١ - مشروعيةُ عَقْدِ السّلم: فبيعُ السّلم يحقِّقُ السّيولة للبائع، الذي يكونُ في غايةِ الحاجة لها، ليستطيعُ بتلك السُّيولة تلبيةَ حاجاتِ المشتري.
٢ - مشروعيةُ عَقْد الاستصناع: فصاحبُ العمل يفتقرُ للسُّيولة النقدية لشراءِ المواد الأولية، والتي من خلالها يستطيعُ أن يقوم بالعَمَلِيَّةِ الإنتاجيةِ المطلوبةِ منه.
٣ - مشروعيةُ التَّوَرُّقِ الفردي: فإن الْمُتَوَرِّقَ حين يشتري السِّلْعة، فإنه يشتريها ليس لغرضِ إلاستهلاك، ولا لغرضِ المتاجرةِ والرِّبحِ، وإنما يفعلُ ذلك لتحصيل السُّيولةِ النقديةِ، التي بها قوامُ الحياة.
٤ - مشروعيةُ المضاربة: فعقدُ المضاربة يدلُّ على أنَّ الشَّرعَ المطهَّر لم يغفلْ جانبَ السُّيولة، ولم يهدرْ قيمتها، فقد يملكُ فردٌ المالَ، ولا يملكُ الخبرةَ، وقد يملكُ آخر الخبرةَ ولا يملكُ المال، وبعقدِ المضاربةِ يعطي صاحبُ المالِ السيولةَ لذي الخبرةِ، فتستغلّ استغلالًا يعودُ على الحياة الاقتصادية بالمنافع، والخيرات (١)
وحين ننظرُ إلى الأمم والشُّعوب اليوم نجدُ أن الاقتصادَ وشؤونَ الرزق، والمعاش، والسيولة النقدية يستحوذُ على كلِّ اهتمامهم وعنايتهم، بدليل أن الدولَ العظمى وما دُونها تهتمُّ بأمورِ المعاش والاقتصاد، إلى درجةِ شنِّ الحروب، والحصارات الاقتصادية لتحقيق أهدافِهم المنشودةِ، التي يُعَدُّ الهدفُ الاقتصاديّ من أكبرها (٢)، ولا يخفى أن السيولةَ النقديةَ تفتقرُ إليها الحياةُ الاقتصاديةُ المعاصرة، بدليل أن الحاجةَ إلى السُّيولة دعتْ إلى إيجادِ مؤسَّساتٍ ماليةٍ يكونُ نشاطُها الأساسيُّ توفيرَ السُّيولة لمريديها بأي صيغةٍ من صيغِ
стр. 37
التعامل، فنشأتْ تلك المؤسساتُ، وقامت بإيجادِ صيغٍ للتمويل، تكون كفيلةً بتغطية الحاجة إلى السُّيولة (١).
ولا يخفى أن متطلباتِ السُّوق، والعمل، والإنتاج تفتقرُ إلى السُّيولة النقدية، "فمستودعاتُ السِّلع مثلًا حلقةٌ مهمَّةٌ في عملياتِ إنتاج وتسويق السِّلع في الدُّول الغربية، وهي تنهضُ بدور مهمٍّ في توفير السُّيولة للمنتجين، ومعلومٌ أن الدورةَ الإنتاجيةَ لجميع السِّلع في القطاعاتِ الزِّراعية والصِّناعية تبدأ بوجودِ المال المخصَّص لشراءِ المواد الأولية، وتغطية النفقات الأساسية للعَمَلِيَّةِ الإنتاجية، ثُمَّ بعد عَمَلِيَّةِ الإنتاج يكونُ لدى المزارع، أو صاحب المصنع سِلَعًا يمكنه بيعُها في السُّوق، واستخدام ثمنها في شراء المواد الأولية، وبدء دورة جديدة للإنتاج، وهكذا، إلا أنَّ الأمورَ لا تسيرُ دائمًا بهذه الطريقة، إذ يقعُ في أكثر الأحيان أن المنتجَ لا يستطيع تصريفَ إنتاجه بمجرد الإنتاج، فتبقى في مستودعاته لفترةٍ من الزمن تطولُ أو تقصرُ. . . وفي هذه الحالة يحتاجُ ذلك المنتجُ إلى ما يُسمَّى (تمويل المخزون) فيقترضُ من البنك، لكي يقومَ بدورة في إنتاجيةٍ جديدة" (٢).
وغالبُ المنتجين في العصرِ الحديثِ يقومُون بالاقتراض من البنوك، لكي لا تتوقَّفَ عجلةُ الانتاج والتسويق، ولولا السيولةُ النقدية لعجزتِ القطاعاتُ الزراعيةُ والصناعيةُ عن دورتها الإنتاجية. وحين التأمل إلى حركة الصِّناعة والتِّجارة نعرفُ "أن المشروعات الصناعية والتجارية، بحاجة إلى مقادير متزايدةٍ من السُّيولة لضمانِ نموها، وارتقائها فضلًا عن اسْتِمرارها" (٣). وبهذا يتَّضحُ أن
стр. 38
السيولةَ تلعبُ دورًا كبيرًا لإنعاشِ الحياةِ الاقتصاديةِ واستمرارها، وتقضي على الرُّكود والكسادِ، الذي قد يعتري الحركةَ التجاريةَ.
стр. 39
الفصل الأول التَّوَرُّقُ الفرديُّ (الفقهى)
الجديرُ بالذِّكر أنَّ عملياتِ التَّوَرُّقِ المصرفيِّ لا يمكن أن تفهمَ وتدركَ إلا بدراسةِ ما تقومُ عليه عمليات التَّوَرُّقِ في المصارف اليوم، وبقراءةِ الآليات العَمَلِيَّة للتَّوَرُّقِ المصرفي عرفت أنه لا يمكنُ تصوُّرُ التَوَرُّقِ المصرفي، وفَهْمه،
وإدراكه إلا بدراسةِ ثلاثةِ أمور:
١ - مبدأ الحِيَل وموقف العلماء منها.
٢ - موقف العُلَماء من بيع العِيْنَة، وعلاقتها بالتَّوَرُّقِ.
٣ - موقف العلماء من التَّوَرُّقِ الفردي.
ولذلك سأقومُ بدراسة هذه الأمور بشكلٍ مختصرٍ يفيدُنا في تصوُر عمليات التَّوَرُّقِ، التي تجاريها المصارفُ اليوم.
стр. 40
المبحث الأوَّل مبدأ الحِيَل في الشَّريعةِ الإسلامية
المطلب الأول معنى الحيلة لغةً، واصطلاحًا
الحيلة في اللغة: هي الحذقُ، وجودةُ النظر، والقدرة على دقَّة التصرف (١). واحتال: طلب الحيلة.
والحيلةُ في الاصطلاح: هي تقديمُ عَمَل ظاهر الجواز، لإبطال حُكْم شرعي، وتحويله في الظَّاهر إلى حُكْم آخر (٢).
وعَرَّفها البعضُ بأن يظهرَ تصرُّفًا مباحًا يريدُ به محرِّمًا مخادعة، وتوسُّلًا إلى فِعْل ما حَرَّم الله ، واستباحة مَحْظُوراته، أو إسقاط واجب، أو رفع حقّ، ونحو ذلك (٣).
* * *
المطلب الثاني تحريرُ محلِّ النزاع
لمعرفة محلِّ النزاع لا بُدَّ من بيانِ أقسامِ الحيلة من حيثُ هي، إذ تنقسمُ إلى
стр. 41
ثلاثة أقسام، أغلبُها محلُّ اتفاقٍ، وبعضها الآخر محل نزاعٍ واختلافٍ، ولذلك لا بُدَّ من الإفصاح عنها، ثم أبين ما هو محلُّ الاتفاق منها، والاختلاف.
تنقسمُ الحيلةُ من حيثُ هي إلى ثلاثة أقسام (١)
١ - قسمٌ هو قُربة وطاعةٌ لله، إذ يُتوصَّل به إلى فعل ما أمر الله، وترك ما نهى عنه، والحيلةُ في هذا القسم مشروعةٌ ومحمودةٌ، ويُثابُ فاعِلُها، ومثالُ هذا النوع: الخداعُ بحقّ كما في الحروب، حيثُ قالَ النَّبيُّ ﷺ : "الحَرْبُ خدْعَةٌ" (٢).
٢ - قسمٌ جائزٌ مباحٌ، ولا حَرَجَ على فاعله، ولا على تاركه، حيث يحتالُ للتوصُّل إلى الحق، أو لدفع الظلم بطرقٍ مباحةٍ لم تُوضع مُوصلة إلى ذلك، بل وُضعت لغيره، فيتَّخذها هو طريقًا إلى هذا المقصودِ الصَّحيح، ومثالُ هذا النوع: إذا سُرِقَ له متاعٌ فقال لامرأته: إنْ لم تُخْبريني مَنْ أخذه فأنت طالقٌ ثلاثًا، والمرأةُ لا تعلمُ مَنْ أخذه، فالحيلةُ للتخلُّص من هذه اليمين أن تذكرَ الأشخاصَ الذين لا يخرجُ المأخوذُ عنهم، ثم تفرد كلّ واحد وتقولُ: هو أخذه، فإنَّها تكونُ مخبرةً عن الآخذ، وعن غيره، فيبرّ في يمينه ولا تطلق.
٣ - قسم فيه احتيالٌ على المحظورات، وهذا القسمُ هو الذي جرى في بعض أنواعه الخلافُ، ولذلك يلزمُ ذِكْرُ الأنواعِ الدَّارجة تحت هذا القسم، وهي كالتالي:
стр. 42
أ- الطرقُ الخفيةُ التي يُتوصَّلُ بها إلى ما هو مُحَرَّم في نفسه، ومقصودُ صاحبها كما يظهر الشَّرُّ والظلمُ كالتَّحيُّل على هلاكِ النفوسِ، وهذه الحِيَل حُكْمُها التَّحريم باتفاقٍ، كما ذكر ابنُ القَيِّم.
ب- الطرقُ الخفيَّةُ التي يُتوصَّل بها إلى ما هو مُحَرَّم في نفسه، ولا يظهرُ أن مقصودَ صاحبِها الشَّر والظلم، بل يظهرُ أن قصده الخير، وهو في الحقيقةِ في باطن نفسه قَصْده الظُّلم والبغي، مثل إقرار المريض بوارثٍ وهو غيرُ وارث، إضرارًا بالورثة، وهذا حُكْمُه التَّحريم باتفاق، كما ذكر ابنُ القيِّم.
ج- ما هو مُباحٌ في نفسه، لكن يتوصَّل به إلى الحرام، كالسَّفر لِقَطْع الطريق وقَتْل الأنفس، فالحيلةُ هنا مُحَرَّمةٌ، حتى ولو كانت الحيلة، جائزةً من حيثُ هي، ولكن لما كانت وسيلةً إلى مُحَرَّم حرمت لكونها توصل إلى مُحَرَّم.
د- وهذا هو محلُّ النِّزاع، والذي جرى حوله خلافٌ بين العلماء: أن يقصدَ المحتالُ حَلَّ ما حَرَّمه الشَّارعُ، أو سقوط ما أوجبه بأن يأتيَ بسببٍ نَصَبَهُ الشَّارعُ سببًا إلى أمرٍ مباحٍ مقصود، فيجعله المحتالُ سببًا إلى أمرٍ مُحَرَّمٍ مقصود اجتنابه، ومثاله: الحِيَل الرَّبويةُ كالعِيْنَة الثنائية والثلاثية، والبعضُ من العلماء عَدَّ التَّوَرُّقَ الفردي والتَوَرُّقَ المصرفي من هذا النَّوع، ولهذا القسمِ أمثلةٌ كثيرةٌ، ولكن اقتصرتْ على ما يتعلَّق بموضوعِ البحث.
وبهذا نعلمُ أن النَّوعَ الرَّابعَ من أنواع القسم الثالث هو محلُّ النِّزاع، وبقية الأقسامِ هي محلُّ اتفاقٍ بين العلماء، كما ذكر ذلك ابنُ القيِّم ﵀.
стр. 43
المطلب الثالث موقفُ العلماء من الحِيَل
أولًا: موقفُ الحنفية من الحِيَل:
اشتهر عن الحنفية أنَّهم يقولُون بجوازِ الحِيَل التي هي مَحَلُّ النِّزاع، يقول السرخسي: "إن الحِيَل في الأحكامِ المخرجةِ عن الآثام جائزةٌ عند جمهور العلماء ﵏" (١).
ويقولُ الخَصَّافُ نقلًا عن محمد بن الحسن: "وإنَّما الحِيَل شيءٌّ يتخلَّص به الرجلُ من المآثم والحرام، يخرجُ به إلى الحلال، فما كان من هذا أو نحوه فلا بأس" (٢).
والحقيقةُ أنَّ ما قاله الحنفيةُ من جَواز هذه الحِيَل، إنَّما يقصدون الحِيَل الجائزةَ والخارجةَ عن محلِّ النِّزاع، وإلا كيف يتصوَّر أن أئمةَ الحنفية يقولُونَ بجوازِ ذلك، ولعلَّ نسبة القول بتجويز هذه الحِيَل إلى الحنفية جاء بناءً على الأسباب التالية (٣):
١ - أنَّ بعضَ النَّاسِ قد ادَّعى أن لأبي حنيفة كتابًا في الحِيَل كان يفتي فيه للناس بالتَّحلل من الأحكام الشرعية، والقيود الفقهية، ولكن هذا الكتابَ لم يُعْثَرْ عليه حتى يدرس ويعرف ما فيه من تلك الحِيَل، أهي خروجٌ على الدِّين، أم هي توسعةٌ من ضيق بعضِ القيود المذهبية، وتخريج الأحكام في الدَّائرة الشَّرعية، بحيث يكونُ الدينُ يُسْرًا لا عُسْرَ فيه. يقول ابن القيم: "والمقصودُ أن
стр. 44
هذه الحِيَل لا تجوزُ أن تنسب إلى إمام، فإن ذلك قَدْحٌ في إمامته، وذلك يتضمَّنُ القَدْحَ في الأمة، حيث ائتمتْ بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غيرُ جائز، ولو فُرِضَ أنه حُكي عن واحدٍ من الأئمة بعضُ هذه الحِيَل المجمع على تحريمها، فإمَّا أن تكونَ الحكايةُ باطلة، أو يكون الحاكي لم يضبطْ لفظه. . . فعلمت أن هؤلاء المحتالين، الذين يفتون بالحِيَل، التي هي كُفْر أو حرام ليسوا مقتدين بمذهبِ أحدٍ من الأئمةِ وأنَّ الأئمةَ أعلمُ بالله ورسوله ودينه، وأتقى له من أن يفتوا بهذه الحِيَل" (١).
٢ - كتاب (المخارج في الحِيَل)، هو كتابٌ منسوبٌ إلى محمد بن الحسن، ولكنْ جرى الاختلاف هل هو من تصنيفه أم لا، وقد ذكر هذا الاختلاف السَّرخسي حيثُ قال: "اختلف الناسُ في كتاب الحِيَل أنه من تصنيف محمد أم لا" (٢)، والذي يترجَّح هو القَولُ بنسبة الكتاب لمحمد بن الحسن، وقد ذكر الكتاب الكثير من الحِيَل التي كانت منتشرةً بين أصحابِ أبي حنيفة.
والحقيقة، أن الحِيَلَ المذكورةَ في كتب الحنفية هي من النَّوع المباح لا من النوع المحظور، فهي من الحِيَل المباحةِ التي يحتالُ بها على التَّوصُّل إلى الحق، أو دفع الظالم بطريقةٍ مباحة. فحيلُ الأئمة ما كانت لهدم مَقْصد الشَّارع، بل كانتْ سبيلًا لتحقيق الأغراضِ الشَّرعية ورَفْع الحرج، بل كانوا ﵏ يجتهدون في أن لا يكونَ في حِيَلِهم ما يهدمُ مقصدًا شرعيًا (٣).
ثانيًا: موقف المالكية من الحِيَل:
ذَهَبَ المالكيةُ إلى مَنْع الحِيَل وإبطالها، جاء في الموافقات عن الحِيَل:
стр. 45
"فإن حقيقتها المشهورةَ تقديمُ عمل ظاهر الجوازِ لإبطال حُكْمٍ شرعيٍّ، وتحويله في الظاهر إلى حُكْم آخر، فمآلُ العمل فيها خَرْمٌ لقواعد الشريعة في الواقع. كالواهبِ ماله عند رأسِ الحول فرارًا من الزكاة" (١).
وَسَنَدُهُم هو القَولُ بقاعدة: [سدّ الذَّرائع] التي تُعتبر من قواعد المذهب المالكي، جاء في الموافقات: "الذرائعُ حَكَّمَها مالك في أكثر أبواب الفقه؛ لأن حقيقتها التَّوسُّل بما هو مصلحة إلى مفسدة" (٢)، فالقَولُ بجوازِ هذه الحِيَل يناقضُ هذه القاعدة.
ثالثًا: موقف الشافعية من الحِيَل:
ذَهَبَ الشَّافعيةُ إلى جواز الحِيَل بناءً على موقفهم من العقود عامة، حيث إنَّ الشافعي ﵀ يرى أن العبرةَ في العقود بالظاهر، ولا تأثير لنية المتعاقدين على العقد، ولذلك أجاز بيع العِيْنَة -كما سيأتي - التي تُعَدُّ حيلةً من الحِيَل الرَّبوية، يقول ﵀: "لا يفسدُ عقد أبدًا إلا بالعقد نفسه، لا يفسدُ بشيء تقدّمه ولا تأخّره، ولا بتوهُّم ولا بأغلب، وكذلك كلّ شيء لا نفسده إلا بعقده، ولا نفسد البيوعَ بأن نقولَ: هذه ذريعةٌ، وهذه نيةٌ سوء" (٣).
ولا يعني هذا أنَّ الشَّافعيَّ يجيزُ إضمارَ نية المحرم؛ لأنه يفرقُ بين صحة العقد وبين نية العاقد، فإذا نوى شخصٌ ما هو محرم أثم، ولا يستلزمُ بطلانَ العقد عنده، يقول ﵀: "أصلُ ما أذهب إليه أن كلَّ عقدٍ كان صحيحًا في
стр. 46
الظاهر، لم أبطله بتهمةٍ ولا بعادةٍ بين المتبايعين، وأجزته بصحَّة الظَّاهر، وأكره
لهما النية إذا كانت النيةُ لو أظهرت كانت تفسدُ البيع" (١).
ويقول ابنُ حَجَر: "فالشَّافعيةُ يجوزون العقودَ على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إنَّ مَنْ عملَ الحِيَل بالمكر والخديعة يأثمُ في الباطن" (٢).
ممَّا سبق يتبينُ أن الحِيَل لا تفسدُ العقد عندهم، ويأثم إذا نوى بالحيلة المكر، والخِداع.
رابعًا: موقف الحنابلة من الحِيَل:
ذهب الحنابلةُ إلى منع الحِيَل كالمالكية، جاء في (المغني): "فصل: والحِيَل كلّها محرّمة غير جائزة في شيء من الدين" (٣). وقَولُهم بالمنع جاء بناءً على القول بقاعدة: [سد الذرائع]؛ لأنَّ جوازَ هذه الحِيَل يناقضُ القول بالقاعدة، يقولُ ابنُ القيم: "وتجويزُ الحِيَل يناقضُ سَدَّ الذَّرائع مناقضة ظاهرة، فإن الشَّارعَ يسدُّ الطريق إلى المفاسد بكلِّ ممكن، والمحتالُ يفتحُ إليها بحيلة" (٤).
ممَّا سبق أستطيع، أن أقولَ: للعلماء في مسألة الحِيَل رأيان:
الرَّأي الأولُ: جوازُ الحِيَل، وبه قال الشافعية، وهو منسوبٌ إلى الحنفية.
الرَّأي الثاني: منعُ الحِيَل، وبه قال المالكية والحنابلة بناءً على القول بقاعدة: [سدّ الذرائع].
стр. 47
المطلب الرابع الأدلة والترجيح
الْمَسْأَلَةُ الأولى: الأدلَّة:
• أدلَّة القائلين بجواز الحِيَل:
الدليل الأول: قَولُه تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١).
وجه الاستدلال من الآية: أنَّ الاَيةَ فيها دلالةٌ على جواز الحِيَلِ، إذ هي تعليمٌ لأيوب عن كيفية الخروج عن يمينه التي حَلَفها، "وذلك أنَ أيوب ﵇ كان قد غَضِبَ على زوجته، ووجد عليها في أَمْرِ فعلته. . . فلامَها على ذلك، وحلف إنّ شفاه الله تعالى ليضربنّها مئة جلدةٍ. . . فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخذمة التامة، والرَّحمة، والشَّفقة، والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله أن ياخذَ ضِغْثًا وهو الشِّمْراخُ، فيه مئة قضيب، فيضربها به ضربةً واحدةً وقد برَّت يمينه، وخرج من حِنْثه، ووفّى بنذره، وهذا من الفَرَج والمَخْرَج لمن اتقى الله تعالى، وأناب إليه" (٢).
وقد نوقش هذا الاستدلال بالآية:
أنه لم يكنْ في شَرْعهم كفَّارة، فإنه لو كان في شَرْعِهم كفَّارة لَعَدَلَ إلى التكفير، ولم يحتجْ إلى ضَرْبِها، فكانتِ اليمينُ موجبةً للضرب عندهم كالحدود، وقد ثبت أن المحدودَ إذا كان معذورًا خفّف عنه بأن يجمعَ له مئة شمراخ، فيضرب بها ضربةً واحدةً، وامرأة أيوب كانت معذورةً لأنَّها قصدتِ الإحسانَ في الأمر، الذي لامها أيوبُ ﵇، فلم تكنْ تستحق العقوبةَ، فأفتى اللهُ نبيَّه أيوبَ
стр. 48
عليه السلام أن يعامِلَها معاملةَ المعذور، هذا مع رِفْقها به، وإحْسانها إليه، فجمع الله له بين البرِّ في يمينه والرِّفق بامرأته المحسنة المعذورة، التي لا تستحقُّ العقوبة (١).
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخُدْري وأبي هريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنِيْبٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أكلُّ تمرِ خيبر هكذا" قال: لا واللهِ يا رسولَ الله، إنا لنأخذُ الصَّاعَ من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة، فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تفعلْ، بعِ الجمعَ بالدَّراهم، ثم ابْتَعْ بالدَّراهم جَنِيبًا" (٢) [متفق عليه].
وجهُ الاستدلال من الحديث:
أن رسولَ الله ﷺ أمره أن يبيعَ التَّمرَ بالدَّراهم، ثم يشتري بالدَّراهم تَمْرًا، وذلك للتخلُّص من حُرْمةِ الربا، ولا معنى للحيلةِ إلا ذلك.
وقد نُوقش الاستدلال بالحديث:
أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بأن يبيعَ سِلْعته الأولى، ثم يشتري بثمنها سِلْعةً أخرى، ومعلومٌ أن هذا يقتضي البيعَ الصَّحيحَ، وإذا وُجد البيعان على الوجه الصَّحيح، جاز ذلك (٣)، وليس في الحديث دلالةٌ على جواز الحِيَلِ، التي هي محلُّ النِّزاع؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ الرَّجلَ أن يتخلَّصَ من الرِّبا ببيع النَّوع الرَّديء بالدراهم، ثم يشتري الجيِّد بالدَّراهم من غير تواطؤٍ، ولا مخادعةٍ، ولا احتيالٍ، ورسولُ الله
стр. 49
- ﷺ لمَّا أمره بهذا عرفنا أنَّ المقصودَ هو استعمالُ الطَّريق الشَّرعي النزيه، والبعيد عن الاحتيالِ.
الدليل الثالث: أنَّ رسولَ الله ﷺ وَرَدَ عنه استعمالُ المعاريض، وهي حيلةٌ في الأقوال، ومن ذلك أنه ﷺ لقي طليعةً للمشركين وهو في نَفَرٍ من أصحابه، فقال المشركون: ممن أنتم؟ فقال النبيُّ ﷺ : "نحن من ماء" (١).
وجه الاستدلال:
أن رسولَ الله ﷺ أراد بقوله (من ماء) قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٢) وهذه حيلةٌ للتخلُّصِ منهم.
وقد نُوقش هذا الاستدلال:
أنَّ هذا النَّوعَ من المعاريض جائزٌ، إذ يتخلَّص به الإنسانُ من الظُّلم ورسول الله ﷺ قال ذلك ليتخلَّص من ظُلْمِهم وشرِّهم، ثم إنَّ المعرِّض لو صرَّح بقصده لم يكنْ مرتكبًا لمحرم، بخلافِ المحتالِ، فإن قصده الظلم، وانتهاك المحرم، والتعريض لا يدلُّ على جَوازِ الحِيَلِ، إذ هو أسلوبٌ من أساليبِ الكلام في اللغةِ العربيةِ يُستعملُ لأسبابٍ عديدةٍ ذكرها أهلُ اللغة، وليس موضوعًا للحيلِ فقط.
• أدلةُ القائلين بمنع الحِيَل:
الدليلُ الأولُ: قَولُه تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٣).
وقَولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ (٤).
стр. 50
وجهُ الاستدلال من الآيتين:
أنَ الله سُبْحانه ذَمَّ أهلَ الخِداع والمكر، وأخبر أنَّ المنافقين يخادعُونَ الله وهو خادعهم، وأخبر عنهم بمخالفةِ ظواهرهم لبواطنهم، وأقوالهم لأفعالهم، وهذا شأنُ أربابِ الحِيَلِ المحرمة، فإنَّ المخادعةَ هي الاحتيالُ والمراوغةُ بإظهار أمرٍ جائزٍ، ليتوصَّلَ المحتالُ به إلى أمر محرم يبطنه (١).
الدليلُ الثاني: قَولُه ﷺ : "إنَّما الأعمالُ بالنيات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى" (٢).
وجهُ الاستدلال من الحديث:
أن رسول الله ﷺ أخبر أنَّ الأعمالَ تابعةٌ للمقاصدِ والنِّيات، فإنْ نوى بالحيلة الربا مثلًا فهو مرابٍ، ومَنْ نوى الخِداعَ كان مُخادعًا.
الدليل الثالث: احتج القائلون بِمَنْعِ الحِيَل بالإجماع، فقد أجمعَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ على تحريم هذه الحيلِ وإبطالها، وإجْماعهم حُجَّة قاطِعة، بل هي مِنْ أقوى الحُجَج، وآكدها (٣).
стр. 51
المسألة الثانية: الترجيح:
بعد النَّظَرِ والتَأَمُّلِ في أدلَّة القولين والمناقشاتِ الواردة، فإنه يبدو -والله أعلمُ- رجحان القولِ بمنع الحِيَلِ للأسباب التالية:
١) أن أدلةَ القائلين بمنعِ الحِيَل أقوى في الدّلالة خُصُوصًا دليل الإجماع، فإنه حُجَّة قاطعة.
٢) أن أوجهَ الاستدلال من أدلَّة القائلين بجواز الحِيَل ضعيفةٌ، حيث تمَّ نقاشها بما يضعف الاستدلال بها.
٣) أن الحِيَل المحرَّمة تقتضي رَفْعَ التَّحْريم مع قيام موجبِه ومقتضيه، وإسقاط الوجوب مع قيام سببه، فيلزم منها فعل المحرم، وترك الواجب، مع ما تتضمَّنه من المكر والخِداع والتلبيس، إضافة إلى أن صاحبها لا يتوبُ منها حيث لا يعدُّها ذنبًا.
٤) أنَّ الحِيَل لو كانت جائزة، لشرعها الله سبحانه، وندبَ إليها لما فيها من التَّوسعة، والفَرَج للمكروب، والإغاثة للملهوف، ولو كان مقصودُ الشَارع إباحة تلك المحرَّمات، التي رتب عليها أنواع الذم والعقوبات لم يُحَرِّمها ابتداء، ولا
رتب عليها العقوبة أصلًا، ولكان ترك أبوابها مفتحة أَسْهَل من المبالغةِ في سَدَّها وعَلْقها، ثم يفتحُ لها أنواع الحِيَل حتى ينصب المحتالُ عليها من كلِّ ناحية، فهذا ممَّا تُصانُ عنه الشَّرائعُ فَضْلًا عن أكملها شريعة، وأفضلها دينًا (١).
стр. 52
المبحث الثاني علاقة التَّوَرُّق بالعِينَة
المطلب الأول حكم العِيْنَة
المَسْأَلَةُ الأولى: تعريف العِينَة لغةً، واصطلاحًا ، وبعض صورها:
العِيْنَة لغةً: مشتقةٌ من العين، وهو النَّقدُ الحاضرُ يحصلُ له من فوره (١).
وقد جاءت كلمةُ العِيْنَة في كتب أهلِ اللغة على عِدَّة مَعَانٍ، منها:
١ - الرِّبا، يقول ابنُ منظور: "والعِيْنَة الرِّبا" (٢).
٢ - السَّلف، فقد جاء في مختار الصِّحاح: العِيْنَة بالكسر: السّلف. واعتان الرجل، إذا اشترى الشيء بنسيئةٍ (٣).
٣ - شِراء ما باع مؤجَلًا بأقلَّ من ثَمن البيع، يقول الأزهريُّ: "عيّن التاجرُ يعيّن تعيينًا وعينة، وذلك إذا باع من رجل سلعة بثمنٍ معلومٍ إلى أجلٍ مُسَمَّى، ثم يشتريها منه بأقلّ من الثَّمن الذي باعها به" (٤).
فالعِيْنَة تُطْلَقُ على الرِّبا والسَّلف، وأن يشتريَ الشَّيء بأكثر من ثمنه إلى أجل، ثم يبيعه منه، أو من غيره بأقل مِمَّا اشتراه.
ومن الألفاظ التي جاءتْ مُرادفةً للعينة كلمة (الزَّرنقة) فقد جاء في كُتُب
стр. 53
اللغة أن الزَّرنقة هي العِيْنَة، ولهذا فقد فسَّر البعض قول عليّ بن أبي طالب ﵁: (لا أدعُ الحَجَّ ولو تزرنقت) أي: ولو أخذت الزَّاد بالعِيْنَة، والبعضُ يقولُ: أي ولو استقيت على الزّرنوق بالأجرة، وهي آلةٌ يستقى بها من الآبار (١).
تعريفُ بيع العِيْنَة اصطلاحًا:
قبل الخوضِ في تعريفِ العِيْنَة عند الفُقَهاء يُستحسنُ ذِكْرُ مثالٍ على العِيْنَة، ليسهلَ فَهْم التَّعاريف عند الفقهاء، وتكونُ الصُّورةُ أوضحَ، يقول ابنُ رُشْد مُمَثَّلًا لبيع العِيْنَة: "أن يقولَ قائلٌ لآخر: أسلفني عشرة دنانير إلى شَهْر، وأردّ إليك
عشرين دينارًا، فيقول: هذا لا يجوزُ، ولكن أبيع منك هذا الحمار بعشرين إلى شهر، ثم أشتريه منك بعشرة نقدًا" (٢). فالعِيْنَة ترجعُ فيها السِّلعة إلى البائع الأول بخلاف التَّوَرُّقِ، فليس فيه رجوعُ السِّلعة إلى البائع الأول.
١ - تعريف بيع العِيْنَة عند الحنفية:
يقول السَّرخسي: "أن يبيعه ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ليبيعَهُ المستقرض بعشرة" (٣).
وهذا التعريفُ في الحقيقة غير مانع لدخولِ معنى التَّوَرقُّ فيه، فإن المُتَوَرِّقَ يشتري ما يساوي عشرة بخمسة عشر بالآجل، ثم يبيعه بعشرة ليحصلَ بذلك على النقد، فالتعريفُ يفتقرُ إلى قيدٍ للتمييز بين العِيْنَة والتَّوَرُّق، ولو أضيف إلى
التَّعريف ما يدلُّ على أنَّ العَمَلِيَّة جرتْ بين البائع والمشتري فقط، دون تدخُّل طرفٍ ثالث لكان أولى وأسلم، إذ لا فارقَ جوهري بين التَّورُّق والعِيْنَة سوى دُخُول الطَّرف الثالث في المعاملة، غير أنه يمكنُ معرفة السبب الذي جَعَلَ
стр. 54
السَّرخسيَّ يقول بهذا التعريف، فالحنفيةُ يوردون التَّوَرُّق ضمن صور العِيْنَة كما ذكرت سابقًا في تعريف التَّوَرُّق، وهم لم يصرِّحوا بذكر التَّوَرُّق استقلالًا، وإنَّما يذكرونه كصورةٍ جائزةٍ من صُور العِيْنَة، ولذلك صار تعريفُ بعضِ الحنفيةِ للعينة شاملًا للتَّورُّق الجائز، بناءً على أن التَّوَرُّقَ صورةٌ من صور العِيْنَة.
وعرَّفها بعضُهم بأنها شراءُ ما باع بأقلّ ممَّا باع قبل نقد الثمن (١)، وهذا التعريفُ فيه تمييزٌ للعينة عن التَّوَرُّق؛ لأنه يعطي ما يفيد أن المعاملةَ قد حصلتْ بين طرفين فقط، وأن البائعَ الأولَ عاد ليكونَ مشتريًا للسِّلعة التي باعها.
٢ - تعريفُ بيع العِيْنَة عند المالكية:
المالكيةُ يذكرونَ العِيْنَة تحت بيوع الآجال، وُيعرِّفونها بأنها "بيعُ المشتري ما اشتراه لبائعه، أو لوكيله لأجل" (٢). ويُلاحظ في التعريف أنه ذَكَر الوكيلَ، وهو لا يُعَدُّ طرفًا ثالثًا؛ لأنَّ الوكيلَ في مقام الموكّل، ويأخذ أحكامه، والتعريفُ فيه نَصٌّ على إمكانيةِ دخول الوكالةِ في عمليات التَّمويل، سواء كان ذلك تورُّقًا أو عينة، وقد يكونُ دخولُه حيلةً لاستحلال ما حرَّم الله، فمن يرى عمليات التَّوَرُّق التي تجريها المصارفُ اليوم، يجد أنَّها قائمةٌ على التوكيل، وسيأتي بيانُه في الفصل الثاني.
وعرَّفها بعضُهم: "بأن يبيعَ الرجلُ الرجلَ السلعةَ بثمن معلوم إلى أجلٍ، ثم يشتريها منه بأقلّ من ذلك الثمن" (٣)، وعرَّفها بعضُهم بقوله: "بيع من طلبت منه سِلعة للشِّراء، وليست عنده لطالبها بعد شرائها لنفسه من آخر" (٤).
стр. 55
والحقيقةُ أنَّ التعريفَ الأخيرَ لا ينطبقُ على العِيْنَة بصورتها المعروفة، ولا على التَّوَرُّق كذلك، وإنما يُعَدُّ تعريفًا للصيغة التمويلية المعاصرة، التي طرحتها البنوكُ مؤخرًا، والتي تُسَمَّى بيع المرابحة للآمر بالشراء، وقد أجازها العلماءُ بشروط خاصة (١).
٣ - تعريفُ بيع العِيْنَة عند الشافعية:
قال النَّووي: "هو أن يبيعَ غيره شيئًا بثمنٍ مؤجَّل، ويسلمه إليه، ثم يشتريه قبل قبضِ الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدًا" (٢).
وحين التَّأمُّل في هذا التَّعريف نلحظُ أنَّ الشَّافعية قد أضافوا في التعريف قيد التَّسليم بقوله: (ويسلمه إليه) بمعنى أن البائعَ إذا باع السِّلعة، فلا بُدَّ أن تكونَ في قبض المشتري قبل أن يشتريها البائعُ بثمن أقل، وهذا القيدُ لم يردْ عند
المذاهب الأخرى في تعريفهم للعينة، بينما نجدُ أن فقهاءَ الشَّافعية قد نصُّوا على قبضِ المشتري للسِّلعة قبل بيعها للبائع أو غيره بثمن أقلّ، يقولُ الشَّافعي ﵀: "فإذا اشترى الرجلُ من الرجل السِّلْعَةَ فقبضه، وكان الثمنُ إلى أَجَل، فلا بأس أن يبتاعها من الذي اشتراها منه، ومن غيره بنقد أقل أو أكثر، ممَّا اشتراه به، أو بدينٍ كذلك، أو عرض" (٣)
وكذلك نصَّ البغويُّ ﵀ على القبض عند تطرُّقه للعينة، فقال: "بابُ الرجل يبيعُ الشيء إلى أجل، ثم يشتريه بأقل: إذا باع شيئًا إلى أجل وسلم، ثم اشتراه
стр. 56
قبل حلول الأجل، يجوزُ، سواء اشتراه بمثل ما باع، أو أقل أو بأكثر، كما يجوز بعد حلول الأجل" (١).
ويقولُ الأنصاري: "وهي -أي: العِيْنَة- أن يبيعَ عينًا بثمنٍ كثير مؤجَّل، ويسلمها له، ثم يشريها منه بنقد يسير" (٢).
ممَّا سبق يتَّضحُ أن بعضَ الشافعية يضيفون قيدَ القبض في تعريفهم للعينة، سواء عبروا بالقبضِ كالشَّافعي، أو بالتسليم كالنَّووي، والبغوي، والأنصاري، وهذا بناءً على قولهم بجواز العِيْنَة، إذ يرون أن بيعَ العِيْنَة عقد سالم من المفسدات، والمُلك قد تمَّ بالقبض، فصار البيعُ من البائع ومن غيره سواء، وإذ لم يوجدِ القبض، فإن ذلك يوحي بفساد نيةِ المتبايعين، التي يترتَّب عليها بطلان البيع؛ لأنّ عدمَ القبضِ يعطي دلالةً على أن نيةَ المتبايعين هي القَرْض بزيادة،
واتخذت صورة البيع حيلةً لاستحلال الرِّبا، فالشَّافعيةُ ينصُّون على القبض، لكي يثبتوا أن البيعةَ الثانيةَ ليست من البيعة الأولى بسبيل، وإذا كان كذلك فهو جائزٌ عندهم.
٤ - تعريفُ بيع العِيْنَة عند الحنابلة:
يقول ابنُ قدامةَ: "مَنْ باع سلعةً بثمنن مؤجَّلٍ، ثم اشتراها بأقل منه نقدًا لم يجز" (٣)، وهذا التعريفُ فيه تمييز للعينة عن التورق؛ لأنه أفاد أن المعاملةَ انحصرتْ بين طرفين.
من خلال التَّعريفاتِ السَّابقةِ نستنتجُ أن بيعَ العِيْنَة يقومُ على ثلاثةِ عناصر:
١ - أن يشتريَ المُحتاجُ للنقد السلعة نسيئة.
стр. 57
٢ - أن يبيعها نقدًا بأقلّ من الثَّمن المؤجَّل.
٣ - أن يبيعها على بائعها، فتكونُ المعاملةُ في العقد الأول والثاني بين طرفين فقط.
بعضُ صُور العِيْنَة
ذَكَر الفقهاءُ صورًا كثيرة للعينة في كتبهم، واختلفوا في حُكْمِها، ولن أذكرَ من الصُّور إلا ما يخدمُ موضوعَ بحثي، ومن تلك الصُّور التي ذكرها الفقهاء:
١ - رُوي عن أحمد أنه قال: "العِيْنَة أن يكونَ عند الرجل المتاعُ، فلا يبيعُه إلا بنسيئةٍ" (١). وقال ابنُ عقيل: "إنما كره النَّسِيئة لمضارعتها الرِّبا، فإن الغالبَ أن البائعَ بنسيئةٍ يقصدُ الزِّيادةَ بالأجل" (٢).
٢ - أن يبيعَ السِّلْعةَ على المشتري بثمنٍ مؤجَّل، ثم يقومَ المشتري ببيع السِّلعة على بائعها الأول بثمن أقل نقدًا، وهذه الصُّورةُ تُسَمَّى (العِيْنَة الثنائية) لأنها تمَّتْ بين اثنين، وهذه الصُّورةُ هي التي اشتهرتِ العِيْنَة بها.
٣ - أن يبيعَ السِّلْعَةَ على المشتري بثمنٍ مؤجَّل، ثم يقومَ المشتري ببيعها على طرفٍ آخر غير البائع الأول، ليبيعَها هذا الطرف على البائع الأول، ويأخذ منه الثَّمن فيسلمه للمشتري الأول، وهذه الصُّورةُ تُسَمَّى (العِيْنَة الثلاثية) لأنها حصلتْ بين ثلاثة أطرافٍ، وقد جيء بالطَّرف الثالثِ حيلة على العِيْنَة، التي هي حيلة لاستحلال الرِّبا، فقد جاء في البيان والتحصيل: "وسُئِل مالك عن رجلٍ ممَّن يعين يبيعُ السلعة من الرجل بثمنٍ إلى أَجَلٍ، فإذا قبضها منه ابتاعها منه رجلٌ حاضرٌ كان قاعدًا معهما، فباعها منه، ثم إنَّ الذي باعها الأول اشتراها منه
стр. 58
بعد، وذلك في موضعٍ واحدٍ، قال: لا خيرَ في هذا، ورآه كأنه مُحَلل فيما بينهما (١).
وجاء في حاشية ابنِ عابدين مُمَثَّلًا للعينة: "أن يدخلا بينهما ثالثًا، فيبيع المقرضُ ثوبه من المستقرض باثني عشر درهمًا، ويسلمه إليه، ثم يبيع المستقرض من الثَّالث بعشرة، ويسلمه إليه، ثم يبيعه الثالث من صاحبه وهو المقرض، بعشرة، ويسلمه إليه، ويأخذ منه العشرة، وبدفعها للمستقرض، فيحصل للمستقرض عشرة، ولصاحب الثَّوب عليه اثنا عشر درهمًا" (٢).
المَسْأَلَة الثانية: تحرير محل النزاع:
١ - اتفق الفقهاءُ على تحريم بيعِ العِيْنَة إذا كان هناك شرطٌ مذكورٌ في نفسِ العقدِ الأولِ على الدُّخول في العقد الثاني، يقول ابنُ حزم: "ومَنْ باع سلعة بثمن مسمَّى حالة، أو إلى أجلٍ مسمى قريبًا أو بعيدًا، فله أن يبتاعَ تلك السِّلعة من الذي باعها منه بثمن مثل الذي باعها منه، وبأكثر منه، وبأقلّ حالًا، وإلى أجلٍ مسمى، أقرب مِنَ الذي باعها منه إليه، أو أبعد ومثله، كل ذلك حلالٌ لا كراهيةَ في شيء منه ما لم يكنْ ذلك عن شرطٍ مذكورٍ في نفس العقد، فإنْ كان عن شرطٍ فهو حرام مفسوخٌ أبدًا" (٣).
ويقولُ شيخُ الإسلام لما تطرَّق لبعض الحِيَل على الرِّبا ذاكرًا بيع العِيْنَة، منها: "وهذه المعاملاتُ منها ما هو حرامٌ بإجماعِ المسلمين، مثل التي يجري فيها شرط لذلك" (٤).
стр. 59
ويقولُ السُّبكي بعد ذكر الخِلاف في بيع العِيْنَة: "فإن فرض الشَّرط مقارنًا للعقد بَطلَ بلا خلافٍ، وليس محلّ الكلام، وإنما محل الكلام فيما إذا لم يكنْ مشروطًا في العقد، وذلك من الواضحات" (١).
٢ - اتفق الفقهاءُ على أنه إذا اشترى ما باع بمثل ما باع، فهو جائزٌ لانعدام الشُّبهة (٢).
٣ - اتفق الفقهاءُ على أنَّه إذا اشترى ما باع بأكثر ممَّا باع، فهو جائزٌ لانعدامِ الشُّبهة (٣).
٤ - إذا تغيرت صفةُ المبيع عن حالها في البيعة الأولى تغيرًا مؤثرًا كنقص، أو عيب، جاز شراؤها ممَّن اشتراها بأقلّ من ثمن البيع ما لم يكن ذلك التغير حادثًا بفعلهما حيلة على الرِّبا "لأنَّ ذلك -أي: بيع العِيْنَة- ذريعة إلى الرِّبا، وكذا العقد الأول، حيث كان وسيلةً إلى الثاني فيحرم، ويبطل للتوصُّل به إلى محرَّم، إلا إن تغيَّرت صفته، أي: المبيع مثل أن كان عبدًا فهزل، أو نسي صنعة، أو عمي، ونحوه، فيجوزُ بيعُه بدون الثمن الأول، ويصح" (٤).
ويقولُ ابنُ قدامة عن نقص المبيع: "فإن نقصتْ مثل أن هزل العبد، أو نسي صناعة، أو تخرق الثَّوب، أو بلي جاز له شراؤها بما شاء؛ لأنَّ نَقْصَ الثمن لنقصِ المبيع، لا للتوسل إلى الرِّبا" (٥).
стр. 60
٥ - إذا اشترى ما باع بأقلّ ممَّا باع بعد نقدِ الثَّمن، فهذا جائزٌ بالإجماع لانعدام شبهة الرِّبا (١).
٦ - إذا اشترى ما باع بأقل ممَّا باع قبل نقد الثمن، ولم يوجدْ شرط في العقد، ولم تتغيَّر صفةُ المبيع تغيرًا مؤثرًا، فهذا هو محلُّ النِّزاع بين العلماء.
المسألة الثالثة: موقفُ العلماء من بيع العِينَة:
أولًا: موقف الحنفية من بيع العِيْنَة:
يقول ابنُ الهمام: "ومَنْ باع جارية بألف درهم حالّة، أو نسيئة، فقبضها، ثم باعها من البائع قبل نقد الثمن بمثل ثمنه، أو أكثر جاز، وإن باعها من البائع بأقل لا يجوزُ عندنا" (٢).
ويقول السَّرخسي: "وذكر عن الشَّعبي أنه كان يكرهُ أن يقولَ الرَّجُلُ للرَّجل: أقرضني؟ فيقول: لا حتى أبيعك، وإنما أراد بهذا إثباتَ كراهية العِيْنَة. . . وهذا في معنى قَرْض: جَرَّ منفعة، والإقراضُ مندوبٌ إليه في الشَّرع، والغررُ حرامٌ، إلا أن البخلاء من النَّاس تطرَّقوا بهذا إلى الامتناع، مما يدنو إليه، والإقدام على ما نهوا عنه من الغرر" (٣).
وقال محمدُ بن الحسن ﵀: "هذا البيعُ في قلبي كأمثال الجبال ذميمٌ، اخترعه أكلة الربا وقد ذمَّهم رسولُ الله ﷺ " (٤). وقد حمل قوله هذا على بيع العِيْنَة.
من خلال النُّصوص السَّابقةِ يتَّضحُ أن العِيْنَة محرَّمةٌ عند الحنفية، غير أنه
стр. 61
يُروى عن أبي يوسف أنه خالفَ جمهور الحنفية فقال: "لا يكرهُ هذا البيع؛ لأنه فعله كثيرٌ من الصَّحابة، وحمدوا على ذلك، ولم يعدوه من الرِّبا" (١) ورُوي عنه أيضًا أنه قال: "العِيْنَة جائزةٌ مأجورٌ مَنْ عمل بها" (٢).
وقد ذَكَرَ ابنُ عابدين هذا الاختلافَ بين علماء الحنفية، وأن أبا السُّعود حَمَل قول أبي يوسف على عدم عود السلعة إلى بائعها، وقول محمد على عودها (٣).
وبهذا يتَّضحُ أنَّ أبا يوسف لم يقصدْ بقوله بيع العِيْنَة المعروف بصُورته المشهورة بدليل أنه قال: "مأجور مَنْ عَمِلَ بها" ولم يقلْ أحدٌ بقوله هذا حتى عند الشَّافعية لما أجازوا بيع العِيْنَة قد كرهه بعضهم كما سيأتي، ولم يذكروا أنه
يُؤجَر مَنْ عمل بها، وقول أبي يوسف يحتملُ احتمالين:
الأول: أنه أراد بقوله هذا (بيع التَّوَرُّق) فالسِّلْعةُ إذا لم ترجعْ إلى بائعها الأول، وإنَّما باعها المشتري على غير بائعها، فهذا هو التَّوَرُّق.
الثاني: يحتملُ أنه أراد بقوله هذا: (البيع بالأجل مُطْلَقًا) سواء كان المراد من البيع بالأجل التَّوَرُّق أو لا، وهذا ما أميلُ إليه؛ لأن البيعَ بالأجل يُؤجَر من عمل به إذا نوى التيسير على المشتري.
ممَّا سبق يتبيَّنُ أنَّ العِيْنَة بصورتها المعروفة، والتي فيها عَوْدُ السِّلْعة إلى بائعها الأول، أنها لا تجوزُ عند أئمة الحنفية، وينبغي التنبهُ إلى أن حُكْم تحريم العِيْنَة عند الحنفية لا ينطبقُ على التَّوَرُّق الفردي المعروف، حيث إن الحنفية يذكرون التَّوَرُّقَ كصورة من صُور العِيْنَة كما ذكرت سابقًا، ولا يعني هذا أن
стр. 62
حُكْمَ التحريم يشملُ جميعَ صُور العِيْنَة التي ذَكَرها الحنفية، وإنما ينطبقُ حُكْم التحريم على الصُّورة، التي فيها عودُ السِّلْعة إلى بائعها الأول، سواء عادتْ إليه مباشرةً كالعِيْنَة الثُّنائية، أو عادت إليه بواسطة مُحلّل، التي هي العِيْنَة الثُّلاثية.
ثانيًا: موقف المالكية من بيع العِيْنَة:
كما ذكرت سابقًا أنَّ المالكية يذكرون بيعَ العِيْنَة تحت بيوعِ الآجال التي ظاهرها الجواز، ولكنها تُؤدِّي إلى المحظور (١)، وهم من أشدِّ المذاهب في مَنْع العِيْنَة، فهم يوجبونَ فَسْخَ مثل هذا البيع ما دامت السِّلْعةُ قائمةً، يقول ابنُ رشد: "فإذا باع الرجلُ سلعةً بثمن إلى أجلٍ، ثمّ ابتاعها منه بأقلّ من ذلك الثّمن نقدًا، فسخت البيعتان جميعًا عند ابنِ الماجشون، وهو الصَّحيحُ في النظر" (٢)، ويقول أيضًا: "أصلُ ما بُنِي عليه هذا الكتاب -يعني: كتابَ بيوع الآجال- الحكم بالذَّرائع، ومذهب مالك ﵀ القضاء بها، والمنع منها، وهي الأشياءُ التي ظاهرها الإباحةُ، ويتوصَّل بها إلى فِعْل المحظور، ومن ذلك البيوعُ التي ظاهرها الصحَّة، وُيتوصَّل بها إلى استباحة الرّبا، وذلك مثل أن يبيعَ الرجلُ سلعةً من رجل بمئة إلى أجلٍ، ثم يبتاعُها بخمسين نقدًا، فيكونان قد توصَّلا بما أظهراه من البيع الصَّحيح إلى سلف خمسين دينارًا في مئة إلى أجل، وذلك حرام، ولا يجوز" (٣).
ويقول القرافيُّ: "إنا نمنعُ أن يكونَ العقدُ الثاني من البائع الأول" (٤) وذكر الدسوقي أن شُروطَ بيوع الآجال المتطرق إليها التُّهمة خمسة، وذكر منها "أن
стр. 63
يكونَ البائعُ ثانيًا هو المشتري أولًا، أو من تنزل منزلته، والبائعُ أولًا هو المشتري ثانيًا، أو من تنزل منزلته" (١).
وحينما نتأمَّلُ نصوصَ المالكية في بيع العِيْنَة نرى أنَّهم قد بنوا حُكْمَ التحريم على قاعدة من قواعد المذهب المالكي، وهي [سدُّ الذَّريعة]، يقول الدّردير عن بيوع الآجال: "وهو بيعٌ ظاهره الجوازُ لكنه يُؤدِّي إلى مَمْنوع، فيمنع ولو لم يقصدْ فيه التَّوصُّل إلى الممنوع، سدًّا للذَّريعة، التي هي من قواعدِ المذهب. . . كبيعة سلعة بعشرةٍ لأجل، ثم يشتريها بخمسة نقدًا، فقد آل الأمرُ إلى رُجُوع السلعة، وقد دفع قليلًا عاد إليه كثيرًا" (٢).
ويقول الشَّاطبي: "الذَّرائعُ التي حكَّمها مالك في أكثر أبواب الفقه؛ لأنَّ حقيقتها التَّوسُّل بما هو مصلحةٌ إلى مفسدة، فإنَّ عاقدَ البيع أولًا على سلعة بعشرةٍ إلى أجل ظاهرِ الجوازِ، من جهة ما يتسببُ عن البيع من المصالح على الجملة، فإذا جعل مآل ذلك البيعِ مؤدِّيًا إلى بيع خمسة نقدًا بعشرة إلى أجل، بأن يشتري البائعُ سلعته من مشتريها بخمسةٍ نقدًا، فقد صار مآلُ هذا العمل إلى أن باع صاحبُ السلعة من مشتريها منه خمسة نقدًا بعشرةٍ إلى أجل، والسِّلْعَةُ لغوٌ لا معنى لها في هذا العمل؛ لأنَّ المصالحَ التي لأجلها شُرعَ البيعُ لم يوجدْ منها شيء" (٣).
ثالثًا: موقفُ الشَّافعية من بيع العِيْنَة:
صرَّح الإمامُ الشَّافعي ﵀ بجواز العِيْنَة مخالفًا بذلك الجُمْهور، وقد أيَّد الجوازَ بقوة في كتابه (الأم) فقال: "فإذا اشترى الرجلُ من الرَّجلِ السِّلْعة
стр. 64
فقبضها، وكان الثمنُ إلى أجل فلا بأسَ أن يبتاعها من الذي اشتراها منه، ومن غيره بنقد أقل أو أكثر، ممَّا اشتراها به، أو بدين كذلك، أو عرض من العروض ساوى العرض ما شاء أن يساوي، وليست البيعةُ الثانيةُ من البيعة الأولى
بسبيلٍ" (١) ويفهمُ من هذا أنه إذا كان هناك ارتباطٌ بين البيعة الأولى والثانية، فلا تصحُّ العِيْنَة عنده.
وقد أطال -﵀- في التَّدليل على جَوازِ العِيْنَة، ولم يذكرْ فيه أيّ كراهة، ويقول النَّوويُّ: "ليس من المناهي بيعُ العِيْنَة، وهو أن يبيعَ غيره شيئًا بثمن مؤجَّل، ويسلمه إليه، ثم يشتريه قبل قَبْضِ الثمن بأقل من ذلك الثمن نقدًا، وكذا يجوزُ أن يبيعَ بثمن نقد، ويشتري بأكثر منه إلى أجل، سواء قبض الثَّمن الأول أم لا، وسواء صارتِ العِيْنَة عادة له غالبة في البلد أم لا، وهذا هو الصَّحيحُ المعروفُ في كتب الأصحاب، وأفتى أبو إسحاق الإسفراييني. . . بأنه إذا صار عادةً له صار البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعًا" (٢)
ويقولُ البغويُّ: "إذا باع شيئًا إلى أَجَل وسلم، ثم اشتراه قبل حُلُول الأجل يجوزُ سواء اشتراه بمثل ما باع، أو بأقل، أو بأكثر" (٣).
والجديرُ بالذِّكْر أن الشَّافعيَّ يرى العبرةَ في العقودِ بالظَّاهر، ولا تأثير لنية المتعاقدين على العَقْدِ، ولذلك أجاز بيع العِيْنَة، ويقول ﵀: "لا يفسدُ عقدٌ أبدًا إلا بالعقد نفسه، لا يفسدُ بشيء تقدّمه ولا تأخره، ولا بتوهّم ولا بأغلب، وكذلك كلّ شيء لا نفسده إلا بعقده، ولا نفسد البيوع بأن نقولَ: هذه ذريعةٌ، وهذه نيةُ سوءٍ" (٤)
стр. 65
ولا يعني هذا أنَّ الشَّافعيَّ يجيزُ إضمارَ نية المحرمِ؛ لأنه يفرقُ بين صحة العقدِ وبين نيةِ العاقد، فإذا نوى شخصٌ ما هو محرم، فإنه يأثمُ ولا يستلزمُ بطلانَ العقد عنده، ولذلك يقولُ: "أصلُ ما أذهب إليه أنَّ كلَّ عقد كان صحيحًا في الظَّاهر، لم أبطله بتهمةٍ ولا بعادةٍ بين المتبايعين، وأجزته بصحَّة الظاهر، وأكره لهما النية إذا كانت النيةُ لو أظهرتْ كانت تفسدُ البيع" (١).
ويقول ابنُ حَجَر: "فالشَّافعيةُ يُجَوِّزون العقودَ على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن مَنْ عمل الحِيَلَ بالمكر والخديعة يأثمُ في الباطن. . . فمن نوى بعقد البيع الرِّبا وَقَعَ في الرِّبا، ولا يخلِّصه من الإثم صورةُ البيع" (٢).
وبهذا نعرفُ أنَّ الشَّافعيةَ يرون جوازَ بيع العِيْنَة من غير كراهةٍ، غير أنَّ بعضَ المتأخِّرين من الشَّافعية يرون الكراهةَ مع صِحَّة العقد، يقولُ الأنصاريُّ: "ويُكْرَهُ بيعُ العِيْنَة. . . لما فيها من الاستظهار على ذي الحاجة، وهي أن يبيعَهُ عينًا بثمنٍ كثيرٍ مؤجَّل، ويسلمها له، ثم يشتريها منه بنقدٍ يسيرٍ، ليبقى الكثيرُ في ذِمَّتِه" (٣).
ويقول الرَّمْلِيّ: "البيعُ قد يُكْره كبيع العِيْنَة، وكل بيعٍ اختلف في حلِّه كالحِيَل المخرجةِ من الرِّبا" (٤).
ممَّا سبق أستطيعُ القولَ بأنَّ الشَّافعيةَ يُروى عنهم رأيان في بيع العِيْنَة:
الأول: الجوازُ كما صرَّح به المتقدمون منهم كالشَّافعي، والنَّووي، والبغوي، ويُشترطُ للجواز أمران:
стр. 66
أ- ألا يكونَ هناك ارتباطٌ بين العقدين.
ب- ألا يكونَ العقدُ الثَّاني مشروطًا في العقد الأول، فإذا كان مَشْروطًا بالنَّصِّ عليه، أو بدلالة العرف والعادة، فإنهما يبطلان جميعًا، كما أفتى به أبو إسحاق الإسفراييني.
الثاني: الكراهةُ كما قال به المتأخِّرون كالأنصاري، والرَّملي.
رابعًا: موقفُ الحنابلة من بيع العِيْنَة:
بيعُ العِيْنَة لا يجوزُ عند الحنابلة، يقول ابنُ قدامة: "وجملةُ ذلك أنَّ مَنْ باع سِلْعةً بثمن مؤخل، ثم اشتراها بأقلّ منه نقدًا لم يجزْ في قول أكثر أهل العلم، رُوي ذلك عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، والشَّعبي، والنَّخعي. . . ومالك، وأصحاب الرأي" (١).
ويقولُ المرداويُّ: "فائدةٌ: لو احتاجَ إلى نَقْدٍ فاشترى ما يساوي مئة بمئة وخمسين، فلا بأس، نصَّ عليه، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، وهي مسألةُ التَّوَرُّق. . . فإنْ باعه لمن اشترى منه لم يجزْ، وهي العِيْنَة نصَّ عليه" (٢).
وقد سُئِلَ ابنُ تيمية عن الرَّجُلِ يبيعُ سلعةً بثمنٍ مؤجَّل، ثم يشتريها من ذلك الرجل بأقلّ من ذلك الثَّمن حالًا هل يجوزُ أم لا؟ فأجاب: "أما إذا باع السِّلْعةَ إلى أجلٍ، واشْتَراها المشتري بأقلّ من ذلك حالًا، فهذه تُسَمَّى (مسألة العِيْنَة) وهي غيرُ جائزة عند أكثر العلماء كأبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وغيرهم، وهو المأثورُ عن الصَّحابة كعائشة، وابن عباس، وأنس بن مالك" (٣)
خامسًا: موقفُ الظَّاهرية من بيع العِيْنَة:
بيع العِيْنَة جائزٌ عند الظَّاهرية إذا لم يكنْ عن شرطٍ في العقد، يقول ابنُ
стр. 67
حَزْم: "ومَنْ باع سلعةً بثمن مُسمًّى حالة أو إلى أجل مُسَمّى، قريبًا أم بعيدًا، فله أن يبتاعَ تلك السِّلْعةَ من الذي باعها منه بثمنٍ مثل الذي باعها منه، وبأكثر منه، وبأقلّ حالًا، وإلى أجل مسمًّى، أقرب من الذي باعها منه إليه، أو أبعد،
ومثله، كلُّ ذلك حلال لا كراهية في شيء منه ما لم يكن ذلك عن شرط مذكور في نفس العقد، فإن كان عن شرط، فهو حرام مفسوخ أبدًا" (١).
المسألة الرابعة: الأدلة، والترجيح:
بعد ذِكْر مواقف العلماءِ من بَيْع العِيْنَة والتأمُّل فيها، نستطيعُ القولَ بأن العلماءَ في بيع العِيْنَة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: المنعُ: وهو رأيُ بعضِ الصَّحابة كعائشةَ، وابنِ عباس، وبعض التابعين كابن سيرين، وهو مذهبُ جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، واختيار شيخِ الإسلام ابن تيمية.
القول الثاني: الجوازُ: وهو مذهبُ الشافعي، وجُمْهور أصحابه، وبه قال ابنُ حَزْم، ورُوي الجوازُ عن أبي يوسف صاحبِ أبي حنيفة، ولكنه يحملُ على عدم عود السِّلْعة إلى بائعها الأول، كما أسلفت.
القول الثالث: يُكْرَهُ كراهةً تنزيهيةً، وبه قال المتأخرون من الشَّافعية كالأنصاري، والرَّملي.
الفرع الأول: الأدلة
أدلة القائلين بتحريم بيع العِيْنَة:
الدليل الأول: عن ابنِ عُمر ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِذا
ضَنَّ النَّاسُ بالدّينارِ والدّرهمِ، وتَبايَعوا بالعِيْنَة، واتَّبعوا أذْنابَ البقر، وتَرَكوا
стр. 68
الجهادَ في سبيل الله أنزلَ اللهُ بهم بلاءً، فلم يرفعْه عنهم حتى يُراجعوا دينهم" [رواه أحمد]. وروى نحوه أبو داود من رواية نافع عن ابن عمر (١).
وَجْهُ الاستدلالِ من الحديث:
أن النبيَّ ﷺ جَعَلَ الوقوعَ في هذه الأفعال بمثابةِ الخروجِ من الدِّين، فلا يخفى على مَنْ تأمل عباراتِ الحديث ذلك الزَّجر البالغ، والتقريع الشديد (٢)، الذي يدل على حُرمة فعلها، فإن قوله: "حتى يراجِعوا دينهم" كأنه ﷺ قد حَكَمَ عليهم بالخُروجِ من الدِّين، وأنه لا سبيلَ للرُّجوعِ إلى الدِّين إلا بترْكِ تلك الأشياء.
وقد نُوقِشَ الاستدلالُ بهذا الحديثِ من جهتين:
١) نُوقش من جهة السَّند: أنَّ هذا الحديثَ جاء من رواية أبي عبد الرحمن الخُراساني، وهو ضعيف، يقول الزَّيْلَعِيُّ ذاكرًا قولَ ابن القطَّان: "فالحديثُ من أجله لا يصحُّ" (٣)، وقال فيه ابنُ أبي حاتم: "شيخٌ ليس بالمشهور، ولا يستقلُّ به" (٤)، وقال المناويُّ: "فيه أبو عبد الرحمن الخراساني، واسمه إسحاق، عدّ في الميزان من مناكيره" (٥).
ويقولُ الصَّنْعانيُّ شارحًا قولَ ابنِ حَجَر (في إسناده مقالٌ): "لأنَّ في إسناده
стр. 69
أبا عبد الرحمن الخُراساني، اسمه إسحاق، عن عطاء الخُراساني، قال الذهبي في الميزان: هذا من مناكيره" (١).
الجوابُ عن هذه المناقشة:
عندما نرجعُ إلى كتب الحديث نجدُ أنَّ أبا عبد الرحمن الخُراساني هذا، إنما وَرَدَ في سند الحديث الذي رواه أبو داود، وأما الحديثُ الذي رواه أحمد فليس في سَنَده أبو عبد الرحمن الخُراساني، وإنما جاء سَنَدُ أحمد على النحو التالي: "حدثنا الأسودُ بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا ضَنَّ الناسُ. . ." الحديث.
والحديثُ الذي رواه أحمد قد صحَّحه العلماءُ، يقولُ الزَّيْلَعيُّ ذاكرًا قولَ ابن القطَّان في الحديث الذي رواه أحمد: "وهذا حديثٌ صحيحٌ، ورجالُه ثقات" (٢).
ويقول ابنُ حَجَر فيما رواه أحمد: "رجالُه ثقاتٌ، وصححه ابنُ القطان" (٣).
ويقول أبو البركات ابن تيمية: "روي الحديثُ من طرق عدة، منها:
١ - ما رواه أحمد عن أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر، قال: سمعتُ. . . الحديث.
٢ - ورواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ إلى حيوة بن شريح المصري، عن إسحاق أبي عبد الله الخراساني، أن عطاء الخُراساني حدَّثه أن نافعًا حدَّثه عن ابن عمر، قال: سمعتُ. . . الحديث.
يقول ﵀: "فهذان إسنادان حَسَنان يشدُّ أحدُهما الآخر، فأما رجالُ الأول
стр. 70
فأئمةٌ مشاهير. . . فالإسناذ الثاني يبينُ أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإنَّ عطاء الخراساني ثقةٌ مشهورٌ، وحيوة كذلك" (١)
٢) وقد نُوقش من جهة المتن (٢) بأمرين:
الأمر الأول: أنَّ الحديثَ ليس فيه دلالةٌ صريحةٌ على التحريم؛ لأن العِيْنَة جاءتْ في الحديث مقرونةً باتباع أذناب البقر، والاشتغال بالزَّرع، وهذا غيرُ مُحَرَّم.
والجوابُ عن المناقشة:
أنَّ التَّحريمَ محمولٌ على مَنْ ألهتْه أمورُ الدنيا عن فِعْل الواجب، ولا ينطبقُ التحريمُ على مَنِ اشْتغلَ بالزَّرْعِ مطلقًا، يقول الشَّوكاني: "وقد حُمِل هذا على الاشتغالِ بالزَّرع في زمنٍ يتعيَّن فيه الجهاد" (٣).
الأمر الثاني: جاء في بعض روايات الحديث: "سَلَّطَ اللهُ عليكُم ذُلًّا"، والوعيدُ بالذُّلِّ ليس فيه دلالةٌ على التحريم.
والجوابُ عن المناقشة:
يقولُ الشَّوكاني: "لا نُسلِّم أنَّ التَّوعُّدَ بالذل لا يدلُّ على التَّحريمِ؛ لأن طَلَبَ أسبابِ العِزَّةِ الدينيةِ، وتَجَنُّب أسبابِ الذِّلة المنافية للدِّين واجبان على كُلِّ مؤمن، وقد توعَّد على ذلك بإنزالِ البلاء، وهو لا يكونُ إلا لذنبٍ شديدٍ، وجعل الفاعل لذلك بمنزلةِ الخارجِ من الدِّين، المرتدِّ على عَقِبه" (٤).
الدليلُ الثاني: عن أبي إسحاق السّبيعي عن امرأته: أنها دخلتْ على عائشة
стр. 71
- ﵂ فدخلتْ معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري، وامرأة أخرى، فقالت أمُّ ولد زيد بن أرقم: يا أمَّ المؤمنين، إني بِعْتُ غُلامًا من زيد بن أرقم بثمانمئة درهم نسيئةً، وإنِّي ابتعتُه منه بستمئة نقدًا. فقالت لها عائشةُ: بئسَ ما اشتريتِ، وبئس ما شريت، إنَّ جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطلَ إلا أن يتوبَ" (١).
وجهُ الاستدلال من الحديث:
أنَّ الحديثَ فيه زَجْرٌ شديدٌ، ووعيدٌ بإبطال الأعمالِ الصَّالحة لمن كان يعاملُ الناسَ بالعِيْنَة، وهذا يدل على التحريم، ولو لم يكن عند عائشة عِلْمٌ بذلك لما قالته برأيها، فالحديثُ له حُكْمُ الرَّفع؛ لأنه لا مجالَ للرَّأي فيه.
نُوقش الاستدلالُ بهذا الحديث من جهتين:
١ - نُوقش من جهة الثُّبوت: فثبوتُه فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ امرأة أبي إسحاق السّبيعي هي العاليةُ بنت أيفع، وهي مجهولةٌ، يقولُ ابنُ حَزْم: "فأما خبر أبي إسحاق ففاسدٌ لوجوه: -وذكر منها- أنَّ امرأةَ أبي إسحاق مجهولةُ الحال، لم يَرْوِ عنها أحدٌ غير زوجها وولدها يونس، على أن يونس قد ضعَّفه شُعْبة بأقبح التَّضعيف" (٢).
الجوابُ عن المناقشة:
يقولُ ابنُ القيم في الرَّدِّ على المناقشة: "وأيضًا فهذه امرأةُ أبي إسحاق السّبيعي -وهو أحدُ أئمة الإسلامِ الكبار-وهو أعلمُ بامرأته، وبعدالتها، فلم يكنْ يروي عنها سُنة يحرمُ بها على الأمة، وهي عنده غير ثقة، ولا يتكلَّم فيها بكلمة، بل يُحابيها في دِيْن الله، هذا لا يظنُّ بمن هو دون أبي إسحاق، وأيضًا
стр. 72
فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلتْ على عائشة، وسمعتْ منها، وروتْ عنها، ولا يعرفُ أحدٌ قدحًا فيها بكلمة، وأيضًا فإنَّ الكذبَ والفِسْقَ لم يكنْ ظاهرًا في التابعين، بحيث تردّ به روايتهم. . . وأيضًا فلم يعرفْ أحدٌ قطُّ من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث، ولا قَدَحَ فيها من أجله، ويستحيلُ في العادة أن ترويَ حديثًا باطلًا، ويشتهرَ في الأمة، ولا ينكر عليها مُنْكِر" (١).
٢ - قد نُوقش من جهة المتن: أن الإنكارَ في الحديث جاء بسبب أنَّ البيعَ كان إلى العطاء، كما جاء في بعضِ رواياتِ الحديث، وهو أجلٌ غيرُ معلوم.
والجوابُ عن المناقشة:
أنَّ عائشةَ ﵂ كانت تجيزُ البيعَ إلى العطاء، فقد روى ابنُ أبي شيبة: "أنَّ أمهات المؤمنين كُنَّ يشترين إلى العطاء" (٢).
الدليلُ الثالث: أنَّ بيعَ العِيْنَة وسيلةٌ، وحيلةٌ تؤدي إلى الرِّبا (٣)، وما كان وسيلةً إلى الحرام فهو حرامٌ، وكونها وسيلة في غايةِ الظُّهور، فإنَّ حقيقةَ المعاملة مبادلةُ دراهم بدراهم أكثر منها، والسِّلْعَةُ لغوٌ لا عبرةَ بها، بدليل أنها تعودُ على البائع.
• أدلةُ القائلين بجواز بيع العِيْنَة:
الدليلُ الأول: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤)، ويقول سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥).
стр. 73
وجهُ الاستدلال من الآيتين:
أنَّ العِيْنَة في الحقيقة بيعان، فهما حلالان بنصِّ القرآن، ولو نَظَرنا إلى الكِتاب والسُّنَّة فلن نجدَ تفصيلًا يُحرّم العِيْنَة، فيدلُّ ذلك على الجواز (١).
نُوقش الاستدلالُ بالآيتين:
أن السُّنة جاءتْ بتحريم العِيْنَة، كما في حديث ابن عمر، وخبر عائشة، وقد صحَّحهما العلماءُ كما سبق ذِكْرُه، ثم إنَّ العِيْنَة تُخالِفُ قواعدَ الشَّرع من جهة كونها حيلة تمنعُ من تحقيق منفعة التَّبادلِ الحقيقي، بل إنَّ نتيجتها دينًا في
الذمَّة أكثر من النقد المقبوضِ، وهذه حقيقةُ الرِّبا (٢).
الدليلُ الثّاني: عن أبي سعيد الخُدْري، وأبي هريرةَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ استعمل رَجُلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنِيْبٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أكُلُّ تمرِ خيبرَ هَكَذا"؟ قال: لا والله يا رسولَ الله، إنَّا لنأخذُ الصَّاع من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تفعلْ، بع الجَمْعَ بِالدّراهمِ، ثم ابتعْ بِالدّراهمِ جَنِيبًا" (٣) [متفق عليه].
وجه الاستدلال من الحديث:
أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ ببيع الجمع، ويشتروا بثمنه جَنِيبًا من غير تفريقٍ بين أن يشتريَ من المشتري، أو من غيره، فدلَّ هذا على أنه لا فَرْقَ بين الأمرين، إذ لو كان هناك فرقٌ لبيَّنه ﷺ (٤).
стр. 74
وقد نُوقش الاستدلالُ بهذا الحديث:
أنَّ عُمومَ الحديثِ قد خُصَّ بأن السُّنة، وقواعد الشريعة قد دلَّت على مَنْعِ الإنسان من شراء ما باع بأقلّ ممَّا باع ممن اشترى منه، قبل نقد الثَّمن (١).
الدليلُ الثالث: أنه لما جاز بيعُ السِّلعة التي اشتراها ممَّن اشتراها منه بعد قبض الثمن، فليكنِ الأمرُ كذلك قبلَ القبضِ، حيثُ لا فَرْقَ بينهما.
ونُوقش الدليل:
أنَّ النصَّ وَرَدَ بتحريم العِيْنَة، فلا عبرةَ بقياس يقابله، ثم إنَّه قياسٌ مع الفارق؛ لأنَّ المنعَ من الشِّراء قبل القبض كان بسببِ وجودِ شبهة إرادة الرِّبا، وأما بعد القبض فتنعدمُ هذه الشُّبهة.
وأما القائلون بكراهةِ العِيْنَة، فلعلَّهم يرون أدلةَ المنع لم تنهضْ للدَّلالةِ على التَّحريم.
الفرعُ الثّاني: موقفُ الشَّافعي مِن الأحاديثِ الدّالةِ على تحريمِ العِيْنَة:
تطرَّقتُ فيما سبق عن موقف الشَّافعية من بيع العِيْنَة، وأن الشَّافعي ﵀ قد صرَّح بجواز العِيْنَة في كتابه (الأم) مخالفًا بذلك جُمْهُور العلماء، ولم تكنْ مخالفته عن جهل، أو هوى، وإنَّما أجاز بيع العِيْنَة جَرْيًا على ظاهر العقود، وسلامتها من المَكْر والخِداع، ومن المعروفِ أن الجمهورَ استدلُّوا بحديثِ ابنِ عمرَ، وخبر عائشة ﵄ على تحريمِ العِيْنَة (٢).
ويُلاحَظُ من كلام الشَّافعي في (الأم) أنه لم يتطرَّق لحديث ابن عمر لا من
стр. 75
قريبٍ ولا من بعيد، ولعلَّ الحديثَ لم يبلغه، إذ لو بلغه لحسم النِّزاع، وقال بالتحريم كالجُمْهورِ جَرْيًا على قاعدته الذهبية: [إذا صحَّ الحديثُ فهو مَذهبي]، وقد جاء في (فيض القدير): "أوصانا الشَّافعي باتِّباعِ الدليلِ إذا صَحَّ بخلافِ مذهبه" (١)، فحديثُ ابن عمر لو بلغ الشَّافعي لما خالف الجمهور، ولقال مثل قولهم بتحريم العِيْنَة.
وأما خَبَرُ عائشةَ ﵂ فقد وقف الشَّافعيُّ في الرَّدِّ على هذا الخبر طويلًا، وفي رَدِّه ذِكر ثلاثة أمور:
١ - عدم ثبوت الخبر عنده، فقال ﵀: "قد تكون عائشةُ لو كان هذا ثابتًا عنها. . ." (٢)، وقال أيضًا: "وجملة هذا أنّا لا نثبتُ مثله على عائشة" (٣)، وقد سبق بيانُ ثبوتِ الخبر، وصحته (٤).
٢ - أنَّ إنكارَ عائشة ﵂ بسبب أن البيعَ كان إلى العطاء، وهو أجلٌ غيرُ معلوم، يقول ﵀: "قد تكون عائشةُ لو كان هذا ثابتًا عنها عابتْ عليها بيعًا إلى العطاء؛ لأنه أجلٌ غير معلوم، وهذا ممَّا لا نجيزُه لا أنها عابتْ عليها ما اشترتْ منه بنقد، وقد باعته إلى أجلٍ" (٥)، وقد بينت سابقًا أن عائشةَ تجيزُ البيعَ إلى
العطاء (٦).
٣ - عند وُقُوع الخِلافِ بين الصَّحابة يكونُ الأخذُ بقول الذي معه القياس، والذي معه القياس هو زيدُ بنُ أرقم يقول ﵀: "ولو اختلف بعضُ أصحابِ