وأكرم من عمر الذي كان يحكم -وحدَه- ما بين حدود فرنسا وحدود التُبَّت، لا رادّ لحكمه ولا ناقض لإبرامه، وليس فوقه إلا الله؟ وهل تتصورون أن يكون في الدنيا موضوع أتفه وأسخف من جدار فرتونة ودجاجها؟
ومع ذلك لم تمنع عمرَ بنَ عبد العزيز جلائلُ الأمور من أن يهتم بشكَاة فرتونة، ويكتب بشأنها إلى والي مصر وقائدها العام أيوب بن شرحبيل، وأن يجيبها مطمئناً ومخبراً.
هذا خبر من آلاف الأخبار التي يطفح بها تاريخنا أسوقه إلى رجلين: رجل يزهد في تاريخنا ويحقره ويولي وجهه تلقاء الغرب في كل شيء؛ يظن أن الخير لا يأتي إلا منه، والنور لا ينبثق إلا من جهته، وينسى أنها من الشرق تشرق الشمس، ومن الغرب تأتي الظلمات ... ورجل ولي ولاية، أو نال وزارة، فتكبر وتجبر، وطغى وبغى، وحسب أنه ساد الدنيا، فلم يعد يردّ على كتاب ولا يحفل بشكَاة ولا ينظر إلى أحد ... لعله يتنازل فيرضى أن يكون بمنزلة عمر الذي كانت الدولة السورية كلها ضيعةً واحدة في دولته، ثم لم يمنعه ذلك أن يهتم بحائط فرتونة السوداء ودجاجاتها، وأن يشغل والي مصر وقائد جندها بشأنها، وأن يرد بيده على كتابها!
ألا تتنازلون -يا سادتي- من معاليكم فتكونوا مثل عمر؟!
***
стр. 72
مثل الساعة !
لما وصل الترام ذات يوم إلى المرجة أخرجتُ ساعتي -على عادتي- لأضبطها، وقلت لجاري: "كم الساعة من فضلك؟ "، فنظر إلى ساعة المرجة وقال: "سبعة ونصف"، فقال الآخر: "بل هي سبعة ونصف وخمس دقائق".
فنزلنا من الترام ونظرنا، فإذا وجه الساعة الذي يواجه فندق أمية يختلف عن وجهها المقابل للمحافظة (ولم أنظر علامَ ما يدلُّ وجهها الثالث!).
فقال أحد الوقوف: "قبح الله هذه الساعة! " قلت: "وما لها؟ ". قال: "إنها سبقت المنافقين وإن المنافق بوجهين ولسانين، وهذه بثلاثة أوجه وثلاثة ألسنة".
قلت: إنك تتكلم عن منافقي الزمان الماضي، وقد ارتقت الدنيا اليوم وتقدم الناس، وصار من المنافقين من له خمسون وجهاً؛ يختار كل يوم الوجه المناسب كما يختار رباط عنقه! وله خمسون لساناً يركّبها عليها ويبدّلها -كلما تبدل الحكام- كما يغير ثيابه كلما تغير الجو! (وما أكثر ما تغير الجو من أيام الأتراك إلى أيام الفرنسيين إلى أيام الاستقلال والعهود التي جاءت بعده ... وهم -أبداً- جماعة كل عهد وأحباب كل حاكم). وكيف لا تكون هذه الساعة علَمَ الفوضى وقد أقيمت لتكون شارة الضبط والنظام؟ ألا ترى وجهها الغربي سابقاً لأن في الغرب الشوارع الفساح
стр. 73
وأحياء الأغنياء التي جعلتها المحافظة تسبق وتتقدم وتأخذ الذي لها والذي لغيرها، والوجه الشرقي يدل على التأخر لأن في الشرق المدينة القديمة الفقيرة التي لا تهتم بها المحافظة؟
قال الرجل: إنك تظلم المحافظة. وما للمحافظة يدٌ في فساد الساعة؛ إنما هم الكناسون يجيئون الفجرَ متأخرين فيدفعون عقرب الساعة بذنَب المكنسة.
قلت: الآن حزرت! إنه ذنَب المكنسة؛ ولكنه ذنَبٌ طويل يصل إلى كل ساعة في المحافظة وفي غير المحافظة فيفسدها ويضر الناس كلهم أبلغ الضرر ليجلب نفعاً قليلاً لفردٍ واحدٍ منهم. إنها أخلاقنا -يا صاحبي- سَرَتْ عدواها إلى الساعة؛ فلم يعد للوقت قيمة ولا ضابط، ولم يبقَ مِن دافع إلى الصدق ولا مانع من الكذب، وصار النفاق فضيلة، وغلبت مصالحُ الأفراد مصلحةَ الأمة.
إنها عدوى سرت إلى الساعة وهي حديد، فكيف لا تسري في النشء وهم من لحم ودم؟!
***
стр. 74
وظِّفوا الأصلح
أحب أن أرجع اليوم إلى هذه الكتب التي سماها أعداؤنا الكتب الصفراء لينفروا منها شبابنا ويصرفوهم عنها، لا حباً بهم بل خوفاً منها؛ فهم يعلمون أن في هذه الكتب ثروة لا تفنى من الفضائل والقوى، وهم لا يريدون أن تقوى. وفيها أقوى الدوافع إلى اليقظة والجهاد، وهم لا يحبون أن نتيقظ ولا أن نجاهد.
في هذه الكتب قاعدة من قواعد ديننا اشتمل عليها هذا الحديث الجليل؛ هي أن من ولى أحداً أمراً عاماً من أمور المسلمين، وفي الأمة من هو أصلح له وأقدر عليه، فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين. أي أن الحاكم الذي يعين موظفاً في وظيفة من الوظائف قبل أن يفتش ويبحث وينظر هل في الأمة من هو أصلح لها منه (وقبل أن يعلن الأمر ويدعو الراغبين فيها الصالحين لها إلى المسابقة) والذي يجعل من أسباب الترجيح والتقديم القرابة والصداقة والرابطة الحزبية .. والمنتخِب الذي ينتخب للنيابة رجلاً وفي المرشحين من هو أحسن منه .. والرئيس الذي ينتقي للوزارة رجلاً وعنده من هو خير منه .. كل أولئك ينطبق عليهم هذا الحديث.
والمسلم ليس الذي ينطق بالشهادة ويصلي ويصوم ويحج فقط، بل الذي يكون في أخلاقه ومسلكه متّبعاً ما جاء به الإسلام، واقفاً عند أمره
стр. 75
ونهيه، مؤثراً أحكامه على شهوات قلبه وميول حزبه. وإن للمسلم موازين ومقاييس يعرف بها هل هو مسلم حقاً، أم هو مدع منافق، فإذا كان من أولياء الأمر، وسمي له رجلان لوظيفة أحدهما نكرة مجهول لا صلة له به، بل ربما كان عدوه وخصيمه، وثانيهما صديق معروف، له عليه فضل المعونة في الانتخاب، وحق المشاركة في الحزب، وكان الأول أفضل منه بوزن شعرة واحدة، واختار الثاني للوظيفة ... فإنه يكون خائناً.
أقول هذا وأنا لا أريد وظيفة ولا أطلبها لصديق ولا قريب. ما أقوله إلا لأن على العالم أن ينصح، وعلى الكاتب أن يبين، فإذا سُمعت هذه النصيحة فإن الحمد لله، وإن مرت كأنها نسمة في صحراء، فإن حسبي أني قد بلّغت.
***
стр. 76
التلميذة الخالدة
لقد سأل الأصدقاء عني، أين كنت، وعن كلمتي الصغيرة يوم أول أمس، فلم أكتبها؟ فيا أصدقائي، إنني كنت في رحلة.
رحلة نسيت فيها الجريدة والبيت والمحكمة، وهذا العالم الأرضي الذي أعيش فيه ... رحلة عدت منها بشباب جديد، وهمة جديدة، ورجعت وكأنه قد رُد عليّ ما أخذته الأيام من نشاطي وآمالي ... رحلة ليست إلى سهل ولا إلى جبل، ولا إلى بر ولا إلى بحر، ولكن إلى عالم مسحور من عوالم العبقرية نقلتني إليه بنت اسمها حواء.
بنت عبقرية في الأدب، تتحدث عن أم عبقرية في العلم، حديثاً لم يصنعه الخيال ولكنه يزري بكل ما يصنع الخيال، ولم يجاوز التاريخ ولكنه يفوق كل ما يبدع الأدب.
إنها قصة «التلميذة الخالدة» لإيف كوري (وإيف -بلغتهم- هي حواء)، أروع قصة قرأتها للجهاد في سبيل العلم، والإخلاص له، والصبر عليه، والظفر به.
وإني لأجدني مسيئاً إلى هذا العمل العظيم إذا أنا شوهته بتلخيص أو عرض أو اقتباس، فيا أيها الطلبة والطالبات، اقرؤوا قصة «التلميذة الخالدة».
стр. 77
اقرؤوها فلعلها تثير في نفس واحد منكم موهبة كامنة قد تهز الدنيا، ولكن صاحبها لا يدري بها.
اقرؤوها فلعلها تخرج من بينكم عالماً من علماء المستقبل، لا يعرف نفسه فهو يضيعها في سفاسف الأمور، ويغرقها في خضم العمل.
اقرؤوها لتفتشوا بعدها عن قصص الجهاد العلمي في تاريخنا وفي تواريخ الأمم؛ فإن العلم لا وطن له، والعبقريات لا تخضع لقوانين الجنسيات.
وستجدون في تاريخنا مئات ومئات من الرجال صبروا صبر مدام كوري وجاهدوا جهادها، وطلعوا على الدنيا بأروع ثمرات هذا الصبر، وكانوا من بناة العلم، ولكن الله لم يقيض لهم من يتقصى أخبارهم ويقص سيرهم. وستعلمون أن السّرَخْسي أملى «المبسوط» أعظم كتاب في الفقه وهو محبوس في جب في بطن الأرض، وابن تيميَّة كتب أمتع رسائله وهو سجين في قلعة دمشق، والشيخ المرصفي شرح «الكامل» وهو على حصير في غرفة مقفرة، وأمامه كتبه وحول الحصير خط من الدبس يحيمه من هجمات البق. وأنها أُلّفت على أضواء السُّرُج، وفي غمرات الفقر والقر والضر أجلُّ المؤلفات التي تزخر بها المكتبة العربية ويفخر بها أهلها على الأمم. وسترون في الدنيا لذة أكبر من لذائذ الطعام والشراب والنساء وأبقى وأنقى، هي لذة البحث العلمي.
يا أيها الطلاب الجامعيون والطالبات، اقرؤوا «التلميذة الخالدة».
***
стр. 78
العلاج حق للناس
هل يسمح لي القراء أن أتحدث اليوم عن نفسي؟
إن فيكتور هوغو كان يقوله: "إذا أنا وصفت آلامي في الحب وصفت آلام كل محب"، وأنا في كلامي اليوم عن نفسي أتكلم عن كل موظف مثلي.
أنا مريض أُملي هذه الكلمة وأنا في الفراش، ومرضي من حصاتين في الكليتين لا بد لهما من عمليتين، ولكني لا أقدر عليهما. لا لخوفي منهما بل لعجزي عن دفع نفقاتهما؛ لأن الراتب لا يكاد يجيء بالطعام واللباس والمسكن، فمن أين آتي بهذه النفقات التي تعدل رواتب خمسة أشهر؟
هذا وأنا قاضٍ، ومرتبتي عالية، وراتبي كبير. فماذا يصنع الموظفون الصغار؟ وماذا يعملون إذا اضطروا إلى عملية لهم، أو لولد من أولادهم، أو تعسر الوضع على واحدة من نسائهم ولم يكن لها بد من الجراح، أو قدّر الله عليهم الأمراض والأدواء، وحكّم فيهم الصيادلة والأطباء؟
أما فكّر فيهم من وضع قانون الموظفين؟
إن في بلاد الناس مستشفيات حكومية للموظفين يجدون فيها هم وأولادهم الراحة والعلاج، وإن هم احتاجوا إلى ما ليس فيها، أدخلوهم غيرها من المستشفيات الخصوصية على نفقة الحكومة، وأنا طلبت «سلفة»
стр. 79
لنفقات العملية تقتطع من راتبي، ورأيت من وزير العدلية ومن رجال وزارتي العدلية والمالية كل اهتمام، ولكنهم لم يستطيعوا إجابة طلبي لأن القانون يمنع السلفة عن الموظفين!
فماذا أعمل الآن، بل ماذا يعمل الموظفون الصغار؟! هل أوجب عليهم القانون أن يبقوا هم وأسرهم أصحاء لا يمرضون أبداً؟ أم فرض عليهم -إن مرضوا- أن يحملوا أمراضهم ويمشوا بها؟ أم سمح لهم أن يسرقوا ليتداووا؟
وهل تظنون أن كل موظف يعرف الطرق الفنية التي يسرق بها ما يشاء ويبقى مبجلاً محترماً؟
فما العمل إذن؟
أجيبوا أيها المصلحون من رجال الحكم، واعلموا أن الجائع قد يصبر يوماً عن الطعام ويبقى حياً، أما المريض فربما مات إن صبر ساعة عن الدواء.
***
стр. 80
الوفاء لأهل الفضل
هل يصدق القراء أن رجلاً بلغ أعلى ما يبلغه الرجال في السن والفضل والمال وكان من أعلام السياسة والاقتصاد والعلم ولا يزال يعد من عيون الناس في هذا البلد، جاءني فأفضى إلى -بعد تردد طويل- أن حاله قد ساءت، وأن موارده قد جفت، وأنه يتوسل إلي أن أجد له وظيفة من الوظائف؟
أحلف لقد شدهت لما سمعت هذا وكذّبت أذني، ولو أني ذكرت اسمه للقراء لصعقوا، ولكن الرجل أكرم في نفسه وأعز على من أن أدل عليه أو أشير إليه. وإن له أمثالاً -وإن لم يبلغوا مكانته- من أهل العلم ومن رجال الأدب، وممن افتقر بعد غنى وذل بعد عز، ممن شاخ في خدمة هذا الوطن وعجز عن التكسب، لا يجدون ما يعيشون منه ولا يستطيعون أن يعملوا ولا يريدون أن يسألوا، فماذا يصنع هؤلاء؟ ومن هو المسؤول عنهم؟
وإذا كان عمر قد مر بيهودي عجوز يسأل الناس، فرأف به وأشفق عليه، وقرر هذه القاعدة الإنسانية النبيلة التي صارت -من بعد- قانوناً حين قال: "ما أنصفناه، أخذنا منه الجزية شاباً وأهملناه شيخاً"، وفرض له راتباً من بيت مال المسلمين. أفلا تعامل حكومتنا الفقراء من علماء الوطن وأدبائه ممن قعدت بهم السن وأحاطت بهم الفاقة معاملة عمر لليهودي؟
стр. 81
إن أمثال هذا الرجل لا يبلغون مئة في دمشق كلها، فهل تعجز الخزانة (التي تنفق باليدين، وتنثر المال في الجهتين) أن تقوم بنفقتهم ونفقة عيالهم؛ إكراماً للسن، وللعلم، ولاسم هذا الوطن ألّا تكون هذه خاتمة أهل العلم فيه؟!
إني أرفع هذه الكلمة إلى الحكومة، إلى ضميرها، وإلى نبلها، وإلى إنسانيتها!
***
стр. 82
كلمة في الكذب
كتب إليّ سائل يسألني: هل يجوز الكذب إن كان فيه مصلحة؟
والجواب ما رواه البخاري ومسلم من حديث: «ليس الكذّاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيراً أو يقول خيراً، وفي الحرب؛ لأن الحرب خدعة، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها».
وروى مسلم عن أم كلثوم أنها قالت: «ولم أسمع رسول الله ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس (تعني الكذب) إلا في هذه «الثلاث».
والمعنى أن الكذب يجوز في ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تصلح بين صديقين متخاصمين، فتقول لأحدهما: ليس لك حق في هجر فلان (أي الآخر) وهو يحبك ويمدحك ويثني عليك، وقد قال عنك كذا وكذا، وتنقل له أشياء ترضيه عنه وتلين عليه قلبه وتقربه منه. وهذا معنى "أن الكذب في الإصلاح جائز".
والثانية: الكذب على العدو لخديعته. فهو جائز، بل هو مطلوب، لأنه من وسائل التقوّي، والله أمرنا أن نعد لهم ما استطعنا من القوة. ومن جملة القوة قوة الدعاية، وقوة الجاسوسية التي تعرف بها أسرار العدو، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالخديعة والتضليل والإيهام.
стр. 83
والثالثة: أنه يجوز للرجل أن يقول لامرأته أنه يحبها ولا يفضل أحداً عليها ولا يرى في الدنيا امرأة أجمل منها وأشباه هذا الكلام، أو أن يشتري لها الثوب أو الهدية بعشرة ويوهمها أن ثمنه عشرون، ويجوز لها مثل ذلك.
هذا فقط وأمثاله الذي يجوز أن يكذب فيه أحد الزوجين على الآخر، لا أن تذهب لزيارة من لا يسمح لها بزيارته وتقول له: كنت عند الخياطة، أو تذهب إلى السينما وتقول: كنت عند أختي لأنها مريضة مسكينة وحرارتها تسع وثلاثون، ولا أن يسهر هو في الملهى أو في النادي الخبيث ويقول لها: كنت في اجتماع أو تأخرت في الشغل ... هذا كذب صريح لا يجوز ولو كان بين الزوجين.
وهناك حالات يجب فيها الكذب وجوباً: كأن يهرب أحدٌ من ظالم سلاحه بيده يريد قتله فيختبئ منه ويسألك عنه وأنت تعرف مكانه، فهل يجوز أن تدله عليه؟ لا، ويجب أن تكذب. وكذلك إن كان في المسألة ضياع مال أو هتك عرض، وهذا كله من قبيل «ارتكاب أخف الشرّين»، وهي قاعدة شرعية وعقلية.
والأحسن -في هذه الحالات كلها- التورية والتعريض، وأن تقول كلاماً مبهماً ليس فيه كذب صريح، ومن هنا قالوا: "إن في المعاريض لمنجى من الكذب".
والعلماء مختلفون: هل الكذب هو أن تقول ما يخالف الواقع أو ما يخالف اعتقادك، فإذا سمعت صوتاً اعتقدت أنه مدفع الإفطار وقلت: صار المغرب، هل يعد كذباً؟
ورأيي أنا (وقد قرأت قديماً أكثر ما قاله الفقهاء في المسألة) أن كلامك هذا يكون كذباً لأنه يخالف الواقع، ولكن لا تسمى أنت كاذباً
стр. 84
لأنك قلت ما تعتقد أنه حق.
الكاذب هو من يقول شيئاً يعتقد أنه غير صحيح، والعبرة بالمعنى الذي يفهمه السامع لا الذي تنويه أنت بينك وبين نفسك. ولم ينهَ النبي ﷺ عن شيء كما نهى عن الكذب، فإذا اقترن الكذب باليمين (كما يفعل أكثر البياعين) فهو من أكبر الكبائر وصاحبه يستحق غضب الله. روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر (أي حلف كذباً) أتى اللهَ وهو عليه غضبان». فلينتبه والتجار الذين يحلفون عن الشيء أن رأس ماله كذا، وأنه لا يربح إلا كذا، وهم كاذبون!
ومن أشد الكذب ضرراً بالناس وأكبره مقتاً عند الله: شهادة الزور. روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس فقال: إلا وقول الزور، ألا وقول الزور ... فما زال يكررها حتى قلنا؛ ليته سكت.
فمن حاول التوبة عن تلك الآفات وصدَق النية في هذه التوبة وتجنب أصدقاء السوء الذين يدفعونه إليها، فإن الله يعينه ويقويه ويسدد خطاه ويهديه. وعلينا المحاولة والهداية من الله.
***
стр. 85
بلادنا التي فقدناها
حديثي الليلة -أيها السادة والسيدات- عن قطعة من بلادكم تملكونها ولا تعرفونها، عن كنز لا تعدله الكنوز، عن «الحمة». ماذا تعرفون عن الحمة أيها السامعون؟
لقد كنت -مثلكم- أسمع عنها ولم أرها، فكنت أتخيلها بركة آسنة في قفرة حارة ملتهبة، فلما رأيتها رأيت جنة على الأرض، رأيت كنزاً، رأيت شيئاً لا مثيل له في الدنيا.
تصوروا -يا أيها السادة- متنزهاً جميلاً جمال وادي الزبداني، دافئاً في الشتاء الذي تقضقض فيه العظام من البرد، فيه الغرف الأنيقة وفيه المسالك الساحرة، وفي غرفه الماء الساخن صباحاً ومساءً. كيف تكون رغبتكم فيه، وإقبالكم عليه؟
فكيف إن كان الماء الساخن يجري فيه دائماً؟ وكيف إن كان قد أذيب في هذا الماء من الأدوية والعقاقير ما هو شفاء لعصي الأمراض: لحصوات الكلى والمرارة والمثانة وللناصور والتهاب الأعصاب والنقرس وآفات الجلد؟
***
стр. 86
لقد كنت أتمنى أن أرى «الحمة» من زمان طويل فكانت تمنعني موانع الحياة، حتى تفضل فأخذني إليها الإخوان الأساتذة: نهاد القاسم، وأنيس الملوحي، ومصطفى الزرقا، ومرشد عابدين.
سلكنا إليها طريقاً (١) معبداً مررنا فيه على «القنيطرة» وعلى القرى الشركسية الأنيقة البهية المنظر، حتى إذا جاوزنا «فيق» نظرنا فإذا تحت أقدامنا منظر من أروع ما خلق الله من منظر. مشهد يستهوي الفؤاد جمالاً، ولكنه يملأ القلب لوعة وأسى: منظر بحيرة «طبريا» والبلاد من حولها والقرى على سفوح الجبال المطبقة بها. منظر بلادنا التي صارت لغيرنا، وقد كانت لنا، بنينا بأيدينا بيوتها، وحرثنا أرضها، وفيها بقايا من أجسادنا، وفيها رفات أجدادنا. في كل شبر منها ذكرى لنا، وقطعة من قلوبنا.
وكان حولنا أطفال من أطفال اللاجئين، ينظرون إلى بيوتهم التي أُخرجوا منها فصار حراماً عليهم دخولها، وأموالهم التي تركوها فيها وحرموا منها، حتى صاروا يشحذون بعدها. ينظرون إليها من علٍ كما ينظر النسر الجريح على الذرى إلى طعامه تأكله الكلاب.
إنه ليس في تاريخ البشرية مظلمة أشنع منها ولا أبشع، كلا، ولا الأندلس. إنها ديارنا نحن من ألفي سنة نُخرج منها ويؤتى بناس ما هي بديارهم ولا ديار آبائهم، ولا يعرفونها، وليس لهم فيها أثر ولا لها في قلوبهم ذكرى؟
ولكن الله عادل والظلم لا يدوم.
إننا سنستردها، إلا نحن فأولادنا.
стр. 87
إننا سنلقن أبناءنا في المهد أنشودة الثأر، ونرضعهم مع اللبن بغض الغاصبين. إنه يستحيل أن تشتعل نار صهيون وحولها بحر زاخر من العروبة، ويستحيل أن يغلب مليون يهودي سبعين مليون عربي.
ستنبت أجنحة النسر وينقض على الكلاب. سنسيطر مِن هذه الذرى على مَن في الحضيض، وإلا لم نكن من أصحاب المعالي.
لقد كان في تاريخنا أزمات أشد وأنكى، لقد عاشت للصليبيين الأوربيين الغاصبين دول استمرت أكثر من مئة سنة وحسب الناس أنها لن تزول، فأين هذه الدول؟
إن إسرائيل ستذهب كما ذهبت.
إني لا أشك في ذلك، وإلا لشككت في سلائق العرب، وفي صدق محمد ﷺ ، وفي عدل الله!
***
стр. 88
ثورة الإيمان
قرأت في برقيات أمس أن فرنسا قد عادت إلى طيشها وبطشها في الجزائر، وإلى بطولتها في اقتحام البيوت، وترويع النساء، واعتقال الأبرياء، وإيذاء المساكين ... ففرحت وأيقنت بقرب الخلاص ودنو الفرج.
ذلك لأن في أعماق نفوسنا -معشر العرب- بطولة عجيبة لا تظهرها إلا المحن الشداد، وكلما حاق بها الخطر صفا جوهرها وظهر معدنها. وهذه سورية سامها الفرنسيون الخسف بعد ميسلون، وحملوها على المكروه، فأرت الدنيا من البطولة والبذل ما سارت به البرد واهتزت الأسلاك، وكان حديث أهل الأرض يوم قمنا على فرنسا القوية المظفرة التي انتصرت على الألمان، ووقف لها عند جسر تورا حارس عامي منا اسمه حسن الخراط، فلم تستطع فرنسا بعددها وعتادها، ومدافعها ودباباتها، أن تجتاز النهر الذي عرضه خمسة أمتار إلا بعد ثلاثة عشر شهراً.
وما انفكت سوريا كلما أخمد الظلم بحديده وناره ثورة لها أشعل الإيمان أخرى. ما كلّت ولا ملّت ولا وَنَت، حتى جلا عنها آخر جندي فرنسي، وعاد لها حقها في الحرية والاستقلال.
وهذه الجزائر لا تزال تناضل وتصاول كأنما لم تحكمها فرنسا ولم تدأب أكثر من مئة سنة تسخر ذكاءها وعلمها وقوتها وحمقها لتقتل فيها
стр. 89
روح النضال، وتمحو من نفوسها حب الاستقلال. وستظل تجاهد حتى تنعم بالجلاء كما نعمت به ديار الشام، الجلاء الذي دفعنا ثمنه من دمائنا التي أرقناها على أرض هذا الوطن، ومهجنا التي بذلناها، وأموالنا التي أنفقناها، ونلناه بتضحيتنا وبطولاتنا، لا بفضل الإنكليز. إننا والإنكليز كقوم أنشؤوا عمارة وضعوا فيها جهدهم ومالهم، فلما قارب البناء الكمال، ولم يبق إلا حجر واحد، جاء رجل فوضع الحجر وقال: أنا أنشأت العمارة كلها! كلا، لا بفضل فئة منا، بل بفضل الله وعمل هذا الشعب.
أبشروا، فستستقل الجزائر ويتحرر المغرب كله، وتستنقذ فلسطين، وننجو من إنكلترا وأختها كما نجونا من فرنسا. وإن كان الإنكليز أشرّ وأدهى، لأن الفرنسيين بحمقهم وطيشهم يأتون كالثور الهائج فتغلق دونه الباب أو تستعد له، وهؤلاء يجيئون كالحية الناعمة المزخرفة التي تدخل من تحت اللحاف فتلدغك وأنت نائم.
كلهم عزرائيل، ولكن أولئك يهجمون بالسيف وهم يسبون ويشتمون، وهؤلاء يقتلون بالسم يقدم في قطعة شكلاتة. والله المستعان عليهم جميعاً.
***
стр. 90
هذه هي الحرب فماذا أعددتم لها ؟
ما أدري والله هل فقدت أنا عقلي، أم الناس جميعاً قد فقدوا عقولهم. وإلا فخبّروني: كيف أرى الشيء أسود مظلماً، ويرونه هم أبيض مثل الثلج؟ وكيف أتألم وأتحرق كلما رأيت الخطر الداهم، والعدو المتربص، والغفلة واللهو واللعب، ويضحكون ويصفقون، كأن هذا هو المعقول، وأن هذا هو الواجب؟
الإنكليز والفرنسيون يحومون ببوارجهم وقواتهم من حول القناة، يرعدون ويبرقون، ينتظرون غفلة منا ليطبقوا علينا، والفرنسيون -ومعهم قوى حلف الأطلنطي- يسوقون عدد الموت إلى إخواننا المجاهدين في الجزائر؛ يطلعون بها عليهم من البحر، ويأتون بها من البر، وينزلون بها من السماء؛ يقتلون الأبرياء ويذبحون النساء ويدمرون القرى ويعدون على الأعراض، واليهود ... حتى اليهود الأذلة المساكين، قد تشجعوا وغدوا يبدؤوننا القتال، ويهجمون علينا، ويقتلون منا، ونحن ... ماذا نصنع نحن؟ هل نبذنا الخلاف الحزبي بيننا وأجلناه حتى تنكشف هذه الغمة؟ وهل وضعنا لأنفسنا خطة للتقشف والتوفير، وترك السرف والتبذير، ولننفق هذا الوفر في الاستعداد للحرب؟ هل وضعت الحكومة موازنتها على هذا الأساس؟ هل تركت الإنفاق في الكماليات، والإيفادات والرحلات، والحفلات والمؤتمرات، وإقامة النصب وإضاعة الأموال فيما لا ضرورة له ولا جدوى منه، ولا يدفع
стр. 91
عدواً، ولا يستجلب نصراً؟
والشعب، هل صدق الشعب بأننا على أبواب حرب؟ هل نقص استيراد السيارات الفخمة والعطور والثريات والخمور؟ إننا في مطلع السنة المدرسية، فهل عزم والدٌ على إخراج بنته من الفرنسيسكان، أو ابنه من الفرير أو اللاييك؟
هل عرف الآن أننا لا نستطيع أن نحارب فرنسا، ونحن نسلم أبناءنا وبناتنا إلى المعلمين الفرنسيين والمعلمات الفرنسيات، ليجعلوا منهم أحباء لفرنسا وأعداء لنا ... وهل يصنعون غير ذلك؟ بل هل تصنعون أنتم غيره لو جن الفرنسيون يوماً وأرسلوا أبناءهم إلى مدارس يعلم فيها مشايخ المسلمين، كما ترسلون أنتم أبناءكم إلى الفرير حيث يعلم قسوس الفرنسيين؟
هل عقلنا وفكرنا أن النصر لا يكون إلا بالإخلاص والرجولة، والبعد عن الفساد والفجور؟ وأن فرنسا (وهي أقوى منا) لما فسدت أخلاقها وغلبت عليها شهواتها ذلت حتى وطئتها نعال جنود الألمان ثلاث مرات، من سنة ١٨٧٥ إلى الآن؟
هل حاربنا الفجور المنتشر؟ هل استجاب أحد للصرخة التي صرختها في «الأيام» لما قلت أن قانون العقوبات لا يعاقب على الزنا، وطلبت أن يعدل قانون العقوبات؟
هل من الاستعداد للحرب إنفاق الأموال على الفرقة الراقصة الهنغارية والفرقة الروسية والفرقة الفرنسية والفرقة التي لست أدري ما هي؟ حتى لم تبق أمة في الدنيا لم ترسل إلينا راقصاتها وقيناتها لما رأت أن سوق اللهو رائجة فينا؟ وعلى معبد إبليس الذي سموه «مدينة الملاهي»؟
стр. 92
هل انتصرت أمة بالرقص وباللهو حتى نكون مثلها فنجعل اللهو والرقص سبيلاً إلى النصر؟
هذا ما أتألم منه ويذوب قلبي حسرة عليه، ولا أجد من يبالي به أو يحفله، فهل جننت أنا أم جُنّ الناس؟
يا ناس، نحن في حرب، واليهود الذين هجموا بالأمس على الأردن يهجمون غداً علينا، وليس في الدنيا أمة تعيش في الحرب كما تعيش في السلم، وإذا لم نستعد للبركان قبل أن ينفجر لا ينفعنا الاستعداد بعد الانفجار.
فأين حملة الأقلام، وأرباب المنابر، وكل ذي رأي مسموع وكلمة نافذة، ليدعو الأمة إلى اليقظة والانتباه والرجوع إلى الله؟ فإن الله يقول: ﴿وأَعِدّوا لهُمْ مَا اسْتَطعتُمْ مِن قُوّةٍ ومِنْ رباطِ الخَيْلِ﴾ ولكن ذاك ليس للنصر بل هو شيء ﴿تُرهِبونَ بهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكم﴾. والنصر ليس بالسلاح وحده: ﴿وما النّصرُ إلا مِنْ عِنْدِ الله﴾، فسلحوا النفوس بالإيمان وبالأخلاق وبالروح ينصركم الله ويثبت أقدامكم.
***
стр. 93
تزوّجوا بنات بلادكم
كتبت إلي آنسة تقول إنه كان قد خطبها معلم في المعارف، وإنه ماطل في عقد العقد، حتى ذهب في رحلة مدرسية إلى الديار التركية، فرأى بنتاً أعجبته فتزوجها وعاد بها، وترك هذه بعدما عضلها وأضاع عليها فترة شبابها التي ترغب الخاطبين فيها، وأنه ذهب يشنع عليها ليبرر انصرافه عنها.
قرأت كتاب الآنسة، فجاوزت ما فيه من تفصيلات، ولكني وقفت عند مسألة واحدة لا يجوز المرور بها، ولا بد من الكلام فيها. مسألة الزواج بالأجنبيات. إننا نبعث بالشاب إلى أوربا أو إلى أميركا ليعود بالعلم فيعود بامرأة وبشهادة، فتكون هذه الامرأة هي الأم لأولاده، وتكون هذه الشهادة هي العلم الذي يقدمه إلى بلاده. وماذا يجد لعمري في نساء القوم؟ ولماذا يؤثرهن على نساء أمته؟
أهن أجمل؟ إن أكثر من عرفنا من الزوجات الأجنبيات متوسطات الجمال.
أهن أشرف نسباً وأمجد أباً وجداً؟ إن أكثر المتزوجات بالأجنبيات إنما عادوا بعاملة في مخزن، أو موظفة في شباك سينما. ما سمعنا بمن تزوج بنت لورد أو كونت أو بنت أستاذ جامعة كولومبيا أو رئيس محكمة تمييز باريس.
стр. 94
أفهي أعلم علماً وأحذق فناً؟ إن في بناتنا المتعلمات الحاذقات حاملات الشهادات، وأكثر من عرفنا من الأجنبيات لا علم عندهن ولا فن، وما رأينا فيهن مدام كوري ولا كونتس دوناي.
أفهي أطوع للزوج وأخلص له؟ إنه ليس في نساء الدنيا كلها -بلا استثناء- من هن أشد طاعة للزوج وإخلاصاً له من نسائنا.
فلماذا إذن يتهافت الشباب على نساء الأجانب؟ ألأن إنكلترا وأميركا أقوى منا وأغنى وأسبق في طريق الحضارة، وأن من تزوج بنتاً من هناك صار -بالمصاهرة- قريب تشرشل ونسيب ترومان، وصار له في البيت الأبيض مكان؟! أم لأن المولودة في أوربا وأميركا كالبضاعة الأصلية والمرأة العربية كالبضاعة المقلدة؟!
إن الزواج بالأجنبيات جريمة وطنية، وإفساد للنسل، إذ كيف نحارب دسائس هذه الدول ومطامعها في بلادنا إذا كان بناتها هن ربات بيوتنا وأمهات أولادنا؟ وكيف نضع في نفس الولد أن أميركا -مثلاً- عدوتنا لأنها تنصر اليهود علينا، وأن إنكلترا هي خصيمتنا لأنها تلعب بنا وتسخرنا لغاياتها ولا تزال عادية على استقلال بعض أقطار وطننا الأكبر، وأن روسيا هي ضدنا لأنها تريد (إن غلبت على أرضنا) أن تسلبنا ديننا وإيماننا وحريتنا وتقيم بيننا وبين الدنيا سداً من الحديد، كيف، إن كانت أم هذا الولد أميركية أو إنكليزية أو روسية؟ هل يمكن أن نكرّه إليه أمه حتى يبغضها؟
إن كل بنت أجنبية تدخل البلد تزاحم بنتاً من بناتنا وتزيد الكساد، وتنقص الزواج وتنشر الفساد، أفلا يكفينا ما نجده من كساد البنات، ومن رواج الفحش؟
وإذا كانت الحكومة ترى أن من الواجب عليها حماية منتجات الوطن
стр. 95
بسد الباب دون المنتجات الأجنبية، فإن أوجب من ذلك حماية بناتنا من البنات الأجنبيات: زوجات وفنانات وعاملات؛ لأن في الأولى ضياع أموالنا وفي الثانية ذهاب أعراضنا، ولا يفضل المال على العرض رجل له شرف.
إن تزوج الخلفاء بنات العجم والترك المسلمات أضاع الإمبراطورية العربية وهي في عزها. فماذا ترونه يصنع بنا الآن زواج الإنكليزيات والفرنسيان والأميركيات؟
فكروا يا أيها الناس!
***
стр. 96
العربية في خطر
كان مما يعاب به الواحد منا -ونحن طلاب في الثانوية- أن يتكلم في الملأ فيلحن أو يقف أو يتلعثم، وكان يقوم ثم يُقترح عليه الموضوع لم يستعد له ولم يحتشد، ولا علم له به. أما اللحن في المقروء فلم يكن يتصور أن يقع من طالب علم؛ لأن الذي لا يعرف القراءة الصحيحة لا يكون إلا عامياً سوقياً. هذا ما كنا عليه في الأيام التي مضت. أما الآن، وقد كثرت المدارس، وانتشر العلم، وفتحت كليات الجامعة ... أما الآن فقد صار اللحن في الخطب وفي المحاضرات وفي أحاديث الإذاعة هو الأصل وهو القاعدة، صار الغريب النادر أن يتكلم خطيبٌ بلا لحن.
ولقد سمعت من ليال حديثاً في الإذاعة في التعليم (ماذا نعلّم أو لادنا، أو ما يشبه هذا) فسمعت أفكاراً عاميةً مما يتحدث به الناس في القهوة والترام في أسلوب متفكك متخلع، ورأيت المتحدث لا يستطيع أن يحرك حرفاً فهو ينطق بالكلمات سواكن الأواخر، ثم إنه يلحن في بناء الكلمة وفي إعرابها، ولا يدري من اللغة شيئاً ولا من النحو ولا من الصرف، فأغلقت الرادّ (الراديو)، حتى إذا ظننت أنه انتهى فتحته فسمعت من المذيع أن المتحدث هو أستاذ في كلية الآداب، وفاتني الاسم فلم أسمعه. أستاذ في كلية الآداب لا يستطيع أن يقرأ كلاماً كتبه هو واستعد له وضبطه، وهو يقرؤه منفرداً لا تراه عين ناقد، ولا يروع فؤاده سواد جمهور، ونحن الطلاب
стр. 97
كنا نرتجل الكلام ارتجالاً فلا نلحن فيه؟!
أنا لا أعرف إلى اليوم من هو المتحدث، ولا أريد أن أقف عليه أو أعرّض به. إنما أريد أن أنذر هذه الأمة خطراً داهماً سيهوي بالثقافة إلى قرارة واد عميق كما هوى بالأخلاق، وأن أعلن أن كل ما بنيناه من مطلع فجر هذه النهضة (من خمسين سنة) يوشك أن ينهار، وأنها ما دامت مناصب التدريس في الجامعة وفي غير الجامعة تنال بالشهادات ولو كانت شهادات زور لا علم معها، وكان الأستاذ يلهو قبل الشهادة في فرنسا أو أميركا ويلعب ثم يأتي بها، وكان يلهو بعد الشهادة ويلعب ويعتمد عليها وحدها، وما دام لم يقبل على العلم صغيراً ولم يشتغل به كبيراً .. فكيف يصير عالماً وكيف يخرّج علماء؟
إن كل ما بنته النهضة ينهار فتداركوه. انهيار في الأخلاق، انهيار في الثقافة، انهيار في الاقتصاد.
انهيار! انهيار!
***
стр. 98
دين محمد ﷺ
جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم في كتابيهما (هما أصح كتابين في الدنيا بعد القرآن) عن عمر بن الخطاب قال:
بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟
الإسلام:
قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً.
قالت: صدقت. قال عمر: فعجبنا له، يسأله ويصدقه!
الإيمان:
قال: فأخبرني عن الإيمان.
قال: أن تؤمن بالله (بأنه خالق كل شيء، وأنه ليس كمثله شيء، ولا تعبد غيره ولا تدعو سواه، ولا تستعين -فيما وراء الأسباب- إلا به)،
стр. 99
وملائكته (وهم خلق خلقهم الله من أجسام نورانية كما خلق آدم من الطين، لا يعصون الله أبداً، ولا يشتغلون إلا بطاعته، وأفضلهم جبريل الذي يبلّغ الوحي للأنبياء وميكائيل وإسرافيل الموكل بالصور وملك الموت، ومنهم رقيب وعتيد يكتبان حسنات كلٍّ منا وسيئاته، ومنهم حملة العرش)، وكتبه (وهي التوراة المنزلة على موسى والإنجيل المنزل على عيسى والزبور المنزل على داود والقرآن الذي تعهد الله بحفظه فلم يطرأ عليه تبديل ولا تغيير)، ورسله (وهم جماعة من البشر ينزل عليهم جبريل بوحي الله ليبلغوه الناس، أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ ، وقد انقطع الوحي بعد محمد فكل من يدعي أنه يوحى إليه فهو كذاب)، واليوم الآخر (يوم يُبعث الناس جميعاً ويساقون إلى المحشر، يوم لا غني ولا فقير، ولا كبير ولا صغير، يوم لا ينفع أحداً ماله ولا سلطانه إلا من أتى الله بقلب سليم، يوم الامتحان الأكبر، فإما النجاح والرقي إلى الجنة، وإما السقوط في النار)، وتؤمن بالقدر خيره وشره (أي أنك تجدُّ وتعمل وتبذل الجهد ثم ترضى بما يُقسم لك، وتعتقد أن ما جاءك هو الذي لك، وما لم يأتك هو لغيرك؛ كالموظفين عند توزيع الرواتب: إن ثار أحدهم وصخب ونادى، هل يُعطى أكثر من راتبه؟ لا، لأن المِلاك موضوع من قبل، والرواتب محدودة، والدرجات معينة ... وكذلك الرزق. إن جدول الأرزاق منظم من الأزل، ما كان لك سوف يأتيك على ضعفك، وما كان لغيرك لن تناله بقوتك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. ولكن عليك العمل؛ العمل للدنيا كأنك تعيش أبداً، والعمل للآخرة كأنك تموت غداً).
قال: صدقت.
الإحسان:
قال: فأخبرني عن الإحسان.
стр. 100
قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك (فهل يستطيع أن يسرق أو يزني من يعلم أن أباه وأستاذه مطل عليه من الشباك يراه، فكيف بمن يعلم أن الله مطّلع عليه وناظر إليه، لذلك جاء في الحديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
قال: فأخبرني عن الساعة.
قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل.
علامات اقتراب الساعة:
قال: فأخبرني عن أماراتها (علاماتها).
قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان (أي علامات الساعة: اضطراب الموازين الاجتماعية، وسيطرة الصغير على الكبير، وتوسيد الأمر إلى غير أهله، وشيوع الفوضى).
ثم انطلق. فلبث رسول الله ﷺ ملياً (حيناً) ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.
...
هذا الحديث من أجمع الأحاديث. بيّن أن الدين ثلاث حلقات: إيمان باعتقاد، وعبادة وعمل، وسلوك وأخلاق.
فمن أنكر أمراً من أمور الإيمان أو اعتقده على غير ما جاء به الوحي وبيّنه الرسول لا يكون مؤمناً.
ومن آمن ولكنه لم ينطق بالشهادة لا يكون مسلماً.
стр. 101
ومن نطق بها عن إيمان ولكنه قصّر في العبادات: إن كان تقصيره عن إنكار وعناد كان كافراً، وإن كان عن كسل وتقاعس -مع اعترافه بالقصور ورغبته في الأداء- كان فاسقاً مستحقاً لنار جهنم. وكذلك من كان مؤمناً متعبداً ولكنه غير محسن، يأتي المحرمات ويرتكب الموبقات: إن كان مستحلاً لها فقد كفر، وإن كان معتقداً حرمتها ولكن غلبه الشيطان على أمره كان عاصياً مستحقاً لنار جهنم.
هذا هو دين محمد ﷺ .
لا يكون مسلماً حقاً إلا من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله.
ومن حافظ على صلواته المفروضة، وصام رمضان، وأدى زكاة ماله وحج البيت (إذا كان قادراً على الحج).
ومن كان سلوكُه في الحياة سلوكَ من يذكر دائماً أن الله ينظر إليه، وأنه مطلع على ظاهره وباطنه، فلا يعمل إلا ما يرضي الله.
فلنحاسب أنفسنا لنرى: هل نحن على دين محمد؟
***
стр. 102
شجعوا الزواج
كادت تجمع الكلمة على أن العلاج لهذا الداء الفتاك الذي أصاب الأخلاف في هذا البلد هو الزواج.
ولكن طالب الزواج يلقى دونه عوائق تقطع طريقه عليه، وتمنع وصوله إليه. وأكثر هذه العوائق من صنع الآباء، وأقلها من عمل الحكومة.
أما الآباء فهم بإهمالهم تربية البنات، والقيام عليهن، وتنشئتهن على الكرامة والعزة والإيمان بالنفس، أولاً .. ثم بطلب المهر الضخم، والتقيد بهذه العادات السخيفة في الخطبة (الكتاب) والعرس والهدايا والجهاز، إنهم بهذا يمنعون البنت من دخول بيت الزوجية، ويدفعونها دفعاً (من غير قصد منهم) إلى ولوج أبواب الفساد. فالأب هو المسؤول الأول عن هذا الانهيار الأخلاقي الذي عرانا، وأنا ما فتئت -من أكثر من عشرين سنة- أدعو في خطبي ومقالاتي إلى تقليل المهر المعجل ترغيباً في الزواج وزيادة المهر المؤجل ترهيباً من الطلاق، وإلى التحرر من قيود هذه العادات التي لا معنى لها ولا جدوى منها إلا أنها تخرب بيت الخاطب وبيت المخطوبة وتدخل الفساد على موازنات خمسين أسرة تدعى نساؤهم إلى العرس فتُشترى له الثياب الجديدة الغالية التي لا يحتاج إليها لولاه. والناس جميعاً يرون في هذه الدعوة خيراً ونجاحاً ودرءاً لمفاسد كثيرة، ولكن كل واحد منهم يخاف
стр. 103
أن يكون البادئ بمصادمة العادة والخروج عليها. ولا بد من أن يفتح لهم البابَ رجلٌ له عقل وجرأة ووجاهة فيسير أمامهم ويمضون هم على أثره.
أما الحكومة فهي مسؤولة من وجوه: مسؤولة لأنها وضعت من سنين قليلة ضريبة على عقود الزواج لم تكن من قبل، فصار الناس يؤخرون الزواج خوفاً منها، أو يكتبون في العقد مهراً أقل من الحقيقة ليقللوا الضريبة، فيضيع بذلك حق المرأة وتنشأ مشكلات تشغل المحاكم وتزعج الناس.
ومسؤولة لأنها لم تفكر بوضع ضريبة على القادر على الزواج الممتنع عنه، ولم تقلل من راتب الموظف العزب لتزيد «التعويض العائلي» زيادة تشجع على الزواج وتكفي الموظف نفقات أسرته.
ومسؤولة عن هذا القانون الذي وضع للجرائم الأخلاقية أخف العقوبات، حتى أنه جعل جزاء الرجل الذي يزني بابنته أو بأخته شهرين! وجعل أكثر حوادث الزنا معفوة من العقاب. وقد أخذت هذا القانون من فرنسا ونسيت ما صنع بفرنسا في الحرب الماضية.
ومسؤولة عن تقصيرها في مكافحة البغاء السري مكافحة مستمرة في البيوت والشوارع والنوادي.
ومسؤولة لأنها لا تجرد هذا الجيش من المدرسين الذين يأخذون الرواتب من صندوق الإفتاء لوعظ الناس وحضهم على الزواج وتنفيرهم من الفسوق.
ومسؤولة لأنها تقيم العراقيل في طريق طالب الزواج من الجنود والشُّرَط والدرك من غير ضرورة، مع أن الزواج أوجب عليهم منه على غيرهم.
ومسؤولة لأنها لا تضع لمدارس البنات برامج خاصة، ولأنها أقرت هذا
стр. 104
الاختلاط المفاجئ في الجامعة ولم تراع وقع هذه الصدمة في أعصاب الفتيان والفتيات الذين لم يألفوا الاختلاط في بيوتهم ولا في مجامعهم.
فلتدفع الحكومة هذه «المسؤوليات» عن نفسها، ولتهتم بهذه المسألة الأخلاقية مثل اهتمامها المشكور بالمسألة الاقتصادية؛ فإن المال ليس أثمن من العرض. وماذا ينفع المال إن قل النسل وانتشرت الأمراض وفترت همم الشباب إلا في طلب اللذات وبلوغ الشهوات؟
***
стр. 105
هجوم على الأطباء
وقعتي اليوم سوداء (كما يقول إخواننا أهل مصر) فأنجدوني يا أيها القراء، لأني سأخاطر بروحي وأهجم على الأطباء.
والهجوم على الوزراء والكبراء سهل، أما الهجوم على الأطباء ... فيا ستّار! ونحن من غير أن ننال منهم لم ننج من أيديهم، فكيف إذا قرؤوا هذه الكلمة؟
ولكن ليثق كل واحد منهم أنه ليس هو المقصود، وبذلك تضيع التهمة وتحفظ الدعوى لجهالة المتهم.
والحكاية -يا سادتي- أني مصاب بآلام في المفاصل، قد تخف وقد تشتد، وقد تخفى وقد تظهر، كانت تتنقل من مفصل إلى مفصل، ثم استقرت في ركبتي وفي فخذي، حتى أني لأفيق من أعماق نومي -إن تحركت أو مسها برد- كما يفيق من تلمسه عقرب. وأحلف لقد راجعت ثلاثة وثلاثين طبيباً بالعدد، في الشام وبيروت وبغداد ودير الزور والبصرة وكركوك والقاهرة، واستعملت عشرات الأدوية (حتى لا يكاد يوجد علاج للروماتزم لم أعرفه ولم أجربه) وأجريت أنواع التحليلات، والألمُ -مع ذلك- يشتد ويزداد. أفلا يحق لي -بربك أيها القارئ- أن أهجو الأطباء؟
стр. 106
دلوني على طبيب يستطيع أن يداويني ... دلوني -أيها الناس- ولكم الشكر. لقد قصدت الأطباء الكهول المجربين والشباب المطلعين على الطب الجديد، بل لقد أخذت بوصفات العجائز وأدوية العوام فما استفدت شيئاً.
وقالوا: لا تأكل اللحم ولا البيض ولا الحبوب ولا السبانخ ولا الملوخية ولا اليبرق ولا الدهن ولا تشرب القهوة ولا الشاي ولا الكاكاو ولا الشكلاتة ... قلت: طيب، فماذا آكل إذن؟ هل أكتفي ب «أكل الهواء» النقي؟
مع ذلك فقد جربت هذه الحمية فما استفدت شيئاً، وقالوا: أكثِرْ من الرياضة، فأكثرت من الرياضة فما استفدت شيئاً.
فهل النقص في الطب نفسه، أم العجز من الأطباء.
وبعد، فماذا أصنع؟ وهل تدلونني على طبيب يعالجني أو أخاطر بروحي وأسلط قلمي على الأطباء وأصنع بهم كما صنع شيخنا الجاحظ بالمعلمين، وليكن ما يكون؟!
هذا إنذار، والمهلة ستة أيام ونصف اليوم ...
***
стр. 107
في الغيرة
إلى «زوج بائس»:
تسألني رأيي في الغيرة. أما الغيرة التي تمنع من مواقعة المحرمات، وكشف العورات، وتدفع إلى الاحتشام والتصون والعفاف، وتجعل الرجل ينكر من امرأته أن تتخذ من الأزياء ما لا يقر الشرع، ولا يألف البلد، أو تنزل إلى السوق فتكلم الرجال بلا ضرورة، فهذه هي الغيرة المحمودة التي يمدح بها الرجال، والتي وردت بها الآثار، وتواردت عليها الأفكار، حتى قالت العامة: الذي لا يغار حمار!
ومقياسها الشرع، فما أنكره الشرع أنكرناه، وما جوزه قبلناه. أما الغيرة التي تجعل الزوجة تظن الظنون كلما نطق زوجها باسم امرأة ولو كانت ليلى الأخيلية، تحسب أنه متيم في هواها، وأنه قتيل حبها، وتقيم القيامة إن وصف امرأة بجمال، أو نعت أنثى بحسن، تظن أنه مشغوف بها، عاشق لها، وتخسف الدار إن سمعت أنه قابل امرأة، ولو جاءته مشترية في الدكان، أو موكلة في المكتب، أو مريضة في العيادة، تظن أنهما ما اجتمعا إلا للخطبة ...
وأما الغيرة التي تجعل الرجل يجن جنونه إن غابت امرأته ساعة في زيارة والدتها أو عيادة جارتها، يستنطقها استنطاق المحكمة، ويحقق أمرها
стр. 108
تحقيق القاضي، يظن أنها ما غابت إلا لزيارة صديق، أو لقاء عشيق، ويطبق البيت على رأسها إن رأى في البيت صور مقطوعة من مجلة ويمضي الليل يبحث من أين جاءت؟ وكيف دخلت؟
فهي الغيرة المذمومة، غيرة الجاهلية، التي تنغص حياة الرجل، وتسود عيش المرأة، وتقلب البيت ناراً مسعرة، أو مارستان مجانين، ولا تنشأ إلا عن سوء الظن وضعف الثقة.
والمرأة إذا اطمأنت إلى دين زوجها وخلقه لم تحصِ عليه أنفاسه وتعد عليه كلماته. والرجل إذا وثق من عفاف امرأته ودينها وميلها إليه وتعلقها به لم يتبع خطاها ويرصد حركاتها. وقد رأيت -من تجربتي- أنه لا يغار هذه الغيرة من النساء والرجال إلا من كان في ماضيه من أهل الشر، أو كان مستعداً في طبعه للشر، أما المستقيم الصالح فلا يظن ذلك بغيره، لأنه لا يتمناه لنفسه.
على أن هذه الغيرة مرض يحتاج إلى علاج وليست جرماً يحتاج إلى عقاب.
هذا رأيي في «الغيرة».
***
стр. 109
وزراء اليوم
إن من صور الماضي صوراً تستقر في النفس، وتنطبع في الذاكرة، حتى لا تمحوها الأيام، ولا يصل إليها النسيان. ومن الصور التي لست أنساها، أني كنت يوماً نازلاً في الترام إلى المدرسة، فرأيت أستاذنا المسيو صالح الجزائري ﵀، ينزل ماشياً مرفوع الرأس بارز الصدر، فامتلأ قلبي هيبة له وغبطة وإكباراً، وأحسست أنه يعظم في عيني حتى يملأ عليها رحاب الأماني؛ فلا أجد أمنية لي في الحياة أكبر من أن أكون أستاذاً في التجهيز.
ثم كرت الأيام وكبرنا، وصرنا ننظر إلى الدنيا بعيون الشباب لا بأبصار الأولاد، فنرى في البلد ميزاناً للرجال، ونرى لهم أقداراً ومراتب، تتسلسل كأنها صف الناس أمام باب الدائرة الحكومية؛ لا يسبق أحد دوره، ولا يقفز من فوق رأس الذي أمامه، ولا يدع الباب ويدخل من الشباك. يبدأ الموظف حياته موظفاً صغيراً، ثم يكبر كلما كبر عمله وكبرت تجربته حتى يصير رئيساً أو مديراً، أما الوزارة فكانت لأركان البلد، وبَواقع الرجال، وأهل الحل والعقد، وأصحاب التجربة والعلم والسن. ولا يُسلم وزير وزارة لا خبرة له بشؤونها ولا معرفة بخفاياها. وكان المعلم لدرسه والموظف لديوان، والتاجر لدكانه، والطبيب لعيادته. وكان للسياسة أهلها الذين انقطعوا إليها وبرعوا فيها وارتضتهم الأمة نائبين عنها ناطقين بلسانها.
стр. 110
فماذا جرى اليوم حتى فسد الميزان، وانقطع النظام، واضطرب الصف، وتبدلت مقاييس الرجال؟ ومالي لا أرى للوزير اليوم في نفسي مثل الهيبة التي وجدتها للمسيو صالح؟
فهل تبدل نظري وضعف حسي، أم كان معلم الأمس أعظم من وزير اليوم؟
وما للوزارة سهل طريقها، وفتح بابها، حتى صار الوصول إليها أهون من الوصول إلى منبر التدريس أو قوس القضاء، أو مكتب رئيس الديوان ومساعد المحكمة؟
ما للكهول من رجالات البلد انصرفوا عنها، وزهدوا فيها، وآثروا الاضطجاع في حمى المدافئ وشرب القهوة والشاي والتسلي بأحاديث الماضي عن الاهتمام بأمور الأمة في أخطر عهد عرفه تاريخها؟
إني أسأل وأنا أعلم أن سؤالي سيبقى بلا جواب!
***