← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صالح الأعمال، وغفر سيئها لنا، ولوالدينا، وأهلينا، ولمشائخنا، ولمن له فضل علينا، ولجميع المسلمين، وأصلح عقبي، وبارك فيهم، ووفقهم لكل خير وسداد فيما يصلح دينهم ودنياهم، ويخدم أمتهم ومجتمعهم، إنَّه على ذلك قدير، وبالِإجابة جدير. والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المؤلف عبد الله بن محمَّد بن سعد آل خنين الرياض ١١٤٧٧ ص. ب: ٣٠٢٥٤

стр. 37

التمهيد وفيه ستة موضوعات، هي: الموضوع الأول: المراد بتَوْصِيف الأَقْضِيَة. الموضوع الثاني: الِإطلاقات الدالة على تَوْصِيف الأَقْضِيَة. الموضوع الثالث: مشروعية تَوْصِيف الأَقْضِيَة. الموضوع الرابع: أقسام تَوْصِيف الأَقْضِيَة. الموضوع الخامس: الفرق بين تَوْصِيف الأَقْضِيَة وأقسام التَّوْصِيف الأخرى. الموضوع السادس: ثمرة تَوْصِيف الأَقْضِيَة.

стр. 38

الموضوع الأول المراد بتَوْصِيف الأَقْضِية نبدأ ببيان المراد بالمفردات لغة، ثم نتبع ذلك ببيان المراد به مركبًا. المراد بالتوصيف لغة: التَّوْصِيف: مصدر (وصَّف) - رباعي-، وأصله: وصَف، يصف وصفًا- ثلاثي-، فالواو والصاد والفاء أصل واحد يَدُلُّ على تحلية الشيء (١)، ويقال: اتصف الشيء: صار متواصفًا، وتواصف القوم الشيء: وصفه بعضهم لبعض، واستوصف فلان فلانًا الشيء: سأله أَنْ يصفه له، واستوصف فلان الطبيب لدائه: سأله أَنْ يصف له ما يتعالج به، ووصف الشيء: نعته بما فيه (٢). ويستعمل: التَّوْصِيف من (وصَّف) - مشددة- بمعنى بيان

стр. 39

صفات الشيء، على أساس أَنَّ التضعيف فيه يقصد به التفصيل الدقيق، فكأَنَّنا بيَّنَّا صفات الشيء بدقة (١). المراد بالأقضية لغة: جمع قضية، وتطلق على الحكم، كما تطلق على المسألة المتنازع فيها تُعرض للبحث، وعلى الواقعة المتنازع فيها تُعرض على القاضي للفصل فيها (٢)، والمعنى الأخير هو المراد في عنوان البحث. المراد بتَوْصِيف الأَقْضِيَة مركبًا تركيب إضافة: لم أقف على من عرَّف "تَوْصِيف الأَقْضِيَة" قصدًا، لكن وردت عبارات عن الفقهاء يُعلم منها تعريفهم له، وقد وقفت من ذلك على ما يلي: ١ - قال محمد بن عبد السلام (ت: ٧٤٩ هـ): "ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه، وإنَّما الغرابة في استعمال كليات الفقه وتطبيقها على جزئيات الوقائع، وهو عسير" (٣). ٢ - وقال ابن القَيِّمِ (ت: ٧٥١ هـ): "ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم إلَّا بنوعين من الفهم؛ أحدهما: فهم

стр. 40

الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أَوْ على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبِّق أحدهما على الآخر" (١). ٣ - قال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - في تحقيق المناط (٢) بتعيين محل الحكم الشرعي-: "ومعناه أَنْ يثبت الحكم بمدركه الشرعي- أيْ بدليله- لكن يبقى النظر في تعيين محله" (٣). ٤ - وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "فاعلم أَنَّ كل مسألة تفتقر إلى نظرين: نظر في دليل الحكم، ونظر في مناطه ... فإذا تحقق له- أي للمكلف- المناط بأي وجهٍ تحقق فهو المطلوب، فيقع عليه الحكم بدليله الشرعي" (٤). وهذا في تحقيق المناط للواقعة بتنزيل الحكم عليها لكل مكلف.

стр. 41

ويقول أيضًا: "لا يَصِحّ للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلَّا أَنْ يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه؛ لأَنَّه سئل عن مناط معين فأجاب عن مناط غير معين" (١). ٥ - قال ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ): " ... فليستحضر - يعني القاضي- حكم تلك الواقعة ... ثم ينقح الواقعة ... ثم يطبق الحكم العدل على ما ينقح له" (٢). ٦ - ويقول ابن الغرس (ت: ٨٩٤ هـ): "ولا بُدَّ من التطبيق بين الدعوى والحجة- أي البينة- والمقضي به- أيْ الدليل من كتاب وسنة- ... " (٣). ٧ - ويقول ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ): "والفتوى والقضاء كلاهما تطبيق للتشريع، ويكونان في الغالب لأجل المساواة بين الحكم التشريعي والحكم التطبيقي بحيث تكون المسألة أَوْ القضية جزئيًّا (٤) من القاعدة الأصلية" (٥).

стр. 42

ويستفاد مما تقدم أَنَ تَوْصِيف الأَقْضِيَة هو: تنزيل الحكم الكلي على الواقعة القضائية لمطابقتها له. أَوْ هو: تطبيق الحكم الكلي على الواقعة القضائية بعد اكتمال المرافعة. ويمكننا صياغة ذلك بصيغة ثالثة فنقول: إنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة هو: تحلية الواقعة القضائية الثابتة- بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي بعد اكتمال المرافعة. وهذا تعريف للتَوْصِيف الموضوعي؛ لأَنَّه هو المراد عند الِإطلاق، وسوف يأتي تعريف لأنواع أخرى من التَّوْصِيف، وذلك عند ذكرها في موضعها من هذا الكتاب- إن شاء الله- (١). شرح المراد بتوصيف الأقضية مركبًا: المراد بـ "تحلية الواقعة القضائية الثابتة": أَنَّ الواقعة القضائية بعد تقرير القاضي لها بطرق الحكم من شهادة ونحوها، واستنباط ما خفي من أوصافها وإظهاره- تُحَلَّى بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي، فهو التحديد لصفاتها الشرعية. والمراد بـ "الأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي" هي الأوصاف المقررة في الحكم الكلي المذكورة في مُعَرِّفَات

стр. 43

الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، فيقابل كل وصف في الحكم الكلي بنظيره في الواقعة القضائية الثابتة، فإذا تحققت تلك المقابلة بين تلك الأوصاف تكون الواقعة قد تحلت بها. فتَوْصِيف الأَقْضِيَة يعني: أَنَّ القاضي حقق النظر في الواقعة القضائية المنظورة لديه، فتقرر لديه انطباق أوصاف الحكم الكلي عليها، فاتصفت الواقعة بأوصاف الحكم الكلي. فتقرير القاضي بأَنَّ العقد المتنازع فيه عقد بيع، أَوْ سلم، أَوْ هبة، أَوْ إجارة، أَوْ جعالة هو تَوْصِيف له؛ وذلك يعني أَنَّ أوصاف الحكم الكلي قد انطبقت على ذلك العقد، وهكذا تقرير القاضي بأَنَّ العيب المتنازع فيه موجب للخيار، أَوْ بأَنَّ القتل من قبيل العمد العدوان، أَوْ بأنَّ ما وقع بين الطرفين هو مواعدة وليس معاقدة؛ لأَنَّ أوصاف الحكم الكلي المقررة فيه قد انطبقت عليه، - تقرير القاضي ذلك هو تَوْصِيف للمتنازع فيه تمامًا كما يفعل الطبيب في تَوْصِيف الشكوى بأَنَّها الداء الفلاني؛ تطبيقًا لمعلوماته وخبرته في هذا المجال، وكما يفعل المهندس التقني في تَوْصِيف عطل السيارة بأَنَّه خلل في جهاز محركها الفلاني؛ تطبيقًا لمعلوماته وخبرته في هذا المجال، فإنَّه إذا عرف الطبيب الداء، وعرف المهندس التقني خلل السيارة سهّل على الأول العلاج ووصف الدواء، وعلى الثاني إصلاحَ السيارة، ودون ذلك يظل يخبط خبط عشواء لا يدري إصابته من خطئه.

стр. 44

وإذا كانت الأمثلة من أهم ما يشرح ويبين ما يقرره الباحث فإنَّنا سوف نضرب مثلًا نبين به كيف يتم تَوْصِيف الأَقْضِيَة، فنقول: لو أَنَّ رجلًا ادعى على آخر بأَنَّه قد تعاقد معه للمناداة على بيته، على أَنَّه متى تم البيع استحق عوض المناداة، إلَّا أنَّه أثناء المناداة على البيت حال صاحبُ البيت بين المنادي وبين إتمام المناداة على البيت حتى عقد البيع، وباع صاحب البيت بيته على آخر، وطلب المدعي إلزام المدعى عليه (صاحب الدار) بتسليم كامل العوض المتفق عليه للمناداة، وقد أجاب المدعى عليه على الدعوى بالمصادقة على العقد، وأَنَّه حال بين المنادي وإتمام العمل، ورفض تسليم العوض المتفق عليه أَوْ شيئًا منه محتجًا بأَنَّه لم يتم البيع على يدي المنادي، وطلب رد الدعوى. فعلى القاضي هنا تَوْصِيف هذا العقد المتفق عليه بين الطرفين والذي تصادقا على وقوعه: هل هو من باب الِإجارة أَوْ الجعالة؟ ، فنحن أمام واقعةٍ وقائعُها ما مرَّ سابقًا مما تصادق عليه الخصمان ... وعلى القاضي توصيفها، وتوصيفها يستدعي البحث عن الحكم الكلي الملاقي لها (مُعَرِّفَات الحُكْم وهو الحكم الوضعي + الحكم التكليفي) ويكون ذلك في صياغة شرعية للحكم مبينًا فيه مُعَرِّفَات الحُكْم (الحكم الوضعي + الحكم التكليفي)، وبالبحث عن ذلك وجدنا أنَّ الفقهاء يقررون: بأَنَّ من دفع إلى دلال دارًا وقال له: بعْ هذه، فقام الدلّال وعرضه على جماعة من المشترين، وعرف ذلك

стр. 45

صاحب الدار فامتنع من البيع، وباع السلعة بنفسه على ذلك المشتري أَوْ غيره- لم يلزمه أجرة الدلال، وإنَّما له أجرة المثل؛ لأَنَّ ذلك من قبيل الجعالة (١)، والجعالة إذا فسخ الجاعل قبل إتمام العمل فللعامل أجرة المثل (٢)، فإذا نزَّلنا الحكم الكلي المقرر فقهًا والمشار إليه قريبًا على الأوصاف المذكورة في الواقعة نجده ينطبق على الأوصاف المذكورة في الواقعة، فيقرر القاضي انطباقه على الواقعة، وأَنَّ ذلك من باب الجعالة، ويلزمه بأثرها، وهو الحكم الكلي من تسليم أجرة المثل للمدعي؛ لأَنَّ المدعى عليه فسخ العقد قبل تمام العمل، فقول القاضي بأَنَّ ذلك جعالة هو المقصود بالتَّوْصِيف، ولازمه هو تسليم أجرة المثل؛ لأَنَّ الحكم الكلي يقتضيه، وهكذا في كل واقعة بعد تهيئتها يجري توصيفها بإعطائها الوصف الشرعي المقرر في الحكم الكلي. على أَنَّنا قبل أَنْ نضع القلم من شرح وبيان المراد من تَوْصِيف الأَقْضِيَة شرعًا نقرر بأَنَّ: تَوْصِيف الأَقْضِيَة لا بُدَّ له من حكم كلي مُفَسِّر، وواقعة قضائية مفسَّرة، مع مراعاةٍ لأصول التوصيف، وهذا ما سنتناوله في هذا الكتاب. * * *

стр. 46

الموضوع الثاني الِإطلاقات الدالة على تَوْصِيف الأَقْضِية هناك إطلاقات تَدُلُّ على تَوْصِيف الأَقْضِيَة تنضاف إلى هذا الِإطلاق- تَوْصِيف الأَقْضِيَة-، وبيانها فيما يلي: أولًا: تطبيق الأحكام الكلية على الوقائع القضائية: التطبيق لغة: مصدر من الرباعي (طبَّق). والمطابقة: الموافقة، والتطابق: الاتفاق، وطابق بين الشيئين جعلهما على حذو واحد، وألزقهما (١). والطَّبق: الشيء على مقدار الشيء مُطْبِقًا له من جميع جوانبه كالغطاء له (٢). وفي الوسيط (٣): التطبيق: إخضاع المسائل والقضايا لقاعدة علمية، أَوْ قانونية، أَوْ نحوها.

стр. 47

وقد مرَّ استعمال الفقهاء له بالمعنى السالف ذكره فى توْصِيف الأَقْضِيَة (١). ثانيًا: تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية: التنزيل لغة: مصدر من الرباعي (نَزَّل)، ونزَّل الشيء أنزله، والشيء رتبه ووضعه منزله (٢). وقد استعمله الفقهاء مرادًا به تَوْصِيف الأَقْضِيَة؛ من ذلك ما ذكره ابن نجيم (ت: ٩٧٠ هـ) فقد قال في تعريف علم القضاء بأَنَّه: "الفقه بالأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة" (٣). ثالثًا: تحقيق المناط بتعيين محل الحكم الشرعي الكلي: التحقيق لغة: مصدر من الرباعي حَقَّقَ؛ فيقال: تحقَّق الأمر والشيء عَرَفَ حقيقته وصار منه على يقين (٤)، وتحقق الأمرُ: صَحَّ ووقع (٥).

стр. 48

والمناط لغة: اسم لموضع التعليق، وناط الشيء علقه (١). والمراد بـ (تحقيق المناط) هنا: تطبيق الحكم الكلي على الواقعة القضائية. وقد أطَلَقَ تحقيقَ المناط على تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع في القضاء والفتوى- وهو التَّوْصِيف- عددٌ من الأصوليين، منهم الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ)، فقد قسم الاجتهاد قسمين: أحدهما: لا ينقطع إلَّا عند فناء الدنيا يوم قيام الساعة؛ لزوال التكليف. والثاني: يمكن أَنْ ينقطع قبل فناء الدنيا (٢). والمراد بالقسم الثاني: بيان وجود العلة المَنْصُوص عليها في الفرع، وهو القياس (٣). وأَمَّا القسم الأول فالمراد به: تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع، وقد قال عنه الشاطبي: "ومعناه أَنْ يثبت الحكم بمدركه الشرعي- أيْ: بدليله- لكن يبقى النظر في تعيين محله" (٤).

стр. 49

وقال عنه- أيضًا- (١): "فكأَنَّه- يعني: الذي ينزل الأحكام على الوقائع- يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق، لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام (٢)، ويقيد به ما ثبت إطلاقه في الأول، أَوْ يضم قيدًا أَوْ قيودًا لما ثبت له في الأول بعض القيود، هذا معنى تحقيق المناط هنا". فالنظر في محل الحكم بتحليته بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي هو التَّوْصِيف الذي سلف ذكره. وقال عنه الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "أَنْ يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها أَوْ مَنْصُوص عليها وهي الأصل، فيبين المجتهد وجودها في الفرع" (٣)، ومثَّل لذلك: بأَنَّ نفقة الزوجة والأقارب واجبة بقدر الكفاية، ثُمَّ قال: "فوجوب قدر الكفاية متفق عليه، أَمَّا كون الكفاية رطلًا أَوْ رطلين فيعلم بالاجتهاد" (٤). وقال أيضًا: "ومن هذا الباب من أتلف شيئًا فعليه ضمانه بمثله أَوْ قيمته فهذا متفق عليه، لكن كون هذا مثلًا له أَوْ هذا المقدار قيمته

стр. 50

فهو اجتهادي" (١). وقال: "إنَّ هذا ليس بقياس" (٢). فالاجتهاد بتعيين قدر الكفاية عند النزاع أَوْ تعيين الضمان بالمثل أَوْ القيمة هو التَّوْصِيف المطلوب تحلية الواقعة المتنازع فيها به. وقال الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ): "المناط هنا ليس بمعناه الاصطلاحي؛ لأَنَّه ليس المراد به العلة، وإنَّما المراد به النَّصّ العام، وتطبيق النَّصّ في أفراده هو هذا النوع من تحقيق المناط" (٣). وقال الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) - وهو يتحدث عن المفتي وعمله في تَوْصِيف الواقعة بإنزال الحكم عليها-: "لا بُدَّ من نظره فيه- أيْ: فيما يبلغه عن ربه- من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية، ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام ... وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي، ومُوَقِّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره" (٤). فتبين أَنَّه لا بُدَّ من تَوْصِيف الواقعة من قبل المفتي أَوْ القاضي،

стр. 51

وكل ذلك يطلق عليه تحقيق المناط وإن تميز حكم القاضي بالنظر في ثبوت الوقائع والإِلزام دون المفتي (١). رابعًا: إيقاع الحكم الكلي على محله: الإِيقاع في اللغة: مصدر من الرباعي (أوقع)، وأصلها من الثلاثي (وَقَع) - يأتي لمعان منها: نَزَل، فيقال: نزل المطر، ومنها: سَقَط، فيقال: وقع الشيء: أيْ سقط (٢)، وقد استعمل الشاطبي هذا الإِطلاق بمعنى إيقاع الحكم الكلي على محله من أقوال العباد وأفعالهم (٣)، وهو التوصيف (٤).

стр. 52

وجه اختيار تَوْصِيف الأَقْضِيَة عنوانًا للكتاب: وقد اخترت إطلاق (تَوْصِيف الأَقْضِيَة) دون غيره من الإِطلاقات عنوانًا لهذا الكتاب لأنَّه بالتَّوْصِيف يصير تطبيق الأوصاف المقررة في الحكم الكلي على مقابلها من الأوصاف الثابتة في الواقعة القضائية، فتكون الواقعة قد اتصفت بصفات الحكم الكلي. وإطلاق (وَصْف) و (أَوْصاف) على مُعَرِّفَات الحُكْم التي تؤثر فيه أمرٌ معروف عند الأصوليين، يقول الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "اعلم أَنَه لما تقرر أَنَّ الوصف مؤثر في الحكم، والحكم ثابت بالوصف ... " (١). كما أطلق بعض الفقهاء على الوقائع: الأوصاف، يقول التسولي (ت: ١٢٥٨ هـ): "القضاء والفتوى مبنيان على إعمال النظر في الصور الجزئية وإدراك ما اشتملت عليه من الأوصاف الكائنة فيها، فيلغي طرديها، ويُعْمِل معتبرها، قاله ابن عرفه" (٢). فائدة في إطلاقات تحقيق المناط: يطلق تحقيق المناط على ثلاثة معان، هي:

стр. 53

الأول: القياس الأصولي: وتحقيق المناط فيه: أَنْ تعرف علَّة الحكم المقيس عليه بنَصٍّ أَوْ إجماع، فيحقق المجتهد وجود هذه العلة في الفرع المقيس، كالعلم بأَنَّ السرقة هي مناط القطع، فيحقق المجتهد وجودها في النباش لأخذ الكفن من حرز مثله، وهذا المعنى هو المراد عند الأصوليين، وهو الغالب على هذا الإِطلاق (١). الثاني: إلحاق الفرع بقاعدته الكلية الشرعية: وذلك بأَنْ يكون هناك قاعدة كلية شرعية مقررة بنَصٍّ أَوْ إجماع، فيأتي المجتهد فيبين تحققها في الفرع، مثل قوله - تعالى-: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فوجوب المثل على جزاء الصيد متقرر بهذه الآية، فيأتي المجتهد فيقرر أَنَّ في قتل الضبع كبشًا؛ لأَنَّه مثله، فيكون قد حقق مناط النَّصّ بإلحاق الفرع بقاعدته، وهذا ليس بقياس، وهو متفق عليه (٢). وقال عنه الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): إنه تحقيق عام، وهو يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص (٣).

стр. 54

وهذا تَوْصِيف فقهي (١). الثالث: تَوْصِيف الوقائع في القضاء والفتيا: وذلك بأَنْ يبين القاضي والمفتي انطباق الحكم الكلي المقرر بنَصٍّ أَوْ إجماع أَوْ قياس أَوْ بنَصٍّ فقهيٍّ على الواقعة المعروضة عليه (٢)، وهذا هو التَّوصيف القضائي والفتوي، وسبق بيانه في تعريف تَوْصِيف الأقضية (٣). * * *

стр. 55

الموضوع الثالث مشروعية تَوْصِيف الأَقْضِيَة إنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة بتحلية الواقعة القضائية بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي عمل لا بُدَّ منه لكل قاض، فهو من الاجتهاد المأمور به في القضاء، ويَدُلُّ على مشروعيته: السُّنَّة، والإِجماع، والمعنى، والمعقول، وبيان ذلك فيما يلي: أوَّلًا: السُّنَّة: ١ - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: "أُتي النبي ﷺ بلحم، فقيل: تُصُدِّق به على بريرة، قال: هو لها صدقة ولنا هدية" (١). فهنا نجد أَنَّ النبي ﷺ وَصَّفَ بذل اللحم لبريرة بأَنَّه صدقة؛ لأَنَّها مستحقة، ولها أخذ الصدقة، والنبي ﷺ لا يأكل من الصدقات، ومع ذلك همَّ بالأكل منه؛ لأَنَّ بذله من بريرة للنبي ﷺ هدية، وهو

стр. 56

يأكل الهدية، فجهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها، والتحريم الكلي على الصفة لا على العين (١)، وقد باشر النبي ﷺ تَوْصِيف الواقعة بنفسه، فدَلَّ على مشروعية تَوْصيف الواقعة في الإِفتاء والقضاء. ٢ - عن عمرو بن العاص- ﵁ أَنَّه سمع رسول الله ﷺ قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثمَّ أخطأ فله أجر" (٢). فقد أمر النبي ﷺ القاضي بالاجتهاد إذا أراد الحكم، وأخبر بما له من الأجر (٣)، ومن اجتهاد القاضي تَوْصِيف القضية بتحلية الواقعة بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي. يقول ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ): في شرح هذا الحديث: "ودَلَّ على أَنَّه لا بُدَّ للحاكم من الاجتهاد، وهو نوعان: اجتهاد في إدخال القضية التي وقع فيها التحاكم بالأحكام الشرعية، واجتهاد في تنفيذ ذلك الحق على القريب والصديق وضدهما ... " (٤)، فإدخال الواقعة في الحكم الشرعي هو التَّوصيف للقضية، وهو اجتهاد لا بُدَّ منه.

стр. 57

٣ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أَنَّه قد سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان" (١). وإنَّما وقع النهي من النبي ﷺ للقاضي عن القضاء وهو غضبان حتى لا يخل باجتهاده في تنزيل الحكم الكلي على الواقعة القضائية، فدَلَّ على مشروعية التَّوْصِيف. يقول ابن سعدي: "إنَّ النهي عن الحكم في حال الغضب ونحوه مقصود لغيره، وهو أَنَّه ينبغي للحاكم ألَّا يحكم حتى يحيط علمًا بالحكم الشرعي الكلي، وبالقضية الجزئية من جميع أطرافها، ويحسن كيف يطبقها على الحكم الشرعي، فإنَّ الحاكم محتاج إلى هذه الأمور الثلاثة: الأول: العلم بالطرق الشرعية التي وضعها الشارع لفصل الخصومات والحكم بين الناس. الثاني: أَنْ يفهم ما بين الخصمين من الخصومة، ويتصورها تصورًا تَامًّا، ويدع كل واحد منهما يدلي بحجته، ويشرح قضيته شرحًا تَامًّا، ثم إذا تحقق ذلك وأحاط به علمًا احتاج إلى الأمر الثالث. الثالث: هو صفة تطبيقها وإدخالها في الأحكام الشرعية. فمتى وفق لهذه الأمور الثلاثة وقصد العدل وُفِّق له وهدي إليه،

стр. 58

ومتى فاته واحد منها حصل له الغلط واختل الحكم" (١). فإدخال الواقعة في الحكم الكلي هو التَّوْصِيف المطلوب، وهو اجتهاد لا بُدَّ منه للقاضي، فدَلَّ على مشروعيته. ٤ - وفَعَلَه النبي ﷺ ، فنزَّل الأحكام الكلية على الوقائع الجزئية؛ فلما كسرت الرُّبيِّع عمة أنس بن النضر ثنية جارية اختصموا إلى النبي ﷺ ، وأبوا إلَّا القصاص، فقضى بكسر ثنية الربيع قصاصًا؛ تطبيقًا لقوله- تعالى-: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] (٢). فعن أنس: "أَنَّ الرُّبَيِّع- عمته- كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش (٣)، فأتوا رسول الله ﷺ وأبوا إلَّا القصاص، فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ ! لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها (٤)، فقال رسول الله ﷺ : يا أنس، كتاب الله القصاص، فرضي

стр. 59

القوم، فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : إنَّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرَّه" (١). وظاهر من هذا الحديث أَنَّ النبي ﷺ قضى بالقصاص في الواقعة المذكورة لانطباق الآية آنفة الذكر عليها، وهذا هو التَّوْصِيف. ثانيًا: الإِجماع: ذكر شيخ الإِسلام ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ) أَنَّ الحكم المعلق بوصف يحتاج الحكم فيه على المعين إلى أَنْ يعلم ثبوت ذلك الوصف فيه؛ فقد قال- تعالى-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، فدَلَّ النَّصّ على أَنَّ مال اليتيم لا يسلم إلَّا لمن يحسن التصرف فيه، فيبقى النظر في تسليمه إلى هذا التاجر بجزء من الربح هل هو من التي هي أحسن أَوْ لا؟ كما أَنَّ الله- قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال- فيمن يشهد-: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلا يشهد إلَّا العدل المرضي، ونحتاج لإِعمال شهادة شاهد معين أَنْ نعلم هل هو من ذوي العدل المرضيين أَوْ لا؟ وعدّ شيخ الإِسلام ابن تَيْمِيَّة ذلك من تحقيق المناط الذي نحتاجه في تنزيل النَّصّ والإِجماع على الوقائع

стр. 60

المعينة (١)، ثمَّ قال: "وهذا النوع مما اتفق عليه المسلمون بل العقلاء بأَنَّه لا يمكن أَنْ يَنُصَّ الشارع على حكم كل شخص، إنَّما يتكلم بكلام عام" (٢)، فظهر من ذلك أَنَّ إعمال النُّصُوص الشرعية بتنزيلها على الوقائع القضائية لازم في كل واقعة، وأَنَّه مجمع عليه. ثالثًا: المعنى والمعقول: إنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة مما لا يتم الحكم القضائي إلَّا به، وما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب، فالوقائع يتكرر نزولها، ولا يطابق بعضها بعضًا، بل تختلف عنها قليلًا أَوْ كثيرًا بحكم ما يحف بها عند وقوعها من علل دافعة، أَوْ عوارض مانعة، أَوْ ظرف زماني أَوْ مكاني، فلا يمكن التقليد فيها، فوجب الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع في كل قضية تعرض على القاضي (٣)، يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بُدَّ من النظر فيها والاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أَنَّه تقدم لنا مثلها فلا بُدَّ من النظر في كونها مثلها أَوْ لا، وهو نظر اجتهاد" (٤).

стр. 61

ثم إنَّ تقرير الحكم الكلي وأوصافه- مفترضاته ومُعَرِّفَاته- منزل في الأذهان لا على الأعيان، وهو مقرر لأجل تطبيقه على الأعيان، والأعيان والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة بل مشخصة، فلا بُدَّ من إيقاع الحكم عليها بتحلية الواقعة بالأوصاف المقررة في الحكم الكلي، وهذا هو التَّوْصِيف، ولو فرض عدمه لانعدم الحكم على الأعيان، وكان التكليف محالًا، وهو غير ممكن شرعًا وعقلًا (١). يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد (٢) لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلَّا في الذهن؛ لأَنَّها مطلقات وعمومات، وما يرجع إلى ذلك منزلات (٣) على أفعال مطلقات كذلك، والأفعال لا تقع في الوجود مطلقة، وإنَّما تقع معينة مشخصة، فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلَّا بعد المعرفة بأَنَّ هذا المعين يشمله ذلك المطلق أَوْ ذلك العام ... فلا بُدَّ من هذا الاجتهاد في كل زمان؛ إذ لا يمكن حصول التكليف إلَّا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفًا بالمحال، وهو غير ممكن شرعًا كما أَنَّه غير ممكن عقلًا، وهذا

стр. 62

أوضح دليل في المسألة" (١). ويقول ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ): "وحكّام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة، ولا يحكمون في الأمور الكلية، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أَنْ يحكموا بما في كتاب الله، فإنَّ لم يكن فبما في سنة رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه" (٢). ويقول الدريني (معاصر) في بيان أهمية التطبيق على الوقائع: "من الواضح أنَّ الاجتهاد في التطبيق أضحى لا يقل خطرًا عن الاجتهاد في الاستنباط الفقهي المجرد إن لم نقل: إنَّ الأول أعظم خطرًا، لأَنَّه يتعلق بالثمرات الواقعية، والآثار العملية في حياة الأمة، وهي الغاية القصوى من التشريع كله" (٣). ومن هنا نشأت صعوبة أمر القضاء، يقول جعيط (ت: ١٩٧٠ م): "ولدقة تحقيق المناط وتطبيق القواعد على جزئياتها صَعُب أمر القضاء" (٤). * * *

стр. 63

الموضوع الرابع أقسام تَوْصِيف الأَقْضِيَة ينقسم تَوْصِيف الأَقْضِيَة من جهة كونه إجرائيًّا أَوْ موضوعيًّا. وينقسم تَوْصِيف الأَقْضِيَة الموضوعي من جهة كونه ابتدائيًّا أَوْ نهائيًّا. كما ينقسم تَوْصِيف الأَقْضِيَة من جهة كونه إيجابيًّا أَوْ سلبيًّا. وبيان ذلك فيما يلي: أولًا: أقسام تَوْصِيف الأَقْضِيَة من جهة كونه إجرائيًّا أَوْ فرعيًّا أَوْ موضوعيًّا: وينقسم من هذه الجهة ثلاثة أقسام، هي: ١ - التوصيف الإِجرائي: والمراد به: تحلية القاضي لإِجراءات الدعوى بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي الإِجرائي. وذلك مثل توصيف الدعوى بالصِّحَّة لاستكمال شروطها، أَوْ

стр. 64

بأَنَّ الدعوى ناقصة ويمكن تَصْحِيحها والسير فيها، أَوْ بأَنَّ الدعوى باطلة لتخلف بعض شروطها التي لا يمكن استيفاؤها، أَوْ تَوْصِيف صِحَّة انعقاد الاختصاص للقاضي أَوْ عدم انعقاده، أَوْ تَوْصِيف المدعي الذي يتوجه عليه الإِثبات حتى تطلب منه البينة، أَوْ تَوْصِيف المدعى عليه الذي لا يتوجه عليه شيء من ذلك، ونحو ذلك مما فصلته أحكام الفقه الإِجرائي في الشريعة. ٢ - التوصيف الفرعي: والمراد به: تحلية واقعة فرعيَّة متعلقة بالدعوى بمعرِّفات الحكم الكلي. ومنه: التَّوْصِيف الذي يحصل لأجل الردّ على البينات غير الموصلة، مثل تَوْصِيف شهادة الشاهد عند ردّها بأَنَّها ادِّعاء للحوالة وليست شهادة (١). وسمَّيْتُه فرعيًّا لأنه غير مرادٍ بالدعوى قصدًا، وإنما اقتضاه تسبيب الحكم. وهذا التوصيف مقابل للتوصيف الموضوعي في الإِطلاق، فالتوصيف الموضوعي هو التوصيف الأصلي.

стр. 65

٣ - التوصيف الموضوعي: والمراد به: تحلية الواقعة القضائية بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي. كأَنْ يقال بأَنَّ الواقعة المتنازع فيها جعالة، أَوْ إجارة، أَوْ بيع، أَوْ غصب، أَوْ قتل عمد أَوْ خطأ، ونحو ذلك، فالتَّوْصِيف هنا مُنْصَبٌّ على موضوع النزاع لا على إجراءات الدعوى. ثانيًا: أقسام تَوْصِيف الأَقْضِيَة الموضوعي من جهة كونه إبتدائيًّا أَوْ نهائيًّا: وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما: ١ - التوصيف الابتدائي: والمراد به: تحلية الواقعة القضائية بالأوصاف الشرعية المقررة في الحكم الكلي بعد استجواب الطرفين. فإذا فرغ القاضي من استجواب الطرفين لا بُدَّ له من تحديد الوقائع المؤثرة في الحكم والتي يتوجه عليها الإِثبات، وحذف الأوصاف الطردية التي لا يترتب على وجودها أَوْ فقدها ثمرة، وسبيل ذلك تَوْصِيف الواقعة توصيفًا ابتدائيًّا، وذلك بمقابلتها مع الحكم الكلي الملاقي لها، والاستفسار عن الأوصاف والوقائع التي يقتضيها الحكم تهيئة للوقائع المؤثرة للإِثبات، ثم يحدد القاضي ما تصادق عليه

стр. 66

الطرفان، وما اختلفا فيه من الوقائع المؤثرة، ويوجه الإِثبات على ما اختلفا فيه (١). يقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ): "والقاضي يستمع أولًا دعوى المدعي ... ويوفق هذه الدعوى على إحدى المسائل الشرعية فيستوضح القيود والشروط المقتضية" (٢). وهذا التَّوْصِيف الابتدائي الموضوعي قد يتضاد فيكون للدعوى تَوْصِيف وللإِجابة تَوْصِيف آخر، وذلك سائغ، ولكن المعتدّ به التَّوْصِيف النهائي الذي تنتفي فيه المضادة، والقاضي عند التَّوْصِيف الابتدائي يحدد ماهية الواقعة المتنازع فيها متنقلًا من الأعم إلى الأخص حتى يصل إلى الحكم المحتمل، فبعد تقديم الوقائع له وسماع الدعوى يتساءل: هل هذه الواقعة من المعاملات أَوْ من الجنايات؟ ثم إذا كانت من المعاملات فهل هي من المعاملات المالية من بيوع وما في حكمها، أَوْ أَنَّها من الأنكحة وما يلحق بها؟ وإذا كانت من الأنكحة وما يلحق بها فهل هي من المواريث، أَوْ الوصايا، أَوْ المنازعة في عقد النكاح، أَوْ من الطلاق، أَوْ من عيوب النكاح، أَوْ من النشوز؟ وهكذا ينتقل القاضي- لأجل تصور الواقعة في الذهن- من الأعم إلى الأخص مراعيًا التقسيمات الممكنة حتى يصل إلى الحكم

стр. 67

الكلي الفقهي المحتمل الانطباق على الواقعة فيحدده ويوصف الواقعة به توصيفًا ابتدائيًّا (١). ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ هذا التَّوْصِيف الابتدائي منزل على افتراض صِحَّة أقوال الخصمين فكأَنَّه فتوى؛ إذ الغرض منه تهيئة الواقعة المؤثرة للإِثبات بطرق الحكم، ولذلك سمي توصيفًا ابتدائيًّا، وبهذا التَّوْصِيف يتم إعداد الواقعة للتَوْصِيف النهائي مما يؤكد التَّوْصِيف الابتدائي، أَوْ يُعدِّله، أَوْ يَعْدِلُ عنه. ٢ - التوصيف النهائي: والمراد به: تحلية الواقعة القضائية الثابتة بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي بعد اكتمال المرافعة (٢). وهذا التَّوْصِيف الموضوعي النهائي هو المراد بالتَّوْصيف عند الإِطلاق. وسُمِّي نهائيًّا لأَنَّه يكون بعد استيفاء جميع ما يلزم للحكم في القضية من دعوى، وإجابة، ودفوع، وبينات، وطعن، وإعذار مراعى فيه الطلبات وأصول التَّوْصِيف، وهو المعتمد للحكم القضائي، وقد يتفق مع التَّوْصِيف الابتدائي، وقد يُعدِّل التَّوْصِيف الابتدائي، أَوْ يَعْدِل

стр. 68

عنه؛ فالمعتمد في التَّوصيف للحكم القضائي ما يتقرر آخرًا بعد استيفاء جميع ما يلزم للحكم في الدعوى، ولذلك تنتفي المضادة في هذا التَّوْصِيف التي قد تظهر في التَّوْصِيف الابتدائي. ثالثًا: أقسام تَوْصِيف الأَقْضِيَة من جهة كونه إيجابيًّا أَوْ سلبيًّا: وينقسم من هذه الجهة قسمين، هما: ١ - التوصيف الإِيجابي: والمراد به: تحلية الواقعة القضائية الثابتة بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي، وهو التَّوْصِيف النهائي الموضوعي عينه السالف ذكره. ٢ - التوصيف السلبي: والمراد به: تقرير القاضي عدم استحقاق المدعي الحق المدعى لعدم ثبوت الواقعة المتنازع فيها. ذلك أَنَّه عندما يدعي المدعي بدعوى، وينكرها المدعى عليه، ولا بينة لدى المدعي، فتتوجه اليمين على المدعى عليه فيحلف، أَوْ لا تتوجه يمين حسب الاقتضاء مع عدم ثبوت المدعى، فتوصف الدعوى سلبًا بعدم ثبوت ما يدعيه المدعي وإخلاء سبيل المدعى عليه من الدعوى، ولا يحتاج القاضي إلى تَوْصِيف الواقعة، بل إنَّ القاضي لا يتمكن من ذلك لو أراده؛ إذ لم تثبت واقعة حتى توصف؛ ولذلك قال الفقهاء: اليمين رافعة للدعوى لا مثبتة للحق؛ فالقاضي يبرئ المدعى

стр. 69

عليه من الدعوى، ولا يُثْبِت للمدعى عليه حقًا أَوْ ملكًا بهذه اليمين (١). كما قالوا بقضاء الترك حينما يُقضَى بإخلاء سبيل المدعى عليه من الدعوى لعدم استحقاق المدعي لما يدعيه (٢). ومما تجدر الإِشارة إليه أَنَّ هذا القسم مغاير للتَوْصِيف الموضوعي النهائي (٣)؛ لأَنَّ التَّوْصِيف الموضوعي النهائي تحلى فيه الواقعة القضائية المتقررة بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم، وأَمَّا التَّوصيف السلبي فيقضى فيه بعدم ثبوت الدعوى من غير نظر في انطباق الأوصاف على الوقائع؛ لأَنَّه لم يثبت وقائع حتى توصف. والتَّوْصِيف السلبي لا يستغني عن التَّوْصِيف الموضوعي الابتدائي؛ إذ به تحدد الأوصاف المؤثرة من الأوصاف الطردية، ويتمكن به القاضي من تسيير الدعوى في مسارها الصَّحِيح حتى يتم التَّوْصِيف السلبي. * * *

стр. 70

الموضوع الخامس الفرق بين تَوْصِيف الأَقْضِيَة وأقسام التَّوْصِيف بعامة ونتناول هنا أقسام التَّوْصِيف بعامة، ثم الفرق بينها وبين تَوْصِيف الأَقْضِيَة فيما يلي: أولًا: أقسام التوصيف بعامة: ينقسم التَّوْصِيف من حيث هو أربعة أقسام: تشريعي، وفقهي، وفتوي، وقضائي، وبيانها فيما يلي: ١ - التوصيف التشريعي: الأصل في الأحكام الشرعية أَنْ تكون كلية منزَّلة على الأوصاف لا على الأشخاص والوقائع المعينة، وهذا هو الكثير الغالب فيها، فإذا وقعت بعد ذلك واقعة اجتهد القاضي والمفتي في تنزيلها على تلك الأحكام الكلية (١).

стр. 71

غير أَنَّه قد عرضت وقائع في عهد النبي ﷺ نزل بشأنها آيات من الله- ، أَوْ ورد بشأنها أحاديث من النبي ﷺ ، وهذا ما يمكن أَنْ نطلق عليه التَّوْصِيف التشريعي. والمراد به: ما جاء من الأحكام منزَّلًا على وقائع بأعيانها مباشرة بنَصٍّ الكتاب أَوْ السنة؛ إفتاءً، أَوْ قضاءً. فإذا وقعت نازلة في عهد النبي ﷺ ، واستدعت حكمًا، فنزل بخصوصها آية من كتاب الله، أَوْ قضى النبي ﷺ فيها أَوْ أفتى، فيكون ذلك توصيفًا لخصوص تلك النازلة، وهذا يشمل جميع الآيات التي نزلت على سبب معين أَوْ مقصودًا بها واقعة معينة، وكلَّ ما قضى فيه النبي ﷺ بين متخاصمين، أَوْ أفتى فيه بناءً على سبب معين بخصوص تلك الواقعة بأشخاصها وأحوالها ابتداء. وأذكر بعض الأمثلة فيما يلي: (أ) مثال ما تم توصيفه بالقرآن تشريعًا: أَنَّ أوس بن الصامت ﵁ لما ظاهر امرأته خولة بنت ثعلبة- ﵂ جاءت خولة للنبي ﷺ شاكية حالها، عارضة ما حصل من زوجها فأنزل الله فيهما (١) قوله- تعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)

стр. 72

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. فعن عائشة- ﵂ أَنَّها قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله- : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية" (١)، فقد بين الله- ما وقع من أوس بن الصامت على زوجته، وأَنَّه ظهار، وهذا هو التَّوْصِيف التشريعي عينُه. (ب) مثال ما تمَّ توصيفه بالسُّنَّة تشريعًا: قضاء النبي ﷺ في شراج الحرة: فعن عروة بن الزبير أَنَّه حَدَّث: "أَنَّ رجلًا من الأَنْصَارِ خاصم

стр. 73

الزبير عند النبي ﷺ في شراج (١) الحَرَّة (٢) التي يسقون بها النخل، فقال الأَنْصَارِي: سَرِّح الماء يمرُّ، فأبى عليه، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنْصَارِي فقال: أَنْ كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر (٣)، فقال الزبير: والله إنَّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] " (٤). وغير ذلك كثير مما جاءت فيه أحكام النبي ﷺ بسبب خصومة معينة فقضى فيها بحكم كان فاصلًا للمتنازعين فيما تنازعوا فيه. ٢ - التوصيف الفقهي: والمراد به: أَنْ يكون هناك قاعدة كلية مقررة بنَصٍّ من كتاب، أَوْ سنة، أَوْ متفق عليها، فيقوم المجتهد بتنزيلها على الفرع في

стр. 74

الأذهان على تلك الأوصاف من القاعدة (١). وهكذا كل ما كان تحقيق المناط فيه بتنزيل القاعدة على الفرع متوجهًا على الأنواع لا على الأشخاص والوقائع المعينة (٢) فهو تَوْصِيف فقهي، وذلك مثل إيجاب المثل في جزاء الصيد في قوله - تعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيأتي المجتهد فيقرر أَنَّ من قتل ضبعًا فعليه كبش، ومن قتل غزالًا فعليه عنز، ومن قتل أرنبًا فعليه عناق؛ لتحقق المثلية فيها حسب نظر المجتهد، فوجوب المثل اتفاقيٌّ نَصِّيٌّ، وكون هذا مثل هذا تحقيقي اجتهادي، فهو تَوْصِيف فقهي منزَّل في الأذهان لم يقع على واقعة متنازع فيها الآن (٣). ومثل ذلك: ما قرره الفقهاء من تَوْصِيف الهبة بشرط العوض - وهي المسماة هبة الثواب- بأَنَّها بيع تثبت لها أحكامه (٤)، بناءً على نُصُوص مشروعية البيع، كقوله- تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأَنَّ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ

стр. 75

والمباني؛ لذا فقد انطبق تعريف البيع شرعًا عليها. ويلحق بهبة الثواب السالفة على الراجح الهبةُ لأجل العوض بقرينة دالة على ذلك ولو لم يصرح الواهب بشرط العوض ولا مقداره (١). ومن الجدير بالذكر أَنَّ من التَّوْصِيف الفقهي ما قد فرَغ العلماء منه ووصفوه، ومنه نوازل فقهية مستجدة تحتاج إلى تَوْصِيف بتخريجها على الأصول. ٣ - التوصيف الفَتْوِي (٢): والمراد به: تحلية الواقعة الفتوية بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي (٣).
следующие страницы →