← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17804

التورق المصرفي

رياض بن راشد آل رشود

Полный текст (259 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

دولة قطر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أوقاف AWQAF الإدارة العامة للأوقاف General Directorate of Endowments التَّوَرُّقِ المَصْرَفِيُّ تأليف رياض بن راشد عبد الله آل رشود إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتمويل الإدارة العامة للأوقاف إدارة الشؤون الإسلامية دولة قطر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

التَّوَرُّقِ المَصْرَفِيُّ

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٤ هـ -٢٠١٣ م

стр. 5

مقدمة الحمد لله حمدًا يوافي نِعَمَهُ، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، وخاتم رسله، وبعد: فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفَّقها الله لأن تضربَ بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة- لتحمد الله على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم. والمتابعُ لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهودُ دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروعُ إحياء التراث الإسلامي الذي بدأته الوزارة منذ سبع سنوات امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجَّة التي عُرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر الله جلَّ وعلا للوزارة إخراجَ مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة معظمها يُطبع لأول مرة، ففي التفسير وعلوم القرآن أصدرت الوزارةُ عدة كتب: منها تفسير العُليمي المسمى بـ: "فتح الرحمن في تفسير القرآن"، وهو يُطبع لأول مرة، وكتاب: "تهذيب تفسير الجلالين" لمحمد لطفي الصباغ، وكتاب: "الدّر النثير في اختصار تفسير ابن كثير" لمحمد بن موسى آل نصر، ونحن الآن بصدد إصدار جديد متميز لكتاب: "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" لابن عطية مقابلًا على عدة نسخ خطية، ومحقَّقًا تحقيقًا علميًّا جيدًا، وفي علم رَسْم المصحف أصدرت

стр. 6

الوزارةُ كتاب: "مرسوم المصحف" للعُقيلي، وكتاب: "الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة" لأبي بكر عبد الغني المشتهر باللبيب. وفي علم القراءات أصدرت الوزارةُ كتاب: "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" لأبي حفص سراج الدين النَّشَّار، تحقيق الدكتور أحمد عيسى المعصراوي، وكتاب: "معاني الأحرف السبعة" لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر. وفي السنة النبوية وشروحها: أصدرت الوزارةُ عدة كتب، مثل كتاب: "التوضيح شرح الجامع الصحيح" لابن الملقن، وكتاب: "حاشية مسند الإمام أحمد" للسندي، و"شرحين لموطأ الإمام مالك" لكُلِّ من القنازعي، والبوني، وكتاب: "شرح مسند الإمام الشافعي" للرافعي، وكتاب: "نخب الأفكار شرح معاني الآثار" للبدر العيني، وكتاب: "عون الباري بحلّ أدلة البخاري" لصدِّيق ابن حسن خان، وكتاب: "مصابيح الجامع" للقاضي بدر الدين الدَّمَاميني، إضافة إلى "صحيح الإمام ابن خزيمة" بتحقيقه الجديد المتقن، وكذا كتاب "السنن الكبرى" للإمام النسائي المحقَّق على عدة نسخ خطية، وكتاب: "جامع الأصول في أحاديث الرسول" لابن الأثير الجزري، وكتاب: "الجامع لشعب الإيمان" للبيهقي، وكتاب: "المخلصيات" لأبي طاهر المخلص، وكتاب "التقاسيم والأنواع" للإمام ابن حبان، وكتاب: "مطالع الأنوار" لابن قرقول، والكتابان الأخيران ينشران لأول مرة، وهناك مشاريعُ أخرى تقوم بها الوزارة، وسوف يُعلن عنها في حينها. وفي الفقه وأصوله: أصدرت الوزارةُ عدة كتب، منها: كتاب: "نهاية المطلب في دراية المذهب" للإمام الجويني بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب -رحمه الله تعالى- عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي،

стр. 7

وكذلك كتاب: "الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف" للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد الله الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أيضًا، وكتاب: "التبصرة" للإمام اللخمي، وكتاب: "حاشية الخلوتي" في الفقه الحنبلي، وكتاب: "الإقناع في مسائل الإجماع" للإمام ابن القطان الفاسي، وكتاب: "أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل" لمحمد بن بدر الدين بن بلبان الدمشقي، وكتاب: "بغية المتتبع لحل ألفاظ روض المربع" لإبراهيم بن أبي بكر القرشي العوفي الصالحي الحنبلي، وكتاب: "قواعد الأحكام في إصلاح الأنام" لعزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام، وكتاب: "منحة السُّلوك في شرح تحفة الملوك" للبدر العيني، وأخيرًا كتاب: "الأصل" لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) كاملًا محققًا على أصول عدة، وفي الطريق إصداراتٌ أخرى مهمة تُمثِّل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى. وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارةُ الموسوعةَ الإسنادية الكبيرة: "جامع الآثار في السير ومولد المختار" لابن ناصر الدين الدمشقي. وفي العقيدة والتوحيد أصدرت الوزارةُ كتابًا نفيسًا لطيفًا وهو: "الاعتقاد الخالص من الشكِّ والانتقاد" لابن العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما الله تعالى، وكتاب: "شرح العقيدة الطحاوية" لابن أبي العزّ الحنفي، وغيرها. وفي مجال الدراسات المعاصرة أصدرت الوزارةُ مجموعةً متميزة من الرسائل العلمية وغيرها، منها: "القيمة الاقتصادية للزمن"، و"نوازل الإنجاب"، و"مجموعة القره داغي الاقتصادية"، وغيرها، وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقرُّ به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، والنوازل ومستجدات الثقافة الإسلامية النقية. واليوم تقدم الوزارةُ للقراء الكرام بحثًا قيمًا، ودراسة متميِّزة بعنوان:

стр. 8

"التَّورُّق المصرِفي" يتناول من خلالها المؤلف تلك النازلة الحديثة التي لا زالت محل نظر واجتهاد من قِبل أهل العلم الكرام، ولا يخفى على طالب العلم أهمية هذا الموضوع وفائدته، فالحاجةُ ماسّةٌ إلى بيان حكم هذا التورق، ومعرفة أثر عملياته على مستقبل البنوك الإسلامية، وعلى مستقبل الحركة الاقتصادية، ومدى ملاءمة إجراءاته للشريعة الإسلامية، وقد اجتهد المؤلفُ في تصوير المسألة قبل بيان حكمها، وساق مذاهب الفقهاء المعتبرة من مصادرها الأصلية، وناقش الأدلة. والله نسأل أن يجزي المؤلفَ خير الجزاء، وأن ينفعَ بكتابه هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 9

المقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فإن المتأملَ في نصوص الشَّريعة الإسلامية يجد أن الرِّبا من أبشع الذنوب، وأكبرها، فالله سبحانه قد توعَّد من يتعامل به بالعذاب الأليم، وأذن فيه بالحرب، وما ذلك إلا لأن الرِّبا عين الظلم، فهو ظلم الدائن للمدين وأكل أموال الناس بالباطل. "ولقد كان للربا في الجاهلية مفاسده وشروره، ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم، وتكشفت في عالمنا الحاضر، ولا كانت البثور والدَّمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. . . فالنظام الرَّبوي بلاء على الإنسانية -لا في إيمانها، وأخلاقها، وتصوّرها للحياة فحسب- بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية، والعملية، وإنه أبشع نظام يمحقّ سعادة البشرية محقًّا، ويعطّل نموّها الإنساني المتوازن، على الرغم من الطلاء الظاهري الخداع، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام" (١). وإننا في هذا العصر نرى أن الرِّبا قد انتشر، وسرى في المجتمع سريان

стр. 10

النار في هشيم الحطب، عن طريق النظم المصرفية، فالمرابون الذين كانوا يتمثلون في الماضي في صورة أفراد، أو بيوت مالية، هم موجودون الآن في صورة بنوك تقدم الرِّبا لعملائها جهارًا في وضح النهار، ولذلك نشأت البنوك الإسلامية لترفع عن الأمة مصيبة الرِّبا، التي أضحت ظاهرة جلية في المجتمعات الإسلامية، وقد اجتهد المسؤولون عن تلك البنوك في ابتكار بدائل تكون خاضعة للقواعد والضَّوابط الشرعية، وتلبي حاجة الإنسان في هذه الحياة إلى السُّيُولة النَّقْديّة. ولأن التطور سُنَّة الحياة، فإن البنوكَ الإسلامية قد تطورت، وتطورت معها صيغُ التَّمويل الذي تقدمه لعملائها، فنرى في الآونة الأخيرة بعض البنوك قد لجأت للتورق، باعتباره الطريق الناجح الذي يلبي حاجةَ الإنسان إلى السُّيُولة النَّقْديّة. والتَّورُّق الذي تقدّمه المصارف لعملائها اليوم يختلف عن التَّورُّق الذي يمارسه الأفراد، والذي دار حوله خلاف بين العلماء قديمًا وحديثًا، ولذلك كان لا بُدَّ من إلقاء الضوء على عملية (التَّورُّق المصرفي) لمعرفة حكمها، وأثرها على مستقبل البنوك الإسلامية، وعلى الجوانب الاقتصادية لصيغ التَّمويل، التي تقدمها البنوك الإسلامية، فعملية التَّورُّق المصرفي نازلة حديثة، لا زالت محل نظر واجتهاد، تستوجب اجتهاد المجتهدين، لا سيما وأن استخدام هذه العملية كان له أثر كبير في تقلص القروض الربوية في بعض البنوك، حيث انحسرت نسبة نشاطها إلى (٣٠ %)، واستحوذ التَّورُّق على (٧٠%)، وبزيادة مستمرة، فلابد من بيان حُكْم هذه العملية، وهل يصح فعلًا أن تكون بديلًا شرعيًا عن القروض الربوية؟.

стр. 11

ولا يخفى على طالب العلم ما يحويه هذا الموضوع من أهمية، وفائدة، تتلخص فيما يأتي: ١ - الحاجة الماسة إلى بيان حكم التَّورُّق المصرفي، حيث إن البنوك في هذه الأيام تنشر الإعلانات عن برامج التَّورُّق المصرفي في شتى وسائل الإعلام، حتى أحدث ضجة عند المتعلمين والمختصين عن مشروعيته، إضافة إلى استفسارات الناس عن حكمه الشرعي. ٢ - معرفة أثر عمليات التَّورُّق المصرفي على مستقبل البنوك الإسلامية، وعلى مستقبل الحركة الاقتصادية. ٣ - ضرورة شرح إجراءات عملية التَّورُّق المصرفي، ومدى ملاءمتها للشريعة الإسلامية، حتى يتسنى لكل شخص الاطلاع على تلك الإجراءات، وفهمها، ومعرفة حكمها. أسباب اختيار الموضوع: ١ - رغبتي الشديدة في فهم وإدراك المعاملات المصرفية، حيث إن القراءة، والدراسة النظرية لا تفيد بقدر ما يفيد النزول إلى الميدان، والذهاب إلى البنوك، ومناقشة الأساتذة، والمشائخ، والمختصين الاقتصاديين. ٢ - الإعلانات التي تطرحها البنوك في وسائل الإعلام، المرئي منها، والمسموع، عن التَّورُّق المصرفي، جعلتني ألقي الضوء على هذا الموضوع، وأكتب فيه لمعرفة حكمه، فالبنوك دائمًا تعلن عن برامج التَّورُّق المصرفي، ويصفونها بأوصاف توحي بمشروعية هذه البرامج، كوصفهم للبرنامج بالمبارك، أو بالخير، أو بالتيسير، إلى غير ذلك من الأوصاف. ٣ - كثرة السؤال، والاستفتاء عن برامج التَّورُّق المصرفي.

стр. 12

الدراسات السابقة: بعد البحث في فهارس البحوث التابعة للمعهد العالي للقضاء لمرحلتي الماجستير والدكتوراه، وبحوث الدراسات العليا في كلية الشَّريعة، وبعد الاطلاع على البحوث في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، فإنه تبين لي أنه لم يُكتب في هذا الموضوع كرسالة جامعية، وإنما فقط بحوث شخصية قُدِّمت للدورة السابعة عشرة للمجمع الفقهي الإسلامي المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة (١٩ - ٢٤/ ١٠/ ١٤٢٤ هـ)، وبعضها قُدِّمت لندوة البركة الرابعة والعشرين (٢٩) شعبان- (٢) رمضان (١٤٢٤ هـ)، وبعضها قُدِّمت إلى مؤتمر دور المؤسَّسات المصرفية الإسلامية في الاستثمار والتنمية في (٢٦ - ٢٨) صفر (١٤٢٣ هـ). وقد قدمت للمعهد العالي مقارنة بين ما سأكتب وبين بعض البحوث، وقد أوضحتُ الإضافات الجديدة التي سأتطرق إليها، ولعل أبرز وأحسن ما كتب من تلك البحوث: ١ - بحث الدكتور: سامي السويلم (التَّورُّق والتَّورُّق المنظم). ٢ - بحث الدكتور: عبد الله السعيدي (التَورُّق كما تجريه المصارفُ في الوقت الحاضر). وقد بيَّنت في المقارنة بين بحثي والبحثين السابقين تلك الإضافات العلمية الجديدة، التي لم يسبقني إليها أي باحث من أولئك الباحثين، بل إن الدكتور سامي السويلم أشار علي الكتابة في بعض تلك الإضافات، حتى يكون الموضوع مكتملًا من جميع الجوانب، وأبرز تلك الإضافات العلمية التي سأتطرق لها هي على النحو التالي: ١ - بيان الإجراءات المصرفية للتورق في كل معاملة تجريها المصارف. ٢ - بيان الحاجة الاقتصادية إلى السُّيُولة.

стр. 13

٣ - الكلام في مبدأ الحِيَل في الشَّريعة الإسلامية. ٤ - صور التَّورُّق الفردي. ٥ - شروط التَّورُّق الفردي. ٦ - الفروق بين التَّورُّق المصرفي والرِّبا. ٧ - الآليات العملية للتورق المصرفي، ومدى انضباطها. ٨ - علاقة التَّورُّق المصرفي بصيغ التَّمويل الأخرى. ٩ - التكييف الفقهي للتورق المصرفي في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية. ١٠ - التكييف الفقهي للتورق، الذي يمكِّن العملاء من سداد مديونياتهم لدى المصارف التقليدية، والانتقال إلى التَّعامُل مع المصارف الإسلامية. ١١ - التَّورُّق عن طريق البطاقات الائتمانية. ١٢ - أوجه الشبه والاختلاف بين بطاقتي التيسير والخير. ١٣ - التكييف الفقهي للتورق في بطاقتي التيسير والخير. ١٤ - التَّورُّق باستخدام الأسهم. ١٥ - التكييف الفقهي للتورق باستخدام الأسهم. ١٦ - بيان الفرق بين التَّورُّق المصرفي باستخدام الأسهم وبين برنامج (وطني) لتقسيط الأسهم. ١٧ - التطرق إلى برامج التَّورُّق المصرفي المعلنة في وسائل الإعلام. ١٨ - مفهوم المصارف الإسلامية، وخصائصها. ١٩ - أثر عمليات التَّورُّق على مستقبل المصارف. وأما المنهج الذي اتبعتُه في هذا البحث فهو على النحو التالي:

стр. 14

١ - تصوير المسألة المراد بَحْثُها تصويرًا دقيقًا قبل بيان حكمها، ليتَّضح المقصود من دراستها. ٢ - إذا كانت المسألة من مواضع الاتفاق، فيذكر حكمها بدليله، مع توثيق الاتفاق من مظانه المعتبرة. ٣ - إذا كانت المسألةُ من مسائل الخلاف فيتبع ما يلي: أ- تحرير محلّ الخلاف إذا كانت بعضُ صور المسألة محل خلاف، وبعضها محلّ اتفاق. ب- ذكر الأقوال في المسألة، وبيان مَنْ قال بها من أهل العلم، وأسوق الأقوال سياقًا مذهبيًا، ثم بعد ذلك أذكر الخلاف بالإجمال حسب الاتجاهات الفقهية. ج- الاقتصار على المذاهب الفقهية المعتبرة، مع العناية بذكر ما تيسر الوقوف عليه من أقوال السلف الصالح، وإذا لم يوقف على المسألة في مذهب ما، فيسلك بها مسلك التخريج. د- توثيق الأقوال من مصادرها الأصلية. هـ- ذِكْر بعض أدلة الأقوال، مع بيان وجه الدلالة، وذِكْر ما يرد عليها من مناقشات، وما يجاب به عنها إن كانت، وأن يذكر ذلك بعد الدليل مباشرة. و- الترجيح مع بيان سببه. ٤ - الاعتماد على أمهات المصادر، والمراجع الأصلية، والبحوث المعاصرة في التحرير، والتوثيق، والتخريج، والجمع. ٥ - التركيز على موضوع البحث، وتجنب الاستطراد. ٦ - العناية بضرب الأمثلة، خاصة الواقعية.

стр. 15

٧ - تجنب ذِكْر الأقوال الشاذة. ٨ - العناية بدراسة ما وُجد من القضايا مما له صلة واضحة بالبحث. ٩ - ترقيم الآيات، وبيان سُوَرِها مضبوطة الشكل. ١٠ - تخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، وإثبات الكتاب، والباب، والجزء، والصفحة، وبيان ما ذكره أهل الشأن في درجتها -إن لم تكن في الصحيحين، أو أحدهما- فإن كانت كذلك فيكتفى حينئذ بتخريجها منهما، أو من أحدهما. ١١ - تخريج الآثار من مصادرها الأصلية، والحكم عليها. ١٢ - التعريف بالمصطلحات من كتب الفن الذي يتبعه المصطلح، أو من كتب المصطلحات المعتمدة. ١٣ - توثيق المعاني من معاجم اللغة المعتمدة، وتكون الإحالة عليها بالجزء، والصفحة. ١٤ - العناية بقواعد اللغة العربية، والإملاء، وعلامات الترقيم. ١٥ - تكون الخاتمة متضمنة أهم النتائج، والتوصيات التي أراها. ١٦ - ترجمة للأعلام غير المشهورين بإيجاز. ١٧ - إتباع البحث بالفهارس الفنية المتعارف عليها، وهي: - فهرس الآيات القرآنية. - فهرس الأحاديث الآثار. - فهرس الأعلام. - فهرس المراجع والمصادر. - فهرس الموضوعات.

стр. 16

وأما خطة البحث ، فإنها تتكون من مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وهي كالتالي: المقدمة: وتتضمن الآتي: أ- تحديد موضوع البحث، وعنوانه. ب- أهمية الموضوع، وأهدافه. ج- أسباب اختياره. د- الدراسات السابقة. هـ- منهج البحث. و- خطة البحث. التمهيد: التعريف بمفردات عنوان البحث، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف التَّورُّق الفردي (الفقهي) لغة، واصطلاحًا. المطلب الأول: تعريف التَّورُّق لغة. المطلب الثاني: تعريف التَّورُّق اصطلاحًا. المسألة الأولى: التحقيق في استعمال مصطلح التَّورُّق عند الفقهاء. المسألة الثانية: تعريف التَّورُّق اصطلاحًا. المبحث الثاني: تعريف التَّورُّق المصرفي لغةً، واصطلاحًا. المطلب الأول: تعريف المصرف في اللغة، والاصطلاح. المطلب الثاني: تعريف التَّورُّق المصرفي. المسألة الأولى: اختلاف مسميات التَّورُّق المصرفي. المسألة الثانية: تعريف التَّورُّق المصرفي اصطلاحًا. المبحث الثالث: حاجة الحياة الاقتصادية إلى السُّيُولة.

стр. 17

الفصل الأول: التَّورُّق الفردي (الفقهي) وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: مبدأ الحِيَل في الشَّريعة الإسلامية. المطلب الأول: معنى الحيلة لغةً، واصطلاحًا. المطلب الثاني: تحرير محل النزاع. المطلب الثالث: موقف العلماء من الحِيَل. المطلب الرابع: الأدلة، والترجيح. المسألة الأولى: الأدلة. المسألة الثانية: الترجيح. المبحث الثاني: علاقة التَّورُّق بالعِيْنَة، وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم العِيْنَة. المسألة الأولى: تعريف العِيْنَة لغةً، واصطلاحًا، وبعض صورها. المسألة الثانية: تحرير محل النزاع. المسألة الثالثة: موقف العلماء من بيع العِيْنَة. المسألة الرابعة: الأدلة، والترجيح. الفرع الأول: الأدلة. الفرع الثاني: موقف الشافعي من الأحاديث الدالة على تحريم العِيْنَة. الفرع الثالث: الترجيح. المطلب الثاني: دخول التَّورُّق في العِيْنَة. المسألة الأولى: شمول العِيْنَة لمعنى التَورُّق. المسألة الثانية: أوجه التشابه بين التَّورُّق والعِيْنَة.

стр. 18

المسألة الثالثة: الفرق بين التَّورُّق والعِيْنَة. المبحث الثالث: صور التَّورُّق الفردي. المبحث الرابع: حكم التَّورُّق الفردي. المطلب الأول: تحرير محل النزاع. المطلب الثاني: موقف الفقهاء المتقدمين من بيع التَّورُّق. المطلب الثالث: موقف العلماء المتأخرين والمعاصرين من بيع التَّورُّق. المطلب الرابع: الأدلة، والترجيح. المسألة الأولى: الأدلة. المسألة الثانية: الترجيح. المبحث الخامس: شروط التَورُّق الفردي. الفصل الثاني: تصوير التَّورُّق المصرفي، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: صورة التَّورُّق المصرفي، والأطراف المشتركة فيه. وفيه مطلبان: المطلب الأول: صورة التَّورُّق المصرفي. المسألة الأولى: الصُّورة العامة لعملية التَّورُّق كما تجريها المصارف. المسألة الثانية: ميزة التَّورُّق المصرفي. المسألة الثالثة: ماهية السِّلع المستخدمة في عمليات التَّورُّق المصرفي. المطلب الثاني: الأطراف المشتركة في التَّورُّق المصرفي. المبحث الثاني: الفروق بين التَّورُّق المصرفي والتورُّق الفردي.

стр. 19

المبحث الثالث: الفروق بين التَّورُّق المصرفي والرِّبا. المبحث الرابع: الآليات العملية للتورق المصرفي، ومدى انضباطها. المبحث الخامس: التَّورُّق المصرفي، وعلاقته بصيغ التَّمويل الأخرى. الفصل الثالث: تطبيقات على التَّورُّق، واستخدامه في العمل المصرفي: المبحث الأول: التَّورُّق المصرفي في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية، وفيه مطلبان: المطلب الأول: تصوير المعاملة، وبيان إجراءاتها. المطلب الثاني: التكييف الفقهي لهذه المعاملة. المبحث الثاني: التَّورُّق لتمكين العملاء من سداد مديونياتهم لدى المصارف التقليدية، والانتقال إلى التَّعامُل مع المصارف الإسلامية. وفيه مطلبان: المطلب الأول: تصوير المعاملة، وبيان إجراءاتها. المطلب الثاني: التكييف الفقهي لهذه المعاملة. المبحث الثالث: استخدام التَّورُّق المصرفي في التَّمويل الشخصي، وفيه مطلبان: المطلب الأول: التَّورُّق عن طريق البطاقاتِ الائتمانية، وفيه أربع مسائل: المسألة الأولى: تصوير عملية التَّورُّق في بطاقة تيسير الأهلي. المسألة الثانية: تصوير عملية التَّورُّق في بطاقة الخير للبنك الأمريكي. المسألة الثالثة: أوجه الشبه والاختلاف بين بطاقتي التيسير، والخير.

стр. 20

المسألة الرابعة: التكييف الفقهي للتورق في بطاقتي التيسير، والخير. المطلب الثاني: التَّورُّق باستخدام الأسهم، وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تصوير التَّورُّق بالأسهم. المسألة الثانية: التكييف الفقهي للتورق بالأسهم. المبحث الرابع: حكم برامج التَّورُّق المصرفي في البنوك المعاصرة. المطلب الأول: موقف الفقهاء من التَّورُّق المصرفي. المطلب الثاني: موقف العلماء المعاصرين والمختصين الاقتصاديين من التَّورُّق المصرفي. المطلب الثالث: الأدلة، والإشكالات، والمناقشات. المسألة الأولى: الأمور الدَّالة على تحريم التَّورُّق المصرفي. المسألة الثانية: الإشكالات المتعلِّقة بإجراءات عملية التَّورُّق المصرفي. المسألة الثالثة: الشبه التي تمسَّك بها من أجاز التَّورُّق المصرفي، ومناقشتها. المطلب الرابع: قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بشأن موضوع التَّورُّق المصرفي. المبحث الخامس: التَّورُّق المصرفي، ومستقبل البنوك الإسلامية، وفيه ثلاثةُ مطالب: المطلب الأول: مفهوم البنك الإسلامي، وخصائصه. المطلب الثاني: أثر عمليات التَّورُّق على مستقبل البنوك الإسلامية. المطلب الثالث: البديل للتمويل النَّقْديّ.

стр. 21

الخاتمة: وتشمل أهم نتائج البحث، والتوصيات: الفهارس: وتشمل ما يأتي: - فهرس الآيات القرآنية. - فهرس الأحاديث، والآثار. - فهرس الأعلام. - فهرس المراجع، والمصادر. - فهرس الموضوعات. وإني أشكر الله على أن أتمَّ عليَّ كتابة هذا البحث، رغم الضَّائقات الشديدة، التي أحاطت بي من كل جانب، والتي أتعبتني كثيرًا حين كتابة هذا البحث، وأسأل الله تعالى أن يجعلَ لي من كل ضيق مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا. وقد واجهتُ بعض الصعوبة حين جَمْع المراجع، حيث سافرت إلى مدن داخلية وخارجية، لجمع المراجع المتعلقة بهذا الموضوع. ولا يفوتني في هذا المقام أن أقدِّم باقة شكر معطرة بالتقدير والوفاء إلى كل من ساعدني في إعداد هذا البحث، وعلى رأسهم فضيلة الشيح: سعد الخراشي المشرف على هذا البحث، والدكتور: سامي السويلم، والدكتور: عبد الله السعيدي. وإلى كل مَنْ ساعدني من موظفي البنوك، وأسأل الله أن يوفِّقنا إلى كلِّ ما هو خير في الدنيا والآخرة.

стр. 22

التمهيد المبحث الأوَّلُ تعريفُ التَّورُّقِ الفرديِّ لغةً، واصطلاحًا المطلب الأول: تعريفُ التَّوَرُّق لُغَةً التَّوَرُّقُ لغةً مأخوذٌ من الوَرِقِ، بفتح الواو وكسر الراء، وهي الدَّراهمُ المضروبة (١). والوَرِقُ أيضًا -بفتح الراء-: المالُ من دراهمَ وإبل، وقال أَبو عبيدة: الوَرِقُ: الفِضَّة، كانت مضروبةً كالدَّراهمِ أو لا (٢) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ (٣) أي: بدراهِمِكُم. والتَّوَرُّقُ: طَلَبُ الوَرِق، كما تقول: التَّفَقُّهُ، وهو طَلَبُ الفقه والتعلُّم، وهو طَلَبُ العِلْمِ، وقدْ ذَكَرَ عُلَماءُ اللغَةِ أَنَّ في الوَرِقِ ثلاثَ لغاتٍ: (وَرِق) و (وَرَق) و (وَرْق) (٤). ومِنْ خِلالِ الاطِّلاعِ على كُتُبِ أهلِ اللغةِ، يُلاحَظُ أنَّ الأفعالَ التي ذَكَروها

стр. 23

تَنْحَصرُ في الإِيراقِ والاسْتيراقِ، فَيُقالُ: أَوْرَقَ الرَّجُلُ، إِذا كَثُرَ مالُهُ، ويُقالُ: المسْتَورِقُ، لِلَّذي يَطْلبُ الوَرِقَ، وورَّقتِ الشَّجرةُ تَورِيقًا، وَأَوْرَقَتْ إِيْراقًا، إذا أخرجتْ وَرَقَها (١)، ولم يَذكُروا مُصْطَلَحَ التَّوَرُّقِ، وَلَعلَّ الفُقهاءَ وَضَعوا اصْطِلاحَ التَّوَرُّقِ في كتُبهِم لِمَنْ يَتَكلَّفُ الحصولَ على الوَرق، فالتَّوَرُّقُ بِصُورتِهِ التي ذَكروها في كُتُبِهم فيها تَكَلُّفٌ وجهْدٌ للحصولِ على الورق، فأصْلُ التَّوَرُّقِ إذًا طَلَبُ النُّقودِ مِن الفضَّةِ، ثمّ تحوَّلَ المفهومُ إلى طَلَبِ النَّقْدِ عمومًا، سواء أكانَ النَّقدُ فِضةً، أمْ ذَهبًا، أم أوراقًا نقدية، وبذلك نعرفُ أنَّ مدلولَ لَفظِ التَّوَرُّقِ قد توسَّعَ بناءً على التَّوسُّعِ في مفهوم النَّقْدِ (٢). * * * المطلب الثاني: تعريفُ التَّوَرُّقِ اصطلاحًا الْمَسْأَلَةُ الأولى: التَّحقيقُ في استعمالِ مصطلحِ التَّوَرُّقِ عند الفقهاء: الجديرُ بالذِّكْرِ أنَّ مصْطلحَ التَوَرُّقِ لم يرِدْ بهذهِ التَّسْميةِ في كتبِ الفُقهاءِ إلا عندَ بَعضِ فقهاءِ الحَنابلةِ، يقولُ شمسُ الدِّينِ بنُ مُفْلِح ﵀: "وَلَوِ احْتاجَ إلى نَقْدِ ما يُساوي مِئَة بِمئَتَيْن فلا بَأْس، نصَّ علَيه، وهو التَوَرُّقُ" (٣). وقال البهوتيُّ ﵀: "ولو احتاجَ إنسانٌ إلى نَقْدٍ فاشتَرى ما يساوي مِئَة بمِئة وخمسين مثلًا، فلا بأسَ بذلك، وهي مسألةُ التَّوَرُّقِ" (٤) وكذلك المرداويُّ ذَكَرَ التَّوَرُّقَ في كتابه (٥).

стр. 24

وَلَعلَّ أَوَّلَ مَن تَحَدَّثَ عن حُكمِ التَّوَرُّقِ بِشَكلٍ مُفَصَّلٍ هو شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمية ﵀، فقد تحدَّثَ عَن حُكْمِه في مجموع الفتاوى (١)، وكذلك ابنُ القَيِّمِ في (إعلامِ الموقعين) (٢)، غير أنه قد وَرَدَ ما يدلُّ على أَنَّ هذا المصطلحَ معروفٌ عندَ السَّلَفِ، فقدْ نَقَلَ شيخُ الإسلامِ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ ﵁ قوله: (التَّوَرُّقُ آخيةُ الرِّبا) (٣). ويقول ابنُ القيِّمِ: "وقدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في كَراهيتِها -أَي: صورة التَّوَرُّقِ- فكانَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العزيزِ يَكْرهُها، وكان يقول: التَّوَرُّقُ آخيةُ الرِّبا، ورخَّص فيها إياسُ بنُ معاوية" (٤). وهذا فيه دلالةٌ على أنَّ مُصْطَلَحَ التَّوَرُّقِ مَعروفٌ عندَ السَّلَفِ. وممَّا سبقَ يَتَّضِحُ أنَّ ابْنَ تيميةَ، وابنَ القيِّمِ، وشمسَ الدِّينِ بن مُفْلِح، والبهوتي، والمرداوي، هم الذين ذكروا مصطلحَ التَّوَرُّقِ في كتبِهم، ولم يذكرْهُ الباقونَ مِن فُقهاءِ الحنابِلَةِ. وأمّا بقيَّةُ المذاهبِ الأُخرى فَلَمْ يَذْكُروا التَّوَرُّقَ بهذا الاسمِ، وإنَّما يتعرَّضونَ لِحُكْمه عندَ حديثِهِمْ عَنِ العِيْنَة، فالحنفية، لم يذكروا مصطلحَ التَّوَرُّقِ، وإنْ كانتْ صورةُ التَّوَرُّقِ موجودةً عندهم، ويذكرونها كَصُورةٍ جائزةٍ مِن صُوَرِ العِيْنَة، فقد ذكر بعضُهم تفسيرَ العِيْنَة، التي وَرَدَ النَّهْيُ عنها بتفسيرٍ هو عَيْنُ

стр. 25

التَّوَرُّقِ، فقالوا: "أن يأتيَ الرجلُ المحتاجُ إلى آخر، ويَسْتَقْرِضُه عشرةَ دراهم، ولا يرغبُ المقرضُ في الإقراض. . . فيقول: لا أقرضك، ولكن أبيعكَ هذا الثوبَ إن شئتَ باثني عشر درهمًا، وقيمتُه في السُّوقِ بعشرة، ليبيعه في السُّوق بعشرة، فيرضى به المستقرضُ فيبيعه كذلك، فيحصلُ لِرَبِّ الثَّوبِ درهمان، وللمشتري قَرْضُ عشرة" (١). وقال أَبو يوسف: "العِيْنَة جائزةٌ، مأجورٌ مَنْ عَمِلَ بها" (٢)، وَيُحْمَلُ قَولُه على عَدَمِ عَوْدِ السِّلْعَةِ إلى بائعها الأول، كما سيأتي بيانه. وأمّا المالِكيةُ فلا يوجَدُ عندَهم ذِكْرٌ لمصْطَلحِ التَّوَرُّقِ صراحة، غيرَ أنَّهمُ اشْترَطوا لِكَراهةِ العِيْنَة أَنْ تُباعَ السِّلْعَةُ إلى البائعِ الأوَّلِ فَخَرَجَ مِن ذلكَ التَّوَرُّق (٣)، إِضافةً إلى أَنَّ البعضَ مِنْهم ذَكَرَ صُورًا للتَّوَرُّقِ مِن غَيرِ أنْ يُطْلِقَ مُصطلحَ التَوَرُّقِ على تِلكَ الصُّوَرِ (٤). وفُقَهاءُ المالِكيَّةِ يَذكُرونَ بيْعَ العِيْنَة تحتَ بُيُوعِ الآجالِ التي ظاهِرُها الجَوازُ، غيرَ أنَّها تؤدِّي إلى الممْنوعِ (٥)، وَلذلكَ فإنَّ الباحِثَ عن حُكْمِ التَّوَرُّقِ عندَ المالكيةِ، يَجدُهُ تحت كِتاب بُيُوعِ الآجالِ، ولا يجدُهُ صريحًا بِلَفْظِ التَوَرُّقِ،

стр. 26

وإنَّما يُذكَر كصورةٍ مِن صُوَرِ العِيْنَة، أو أنَّهُ يخرجُ من كلامِهِم عندَ اشْتِراطِهم لِكَراهِيَةِ العِيْنَة. وأمّا الشافِعيّةُ فَلم يَذْكُروا مصطَلَحَ التَّوَرُّقِ في كُتبِهم، ولم يَتَطَرَّقُوا لِحُكْمِهِ، والسببُ في ذلك: أنّ جمهورَ الشافعيَّةِ يرَوْنَ جَوازَ بَيْعِ العِيْنَة، فَالتَّوَرُّقُ يَكونُ أولى بِالجَوازِ مِن العِيْنَة (١). مِمَّا سَبَقَ يَتَّضِحُ أنَّ مُصْطلحَ التَّوَرُّقِ بهذهِ التَّسميةِ هو مَشْهورٌ عندَ البَعضِ مِن فُقهاءِ الحنابلةِ لا كلّهم، والمذاهبُ الأخرى لم يُصَرِّحوا بهذا المصطلحِ، وإنَّما يَذْكُرونَ التَّوَرُّقَ كَصورةٍ مِن صُوَرِ العِيْنَة، كما عندَ الحَنَفِيَّةِ والمالكيَّةِ، أو أنَّهُ يخرجُ مِن كَلامِهم عنِ العِيْنَة، كما عندَ الشافعيَّةِ. الْمَسْأَلَةُ الثّانيةُ: تَعريفُ التَّوَرُّقِ اصطلاحًا التَّوَرُّقُ في اصطلاحِ الفُقهاءِ هو: (أنْ يَشتريَ الرَّجلُ السِّلْعَةَ نَسِيئَةً، وبَبِيعَها نَقْدًا لِغَيْرِ بائِعِها) وهذا التَّعريفُ يُفْهَمُ مِن كَلامِ الفُقهاءِ الَّذينَ تَحَدَّثوا عَنِ التَّوَرُّقِ (٢)، فَهُم لمَّا تَحَدَّثوا عَنهُ اكْتَفوا بِذِكْرِ صُورَتِه، وَوَصْفِه مِن غَيرِ النَّصِّ على التَّعريفِ، وَقدْ ذَكَرَ الباحثونَ في (الموسوعَةِ الفِقْهيةِ) تَعريفَ التَّوَرُّقِ فقالوا: "أنْ يَشتريَ سلعَةً نسيئةً، ثمّ يبيعَها نَقْدًا لِغَيرِ البائعِ، بِأَقَلّ مِمّا اشْتَراها بِهِ، لِيَحْصلَ بِذلكَ على النَّقْدِ" (٣) وَرُبما يكونُ هذا التعريفُ أَدَقَّ مِنَ التَّعريفِ السَّابِقِ، ذَلكَ لأنَ التَّعريفَ السّابِقَ لم يَذْكُرْ أنَّ الْمُتَوَرِّقَ يَبيعُ السِّلْعةَ بِأَقَلّ مما اشْتراها بِهِ، وهَذا

стр. 27

قَيْدٌ يُفيدُ في فَهْمِ التَّوَرُّقِ على نَحوٍ أَفْضَلَ؛ لأَنَهُ يَسْتَحيلُ على الْمُتَوَرِّقِ أَنْ يَبيعَ السِّلْعَةَ نَقْدًا بِنَفْسِ تَكْلِفَتِها بِالأَجَلِ. وَمِثالُ التَّوَرُّقِ: أَنْ يَأتيَ شَخْصٌ مُحتاجٌ لِلنَّقدِ إلى بائعِ التَّمْرِ، فَيشتري المحتاجُ مِئةَ صاعٍ بِأَلفٍ وَخمسِمئة نَسيئةً، ثمَ يأخُذ المحْتاجُ هذا التَّمْرِ، وَيَبيعهُ على غَيرِ البائعِ بِأَلْفٍ نَقْدًا لِيَحْصلَ بِذلكَ على النُّقودِ. وَقدْ عَرَّفَ مجمعُ الفِقهِ الإِسلامِيّ التَّوَرُّقَ بِقَولِهِ: هو شِراءُ سِلْعَةٍ في حَوْزَةِ البائِعِ وَمُلْكِهِ بِثَمَنٍ مؤجَّل، ثمَّ يَبيعُ المشتَري بِنَقْدٍ لِغَيرِ البائعِ لِلحُصولِ على النَّقْدِ (١). وقالَ الشَّيخُ عبدُ العزيزِ بنُ باز ﵀: "أمّا إذا كانَ المشتري اشْتَرى السِّلْعَةَ إلى أَجَلٍ لِيَبيعَها بِنَقْدٍ بِسَببِ حاجَتِهِ إلى النَّقْدِ في قَضاءِ الدَّينِ، أَو لِتَعْميرِ مَسْكَنٍ، أَو لِلتَّزْويجِ. . فَهَذهِ المعامَلَةُ تُسَمَّى عِندَ الفُقهاءِ (التَّوَرُّق)، وَيُسمِّيها بَعضُ العامَّةِ (الوعدة) " (٢). وبالنَّظَرِ إلى التَّعارِيفِ السَابِقةِ نَسْتنتِجُ أنَّ العَناصِرَ الأَساسِيَّةَ للتَّوَرُّقِ ثَلاثةٌ: ١ - أنْ يَشتريَ الْمُتَوَرِّقُ السِّلْعَةَ نَسيئةً. ٢ - أنْ يَبيعَها نَقْدًا. ٣ - أنْ يَبيعَها على غَيرِ بائِعِها. وَيتَّضِحُ مما سَبَقَ أنَّ الْمُتَوَرِّقَ اشْتَرى السِّلْعَةَ لَيْسَ لِغَرَضِ المتاجَرَةِ بِها، وتَحْصِيلِ رِبْحٍ، وَلَيْسَ لِغَرَضِ الاسْتِخْدامِ وَالانْتِفاعِ بِها، وَإِنَّما منْ أَجْلِ إِعادَةِ بَيعِ السِّلْعَةِ بِثَمَنٍ أَقَلّ مِن الثَّمَنِ الذي اشْتراها بهِ، والدّافِعُ الأَساسيُّ للدُّخولِ في بَيْعِ

стр. 28

التَوَرُّقِ هو الحاجَةُ للسُّيولَةِ النَّقْديَّةِ لِيَسْتَطيعَ بِذلكَ تَغْطِيَةَ حاجاتِهِ النَّقْدِيَّةِ، فالْمُتَوَرِّقُ ليسَ أَمامَهُ للْحُصولِ على السُّيولَةِ سِوَى سَبيلينِ: ١ - القَرْض الحَسَن، وَليسَ هُناكَ مَنْ يُقْرِضُهُ. ٢ - القَرْض بِالفائِدَةِ. فَيَلْجَأُ إلى التَّوَرُّقِ الذي يُبْعِدُهُ عَنِ الرِّبا، وَيُمَكِّنُهُ مِنْ تَغْطِيَةِ حاجاتِهِ النَّقْدِيَّةِ.

стр. 29

المبحث الثّاني تَعْرِيفُ التَّورُّقِ المصْرِفيّ لغةً، واصطلاحًا كَثِيرًا ما نَسْمَعُ في الآوِنَةِ الأَخِيرةِ عنْ مُصْطَلَحِ (التَّوَرُّقِ المصْرِفيّ) لا سِيَّما في وَسائِلِ الإِعْلامِ المرْئِيّ مِنْها وَالمسْموعِ، ويجُدُر بِالباحِثِ أنْ يُبَيِّنَ مَعْنى هذا المصْطَلَحِ في اللغةِ وَالاصطلاحِ، وَلا داعِيَ إلى بَيانِ ما يَتعلقُ بِلَفْظِ التَّوَرُّقِ في هذا المبحث لِتَطَرُّقي لَهُ في المبحث السَّابِقِ، وَغايَةُ ما يَهُمُّ -هُنا- هو بَيانُ ما يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ المصْرفِ الذي جاءَ وَصْفًا لِلتَّوَرُّقِ. * * * المطلب الأوَّلُ تَعْرِيفُ (المصْرف) في اللغةِ والاصْطِلاحِ المصْرفُ: اسْمُ مَكانٍ يَتِمُّ فِيهِ الصَّرْفُ، وَالصَّرْفُ لغةً: رَدُّ الشَّيءِ عَنْ وَجْهِهِ، صَرَفَهُ يَصْرِفُهُ صَرْفًا فَانْصَرَفَ (١). وأمّا الصَّرْفُ عِنْدَ الفُقهاءِ: "اسْمٌ لِبَيْعِ الأَثْمانِ المطْلَقَةِ بَعْضها ببعض، وَهو بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، وَأَحَدُ الجِنْسَيْنِ بِالآخَر، فَاحْتَمَلَ تَسْمِيَةَ هذا النّوعِ مِنَ البَيْعِ صَرْفًا لِمَعْنى الرَّدِّ وَالنَّقْلِ" (٢). وأمّا الصَّرْفُ في اصْطِلاحِ الاقْتِصادِيينَ: مُبادَلَةُ عُمْلَةٍ وَطَنِيَّةٍ بِعُمْلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ (٣). ومِمّا يَنْبَغي التَّنْبِيهُ عَلَيه أنَّ كَلِمَةَ (بَنْك) أَجْنَبِيَّةٌ، وَلَسْتُ مِنَ المشَجِّعِينَ على

стр. 30

اسْتِخْدامِ هذه الكَلِمَةِ، وَإِنْ صارتْ مُصْطَلَحًا عُرْفِيًّا دارِجًا عندَ النّاسِ، غَيْرَ أنَّ الأَفْضَلَ اخْتِيارُ كَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ أَصيلَةٍ، فَاسْتِعْمالُ كَلِمَةِ (مَصْرف) أَجْدَرُ وَأَوْلَى؛ لأَنَّها تُعْطِينا ما تُعْطِيهِ كلمةُ (بنك) منَ الدَّلالَةِ. وأمّا التَّعْريفُ الاصْطِلاحِيُّ لِلْمَصْرفِ، فَإِنَّ بَعْضَ الباحِثينَ يُشِيرُ إلى عَدَمِ وُجودِ تَعْريض مُنْضَبِطٍ لِلْمَصْرفِ، والبَعْضُ يَذْكُرُ تَعْريفاتٍ لِلْمَصْرفِ، فَقالُوا: "المصْرفُ هو مَكانٌ يَحْفَظُ النّاسُ فَيهِ أَمْوالَهم في زَمانٍ وَيسْتَردُّونَها حِينَ يَحْتاجونَ إِلَيْها، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُم بِأَنَّهُ مُنْشَأَةٌ مَحَلِّيَّةٌ يَتَعَلَّقُ عَمَلُها بِالمالِ تَنْصَبُّ عَمَلِيَّاتُها الرَّئِيسِيَّةُ على تَجْمِيعِ النُّقودِ الفائِضَةِ عن حاجَةِ الجُمْهورِ، أو مُنْشَآتِ الأَعْمالِ، أو الدَّوْلَةِ لِغَرَضِ إِقْراضِها لِلآخَرينَ، وَفْقَ أُسُسٍ مُعَيَّنةٍ، أو اسْتِثْمارِها في أَوْراقٍ مالِيَةٍ مُحَدَّدَةٍ" (١). * * * المطلب الثّاني تَعْريفُ التَّوَرُّقِ المصْرفيّ الْمَسْأَلَةُ الأُولى: اختِلافُ مسَمّياتِ (التَّوَرُّقِ المصرفيّ) أُريدُ أنْ أُبيِّنَ -قَبْلَ بَيانِ التَّعريفِ- أنَ هذه المعامَلَةَ المعْنِيَّةَ بِالدِّراسَةِ في هذا البَحْثِ يُسَمِّيها البَعْضُ بِالتَّوَرُّقِ المنَظَّمِ (٢)، والبَعْضُ يُسَمِّيها بِالتَّوَرُّقِ المصْرفيّ (٣)، وَكِلا التَّسْمِيَتَيْنِ صَحيحةٌ، فَمَنْ سَمّاها (بِالتَّوَرُّقِ المصْرفيّ) فَإِنَّهُ يَنْسِبُ هذه المعامَلَةَ إلى المَصارَف، وَمَنْ سَمّاها (بِالتَّوَرُّقِ المنَظَّمِ) فَلأَنَّ هذه

стр. 31

المعامَلَةَ تَقومُ على تَنْظيمٍ بينَ أَطْرافٍ عِدَّة، يَكونُ العَميلُ والمصْرفُ أَساسِيَّيْن في هذه المعامَلَةِ، إِضافَةً إلى أَطْرافٍ أُخْرى سَأُفْصِحُ عنهم في ثَنايا هذا البَحْثِ. وَحِينَ النَّظَرِ إلى البُنوكِ المعاصِرَةِ نَجِدُ أنَّها تطْلَقُ على هذه المعاملةِ أَسْماء خاصَّة بِها، تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البُنوكِ، فَالبَنْكُ العَرَبِىُّ الوَطَنيُّ يُطْلِقُ على هذه المعاملةِ بـ (التَّوَرُّق المبارَك)، والبَنْكُ الأَهْلِيُّ يُطْلِقُ عليها اسْمَ (تَيْسير الأَهْلِيّ)، وَالبَنْكُ السُّعودِيُّ الأَمْريكِيُّ يُطْلِقُ عليها اسْمَ (تَوَرُّق الخَيْر)، والبَنْكُ السُّعودِيُّ البَريطانيُّ يُطْلِقُ عليها اسْمَ (مال) (١)، وهذه البُنوكُ -التي ذَكرْتُها على سَبيلِ التَّمْثيلِ لا الحَصرِ- لَدَيْها اسْتِعْدادٌ لِتَغْييرِ مُسَمَّى هذه المعاملةِ في مُسْتَقْبَلِ الأَيامِ، فَالعَصْرُ الذي نَعِيشُهُ هو عَصْرُ التَجَدُّدِ والتَّحْديثِ، فقد يأتي زَمانٌ تَتَجَدَّدُ فيه هذه المسَمّياتُ، بَينما نَفْسُ المعاملةِ لم يَطْرَأْ عَليها أيُّ تَغْييرٍ، فَالكلامُ في هذا البَحْثِ يَنْطَبِقُ على المعاملةِ نَفْسِها بِغَضِّ النَّظَرِ عن مُسَمّياتِها؛ لأنِّي كما ذكرتُ أنَّ الأسْماءَ قابِلَة لِلتَّغْييرِ وَالتَّحْديثِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَعْريفُ التَّوَرُّقِ المصْرفيّ اصْطلاحًا: التَّوَرُّقُ المصْرفيُّ مُعامَلَةْ جَديدَةٌ ظَهَرَتْ في الآوِنَةِ الأَخيرَةِ، وتُعْتَبُر صِيغةً مِنْ صِيَغِ التَّمْويلِ التي طَرَحَتْها البُنوكُ، وقدْ تَلَقَّتْها وسائِلُ الإعْلامِ بِتَرْويجِ الإِعْلاناتِ المخْتلفَةِ عَنْها، والتَوَرُّقُ المصْرفيُ يَخْتلِفُ عنِ التَّوَرُّقِ الذي يُمارسُهُ الأفرادُ، والذي دارَ حولَهُ خِلافٌ بينَ العُلماءِ، ولذلكَ لا يُوجدُ تَعريفٌ لِهذهِ المعاملةِ عندَ الفُقهاءِ القُدامى، وَمنْ خلال الاطِلاعِ على بعضِ المجلّاتِ والبُحوثِ والمنشوراتِ التَّعريفيَّةِ التي تُصْدِرُها البنوكُ في هذا الموضوعِ، لم أَجِدْ تَعريفًا لِلتوَرُّقِ المصْرفيِّ سِوَى تَعريْفَيْن:

стр. 32

• التَّعْريفُ الأوَّلُ: تَعريفُ د: سامي السُّوَيلم ، حَيثُ عَرَّفَهُ بِأَنَّهُ "قيامُ المصْرفِ، أوِ المؤَسَّسَةِ الماليَّةِ بِتَرْتيبِ عَمَلِيَّة التَّوَرُّقِ للعَميلِ، بِحيثُ يَبيعُ المصْرفُ سِلْعَةً -وَهي غالِبًا مَعْدِنٌ منَ المعادِنِ المتوفِّرةِ في الأسْواقِ الدُّوَليَّةِ- على العَميلِ بِثَمن آجل، ثمَّ يُوَكِّلُ العَميلُ المصرفَ بِبَيعِ السلعةِ نَقدًا لِطَرَفٍ آخَرَ، ويُسَلِّمُ المصْرفُ الثَّمَنَ النَّقْدِيَّ لِلعميلِ"، وقال أيْضًا: "المقْصودُ بِالتَّوَرُّقِ المنَظَّمِ هو قِيامُ البائِعِ (المصرف) بِتَرْتِيبِ عَمَلِيَةِ التَّوَرُّقِ لِلمُشْتري، بحيثُ يَبيعُ سِلعةً على الْمُتَوَرِّقِ بِثَمَن آجل، ثمَّ يَنوبُ البائعُ عنِ المشتري بِبيعِ السِّلعةِ نَقْدًا لِطَرَفٍ آخَرَ، ويُسَلِّمُ الثَّمنَ النَّقْديَّ لِلمُتَورِّقِ" (١). • التَّعْريفُ الثّاني: تَعْريفُ د. عبدِ اللهِ السّعيديّ ، حيثُ عَرَّفَهُ بأنه "تَحْصيلُ النَّقْدِ بِشراءِ سِلْعَةٍ من البنكِ، وتَوكيله في بَيعِها، وقَيْد ثمنِها في حِساب المشتري" (٢). وَقَدْ بَنَى تَعْرِيفَهُ هذا على أنَّ التَوَرُّقَ المصْرفيَّ يُشابِهُ التَوَرُّقَ المعْلومَ عندَ الفُقهاءِ، ويَفْترقُ عنهُ مِن جِهَةِ ما هو عَلَيهِ مِن تَنْظيمٍ صارَ وَصْفًا لازِمًا له، ومؤثِّرًا فيهِ، يَقولُ الدّكتور: "ولِذا سَيأخُذُ -أي: تَعريفُه السابِقُ- مِن تَعريفِ التَّوَرُّقِ بطَرفٍ بقدرِ ما يتَّفِقانِ فيهِ، وسَيَفْتَرِقُ عَنْهُ بِقَدرِ ما يَفْتَرقانِ فيهِ" (٣). • المقارنةُ بين التَّعريفين: بعد النَّظَر والتَّأمل في التعريفين أرى أنَّ التعريفَ الأول يعطي تصوُّرًا عن المعاملة أفضل وأشمل من التصور الذي يعطيه التعريفُ الثَّاني، وذلك لسببين:

стр. 33

- السبب الأول: أنَّ التعريفَ الثَّاني لم يذكرْ قيدَ الأجل، بمعنى أن العميلَ حينما يشتري السِّلعة من البنك فإنَّه يشتريها بثمني آجل، والدكتور عبد الله السَّعيدي اقتصر في تعريفه بقوله: "تحصيل النقد بشراء سِلْعة من البنك. . ." ولم ينصَّ على كون الشراءِ يكونُ بالأجل، ولا يخفى أن العنصرَ الأساسيَّ والأهمَّ في عَمَلِيَّةِ التَّوَرُّقِ -سواء كانت مصرفية أم فردية- هو الأجل، وإلا لم تنشأ هذه المعاملةُ أصلًا، بينما نجدُ أن التعريفَ الأوَّلَ قد نصَّ على أن العميلَ يشتري السِّلعةَ من المصرف بثمنٍ آجل، وبهذا القيدِ يتَضحُ المحورُ الأساسيُّ، الذي تقومُ عليها هذه المعاملة. - السبب الثاني: أنَّ التعريفَ الأوَّلَ قد أثبتَ الطَّرفَ الثالثَ في عَمَلِيَّة التَّوَرُّقِ المصرفي، بمعنى: أنَّ العميلَ بعد شرائه السَّلعة من المصرف بثمن آجل يقوم بتوكيل المصرف ببيعها لطرف آخر، أي: لطرفٍ ثالث، وهذا الطَرفُ تفتقرُ إليه عَمَلِيَةُ التَّوَرُّقِ، فرديةً كانت أم مصرفية، وإلا كانتِ المعاملةُ عينةً محرَّمة، فالدكتور سامي السويلم قد أثبتَ في تعريفه الطَّرَفَ الثَّالثَ، بقوله: ". . ثم يُوكِّل العميلُ المصرفَ ببيع السِّلعة نقدًا لطرفٍ آخر. . ." بينما نجدُ تعريف الدكتور عبد الله السعيدي لم يتطرَّقْ للطرف الثالث، وإنما اكتفى بقوله: "تحصيلُ النَّقد بشراءِ سلعةٍ من البنك، وتوكيله في بيعها" وهذا غير مانع لدخول العينة المحرمة؛ لأنَّ البنكَ لما كان وكيلًا في بيع السِّلعة، فقد يتبادرُ إلى أذهانِ البعضِ أنه يجوزُ للبنك بيعُها لنفسه، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَ البنك إذا باعها لنفسه فإنَّ المعاملة تؤولُ إلى العِيْنَة المحرَّمة. مِمَّا سبق يتَّضحُ أن التعريف الأول يعطي تصورًا عن المعاملة أكثر من التعريف الثاني لما ذُكِرَ سابقًا، إضافةً إلى أن التعريفَ الأوَّلَ قد ألمح إلى ماهية السِّلع المتداولةِ عند إِجْراء عمليات التَّوَرُّقِ، ولم يذكر ذلك في التَّعريف الثَّاني.

стр. 34

وأما المنشوراتُ التعريفيةُ التي تصدرها البنوكُ كإعلانات لبرامجِ التَّوَرُّقِ المطروحةِ لديهم، فهي خاليةٌ من التعريفات، وليس فيها إلا بيانُ صورةِ البرنامج وتوصيفه، وبالمثال يتَّضحُ المقال: البنكُ السعوديُّ الهولنديُّ طَرَحَ برنامجًا للتَّورُّق، وسماه (تورُّق اليسر) وقد وضع البنكُ منشوراتٍ تعريفيةً توضِّحُ الآليةَ التي يسيرُ عليها البرنامجُ، وبيان الصُّورة والوصف فقط، دون التَّطرُّق إلى التعريف، فقد جاء في منشوراتهم التَّعريفية "تورُّق اليسر هو برنامجُ تمويلٍ مبنيٌّ على صفة التَّوَرُّقِ المباحة. . . وبهذا البرنامجُ يمكنُ للعميل شراءُ كميةٍ محدَّدةٍ من أي سِلْعة مقبولةٍ شرعًا، مملوكة عند البيع للبنك السُّعودي الهولندي على أساس المرابحة، ثم بَعْدَ أن يتملَّكها العميلُ يمكنُ له بيعها إلى طرفٍ ثالثٍ للحصول على ثمنها النَّقْدي" (١) وبيانهم هذا هو بمثابةِ الوَصْف والتصويرِ وليس تعريفًا، وهكذا كلُّ البنوك التي تنشرُ المنشوراتِ التعريفيةَ لإيضاح برامج التَّوَرُّقِ.

стр. 35

المبحث الثالث حاجةُ الحياة الاقتصادية للسُّيولة النقدية ينظرُ الإسلامُ للمال على أنه قوامُ الحياة، به تنتظمُ معايشُ الناس، وبه يستطيعُ الإنسانُ تلبيةَ حاجاته، وحُبُّ المال فطرةٌ أودعها الله سبحانه في هذا الإنسانِ العجيب، فهي فطرةٌ تُولَد مع الإنسانِ، وتنمو معه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (٢). والإنسانُ مدنيٌّ بالطبع، يُولَد في المجتمع، ولا يعيشُ إلا فيه، ولو تصوَّر شخصٌ ما أن الإنسانَ قد يعيشُ خارجَ مجتمعه، فإنَ هذا ضَرْبٌ من ضُروبِ الوهم والخيال، وهذا العيشُ المشتركُ بين أبناءِ جنسه يُولِّد معاملاتٍ وتبادلاتٍ بينهم تتطلَّب وجودَ وسيطٍ تتمُّ من خلاله عملياتُ التبادل، ولذلك كانت السيولةُ النقديةُ في غايةِ الأهميَّة، فالحياةُ الاقتصاديةُ قديمًا وحاضرًا تقتضي الحصولَ على السُّيولة الكافيةِ لمتطلبات السُّوق، والعمل، والبيع، والشراء، والشَّرعُ المطهَّر لم يهدرْ قيمةَ السُّيولة، ولم ينكرْ أهميَّتها في الوسط الاقتصاديِّ، والدليلُ على ذلك: أن الإسلامَ شَرَعَ عُقُودًا تهدفُ إلى توفير السُّيولة للمحتاج مع ما تحقِّقه تلك العقودُ من فوائدَ اقتصاديةٍ، ومن ذلك:

стр. 36

١ - مشروعيةُ عَقْدِ السّلم: فبيعُ السّلم يحقِّقُ السّيولة للبائع، الذي يكونُ في غايةِ الحاجة لها، ليستطيعُ بتلك السُّيولة تلبيةَ حاجاتِ المشتري. ٢ - مشروعيةُ عَقْد الاستصناع: فصاحبُ العمل يفتقرُ للسُّيولة النقدية لشراءِ المواد الأولية، والتي من خلالها يستطيعُ أن يقوم بالعَمَلِيَّةِ الإنتاجيةِ المطلوبةِ منه. ٣ - مشروعيةُ التَّوَرُّقِ الفردي: فإن الْمُتَوَرِّقَ حين يشتري السِّلْعة، فإنه يشتريها ليس لغرضِ إلاستهلاك، ولا لغرضِ المتاجرةِ والرِّبحِ، وإنما يفعلُ ذلك لتحصيل السُّيولةِ النقديةِ، التي بها قوامُ الحياة. ٤ - مشروعيةُ المضاربة: فعقدُ المضاربة يدلُّ على أنَّ الشَّرعَ المطهَّر لم يغفلْ جانبَ السُّيولة، ولم يهدرْ قيمتها، فقد يملكُ فردٌ المالَ، ولا يملكُ الخبرةَ، وقد يملكُ آخر الخبرةَ ولا يملكُ المال، وبعقدِ المضاربةِ يعطي صاحبُ المالِ السيولةَ لذي الخبرةِ، فتستغلّ استغلالًا يعودُ على الحياة الاقتصادية بالمنافع، والخيرات (١) وحين ننظرُ إلى الأمم والشُّعوب اليوم نجدُ أن الاقتصادَ وشؤونَ الرزق، والمعاش، والسيولة النقدية يستحوذُ على كلِّ اهتمامهم وعنايتهم، بدليل أن الدولَ العظمى وما دُونها تهتمُّ بأمورِ المعاش والاقتصاد، إلى درجةِ شنِّ الحروب، والحصارات الاقتصادية لتحقيق أهدافِهم المنشودةِ، التي يُعَدُّ الهدفُ الاقتصاديّ من أكبرها (٢)، ولا يخفى أن السيولةَ النقديةَ تفتقرُ إليها الحياةُ الاقتصاديةُ المعاصرة، بدليل أن الحاجةَ إلى السُّيولة دعتْ إلى إيجادِ مؤسَّساتٍ ماليةٍ يكونُ نشاطُها الأساسيُّ توفيرَ السُّيولة لمريديها بأي صيغةٍ من صيغِ

стр. 37

التعامل، فنشأتْ تلك المؤسساتُ، وقامت بإيجادِ صيغٍ للتمويل، تكون كفيلةً بتغطية الحاجة إلى السُّيولة (١). ولا يخفى أن متطلباتِ السُّوق، والعمل، والإنتاج تفتقرُ إلى السُّيولة النقدية، "فمستودعاتُ السِّلع مثلًا حلقةٌ مهمَّةٌ في عملياتِ إنتاج وتسويق السِّلع في الدُّول الغربية، وهي تنهضُ بدور مهمٍّ في توفير السُّيولة للمنتجين، ومعلومٌ أن الدورةَ الإنتاجيةَ لجميع السِّلع في القطاعاتِ الزِّراعية والصِّناعية تبدأ بوجودِ المال المخصَّص لشراءِ المواد الأولية، وتغطية النفقات الأساسية للعَمَلِيَّةِ الإنتاجية، ثُمَّ بعد عَمَلِيَّةِ الإنتاج يكونُ لدى المزارع، أو صاحب المصنع سِلَعًا يمكنه بيعُها في السُّوق، واستخدام ثمنها في شراء المواد الأولية، وبدء دورة جديدة للإنتاج، وهكذا، إلا أنَّ الأمورَ لا تسيرُ دائمًا بهذه الطريقة، إذ يقعُ في أكثر الأحيان أن المنتجَ لا يستطيع تصريفَ إنتاجه بمجرد الإنتاج، فتبقى في مستودعاته لفترةٍ من الزمن تطولُ أو تقصرُ. . . وفي هذه الحالة يحتاجُ ذلك المنتجُ إلى ما يُسمَّى (تمويل المخزون) فيقترضُ من البنك، لكي يقومَ بدورة في إنتاجيةٍ جديدة" (٢). وغالبُ المنتجين في العصرِ الحديثِ يقومُون بالاقتراض من البنوك، لكي لا تتوقَّفَ عجلةُ الانتاج والتسويق، ولولا السيولةُ النقدية لعجزتِ القطاعاتُ الزراعيةُ والصناعيةُ عن دورتها الإنتاجية. وحين التأمل إلى حركة الصِّناعة والتِّجارة نعرفُ "أن المشروعات الصناعية والتجارية، بحاجة إلى مقادير متزايدةٍ من السُّيولة لضمانِ نموها، وارتقائها فضلًا عن اسْتِمرارها" (٣). وبهذا يتَّضحُ أن

стр. 38

السيولةَ تلعبُ دورًا كبيرًا لإنعاشِ الحياةِ الاقتصاديةِ واستمرارها، وتقضي على الرُّكود والكسادِ، الذي قد يعتري الحركةَ التجاريةَ.

стр. 39

الفصل الأول التَّوَرُّقُ الفرديُّ (الفقهى) الجديرُ بالذِّكر أنَّ عملياتِ التَّوَرُّقِ المصرفيِّ لا يمكن أن تفهمَ وتدركَ إلا بدراسةِ ما تقومُ عليه عمليات التَّوَرُّقِ في المصارف اليوم، وبقراءةِ الآليات العَمَلِيَّة للتَّوَرُّقِ المصرفي عرفت أنه لا يمكنُ تصوُّرُ التَوَرُّقِ المصرفي، وفَهْمه، وإدراكه إلا بدراسةِ ثلاثةِ أمور: ١ - مبدأ الحِيَل وموقف العلماء منها. ٢ - موقف العُلَماء من بيع العِيْنَة، وعلاقتها بالتَّوَرُّقِ. ٣ - موقف العلماء من التَّوَرُّقِ الفردي. ولذلك سأقومُ بدراسة هذه الأمور بشكلٍ مختصرٍ يفيدُنا في تصوُر عمليات التَّوَرُّقِ، التي تجاريها المصارفُ اليوم.

стр. 40

المبحث الأوَّل مبدأ الحِيَل في الشَّريعةِ الإسلامية المطلب الأول معنى الحيلة لغةً، واصطلاحًا الحيلة في اللغة: هي الحذقُ، وجودةُ النظر، والقدرة على دقَّة التصرف (١). واحتال: طلب الحيلة. والحيلةُ في الاصطلاح: هي تقديمُ عَمَل ظاهر الجواز، لإبطال حُكْم شرعي، وتحويله في الظَّاهر إلى حُكْم آخر (٢). وعَرَّفها البعضُ بأن يظهرَ تصرُّفًا مباحًا يريدُ به محرِّمًا مخادعة، وتوسُّلًا إلى فِعْل ما حَرَّم الله ، واستباحة مَحْظُوراته، أو إسقاط واجب، أو رفع حقّ، ونحو ذلك (٣). * * * المطلب الثاني تحريرُ محلِّ النزاع لمعرفة محلِّ النزاع لا بُدَّ من بيانِ أقسامِ الحيلة من حيثُ هي، إذ تنقسمُ إلى
следующие страницы →