مقدمة التحقيق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
[آل عمران: ١٠٢]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: ٧٠ - ٧١]
أما بعد،
فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي، هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن علم الحديث من العلوم التي انفرد بها المسلمون، وجاءوا فيها بما لم تأت بمثله أمة من الأمم إلى يوم الناس هذا، حتى قال قائلهم «ليفتخر
стр. 2
المسلمون بعلم حديثهم ما شاءوا» (١)، ولقد شرف هذا العلم؛ لالتصاقه بصاحب الوحي ﷺ ، فإن هذا العلم إنما يُعنى بدراسة ما يُنسب إلى النبي ﷺ من أقوال أو أفعال؛ لأن ما صح عنه ﷺ بمنزلة القرآن في الهَدْي، لأنه هو البيان عن القرآن، فيه تفصيل ما أجَمَل القرآن، وإيضاح ما أَبهم، واستثناء ما استثناه الله، وزيادة ما زاده الله بالوحي إلى رسوله ﷺ ، وهو في كل ذلك يتعلق بكل كبيرة وصغيرة في حياة الفرد المسلم، وفي حياة الجماعة، وفي روابط هذه الجماعة، وروابطها بغيرها من الجماعات (٢).
ولذا فقد أفرغ أهل العلم جهدهم ووقتهم في التَّقعِيد والتَّنظِير لهذا العلم الشريف.
وكان من بين هؤلاء، الإمام العلامة أبو محمد الحسين بن عبد الله بن محمد الطِّيِبِي الدمشقي، صاحب كتابنا هذا، الذي نحن بصدد تحقيقه والتعليق عليه، وقد جاء كتابه هذا كما يقولون "اسم على مسمى" فهو بحق خلاصة هذا العلم الشريف.
فإنه قد أودع فيه عصارة ما صُنِّف في هذا الفن، كما ذكر في مقدمته لهذا الكتاب، ألا وهي مقدمة ابن الصلاح، والتقريب للنووي، والمنهل الروي لابن جماعة، وأضاف إليهم من مقدمة كتاب جامع الأصول لابن الأثير،
стр. 3
فجاء بمصنَّف رائع، ليس بالمختصر المخل، ولا بالمسهب الممل، وهو مناسب جدًا لجمهرة طلبة هذا العلم الشريف، على اختلاف طبقاتهم ومراحلهم العلمية.
كيف لا؟ وقد عاش المصنف في أقوى فترات التصنيف والإنتاج العلمي ... إنه القرن الثامن، الذي قُدِّر أن تحيى فيه كوكبة عظيمة من أئمة أهل السنة والجماعة.
منهم على سبيل المثال: شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الفذ ابن قيِّم الجوزية، وابن عبد الهادي، والمِزي، والبِرْزَالي، وابن كثير وشمس الدين الذهبي، وغيرهم، عليهم جميعًا رحمة الله تعالى.
التعريف بالكتاب وأهميته:
(١) تسمية الكتاب:
كتب محقق النسخة المطبوعة على طرة الكتاب "الخلاصة في أصول الحديث".
وقد سمَّاهُ مُصَنِّفُهُ "الخلاصة في معرفة الحديث"، كما جاء في مقدمته للكتاب كما في النسخة الأزهرية التي اعتمدناها، ونسخة مركز ودود التي اعتمدناها أيضا، وأيضا في نسخة آيا صوفيا، والتي وضع محقق المطبوعة صورة طرتها وصورة أول صفحة منها - والتي بها مقدمة المصنف - في مقدمته للكتاب، وأيضا العنوان على طرة آيا صوفيا؛ كما ذكرناه، والله أعلم بالصواب
стр. 4
(٢) موضوعه ومشتملاته:
ولقد عجبت من عدم شهرة هذا الكتاب في الآونة الأخيرة، على الرغم من أهميته، كما ذكرنا، بل لأهمية هذا الكتاب، استفاد منه المصنفون بعده مابين ناقل، ومختصر، وغير ذلك.
فقام بتلخيص هذا الكتاب الإمام أبو الحسن الشريف الجرجاني المتوفى سنة ٨١٦ هـ، في كتابه المعروف؛ بمختصر الجرجاني.
وقد طُبع هذا المختصر بتحقيق الدكتور فؤاد عبد المنعم، في دار الدعوة بالإسكندرية.
ثم أخرجه في طبعة أخرى؛ الدكتور علي زوين، في دار الرشد بالرياض.
وقام بشرح هذا المختصر؛ الإمام أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الهندي المتوفى سنة ١٣٠٤ هـ سماه "ظَفر الأماني في مختصر الجرجاني".
وقام بتحقيقه الدكتور تقي الدين الندوي.
ثم حققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ونقد طبعة الندوي.
ومن الذين استفادوا من الخلاصة ونقلوا عنها الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، في كتابه القيم "تدريب الراوي".
وأيضا الأمير الصنعاني في كتابه "توضيح الأفكار".
كما استفاد منه الإمام اللكنوي ونقل عنه في كتابه "الرفع والتكميل"
стр. 5
وغيرهم.
ولعل السبب في عدم شهرة هذا الكتاب وعزوف المتأخرين عنه، هو عدم خروجه في صورة حسنة.
فإني قد وقفت على الطبعة التي بين يدي الناس من هذا الكتاب، والتي قام بتحقيقها الشيخ صبحي السامرائي، فوجدت فيها كثيرًا من الأخطاء، ما بين تصحيف وتحريف وسقط، ذلك مما يخل بالمعنى في كثير من المواضع، وربما كان ذلك من أخطاء الطباعة، كما أن كثيرا من نصوصه لم توثق بالعزو إلى مصادرها، التي صرح المصنف بها أو التي لم يصرح بها، وهذا ما حرصت على تلافيه في تحقيقي للكتاب.
وقد وقفت على طبعتين لهذا التحقيق؛ الأولى في رئاسة ديوان الأوقاف العراقية، والثانية في دار عالم الكتب، فلم أجد بينهما أي اختلاف يذكر.
فاستخرت الله على تحقيق هذا الكتاب، وذلك بعد مشاورة شيخنا العلامة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، أمد الله بقاءه في الخير، فشجعني على ذلك وأمدني بما أحتاج من مراجع، ولم يبخل علي بنصيحته وتوجيهه فجزاه الله خيرًا.
стр. 6
وصف النسخ الخطية:
اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب:
أولا على مخطوطة المكتبة الأزهرية، والتي تُعد من أقيم المخطوطات لهذا الكتاب.
وهي نسخة لا تكادُ تخطئ، إلا في النادر، وهي مكتوبة بخط نسخ عادي ومضبوطة بالشكل في مواضع كثيرة من الكتاب.
وتقع هذه النسخة في تسع وخمسين ورقة، وجهان في كل ورقة، عدا الأخيرة فوجه واحد، ومسطرتها زهاء خمسة عشر سطرًا، وعدد كلمات السطر زهاء اثنتا عشرة كلمة، هذا وقد كُتِب في حاشية آخر ورقة منها وبخط يختلف عن خط الناسخ "نصف الجمادى الآخر سنة ٨٨٣"، كذا بالأرقام، وقد جرت عادة ناسخ هذا الكتاب من أوله إلى آخره أن يكتب الأرقام بالحروف العربية، هذا وعلى النسخة كثير من الحواشي والتعليقات، وقد ذكرت منها ما ظننت أنه يفيد القارئ، وهو في صلب الموضوع، وأعرضت عن ذكر كثير منها، مما لم أرى فيه كبير فائدة، وقد اصطلحنا لها الرمز (ز).
ثانيا على نسخة أتحفني بها الشيخ الفاضل والمحقق الباذل الشيخ أبو عبد الله حسين بن عكاشة حفظه الله، وهي من مصورات مركز ودود للمخطوطات
وتقع ضمن مجموع، من صفحة ثمان وعشرين إلى صفحة اثنين
стр. 7
وستين، أي في ثلاثة وثلاثين ورقة، وجهان في كل ورقة، ومسطرتها زهاء خمس وعشرين سطرًا، وعدد كلمات السطر؛ زهاء اثنتا عشرة كلمة، وكُتِبت بخط فارسي جميل، وهي موافقة إلى حد كبير لنسخة الأزهرية سالفة الذكر ولا يوجد عليها تاريخ النسخ، وبها كثير من الحواشي، ذكرت منها ما ظننت أنه يفيد القارئ، وأعرضت عن ذكر الكثير منها، ممالا أجد تحته كبير فائدة، وقد اصطلحنا لها الرمز (د).
هذا وإتماما للفائدة بقدر الممكن والمستطاع؛ فإني قد استفدت من نسخة آيا صوفيا التي اعتمد عليها محقق المطبوعة، وذلك من الورقتين اللتين أوردهما في مقدمة تحقيقه، وهما الورقة الأولى، والورقة الأخيرة، سيما وهذه النسخة كتبت في حياة المؤلف ﵀، فهي من الأهمية بمكان.
عملي في الكتاب:
قابلت المخطوطتين، على المطبوعة سالفة الذكر، فأثبت الفروق بينهما ... وتركت الإشارة إلى كثير من أخطاء المطبوعة، خشية الملل، إلا أني نبهت على جميع مواضع السقط في أماكنها من الكتاب.
بعد ذلك قمت بقراءة النص بعناية، وعزوت كل نقل إلى قائله بقدر الطاقة
وطابقت هذا النقل بمصدره لأتأكد من صحته، فإن المصنف ﵀ كثيرًا ما ينقل بتصرف.
стр. 8
وقمت أيضًا بالترجمة لكثير من الأعلام الذين ذكروا في أثناء الكتاب.
هذا وقد عرضت عملي هذا على فضيلة الدكتور أحمد معبد عبد الكريم حفظه الله تعالى، فأثنى عليه خيرًا.
وسيجد المطالع لهذا الكتاب أن تعليقاتي قليلة.
ولقد وددت أن لا يكون لي تعليقات على الكتاب أصلا، ولكن هذا ما دعت إليه الضرورة.
وذلك لما تعلمناه من شيوخنا المحققين:
كالعلامة الدكتور أحمد معبد؛ رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، والأستاذ الكبير عصام محمد الشَّنْطِي؛ المدير الأسبق لمعهد المخطوطات العربية، والدكتور أحمد شوقي بنبين؛ رئيس الخزانة العامة الملكية للمخطوطات بالرباط.
تعلَّمنا منهم أن التحقيق؛ هو إخراج النص المُحَقَّق كما أراده صاحبه، يوم قام بتأليفه، وأنا كتبت على طرة الكتاب "كتاب فلان بتحقيق وتعليق فلان" ولم أكتب "كتاب فلان بحاشية فلان"، فحين أكتب تحقيق فلان، عليَّ إذن ألا أخرج عن هذا المعنى، ولقد رأيت من حقق كتابًا، كان في طبعته القديمة في مجلد واحد، فحققه؛ فخرج في عشرة مجلدات!!!
ولا أريد أن أخوض في هذا الموضوع؛ فإن الكلام فيه ذو شجون، ولعله يكون له موضع آخر إن شاء الله.
стр. 9
وأخيرًا، أعددت فهرسًا علميًا للكتاب.
ثم إني لا أنسى في هذا المقام، أن أتقدم بالشكر لكل من عاونني في إخراج هذا الكتاب.
وأخص بالذكر منهم وعلى رأسهم؛ فضيلة شيخنا العلامة الدكتور ... أحمد معبد عبد الكريم، والذي كان له الفضل في كل ذلك.
وأثني بشيخي الفاضل؛ الشيخ أبو معاذ طارق بن عوض الله، والذي كان له أكبر الفضل علي في فهم هذا العلم الشريف، والذي مارست التحقيق في مكتبه وتحت إشرافه، في أول أمري، مستفيدا من علمه وخبرته الطويلة، فجزاه الله خيرًا.
كما أتقدم بالشكر للشيخ عماد الدين عباس والذي أحاطني بنصائحه وإرشاداته.
وأيضًا أتقدم بالشكر للحاج المهندس محمد يوسف والذي ما بخل علي أبدًا لا بنصح ولا مراجع، فله عليَّ يَدٌ، يجزيه الله بها.
وآخرين يضيق المجال عن ذكرهم جميعًا، أسأل الله أن يغفر لنا ولهم، ويتجاوز عنا وعنهم.
وإنه لمن نافلة القول، أن أذكر أننِي لا أدعي العصمة لنفسي بل إن الله ، أبى أن يكون كتابٌ صحيحًا غيرُ كتابه، ولكن حسبي أنِّي قد بذلت الوسع، في إقامة هذا النص.
стр. 10
فإن كان خيرًا، فبتوفيق الله وحده ورأفته بضعف عبده، وإن كان غير ذلك فبذنوبي وتقصيري وجهلي، كيف لا وقد رضعنا هذا العلم بثدي من العجز وثدي من التقصير.
فأسأل الله ﵎ أن يعفو عني، وأن يتجاوز عن زلاتي، وأن يجعل عملي هذا خالصًا لوجه الكريم، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
وكتبه راجي عفو ربه الكريم
أبو عاصم الشَّوامي محمد بن محمود بن إبراهيم
لست ليال خلت من ذي الحجة
من عام تسع وعشرين وأربعمائة وألف
من هجرة سيد الخلق ﷺ -
стр. 11
ترجمة المصنف (١)
هو الإمام العلم، أبو محمد (٢) الحسين بن محمد بن عبد الله الطِّيْبِي (٣)، الإمام المشهور، صاحب شرح المشكاة وغيره.
قرأت بخط بعض الفضلاء (٤): وكان ذا ثروة من الإرث والتجارة، فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيرًا، قال وكان كريمًا متواضعًا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة، مظهرًا فضائحهم مع استيلائهم في بلاد المسلمين حينئذ، شديد الحب لله ورسوله، كثير الحياء، ملازمًا للجماعة ليلاً ونهارًا شتاءًا وصيفًا، مع ضعف بصره بآخرة، ملازمًا لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يعينهم، ويعير الكتب النفيسة لأهل بلده، وغيرهم من أهل البلدان ممن يعرف وممن لا يعرف.
محبًا لمن عُرف منه تعظيم الشريعة، مقبلاً على نشر العلم، آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنن.
стр. 12
شرح الكشَّاف شرحًا كبيرًا، وأجاب عما خالف مذهب أهل السنة أحسن جواب، يعرف فضله من طالعه، وصنَّف في المعاني والبيان؛ التبيان وشرحه وأمر بعض تلامذته باختصاره، على طريقةٍ نهجها له، وسماه المشكاة وشرحها هو شرحًا حافلاً، ثم شرع في جمع كتاب في التفسير، وعقد مجلسًا عظيمًا لقراءة كتاب البخاري، فكان يشتغل في التفسير من بكرة إلى الظهر، ومن ثَمَّ إلى العصر لإسماع البخاري، إلى أن كان يوم مات فإنه فرغ من وظيفة التفسير، وتوجه إلى مجلس الحديث، فدخل مسجدًا عند بيته فصلى النافلة قاعدًا وجلس ينتظر الإقامة للفريضة؛ فقضى نحبه متوجهًا إلى القبلة وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر شعبان سنة ٧٤٣ هـ.
مصنفاته:
• "التبيان في المعاني والبيان" وهو مختصر مشهور، أوله: (الحمد لله الذي أشرقت سنا محامده. . . الخ) ثم شرحه: تلميذه: علي بن عيسى وسماه: (حدائق البيان).
• "فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" في ست مجلدات ضخام وهو حاشية على كشاف الزمخشري، وهي من أجل حواشيه كما ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون.
قال: رأيت النبي ﷺ قبيل الشروع، أنه ناولني قدحًا من اللبن وأشار إلي فأصبت منه ثم ناولته ﷺ فأصاب منه.
стр. 13
• "الكاشف عن حقائق السنن"
أوله: (الحمد لله مشيد أركان الدين الحنيف. . . الخ)
قال: وكنت قبل قد استشرت الأخ في الدين، بقية الأولياء، قطب الصلحاء، ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب، بِجَمْعٍ، في جمع أصل من الأحاديث
فاتفق رأينا على: " تكملة المصابيح " وتهذيبه وتعيين رواته، فما قصر فيما أشرت إليه من جمعه فبذل وسعه، فلما فرغ من إتمامه، شمرت عن ساق الجد في شرح معضله، بعد تتبع الكتب، وسلكت في النقل منها طريق الاختصار، وكان جُل اعتمادي وغاية اهتمامي بشرح مسلم للنووي؛ لأنه كان أجمعها فوائد وأكثرها عوائد.
• "كتاب الخلاصة في معرفة الحديث"
وهو كتابنا هذا.
стр. 14
صور المخطوطات
стр. 15
أنموذج من مصورة النسخة الأزهرية والمشار إليها بـ (ز)
стр. 16
أنموذج من مصورة مركز ودود والمشار إليها بـ (د)
стр. 17
الخلاصة في معرفة الحديث
تصنيف
شرف الدين أبي محمد الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي الدمشقي
المتوفى ٧٤٣ هـ
حقق وعلق عليه
أبو عاصم الشوامي الأثري
стр. 18
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب سهِّل (١)
الحمدُ لله عَلى أَفضَالِه، ونَسألُه المَزيدَ مِن نعمهِ ونوَالِه، وصلَّى الله على محمدٍ وآله، الَّلهم كما زِدتَنا نِعمًا، فألهِمنا شكرًا، وبعد.
فهذه جُمَلٌ في معرفة الحديث، مما لا بُدَّ منه للطَّالب، لا سيَّما مَن تَصدَّى للتَّحديث.
لَخصْتهُ من كتاب الإمام مُفتي الشَّام شيخ الإسلام ابن الصَّلاح (٢)، ومُختَصر الإمام المُتقن مُحيي الدين النَّواوي (٣)، والقاضي بدر الدين يُعرَف (٤) بابن
جماعة (٥) ﵃.
стр. 19
فهذَّبته تهذيبًا ونقَّحتُه تَنقيحًا ورَصَّفته تَرصِيفًا أَنيقًا.
فوضعت كلَّ شيء في مَصبِّه ومَقرِّه، وأَضفتُ إلى ذلك زِيادَاتٍ مُهمَّة من جَامِع الأُصُول (١)، وغَيرِه (٢).
وأَسألُ اللهَ أن يَنفعَ الطَّالبينَ بِه، ويَهديَهُم سَبيلَ الرَّشادِ ويجعله خالصًا لِوجهِهِ الكَرِيم.
وسَمَّيتُه بـ "الخُلاَصَةِ في مَعرفةِ الحَدِيث"، ورتَّبتهُ على مُقدِّمة ومَقَاصِدْ وخَاتِمَة.
стр. 20
المقدمة
العِلمُ بَحَديثِ رسولِ اللهِ ﷺ ورِوَايَته من أشرف العلوم وأفضلها؛ لأنه ثاني أَدِلَّة علوم الإسلام، ومادة علم الأصول والأحكام، لا يرغب في نشره إلا كلُّ صادق تَقيٍّ، ولا يَزهَدُ في نَصرِه إلا كلُّ مُنافق شَقيٍّ.
قال أبو نصر بن سلاَّم (١): ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليهم من سَماع الحديث وروايته وإسناده.
ولهذا العلم أُصول وأحكام واصطلاحات وأوضاع، يحتاج طالبه إلى معرفتها ومدار هذه الأمور على المتون والأسانيد والسند (٢)، وغيرها.
الْمَتْنُ: هو ما اكتَنَف الصُّلب من الحيوان، وبه شُبِّه المتن من الأرض ومَتُنَ الشيء قَوِيَ مَتْنُهُ، ومِنه حَبْلٌ مَتِين، فَمَتْنُ كلِّ شيءٍ ما يَتَقَوَّمُ به ذلك الشيء ويَتَقَوَّى به، كما أن الإنسان يَتَقَوَّم بالظَّهر ويَتَقَوَّى به، فَمَتْنُ الحديث ألفاظه التي يَتقوَّم بها المعاني.
واختُلِفَ في متن الحديث أهو قول الصَّحابي عن رسول الله ﷺ كذا وكذا؟ أو هو مَقُولُ رسول الله ﷺ فَحَسْب؟
والأول أَظْهَر، لِمَا تَقَرَّر أنَّ السُّنة إِما قولٌ أو فعلٌ أو تَقْرِيرٌ، والسَّلف أَطْلَقُوا الحديث على أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان وآثارِهِم وفَتَاواهم.
стр. 21
والسَّنَدُ: إِخبَارٌ عن طَريقِ المَتنِ، من قولهم فُلانٌ سَنَد أَيْ مُعتَمَد، فسُمِّيَ سَندًا، لاعتماد الحُفَّاظ في صِحةِ الحَديثِ وضَعْفهِ عليه.
والإِسنِاد: هو رَفعُ الحديث إلى قائِله.
وقال عبد الله بن المبارك (١): الإسناد مِن الدِّين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
فعلى هذا السَّنَدُ والإسناد، يتقاربان في معنى الاعتماد.
والحَدِيثُ: ضِدُّ القَديم، لأنه يَحْدُث شيئًا فَشيئًا، ويُستَعمَل في قليل الكلام وكثيره، والكلام يُعنَى به تارةً القول الدَّال على المعنى، وأخرى المعنى القائم بالنَّفس، وهو قِسمان خَبرٌ وإنشَاء.
الإنشاء: إيجاد معنى بلفظ يقارنه في الوجود (٢).
والخبر: هو كلام يُفيد بنفسه نسبة شيء إلى شيء في الخارج، والكلام يَشْمل المفيد وغيره؛ فقوله يفيد بنفسه يُخرج غيره، مثل قَائِمٌ في "زيدٌ قائم" وقولك الغلام الذي لزيد (٣)، في قولك "الغُلام الَّذي لزيد فعل كذا وكذا"، وقوله في الخارج يخرج الإنشائيات.
قال بعض الأُدبَاء: الإنشاءُ كَلامٌ لفظه سببٌ لِنسبةٍ غير مسبوقة بنسبة أخرى، فخرج الخبر، لأن لَفظَهُ وإن كان سببًا لنسبةٍ بها يَحصُل الكلام لكنها
стр. 22
مسبوقة بنسبة أخرى، هي حكاية عنها، فإن طابقتا؛ فالخبر صادق وإلا، فكاذب.
والإنشاء ليس له نسبة أخرى، فإن المُتَكلِّم هو الذي يُحْدِث نِسبةً بها يَحْصُل الكلام؛ ولذلك لا يحتمل المطابقة، ولا عدمها؛ لأن المطابقة نسبة، وكل نسبة لا بُدَّ لها من منتسبين سابقين عليها (١).
стр. 23
فروع
الأول: الخَبَر إِمَّا صِدقٌ أو كَذِبٌ، ولا ثَالِثَ لهما على المختار، ومرجع الصِّدق والكَذِب إما إلى مطابقة الواقع، أو اعتقاد المُخبِر، أو إليهما جَميعًا كما بيَّن لك حَدَائق البَيَان في شرح التِّبيان (١).
الثاني: الخبر قد يُعْلَم صِدقُهُ قَطعًا؛ كخبر اللهِ تَعَالى وخبر رسولِهِ ﷺ ، وقد يُعلم كَذِبه قطعًا؛ كخبر المُخالف لخبر الله تعالى، وقد يُظَنُ صِدقُه؛ كخبر العَدل، وقد يُظن كذبه؛ كخبر الفاسق، وقد يُشَكُ فيه؛ كخبر المجهول.
الثالث: الخبر ينقسم إلى مُتَوَاتِر وآحَاد.
والمتواتر: هو خَبرٌ بَلَغَت رُواته في الكثرة مَبْلغًا، أحالت العادة تَوَاطُؤهُم على الكذب؛ كالمخبرين عن وجود مكة وغزوة بدر (٢).
وله شرطان:
الأول: أن يكون عِلمُهُم ضروريًا مُستَنِدًا إلى مَحسوُس، بأن يكون المُخبَر عنه محسوسًا، إذ لو أخبرونا عن حدوث العالم أو عن صِدْقِ الأنبياء أو عن ظَن لم يَحْصُل لنا العلم.
الثاني: أن يستوي طرفاه والوَسَط في عدم تواطئهم على الكذب لِكَثرَتهم
стр. 24
ويدوم هذا الحد، فيكون أوله كآخره، ووسطه كطرفيه؛ نحو القرآن والصلوات الخمس، وأعداد الركعات، ومقادير الزَّكَوَات، وما أشبه ذلك ولأجل ذلك لم يَحصُل لنا العِلم بِصدق اليهود مع كثرتهم في نقلهم أن مُوسَى ﵇ كذَّبَ كلَّ نَاسِخٍ لِشَرِيعَتِه، ولا يُصدَّق الشِّيعة بنقل النص على إمامة علي ﵁، والبَكْرِيَّة على إمامة أبي بكر ﵁ لأن هذا وَضَعَه الآحاد أولاً، وأَفشُوه، ثم كثر الناقلون في عصره وبعده في الأعصار (١).
قال ابنُ الصَّلاح (٢): مَن سُئل عن إِبراز مثال لذلك فيما يُروى من الحديث أعياه طلبه، وحديث "إِنْمِا الأَعْمَالُ بِالنيَّات" ليس من ذلك وإن نقله عدد التواتر وزيادة؛ لأن ذلك طَرأ عليه في وسط إسناده ولم يوجد في أوائله (٣). نعم حديث "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأ مَقْعَده مِنَ النَّار" نراه مثالا لذلك فإنه نقله من الصحابة ﵃ العددُ الجمُّ.
وذكر أبو بكر البزَّار الحافظ الجليل في مسنده (٤): أنه رواه عن رسول الله ﷺ نحو من أربعين من الصحابة، وذكر بعض الحُفَّاظ (٥) أنه رواه اثنان وستون صحابيًا وفيهم العشرة المُبَشَّرة.
стр. 25
قال ابن الصلاح (١): لم يزل عدد رواته في ازدياد وهلم جرًّا على التَّوالي والاستمرار.
قال ابن الأثير في جامع الأصول (٢): العدد على قسمين، كامل وهو أقل عدد يورث العلم، وزائد يحصل العلم ببعضه، وتقع الزيادة فضلة.
والكامل ليس معلومًا لنا، لَكِنَّا بحصول العلم الضَّروري، نَستدِّل على كمال العدد، لا أنَّا بِكمَال العدد نستدل على حصول العلم، وأقل عدد يحصل به العلم الضروري مَعلومٌ لله تَعَالى، غير مَعلُومٍ لنا، لأَنَّا لا ندري متى يَحْصُل لنا العلم بوجود مكة عند تواتر الخبر، وأنه كان بعد خبر المائة والمائتين، ويعز علينا تجربة ذلك وإن تكلفناها، فسبيله أن نراقب أنفسنا إذا قُتِل رَجُلٌ في السُّوق مثلاً فشاهد جماعة فأخبرونا عن ذلك متوالية، فإن قولَ الأول يُحرِّك الظَّن، وقول الثاني والثالث يؤكده، ولا يزال يتزايد تأكده إلى أن يَصِير ضروريًا (٣).
والآحَاد: كلُّ خَبَرٍ لم يَنْتَه إِلى التَّواتُر، ثم هو قِسمان مُسْتَفِيضٌ وغَيْرُه (٤).
стр. 26
[ذكر ابن الجوزي في تَلْقِيحِه (١): أَنَّ حَصرَ الأحاديث يَبعُد إمكانه غير أن جماعة بالغوا في تَتَبُّعِها وحَصَرُوها في أعداد.
قال الإمام أحمد بن حنبل: صَحَّ من الأحاديث سَبْعُمائة أَلف وكَسْر.
وقُرِئ عَلَيْه مُسنَدُه فقال: هذا كتاب قد جَمَعتُه وانتقَيتُه من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف المسلمون من الحديث فارجعوا إليه وما لم تجدوا فيه فليس بحجة (٢).
فإن قِيل كل ما يَحْوِيِه مُسندُهُ أربعون ألف حديث، منها عشرة آلاف مكررة، فكيف يقول صح سبعمائة ألف وكسر؟ مع هذا فأجيب بأن المراد بهذا العدد؛ الطرق لا المتون] (٣).
стр. 27
المقاصد
اعلم أن متن الحديث نفسه لا يدخل في الاعتبار إلا نادرًا، بل يكتسب صفة من القُوة والضَّعف وبَيْن بَيْن بحسب، أوصاف الرواة من العدالة والضبط والحفظ وخلافها، وبين ذلك، أو بحسب الإسناد من الاتصال والانقطاع والإرسال والاضطراب ونحوها، فالحديث على هذا ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف.
هذا إذا نُظِر إلى المتنِ، وأَمَّا إذا بُحِثَ عن أوصاف الرواة نفسها فقيل هو ثقة عدل ضابط وغير ثقة أو مُتَّهم أو مجهول أو كذوب، واسمه فلان، وُلِد في سنة كذا، ومات في سنة كذا، ونحو ذلك.
وإذا نُظِر إلى حال الطَّالب، كان البحث عن كيفية استفَادَتِه وإفادة الشيخ إياه، وكيفية أخذه من القراءة والسَّماع والإجازة، وغير ذلك وهذا التقرير يستدعي أن يترتب الكلام على أربعة أبواب:
الأول: في أقسام الحديث وأنواعه.
والثاني: في أوصاف الرواة.
والثالث: في تَحمُّل الحديث وطرق نقله.
والرابع: في أسماء الرجال وأنسابهم.
стр. 28
الباب الأول
في أقسام الحديث
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول في الصحيح
الصَّحِيحُ: هو ما اتَّصل سَنَدُه بِنَقل العَدل الضَّابط عن مثله، وسَلِم من شُذُوذ وعِلَّة، وفي هذه الأوصاف احترازٌ عن الحَسَنِ والضَّعِيف، فقوله ما اتَّصل سنده احتراز عن المُنقَطِع، وهو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان، وقوله بنقل العدل، احتراز عَمَّن هو مَستُور العدالة، أو فيه نوع جرح ونعني بالضابط، من يكون حافظًا متيقظًا، غير مُغفَّلٍ ولا ساهٍ ولا شاك في حالتي التَّحمُل والأداء، فإنَّ النَّاقل إذا كان فيه نَوْعُ قُصُورٍ عن درجة الإتقان، دخل حديثه في حدِّ الحسن، وإذا نزلت درجته عن ذلك ضَعُفَ حَدِيثُهُ.
وقوله وسَلِم من شُذُوذٍ، احتراز عن الشَّاذ، وهو الذي يَرويه الثِّقةُ، لكن يُخَالِف ما روى الناس، وقولُه وعِلَّة؛ أي سَلِمَ عمَّا فيه أسباب خفية غامضة قادحة، فإن قيل هذا القّيْد مُستدرَك لأنه لا يَخفَى على الضَّابط الحازِم مِثل تلك القادحة، يقال: الصَّارم قد يَنبُو، والحَازِم قَد يَسهُو، فما اجتمع فيه هذه
стр. 29
القُيُود حُكِم بصحته، وما افتُقِد فيه قيدٌ منها، خرج عن أن يكون صحيحًا وإذا قيل في حديث، إنه صحيح فمعناه ما ذكرنا، ولا يلزم أن يكون مقطوعًا به في نفس الأمر، وكذا إذا قيل إنه غير صحيح، فمعناه أنه لم يصح إسناده على الوجه المُعتبَر، لا أنه كَذِبٌ في نفس الأمر، وتَتَفاوت درجات الصحيح بحسب قوة شروطه.
وأولُ من صنَّف في الصحيح المجرَّد الإمام البُخَاري، ثم مُسلِمٌ، وكتابهما أصحُ الكُتُبِ بعد كتابِ الله العزيز، وأما قول الشَّافعي ﵁: ما أعلم شيئًا بعد كتاب الله تعالى أصحُ من مُوطَّأ مالك، فَقَبْل وجود الكتابين ثم البخاري أصحهما صَحيِحًا عند الجمهور، وفي الجامع قال البخاري خرَّجتُ كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حَدِيثًا إلا صَلَّيتُ رَكعَتَين (١).
وأعلى أقسام الصحيح: ما اتَّفَقَا عليه، ثم ما انفرد به البُخَاري، ثم ما انفَرَد به مسلم، ثم ما هو على شرطِهِما وإن لم يَخَرِّجَاه، ثم على شرط البخاري ثم على شرط مسلم، ثم ما صَحَّحَه غيرُهما من الأئمة، فهذه سبعة أقسام.
قال ابن الصلاح (٢): وأما ما حُذِف سَنَدُهُ أو بَعضُهُ فيهما، وهو كثير في تراجم البخاري، قليل جِدًا في صحيح مسلم، كقوله في التيمم وروى
стр. 30
الليث بن سعد (١).
فما كان بصيغة الجَزْمِ، مِثل: قال فلان، وفَعَل، وأَمَر وَرَوَى وذَكَر مَعروفًا فهو حُكمٌ بصحته، وما ليس بصيغة الجزم مثل: رُوي عن فلان وذُكِر وحُكِى وقيِل مَجهولاً، فليس حُكمًا بصحته، ولكن إيراده في كتاب الصحيح مُشْعِرٌ بصحة أصله.
قال الحاكم أبو عبد الله في المدخل (٢): الصحيح من الحديث عشرة أقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها.
فالأول من المُتَّفق عليه: اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى وهو أن لا يذكر إلا ما رواه الصحابي المشهور عن رسول الله ﷺ ، وله راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعي مشهور، وله أيضا راويان ثقتان فأكثر، ثم كذلك في كل درجة.
قال الشيخ محيي الدِّين (٣): ليس ذلك من شرط البخاري ومسلم لإخراجهما حديث المسيَّب في وفاة أبي طالب، ولم يرو عنه غير ابنه ... وإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب "إِنِّي لأُعطِي الرَّجَلَ والَّذيِ أَدَعُ أَحَبُّ إِليَّ"، ولم يرو عنه غير الحسن، وحديث قيس بن أبي (٤) حازم عن مِرْدَاس بن
стр. 31
الأسلم "يَذْهَبُ الصَّالِحُون" الحديث، لم يرو عنه غير قيس ونظائرها في الصحيحين كثيرة، منها حديث "إِنَمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ".
[وقال أبو حاتم بن حِبَّان: حديث الأعمال بالنيَّة، تفرد به أهل المدينة وليس هو عند أهل العراق، ولا عند أهل مكة، واليمن، ولا عند أهل الشام، ومصر، وقال بعضهم: قد أخرَجَتْه الأئمة في كتبهم من طرق وأنا أختصر على طريقٍ واحدٍ لِكُلِّ واحدٍ مِنهُم:
فرواه البخاري عن أبي بكر عبد الله الحُمَيْدِي عن "سُفيَان".
ورواه مسلم عن محمد بن المُثَنَّى عن "عبد الوَهَّاب الثَقَفِي".
ورواه أبو داود عن محمد بن كَثِير عن "الثَّوْرِي".
ورواه التِّرمِذِي عن محمد بن المثنى عن "عبد الوهاب الثقفي".
ورواه النَّسائي عن عمرو بن منصور عن القَعْنَبِي عن "مالك".
ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة عن "يزيد بن هارون".
كلُّهُم عن يحيى بن سَعيِد القَطَّان، وهو عن محمد بن إبراهيم التيمي، وهو عن عَلْقَمَة بن وَقَّاص وهو عن عُمَر بن الخَطَّاب ﵁] (١).
стр. 32
الفصل الثاني في الحسن
ذُكِرَ عن التِّرمِذِي أنه يُريدُ بالحَسَنِ، أن لا يكون في إسناده متهم ولا يكون شاذًا ويُروَى من غير وجه نحوه (١).
وقال الخطَّابي (٢): هو ما عُرِفَ مخرجُهُ، واشتهر رجاله، قال: وعليه مَدَارُ أكثرِ الحَديِث، فالمنقطع ونحوه مما لم يُعرَف مخرجُهُ، وكذلك المدلَّس إذا لم يبيَّن.
وقال بعض المتأخرين (٣): هو الذي فيه ضعف قريب محتمل، ويصلح للعمل به.
وقال ابن الصلاح (٤): هو قِسْمِان، وأَطَال في تَعريفِهِما، بِمَا حَاصِلُه أن أحدهما: ما لم يَخْل رجال إسناده عن مستور، غير مُغَفَّل في روايته، وقد رُوي مثله أو نحوه من وجه آخر.
والثاني: ما اشتهر راويه بالصِّدق والأمانة، وقَصُر عن درجة رجال الصحيح حِفظًا وإِتْقَانًا، بحيث لا يُعَدُّ ما انفرد به منكرًا.
قال ولا بُدَّ في القِسمين من سلامتهما عن الشذوذ والتَّعليل.
стр. 33
ثم قال القاضي بدر الدين ابن جماعة (١): وفي كل هذه التعريفات نظر.
أما الأول والثاني؛ فلأن الصحيح كله أو أكثره كذلك، فيدخل الصحيح في حدِّ الحسن، ويَرِد على الأول الفرد من الحسن؛ فإنه لم يرو من وجه آخر، ويَرِد على الثاني ضعيف، عُرف مخرجه واشتهر رجاله بالضَّعف.
وأما الثالث فيُتَوقف على معرفة الضَّعيف القريب المحتمل، وهو أمر مجهول وأيضا فيه دور؛ لأنه عُرِفَ بِصلاحِيَتِه للعمل به، وذلك يتوقف على معرفة كَوْنِه حسنًا.
وأما الأول من القسمين، فَيَرِد عليه الضَّعيف والمُنقطع والمُرسل الذي في رجاله مستور، وروي مثله أو نحوه من وجه آخر.
ويرد على الثاني، وهو أقربها: المرسل الذي اشتهر راويه بما ذكر؛ فإنه كذلك وليس بحسن في الاصطلاح.
وقال القاضي (٢): لو قيل الحسن هو كل حديث خالٍ عن العِلَلَ، في سنده المتصل مستور، له به شاهد أو مشهود، قاصر عن درجة الإتقان، لكان لِمَا حدُّوه أجمع وأقرب مما حاولوه وأخصر منه.
أقول: اعلم أن هذا المقَام مَقَامٌ صعبٌ مُرتَقَاه، وعقبة كَؤُود، ومن استعلَى ذِروتَها ثم انحدر منها، وقف على أكثر اصطلاحات هذا الفن، وعَثَر على جُلِّ أنواعه بإذن الله تعالى، ولا يمكن الوقوف على الحق إلا
стр. 34
بتحرير كلام يَفصِل بين الصحيح والسقيم والمُعْوَجِّ والمستقيم، فنحن نَشْرَح الحدود على طريق يندفع عنها النظر.
أما قول الترمذي، أن لا يكون في إسناده متهم فيحتمل معنيين؛ أن لا يتوهم الغفلة والكذب والفسق في المُسنِد، فلا يُتَّهم به أو يُتَوهَّم فيه ذلك ولا يُتَّهم به، فهذا هو معنى مستور العدالة، وهو المعنيُّ به في التعريف، وقد قصد بهذا القيد الاحتراز عن الصحيح؛ لأن شرط الصحيح أن يكون مشهور العدالة.
وأما قول الخطَّابي، فالمراد به، أن رجاله مشهورون عند أرباب هذه الصناعة بالصدق، وبنقل الحديث ومعرفة أنواعه، وحيث كان مُطلقًا من قيد العدالة والضبط، دل على انحطاطهم عن درجة رجال الصحيح، وهذا هو الجواب أيضًا عن قوله: واشتهر رجاله بالضعف؛ لأن إطلاق الشهرة في عُرفهم، دلَّ على خلاف ما فُهِم من الضَّعف.
وأما قوله ويَرِد على الأول أيضا الفرد من الحسن؛ فإنه لم يُرو من وجه آخر.
فجوابه أن نقول: إن قولَنا يُروى [من غير وَجه يحتمل وجوهًا؛ أن يُروى الحديث بعينه بإسناد آخر، وأن يُروى] (١) معناه بإسناد آخر، أو بهذا الإسناد بلفظ آخر، ولا يَبعُد تسمية القسم الأخير بالفرد الحسن، فهو بالنظر إلى أفراد الإسناد، فَرْد وبالنظر إلى تغيير اللفظ، حسن، إذ بهذا الاعتبار
стр. 35
يغلب ظنًا احتمال طريق آخر يَتَقوَّى به، بخلاف الفرد المطلق.
وجه آخر، وهو أن يكون الحديث مشهورًا عن صحابي، فيرويه تابعي عن صحابي آخر، ويكون له في الطريق رواة أفراد في جميع المراتب، فظهر من هذا أن الغرض من التقييد بقوله، ويُروى من غير وجه واحد، اعتضاد الحديث المروي بما ينجبر به ضعفه، وإزالة ما به من الوهم السابق والإرسال والانقطاع وغيرهما، فلا يؤتى بالرواية من غير وجه، إلا على وجه يرفع به ذلك الضَّعف وإلا كان عَبثًا.
وفي كلام ابن الصلاح إِشعار بذلك، على أن حَدَّ المُعتَرِض يفتقر إلى هذا التأويل، كما سنُقَرِّرُه، وهذا هو الجواب أيضًا عن اعتراضه على أول القسمين لابن الصلاح، وهو قوله فيرد عليه الضعيف والمنقطع والمرسل.
وأما قول بعض المتأخرين: هو الذي فيه ضعف قريب محتمل، فَمَبْنيٌّ على أن معرفة الحسن موقوفة على معرفة الصحيح والضعيف؛ لأن الحسن وسط بينهما.
فقوله قريب؛ أي قريب مخرجه من الصحيح، محتمل الكذب لكون رجاله مستورين، كما حققناه في تفسير قول الترمذي، أن لا يكون في إسناده متهم.
ويُفْهَم من هذا التقرير؛ أنه إذا تحقق الجارح في المعتضِد أو المعتضَد به، لم يَزُل الضعف كما في حديث "طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَة".
стр. 36
قال البَيهقيُّ (١): هذا حديث متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد رُوي من أوجه كلها ضعيف.
فالضعيف: هو الذي بَعُد عن الصحيح مَخرجُه، واحتمل الصدق والكذب أو لا يحتمل الصدق أصلاً، كالموضوع، وإنما عُدِل في الحسن من الوسط أي الذي يحتمل الصدق والكذب إلى الكذب، لأن هذا الراوي لمَّا انحطَّ درجته من درجة رجال الصحيح، وارتفع عن حال من يُعَدّ ما ينفرد به من الحديث مُنكَرًا، وكان مُسلمًا، لا سيَّما مشهورًا بأهل الحديث، وجب حُسن الظن به وترجيح أحد الجانبين على الآخر، وجعل قوله صِدقًا، وإلى هذا المعنى أشار الخطَّابي بقوله: واشتهر رجاله أي بالصدق، كما فسره ابن الصلاح.
وأما قوله "ويصلح للعمل به"، فكالخارج عن الحد بيانًا لما يلزم من الحد أي إذا كان معنى الحسن ذلك، صَلُحَ العمل به وعلى هذا يندفع الدور.
وأما قوله: "ويَرِد على الثاني"؛ أي على القسم الثاني لابن الصلاح.
فجوابه، أن قوله بحيث لا يُعَدّ ما انفرد به مُنكرًا، احتراز مما ذكره؛ لأنه لا يخلو من أنَّ الذي رواه هذا الراوي مما عُرِف متنه أو معناه من غير روايته من غير وجه، أو مما لم يعرف لا من الوجه الذي رواه ولا من وجه آخر.
стр. 37
فالأول أخرج المرسل والمنقطع عن الحد.
والثاني هو الذي احترز منه بقوله "لا يُعد ما انفرد به منكرًا".
إذا عرفت هذا فلتذكر الآن تفسير حدِّه (١) للحسن على ما سنح في خاطرنا والله أعلم بمراده.
فقوله "خالٍ عن العِلَل"، احتراز عن دخول الأسباب الخفية الغامضة القادحة في الحديث.
وقوله "في سنده المتصل"، احتراز عن المرسل والمنقطع ونحوهما.
وقوله "مستور"، مبتدأ وله به شاهد أو مشهود صفته.
وقوله "في سنده المتَّصل"، خبره والضَّمير المجرور في "له"، للمستور، وفي "به" للحديث و"أو" فيه، للتَّنْوِيع لا للترديد، والمعنى للرَّاوي المستور العدالة بهذا الحديث شاهد؛ أي حديث آخر مروي بلفظه بغير هذا الإسناد ويشهد له بالقوة، أو لراوي الحديث طريق آخر فيه معنى هذا الحديث، يشهد هذا الحديث أنه منه، ومعناه معناه، ويكون هذا الحديث شاهدًا وذاك مشهودًا بهذا المعنى، وكون المشهود موافقًا له ومقوِّيًا إياه بسندٍ غير سنده، ينقلب المشهود شاهدًا، وسيأتي تمام تحقيقه في نوع الاعتبار.
واحتُرِز بهذا الفصل عن الضعيف الذي لم يُعْتَضَد بمثل ذلك الحديث أو آخر بمعناه، وقوله "قاصر عن درجة الإتقان" صفة أخرى للراوي المستور
стр. 38
العدالة فعُلم من الأول أن عدالة هؤلاء دون عدالة رجال الصحيح، ومن الثاني أن إتقانَهم قاصر عن إتقانِهم، وهذان القَيْدان معًا، فصل واحد يُخرِج الصحيح عن الحسن، وكذا يخرجه عن الانفراد، وكل واحد منهما على الانفراد يصلح لإخراج الضعيف منه، فظهر من هذا أن حدَّه أجمع الحدود.
لكن يرد على قوله "في سنده المتصل"، مرسل الثقة الذي اعتضد بالمسند فإن تشبث بأن العمل حينئذ بالمسند لا به، فيُردُّ بما اختاره واختار المحققون كما سنبين في المرسل.
والفرق بين حدَّي الصحيح والحسن، أن شرائط الصحيح مُعتَبرة في حدِّ الحسن، لكن العدالة في الصحيح ينبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملاً وليس ذلك بشرط في الحسن، ومِن ثَمَّ احتاج إلى قيام شاهد أو مشهود لينجبر به، فلو قيل: هو مُسند مَن قَرُبَ من درجة الثقة، أو مُرسَل ثقة ورُوي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شُذُوذٍ وعِلَّة، لكان أجمع وأبعد من التعقيد.
ونعني بالمسند: ما اتصل إسناده إلى منتهاه، وبالثقة: من جمع بين العدالة والضبط.
والتنكير في ثقة للشيوع، كما سيأتي بيانه.
فرعان
الأول: الحسن حُجَّة كالصحيح، وإن كان دونه.
ولذلك أدرجه بعض أهل الحديث فيه، ولم يفرده عنه، وهو ظاهر كلام
стр. 39
الحاكم في تصرفاته.
الثاني: قولهم حَسنُ الإسناد أو صحيح الإسناد، دون قولهم حديث صحيح أو حسن، إذ قد يصح إسناده، أو يحسن دون متنه، لشذوذ أو علة، فإن قاله حافظ معتمد ولم يقدح فيه، فالظاهر منه حكمه بصحة المتن أو حُسنه.
قال ابن الصلاح (١): أمَّا تَسْمية مُحيي السُّنَّة (٢) في المصابيح، السُّنَن بالحِسَان فتَسَاهُل لأن فيها الصِّحاح والحِسَان، والضِّعاف.
وقول الترمذي وغيره: حديث حسن صحيح، أي رُوي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر يقتضي الحُسن، أو المراد بالحسن، الحُسْن اللغوي وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه.
وحديث المُتَأخِّر عن دَرَجة الإتقَان والحِفظ، المَشْهُور بالصدق والسَّتر، إذا رُوي من وجه آخر، تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح، لِقُوَّته من الجهتين فينجَبِر أحدهما بالآخر.
ومعنى قولِه: "تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح"، أنه مُلحقٌ في القوة به، لا أنه عَينُه، فلا يَرِد عليه ما قيل فيه نظر، لأن حَدَّ الصَّحيح لا يَشْمَله فكيف يُسمَّى صحيحًا.
стр. 40
وأما الضَّعيف فَلِكَذِب راويه وفسقه، لا يَنجَبِر بِتَعدُّدِ طُرُقِه، كمَا مرّ.