ما هو.
المُعَلَّلُ:
اعلم أن معرفة عِلل الحديث من أجلِّ علومِه وأدقِّها، وإنما يتمكن من ذلك أهل الحفظ والخبرة والفَهم الثاقب، وهو عبارة عن أسبابٍ خفية غامضة قادحة فيه، فالحديث المُعَلَّل: هو الذي اطُّلِع فيه على ما يقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه، ويَتَطَرق ذلك إلى الإسناد الجامع لشروط الصحة ظاهرًا، ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تُنِبّه العارف على إرسالٍ في الموصول، أو وقفٍ في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهمِ واهم، أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه، فكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجِد ذلك فيه من الحديث.
والطريق في معرفة عِلة الحديث؛ أن نجمع طُرُقَه فننظر في اختلاف رواته وحفظهم وإتقانهم، وكثيرًا ما يُعلِّلُون الموصول بالمرسل، بأن يجيء الحديث بإسناد موصولاً وبإسناد أقوى منه مرسلاً، فَيُوهم أن الواصل غير ضابط.
وقد تقع العلة في الإسناد والمتن، والأول أكثر، فما وقع في الإسناد يقدح في المتن، وما وقع في المتن يقدح في الإسناد والمتن جميعًا؛ كالتَّعليل بالإرسال والوقف.
وقد يقدح في الإسناد خاصة؛ كحديث يَعْلَى بن عُبَيد عن الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ " البَيِّعان بالخيار" (١)، وهذا إسناد
стр. 72
متصل عن العدل الضابط، فهو مُعلَّل غير صحيح والمتن صحيح، والعِلَّة في قوله عمرو بن دينار، إنما هو أخوه عبد الله بن دينار، هكذا رواه الأئمة من أصحاب الثوري عنه (١).
فوهِمَ يَعْلَى، وابنا دينار ثقتان.
ومثال العلة في المتن ما انفرد مسلمٌ بإخراجه في حديث أنس، من اللفظ المُصرِّح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (٢).
فعلَّل قومٌ هذه الرواية، بأن نَفيَ مسلم البسملة صريحًا، إنما نشأ من قوله [كانوا يفتتحون بالحمد، فذهب مسلم إلى المفهوم وأخطأ، وإنما معنى الحديث] (٣) أنهم كانوا يفتتحون بسورة يُذكر فيها الحمد لله، كما يقال قرأت البقرة، ثم انضم إلى هذا أمور منها، أنه ثبت عن أنس أنه سُئِل عن الافتتاح بالبسملة؟ فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئًا عن رسول الله ﷺ .
أقول: في قول ابن الصلاح (٤) فعلل قوم هذه الرواية، إشارة إلى أنه غير راضٍ عن تخطئتهم مُسْلِمًا، وذلك أن المذكور في المتفق عليه عن أنس قال: "صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم" وفي رواية "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄
стр. 73
كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ولا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها".
وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه (١) عن عبد الله بن مُغَفَّل قال:" سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني مُحدَث إيَّاك والحَدَث وقد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان ﵃ فلم أسمع منهم أحدًا يقولها فلا تَقُلها، إذا أنت صلَّيت فقل الحمد لله رب العالمين " فأين العِلة، ولَعلَّ المُعَلِّل مالَ إلى مذهبه، والإِذعانُ للحقِّ أحقُّ من المراء.
واعلم أنه قد يُطلق اسمُ العلة على غير ما قدمناه؛ كالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحوها، وقد سَمَّى الترمذي النسخ علة.
وأطلق بعضهم اسم العلة على مخالفةٍ لا تقدح؛ كإرسال ما وصله الثقة الضابط، حتى قال من الصحيح ما هو صحيح مُعلَّل كما قال آخر من الصحيح ما هو صحيح شاذ والله أعلم.
المُدَلَّس:
ما أُخفِيَ عَيْبُه.
هو قسمان:
أحدهما: ما يقع في الإسناد وهو: أن يَروي عمَّن لقيه أو عاصره ما لم
стр. 74
يسمعه منه مُوهِمًا أنه سمعه منه، ومن شأن من هو كذلك أن لا يقول في ذلك: حدثنا ولا أخبرنا وما أشبههما حتى يكون مُدلِسًا بل يقول: قال فلان أو عن فلان أو نحو ذلك، ثم قد يكون بينهما واحد فأكثر.
قال الخطيب (١): وربما لم يُسقِط المُدلس شيخَه لكن يُسقِط من بعده رجُلاً ضعيفًا أو صغير السن، يُحسِّن الحديث بذلك، وكان الأعمش والثوري وغيرهما يفعلون هذا النوع.
والثاني: ما يقع في الشيوخ وهو: أن يروي عن شيخ حديثًا سمعه فيُسميه أو يُكَنِّيه أو ينسبه أو يَصِفَهُ بما لا يُعرف به كي لا يُعرف.
أما القسم الأول فمكروه جدًا، ذمَّه أكثر العلماء وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له.
ثم اختلفوا في قَبُول رواية من عُرف بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا لا تُقبَل روايته، بيَّن السماع أولم يبيِّن.
والصحيح التفصيل فما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فحكمه حكم المرسل وأنواعه، وما رواه بلفظ مُبيِّن للاتصال كسمعت وأخبرنا وحدثنا وأشباهها فهو مقبول محتج به، وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدًا كقتادة (٢)،
стр. 75
والأعمش (١)، والسفيانين (٢) وهُشَيمٍ (٣)، وغيرهم، وهذا لأن التدليس ليس كَذِبًا.
ثم الحكم بأنه لا يُقبل من المدلس حتى يبيِّن، أجراه الشافعي ﵀ فيمن عرفناه دلَّس مرة (٤).
قال الشيخ محيي الدين (٥): ما كان في الصحيحين وغيرهما من الكتب الصحيحة من التدليس بعن، فمحمول على ثبوت سماعه من جهةٍ أخرى.
وأما القسم الثاني فأمره أخف، وفيه تضييع للمروي عنه، وتوعير لطريق معرفة حاله، ويختلف الحال في كراهيته بحسب الغرض الحامل عليه، فقد يحمله كون شيخه الذي غيَّر سِمَته غير ثقة، أو أصغر من الراوي عنه، أو كونه كثير الرواية عنه، فلا يحب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة.
стр. 76
وتَسَمَّح بهذا القِسم الخطيب أبو بكر (١)، وغيره من المصنفين.
المُضْطَّرِب:
وهو الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه، وبعضهم على وجهٍ آخر مخالفٍ له، وإنما نُسمِّيه مضطربًا؛ إذا تساوت الروايتان، فإن ترجَّحَت إحديهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح، بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك، فالحكم للراجح ولا يكون حينئذٍ مضطربًا.
والاضطراب قد يقع في السند أو المتن، إما من راوٍ أو من رُواةٍ.
المَقْلُوب:
وهو نحو حديث مشهور، عَن سَالِمٍ، جُعِل عن نافع، ليصيرَ بذلك غريبًا مرغوبًا فيه.
روِّينا أن البخاري قدم بغداد، فاجتمع قومٌ من أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه، فلمَّا فرغوا من إلقائها، التفت إليهم، فردَّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلَّ إسناد إلى متنه، فأذعنوا له بالفضل (٢).
стр. 77
المَوْضُوع:
وهو المُخْتَلَق.
اعلم أن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يجب تصديقه، وهو ما نصَّ الأئمة على صحته.
وقسم يجب تكذيبه، وهو ما نصُّوا على وضعه.
وقسم يجب التوقف فيه، لاحتماله الصدق والكذب، كسائر الأخبار فإنه لا يجوز أن يكون كله كذبًا، لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن تكون كلها كذبًا مع كثرة رواتِها واختلافهم، ولا أن تكون كلها صدقًا، لأن النبي ﷺ قال سَيُكذَبُ عليَّ بعدي، ولأن الأئمة كذَّبُوا جماعة من الرواة وحذفوا أحاديث كثيرة علموا كذبها، فلم يعملوا بها فلا يَحِلُّ رواية الموضوع لأحد عَلِم حاله في أي معنى كان، إلا مقرونًا ببيان وضعه بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن، حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب على ما مر.
وإنما يُعرف كون الحديث موضوعًا بإقرار واضعه (١)، أو ما ينزل منزلة إقراره ويفهم الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي، فقد وُضِعت أحاديث طويلة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها.
стр. 78
قال ابن الصلاح (١): ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين، فأودع فيهما كثيرًا، مما لا دليل على وضعه، وإنما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة.
قال الشيح محيي الدين (٢): وهذا المذكور هو أبو الفرج ابن الجوزي والواضعون للحديث أصناف وأعظمهم ضررًا قوم منتسبون إلى الزهد وضعوا الحديث احتسابًا لزعمهم الباطل فَيَقْبَلُ الناسُ موضوعاتهم ثقة بهم وركونًا إليهم.
ووضعت الزنادقة أيضًا جُملاً من الحديث، ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عَوَارِهَا ومَحْوِ عَارِهَا والحمد لله، وقد ذهبت الكرَّاميَّة والطائفة المبتدعة إلى جواز وضع الحديث في الترغيب والترهيب وهو خلاف إجماع المسلمين الذين يُعتَدُّ بهم في الإجماع.
ثم إن الواضع ربما صنع كلامًا من عند نفسه فروى مسندًا، وربما أخذ كلام بعض الحكماء فرواه عن رسول الله ﷺ ، وربما غلط إنسان فوقع في شبه الوضع من غير تعمُّد.
كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث "من كثُرَت صلاته بالليل حَسُنَ وجْهُهُ بالنهار" (٣) قيل كان شيخ يحدث في جماعة فدخل رجل حسن
стр. 79
الوجه فقال الشيخ في أثناء حديثه من كثرت صلاته بالليل إلى آخره فوقع لثابت بن موسى أنه من الحديث فرواه.
ما روينا عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم (١) أنه قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورةً فسورة؟
فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ﵀، ومغازي محمد بن إسحاق، فَوَضعتُ هذه الأحاديث حِسبةً.
وهكذا حال الحديث الطويل الذي يُروى عن أُبيِّ بن كعب عن النبي ﷺ في فضائل القرآن سورة فسورة، بَحَثَ بَاحِثٌ عن مَخرَجِهِ حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه، وإن أثر الوضع لَبيِّنٌ عليه (٢).
ولقد أخطأ الواحدي المُفَسِّر، وغيره من المفسرين في إيداعهم تفاسيرهم.
[ومما أودعوه فيها أنه ﷺ لما بلغ في قراءته إلى قوله تعالى: ... ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٣) ألقى الشيطان في أُمنيتِه إلى أن قال: تِلْكَ الغَرَانيِق العُلى وإنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لتُرْتَجَى.
قال الإمام في تفسيره (٤) رُوي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة أن هذه
стр. 80
القصة من وضع الزنادقة وطعن فيها البيهقي أيضًا.
وروى الشيخ محيي الدين (١): عن القاضي عِيَاض أنها باطلة لا تصح عقلاً ولا نقلاً.
وذكر أبو منصور المَاتُرِيدِي: أنها من جملة إيحاء الشيطان إلى أوليائه من الزنادقة حتى يلقوا بين أرقَّاء الدين ليرتابوا في صحة الدين القويم، وقيل إنها من مفتريات ابن الزِّبَعْرَى.] (٢)
وروى مسلم في صحيحه (٣) بإسناده عن الأعمش عن أبي إسحاق قال لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي ﵁ قال رجل من أصحاب علي ﵁ قاتلهم الله أيّ علمٍ أفسدوا.
قال الشيخ محيي الدين (٤): أشار بذلك إلى ما أدخله الشيعة في علم عَليٍّ وحديثه، وتقوَّلُوا عليه من الأباطيل، وأضافوا إليه من الروايات المفتعلة والأقاويل المختلقة، وخلطوها فلم يتميز صحيحه عن فاسده.
قال ابن الأثير في الجامع (٥): من الواضعين جماعة وضعوا الحديث تَقَرُّباً إلى الملوك مثل: غياث بن إبراهيم، دخل على المهدي بن المنصور وكان يعجبه الحمام الطيَّارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثًا عن النبي
стр. 81
- ﷺ أنه قال "لا سبق إلا في خُفٍّ أو حَافِرٍ أو نَصْلٍ أو جَنَاحٍ" قال فأمر له بعشرة آلاف درهم فلما خرج قال المهدي: أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله ﷺ ما قال رسول الله ﷺ جناح ولكن هذا أراد أن يتقرب إلينا.
ومنهم قوم من السُؤَّال والمُكدِّين يقفون في الأسواق والمساجد فيضعون على رسول الله ﷺ أحاديث بأسانيد صحيحة قد حفظوها، فيذكرون الموضوعات بتلك الأسانيد.
قال جعفر بن محمد بن الطيالسي:
صلَّى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرُصَافة ببغداد، فقام بين أيديهما قاصٌّ فقال:
حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال قال رسول الله ﷺ :"من قال لا إله إلا الله يُخلق من كل كلمة منها طائر، منقاره من ذَهَبٍ وريشه مرجان وأخذ في قِصته من نحو عشرين ورقة ".
فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال أنت حدثته بهذا فقال والله ما سمعت به إلا هذه الساعة، قال فسكتا جميعًا حتى فرغ فقال يحيى بيده أن تعال متوهمًا لنوال يجيزه فقال له يحيى: من حدثك بهذا فقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فقال أنا ابن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول الله ﷺ ، فإن كان ولابد لك من الكذب فعلى غيرنا، فقال له أنت يحيى بن معين؟ قال نعم قال لم أزل أسمع
стр. 82
أن يحيى بن معين أحمق، وما علمته إلا هذه الساعة، قال له يحيى وكيف علمت أني أحمق؟ قال كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا، قال فوضع أحمد كُمَّه على وجهه، وقال دعه يقوم، فقام كالمستهزئ بهما (١).
فهؤلاء الطوائف كذبة على رسول الله ﷺ ومن يجري مجراهم.
[وذكر ابن الأثير أيضا أن حديث صلاة الرغائب مطعون.
وقال الشيح محيي الدين في شرح صحيح مسلم (٢): واحتج العلماء بحديث النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام، على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى بالرغائب، فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة] (٣).
وقال الشيخ الحسن بن محمد بن الحسن الصَّغَاني (٤) في كتابه الدر الملتقط في تبيين الغلط: وقد وقع في كتاب الشهاب للقُضَاعي كثير من الأحاديث الموضوعة ما هو ظاهر، فمن ذلك:
• الصُبحة تمنع الرزق.
стр. 83
• السعيد من وُعظ بغيره.
• الشَّقيُّ من شقِي في بطن أمه.
• الحج جهاد كل ضعيف.
• الجنة دار الأسخياء.
• المؤمن يسير المؤنة.
• شرف المؤمن قيامه بالليل وعزُّه استغناؤه عن الناس.
• اليقين الإيمان كله.
• الموت كفارة لكل مسلم.
• المرء كثير بأخيه.
• الناس كأسنان المشط.
• الغِنى، اليأس مما في أيدي الناس.
• حُبُّك الشيء يعمي ويصم.
• طاعة الناس ندامة.
• البلاء موكل بالقول.
• دفن البنات من المَكرُمَات.
• السلام تحية لملَّتِنا، وأمان لذمتنا.
• النظر إلى الخُضرة تزيد البصر، والنظر إلى المرأة الحسناء يزيد البصر.
стр. 84
• الأنبياء قادة والفقهاء سادة، ومجالسهم زيادة.
• الوضوء قبل الطعام، ينفي الفقر، وبعده، ينفي اللمم ويصح البصر.
• من كِنزِ البر، ويُروى من كُنُوزِ البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة.
• القاصُّ ينتظر المقت والمستمع إليه ينتظر الرحمة والتاجر ينتظر الرزق والمحتكر ينتظر اللعنة.
• من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات، ومن أشفق من النار لهى عن الشهوات، ومن ترقب الموت لهى عن اللذات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات.
• من أيقن بالخُلف جاد بالعطية.
• من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به.
• من عزَّى مُصابًا فله مثل أجره.
• من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه في النهار.
• من أخلص الله أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه.
• من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة.
• من نزل على قوم فلا يصومنَّ تَطوعاً إلا بإذنهم.
• ومن انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا.
стр. 85
• رحم الله امرءًا أصلح من لسانه.
• أَبىَ الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يعلم.
• كأنَّ الحق فيها على غيرنا وَجَب، وكأنَّ الموت فيها على غيرنا كُتِب وكأنَّ اللذين نُشَيِّع من الأموات سفرٌ عما قليل إلينا عائدون، نُبَوِئهُم أَجدَاثَهم ونأكل تراثهم كأنَّا مُخَلَّدُون بعدهم قد نسينا كلَّ واعظة وأَمِنَّا كلَّ جائحةٍ طُوبَى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس وأنفق من مالٍ اكتسبه من غير معصية وخالط أهل الفقه والحكمة وجانب أهل الذُلِّ والمعصية طوبى لمن ذلَّ نفسه وحسُنَت خليقتُه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله ووسعته السُنَّة ولم يَعْدُها إلى بدعة.
• زُرْ غِبًّا تزدد حبًّا.
• أخبر تقله.
• اسمح يُسمَح لك.
• اطلبوا الخير عند حِسان الوجوه.
• اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله.
• اعتمُّوا تزدادوا حِلماً.
• أغروا النساء يلزمن الحجاب.
• ألِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام.
• اطلبوا الفضل عند الرحماء من أمتي تعيشوا في أكنافهم.
стр. 86
• استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان لها.
• تَجَافَوا عن ذنب السَّخي فإن الله آخِذ بيده كلما عثر.
• أكرموا الشهود فإن الله يستخرج بهم الحقوق ويرفع بهم الظلم.
• ارحموا ثلاثة غني قوم افتقر، وعزيزاً ذل، وعالماً يلعب به الحمقى والجهَّال.
• تعشُّوا ولو بكفٍّ من حَشَف فإن ترك العشاء مهرمة.
• أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك يومًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما.
• عِش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، وأعمل ما شئت فإنك مجزي به.
• إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه.
• لا همَّ إلا همَّ الدَّيْن، ولا وجع إلا وجع العين.
• لا يصلح الصنيعة إلا عند ذي حَسب أو دِين كما لا يصلح الرياضة إلا في النجيب.
• لا مهدي إلا عيسى بن مريم.
• لا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل الذي ترى له.
• لا تُظهِر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك.
стр. 87
• لا تجعلوني كقدح الراكب.
• إن لجواب الكتاب حقاً كرد السلام.
• إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب.
• إن لكل شيء معدنًا، ومعدن التقوى قلوب العارفين.
• يُحَبُّ السماحة ولو على تمرات، ويُحَبُّ الشجاعة ولو على قتل حية.
• إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو الفضل.
• ما من عمل أفضل من إشباع كبد جائع.
• حبَّذا المتخللون من أمتي.
• لولا أن السُوَّال يَكذِبُون ما قُدِّس مَن ردَّهم.
• يا دنيا اخدمي من خدمني واتعبي يا دنيا من خدمك.
ووقع في كتاب"النجم المُذيَّل على الشهاب" للإقليشي:
• من مات في طريق مكة حاجًّا لم يعرضه الله ولم يحاسبه.
• من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني.
• من قاد أعمى أربعين خطوة غفر له ما تقدم من ذنبه.
• ومن عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله.
• إن الأذانَ سهل سمح فإن كان أذانُك سهلاً سمحاً وإلا فلا تُؤذِّن.
• لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
стр. 88
• أربع ملاحِم من ملاحِم الجنة: بدر وأُحد والخندق وحُنين.
• الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
• ردُّ دَانِقٍ حرام يَعدِل عند الله سبعين حجة مبرورة.
• القرآن كلام الله غير مخلوق.
• يُحشر أولاد الزنا في صورة القردة والخنازير.
• صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب القدرية والمرجئة.
• الأربعاء يوم نحس مستمر.
هذا آخر ما جاء في الكتابين المذكورين.
ومما يجري في كلام الناس معزُوًّا إلى النبي ﷺ قولهم: "إذا رويتم عني حديثًا فاعرضوه على كتاب الله فإن وافق فاقبلوه وإن خالف فردوه" (١).
قال الخطَّابي في كتاب معالم السنن (٢): هذا حديث وضعته الزنادقة، ويدفعه قوله ﷺ : "إني قد أوتيت الكتاب وما يعدله، ويُروى أوتيت الكتاب ومثله معه" (٣).
стр. 89
ومنه قولهم:
• عليكم بدِين العجائز.
• وكنت نبياً وآدم بين الماء والطين.
• وعليكم بحُسن الخطِّ فإنه من مفاتيح الرزق.
• المستحق محروم.
• العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان.
• العنب دُودُو (١).
• ومن بَشَّرني بخروج صفر بشرته بالجنة.
• لا تسافروا والقمر في العقرب.
• سِراج أمَّتي أبو حنيفة.
• من صام يوم الشك فقد عصا أبا القاسم، (هذا كلام عمار بن ياسر).
ومن الموضوع:
•خير خَلِّكم خلّ خَمْرِكم.
• عالم قريش يملأ الأرض عِلماً، يعنون به الشافعي محمد بن إدريس ﵁.
стр. 90
• والحديث الذي يُروى عن أُبَيِّ بن كعب وهو منه بريء في فضائل القرآن سورةً سورةً، وقل تفسير خلا منها إلا من عصمه الله تعالى (١).
قولهم: في حق علي ﵁:
• إنه لا يحل أن يَجنُب في هذا المسجد غيري وغيرك.
وفي حق أبي بكر ﵁:
• ما صبَّ الله في صدري شيئًا إلا وصببته في صدر أبي بكر.
قال الشيخ: وقد صُنِّف كتُبٌ في الحديث، وجميع ما احتوت عليه موضوع منها الأربعون المُسمَّاة الوَدعانيَّة (٢).
ومنها الوصايا المنسوبة إلى النبي ﷺ ، أوصى بها عَليًّا ﵁ كلها موضوع ما خلا الحديث الأول وهو: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي" (٣).
قال الشيخ تقي الدين ابنُ تيميَّة (٤): (٥) ما يُروَى أن "أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل، فقال له أدبر فأدبر فقال: وعزتي ما خلقت خلقًا أكرم
стр. 91
منك، فَبِك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب".
ويسمونه أيضاً القلم؛ موضوع، كما ذكر أبو جعفر العقيلي (١)، وأبو حاتم البُسْتِي (٢)، وأبو الحسن الدارقطني، وابن الجوزي (٣)، وغيرهم.
فذلك اثنا عشر نوعًا يختص بالضعيف.
стр. 92
الباب الثاني
معرفة أوصاف الرواة
ومن يُقبَل رِوايتُه ومن لا يُقبَل
وهي من أجلِّ أنواع علوم الحديث وأهمها، وهي التي تميز بين الصحيح والضعيف.
وفيها تصانيف كثيرة منها ما أُفرِدَ في الضُّعفاء ككتاب البُخاري، والنَّسائي والدارقُطنِي (١).
وما أُفرِد في الثقات ككتاب الثقات لابن حبان (٢).
ومنها ما اشترك كتاريخ البخاري وابن أبي خيثمة وابن أبي حاتم (٣).
وَجُوِّزَ الجرحُ والتعديل صيانة للشريعة، ويجب على المتكلم التثبت فيه فقد أخطأ غير واحد بجرحهم بما لا يُجرِّح.
стр. 93
وفيه فصول:
الأول: أجمع جماهير أئمة الحديث والفقه والأصول على أنه يشترط فيمن يحتج بحديثه العدالة والضبط .
فالعدالة فيه أن يكون مُسلِمًا بالغًا عاقلاً سليمًا من أسباب الفسق وخوارم المروءة.
والضبط أن يكون مُتَيقِّظًا حافظًا، إن حدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حدَّث منه، عارفاً بما يختل به المعنى إن روى به.
ولا يشترط الذكورة ولا الحُريَّة (١)، ولا العلم بفقهه وغريبه ولا البصر ولا العدد.
الثاني: تعرف العدالة بتنصيص عدلين عليها، أو بالاستفاضة .
فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل أو غيرهم من العلماء، وشاع الثناء عليه بها كفي، كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم.
ويقبل تعديل العبد والمرأة، إذا كانا عارفين به كما يقبل خبرهما قاله الخطيب (٢).
ويعرف ضَبطُه بأن يعتبر روايته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وافقهم غالباً وكانت مخالفته نادرة، عرفنا كونه ضابطًا ثَبْتًا،
стр. 94
وإن وجدناه كثير المخالفة لهم، عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه (١).
الثالث: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها .
وأما الجرح فلا يُقبَل إلا مُفسَّرًا مُبَيَّن السبب، لاختلاف الناس فيما يوجب الجرح.
ولهذا احتج البخاري في صحيحه بعكرمة مولى ابن عباس (٢)، وإسماعيل بن أبي أويس (٣)، وعاصم بن علي (٤)، وغيرهم.
ومسلم بسويد بن سعيد (٥)، وغيره، وكل هؤلاء سبق الطعن فيهم، وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا مفسر السبب.
فإن قيل إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على كتب الجرح والتعديل، وقل ما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على قولهم: فلان ضعيف، فلان ليس بشيء، ونحوه، وهذا حديث ضعيف أو غير ثابت، ونحو ذلك.
فاشتراط بيان السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في
стр. 95
الأغلب. والجواب أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في توقف قبول حديث من قالوا فيه ذلك؛ لأن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قوية، ثم من انزاحت عنه تلك الرِّيبة بحثنا عن حاله بحثًا أوجب الثقة بعدالته فقبِلنا روايته ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين، وغيرهما ممن تقدم فيهم الجرح.
الرابع: يثبت الجرح والتعديل في الرواة بقول واحد على الصحيح؛ لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله .
وإن اجتمع في شخصٍ جَرحٌ وتَعديل، فالجرح مُقدَّم، وإن تعدد المعدل على الأصح، لأن المُعدِّل يُخبِر عمَّا ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خَفِيَ على المعدِّل.
الخامس: إذا قال حدثني ثقة، إن قصد به التعديل، لا يُجزئ إذ لا بد من تعيين المعدَّل وتسميته، وذلك لأنه قد يكون ثقةً عنده، وغيره قد اطَّلع على جرحه بما هو جارحٌ عنده، بل إِضرابُه عن تَسميتهِ مُريبٌ في القلوب .
وإن قصد به مجرد الإخبار من غير تعديل وسمَّاه، لم يجعل روايته عنه تعديلاً منه له؛ لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل.
نعم إذا قال العالم: كل من رَويت عنه فهو ثقة، ثم روى عمَّن لم يُسمِّه فإنه يكون مُزكيًا له، غير أنَّا لا نعمل بتزكيته هذه، لما مر آنفًا.
وليس عمل العالم أو فُتياه على وفق حديث، حُكمًا بصحته، ولا مخالفته له جرحًا في رواته.
стр. 96
قال القاضي (١): العالم الذي من شأنه اشتراط العدالة في الرواية، إذا عمل بخبر رجل لا شاهد له ولا متابع، يكون تعديلاً له إذا لم يكن عمله من باب الاحتياط، وذلك أن يعمل بالحديث الضعيف مخافة أن يكون صحيحًا في نفس الأمر يجب العمل به.
السادس: الألفاظ المستعملة في الجرح والتعديل .
أما ألفاظ التعديل ففي مراتب:
الأولى: أن يُقال هو ثقة، أو مُتقِن، أو ثَبْت، أو حُجة، أو يقال في العدل حافظ، أو ضابط، فهو ممن يحتج بحديثه.
الثانية: صدوق، أو مَحِلُّه الصدق، أو لا بأس به، فهو ممن يُكتب حديثُه ويُنظر فيه، لأن هذه العبارات لا تُشْعِر بالضبط، فيُنظر ليُعرف ضبطه، وقد تقدم بيان الاعتبار.
وعن ابن مهدي (٢): قال حدثنا أبو خَلدة، فقيل له كان ثقة؟ قال: كان صدوقًا، وكان مأمونًا، وكان خير، الثقة: شعبة وسفيان.
الثالثة: إذا قيل "هو شيخ"، فهو يُكتب حديثه ويُنظر فيه، قيل وقريب منه "روى عنه الناس".
الرابعة: "صالح الحديث"، فإنه يكتب حديثه للاعتبار، قيل ومثله "هو
стр. 97
وسط".
وسمع ابن مهدي في حق رجل ضعيف الحديث، هو رجل صدوق فقال: رجل صالح الحديث (١).
وألفاظ الجرح أيضاً على مراتب:
أولها: هو ليّن الحديث، فهذا يُكتب حديثه ويُنظر اعتبارًا.
قال الدارقطني (٢): إذا قُلتُ ليَّن الحديث، فلا يكون ساقطًا، ولكن مجروحًا بشيء لا يُسقِط العدالة.
قيل ومثله مُقارِب الحديث، أو مضطرب الحديث، أو لا يُحتج به، أو مجهول.
الثانية: هو ليس بقوي، فهو بمنزلة الأُولى في كَتْبِ حديثِه، إلا أنه دونه في القوة، قيل ومثله، "ليس بذاك" أو "ليس بذاك القوي".
الثالثة: ضعيف الحديث: هو دون الثاني لا يُطرَح بل يُعتبَر.
الرابعة: هو متروك الحديث، أو ذاهب الحديث، أو كذَّاب: فهو ساقط لا يُكتَب حَديثُه.
السابع: لا تُقبَل رواية من عُرِف بالتَّساهُل في سماع الحديث، أو إِسماعه كمن ينام حالة السَّماع أو يشتغل عنه، أو يُحدِّث لا من أصل
стр. 98
مُصَحَّح، أو من عُرِف بِقَبول التَّلقين في الحديث من غير كتب وحفظ، أو بكثرة السهو في رواياته إذا لم يُحدِّث من أصل مُصحَّح، أو من كَثُرَت الشواذ والمناكير في حديثه.
قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحُمَيدي وغيرهم: من غلط في حديثه فبُيِّنَ له غلطُه فلم يرجع وأصرَّ على غلطه سقطت روايته.
قال ابن الصلاح (١): هذا الذي قالوه لعله إذا ظهر منه ذلك على وجه العناد. فإن لم يكن عنادًا بأن يكون على وجه التنفير في البحث ففيه نظر، ولا بأس بأدنى نُعاس، ولا يختل معه فهم الكلام، وكان بعضهم إذا كتب طبقة السماع كتب، وفلان وهو ينعس وفلان وهو يكتب.
الثامن: من خلَّط لخَرفهِ أو ذَهاب بصره أو لغير ذلك، فيُقبل ما رُويَ عنه قبل الاختلاط ويُرَدُّ ما بعده وما شك فيه أيضًا .
فمنهم عطاء بن السائب (٢)، احتجوا برواية الأكابر عنه؛ كالثوري وشعبة.
قال القطان (٣): إلا حديثين سمعهما شعبة بأَخَرةٍ عن زاذان.
стр. 99
ومنهم عبد الرحمن بن عتبة بن عبد الله بن مسعود (١) في أيام المهدي.
ومنهم ربيعة الرأي (٢) شيخ مالك في آخر عمره.
ومنهم سفيان بن عُيينة قبل موته بسنتين.
التاسع: في رواية المجهول الحال .
وهو أقسام ثلاثة:-
أحدها: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، فلا يقبل عند الجماهير.
وثانيها: مجهول العدالة باطنًا لا ظاهرًا، وهو المستور.
والمختار قبوله، وقطع به سليم الرازي (٣)، وعليه العمل في أكثر كتب الحديث المشهورة فيمن تقادم عهدهم وتعذَّرت معرفتهم؛ لأن أمر الإخبار مبنيٌّ على حسن الظن بالراوي المسلم، ونشر الأحاديث مطلوبُ كل واحد ومعرفة الباطن مُتعذِّر، بخلاف الشهادة فإنها تكون عند الحُكَّام ولا يتعذَّر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن.
وثالثها: مجهول العين، وهو كل من لم يعرفه العلماء، ولم يُعرف حديثُه إلا من جهة راوٍ واحد، قاله الخطيب (٤).
стр. 100
[قال ابن الصلاح (١): من يقبل رواية المجهول العدالة لا يقبل رواية المجهول العين] (٢).
وقال ابن عبد البر (٣): من لم يرو عنه إلا واحدًا فهو مجهول عندهم إلا أن يكون مشهورًا بغير حمل العلم، كمالك بن دينار في الزهد، وعمرو بن مَعدِي كَرِب بالنجدة.
قال الخطيب (٤): وأقلُّ ما يرفع الجهالة أن يروي عنه اثنان من المشهورين بالعلم.
قال ابن الصلاح ردًّا على الخطيب (٥): قد خرَّج البخاري في صحيحه عن مرداس الأسلمي، ولم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم (٦).
ومسلم، عن ربيعة بن كعب الأسلمي ولم يرو عنه غير أبي سلمة (٧).
وذلك مصير منهما (٨) إلى خروجه عن هذه الجهالة برواية واحد،
стр. 101
والخلاف في ذلك كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد.
قال الشيخ محي الدين مجيبًا عنه (١): الصواب ما ذكره الخطيب فهو لم يَقُلْه عن اجتهاده بل نقله عن أهل الحديث.
وردُّ الشيخِ عليه بما ذكره عجب؛ لأنه شرط في المجهول أن لا يعرفه العلماء وهذان معروفان عند أهل العلم بل مشهوران.
فمرداس، من أهل بيعة الرضوان، وربيعة، من أهل الصفة، والصحابة كلهم عدول، فلا يَضرُّ الجهالة بأعيانهم لو ثبتت.
أقول: هذا الجواب مسلَّم في حق الصحابة، وليت شعري كيف يَدفع قوله والخلاف في ذلك كالخلاف في الاكتفاء بتعديل واحد، وقد تقرر أن العدد لم يُشترَط في قبول الخبر ولا في جرح الراوي وتعديله على المذهب الصحيح فكذلك لا يشترط في رفع الجهالة.
فرع
يُقبَل من عُرِفَت عينُه وعدالتُه وإن جُهِل اسمُه ونسبُه.
العاشر: المُبتَدِع الذي لم يُكَفًّر ببدعته فيه ثلاثة أقوال:
قيل: لا يُقبَل روايته مُطلقًا لفسقه، فكما استوى في الكفر المتأول وغير المتأول يستوي في الفسق المتأول وغيره.
وقيل: إن لم يَسْتَحلّ الكذب لنصرة مذهبه، قُبل، وإن استحلَّه كالخطَّابية
стр. 102
من الروافض لم يُقبَل، ويُعزى هذا إلى الشافعي ﵁ (١).
وقيل: إن كان داعيةً لمذهبه لم يُقبَل، وإلا قُبِل، وهذا الذي عليه الأكثر. وقال بعض أصحاب الشافعي: اختلف أصحابنا في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول رواية الداعية.
قال أبو حاتم بن حبان (٢): لا يجوز الاحتجاج بالدَّاعية عند أئمتنا قاطبة، لا خلاف بينهم في ذلك.
والمذهب الأول ضعيف جدًا.
ففي الصحيحين، وغيرهما من كتب أئمة الحديث، الاحتجاج بكثير من المبتدعة، غير الدعاة.
الحادي عشر: التائب من الكذب ، وغيره من أسباب الفسق يُقبل روايته، إلا التائب من الكذب في حديث رسول الله ﷺ .
فلا يُقبل روايته أبدًا وإن حَسُنت توبته.
كذا قال أحمد بن حنبل والحُميدي (٣) شيخ البخاري (٤)، والصَّيْرَفي الفقيه
стр. 103
الشافعي (١)، وأطلق الصيرفي فقال: كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه، لم نَعُد لقبوله بتوبة يُظهرها، ومن ضعَّفنَا نقله لم نجعله قوياً بعد ذلك.
قال: وذلك مما افترقت فيه الرواية والشهادة (٢).
الثاني عشر: إذا روى ثقةٌ عن ثقةٍ حديثًا وروجع (٣) المروي عنه فنفاه، فإن كان جازمًا بنفيه بأن قال: ما رَويته، أو كُذِبَ عليَّ، أو نحو ذلك وجب ردّ ذلك الحديث، ولا يقدح ذلك في باقي رواياته.
وإن قال: لا أعرفه ولا أذكره أو نحوه، لم يقدح ذلك في هذا الحديث أيضاً على المختار.
ومن روى حديثًا ثم نسيه، لم يسقط العمل به عند جهور المحدثين والفقهاء والمتكلمين.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة ﵀: يجب إسقاطه وبنوا عليه ردَّهم حديث "إِذَا نُكِحَتِ المَرأَةُ بِغَيرِ إِذنِ وَليِّها فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" (٤).
стр. 104
وحديث أبي هريرة: في "القضاء بالشاهد واليمين" (١).
والصحيح قول الجمهور؛ لأن المروي عنه بصدد النسيان، والراوي عنه ثقة جازم فلا تُرد روايته بالاحتمال.
وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها، فحدثوا بها عمن سمعها منهم فيقول أحدهم: حدثني فلان عنِّي، أني حدثته.
وجمع الخطيب ذلك في كتابه المعروف (٢).
ولهذا كَرِه الشافعي وغيره من العلماء الرواية عن الأحياء.
الثالث عشر: اختلفوا فيمن أخذ على التحديث أجرًا .
فقال قوم: لا يقبل روايته، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن رَاهَوَيه وأبي حاتم الرازي؛ لأن ذلك يَخرِمُ المروءة عُرفًا ويُتَطرَّق إليه تهمة.
ورخص في ذلك أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْن وعلي بن عبد العزيز المكي وآخرون قياسًا على أجرة تعليم القرآن (٣).
стр. 105
وكان أبو الحسين بن النقور (١) يأخذ الأجرة على الحديث لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجوازها، لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه الكسب لعياله (٢).
الرابع عشر: أعرض الناس في هذه الأعصار عن مجموع الشرائط المذكورة واكتفوا من عدالة الراوي بكونه مستورًا، ومِن ضبطه بوجود سماعه مُثبتًا بخط مُوثَقٍ به، وروايته من أصل موافق لأصل شيخه.
واحتج البيهقي لذلك بأن الحديث الصحيح وغيره قد جُمِعَ في كتب أئمة الحديث، فلا يذهب شيء منه عن جميعهم، وإن جاز ذلك في بعض (٣).
أقول: إن البخاري جمع في كتابه الأحاديث الصحيحة ولم يَستوعبها فذكر بعده مسلمٌ ما صحَّ عنده وزاد عليه، ثم بعده أبو داود والترمذي والنَّسائي وابن ماجه، ذكروا من الصحيح والضعيف ما ذهب عنهما.
وذلك أن أئمة الحديث محفوظون أن يذهب شيء من الاحتياط عن جميعهم لضمان صاحب الشَّريعة حِفظها.
والقصد بالسَّماع بقاء سلسلة السَّند المخصوص بهذه الأمة حرسها الله تعالى.
стр. 106
الباب الثالث
في تَحمُّلِ الحديثِ وطُرُقِ نَقِلِه وضَبطِهِ ورِوَايَتِهِ
وفيه ثلاثة فصول
الفصل الأول
في أَهليَّةِ التَّحَمُّلِ
يصح التَّحمل قبل الإسلام وقبل البُلوغ، ومنع الثاني قومٌ وأخطئوا لاتفاق الناس على قبول رواية الحسن والحُسين وابن عبَّاس وابن الزُّبير والنُّعمان بن بَشير، وغيرِهم، ولم يزل الناس يُسمِعون الصِّبيان.
واختُلِف في الزمن الذي يصح فيه سماع الصبي.
فقال القاضي عِيَاض (١): حدَّدَ أهل الصنعة في ذلك خمس سنين وهو سن محمود بن الربيع (٢)، الذي ترجم البخاري فيه "باب متى يصح سماع الصغير" وقيل كان ابن أربع سنين، وهذا الذي استقر عليه عمل المتأخرين يكتبون لابن خمس، سمع ولمن دونه، حَضرَ أو أُحضر.
وقيل الصواب أن يُعتبر كل صغير بحاله، فمتى كان فَهِمًا للخطاب وردَّ
стр. 107
الجواب صحَّحنا سماعه، وإن كان له دون خمس.
ونُقِل نحو ذلك عن أحمد بن حنبل وموسى الحمَّال (١).
وإن لم يكن كذلك لم يصح سماعه وإن كان ابن خمسين (٢).
وقد نقل أنَّ صبيًّا ابن أربع سنين حُمِل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع يبكي (٣).
وحاصله أن القاضي اعتبر تحديد السن وبعضهم اعتبر الحالة، وهو الصحيح فلا يُردّ حديث محمود إشكالاً على القول الصحيح؛ لأنه يدل على إثبات سماع من هو مثله في السن والذكاء ولا يدل على نفي سماع من كان دونه في العمر وله ذكاء وفطنة.
قال أبو عبد الله الزبيري (٤): يُستحب كَتْب الحديث بعد عشرين سنة لأنها مجتمع العقل (٥).
وقال موسى بن هارون (٦): أهل البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل
стр. 108
الكوفة لعشرين، وأهل الشام لثلاثين.
والصواب في هذه الأزمان:
أن يُستكثر سماع الحديث بإسماع الصغير من أول زمان يصح فيه سماعه لأن الملحوظ الآن إبقاء سلسلة الإسناد فَحسْب.
وأن يشتغل بكتب الحديث وتقييده من حين تأهله لذلك، ولا ينحصر التأهل في سن مخصوص، لاختلاف ذلك باختلاف الأشخاص.
стр. 109
فرع
تجوز رواية الأكابر عن الأصاغر، فلا يُتوهم كون المرويّ عنه أكبر وأفضل لأنه الأغلب، وهو على أقسام:
الأول: أن يكون الرَّاوي أكبر سِنًّا، وأقدم طبقة، كالزهري عن مالك وكالأزهري (١)، عن الخطيب.
والثاني: أن يكون أكبر قدرًا عن المرويِّ عنه بأن يكون حافظًا عالمًا والمروي عنه شيخًا راويًا، كمالك، عن عبد الله بن دينار.
والثالث: أن يروي العالم الشيخ عن صاحبه أو تلميذه، كعبد الغني (٢)، عن الصوري (٣)، وكالبرقاني (٤)، عن الخطيب.
ومنه رواية الصحابة عن التابعين، كالعبادلة وغيرهم عن كعب الأحبار.
стр. 110
الفصل الثاني
في طُرُق تَحَمُّل الحَدِيث
وهي سبعة:
الطريق الأول: السَّماع من لفظ الشيخ سواء كان إملاءًا أم تحديثًا ، وسواء كان من حفظه أو من كتابه، وهذا أرفع الطرق عند الجماهير.
قال الخطيب (١): أرفع العبارات في ذلك "سمعت" ثم "حدثنا" و"حدثني" فإنه لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه، وكان بعض أهل العلم يقول فيما أجيز له حدثنا.
وروى عن الحسن أنه كان يقول: حدثنا أبو هريرة ويتأول أنه حدث أهل المدينة، وكان الحسن إذ ذاك بها إلا أنه لم يسمع منه شيئًا (٢).
ثم يتلو ذلك، أخبرنا وهو كثير في استعمال الحفاظ حتى أن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ مَن حدثهم إلا أخبرنا (٣).
وذكر الخطيب (٤): كان عبد الرزاق يقول: أخبرنا فيما سمع حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقالا له: قل حدثنا.