← Сияса и кади

Сияса и кади · id 17810

توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية

عبد الله بن محمد الخنين

Полный текст (1 181 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

غير أَنَّه قد عرضت وقائع في عهد النبي ﷺ نزل بشأنها آيات من الله- ، أَوْ ورد بشأنها أحاديث من النبي ﷺ ، وهذا ما يمكن أَنْ نطلق عليه التَّوْصِيف التشريعي. والمراد به: ما جاء من الأحكام منزَّلًا على وقائع بأعيانها مباشرة بنَصٍّ الكتاب أَوْ السنة؛ إفتاءً، أَوْ قضاءً. فإذا وقعت نازلة في عهد النبي ﷺ ، واستدعت حكمًا، فنزل بخصوصها آية من كتاب الله، أَوْ قضى النبي ﷺ فيها أَوْ أفتى، فيكون ذلك توصيفًا لخصوص تلك النازلة، وهذا يشمل جميع الآيات التي نزلت على سبب معين أَوْ مقصودًا بها واقعة معينة، وكلَّ ما قضى فيه النبي ﷺ بين متخاصمين، أَوْ أفتى فيه بناءً على سبب معين بخصوص تلك الواقعة بأشخاصها وأحوالها ابتداء. وأذكر بعض الأمثلة فيما يلي: (أ) مثال ما تم توصيفه بالقرآن تشريعًا: أَنَّ أوس بن الصامت ﵁ لما ظاهر امرأته خولة بنت ثعلبة- ﵂ جاءت خولة للنبي ﷺ شاكية حالها، عارضة ما حصل من زوجها فأنزل الله فيهما (١) قوله- تعالى-: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)

стр. 72

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ [المجادلة: ١ - ٤]. فعن عائشة- ﵂ أَنَّها قالت: "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادِلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله- : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية" (١)، فقد بين الله- ما وقع من أوس بن الصامت على زوجته، وأَنَّه ظهار، وهذا هو التَّوْصِيف التشريعي عينُه. (ب) مثال ما تمَّ توصيفه بالسُّنَّة تشريعًا: قضاء النبي ﷺ في شراج الحرة: فعن عروة بن الزبير أَنَّه حَدَّث: "أَنَّ رجلًا من الأَنْصَارِ خاصم

стр. 73

الزبير عند النبي ﷺ في شراج (١) الحَرَّة (٢) التي يسقون بها النخل، فقال الأَنْصَارِي: سَرِّح الماء يمرُّ، فأبى عليه، فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنْصَارِي فقال: أَنْ كان ابن عمتك؟ فتلوَّن وجه رسول الله ﷺ ، ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر (٣)، فقال الزبير: والله إنَّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] " (٤). وغير ذلك كثير مما جاءت فيه أحكام النبي ﷺ بسبب خصومة معينة فقضى فيها بحكم كان فاصلًا للمتنازعين فيما تنازعوا فيه. ٢ - التوصيف الفقهي: والمراد به: أَنْ يكون هناك قاعدة كلية مقررة بنَصٍّ من كتاب، أَوْ سنة، أَوْ متفق عليها، فيقوم المجتهد بتنزيلها على الفرع في

стр. 74

الأذهان على تلك الأوصاف من القاعدة (١). وهكذا كل ما كان تحقيق المناط فيه بتنزيل القاعدة على الفرع متوجهًا على الأنواع لا على الأشخاص والوقائع المعينة (٢) فهو تَوْصِيف فقهي، وذلك مثل إيجاب المثل في جزاء الصيد في قوله - تعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيأتي المجتهد فيقرر أَنَّ من قتل ضبعًا فعليه كبش، ومن قتل غزالًا فعليه عنز، ومن قتل أرنبًا فعليه عناق؛ لتحقق المثلية فيها حسب نظر المجتهد، فوجوب المثل اتفاقيٌّ نَصِّيٌّ، وكون هذا مثل هذا تحقيقي اجتهادي، فهو تَوْصِيف فقهي منزَّل في الأذهان لم يقع على واقعة متنازع فيها الآن (٣). ومثل ذلك: ما قرره الفقهاء من تَوْصِيف الهبة بشرط العوض - وهي المسماة هبة الثواب- بأَنَّها بيع تثبت لها أحكامه (٤)، بناءً على نُصُوص مشروعية البيع، كقوله- تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وأَنَّ العبرة بالمعاني لا بالألفاظ

стр. 75

والمباني؛ لذا فقد انطبق تعريف البيع شرعًا عليها. ويلحق بهبة الثواب السالفة على الراجح الهبةُ لأجل العوض بقرينة دالة على ذلك ولو لم يصرح الواهب بشرط العوض ولا مقداره (١). ومن الجدير بالذكر أَنَّ من التَّوْصِيف الفقهي ما قد فرَغ العلماء منه ووصفوه، ومنه نوازل فقهية مستجدة تحتاج إلى تَوْصِيف بتخريجها على الأصول. ٣ - التوصيف الفَتْوِي (٢): والمراد به: تحلية الواقعة الفتوية بالأوصاف الشرعية المقررة في مُعَرِّفَات الحُكْم الكلي (٣).

стр. 76

وقد سبق بيان المراد بالتَّوْصِيف القضائي وشرح ذلك (١)، وما قيل هناك يستفاد منه هنا بما يغني عن الإِعادة مع لحظ أَنَّ الفتيا لا إلزام فيها، وأَنَّها تكون منزَّلة على صدق المستفتي فيما يقدمه من وقائع، فلا يطلب منه إثباته (٢). ٤ - التوصيف القضائي: وهو المراد بتَوْصِيف الأَقْضِيَة، وقد سبق بيان المراد به، وبعض الأمثلة له. ثانيًا: الفرق بين تَوْصِيف الأقْضِيَة: (التوصيف القضائي) وأقسام التوصيف بعامة السالفة: هناك فروق بين التَّوصيف القضائي وأقسام التَّوْصِيف الأخرى السالفة (التشريعي، والفقهي، والفتوي) (٣) نتناولها فيما يلي:

стр. 77

١ - الفرق بين التوصيف التشريعي والتوصيف القضائي والفتوي: يظهر الفرق بين التَّوْصِيف التشريعي والتَّوْصِيف القضائي والفتوي فيما يلي: (أ) أَنَّ التَّوْصِيف التشريعي مقرر من الله- فيما طريقه القرآن، أَوْ من نبيه محمد ﷺ فيما طريقه السنة. أَمَّا التَّوْصيف القضائي والفتوي فإيقاعه إنَّما يكون من القاضي أَوْ المفتي، وهذا ظاهر من تعريفهما سابقًا. (ب) أَنَّ التَّوْصِيف التشريعي قد انقطع بوفاة النبي ﷺ . أَمَّا التَّوْصِيف القضائي والفتوي فهو دائمٌ متجددٌ لا ينقطع حتى فناء الدنيا؛ لأَنَّ وقائع القضاء والفتيا مستمرة لا تنقطع، والتكليف باق حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يمكن الحكم على الوقائع إلَّا بتنزيل الأحكام عليها (١). (ج) أَنَّ التَّوْصِيف التشريعي له صفة الحكم الكلي، فهو منزَّل على الواقعة التي استدعاه سببها، لكنه يجري على جميع نظائرها؛

стр. 78

لأَنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهو وإن انقطع تجدده لانقطاع الوحي بوفاة النبي ﷺ ، لكن النُّصُوص المقررة له لها صفة العموم والتجريد (١)، فهي تجري على نظائره؛ لما سلف أَنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٢). أَمَّا التَّوْصِيف القضائي والفتوي، فهو خاص بالواقعة المنزل عليها إفتاءً أَوْ قضاءً لا يجري على غيرها، بل مهما تجدد من الواقعات وجب تجدد النظر والاجتهاد في توصيفها؛ وذلك لخصوصية كل واقعة ولو في نفس الاجتهاد بإعمال الذهن في تحقيق المثلية وأَنَّ اللاحقة مثل السابقة فتأخذ حكمها (٣). ٢ - الفرق بين التوصيف الفقهي والتوصيف القضائي أَوْ الفتوي: هناك فرق بين التَّوْصِيف الفقهي والتَّوْصِيف القضائي أَوْ الفتوي نوضحه فيما يلي: (أ) أنَّ التَّوْصِيف الفقهي يكون بتنزيل قاعدة كلية على واقعة

стр. 79

فقهية في الأذهان، ويكون هذا التنزيل كلِّيًّا له صفة العموم والتجريد مهيأً لتنزيله على وقائع لا حصر لها. أَمَّا التَّوْصِيف القضائي والفتوي فيجري فيه تنزيل الحكم الكلي المقرر في الأذهان على وقائع بأعيانها وأشخاصها، فكأَنَّه تخصيص للحكم الكلي على هذه الواقعة (١). (ب) أَنَّ التَّوْصِيف الفقهي مما يدخله التقليد، فإذا قال فقيه: إنَّ الكبش مثل الضبع تحقيقًا للمثلية المقررة في قوله- تعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] جاز تقليده في ذلك. ولا يقلد في التَّوْصِيف الفتوي والقضائي؛ لأَنَّ مناط الواقعة القضائية أَوْ الفتوية الحادثة لم يتحقق قبل التَّوْصِيف، فكل صورة من الواقعة القضائية أَوْ الفتوية نازلة مستأنفة لم يتقدم لها نظير، ولو فرض أَنَّه تقدم مثلها للقاضي والمفتي فلا بُدَّ من النظر في كونها مثلها أوْ لا، وهذا تَوْصِيف مستأنف (٢). ٣ - الفرق بين التوصيف الفتوي والتوصيف القضائي: هناك فروق بين التَّوْصِيف الفتوي والتَّوْصِيف القضائي، ويظهر ذلك في الأمور الآتية:

стр. 80

(أ) أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي منزَّل على صدق المستفتي فيما يذكره من وقائع. أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فلا بُدَّ فيه من النظر في ثبوت الوقائع بطرق الحكم والإِثبات المقررة (١). يقول عبد العزيز بن عبد السلام (ت: ٦٦٠ هـ): "المفتي أسير المستفتي، والحاكم أسير الحجج الشرعية والظواهر" (٢). ولا يعني ذلك الاسترسال في تصديق كل مستفت فيما يقدمه من وقائع، بل لا بُدَّ من الاحتياط من تلاعب المتلاعبين، وكشف حيل المحتالين (٣). وقد أمر الله- رسوله ﷺ بالتثبُّت من أعذار المعتذرين بالتخلُّف عن غزوة تبوك الذين لَبِسوا الأعذار ولا عذر لهم (٤)، فقال- تعالى-: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٢، ٤٣].

стр. 81

٢ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي لا يترتب عليه إلزام حسي من المفتي، وإنَّما هو بيان لانطباق الأوصاف على الواقعة، وترتيب الحكم الكلي الفقهي من وجوب وإباحة وكراهة ونحوها من غير إلزام. أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فيزيد على ذلك بأَنَّه يترتب عليه إلزام من الحاكم بما تقرر في الحكم الكلي (١). ٣ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي يجري فيما يترتب عليه الوجوب أَوْ الحرمة، أَوْ الإِباحة، أَوْ الندب، أَوْ الكراهة، أَوْ الصَحَّة، أَوْ البطلان. أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فلا يجري فيما يترتب عليه الندب أَوْ الكراهة؛ لأَنَّ الندب والكراهة حمل على الحث بالفعل أَوْ الترك من غير إلزام، والقضاء إجبار وإلزام (٢). ٤ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي يدخل جميع أبواب العلم؛ في العقائد، والعبادات، والمعاملات، وغيرها. أَمَّا التَّوْصِيف القضائي فلا يدخل مسائل العلم الكلية كالتنازع في معنى آية أَوْ حديث، أَوْ حكم كلي، كتحريم السباع، وطهارة الأواني والمياه، ونحو ذلك مما يختلف فيه أهل العلم.

стр. 82

كما لا يدخل التَّوْصِيف القضائي في العبادات صِحَّةً وفسادًا، وأسبابها وشروطها وموانعها، فالعبادات تَصْحِيحًا وإبطالًا ليست محلًا للقضاء، بل هي محل للفتيا، فلا يحكم القاضي بأَنَّ خروج الدم ينقض الوضوء أَوْ أَنَّه لا ينقضه، نَعَمْ يحكم القاضي بإلزام من امتنع عن أداء الزكاة، وليس ذلك من الحكم في صِحَّة العبادة أَوْ بطلانها. كما لا يدخل التَّوْصِيف القضائي مسائل العقيدة، كتنازع الناس في الاستواء؛ لأَنَّ حكم الحاكم بصِحَّة هذا أَوْ ذاك مما ليس فيه فائدة (١). يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "حكم الحاكم إنَّما يؤثر إذا أنشأه في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية" (٢). وإنَّما لا يدخل التَّوْصِيف القضائي في هذه الأمور لأَنَّه لا إلزام فيها، فلا يتوجه النظر في توصيفها قضاء.

стр. 83

٥ - أَنَّ التَّوْصِيف الفتوي يدخل ما لا يثبت في الذمة ويسقط بفواته، مثل: رد السلام، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وإجابة الدعوة. ولا يدخل التَّوْصِيف القضائي ذلك؛ لأَنَّه لا إلزام فيه (١). * * *

стр. 84

الموضوع السادس ثمرة تَوْصِيف الأَقْضِيَة إنَّ الثمرة العظمى من فن تَوْصِيف الأَقْضِيَة هي العلم بصفة تنزيل الأحكام الكلية على الوقائع القضائية. وثمَّ فوائد وثمرات أخرى لتَوْصِيف الأَقْضِيَة بالنظر إلى كونه عملًا يؤديه القاضي، وهي: ١ - أنَّ تَوْصِيف الأَقْضِيَة هو العمل الذي تتحول به الأحكام الكلية من معان مجردة في الأذهان إلى وقائع مشخصة على الوقائع والأعيان، فالأحكام الكلية من حظر وإباحة وغيرها منزلة على صفات مفترضة، وإنَّما تصير للأعيان بتنزيلها على الوقائع (١). ٢ - أَنَّ التَّوْصِيف يعين القاضي والمفتي على الاهتداء إلى الحكم على الواقعة، فيقل خطؤه ويسلم من الاضطراب في الأحكام، كالطبيب إذا عرف الداء سهل عليه معرفة الدواء، وإذا

стр. 85

جهل الداء لم يعرف الدواء فالتَّوْصِيف هو الطريق إلى الحل الصَّحِيح والحكم السليم الذي إذا أعرض عنه القاضي والمفتي أَوْ لم يهتد إليه كان حكمه حدسًا وتخمينًا. يقول الجويني (ت: ٤٧٨ هـ): "وليس في عالم الله أخزى من مُتَصَدٍّ للحكم لو أراد أَنْ يصف ما حكم به لم يستطعه" (١). فالقاضي إذا هجم على الحكم دون تَوْصِيف للواقعة فإنَّه لا يدري إصابته من خطئه، وصار كالذي يخبط خبط عشواء في الظلام، إصابته حَدْسٌ وخطؤه عدوانٌ وظلمٌ، وهو آثم في الحالين حال موافقته للصواب أَوْ مخالفته له؛ لأَنَّه أصاب من حيث لا يدري إصابته الحق (٢)، يقول ابن تَيْمِيَّة (ت: ٧٢٨ هـ): "من حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر" (٣). ٣ - أَنَّ التَّوْصِيف كالميزان يُعرف به صَحِيح الأحكام من فاسدها، فبالتَّوْصِيف يستطيع القاضي أَنْ ينقح الوقائع المدعاة،

стр. 86

ويستوعب النزاع، ويسيره مساره الصَّحِيح بعيدًا عن الارتجال والعشوائية. يقول علي حيدر (كان حيًّا عام ١٣٢٧ هـ) في صفات القاضي: "ينبغي أَنْ يكون واقفًا على المسائل الفقهية، وعلى أصول المحاكمة، ومقتدرًا على فصل وحسم الدعاوى الواقعة توفيقًا لهما" (١)، ولذلك دَقَّ علم القضاء وجَلَّ؛ لأَنَّ القاضي قد يعرف الحكم الكلي ولكن لا يعرف صفة تنزيله على الواقعة (٢). ٤ - قيام الحاجة إلى تَوْصِيف الأَقْضِيَة في كل واقعة تنزل بالقاضي؛ ذلك أَنَّ الوقائع العينية لا تنضبط بحصر، ولا يمكن استيفاء القول في آحادها، فلكل واقعة خاصية ليست لغيرها بحسب ما يلمُّ بها من أحوال ومقتضيات من زمان ومكان ومن علل دافعة وعوارض مانعة ونحو ذلك، ولذا فالنظر بتَوْصِيف كل قضية جزئي مستأنف لا يكتفى به لنازلة عن أخرى ولا يدخله التقليد (٣).

стр. 87

يقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "كل صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير، وإن تقدم في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بُدَّ من النظر فيها بالاجتهاد، وكذلك إن فرضنا أَنَّه تقدم لنا مثلها فلا بُدَّ من النظر في كونها مثلها أَوْ لا، وهو نظر اجتهاد أيضًا" (١). فالموصِّف يخص الواقعة الموصَّفة بعموم الحكم الكلي الذي هو منزل في الذهن ليشمل صورًا كثيرة. يقول الشاطبي في بيان ذلك: "فهو (٢) يحمل على كل نفس من أحكام النُّصُوص ما يليق بها بناء على أَنَّ ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف، فكأَنَّه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق ... " (٣)، ولذلك كانت الأحكام القضائية جزئية لا يتعدى أثرها إلى غير المترافعين إلَّا بحكم جديد مستأنف (٤). ٥ - اختصار إجراءات التقاضي، وتعجيل الفصل في القضية.

стр. 88

إنَّ تَوْصِيف القضية يحمل القاضي على سبر غورها، ومعرفة طريقها؛ فيسهل عليه الفصل فيها بأقرب الطرق وأخصرها بحذف التطويل، ورفع التشتيت، وهذا مقصد للقضاء من السمو بمكانٍ. فالقاضي عليه أَنْ يسلك أقرب الطرق التي تعينه على الفصل في القضية بأسرع وقت ممكن مع استيفاء ما يجب للفصل فيها، واستيعاب ما لدى الخصوم من أقوال وبينات، وليس له الإِطالة على الخصوم بالسير بهم في طريق لا فائدة فيها للقضية، أَوْ تركهم يخبطون بأنفسهم خبط عشواء وهو يجد لهم طريقًا شرعيًا أقرب وأسرع للفصل في قضيتهم، ومما يحقق ذلك تَوْصِيف القضية ابتداءً وانتهاءً (١). * * *

стр. 89

الباب الأول الحكم الكلي ومُعَرِّفَاته وفيه تمهيد، وخمسة فصول: التمهيد: تعريف الحكم الكلي وأقسامه. الفصل الأول: مُعَرِّفَات الحُكْم (الحكم الوضعي). الفصل الثاني: الحكم التكليفي. الفصل الثالث: أدلة شرعية الأحكام وأدلة وقوعها. الفصل الرابع: تقرير الأحكام الكلية. الفصل الخامس: تفسير نُصُوص الأحكام الكلية.

стр. 90

التمهيد وفيه مدخل، وأربعة مباحث: المدخل. المبحث الأول: تعريف الحكم الكلي. المبحث الثاني: أقسام الحكم الكلي وتحليه إلى شطرين والعلاقة بينهما. المبحث الثالث: صفتا الأحكام الكلية العموم والتجريد. المبحث الرابع: إطلاقات الحكم الكلي.

стр. 91

مدخل للحكم الكلي أهمية كبيرة في تَوْصِيف الوقائع فتوية أَوْ قضائية، فمعرفة الأحكام وضعًا وتكليفًا لا تقتصر فائدته على المجتهد لاستنباط الأحكام الفقهية، بل يتعدى ذلك إلى الذي يوصف الوقائع فتوية أَوْ قضائية فهو في أشد الحاجة إلى معرفة ذلك؛ لأَنَّها تعين القاضي والمفتي على تقرير الحكم الكلي عند خلو النازلة من حكم لمجتهد، ويعرفان به صفة بناء الأحكام الكلية، فيتبين لهما بواسطته رد الحكم الكلي إلى عناصره الأساس وتحليلها عند التطبيق عليه، فيسهل على القاضي والمفتي تنقيح الوقائع، واستنباطها، وتنزيلها على الأحكام الكلية، وسوف يظهر ذلك جليًّا عند بيان تنقيح الوقائع، واستنباطها، وتنزيلها على الأحكام في مواضعه من هذا الكتاب. * * *

стр. 92

المبحث الأول تعريف الحكم يطلق الأصوليون على الحكم الكلي لفظ (الحكم) مجردًا عن إضافة (كلي)، ولذا سوف نسير على هذا الإِطلاق، فإذا أطلقنا الحكم من دون إضافة: تكليفي، ولا وضعي، فالمراد به الحكم الكلي. تعريف الحكم لغة: أصله المنع، فيقال: حكمت عليه بكذا إذا منعته من خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، ويطلق على القضاء والفصل، فيقال: حكمت بين القوم إذا فصلت بينهم (١). تعريف الحكم اصطلاحًا: للحكم الشرعي عدة تعريفات عند العلماء، أشهرها اثنان؛ أحدهما للأصوليين، والآخر للفقهاء.

стр. 93

فعرفه الأصوليون بأَنَّه: خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ وضعًا (١). وعرفه الفقهاء بأَنَّه: مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا، أَوْ وضعًا (٢). شرح تعريف الأصوليين: قولهم: "خطاب الشرع": المراد به الكتاب والسنة (٣)، واقتضى ذلك أَنَّه لا تكليف ولا حكم إلَّا بالشرع لا بغيره (٤) من قوانين وضعية وغيرها.

стр. 94

قولهم: "المتعلق بأفعال المكلفين": أي المرتبط بها. والمراد بالمكلف: كل ما من شأنه التكليف من بني آدم، فدخل فيه الصغير والمجنون، وخرج بقيد المكلف: من ليس شأنه التكليف من الجمادات والحيوانات، فلا يتعلق بها تكليف من حيث هي، وإنَّما قد يتعلق التكليف بالِإنسان لتقصيره بحفظها ونحوه. والمراد بفعل المكلف المتعلق به التكليف: جميع عمله سواء كان قولًا أَمْ فعلًا، فهو يعم عمل القلب واللسان والجوارح سواء كان ذلك العمل إيجادًا أَوْ تركًا، وخرج بقيد الفعل: ما تعلق بذوات المكلفين، مثل قوله -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ [النحل: ٧٠]، فهذا لا يتعلق به حكم (١). قولهم: "اقتضاءً": أي طلبًا إذا كان الحكم طلبيًا بالفعل أوْ الكف من الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة (٢). قولهم: "أَوْ تخييرًا": المراد به: المباح؛ لأَنَّ الِإنسان مخير فيه بين الفعل والترك، و"أوْ" في التعريف للتنويع (٣).

стр. 95

قولهم: "أَوْ وضعًا": المراد به: جعل الشرع الشيء سببًا أَوْ شرطًا أَوْ مانعًا لشيء آخر (١). شرح تعريف الفقهاء: إنَّ المقارنة بين التعريفين تظهر بأَنَّ الفرقَ بينهما من جهة اللفظ زيادةُ لفظ: "مقتضى" في أول التعريف، ولذلك فإنَّ شرح تعريف الفقهاء ببيان المراد بقولهم: "مقتضى"، وقد جيء به عندهم ليبينوا أَنَّ الحكم هو مقتضى خطاب الشرع، وليس الخطاب عينه هو الحكم. فقول الله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ليس هو الحكم عند الفقهاء، وإنَّما الحكم عندهم وجوب الصلاة الذي اقتضاه خطاب الله المذكور (٢). وبقية شرح التعريف يعلم من شرح تعريف الأصوليين السابق. الفرق بين تعريف الأصوليين والفقهاء للحكم وبيان الراجح منهما: إن المقارنة بين التعريفين -تعريف الأصوليين للحكم وتعريف الفقهاء له- يظهر بزيادة لفظ: "مقتضى" في أول التعريف عند الفقهاء، وهي زيادة في المبنى تَدلُّ على خاصية في المعنى.

стр. 96

فالحكم عند الفقهاء هو ما اقتضاه خطاب الشرع، فخطاب الشرع عند الفقهاء هو الدليل، والحكم هو أثره من الوجوب، والحرمة، والكراهة، والندب، والِإباحة، وكون الشيء سببًا، أَوْ شرطًا، أَوْ مانعًا لشيء آخر. أمَّا الأصوليون فيقولون بأَنَّ خطاب الشرع في مثل قوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هو الحكم عينه، كما أنَّه دليل الحكم، فهو حكم؛ لأَنَه مقتض للحكم، وهو دليل الحكم؛ لأَنَّه قد تضمن الحكم. فالفقهاء يفرقون بين الحكم ودليله، فالحكم عندهم مقتضى خطاب الشرع من الوجوب، والحرمة، والكراهة، والاستحباب، والِإباحة، وكون الشيء سببًا، أَوْ شرطًا، أَوْ مانعًا لشيء آخر. ودليل الحكم هو خطاب الشرع نفسه من الكتاب والسنة فقوله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا هو دليل الحكم، والحكم هو مقتضى هذا الدليل، وهو وجوب الصلاة. ومما تجدر الِإشارة إليه أَنه ليس للخلاف بين التعريفين أثر عملي، وإنَما هو اصطلاح، ولا مشاحة فيه (١). وأَمَّا أي الاصطلاحين أولى؟ فقد قال ابن النجار (ت: ٩٧٢ هـ) في تعريف الفقهاء: "إلَّا أَنَّ هذا أصرح

стр. 97

وأخص" (١)، وسبب ذلك أنَّ فيه تمييزًا بين الحكم والدليل. قال الحصري (معاصر): " ... وإن كان رأي الفقهاء يظهر واضحًا فيما يسمى بالحكم الشرعي وبين دليله الذي ثبت به" (٢). * * *

стр. 98

المبحث الثاني أقسام الحكم وتحليله إلى شطرين والعلاقة بينهما أقسام الحكم: سبق أَنَّ الحكم هو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أَوْ التخيير أَوْ الوضع، وهذا التعريف ينبئك عن أقسام الحكم وأَنَّه على قسمين: الأول: الحكم التكليفي. الثاني: الحكم الوضعي. وبيانهما فيما يلي: القسم الأول: الحكم التكليفي: وهو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً، أَوْ تخييرًا (١)، أَوْ صحَّةً،

стр. 99

أَوْ بطلانًا (١). وإضافة الحكم إلى التكليف هو من باب إضافة الشيء إلى سببه؛ لأن التكليف سبب ثبوت هذه الأحكام (٢). القسم الثاني: الحكم الوضعي (مُعَرِّفات الحُكْم): وهو مقتضى خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين وضعًا يكون الشيء سببًا، أَوْشرطًا، أَوْ مانعًا لشيء آخر (٣). ومعنى كونه وضعيًّا: أَنَّ الشرع وضع (أيْ: شرع) أمورًا هي الأسباب، والشروط، والموانع، تعرف عند وجودها بفعلها من المكلف أحكام الشرع من نفي أَوْ إثبات؛ فالأحكام توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفي بانتفاء الأسباب والشروط أَوْ وجود الموانع (٤). فالشرع هو الذي وضع (شرع) الأحكام عند وجود أسبابها وشروطها وموانعها من المكلف؛ ذلك أَنَّ التكليف بالشريعة دائم إلى

стр. 100

قيام الساعة، وخطاب الشارع غير مستمر الورود؛ إذ إنَّه بعد وفاة النبي ﷺ -انقطع الوحيان، وبقيت دلالتهما مستمرة إلى قيام الساعة، وقد اقتضت حكمة الشرع أنْ نَصب أشياء تكون أعلامًا على حكمه ومُعَرِّفات له يعرف بها حكم الشرع عند نزولها وحدوثها من العباد، ألا وهي الأسباب، والشروط، والموانع، فالشرع هو الذي حكم بكونها أوصافًا مؤثرة، وهو الذي حكم بتأثيرها، فأنتجت حكمًا تكليفيًا، فكان ذلك كالقاعدة الكلية في الشريعة تحصيلًا لدوام حكمها مدة بقاء المكلفين في دار التكليف (١)، وهذا فيه رد على الذين يحكمون بتأثير الحوادث من الأسباب والشروط والموانع بعقولهم من غير رد إلى الشرع. تحليل الحكم الكلي إلى شطرين: إذا كان الحكم التكليفي هو الأصل، وهو المراد بالتكليف، وأَنَّ الحكم الوضعي معرف له؛ لأَنَّ الأحكام الوضعية أوصاف وأعلام ومُعَرِّفَات للحكم التكليفي، ولا قيام له إلَّا بهذه الأعلام والمُعَرَّفات -فإنَّ الحكم الكلي في حقيقته يتحلل إلى شطرين هما: الحكم الوضعي (مُعَرِّفات الحُكْم)،

стр. 101

والحكم التكليفي (١)، وهما: الأثر، والمؤثر. فالمؤثر: هو مُعَرِّفات الحُكْم من السبب والشرط والمانع، وهي التي يطلق عليها (الحكم الوضعي). والأثر: هو الحكم التكليفي من الوجوب والحرمة والِإباحة ... إلخ، فكأَنَّه قيل: إذا حدث كذا وكذا فسوف يحكم بكذا وكذا؛ يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "إنَّ معنى خطاب الوضع -أي مُعَرِّفات الحُكْم- قول صاحب الشرع: اعلموا أَنه متى وجد كذا فقد وجب كذا، أَوْ حرم كذا، أَوْ ندب كذا، أَوْ غير ذلك هذا في السبب، أَوْ يقول: عدم كذا في وجود المانع أَوْ عدم الشرط" (٢). وهذا الأمر (تحليل الحكم الكلي إلى شطرين) مما ينبغي العناية به واستحضاره عند تَوْصِيف الأَقْضِيَة بالمطابقة بين الحكم الكلي والواقعة القضائية، وسوف ترد الِإشارة إليه هناك (٣). العلاقة بين حكمي الوضع والتكليف: إنَّ العلاقة بين حكمي الوضع والتكليف تظهر في أمرين هما:

стр. 102

(أ) أَنَّ الحكم الوضعي معرف للحكم التكليفي ومؤثر فيه: أحكام الوضع من السبب والشرط والمانع أوصافٌ وأعلام ومُعَرِّفات لحكم التكليف، فإذا وقعت هذه المُعَرِّفات من سبب وغيره وتحققت بفعل المكلف لها استدعت أحكام التكليف وترتبت عليها من وجوب وحرمة أَوْ غيرهما، فالشرع يخبرنا بوجود الأحكام التكليفية من حرمة أَوْ وجوب أَوْ غيرها بوجود الأسباب والشروط والموانع، فهي توجد بوجود الأسباب والشروط، وتنتفى بوجود المانع أَوْ انتفاء الأسباب والشروط. فإيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبب، وذلك بعد تحقق شروط السبب وانتفاء موانعه، فعلى الأحكام الوضعية تتوقف الأحكام التكليفية، لا أَنَّ الأحكام الوضعية مأمور بها من حيث هي، فكأَنَّه قيل مثلًا: إذا وجد القتل العمد وتحققت شروطه وجب القصاص، وإذا وجدت الولادة المانعة منه بين طالب القصاص والقاتل أَوْ انتفت شروطه أَوْ شيء منها انتفى القصاص. ولذلك كثيرًا ما يطلق الحكم الشرعي مرادًا به الحكم التكليفي؛ لأَنَّه هو الأصل، وهو المراد بالتكليف، وأَمّا الوضعي فهو معرف له ومؤثر فيه (١).

стр. 103

(ب) حكم التكليف لا يقوم بدون حكم الوضع: إنَّ حكم التكليف مرتب على حكم الوضع ومُتَوَقِّف عليه، فلا يتصور انفراد حكم التكليف بدون حكم الوضع، فلا تكليف إلَّا وله سبب، وشرط، وعدم مانع (١). يقول القرافي (ت: ٦٨٤ هـ): "ولا يتصور انفراد التكليف؛ إذ لا تكليف إلَّا وله سبب، أَوْ شرط، أَوْ مانع" (٢). ومن الممكن حصول حكم الوضع من دون حكم التكليف، وذلك مثل: أَنْ يبلغ شخص ولكن لا تجب عليه الصلاة؛ لأَنه مجنون، ومثل أَنْ يحول الحول على مال لدى شخص ولكن لا تجب عليه الزكاة؛ لأَنَّ النِّصاب لم يتم، وهكذا (٣)، فالسبب قد يوجد ولكن لا يتحقق شرطه أَوْ يوجد مانعه، فلا يترتب عليه أثره. * * *

стр. 104

المبحث الثالث صفتا الأحكام الكلية: العموم، والتجريد إنَّ الحكم الكلي يتكون من شطرين هما: مُعَرِّفات الحُكْم (الحكم الوضعي)، والحكم (وهو الذي يطلق عليه الحكم التكليفي)، وهو الأصل في الِإطلاق، والمُعَرِّفات تابعة له؛ لأَنَّه لا يتم بدونها، وشطرا الحكم في حقيقتهما نظم واحد يطلق عليه: الحكم الكلي، وهذا الحكم الكلي له صفتان هما: أنَّه عام، ومجرد، وقد أشار إليهما ابن خلدون (ت: ٨٠٨ هـ) وهو يحدد وظيفة العلماء في التقعيد والتأصيل، فهو يقول: "إنَّهم معتادون النظر الفكري، والغوص على المعاني، وانتزاعها من المحسوسات، وتجريدها في الذهن، أمورًا كلية عامة؛ ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة، ولا شخص، ولا جيل، ولا أمة، ولا صنف من الناس، ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات، و -أيضًا- يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي، فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن، ولا تصير إلى المطابقة إلَّا بعد

стр. 105

الفراغ من البحث والنظر ... " (١). كما أشار إلى صفتي الحكم من العموم والتجريد الشاطبيُّ (ت: ٧٩٠ هـ) بقوله: "لأنَّها -يعني الأحكام الكلية- مطلقات وعمومات، وما يرجع إلى ذلك" (٢). وهذا بيان لصفتي الحكم الكلي من العموم والتجريد: (أ) العموم: والمراد به: عموم الحكم الكلي لكل الأشخاص والأزمان والوقائع التي تندرج تحته. فهو عام للمكلفين، فلا يخص شخصًا أَوْ واقعة بعينها، ولا يشترط فيه سوى التهيئة الظاهرة، فهو محدد بالأوصاف والشروط المقررة، لا بأشخاص أَوْ أعيان بذواتهم، وهذا يجعل الحكم الكلي صالحًا للتطبيق على عموم الأشخاص والأعيان الذين تحقق فيهم الأوصاف والشروط المذكورة فيه، وإنَّما كان الحكم الكلي عامًّا حتى يشمل صورًا كثيرة غير متناهية مما يدخل تحته (٣).

стр. 106

يقول ابن تَيْمِية (ت: ٧٢٨ هـ): "إنَّ الأحكام الجزئية من حِلِّ هذا المال لزيد وحرمته على عمرو لم يشرعها الشارع شرعًا جزئيًا، وإنَّما شرعها شرعًا كليًّا بمثل قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، وهذا الحكم الكلي ثابت سواء وجد البيع المعين أَوْ لم يوجد، فإذا وجد بيع معين أثبت ملكًا معينًا" (١). ويقول الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ): "إنَّ الشريعة لم تنصَّ على حكم كل جزئية على حدتها، وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادًا لا تنحصر" (٢). فالقاضي والمفتي عند تنزيل الحكم الكلي على شخص أَوْ واقعة معينة كأَنَّه يخصه بهذا الحكم من عموم الصور والوقائع التي تندرج تحته (٣).

стр. 107

(ب) التجريد: المراد به: افتراض الحكم الكلي عند تقريره كائنًا في الأذهان على الأوصاف المجردة عن الأشخاص المعينين والأعيان المحددة (١). فالتجريد إذَنْ يعني افتراض الحكم الكلي عند تقريره منزَّلًا في الأذهان مجردًا عن الأشخاص والأعيان بذواتهم؛ وإنَّما يربط الحكم بالأشخاص والوقائع والنوازل بصفاتها المحددة، لا بذواتها وأشخاصها؛ بل للمعاني القائمة بها مهما اختلفت زمانًا أَوْ مكانًا؛ وإنَّما يجريَ تشخيص الأحكام الكلية على الأعيان، والصور، والأشخاص، والوقائع عند تطبيقها وتنزيلها على الوقائع المعينة، والقاضي أَوْ المفتي عند هذا التنزيل يكون قد شخَّص ووصف هذه الواقعة، أَوْ هذه الصورة، أَوْ هذا الشخص المعين بهذا الحكم الكلي العام، فصار منزلًا على الأعيان بدلًا من افتراضه في الأذهان (٢). * * *

стр. 108

المبحث الرابع إطلاقات الحكم يطلق على الحكم بشطريه -الوضعي والتكليفي- إطلاقان، هما: ١ - الحكم الكلي: وهذا الِإطلاق جارٍ على ألسنة العلماء من فقهاء وأصوليين، وهم حين يطلقون ذلك يريدون الحكم التكليفي وأوصافه المؤثرة فيه، وهي مُعَرِّفات الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، وهو المراد عند الِإطلاق (١). ٢ - القاعدة الكلية الشرعية: وهذا الِإطلاق جارٍ على ألسنة الأصوليين، فيذكرون من تحقيق المناط أَنْ يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها أَوْ مَنْصُوص عليها

стр. 109

وهي الأصل، ثم يبين المجتهد وجودها في الفرع، وذلك مثل أَنْ يقال: هذا الفعل يجب به التعزير الرادع. ومثل أَنْ يقال: قدر الكفاية في نفقة الزوجات والأقارب ونحوهم واجب (١). فهذه القاعدة الكلية الشرعية من قولهم: إنَّ هذا الفعل يجب فيه التعزير، أَوْ قولهم: قدر الكفاية في نفقات الزوجات والأقارب ونحوهم واجب -قد اشتملت على مُعَرِّفات الحُكْم من السبب، والشرط، وعدم المانع، والحكم التكليفي وهو الوجوب. * * *

стр. 110

الفصل الأول مُعَرِّفات الحُكْم (الحكم الوضعي) وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: التمهيد: وجه تسمية مُعَرِّفات الحُكْم بهذا الاسم وأقسام هذه المُعَرِّفات. المبحث الأول: السبب. المبحث الثاني: الشرط. المبحث الثالث: المانع.
следующие страницы →