← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 17807

الخلاصة في معرفة الحديث

الطيبي

Полный текст (173 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال البَيهقيُّ (١): هذا حديث متنه مشهور، وإسناده ضعيف، وقد رُوي من أوجه كلها ضعيف. فالضعيف: هو الذي بَعُد عن الصحيح مَخرجُه، واحتمل الصدق والكذب أو لا يحتمل الصدق أصلاً، كالموضوع، وإنما عُدِل في الحسن من الوسط أي الذي يحتمل الصدق والكذب إلى الكذب، لأن هذا الراوي لمَّا انحطَّ درجته من درجة رجال الصحيح، وارتفع عن حال من يُعَدّ ما ينفرد به من الحديث مُنكَرًا، وكان مُسلمًا، لا سيَّما مشهورًا بأهل الحديث، وجب حُسن الظن به وترجيح أحد الجانبين على الآخر، وجعل قوله صِدقًا، وإلى هذا المعنى أشار الخطَّابي بقوله: واشتهر رجاله أي بالصدق، كما فسره ابن الصلاح. وأما قوله "ويصلح للعمل به"، فكالخارج عن الحد بيانًا لما يلزم من الحد أي إذا كان معنى الحسن ذلك، صَلُحَ العمل به وعلى هذا يندفع الدور. وأما قوله: "ويَرِد على الثاني"؛ أي على القسم الثاني لابن الصلاح. فجوابه، أن قوله بحيث لا يُعَدّ ما انفرد به مُنكرًا، احتراز مما ذكره؛ لأنه لا يخلو من أنَّ الذي رواه هذا الراوي مما عُرِف متنه أو معناه من غير روايته من غير وجه، أو مما لم يعرف لا من الوجه الذي رواه ولا من وجه آخر.

стр. 37

فالأول أخرج المرسل والمنقطع عن الحد. والثاني هو الذي احترز منه بقوله "لا يُعد ما انفرد به منكرًا". إذا عرفت هذا فلتذكر الآن تفسير حدِّه (١) للحسن على ما سنح في خاطرنا والله أعلم بمراده. فقوله "خالٍ عن العِلَل"، احتراز عن دخول الأسباب الخفية الغامضة القادحة في الحديث. وقوله "في سنده المتصل"، احتراز عن المرسل والمنقطع ونحوهما. وقوله "مستور"، مبتدأ وله به شاهد أو مشهود صفته. وقوله "في سنده المتَّصل"، خبره والضَّمير المجرور في "له"، للمستور، وفي "به" للحديث و"أو" فيه، للتَّنْوِيع لا للترديد، والمعنى للرَّاوي المستور العدالة بهذا الحديث شاهد؛ أي حديث آخر مروي بلفظه بغير هذا الإسناد ويشهد له بالقوة، أو لراوي الحديث طريق آخر فيه معنى هذا الحديث، يشهد هذا الحديث أنه منه، ومعناه معناه، ويكون هذا الحديث شاهدًا وذاك مشهودًا بهذا المعنى، وكون المشهود موافقًا له ومقوِّيًا إياه بسندٍ غير سنده، ينقلب المشهود شاهدًا، وسيأتي تمام تحقيقه في نوع الاعتبار. واحتُرِز بهذا الفصل عن الضعيف الذي لم يُعْتَضَد بمثل ذلك الحديث أو آخر بمعناه، وقوله "قاصر عن درجة الإتقان" صفة أخرى للراوي المستور

стр. 38

العدالة فعُلم من الأول أن عدالة هؤلاء دون عدالة رجال الصحيح، ومن الثاني أن إتقانَهم قاصر عن إتقانِهم، وهذان القَيْدان معًا، فصل واحد يُخرِج الصحيح عن الحسن، وكذا يخرجه عن الانفراد، وكل واحد منهما على الانفراد يصلح لإخراج الضعيف منه، فظهر من هذا أن حدَّه أجمع الحدود. لكن يرد على قوله "في سنده المتصل"، مرسل الثقة الذي اعتضد بالمسند فإن تشبث بأن العمل حينئذ بالمسند لا به، فيُردُّ بما اختاره واختار المحققون كما سنبين في المرسل. والفرق بين حدَّي الصحيح والحسن، أن شرائط الصحيح مُعتَبرة في حدِّ الحسن، لكن العدالة في الصحيح ينبغي أن تكون ظاهرة، والإتقان كاملاً وليس ذلك بشرط في الحسن، ومِن ثَمَّ احتاج إلى قيام شاهد أو مشهود لينجبر به، فلو قيل: هو مُسند مَن قَرُبَ من درجة الثقة، أو مُرسَل ثقة ورُوي كلاهما من غير وجه، وسَلِم عن شُذُوذٍ وعِلَّة، لكان أجمع وأبعد من التعقيد. ونعني بالمسند: ما اتصل إسناده إلى منتهاه، وبالثقة: من جمع بين العدالة والضبط. والتنكير في ثقة للشيوع، كما سيأتي بيانه. فرعان الأول: الحسن حُجَّة كالصحيح، وإن كان دونه. ولذلك أدرجه بعض أهل الحديث فيه، ولم يفرده عنه، وهو ظاهر كلام

стр. 39

الحاكم في تصرفاته. الثاني: قولهم حَسنُ الإسناد أو صحيح الإسناد، دون قولهم حديث صحيح أو حسن، إذ قد يصح إسناده، أو يحسن دون متنه، لشذوذ أو علة، فإن قاله حافظ معتمد ولم يقدح فيه، فالظاهر منه حكمه بصحة المتن أو حُسنه. قال ابن الصلاح (١): أمَّا تَسْمية مُحيي السُّنَّة (٢) في المصابيح، السُّنَن بالحِسَان فتَسَاهُل لأن فيها الصِّحاح والحِسَان، والضِّعاف. وقول الترمذي وغيره: حديث حسن صحيح، أي رُوي بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر يقتضي الحُسن، أو المراد بالحسن، الحُسْن اللغوي وهو ما تميل إليه النفس وتستحسنه. وحديث المُتَأخِّر عن دَرَجة الإتقَان والحِفظ، المَشْهُور بالصدق والسَّتر، إذا رُوي من وجه آخر، تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح، لِقُوَّته من الجهتين فينجَبِر أحدهما بالآخر. ومعنى قولِه: "تَرقَّى من الحسن إلى الصحيح"، أنه مُلحقٌ في القوة به، لا أنه عَينُه، فلا يَرِد عليه ما قيل فيه نظر، لأن حَدَّ الصَّحيح لا يَشْمَله فكيف يُسمَّى صحيحًا.

стр. 40

وأما الضَّعيف فَلِكَذِب راويه وفسقه، لا يَنجَبِر بِتَعدُّدِ طُرُقِه، كمَا مرّ.

стр. 41

الفصل الثالث في الضعيف وهو كُلُّ حديثٍ لم يجتمع فيه شروطُ الصحيحِ، ولا شروط الحسن المُتَقدِّم ذكرُها. وتتفاوت درجاته في الضَّعف، بحسب بُعده من شروط الصِّحة، كما تتفاوت درجات الصحيح بحسب تَمَكُّنِهِ منها. ويجوز عند المحدِّثين وغيرهم، التساهل في أسانيد الضعيف. سوى الموضوع وروايته من غير بيان ضعفه، في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال، لا في صفات الله تعالى، وأحكام الحلال والحرام. روى ابن الصلاح (١)، عن الحَافِظ بن مَنْدَه عن محمد بن سعد (٢)، يقول: كان مِن مَذْهَبِ النَّسائي، أن يُخرج عن كل من لم يُجمع على تركه. وكذلك أبو دَاوُد، يأخذ مأخذه ويخرج الضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. [قال البَزْدَوي (٣): إن الخَبَرَ يَقينٌ بأصله، وإنما دخلت الشُّبهة في نقله

стр. 42

والرأي محتمل بأصله في كُلِّ وَصْفٍ على الخصوص، فكان الاحتمال في الرأي أصلاً وفي الحديث عارضًا] (١). وروى الدارمي (٢)، عن الشعبي قال: «ما حدثك هؤلاء عن النبي ﷺ فَخُذ به». وما قالوه بِرأيهِم فألقه في الحُشِّ. قال شُرَيحٌ: إن السُّنة قد سبقت قياسكم، فاتبع ولا تبتدع، فإنك لن تَضِل ما أخذت من الأثر (٣). وقال الشَّعْبيُّ: إنما الرأيُ بمنزلة المَيْتَة، إذا اضطُرِرتَ إليها أكلتها، رواهما في شرح السنة. [وقال الشافعي ﵁ مهما قُلتُ من قولٍ أو أَصّلتُ من أصلٍ، فيه عن رسول الله ﷺ خِلاف ما قُلت فالقَولُ ما قال ﷺ وهو قولي وجَعَل يُرَدِّده رواه البيهقي في المدخل (٤)] (٥) وهَهُنا عدة اعتبارات لمعانٍ شتَّى، منها ما يشترك فيه الأقسام الثلاثة: أعني الصحيح، والحسن، والضعيف، ومنها ما يختص بالضعيف. فمن الضرب الأول (٦):

стр. 43

المُسْنَد: قال الخطيب (١): هو ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه، وأكثر ما يُستعمل فيما جاء عن النبي ﷺ دون غيره. وقال الحاكم (٢): هو ما اتصل سنده مرفوعا إلى النبي ﷺ . والمُتَّصل: ويُسمَّى أيضا الموصول وهو كل ما اتصل إسناده، وكان كلُّ واحدٍ من رواته قد سمعه ممن فوقه سواء كان مرفوعًا إلى النبي ﷺ أو موقوفًا على غيره. والمَرفُوع: وهو ما أضيف إلى النبي ﷺ خاصةً، من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان متصلاً أو منقطعًا هذا هو المشهور. فقد ظهر من هذا، الفرق بين المسند والمتصل والمرفوع؛ فإن المتصل قد يكون مرفوعًا وغير مرفوع، والمرفوع قد يكون متصلا وغير متصل، وأما المسند على قول الحاكم فينبغي أن يكون متصلاً مرفوعًا.

стр. 44

فرعان الأول: إذا قيل عن الصحابي يرفعه أو يرويه أو ينميه أو يبلغ به، فهو كناية عن رفعه، وحكمه حكم المرفوع صريحًا، كحديث الأعرج عن أبي هريرة " تُقَاتِلُونَ قَومًا صِغَار الأَعْيُن" (١). وكحديثه عن أبي هريرة يبلغ به " النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيشٍ " (٢). الثاني: قول الصحابي "أُمِرنا بكذا أو نُهِينا عن كذا أو من السُنَّة كذا"؛ مرفوع عند أهل الحديث وأكثر أهل العلم، لظهور أن النبي ﷺ هو الآمر، سواء قال الصحابي ذلك في حياة النبي ﷺ أو بعده، وكذا قول الصحابي "كنا لا نرى بأسًا بكذا ورسول الله ﷺ فينا" ونحو ذلك. المُعَنْعَنْ: وهو الذي يقال في سنده: "فلان عن فلان". قال بعض العلماء: هو مرسل، والصحيح الذي عليه جماهير العلماء والمحدثين والفقهاء والأصوليين أنه متصل، إذا أمكن لقاؤه إيَّاه مع براءتهما من التَّدليس، وقد أودعه البخاري ومسلم صحيحيهما، وكذلك غيرهما من مشترطي الصحيح الذين لا يقولون بالمرسل. قال ابن الصلاح (٣): وكثير في عصرنا وما قاربه استعمال"عن" في

стр. 45

الإجازة وإذا قيل: فلان عن رجل عن فلان ونحوه، فقد سماه بعض المعتبرين في الأصول مُرسَلاً. وقال الحاكم (١): لا يسمى مرسلا بل منقطعا. وهذا أقرب. المُعَلَّق: وهو ما حُذِف في مبدأ إسناده واحدٌ فأكثر؛ كقول الشافعي: قال نافع، أو قال مالك: قال ابن عمر أو قال النبي ﷺ ، وكأنه مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق لاشتراكهما في قطع الاتصال. ولم يستعملوه فيما سقط وسط إسناده أو آخره، لتسميتهما بالمنقطع والمرسل، لأن الحذف إما أن يكون في أول الإسناد وهو المعلَّق، أو في وسطه وهو المنقطع، أو في آخره وهو المرسل. ولا يستعمل أيضا في مثل: يُروَى عن فلان ويُذكَر عنه وشبه ذلك على صيغة المجهول، لأنها لا تستعمل في صيغة الجزم. والبخاري أكثر من التعليق في صحيحه، وليس بخارج من قبيل الصحيح وإن كان على صورة المنقطع، فقد يفعل البخاري ذلك لكون الحديث معروفًا من جهة الثقات الذين علَّق عنهم، أو لكونه ذكره متصلاً في موضع آخر من كتابه، أو لسبب آخر لا يصحبه خلل الانقطاع.

стр. 46

الأفراد: وهو قسمان: أحدهما: مفرد عن جميع الرواة، وقد تقدم ذكره في الصحيح. والثاني: مفرد بالنسبة إلى جهته؛ كقولهم تفرد به أهل مكة أو أهل الشام أو تفرد به فلان عن فلان من أهل مكة مثلاً، أو أهل البصرة عن أهل الكوفة، ولا يقتضي شيء من ذلك ضعفًا، إلا أن يراد بتفرد أهل مكة تفرد واحد منهم، فيكون كالقسم الأول. المُدْرَج: وهو أقسام: أحدها: ما أُدرِج في الحديث من كلام بعض رواته، فيرويه مَن بعده متصلاً، يتوهم أنه من الحديث. الثاني: أن يكون عنده متنان بإسنادين. مثاله: رواية سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا ولا تَدَابَرُوا وَلاَ تَنَافَسُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانا " الحديث (١) فقوله ولا تنافسوا أدرجه ابنُ أبي مريم من متن حديث آخر رواه مالك (٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة

стр. 47

وفيه "وَلاَ تَجَسَّسُوا ولاَ تَنَافَسُوا ولا تَحَاسَدُوا ". أو عنده طرق من متن، بسند شيخ غير سند المتن لذلك الشيخ، فيرويهما الراوي عنه بسند واحد، فيلزم إدراج بعض الحديث في بعض من سند واحد والحال أن للحديث إسنادين. الثالث: أن يسمع حديثًا من جماعة مختلفين في سنده أو متنه، فَيُدرِج روايتهم على الاتفاق، ولا يذكر الاختلاف. وَتَعَمُّد كل واحد من الثلاثة حرام. المَشهُور: وهو ما شاع عند أهل الحديث خاصةً دون غيرهم، بأنْ نَقَلَه رواةٌ كثيرون كحديث أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ "قَنَتَ شَهْرًا بَعَدَ الرُّكُوعِ يَدعُو عَلَى رِعلٍ وَذَكْوَان" وهو مخرج في الصحيح (١) فإن له رُواةٌ عن أنس غير أبي مِجْلَز ورُواةٌ عن أبي مجلز غير التيمي، ورُوَاةٌ عن التيمي غير الأنصاري، ولا يعلم ذلك إلا أهل الصنعة، أو عندهم وعند غيرهم كحديث "الأعمال بالنيات" أو عند غيرهم خاصة. قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: أربعة أحاديث تدور في الأسواق، ليس لها أصل في الاعتبار " مَنَ بَشَّرَنِي بِخُرُوجِ آَذَار (٢) بَشَّرتُهُ بِالجَنَّة " و" مَنْ آَذَىَ ذِمِّيًا فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ " و " يَوْمُ نَحْرِكُم يَوم صَوْمِكُم " و" لِلسَّائِلِ حَقٌّ وإِنْ

стр. 48

جَاءَ عَلَىَ فَرَسٍ " انتهى كلامه (١). ومن الضعيف المشهور حديث " طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَىَ كُلِّ مُسلِمٍ" (٢).

стр. 49

[فائدة: البَزْدَوي في القسم الأول المشهور (١): ما كان من الآحاد في الأصل، ثم انتشر، فصار ينقله قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب وهم القرن الثاني والثالث بعد الصحابة ومن بعدهم، فأولئك قوم ثقاة أئمة ولا يُتَّهمون، فصار بشهادتهم وتصديقهم، بمنزلة المتواتر، حُجَّة من حجج الله تعالى. حتى قال الجَصَّاص: إنه أحد قسمي المتواتر، فيمتاز عن المتواتر بأنه يوجب علم طمأنينة، والمتواتر علم يقين.] (٢) الغَريِب والعَزِيز: قال الحافظ بن مَنْدَهْ: الغريب؛ كحديث الزهري (٣) وأشباهه، ممن يُجمَعُ حديثُه لعدالته وضبطه، إذا تفرد عنهم بالحديث رجل، سُمي غريبًا (٤)، فإن رواه عنه اثنان أو ثلاثة؛ سُمي عزيزًا وإن رواه جماعة سُمي مشهورًا. ومن الأفراد ما ليس بغريب [كالأفراد المضافة إلى البلدان، وينقسم الغريب مطلقًا إلى صحيح] (٥) كالأفراد المُخرَّجة في الصحيح، وإلى غير

стр. 50

صحيح وهو الغالب على الغرائب. جاء عن أحمد بن حنبل أنه قال غير مرة: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير، وعامة رواتها الضعفاء (١). وينقسم أيضًا إلى، غريب متنًا وإسنادًا، وهو ما تفرد برواية متنه واحد. وإلى غريب إسنادًا لا متنًا؛ كالحديث الذي متنه معروف عن جماعة من الصحابة، إذا تفرد به واحد بروايته عن صحابي آخر وهو غريب من هذا الوجه، ومن ذلك؛ غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة، وهذا هو الذي يقول به الترمذي: "غريب من هذا الوجه"، ولا يوجد ما هو غريب متنًا لا إسنادًا، إلا إذا اشتهر الحديث المفرد، فرواه عمن تفرد به جماعة كثيرة فإنه يصير غريبًا مشهورًا، وغريبًا متنًا لا إسنادًا، بالنسبة إلى أحد طرفي الإسناد، فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، متصف بالشهرة في طرفه الآخر؛ كحديث "الأعمال بالنيات"، وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف ثم اشتهرت. المُصَحَّف: هذا فَنٌّ جَلِيلٌ، إنما ينهض بأعبائه الحُذَّاق من الحُفَّاظ، والدَّاَرَقُطْنِي منهم وله فيه تصنيف مفيد (٢)، ويكون محسوسًا إما بالبصر أو بالسمع.

стр. 51

والأول إما في الإسناد، كحديث شعبة، عن العوام بن مُرَاجِم بالراء والجيم، صَحَّفَهُ يحيى بن معين، فقال: مزاحم بالزاي والحاء (١). وإما في المتن كحديث؛ "مَنْ صَامَ رَمَضَان وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال" ... فصحف أبو بكر الصولي فقال "شيئًا" بالشين المعجمة. والثاني أيضًا إما في الإسناد كحديث؛ يُروى عن عاصم الأحول رواه بعضهم فقال واصل الأحدب قال الدارقطني (٢): هذا من تصحيف السَّمْعِ لا من تصحيف البصر، لأنه لا يشتبه في الكتابة. وإما في المتن؛ كحديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ في الكُهَّان قر الزجاجة بالزاي وإنما هو الدجاجة بالدال. أو معنى كما حَكَىَ الدارقطني عن أبي موسى محمد بن المثنى العَنَزي أنه قال: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، صلى إلينا رسول الله ﷺ ، يريد ما ثبت في الصحيح "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّىَ إلى عَنَزَة"، وهي حربة صغيرة تُنْصَب بين يديه، فتوهم أنه ﷺ صلَّى إلى قبيلتهم بني عنزة، وهذا تصحيف عجيب، والله أعلم (٣). الإسناد العالي: خصيصة هذه الأمة، وسُنَّة من السنن البالغة، وطلب العلو فيه سُنَّة

стр. 52

أيضا ولذلك استحبت الرحلة، وعلوه يُبعد من الخلل المتطرق إلى كل راوٍ ... والعلو المطلوب في الحديث خمسة أقسام: أحدها: القُرب من رسول الله ﷺ بإسناد صحيح نظيف كثلاثيات البخاري (١). قال محمد بن أسلم الطوسي (٢): قرب الإسناد، قرب أو قربة إلى الله تعالى. الثاني: القرب من إمام كالبخاري من أئمة الحديث، وإن كثر العدد منه إلى رسول الله ﷺ . الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية صحيح البخاري ومسلم أو أحدهما أو غيرهما من الكتب المعتمدة. الرابع: العلو بتقدم وفاة الراوي، قال ابن الصلاح (٣): مثاله ما أرويه عن شيخ، أخبرني به عن واحد، عن البيهقي، عن الحاكم، أعلى من روايتي لذلك عن شيخ، أخبرني به، عن واحد، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم، وإن تساوَى الإسنادان في العدد، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن

стр. 53

خلف بنحو تسع وعشرين سنة. الخامس: العلو بتقدم السماع، وكثير من هذا يدخل في الذي قبله من حيث قُرب الزمان، لا من حيث احتمال حذف الواسطة، لأن الاحتمال في الوفاة أقوى، ومما يمتاز به عنه، أن يسمع شخصان من شيخ، وسماع أحدِهما، من ستين سنة مثلاً، وسماع الآخر من أربعين سنة، هذان وإن تساويا في العدد إليه وعدم الواسطة، فالأول أعلى، لقرب الزمان والله أعلم المُسَلْسَل: وهو ما تتابع فيه رجال الإسناد عند روايته، على صفة أو حالة، أما في الراوي، فصفته قولا؛ كقوله سمعت فلانًا يقول، سمعت فلانًا يقول إلى آخره، ومن ذلك أخبرنا فلان والله قال أخبرنا فلان والله إلى آخره. ومنه حديث"اللَّهُمَّ أّعِنِّي عَلَىَ شُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَحُسْنِ عِباَدَتِكَ"، مسلسل بقولهم "إني أحبك فقل". [وفي رواية أبي داود وأحمد والنسائي (١) "أخذ بيدي فقال إني لأحبك" فيكون من النوعين الفعل والقول وفيها ذكرك مقدم على شكرك. اعلم أن المذكورات الثلاثة، غايات والمطلوب هو البدايات المؤدية إليها فذِكر الغايات، تنبيه على أنها هي المطالب الأولية من البدايات، وإن كانت نهايات وتلك وسائل إليها، فقوله أعنِّي على ذكرك، المطلوب منه شرح

стр. 54

الصدر وقذف النور فيه وتيسير الأمر وإطلاق اللسان، وإلى هذا ألمح قول الكليم ﵇ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ إلى قوله ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾، وقوله وشكرك المطلوب، من توالي النعم وترادف المِنح المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه، عَسِرٌ جدًا ولذلك قال الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقوله وحُسن عبادتك المطلوب منه التجرد عما يشغله عن الله تعالى وعبادته، ليتفرغ لمناجاة الله تعالى ومناغاته كما، أشار إليه سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه بقوله: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، ثم إذا نظرت إلى القرائن الثلاث وترتيبها، وجدتها منتظمة على البدايات والأحوال والمقامات، فحق لذلك أن يقول المرشد عند مصافحة المريد إني لأحبك فقل ربي أعني إلى آخره] (١) ومنه المسلسل الذي ينقطع تسلسله في أواخره؛ كالمسلسل بأول حديث سمعته، أي يقول الصحابي أول حديث سمعته من رسول الله ﷺ هذا، ويقول التابعي أول حديث سمعته من الصحابي هذا، وهو يرويه عن رسول الله ﷺ وهلم جرَّا، ولا يسلم هذا القيد في الأواخر. أو فعلاً كحديث التَّشبِيك باليد، وحديث العَدّ في اليد وأشباههما (٢). وأما في الرواية؛ كالمسلسل باتفاق أسماء الرواة، وأسماء آبائهم، أوكُنَاهُم أو أنسابهم، أو بلدانهم.

стр. 55

قال الشيخ محيي الدين النواوي (١): وأنا أروي ثلاثة أحاديث مُسَلْسَلَة بالدِّمَشقِيين، وكالمسلسل باتفاق الصفة، كحديث الفقهاء فقيه عن فقيه "المتبايعان بالخيار". قال ومن القسمين حديث أبي ذر: "يَا عِبَادِي كَلُّكُم ضَالٌّ إِلاَّ مَن هَدَيْته" الحديث مخرج في صحيح مسلم (٢)، وقع لي مسلسلاً باليد، ورويناه بإسناد كلهم دِمَشقيُون وأنا دِمَشْقِي، وهذا نادر في هذه الأزمان، وأفضل ذلك ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، ومن فضيلة التَّسلسُل؛ اشتماله على مزيد الضبط. زيادة الثقة: معرفتها فَنٌ لطيف، قال ابن الصلاح (٣): ما انفرد به الثقة ثلاثة أقسام: أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًا لما رواه سائر الثقات، فهذا حكمه الرد كالشَّاذ وثانيها: أن لا يكون فيه منافاة ولا مخالفة أصلاً لما رواه غيره؛ كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقةٌ، ولم يتعرض فيه لِما رواه الغير بمخالفة أصلاً فهذا مقبول، وقد ادَّعى الخطيب (٤) فيه اتفاق العلماء عليه. وثالثها: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها

стр. 56

سائر من روى ذلك الحديث؛ مثاله حديث "وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسجِدًا وجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا " (١)، فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي وسائر الروايات لفظها "وجُعِلَت لَنَا الأرضُ مَسجِدًا وطَهُورًا " (٢). فهذا وما أشبهه، يشبه القسم الأول، من حيث إن ما رواه الجماعة عام أي يتناول الحَجَر والرَّمل والتُّراب، وما رواه المنفرد بالزِّيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة، يختلف به الحكم ويشبه أيضا القسم الثاني، من حيث إنه لا منافاة بينهما. قال الخطيب (٣): مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث أن الزيادة من الثقة مقبولة، إذا انفرد بها، سواءٌ كانت من شخص واحد، بأن رواه مرة ناقصًا وأخرى زائدًا، أم كانت من غير من رواه ناقصًا خِلافًا لمن ردَّ ذلك مُطلَقًا من أهل الحديث، ولمن ردَّها منه وقَبِلَها من غيره، وإذا أسنده وأرسلوه أو وصَله وقطعوه أو رفعه ووَقَفُوه، فهو كالزيادة. وقيل: الإرسال نَوعُ قَدحٍ في حديث الواصل، فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل، ويُجاب عنه؛ بأن الجرح قُدِّم لما فيه من زيادة العلم، والزيادة ههنا مع مَن وَصَل.

стр. 57

الاعتِبَار: وهو النظر في حال الحديث، هل تفرد به راويَه أم لا؟ وهل هو معروف أم لا؟ وطريق الاعتبار في الأخبار أن يُقال مثلاً: روى حمَّادُ بن سَلمةَ عن أيوب عن ابن سِيِرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فإذا نُظِر أنَّ حمَّادًا رواه، ولم يُتَابَع عليه، فيُنظر هل روى ذلك ثقةٌ غير أيوب عن ابن سيرين؟ فإن لم يوجد ذلك، فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة، وإلا فصحابي غير أبي هريرة، رواه عن النبي ﷺ ، فأيُّ ذلك وُجِد، يُعلَم به أن للحديث أصلاً يُرجع إليه، وتُسَمَّى هذه متابعة غير تامة. وإذا نُظِر أن هذا الحديث بعينه، رواه أحدٌ عن أيوب غير حماد، قيل هذه متابعة تامة، وقد تُسَمَّى الأولى بالشاهد أيضا، فإن لم يرو ذلك الحديث أصلاً من وجه من الوجوه المذكورة، لكن رُوي حديث آخر بمعناه، فذلك الشاهد من غير متابعة، فإن لم يرو أيضا بمعناه حديث آخر، فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ (١). مثال المتابعة، والشاهد: حديث سُفيان بن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار عن عطاء، عن ابن عباس، في حديث الإهاب، "لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانتَفَعُوا بِهِ" ورواه ابن جريج عن عمرو، ولم يذكر الدِّبَاغ، فذكر البيهقي (٢) لحديث ابن عيينة متابعًا وشاهدًا، فالمُتابع أسامة بن

стр. 58

زيد (١) تابع عَمْرًا عن عطاء عن ابن عباس "أَلاَ نَزَعْتُم جِلْدَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعتُم بِهِ". والشاهد حديث عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ ... "أيُّمَا إهابٍ دُبغ فقد طَهُر". ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يُحتج بحديثه وحده، بل يكون معدودًا في الضعفاء، وفي كتاب البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء، ذَكَراهم في المتابعات والشواهد. وليس كل ضعيف يصلح لذلك، ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء فلان يعتبر به، وفلان لا يعتبر به. مُخْتَلِف الحديث: وهو أن يوجد حديثان متضادان في المعنى في الظاهر، فيُجمع بينهما أو يُرجَّح أحدهما، وهو فن مهم يضطر إليه جميع طوائف العلماء، وإنما يملك القيام به الأئمة من أهل الحديث والفقه والأصول الغواصون على المعاني والبيان، وقد صنف الإمام الشافعي ﵀ فيه كتابه المعروف به (٢) ولم يقصد استيعابه، بل ذكر جملةً تُنبِّه العارف على طريق الجمع بين الأحاديث في غير ما ذكره، ثم صَنَّف فيه ابنُ قُتَيبة فأحسن في بعضٍ.

стр. 59

ومن جمع الأوصاف المذكورة لم يشكل عليه شيء من ذلك. قال ابن خُزَيمة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأتني لأؤلِّف بينهما (١). والمختلِفُ قسمان: أحدهما يمكن الجمع بينهما فَيَتَعيَّن المصير إلى ذلك، ويجب العمل بهما كحديث "لا عَدوَى" وحديث "لا يورِد مُمرِضٌ على مُصِح". ووجه الجمع؛ أنه ﷺ نَفَى في الأوَّلِ ما كان يعتقده الجاهلي، من أنَّ ذلك يُعدِي بِطَبعِه، ولهذا قال "فَمَنْ أَعْدَىَ الأَوَّل". وفي الثاني، أَعلَم بأن الله جعل ذلك سببًا لذلك، وحذَّر من الضَّرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله. والثاني لا يمكن الجمع بينهما. فإن علِمنا أن أحدهما نَاسِخٌ قدَّمناه، وإلا عَمِلنا بالرَّاجح منهما؛ كالتَّرجيح بصفات الرواة وكَثرتِهم في خمسين وجهًا من أنواع الترجيح، جمعها الحافظ الإمام أبو بكر الحازمي، في كتابه الناسخ والمنسوخ (٢).

стр. 60

النَّاسِخ وَالمَنْسُوخ: الناسخ، كل حديث دلَّ على رفع حُكم شرعي سابق، ومنسوخه كل حديث رُفِع حُكمُه الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، وهذا فن صعب مهم كان للشافعي ﵀ فيه يَدٌ طُولَى، وسَابِقَةٌ أُولى. وأدخل بعض أهل الحديث فيه ما ليس منه، لخفاء معناه [وقد تكلم الناس في حدِّ النَّسخ، ومن أجود حدٍّ فيه؛ قولهم: رفع حُكمٍ شَرعي بِدَليلٍ شَرعي مُتأخِر] (١). وهذا النَّوعُ منه ما يُعرف بنص النبي ﷺ مثل "كُنْتُ نَهَيتُكُم عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ، فَزُورُوهَا" (٢). ومنه ما عُرف بقول الصحابي مثل "كَانَ آَخِر الأَمْرَينِ مِنْ رسوُلِ اللهِ ﷺ تَركُ الوضُوءِ مِمَّا مَسَّتهُ النَّار" (٣). ومنه ما عُرف بالتاريخ كحديث "أَفْطَرَ الحَاجِم وَالمحجُوم" (٤). وحديث "احْتَجَمَ وَهُو صَائِمٌ" (٥)، بيَّن الشافعي ﵀ أن الأول كان

стр. 61

سنة ثمان والثاني سنة عشر. ومنه ما عُرِف بالإجماع كحديث "قتل شارب الخمر في الرابعة" (١) عُرِف نسخهُ بالإجماع على خلافه، والإجماع لا ينسخ، وإنما يدل على النسخ. غَرِيبُ اللَّفْظِ وفِقهِهِ: أما غريبه: فهو ما جاء في المتن من لفظ غامض بعيد الفَهم، لقلة استعماله وهو فن مُهم يجب أن نَتَثَبَّت فيه أشد تَثبُّت. وقد أكثر العلماء التصنيف فيه، قيل أول من صنَّف فيه: النَّضر بن شُمَيل (٢) وقيل أبو عبيدة معمر (٣) وبعدهما أبو عُبيد القاسم بن سلاَّم (٤) ثم ابن قتيبة (٥) ما فاته المصنفات.

стр. 62

ثم الخطَّابي (١) ما فاتهما، فهذه أمهاته، ثم تبعهم غيرهم بزوائد وفوائد كالنهاية لابن الأثير فإنه بلغ النهاية والفائق للزمخشري فإنه فائق على كل غاية ونرجو أن يكون الكشف عن حقائق السنن (٢) قد أجاد في القبيلين الغريب والفقه، وأنعم في المعاني والدَّقائق، وينبغي ألا يقلد فيه إلا مصنف إمام جليل، وأجود ما جاء منه مفسرًا في رواية أخرى. وأما فقهه: فهو ما تضمنه من الأحكام والآداب المستنبطة منه وهذه آداب الفقهاء الأعلام كالأئمة الأربعة ﵃. وفي هذا الفن مصنفات كثيرة؛ كمعالم السُّنَن للخطابي (٣) والتَّمهيد (٤) لابن عبد البر فذلك ثمانية عشر نوعًا.

стр. 63

والضرب الثاني (١)، فيما يختص بالضعيف: المَوْقُوف: وهو عند الإطلاق: ما رُوي عن الصحابي من قول أو فعل، أو نحو ذلك متصلاً كان السند أو منقطعًا. وقد يستعمل في غير الصحابي مقيَّدًا مثل: وَقَفَهُ مَعْمَرٌ عَلَىَ هَمَّام، وَوَقَفَهُ مَالِكٌ عَلَىَ نَافِعٍ، وبعض الفقهاء يُسمي الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر وأما أهل الحديث فيطلقون الأثر عليهما. قال ابن الأثير في الجامع (٢): الموقوف على الصحابي، قَلَّ ما يخفى على أهل العلم، وذلك أن يُروى الحديث مُسنَدًا إلى الصحابي، فإذا بلغ إلى الصحابي قال: إنه كان يقول كذا وكذا أو كان يفعل كذا وكذا أو كان يأمر بكذا وكذا، ونحو ذلك. فروع الأول: قَولُ الصَّحابي كُنَّا نَفعَلُ كذا، إن أضافه إلى زمن النبي ﷺ ، فالصحيح أنه مرفوع، وبه قطع الحاكم (٣) والجمهور، لأن الظاهر أنه ﷺ اطَّلع عليه وقَرَّره فإن لم يُضِفْهُ إلى زمن النبي ﷺ ، فهو موقوف.

стр. 64

وقول الحاكم والخطيب (١) في حديث المغيرة "كان أصحابُ النَّبي ﷺ يَقْرَعُون بَابَه بِالأَظَافِير"، إنه موقوف، ليس كذلك، بل هو مرفوع في المعنى ولعل مرادهما أنه ليس مرفوعًا لفظًا (٢). الثاني: تفسير الصحابي موقوفٌ، ومن قال مرفوع فهو في تفسيرٍ يتعلق بسبب نزول آية؛ كقول جابر كانت اليهود تقول كذا فأنزل الله كذا ونحو ذلك (٣). الثالث: الموقوف وإن اتصل سنده ليس بحجة عند الشافعي ﵀ وطائفة من العلماء، وحجة عند طائفة. المَقْطُوع: وهو ما جاء من التابعين من أقوالهم وأفعالهم موقوفًا عليهم. واستعمله الشافعي ﵀، وأبو القاسم الطبراني في المنقطع، وسيأتي

стр. 65

بيانه وكلاهما ضعيف ليس بحجة. المُرْسَل: وهو قول التابعي الكبير قال رسول الله ﷺ كذا أو فعل كذا، فهو مرسل باتِّفاقٍ. وأمَّا قَولُ مَن دون التابعي قال رسول الله ﷺ ، فاختلفوا في تسميته مرسلاً فقال الحاكم (١)، وغيره من أهل الحديث: لا يسمى مرسلاً. قالوا والمرسل مختص بالتابعي عن النبي ﷺ ، فإن كان الساقط واحدًا سُمي منقطعًا، وإن كان اثنين فأكثر سُمي مُعْضَلاً ومنقطعًا أيضا. والمعروف في الفقه وأصوله أن كلَّ ذلك يُسمى مُرسَلاً وبه قطع الخطيب (٢) قال: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال، رواية التابعي عن النبي ﷺ . فروع الأول: قيل يُحتج بالمرسل مطلقًا، وردَّه قومٌ مطلقًا، والأَوْلى إن صح مخرجه لمجيئه من وجه آخر مُسندًا عن غير رجال الأول، فهو حُجَّةٌ وعليه جماهير العلماء والمحدثين. ولذلك احتج الشافعي بمراسيل ابن المسيب لَمَّا وُجدت مسانيد من

стр. 66

وجوه أُخَر، لا يختص ذلك عنده بمراسيل سعيد كما يتوهمه بعض الفقهاء من أصحابنا، فإن قيل إذا وُجد المسند فالعمل به لا بالمرسل، قلنا المرسل الذي يُعمل به، ما كان راويه ثقة متقِنًا، ليس فيه إلا الإرسال، بخلاف المسند فإن راويَه ليس كراوِيِه، فَجَعْلُ الأول أصلاً والثاني تابعًا أولى من عكسه. ونقل البيهقي وغيره عن الشافعي أن المرسل إن أسنده حافظ بذلك الإسناد غير مرسل وأرسله عن غير شيوخ الحديث الأول أو عضده قول الصحابي أو فتوى أكثر العلماء أو عُرِف أنه لا يرسل إلا عن عدلٍ، قُبِل (١). قال البيهقي أيضًا (٢): الشافعي ﵁ يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، ولا يقبلها إذا لم ينضم إليها ما يؤكدها، سواء كان مرسل ابن المسيب أو غيره. والثاني: إذا روى ثقةٌ حديثًا مرسلاً، ورواه غيره متصلاً؛ كحديث ... "لا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليٍّ" (٣). رواه إِسرائيلُ وجماعةٌ [عن أبي إسحاق] (٤) عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي ﷺ ، [ورواه الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي

стр. 67

- ﷺ ] (١) فقد حكى الخطيب (٢) عن أكثرهم: أن الحكم للمرسل وهذا لا يقدح في عدالة الواصل وأهليته على الأصح، وقيل يقدح فيهما. والثالث: مرسل الصحابي، وهو ما رواه ابنُ عباس وابنُ الزبير وشبههما من أحداث الصحابة، عن رسول الله ﷺ ، ولم يسمعوه منه، فحكمه حكم المتصل، لأن الظاهر أن يكون روايتهم ذلك من الصحابة، والصحابة كلهم عدول، وحكى الخطيب وغيره عن بعض العلماء، أنه لا يحتج به كمرسل غيرهم، إلا أن يقول: لا أروي إلا ما سمعته من رسول الله ﷺ أو عن صحابي، لأنه قد يروي عن غير صحابي، وهذا مذهب الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (٣)، والصواب المشهور، أنه يُحتَج به مطلقًا، لأن روايتهم عن غير الصحابة نادرة، وإذا رووا عن التابعي بينوها (٤). المُنْقَطِع: الصحيح عند الجمهور، هو الذي لم يتصل إسناده على أي وجه كان سواء ترك ذكر الراوي من أول الإسناد أو وسطه أو آخره.

стр. 68

إلا أن أكثر ما يُوصَف بالانقطاع في الاستعمال، رواية مَن دون التابعي عن الصحابي؛ كمالك عن ابن عمر ﵄. وقال الحاكم (١): هو ما اختل فيه قبل الوصول إلى التابعي رجل سواء كان محذوفًا [كالشافعي عن نافع عن ابن عمر أسقط مالكًا] (٢). أو مذكورًا مبهمًا كمالك عن رجلٍ عن ابن عمر ﵄. وحَكى الخطيب (٣)، عن بعض العلماء: أن المنقطع هو ما رُوي عن التابعي أو ما دونه موقُوفًا عليه من قول أو فعل وهذا غريب بعيد. ويعرف الانقطاع لمجيئه من وجه آخر بزيادة رجل أو أكثر. صورته، حديث واحد له إسنادان في أحدهما زيادة رجل أو أكثر، فإن عرف أن ذلك الحديث لا يتم إسناده إلا مع تلك الزيادة فالآخر منقطع وإن لم يعرف فيُحتمل أن يكون متصلاً. المُعْضَل: يقال أعضله فهو مُعضَل بفتح الضاد، وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعدًا كقول مالك: قال رسول الله ﷺ ، وكقول الشافعي: قال ابن عمر ﵄.

стр. 69

وعن الحافظ أبي النصر السِّجْزِي (١)، أن قول الراوي بَلَغَنِي، يُسمى معضلاً كقول مالك: بلغني عن أبي هريرة ﵁ (٢). فرع إذا وقف تابعُ التابعيِّ حديثًا على التابعي وهو مرفوع متصل عند ذلك التابعي، فقد جعله الحاكم (٣) نوعًا من المعضل. نحو قول الأعمش عن الشعبي "يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا" الحديث فقد رواه الشعبي عن أنس (٤)، وأعضله الأعمش لأن التابعي أسقط اثنين، الصحابي والرسول ﷺ . قلت: لا يجوز أن يُنسَب هذا القول إلى التابعي ويُوقَف عليه لأن مثل هذا لا يَصدُر عن التابعي استقلالاً، بل لا بد فيه من السَّماع من صاحب الوحي ﵇. الشَّاذ والمُنْكَر: قال الشافعي: هو ما رواه الثقة مخالفا لما رواه الناس (٥).

стр. 70

وقال الخليلي (١): هو ما ليس له إلا إسنادٌ واحد، شذَّ به شيخٌ ثقة كان، أو غير ثقة، فما كان من غير ثقة فمتروك، وما كان عن ثقة فَيُوقَف فيه ولا يحتج به. وهذا يشكل بحديث الأعمال بالنيات إذ تفرد به يحيى عن التيمي، والتيمي عن علقمة، وعلقمة عن عُمر، وعُمر عن النبي ﷺ وهو مخرجٌ في الصحيحين قال ابن الصلاح (٢): ما حاصله أن الأَوْلى التفصيل، فما خالف مُفرِدُه أحفظَ منه وأضبط، فشاذٌّ مَردُود، وإن لم يخالف وهو عدل ضابط، فصحيح. أو غير ضابط ولا يَبعُد عن درجة الضَّابط، فحسن، وإن بعد فشاذ مُنكَر. قال القاضي ابن جماعة (٣):هذا التَّفصِيلُ حَسَنٌ، لكن أخلَّ في التقسيم الحاصِر أحد الأقسام، وهو حُكمُ الثِّقةِ الذي خالفَه ثِقةٌ مِثلُه فإنَّهُ مَا بَيَّن ما حُكمُهُ. أقول: قوله أحفظ منه وأضبط على صيغة التفضيل، يدل على أن المخالف إن كان مثله لا يكون مردودًا، وقد عُلِم من هذا التقسيم أن المنكر

стр. 71

ما هو. المُعَلَّلُ: اعلم أن معرفة عِلل الحديث من أجلِّ علومِه وأدقِّها، وإنما يتمكن من ذلك أهل الحفظ والخبرة والفَهم الثاقب، وهو عبارة عن أسبابٍ خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المُعَلَّل: هو الذي اطُّلِع فيه على ما يقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه، ويَتَطَرق ذلك إلى الإسناد الجامع لشروط الصحة ظاهرًا، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تُنِبّه العارف على إرسالٍ في الموصول، أو وقفٍ في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهمِ واهم، أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه، فكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجِد ذلك فيه من الحديث. والطريق في معرفة عِلة الحديث؛ أن نجمع طُرُقَه فننظر في اختلاف رواته وحفظهم وإتقانهم، وكثيرًا ما يُعلِّلُون الموصول بالمرسل، بأن يجيء الحديث بإسناد موصولاً وبإسناد أقوى منه مرسلاً، فَيُوهم أن الواصل غير ضابط. وقد تقع العلة في الإسناد والمتن، والأول أكثر، فما وقع في الإسناد يقدح في المتن، وما وقع في المتن يقدح في الإسناد والمتن جميعًا؛ كالتَّعليل بالإرسال والوقف. وقد يقدح في الإسناد خاصة؛ كحديث يَعْلَى بن عُبَيد عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ " البَيِّعان بالخيار" (١)، وهذا إسناد

стр. 72

متصل عن العدل الضابط، فهو مُعلَّل غير صحيح والمتن صحيح، والعِلَّة في قوله عمرو بن دينار، إنما هو أخوه عبد الله بن دينار، هكذا رواه الأئمة من أصحاب الثوري عنه (١). فوهِمَ يَعْلَى، وابنا دينار ثقتان. ومثال العلة في المتن ما انفرد مسلمٌ بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المُصرِّح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٢). فعلَّل قومٌ هذه الرواية، بأن نَفيَ مسلم البسملة صريحًا، إنما نشأ من قوله [كانوا يفتتحون بالحمد، فذهب مسلم إلى المفهوم وأخطأ، وإنما معنى الحديث] (٣) أنهم كانوا يفتتحون بسورة يُذكر فيها الحمد لله، كما يقال قرأت البقرة، ثم انضم إلى هذا أمور منها، أنه ثبت عن أنس أنه سُئِل عن الافتتاح بالبسملة؟ فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ . أقول: في قول ابن الصلاح (٤) فعلل قوم هذه الرواية، إشارة إلى أنه غير راضٍ عن تخطئتهم مُسْلِمًا، وذلك أن المذكور في المتفق عليه عن أنس قال: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" وفي رواية "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄

стр. 73

كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها". وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) عن عبد الله بن مُغَفَّل قال:" سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني مُحدَث إيَّاك والحَدَث وقد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان ﵃ فلم أسمع منهم أحدًا يقولها فلا تَقُلها، إذا أنت صلَّيت فقل الحمد لله رب العالمين " فأين العِلة، ولَعلَّ المُعَلِّل مالَ إلى مذهبه، والإِذعانُ للحقِّ أحقُّ من المراء. واعلم أنه قد يُطلق اسمُ العلة على غير ما قدمناه؛ كالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحوها، وقد سَمَّى الترمذي النسخ علة. وأطلق بعضهم اسم العلة على مخالفةٍ لا تقدح؛ كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال من الصحيح ما هو صحيح مُعلَّل كما قال آخر من الصحيح ما هو صحيح شاذ والله أعلم. المُدَلَّس: ما أُخفِيَ عَيْبُه. هو قسمان: أحدهما: ما يقع في الإسناد وهو: أن يَروي عمَّن لقيه أو عاصره ما لم

стр. 74

يسمعه منه مُوهِمًا أنه سمعه منه، ومن شأن من هو كذلك أن لا يقول في ذلك: حدثنا ولا أخبرنا وما أشبههما حتى يكون مُدلِسًا بل يقول: قال فلان أو عن فلان أو نحو ذلك، ثم قد يكون بينهما واحد فأكثر. قال الخطيب (١): وربما لم يُسقِط المُدلس شيخَه لكن يُسقِط من بعده رجُلاً ضعيفًا أو صغير السن، يُحسِّن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وغيرهما يفعلون هذا النوع. والثاني: ما يقع في الشيوخ وهو: أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه فيُسميه أو يُكَنِّيه أو ينسبه أو يَصِفَهُ بما لا يُعرف به كي لا يُعرف. أما القسم الأول فمكروه جدًا، ذمَّه أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له. ثم اختلفوا في قَبُول رواية من عُرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا لا تُقبَل روايته، بيَّن السماع أولم يبيِّن. والصحيح التفصيل فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فحكمه حكم المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مُبيِّن للاتصال كسمعت وأخبرنا وحدثنا وأشباهها فهو مقبول محتج به، وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا كقتادة (٢)،

стр. 75

والأعمش (١)، والسفيانين (٢) وهُشَيمٍ (٣)، وغيرهم، وهذا لأن التدليس ليس كَذِبًا. ثم الحكم بأنه لا يُقبل من المدلس حتى يبيِّن، أجراه الشافعي ﵀ فيمن عرفناه دلَّس مرة (٤). قال الشيخ محيي الدين (٥): ما كان في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة من التدليس بعن، فمحمول على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى. وأما القسم الثاني فأمره أخف، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعير لطريق معرفة حاله، ويختلف الحال في كراهيته بحسب الغرض الحامل عليه، فقد يحمله كون شيخه الذي غيَّر سِمَته غير ثقة، أو أصغر من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه، فلا يحب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة.
следующие страницы →