كما فرّغت ناساً من الأدباء للكتابة والإنتاج. وإذا كان الأستاذ المفتي -على سبيل المثال- ألف هذه الكتب كلها مع شغله كله، فماذا يكون منه لو أعطيناه راتبه وقلنا له: أغلق عليك بابك، وانصرفْ إلى كتبك وتأليفك؟
***
стр. 199
طاقة أفكار (٤)
تكريم الأحياء
نشرت سنة ١٩٦١
ولماذا نهمل رجالنا في حياتهم، لنكرمهم بعد مماتهم؟
هذا شيخ الشام، ونادرة الدهر، الشيخ عبد المحسن الأسطواني. مَن يزوره ليؤنس وحدته، ويستفيد منه؟ وأين، ومتى نجد رجلاً آخر مثله؟ عمره مئة وسبع عشرة سنة بالضبط، ولا يزال في حدة ذهنه، وحضور فكره، ويقظة ذاكرته كما كان وهو شاب. ولا نزال نرجع إليه ونستفتيه إلى الآن. إنه تاريخ حي لقرن من الزمان، فهل توفد إليه وزارة الثقافة من يلازمه، ويسمع منه ويروي عنه؟
وهذا شيخ المعلمين الأستاذ عبد الرحمن السفرجلاني، وشيخ القضاة الشيخ حسن الشطي، وأمثالهم، وأمثالهم ... فما أردت الاستقصاء ولكن التمثيل. فمن يقوم بحقهم، ومن يتفقدهم ويسأل ما حالهم؟ والباقون من أساتذتنا في «مكتب عنبر» ... إن تلاميذهم يملؤون البلد ويقعدون على أفخم كراسي الحكم، فكم من تلاميذهم من يزورهم ويقضي بعض ديون الوفاء في أعناقنا لهم؟
وليس الفضل في أهل العلم وحدهم، فإن في التجار وأرباب الأموال
стр. 200
والأعمال من بلغوا في المروءات والمكرمات الذروة العليا، فهل أدّيْنا لهم من التقدير والثناء بعض ما يجب لهم.
لماذا لا نسارع إلى تكريم الأحياء؟ هل ننتظر أن يموتوا حتى نندبهم؟
إننا ننسى الأموات كما ننسى الأحياء. لقد مات أستاذ الجيل وصاحب الفضل على كل من خط في هذا البلد بقلم ومنشئ المجمع العلمي، محمد كرد علي، فما أقيمت له حفلة تأبين.
ومات بالأمس شيخ المربين وأستاذ الأساتذة، مصطفى تمر، فما مشى في جنازته مئة إنسان.
ومات قبله الإمام العلامة المعمَّر، من كان مفتي الشام قبل خمسة مفتين، وكان رئيس أكبر محكمة في البلاد، وكان وزيراً وكان نائباً عن دمشق في إسطنبول قبل ستين سنة، سليمان الجوخدار. ومات شيخ الوطنيين وقائد المجاهدين ورئيس جمعية العلماء، الشيخ كامل القصاب، فما ذكرهما ذاكر.
ولو شئت لعددت عشرين من الأعلام، منهم أستاذنا وأستاذ كل مشتغل بالعربية وكل مدرّس لها، الشيخ عبد القادر المبارك، فما كان لهم منّا إلا التقصير والإهمال ... ولكن ضاق المجال، وطال المقال، وما عند الله خير وأولى، فيا رب أرحمهم وتول أنت مثواهم.
***
стр. 201
القسام الثاني
مختارات من المقالات القصيرة
التي كتبها المؤلف في وقت مبكر من حياته
ولم تُنشرَ في أي كتاب من قبل
стр. 202
اسمعوا يا عباد الله (١)
(قطعةٌ من حديث ...)
نشرت سنة ١٩٢٩
هذه قطعة من حديث سمعتها بين اثنين، أنقلها كما سمعتها:
- ....... وأن مثلهم في ذلك كمثل الإخوة والعمليق.
قال: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أن إخوة سبعة ورثوا عن أبيهم قصراً عظيماً وأموالاً طائلة، فأطلقوا لأنفسهم فيها العنان تبذيراً وإسرافاً. وكان بجوارهم عمليق قوي العضل، مفتول الساعد، رأى ما هم فيه فاتصل بهم وخالطهم، فعرف دخيلة أمرهم، وعجز حيلتهم، فبيّتهم في نفر من أصحابه، فما استطاعوا لهم دفعاً تم تقاسموا أموالهم، وحبسوا كلاً منهم في غرفة، وضموا إليه أحدهم ليكون وصياً عليه؛ يبتز أمواله ويتصرف به كما يشاء! ...
ثم عرض لأصغر الإخوة عدو يريد أن ينتزع غرفته زاعماً أنها كانت معبداً لأسلافه قبل أن يمتلك أبوهم القصر فهو يريد أن تعود إليه، فأبى ذلك
стр. 203
عليه الأخ، وأصر هذا على غرضه، فتخاصما ... وكان مع العدو سلاح وعدة وليس عند ذاك إلا هراوته.
فدافعه بها ما استطاع واستصرخ إخوته.
فهاجوا وصاحوا بالعمالقة: إننا نحتج وننكر هذا الاغتصاب ونعلم أننا محقون، وإن لم تردعوا هذا العدو فعلنا وفعلنا ...
وما زالوا يصيحون حتى بُحّت أصواتهم وانشقّت حناجرهم، ثم آووا إلى غرفهم فناموا هادئين يحسبون أنهم صنعوا شيئاً، وملأ أهل العدو وشيعته الدنيا شكاة وعويلاً ...
قال: وماذا يكون بعدُ إلا ما كان قبلُ؟ سيصبحون فيجدون الأخ مقتولاً! والعدو الدخيل مالكاً! والعمليق بادية نواجذه من الضحك عليهم، والأمل في القضاء على ما بقي من عزهم!
...
هذا ما سمعته من حديثهما، والفطن من فهم.
***
стр. 204
اسمعوا يا عباد الله (٢)
(قطعةٌ من حديث ...)
نشرت سنة ١٩٢٩
- ..... كالذي زعموا أن رجلاً برع في فن «الميكانيكيات» وتسيير القاطرات، وذاع خبره، وانتشر صيته. وكان له ولد فأراده على تعلم هذا الفن؛ حتى تبقي لهذه الأسرة شهرتها بإتقانه، ولا تتبدد بموت هذا الشيخ. فاعتذر الولد بأنه صغير وأنه سيجدّ فيه بعدُ ... فتركه حيناً ثم عاد إلى دعوته فعاد الولد إلى اعتذاره. وبين دعا واعتذَرَ، تصرّمت حياة الأب فمات.
وطلب صاحب العمل من يقوم مقامه، فقام إليه الولد، فقال صاحب العمل: "الولد أحق بمكان أبيه، ولكن سَوق القاطرة شاق لا يقوم به إلا خبير، وفي منتصف الطريق عقبة لا يجتازها إلا حاذق. فما بلغ من معرفتك أيها الفتى؟ ". فقال: "إنني كأبي، وأفوقه بقوة الشباب ... ".
فسرّ صاحب العمل، وذهب به إلى القاطرة ليسوقها. فدهش وارتبك وقال: "أما هذه فلا أعرفها، ولكني كأبي ... وأفوقه بقوة الشباب، وأنت حليم! ". فقال: "إذن أنت تحذق تصليحها؛ فهلمَّ إلى المصنع ... ".
ولم يكن رآه قبلُ فهالَهُ وأعظم ما فيه فقال: "أما هذه فلا أعرفها،
стр. 205
ولكني كأبي ... وأفوقه بقوة الشباب، وأنت حليم! ". فقال: "إذن أنت تبصر أمر الاختراع وترقيه؛ فهناك ... "، فقطع عليه كلامه قائلاً: "أما هذه فلا أعرفها، ولكني كأبي ... وأفوقه بقوة الشباب، وأنت حليم! ".
وما زال يعرض عليه كل عمل فيجيبه بالجواب نفسه حتى برم به، فقال له: أيها الغرّ الأحمق! لا السوق تعرفه، ولا التصليح تحذقه، ولا الاختراع تعلمه، فبماذا كنت كأبيك؟! ... وطرده.
وقال المحدَّث: إنه ولد أبله رقيع! فمَثَلُ منْ هذا؟
قال: مَثَلُ المسلم؛ لا الصلاة يقيمها، ولا الأحكام يعرفها، ولا السنة يَتبعها، ولكنه يقول: "إني مسلم كأبي وأفوقه بمعرفة الفنون والعلوم ... وفضل الله واسع! " ... ولله المثل الأعلى.
...
ثم ذهبا فانقطع عني حديثهما.
***
стр. 206
اسمعوا يا عباد الله (٣)
(قطعةٌ من حديث ...)
نشرت سنة ١٩٢٩
- ...... الوَيْل لكَ يا هذا، ما تنفكّ تحدثني، وتعمى عن هذا الرجل يقتطع من أحاديثنا قطعاً، ولا أدري والله ما يصنع، غير أني خائف أن ينالنا بشرّ، وإني أراه يتربص بنا الدوائر. وليس بالرجل الحكيم من وثق بعدوه وركن إليه، وقد قالت الحكماء: ثلاث من ارتجاهنّ من ثلاث فهو أحمق: الماء من النار، والرزق من المخلوق، والنفع من العدوّ ... وإن مثلك -في هذا- كمثل المعارف والغراب، حين وثقن به فأهلكهن.
قال: وكيف كان ذلك؟
قال: زعموا أنه كان بمدينة كذا جماعة من المعارف (١)، وكان عليهنّ وزير منهنّ، وكنّ قد شَدَدْنَ وَكْرَهُنّ إلى شريعة ولغة (٢) قائمتين على ضفّة نهر جارٍ، فَعِشْنَ فيه دهراً على خير ما عيشة، حتى نزل بهن -ذات يوم- غرابٌ جائع اسمه «رَوْجَة»، فشفقن عليه ورأفنَ به، فأطعمنه وسقينه، فلما شبع وروي رأى ما عندهن من الحب؛ فطمع بهن، فقام فيهن خطيباً فقال:
стр. 207
"إنكنّ قد أحسنتُنّ إليّ وإني مكافئكنّ على إحسانكنّ، اعلمْنَ أني آتٍ من بلد أرقى من بلدكن، وعندي من العلم ما ليس عندكن، فاتبعنني واتخذنني مستشاراً لوزيرتكنّ أنهضْ بكنّ فتصِرن أمة من الإوز".
فقلن له: "أنظرنا حتى نرى رأينا". وانتحين ناحية يتشاوَرْنَ، فقالت حكيمتُهنّ: "إن هذا الغراب يفسد عليكنّ أمركنّ، وعامل على إهلاككنّ بقطعِكُنّ عن أصلكنّ، فقمن إليه فافقأن عينيه، واعلمْنَ أنه مَن صادق ما ليس من طبعه أصابه ما أصاب البيت من النار". قُلنَ: "وكيف كان ذلك؟ ".
قالت: إنه كان في روضة غناء بيت جميل أمام نهر جارٍ، وإنه لبث ما شاء الله أن يلبث، ثم بدا له فقال: "ما أشَقَّ الحياة بلا رفيق ولا أنيس، وما أشقى من يقيم وحده لا يجد من يشاطره سرّاءه وضرّاءه، وإني منطلق فمبتغٍ لي صديقاً". ولكنه لم يجد إلا النار فخاللها، وباتا متعانقين، فلم يصبحا حتى أصبح رماداً ... وإني خائفة عليكنّ صحبة هذا الغراب، فأطعنني اليوم واعصينني آخر الدهر.
فأبينَ ذلك عليها، وأعرضْنَ عنها، وذهبن إلى رَوجَة فاتخذْنَه مستشاراً. فقال لهن: "المستشار مؤتمَن؛ وأنا واضع لكنّ برنامجاً إذا أنتنّ عملتُنّ به صيركنّ أمة راقية من الإوز. فقمن إلى هذه الأسباب التي تربطكنّ بهذه اللغة وهذه الشريعة فاصرمْنَها واتركن وكركنّ يسبح بالماء، فإنه لا ينتهي النهر إلى مصبه حتى ينتهي أمركن إلى ما أردتنّ". فأطعنَه، وفعلن ما أراد لهن، فما شَعَرن إلا وهن يتخبطنَ في الماء، والغرابُ ناجٍ بما اختزنَّ من الحب.
...
هذا ما سمعته من حديثهما، وإن فيه لعظة لقومي لو كانوا يفقهون.
***
стр. 208
إلى شباب «اليويو»
نشرت سنة ١٩٣٢
شكراً لكم يا إخواني ... الله يعطيكم العافية، ويبارك فيكم؛ لقد رفعتم شأن بلادكم وسموتم بها.
أما إن بلادنا أصبحت اليوم -في العظمة والمجد والحضارة- كأميركا وأوربا، لا تقلّ عنهما في شيء، ولا يستطيع امرؤ في الدنيا أن يزعم أنها تقل عنهما في شيء، لأن في أيديكم الدليل القاطع على تكذيبه، وهو هذه «اليويو» المباركة!
وكيف لا؟
ألم تلعبوا بها كما لعبت أميركا وأوربا، وتنفقوا في شرائها الأموال الجمة، كما فعلت أميركا وأوربا؟ فأي فرق -بعدُ- بينكم وبينهم؟ سوى أنهم قوم يعملون كثيراً ويتسلون بها قليلاً، وأن أموالهم كثيرة فهم ينفقون فيها قليلاً، وأنها من مصنوعات بلادهم فلا تتسرب أثمانها إلى خارجها ... وهذا فرق بسيط لا يُذكر!
فلكم -يا شباب اليويو- الفضل والشكر.
***
стр. 209
قد نالت البلاد أمانيها، وبلغت غايتها، فلم يبقَ عليكم إلا أن تلعبوا وتمرحوا، فأقبلتم على شراء «اليويو» علامة الحضارة، ودليل التقدم والتمدن!
وقد تخمت البلاد بالمال، وضاقت به جيوب أهلها حتى عجزوا عن حمله، وضجروا من كثرته، فخففتم عن الناس فقذفتم بهذا المال إلى الخارج؛ ليأخذوه فيتعبوا به، وتأخذوا أنتم «اليويو» فتلعبوا بها!
وقد درستم وتعلمتم، فلم يبقَ للعلم من فائدة، ولم يبقَ في البلاد أمّي، ولا شاب جاهل، ولا عالم عاطل، وتعبتم من هذه المشروعات العظيمة التي قمتم بها؛ المشروعات العلمية والفنية، فلم يعد أمامكم إلا هذه «اليويو» تتسلون بقذفها!
...
فمَن يستطيع لومكم؟ مَن يقدر على تحذيركم من هذه اليويو، بعدما أوضحتُ فوائدها وحسناتها؟
لا أحد. فالعبوا مطمئنين، وإذا كان ليويو كم هذه من ضرر فهو ضرر طفيف لا يُعتدّ به ... ولكنه لا يهم. فالعبوا ... واهتفوا وأنتم تقذفون لعبتكم: "لتمت البلاد، ولتحيَ اليويو".
***
стр. 210
«صحفي» !
نشرت سنة ١٩٣٢
كان على درجة من الاطلاع والعلم لا بأس بها. لولا أنه كثير الفخر بهذا العلم، فلا يدع مجلساً يُذكر فيه العلماء والمثقفون إلا وتحدث فيه عن نفسه؛ بأنه درس كثيراً من العلوم في الصف السادس الابتدائي، منذ عشر سنوات. وعلى الرغم من أن هذه العلوم الجليلة قد تبخرت من رأسه فقد بقي مجيداً للقراءة والكتابة، يقرأ المقالة ذات العمودين ولا يخطئ إلا عشرين خطيئة، لا في النحو والصرف؛ فهذا مُغتفر له، بل في التهجية، ولا مؤاخذة! أما أخلاقه فلم يكن فيها من عيب إلا أنها على غاية من ... وأنها نموذج كامل للـ ...
...
مرّت سنوات لم أره فيها، ولم أفكر فيه أبداً؛ بم لأن صلتي به لم تكن تتعدى حد السلام، ولأنه خالٍ من كل ميزة علمية أو أخلاقية أذكره بها، وليس فيه إلا جماله وأنه غض غريض جذاب، ولكن هذه ميزة تعني غيري!
رأيته منذ أيام، بعد غيبة عني هذه السنين، فسلمت عليه كعادتي فلم
стр. 211
يرد عليّ كعادته، ولحظت أنه يسير منتفخاً كالكرة، شامخاً بأنفه إلى أعلى. فعجبت من شأنه وعزمت على التحدث إليه لأرى أي عظمة أفيضت عليه؛ أأصاب إرثاً من قريب له في أميركا (بلد المال) أم صار زعيماً في الشام (بلد الزعامات)؟ وإذا كان زعيماً فلماذا لا تصدره الشام إلى بلاد الله الأخرى، كما تصدر كل بلد ما تنتجه، فتعوض بإصدار هذا النوع ما خسرته من «القمر الدين» ولا تنتبه البلاد الأخرى إلى أنه «مغشوش» لأن الغش فيه فنيٌّ يصعب اكتشافه!
ولحقت به ففتحت معه باب الحديث: ها، سلامات سيد؟ ... سيد؟
- «فلان»! ... سلامات.
- كيف الحال، إن شاء الله بخير، لم أرك منذ مدة، هل كنت مسافراً؟ ماذا تعمل في هذه الأيام؟
- والله ... صحافي!
- صحافي؟ .. ها، لعلك درست في هذه السنين، وأحطت بما لا بد منه للصحافي من ثقافة واطلاع و ...
- درست؟ أنسيت أن متخرج من ...
- من الصف السادس الابتدائي. أعرف ذلك، ولكن الصحافة تحتاج إلى أكثر من هذه المعلومات. وكما أنه لا يجوز لامرئ أن يكون معلماً أو محامياً أو طبيباً إلّا بعلم وشهادة فكذلك لا يجوز لأي إنسان، جاهلاً كان أو ...
وكنت أريد أن أمضي في حديثي لأكشف النقطة التي خفيت على
стр. 212
كثيراً، لولا أنه فاجأني بقهقهة مريعة أرعبتني، وضربة على كتفي جعلتني أقف مبهوتاً، ثم قال: "شو ها الحكي؟ بلا علم بلا ثقافة؛ نحن في الشام! ".
فأدركت حقيقة الواقع المؤلمة، وانصرفت عنه وأنا أقول: ولهذا صارت الشام دون بلاد الله .. اللهم زد في صحافيينا المحترمين وبارك! (١)
...
стр. 213
أبناؤنا وتاريخنا (١)
نشرت نحو سنة ١٩٣٠
قالت لي أمس بُنَيَّةُ قريباتٍ لنا جئن يَزُرننا: أي شيء هي الخنساء؟
قلت: هي امرأة. فما يدريك أنت بالخنساء؟
فقهقهت ضاحكة، وقالت: وما يدريني؟ أنا من مدرسة الخنساء!
قلت: ويحك يا بنية، لا أكاد أفهم عنكِ، فما هي مدرسة الخنساء؟
فزادها سؤالي ضحكاً، وانطلقت تثب وتقفز، وتشير بيديها، وهي تقول: أنت لا تفهم! هي مدرستنا، مدرستنا، صار اسمها مدرسة الخنساء.
ثم عادت إليّ فسألتني: والآن، هل فهمت؟ قل لي، لماذا سمّوا المدرسة باسم الخنساء؟
قلت: لأنها كانت عظيمة.
قالت: يعني ماذا؟
قلت: إنها كانت شاعرة؛ تنظم الشعر.
قالت: مثل المحفوظات؟
стр. 214
قلت: نعم، ثم إنها كانت امرأة عاقلة، مسلمة، جريئة ...
قالت: أريد أن أكون مثل هذه الخنساء!
قلت: إذن فكوني من اليوم عاقلةً مسلمة جريئة ...
قالت: وأعمل محفوظات!
قلت: لا. ليس الآن!
...
وجلست أفكر في هذه السنّة الحسنة التي استنّتها وزارتنا الجليلة، وأفكر في أن كل تلميذة في هذه المدرسة ستسأل عن الخنساء، وستتعلم كثيراً من الفضائل، وكثيراً من السجايا، وأن كل تلميذ في مدرسة الصديق والفاروق وخالد بن الوليد ﵃ سيسأل عن خالد والفاروق والصديق، حتى يعلموا جميعاً أن هؤلاء الأبطال الذين ملكوا زمام الدهر، وكانوا سادة الدنيا وأساتذة العالم، والذين هم فخر الإنسانية وخلاصتها، إنما هم أجدادهم وأسلافهم، الذين يجب عليهم أن يفخروا بهم، ويسيروا على سننهم، ويبعثوا مجدهم بعثاً جديداً.
***
стр. 215
أبناؤنا وتاريخنا (٢)
نشرت نحو سنة ١٩٣٠
وإني لفي ذاك وإذا بالباب يُدق، وإذا بصديق لي من كرام الحجازيين جاء يزورني، فاستقبلته وحييته وملت معه بالحديث يميناً وشمالاً، ثم قلت له: ألك في أن تسمع طفلة صغيرة تسأل عن الخنساء وتَتَقصّى حديثها، وترجو أن تكون مثلها؟
قال: ما أرغبني في ذلك!
فناديت: يا فلانة ... أقبلي.
فجاءت تعدو، وجاء معها أخ لها في الصف الخامس، أي أنه سيكون مشهوداً له بعد ثلاثة أشهر بأنه أكمل الدراسة الابتدائية. فسرني أن يأتي معها، وقلت في نفسي: لعل الصغيرة تعجز أو تجبن عن الجواب، فيجيب هذا ولا تسودُّ وجوهنا أمام ضيفنا.
وآنسها الضيف ولاطفها، ثم قال: يا بنيّة! بلغني عنكِ ان نك تحبين التاريخ، وإني سائلك سؤالاً هيناً، فإذا أنت عرفتِه، فلك هذه السكرة. وأخرج لها سكرة محشوة، سال لها لعاب الطفلة، فقالت: سَلْ!
فقال: وإني مسهّلٌ عليك السؤال، ما اسم والد النبي ﷺ ؟