← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الفَوَائِدُ الجِسَامُ عَلى قَواعِدِ ابنِ عَبْدِ السَّلامِ لشيخ الإسلام البلقيني سراج الدين عمر بن رسلان (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ) وهي فوائدُ ونكاتٌ وتنبيهاتٌ، أَملاها البَلقينيُّ عَلى قواعدِ الأحكام، للإمام العِزِّ بنِ عَبدِ السَّلام نُشر لأوَّل مرة، عَن نسخةٍ وَحيدةٍ نَسَخَها وَقَرأها عَلَى البَلقيني تلميذه / تقي الدين يحيى بن شارح البخاري شمس الدين الكرماني (٧٦٢ - ٨٣٣ هـ) حققه وقدم له بدراسة مفصلة د. محمد يحيى بلال منيار عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة الطائف باحثٌ سابقٌ بمعلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية تقديم / د. علي أحمد الندوي الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية خبير أول قسم الضوابط الفقهية بمعلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية إصدارات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتمويل الإدارة العامة للأوقاف إدارة الشؤون الإسلامية دَولَة قَطَر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

الفَوَائِدُ الجِسَامُ عَلى قَواعِدِ ابنِ عَبْدِ السَّلامِ

стр. 4

حقوق الطبع محفوظة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الطبعة الأولى ١٤٣٤ - هـ- ٢٠١٣ م

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر -وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة- لَتحمد الله على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم. والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية، ورفد المكتبة الإسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة وذلك منذ تسعة عقود، عندما وجه الشيخ عبد الله بن قاسم آل ثاني حاكم قطر آنذاك بطباعة كتابي (الفروع) و (تصحيح الفروع)، سنة ١٣٤٥ هـ، وكان المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني رحمه الله تعالى قد سن تلك السنة من قبل. وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي الذي بدأته الوزارة في السنوات الأخيرة امتدادًا لتلك الجهود، وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر الله جلَّ وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم والدراسات المعاصرة المتميزة في فنون مختلفة، تُطبع لأول مرة، نذكر منها: • في التفسير وعلوم القرآن: أصدرت الوزارة عدة كتب، منها: (فتح الرحمن في تفسير القرآن)

стр. 6

للعُليمي، و (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) لابن عطية في طبعته الثانية. وفي علم رسم المصحف أصدرت الوزارة: كتاب (مرسوم المصحف) للعُقيلي، و (الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة) لأبي بكر اللبيب. وفي علم القراءات أصدرت الوزارة كتاب: (البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة) لأبي حفص النشار، و (معاني الأحرف السبعة) لأبي الفضل الرازي. • وفي السنة النبوية وشروحها: أصدرت الوزارة عدة كتب، منها: (التقاسيم والأنواع) لابن حبان، و (مطالع الأنوار) لابن قرقول، و (التوضيح شرح الجامع الصحيح) لابن الملقن، و (حاشية مسند الإمام أحمد) للسندي، وشرحين لموطأ الإمام مالك؛ لكُلٍّ من (القنازعي)، و (البوني)، و (المخلصيات) لأبي طاهر المخلص، و (شرح مسند الإمام الشافعي) للرافعي، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار) للعيني، و (مصابيح الجامع) للدَّمَاميني. ومما تشرفت الوزارة بإصداره في تحقيق جديد متقن: (صحيح ابن خزيمة)، و (السنن الكبرى) للإمام النسائي، والمحقّقين على عدة نسخ خطية، و (جامع الأصول في أحاديث الرسول)، و (النهاية في غريب الحديث) لابن الأثير. • وفي الفقه وما يتصل به: أصدرت الوزارة عدة كتب في المذاهب الأربعة، منها: كتاب: (الأصل) لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) كاملًا محققًا على أصول عدة، و (التبصرة) للخمي، و (نهاية المطلب في دراية المذهب) للإمام الجويني

стр. 7

بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب رحمه الله تعالى عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و (حاشية الخلوتي). كما أصدرت الوزارة: (الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف) للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد الله الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و (بقية المتتبع لحل ألفاظ روض المربع) للعوفي الصالحي، و (منحة السلوك في شرح تحفة الملوك) للعيني. • وفي السيرة النبوية: أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية: (جامع الآثار في السير ومولد المختار) لابن ناصر الدين الدمشقي، وغيرها. • وفي العقيدة والتوحيد: أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو: (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد) لابن العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما الله تعالى، كما أعادت نشر كتاب (الرد على الجهمية) للإمام أحمد رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب عقيدة أهل السنة والجماعة. • وفي مجال الدراسات المعاصرة المتميزة: أصدرت: (القيمة الاقتصادية للزمن)، و (نوازل الإنجاب)، و (مجموعة القره داغي الاقتصادية)، و (التعامل مع غير المسلمين في العهد النبوي)، و (صكوك الإجارة)، و (الأحكام الفقهية المتعلقة بالتدخين)، و (التورق المصرفي)، و (حاجة العلوم الإسلامية إلى اللغة العربية)، و (روايات الجامع الصحيح ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)، وغيرها. كما قامت الوزارة بشراء وتوزيع بعض الكتب المطبوعة لما لها من أهمية، مثل: (مسند الإمام أحمد)، و (صحيح الإمام مسلم)، و (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي، و (الجامع لشعب الإيمان) للبيهقي، و (تاريخ

стр. 8

الخلفاء) للسيوطي، و (التاريخ الأندلسي) لعبد الرحمن علي الحجي، و (الإقناع في مسائل الإجماع) لابن القطان الفاسي، و (شرح العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز الحنفي، و (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام) للعز ابن عبد السلام. ومثل: (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) لأبي الحسن الندوي، و (الرسالة المحمدية) لسليمان الندوي، وغيرها. ويسرنا اليوم أن نقدم لإصدار جديد هو كتاب (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام) لشيخ الإسلام البُلقيني، المتوفى سنة (٨٠٥ هـ)، رحمه الله تعالى، والذي قيل فيه: إنه مجدد القرن التاسع، كما في (شذرات الذهب). وهذا الكتاب جليل القدر، عظيم المنزلة، إذ أنه فوائد وتعقبات أملاها البُلقيني على كتاب (قواعد الأحكام) للعز بن عبد السلام، المتوفى سنة (٦٦٠ هـ)، رحمه الله تعالى، وأهميته غير خافية على أهل العلم. ومما يميز الكتاب أن الفوائد المذكورة ليست قاصرة على علم القواعد الفقهية، بل تشتمل على نكت في فنون عدة من فنون الشريعة، مع تنوع تلك الفوائد؛ فقد تكون تعقبات أو تحريرات أو استدلالات لقول المصنف، أو غير ذلك. وتتشرف الوزارة بإخراج هذا الكتاب لأول مرة، خدمة للمشتغلين بالقواعد الفقهية خاصة، وطلبة العلم عامة. والحمد لله على توفيقه، ونسأله المزيد من فضله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. إدارة الشؤون الإسلامية

стр. 9

صورة ما كتبه بخطّه شيخ الإسلام البلقيني في آخر مخطوطة هذا الكتاب (من بداية قوله: حسبنا الله ...) لوحة ٦٢ نهاية كتاب الفوائد الجسام، ثم تبدأ كتابة للبلقيني بخطه بقراءة الناسخ هذا الكتاب عليه، مع التعريف به

стр. 10

لوحة ٦٣ تكملة كتابة البلقيني بخطه عن التعريف بتلميذه ناسخ هذه النسخة، ثم في الجانب الأيسر أورد الناسخ قصيدة البلقيني عن هذا الكتاب

стр. 11

نص البلقيني السابق (نهاية اللوحة ٦٢ / ب واللوحة التالية لها) (حسبنا الله ونعم الوكيل. أما بعد حمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد والتابعين. فقد قرأ عليّ الشيخ الفاضل جمال الفضلاء والمدرسين مفيد الفاضلين تقي الدين أَبو السعادات يحيى، ابن الشيخ الإمام العالم أحد الأعيان، ومَنْ يُشار إليه في ذلك الزمان: شمس الدين أبي عبد الله محمد، ابن الشيخ المرحوم جمال الدين يوسف الكرماني، منحنا الله تعالى وإياه في الدارين الأماني، قطعة كبيرة من (الفوائد الجسام على قواعد شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام)، فبحث في ذلك وحَقَّق، وغاص على المعاني ودَقَّق. وسمع عليّ (صحيح البخاري) ثلاث مرات بفواتات مذكورة في الطبقات، و (صحيح مسلم) بفوات أيضًا، و (سنن أبي داود) كاملًا، وكتاب (دلائل النبوة) للبيهقي بفوات مجلس واحد، وغير ذلك من الأربعين المخرّجة لي. وسمع من التفسير من (النهر) تصنيف شيخنا أثير الدين أبي حيان بقراءة الشيخ المرحوم نجم الدين الباهي الحنبلي. وحضر مجالس الإفتاء كثيرًا، وكم كَتَب في ذلك صغيرًا وكبيرًا، وأورد الأسئلة الحسان، فبان بذلك أنه من الأعيان. وقد أجزتُ له أن يروي عني جميع مصنفاتي، وما لي من إملاء،

стр. 12

وتأليف، ومنظوم ومنثور، وأن يفيد الطالبين، ويجيب السائلين بما ظهر من الأمر المستبين، ويراعي في ذلك كله الأمر المبين. ووصَّيتُه بتقوى الله وطاعته ومراقبته في سرّه وعلانيته، فإن من سَلَك السراط المستقيم، نجا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. وقد كَتَب من أجوبتي على الفتاوى جملةً صالحة. جعلنا الله وإياه ممن تكون بضاعته في الدارين رابحة. وحَضَر مجالس الوعظ، وكَتَب معها مجالس كثيرة، وقد قرأ منها ومن غيرها فوائد غزيرة. والله تعالى يحقق رجانا، ويجيب دُعانا، ويدفع عنا الأعدا، في جميع الأَبَدَا، ويجمع شملنا في الدارين بالمقصود، وأن يجعلنا من أهل الشهود، وأن يسلّمنا في الدنيا والآخرة، ويُسبغ علينا من نعمه الفاخرة. آمين. والحمد لله رب العالمين. اللهم صلِّ وسلِّم على سيدنا محمد وآل سيدنا محمد والتابعين، واجعلْنا -اللهُ تعالى- ممن صحِبتْهم في الأحوال السلامة، واكفنا شر الندامة، واجعلنا من الناجين في يوم القيامة. آمين. والحمد لله رب العالمين. قال ذلك، وكتبه الفقير إلى عفو ربه، عمر البلقيني، حامدًا ومصلِّيًا ومسلِّمًا. ومولدي ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان المكرّم، سنة أربع وعشرين وسبع مئة. * * *

стр. 13

تقديم بقلم الأستاذ الجليل الدكتور علي أحمد الندوي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله النبي الكريم، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد، فهذا الكتاب المسمى بـ (الفوائد الجسام على قواعد الأحكام) قد أملاه الإمام سراج الدين البلقيني على تلاميذه، وهو عبارة عن تعليقات سنحت بخاطره أثناء تدريسه، وقَصَد منها إتمامَ فائدة، أو توضيحَ مقصود، أو تنقيحَ رأي، أو إضافة قيد، في مناسبات مختلفة من الكتاب الجليل الذي ألّفه سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام. وبهذا يمثل هذا الكتاب نموذجًا فريدًا لاجتهادات إمامين في فهم بعض القضايا المتصلة بالتأصيل الفقهي. ومن المعهود المألوف في مجال العلم: وجودُ شروح أو تعليقات على متونٍ وكتبٍ، وذلك لكشف غامضٍ أو استدراك أمرٍ في الغالب، ولكن قلّما يتوافر عنصر القيمة المعنوية كما صادف ذلك في هذا الكتاب بمشاركة إمامين في مرتبة متقاربة؛ فكل منهما له علوُّ كعب، وشخصية متميزة، ومكانة اجتماعية في عصره. وإذا كان الإمام العز اشتهر بلقب (سلطان العلماء)، فالبلقيني عُرف بلقب (شيخ الإسلام) في عصره. ومن الجدير بأن أسجل كلمة ابن خلدون في شأنه، إذ يقول في معرض حديثه عن تاريخ الفقه:

стр. 14

(ثم انقرض فقه أهل السنة والجماعة من مصر بظهور دولة الرافضة، وتداول بها فقه أهل البيت ... ، إلى أن ذهبت دولة العبيديين من الرافضة ... ، فذهب منها فقه أهل البيت، وعاد فقه الجماعة إلى الظهور بينهم، ورجع إليهم فقهُ الشافعي ... فعاد إلى أحسن ما كان، ونَفَقَتْ سوقه ... ، إلى أن انتهى ذلك إلى شيخ الإسلام بمصر لهذا العهد، وهو سراج الدين البلقيني؛ فهو اليوم كبير الشافعية بمصر، لا، بل كبيرُ العلماء من أهل العصر) (١). وبهذا يكتسب هذا الكتاب أهمية بالغة؛ إذ هذه المزية المشار إليها في حد ذاتها، كَسَتْه حُلّةَ عزٍّ، وتَوَّجَتْه وسامَ شرفٍ، بغضّ النظر عن فحوى التعليقات وأهميتها العلمية. وقبل أن أنوِّه بما يتصل بـ (قواعد الأحكام) للإمام العز، وفوائد الإمام البلقيني، أود الإشارة إلى أن صلتي بهذا الكتاب (الفوائد الجسام للبلقيني) تعود إلى أبعد من ربع قرن، وذلك حين زيارتي المكتبة السليمانية بإصطنبول، فوقفتُ هناك على هذا الكتاب (الفوائد الجسام)، وتصفحتُه حينئذ تصفحًا عابرًا، وبقي في نفسي لهفٌ لمزيد من الغوص فيه، ثم مع تمادي الزمن أصبح التفكير فيه نسيًا منسيًا. ولكن قَدَّر اللهُ أن ألتقي بالأخ الكريم الشيخ منصور العتيقي بالكويت، وذلك قبل سنوات، بمناسبة حضوري دورة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، فإذا هو يزوّدني بنسخة مصورة من الكتاب مع رجاء وحفز إلى تحقيقه، وكان بي حَفِيًّا؛ ثم بفضل الله تعالى تحقق أخيرًا ما كنا نطمح ونصبو إليه على يد أخينا الدكتور الشيخ يحيى بلال، فهذا الكتاب المطبوع المحقق ثمرةُ جهده.

стр. 15

وفي هذا العصر الذي شهد نهضةَ تأليف وتحقيق في الحقل المعرفي المتصل بالتقعيد الفقهي، يخرج هذا الكتاب إلى النور، فيثرى به رصيد العلم في هذا التخصص البارز. وعسى أن لا يكون من نافلة القول أن أُشيد بأصل الكتاب (قواعد الأحكام) بلفت الأنظار إلى أنه على الرغم من وفرة المؤلفات في موضوع القواعد، لا يكاد يوجد كتاب آخر يضارعه في كثير من مضامينه، وهو ينخرط في سِلك الكتب الأصيلة المبتكرة المتميزة برصانتها العلمية، وقد صاغه الفقيه المفكر العالم الرباني الإمام عز الدين بن عبد السلام، وناهيك به علمًا وفضلًا. هذا وأما التعليق عليه من قِبل الإمام البلقيني فهو لا يغضّ من مقام الأصل، بل يرفعه قدرًا بما فيه من توجيهات وتنبيهات. على أنه ليس بحتم أن يُسلَّم له كلُّ ما اقتَرَحه وأَورَدَه. وفي الواقع بذل المحقق الفاضل الدكتور يحيى بلال جهدًا كبيرًا في إبراز نماذج منتقاة من التعليقات، تُنوِّر بصيرة القارئ في معرفة طبيعة الكتاب. وربما عَكَّر صفوَ الكتاب ما اعتراه من غموض وتعقيد في مواضع منه؛ إذ الإملاءُ قد يفوته الصقل والتهذيب، وقد يكون الالتباس واقعًا من الناسخ، أو راجعًا لسبب آخر. وأسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، ويُثقل به موازين المؤلف والمحقق. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه علي أحمد الندوي يوم الجمعة ١٤/ ٨ / ١٤٣٢ هـ

стр. 16

مقدمة التحقيق يسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الكريم سيدنا محمد وآل سيدنا محمد وصحبه والتابعين. وبعد، فإن (علم القواعد الفقهية) منذ أن برز في الحقبة الأخيرة على الساحة العلمية، إذ به يأخذ بمجامع القلوب، لِما فيه من صقل ملكة الفقه، وتدريبِ مداركه، وتفتيقِ آفاقه في الربط بين الصيغ القواعدية التي وصل إليها الفقهاء وبين الفروع الفقهية المخرّجة عليها، المنبثة في بطون ما لا يُحصى من الكتب. ومن هنا هفَتْ أنظار الدارسين إلى هذا العلم، وخصوصًا ممن كانوا في مراحل الدراسات العليا الجامعية (الماجستير والدكتوراه)، فنشطوا في العناية به من جوانب متعددة. ومن بين تلك الجوانب: الإقبال على تحقيق الكتب المؤلفة فيه التي كانت ما تزال قابعة في خزائن المخطوطات، فأدى ذلك إلى ازدهار حركة النشر لتلك الكتب حتى صار الواحد يرى الآن أمام عينيه ثروة طيبة من تلك الذخائر النفيسة المؤلفة في هذا العلم، قد خرجتْ مطبوعةً -في جملتها- بأحسن حُلّةٍ وإتقانٍ وعنايةٍ. ولكن بقيتْ من بين تلك الكتب، روائعُ ونوادرُ، كانت ما تزال تنتظر من يزيح عنها الأستار ويَعتني بإخراجها لروّاد العلم وأهله، ومنها هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ: (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام)

стр. 17

للبلقيني، فإنه يُعدّ أحد تلك الروائع التي لها صلة بعلم (القواعد الفقهية)، وكان ما يزال بعيدًا عن الأنظار طوال هذا الوقت، فقُدِّر له أن يخرج إلى عالم المطبوعات في هذا الحين بتوفيق الله تعالى وفضله. إن مما يكشف عن قيمة كتاب (الفوائد الجسام) أنه تعليق على أحد أساطين الكتب القواعدية، وهو (قواعد الأحكام) لعبقري زمانه النابغة الفذ سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء. إن كتاب (قواعد الأحكام)، من الكتب الذهبية -في علم القواعد الفقهية- الممتعة المشبعة التي تأخذ بالألباب، والتي لم يُنسج على منوالها كتابٌ غيرُه في هذا العلم فـ (قد شاع اسمه كأنه عَلَمٌ في رأسه نارٌ، وجاء هذا الكتاب على وفق مطلوبه، كاملًا في أسلوبه، شاملًا للفضل بعيدِه وقريبِه) كما يقوله التاج السبكي عنه (١). وهو وإن اشتهر بأنه من كتب القواعد الفقهية، إلا أنه يعتبر أيضًا من كتب (قواعد المقاصد)، ويمكن أن يقال بتدقيق أكثر: إنه من كتب (تأصيل قواعد المقاصد) (٢). ثم إنه ليس خاصًّا محصورًا في دائرة (القواعد الفقهية) أو (القواعد المقاصدية) كما قد يُظن به من خلال عنوانه، وإنما يشمل أنواعًا من التقعيد والتأصيل المتعلق بالأحكام الشرعية، فمثلًا يشتمل على: - قواعد شرعية عامة كبرى، مثل: (قاعدة النية)، و (قاعدة المصالح والمفاسد)، و (قاعدة حقائق التصرفات)، و (قاعدة ألفاظ التصرفات)، و (قاعدة الحقوق) ونحو ذلك من القواعد الكبرى العامة.

стр. 18

- ومباحث لقواعد أصولية. -كما نجد فيه ضبطًا لبعض التقاسيم الشرعية. - وكذلك ضبطًا لبعض ما يتعلق بالترغيب والترهيب والرقائق، وغير ذلك من الجوانب القواعدية. . . وهكذا، فإن الكتاب يدور في مجمله في فلك (التقعيد والتأصيل) لكن من نواح وجوانب مختلفة، وربما لا تظهر بادئ ذي بدء هذه الجوانب التقعيدية المختلفة في الكتاب من خلال نظرةٍ عابرةٍ فيه؛ لأن مؤلفه الشيخ ابن عبد السلام لم يمشِ فيه على نمط تقليدي معيّن في ترتيب وتبويب وعرض مباحث القواعد التي تناولها، وإنما أَرسَل ﵀ سجيته حسبما فتح الله عليه من العلوم والمعارف المتعلقة بموضوع التقعيد. وبالجملة فهو كتابٌ موهوبٌ في التقعيد والتأصيل في جوانب مختلفة من العلوم الشرعية، خاصة فيما يتعلق بالمقصد الأسمى للشريعة، وهو إصلاحُ الأنام أو مراعاة مصالحهم (١). هذا ومما يكفي كتابَ (قواعد الأحكام) فخرًا وذكرًا، أنه كان يُعدّ -في نفس عصر مؤلفه- أحدَ الكتب التي اعتُبرت مرجعًا رئيسيًّا في بابها، لِما وصلت إليه من الذروة والسمو العلمي في موضوعاتها مع الندرة والابتكار (٢). هذا الكتاب الرفيع الراقي، لم يكن من السهل أن يُدرك أحدٌ أنه يحتاج -في مواضع منه- إلى تعليق وتعقيب عليه إلا أن يتفطن لذلك شخص ضليع راسخ في العلم، بحيث ينفذ بثاقب نظره إلى المواضع التي تحتاج فيه إلى تحرير وتعليق، فيتمكن من إبداء ما حولها من النظر السديد بكل جدارةٍ ودقةٍ

стр. 19

نظرٍ وإنصافٍ، مع الاحتفاظ بالتقدير والإجلال التام لصاحب الكتاب الأصل. فكان هذا العمل من نصيب شيخ الإسلام البلقيني المعروف بجلالة قدره الذي يعدّ (مفخرة القرن التاسع في الجمع بين علوم التفسير والحديث والأصول والفقه) (١)، بل إنه لُقّب بكونه من المجدّدين على رأس القرن التاسع (٢)، فرأى هذا الشيخ أثناء قراءة كتاب (قواعد الأحكام) عليه، أن فيه مواضع تحتاج إلى نظر، فكان يُملي أثناء تلك القراءة ما يتبدى له من الفوائد والتعقيبات والنكات حول تلك المواضع، وكان أحدُ تلامذته في هذا الدرس -وهو تقي الدين يحيى بن محمد بن يوسف الكرماني (وهو ابن الكرماني المشهور شارح صحيح البخاري) - يقيّد ما يتلقاه شفهيًّا من شيخه البلقيني من هذه التعليقات، وهي التي جُمعت في هذا الكتاب المسمى بـ (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام). والخلاصة أن هذا الكتاب (الفوائد الجسام) يكمُن جوهرُه وندرته العلمية، في أنه مساجلة علمية بين إمامين جليلين اجتمع أهل الشان على أنهما قد بلغا من المجد العلمي غايته ورفعته في عصرهما، وهما: سلطان العلماء العز بن عبد السلام، وشيخ الإسلام سراج الدين البلقيني رحمهما الله تعالى. وهي مساجلة علمية تتعلق بكتاب (قواعد الأحكام) الذي يُعدّ في حد ذاته أيضًا من الأصالة والجودة والابتكار العلمي فيما احتواه، بحيث ربما لا يضاهيه كتابٌ آخر في نفس موضوعه. وبهذا يمكن أن يقال: إن كتاب (الفوائد الجسام) يتبطن في داخله ثلاثة جوانب من الرفعة في آن واحد، وهي:

стр. 20

١ - أنه تعليقٌ من عالمٍ جليلٍ مثل شيخ الإسلام البلقيني. ٢ - وهو تعليقٌ على كلامِ عالمٍ عبقريٍّ مثل سلطان العلماء العز بن عبد السلام. ٣ - وهو تعليقٌ حول كتابٍ فَذٍّ في بابه، ألا وهو كتاب (قواعد الأحكام) للشيخ ابن عبد السلام. وفيما يلي دراسة مفصلة عن هذا الكتاب، مع التعريف بمنهج خدمته وتحقيقه، وذلك في أربعة مباحث، على النحو التالي: المبحث الأول: التعريف بكتاب (الفوائد الجسام). المبحث الثاني: التعريف بابن عبد السلام، والبلقيني، والناسخ يحيى الكرماني. المبحث الثالث: وصف المخطوط. المبحث الرابع: عملي في خدمة الكتاب. وأسأل الله تعالى أن يتقبل هذا العمل، وأن يرزقنا به العلمَ النافع، والعملَ الصالح، وأن يجزيَ خيرَ الجزاء كلَّ من كان سببًا، أو مَدَّ يد العون والمساعدة بوقته وجهده في إخراج هذا الكتاب النادر. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، ﷺ ، وعلى آله وصحبه وأهل بيته أجمعين، والحمد لله رب العالمين. انتهيتُ من النظر فيه ليلة عرفة المباركة من عام ١٤٣٢ هـ الموافق لنوفمبر من عام ٢٠١١ م كتبه محمد يحيى بلال منيار مكة المكرمة

стр. 21

القسم الدراسي وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بكتاب (الفوائد الجسام). المبحث الثاني: التعريف بابن عبد السلام، والبلقيني، والناسخ يحيى الكرماني. المبحث الثالث: وصف المخطوط. المبحث الرابع: عملي في خدمة الكتاب. * * *

стр. 22

المبحث الأول التعريف بكتاب (الفوائد الجسام) أولًا: تسمية الكتاب: نصَّ البلقيني نفسه على اسم كتابه هذا، في مقدمته للكتاب، حيث يقول: (فهذه فوائد جسام)، أمليتُها على (قواعد الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد السلام)، لمّا قُرئت عليّ من أوّلها إلى آخرها، وأبنتُ فيها التحقيق في مواردها ومصادرها. وسمّيتُها: (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام)). وهكذا جاء الاسم أيضًا في صفحة الغلاف من المخطوط بخط تلميذ البلقيني ناسخ هذه النسخة وقارئها عليه (وهو تقي الدين يحيى الكرماني). ونصّ السخاوي في (الضوء اللامع) على هذا الاسم نفسه (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام)، كما يأتي بعد قليل تحت عنوان (توثيق نسبة الكتاب). فهذه أدلة كافية في إثبات اسم الكتاب (١). ثانيًا: توثيق نسبة الكتاب للبلقيني: نص السخاوي في (الضوء اللامع) على نسبة هذا الكتاب بهذا الاسم للبلقيني، وقد ذَكَر ذلك في ترجمة ناسخ الكتاب نفسه (تقي الدين يحيى

стр. 23

الكرماني) حيث أَثبَت له تتلمذه على البلقيني، وأنه قرأ هذا الكتاب على شيخه البلقيني. يقول السخاوي في ترجمة الناسخ: (يحيى بن محمد بن يوسف الكرماني ثم القاهري الشافعي ... ، وُلد في رجب سنة اثنتين وستين وسبعمئة بدرب شهدة الكاتبة من بغداد ... ، وقدم القاهرة على رأس القرن، فنزل تحت نظر السراج البلقيني في جامع الحاكم، ولازمه في قراءة (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام) وغيرها. . .) (١). ثالثًا: توثيق مضمون الكتاب للبلقيني: إن الفقرة السابقة وهي (توثيق نسبة الكتاب للبلقيني) تتعلق بمجرد إثبات نسبة الكتاب للبلقيني، وأنه من تأليفه وليس من تأليف غيره. أما هذه الفقرة (توثيق مضمون الكتاب للبلقيني) فالمراد بها أن ما جاء من المضمون والمحتوى داخل الكتاب، هو من كلام البلقيني أيضًا، وذلك يُطَمْئِن القارئ أن الكتاب باسمه وفحواه موثوق النسبة للبلقيني. وقد تيسر الوقوف -أثناء خدمة الكتاب على بعض ما جاء فيه من كلام البلقيني، معزوًا إليه لدى بعض علماء الشافعية (وإن لم يُصرِّحوا بالعزو إلى هذا الكتاب نفسه)، مما يكفي في الجملة لتوثيق مضمون هذا الكتاب للبلقيني. فمن ذلك مثلًا: ما جاء في النص رقم ٤١٢ من هذا الكتاب: نقل البلقيني قول الشيخ ابن عبد السلام: (قَدَّ ملفوفًا بنصفين). ثم قال معلِّقًا عليه:

стр. 24

(يقال: محل ما ذكره، ما إذا كان الملفوف قد عُهدت له حياةٌ في الدنيا. فأما لو قَدَّ ملفوفًا وُلد ولم يُعرف حياته، فالمصدَّق: الجاني قطعًا لأنه ليس معنا أصلٌ مستصحب حتى نقول: الأصل بقاء الحياة، فنصدِّق الولي بسبب ذلك على قول) انتهى كلام البلقيني. هذا المضمون عزاه الشربيني في (مغني المحتاج) ٤: ٣٨ إلى البلقيني بدون أن يعزوه إلى هذا الكتاب أو كتابٍ آخر من كتبه، ولا يضر ذلك، فإن المقصود هنا: أن مجرد عزو هذا المضمون إلى البلقيني يفيد في توثيق نسبته إليه من حيث الأصل، فيثبت به توثيق إجمالي لمحتوى هذا الكتاب إلى البلقيني. ومثال آخر: نقل البلقيني (في النص رقم ٣٧٢ من هذا الكتاب) نصًّا للشيخ ابن عبد السلام يتعلق بـ (نكول المدّعي عن اليمين المردودة). ثم علّق البلقيني تعليقًا طويلًا عليه. ومضمون هذا التعليق، نقله الشهاب الرملي في (حاشيته على شرح روض الطالب) ٤: ٤٠٥ معزوًا للبلقيني، ولم يعزه أيضًا إلى هذا الكتاب أو غيره من كتب البلقيني، كما سبق نظيره في المثال المتقدم. وعلى غرار ما قيل هناك، يقال هنا أيضًا: إن هذا المثال مؤكدٌ آخر يفيد في توثيق نسبة أصل مضمون ومحتوى هذا الكتاب (الفوائد الجسام) للبلقيني، باعتبار أن مضامينه معزوة للبلقيني لدى علماء الشافعية. رابعًا: طبيعة الكتاب: هذا الكتاب ليس شرحًا من البلقيني لكتاب (قواعد الأحكام)، بل هو تعليقات على نصوصه حسب ما بدت الحاجة إلى تلك التعليقات (١).

стр. 25

وعلى هذا، فالكتاب أشبه بما يسمى بالحواشي، ولهذا سَمَّى ناسخ المخطوط -في موضع من الكتاب- إحدى تعليقات البلقيني باسم (الحاشية) (١). ثم إن تلك التعليقات صدرت من البلقيني في صورة (أمالٍ) ألقاها حين قُرئ عليه كتاب (قواعد الأحكام)، فكان يُعلِّق ويُملي أثناء تلك القراءة ما يبدو له من التوضيحات أو التعقيبات أو المناقشات أو النكات أو الفوائد، في المواضع التي يرى أنها بحاجة إلى ذلك (٢). ومما يدل على أن هذا الكتاب (أمالٍ) للبلقيني، أن هناك عبارة تتردّد في الكتاب بكثرة مضمّنةً بكلمة (شيخنا)، مثل: (قال شيخنا) أو (اختار شيخنا) أو (عند شيخنا) أو (خرّج شيخنا) أو (حجة شيخنا) أو (أنكر شيخنا) ونحو ذلك من العبارات التي تأتي مقترنة بكلمة (شيخنا) هذه. وكانت مثل هذه العبارات محيِّرة في بداية الأمر، لأنها تأتي في كلام البلقيني مربوطة في نفس السياق بحيث تبدو كأنها من كلام البلقيني، فكانت تثير غموضًا واستشكالًا عجيبًا، إذ مَنْ سيكون هذا (الشيخ) الذي يشير إليه البلقيني بكلمة (شيخنا)؟ وقد تبيّن جواب هذا الإشكال فيما بعدُ، وهو أن قائل هذه العبارات ليس هو البلقيني حتى يُستشكل المراد بمن يكون شيخه هذا؟ بل قائلُها هو

стр. 26

ناسخ الكتاب، وهو تلميذ البلقيني، فيريد هذا الناسخ بكلمة (شيخنا): شيخه البلقيني الذي كان يُملي هذه التعليقات. وهذا ما يستفاد مما جاء في آخر المخطوط، حيث يقول هناك ناسخ المخطوط تلميذ البلقيني: (نجز تحرير هذه المسائل المُورَدة على قواعد الشيخ الإمام شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، مما أملاه سيدنا وشيخنا شيخ الإسلام. . . عمر البلقيني. . .، على يد العبد الفقير يحيى بن محمد الكرماني. . .). فإذًا هي فوائد وتعليقات أملاها البلقيني -وليست من تأليفه-، وكان الناسخ (وهو تلميذه) يُقيِّد تلك الأمالي عنه، فكان يُحيلها وينسُبها إليه -في مواضع كثيرة- بقوله (قال شيخنا) مع الدعاء له في بعض المواضع بما سبقت الإشارة إليه. والخلاصة أن المقصود بكل ما سبق هو توجيه نظر القارئ الكريم إلى أن الكتاب (أمالٍ شفهية) للبلقيني، وليس (تأليفًا كتابيًّا) له. خامسًا: أسلوب الكتاب: ينتج عما سبق، من كون الكتاب (أمالي)، أنه لا يكون بمثابة (الكتاب التأليفي) في الأسلوب، بل سيكون مختلفًا بطبيعة الحال عنه؛ لأن المُملي حين يُملي شيئًا، يرتجل الكلام في الغالب، فقد تأتي كلمات غامضة في أثناء كلامه، أو كلمات تُستعمل في الأسلوب الدارج دون الأسلوب الكتابي، أو لا يكون الكلام متّسقًا أحيانًا مع الأساليب المتّبعة للكتابة -لأن المُملي ليس بصدد التدقيق والتفكير في كل كلمة يقولها لتكون موافقة لقواعد العربية، بل إنه يُرسل الكلام على السجية-، وهكذا أمور أخرى تجعل أسلوب العالم في إملائه مختلفًا في الجملة عن أسلوبه في الكتاب التأليفي؛ هذا فضلًا عن احتمال الخطأ من الناسخ المستملي في أثناء التدوين والتحرير.

стр. 27

ومما يتصل أيضًا باختلاف أسلوب الإملاء عن أسلوب التأليف -وتُلحظ آثاره في هذا الكتاب- أن المُملي قد يُلقي الكلام في صورة إشارات مختزلة سريعة، وهي إشارات مفهومة وواضحة لدى السامع المتلقِّي لها، لأن هذا السامع مستحضر لسياق الكلام (أو كما يقال: إنه يعيش مع المُملي في ذلك الجوّ الذي يُلقَى فيه الكلام) فالسامع الحاضر أمام المُملي يُدرك مراده مباشرة بدون عناء، بخلاف قارئ الكتاب الذي يأتي فيما بعدُ، فإنه بعيد عن ذلك الجوّ الذي أُلقي فيه هذا الكلام، فقد يصعب عليه فهم تلك الإشارات. وهناك إشكالات أخرى قد تعترض القراء الكرام في أسلوب الكتاب، وصعوبة فهمه في بعض المواضع، وليست تلك الإشكالات ناتجة إلا بسبب هذا (الأسلوب الإملائي) نفسه الذي صدر عليه الكتاب من صاحبه، فلا بد أن يتنبه القارئ لهذه (الطبيعة الإملائية) في هذا الكتاب، ويستحضرها إذا ما وَجَد شيئًا من هذا القبيل في الكتاب. ولا بأس من ضرب أمثلة لتوضيح ما سبق؛ ليأخذ القارئ فكرة عن طبيعة الكتاب قبل الدخول فيه. أ- فمن ذلك: النص رقم ٤٧٠ من كلام الشيخ ابن عبد السلام، أورده البلقيني هكذا: (قوله (١) وأما ما يتقدم أحكامه على أسبابه فله أمثلة، فذكر تلف المبيع قبل القبض يفسخ بالتلف قبيل التلف وبقتل الخطأ كونه موجبًا للدية، وهي موروثة عنه بغير تملكها قبل الثالث إذا قال لغيره أعتق عبدك عني فأعتقه، فإنه يملكه قبيل الإعتاق الرابع إذا حكمنا بزوال ملك البائع في مدة الخيار فأعتق المشتري العبد المبيع فإنه يملكه بالإعتاق ملكًا مقدمًا على الإعتاق). انتهى. هكذا ساق البلقيني كلام العز بن عبد السلام، وقد أحببتُ أن أَضعه أمام

стр. 28

القارئ كما جاء في المخطوط -صورة طبق الأصل-، ليَرَى القارئ في مثل هذا النص وطريقةِ إيراد البلقيني له، نموذجًا لِما أشرتُ إليه قبل قليل أن المُملي يُورد الكلام أحيانًا في صورة إشارات مختزلة تكون مفهومة لدى السامع الحاضر عندئذٍ، بخلاف القارئ الذي يأتي فيما بعدُ، فإنه يصعب عليه فهم تلك الإشارات إلا إذا رجع إلى أصل الكتاب. ففي هذه الفقرة، نرى أن الغموض يكتنف هذا النص بسبب كون البلقيني ساقه على الطريقة الإملائية. ولو كان ساقه كما أورده العز بن عبد السلام في أصل كتابه، لَمَا حصل هذا الغموض، فإن كلام الشيخ هناك واضح تماما فيما يتعلق بهذا النص. ولْنأتِ إلى توضيح هذا النص وفكّ غموضه، وهو أن البلقيني يريد أن يقول: (إن ما يتقدم أحكامه على أسبابه، له أمثلة، ذكرها الشيخ ابن عبد السلام، وهي: المثال الأول: (تلف المبيع قبل القبض)، وقال فيه: يُفسخ (أي: البيع) بالتلف قبيل التلف. المثال الثاني: مثّله الشيخ ابن عبد السلام بـ (قتل الخطأ) وذكر فيه أنه موجبٌ للدية وأنها موروثة عنه بغير تملّكها قبلُ. المثال الثالث: إذا قال لغيره: أَعتِقْ عبدك عني. فأعتَقه، فإنه يملكه قبيل الإعتاق. المثال الرابع: إذا حكمنا بزوال ملك البائع في مدة الخيار، فأعتَق المشتري العبد المبيع، فإنه يملكه بالإعتاق ملكًا مقدّمًا على الإعتاق). والآن أضع النص نفسه منسَّقًا بالتفقير وعلامات الترقيم، للمقارنة بينه وبين الصورة السابقة التي جاء عليها في أصل المخطوط؛ ليُعرف الجهد

стр. 29

المبذول في خدمة مثل هذه النصوص، وتقديمِها للقارئ بطريقة واضحة ميسّرة، وإليك النص منسَّقًا: (قوله: (وأما ما يتقدم أحكامه على أسبابه، فله أمثلة. فذَكَر: (تلف المبيع قبل القبض): يُفسخ بالتلف قبيل التلف (١). وبـ (قتل الخطأ): كونه موجبا للدية، وهي موروثة عنه بغير تملّكها قبلُ (٢). الثالث: إذا قال لغيره: أَعتِقْ عبدك عني. فأعتَقه، فمانه يملكه قبيل الإعتاق. الرابع: إذا حكمنا بزوال ملك البائع في مدة الخيار، فأعتَق المشتري العبد المبيع، فإنه يملكه بالإعتاق ملكًا مقدّمًا على الإعتاق). انتهى. ب- مثال آخر: ومن أمثلة اختلاف أسلوب التأليف الإملائي عن التأليف الكتابي، ما قد يحدث فيه من التسامحات في مجيء الكلام على خلاف القواعد النحوية، كما جاء في قوله: (أن لحرمان الأجير ضررٌ بيّن). (النص رقم ٥٢٨). فهكذا جاء الكلام برفع كلمة (ضررٌ بيّن) بالرفع، ومقتضى القاعدة النحوية أن يقال: (أن لحرمان الأجير ضررًا بيّنًا) كما هو معلوم. وربما يكون حصل هذا التسامح من الناسخ، فسرعةُ الكتابة لدى الإملاء قد لا تسمح المجال للتقيد بقواعد العربية أثناء الكتابة، وربما لا تتسنى فرصة المراجعة لاحقًا، فيبقى الكلام المكتوب كما هو.

стр. 30

ج- مثال ثالث: ومن الأمثلة التي جاءت على أسلوب الأمالي في هذا الكتاب: أن البلقيني قد يعلّق على شيء من كلام الشيخ ابن عبد السلام، ثم ينتقل عنه إلى فقرة أخرى ويبدأ التعليق عليها بدون واوٍ استئنافية، بل يبدو في هذه الحالة وكأنه قطع كلامه السابق؛ لأنه انتهى مما يريده من التعليق عليه، وانتقل إلى ما بعده من الكلام مباشرة بدون داعٍ إلى واوٍ استئنافية (كما يحدث مثل ذلك أيضًا في أثناء الكلام الشفهي) (١). سادسًا: منهح الكتاب: ١ - المنهج العام الذي سار عليه البلقيني في الكتاب: ١ - يسوق البلقيني أولًا نص كلام الشيخ ابن عبد السلام من كتابه (قواعد الأحكام) بالمقدار الذي يرى أنه بحاجة للتعليق عليه بما يريده، فإذا انتهى من النقل، بدأ في التعليق عليه بقوله: (يقال عليه). هكذا سار البلقيني في منهجه العام في نقل نصوص كلام الشيخ ابن عبد السلام، ثم في التعليق عليها (٢). ٢ - لا يطيل البلقيني الكلام في تعقباته وتعليقاته على كلام الشيخ ابن عبد السلام، وإنما يأتي عادةً بكلام موجز مقنع. ٣ - امتاز منهج البلقيني في نقله نصوص كلام الشيخ ابن عبد السلام، أنه حَرَص على ذكر عناوين فصول تلك النصوص حسب ما جاءت عند الشيخ ابن عبد السلام في كتابه (قواعد الأحكام)، فيقول البلقيني مثلًا:

стр. 31

- (قوله في الفصل المعقود لِما تُعرف به المصالح والمفاسد) (النص رقم ٤)، ثم ينقل نص كلام الشيخ. - (قوله في الفصل المعقود لتقسيم أكساب العباد) (النص رقم ٥). - (قوله في الفصل المعقود عليه لبيان ما رُتِّب على الطاعات والمخالفات) (النص رقم ٨). وهكذا يفعل في بقية النصوص، حيث يصرِّح فيها بعناوين فصولها التي جاءت في كتاب (قواعد الأحكام). ٤ - وقد يحدّد البلقيني موضع النص من (الفصل)، كأن يكون في أول الفصل أو في موضع كذا من الفصل، كما في الأمثلة الآتية: - (قوله أول الفصل المعقود لبيان حقيقة المصالح والمفاسد) (النص رقم ٦). - (قوله في الفصل المعقود عليه للوسائل إلى المصالح) (النص رقم ١٣٤) ثم قال بعده: (قوله في الفصل المذكور في أثناء القسم الثاني: ما هو وسيلة إلى وسيلة). (النص رقم ١٣٥). - (قوله في القاعدة التي لبيان الحقوق الخالصة والمركبة) (النص رقم ١٧٠) ثم قال بعده: (قوله في التقسيم الثالث من القاعدة: ما يتركّب من حقوق الله، وحقوق رسوله، وحقوق المكلَّف) (النص رقم ١٧١). ٥ - وعندما يريد البلقيني نقل الأمثلة من عند الشيخ ابن عبد السلام، ينقلها أيضًا بأرقامها كما جاءت عند الشيخ، فيقول البلقيني مثلًا: (قوله في المثال الثالث) أو (في أثناء المثال الثالث) وهكذا. ٦ - وعندما تكثر النصوص التي ينقلها البلقيني من أحد الفصول، فإنه يكتفي بذكر (عنوان الفصل) في البداية مرة واحدة، ثم لا يكرره بعد ذلك في كل مرة، بل يستمر في نقل نصوص ذلك الفصل، نصًّا نصًّا، وينبّه في كل مرة

стр. 32

على أن تلك النصوص متعلقة بذلك الفصل، بقوله مثلًا: (قوله فيه أيضًا) (أي في ذلك الفصل) أو يقول: (قوله في الفصل المذكور)، فيربط بمثل هذه الإشارة الوجيزة جميع تلك النصوص بعنوان ذلك الفصل. فإذا انتهى من النصوص الخاصة بفصلٍ ما، وأراد أن يبتدئ بفصل آخر جديد، يأتي حينئذ بعنوان الفصل الجديد بقوله: (قوله في الفصل كذا). ٢ - طريقة البلقيني في نقل نصوص الشيخ ابن عبد السلام: ١ - لم يلتزم البلقيني نقلها حرفيًّا كما هي عند الشيخ، بل قد توجد مغايرات بين ما ينقله وما هو موجود في المطبوع من (قواعد الأحكام)؛ وهي مغايرات غير مؤثرة، لأن مرجعها -حسب ما ظهر لي- إلى أن نسخة البلقيني نفسها من (قواعد الأحكام) مختلفة عن النسخة المطبوعة الموجودة بين أيدينا (١). وربما كان مرجع تلك المغايرات، إلى أن النقل الحرفي لكلام الشيخ ابن عبد السلام ليس مقصودًا للبلقيني أصلًا، وإنما مقصوده أن يشير إلى مضمون كلامه وفحواه، ليعلّق عليه بما يراه. ولهذا فإني اكتفيتُ في خدمتي للكتاب بمجرد عزو ما نقله البلقيني من نصوص الشيخ ابن عبد السلام، إلى مواضعها من كتابه (قواعد الأحكام) دون التدقيق في مقابلتها وإثبات (الفروق) بينها وبين ما هو موجود في المطبوع من (قواعد الأحكام)، إذ لا طائل منه للقارئ الكريم، بل إنه يُتعب القارئ -من دون فائدة- في تقليب النظر بين المتن والهامش لمجرد الوقوف على فروق الكلمات. ٢ - وكما لم يلتزم البلقيني بنقل نصوص الشيخ ابن عبد السلام حرفيًّا، لم يلتزم كذلك بنقل عباراتها كاملة دائمًا، بل قد ينقلها مختصرة مع الإشارة

стр. 33

إلى الاختصار بمثل قوله (انتهى ملخصًا)، أو بالإحالة إلى باقي الكلام بقوله (إلى آخره) ونحوه. ٣ - وقد يختصر البلقيني النقلَ من دون إشارة إلى الاختصار. وهذا لا يُنتقد عليه لأنه منهج له، واصطلاح له، وهو منهج متبع في الجملة ولا ضير فيه. وقد رأيت في مثل حالات الاختصار هذه، أن أكتفي أيضًا بمجرد عزو النصوص إلى مواضعها من كتاب الشيخ ابن عبد السلام (قواعد الأحكام)، دون التقيد بالإشارة إلى كونها مختصرة. لكن هذا، إذا كان اختصارُ البلقيني وافيًا يكفي للقارئ أن يفهم به ما يأتي من كلام البلقيني على ذاك النص. أما إذا كان البلقيني نقل جزءًا من النص مثلًا، أو نقل النص بحيث يصعب على القارئ أن يفهم السياق الذي جاء فيه هذا النص، ويصعب عليه أيضًا أن يربط بعد ذلك بين النص وبين كلام البلقيني عليه، فحينئذ حَرَصتُ على أن أنقل للقارئ أصل كلام الشيخ ابن عبد السلام، في الهامش، بالقدر الذي يتمكن منه القارئ من فهم الموضوع الذي بين يديه. ٤ - وقد ينقل البلقيني شيئًا من نص كلام الشيخ ويطوي باقيه، لكنه بعد ذلك لمّا يأتي للكلام على ذلك النص والتعليق عليه، يتطرق إلى ذلك الجزء -أيضًا- الذي طواه من أصل النص عند نقله له. وهذا يؤدي إلى تشويش عند القارئ؛ إذ إنه يجد أن البلقيني يتعرّض لشيء، لا يجده القارئ أمامه في أصل كلام الشيخ ابن عبد السلام الذي نقله البلقيني. ولهذا كان من الجدير في مثل هذه المواضع، أن أذكر في الهامش أصل كلام الشيخ كاملًا أمام القارئ، أو -على الأقل- الجزء الذي طواه البلقيني

стр. 34

منه، حتى يسهل ربط كلام البلقيني به. (مثاله: النص رقم ٥٥٠، يُنظر فيه تعليق البلقيني على كلام الشيخ ابن عبد السلام في قياس المساقاة على الرضاع، فإن البلقيني علَّق هنا على شيء مما طواه من أصل كلام الشيخ ابن عبد السلام). ٣ - طريقة البلقيني في تعليقاته على كلام الشيخ ابن عبد السلام: إن تعليقات البلقيني على نصوص الشيخ ابن عبد السلام تتنوع كما يلي: (أ): فمنها ما هو من قبيل التعقيب وإبداء النظر في كلام الشيخ ابن عبد السلام، والتنبيه على ما يُلحظ عليه من نظر ونقد، والاستدراك عليه. فمن ذلك مثلًا: النص رقم ٩٣: فيه قول الشيخ ابن عبد السلام عن صلح الحديبية، أنه التُزم فيه إدخال الضَّيم على المسلمين وإعطاء الدنيّة في الدين دفعًا لمفسدة عظيمة، وهي قتل المؤمنين. فعقَّب عليه البلقيني بقوله: (لم يكن في صلح الحديبية إدخالُ ضيم ولا إعطاء دنيّة في نفس الأمر، ومن ثَمّ قال النبي ﷺ وأبو بكر، لعمر ﵄ ما قالا، حين قال: (فعلامَ نُعطي الدنيّة في ديننا)؟ وأيضًا فقوله ﷺ : (لا تكون خُطّةٌ يعظّمون فيها حُرُمات الله، إلا أجبتُهم إليها) يقتضي أن كل ما أجابهم إليه، فيه تعظيم حُرُمات الله وإن كانوا مخطئين في اعتقادهم. فتأمله!). وفي النص رقم ١٤٨: قال الشيخ ابن عبد السلام: (لا يثاب الإنسان ولا يعاقَب إلا على كسبه أو اكتسابه). علّق عليه البلقيني قائلا: (قد يُستثنى منه: (الطفل، يحُجّ عنه وليُّه)؛ فإن المرأة لمّا رَفَعت الصبيَّ للنبي ﷺ وقالت: ألهذا حج؟ قال: (نعم، ولكِ أجرٌ): يقتضي أن الصبي يثاب ...). وفي النص رقم ١٥٦: ذكر الشيخ ابن عبد السلام أن المديون لو مات

стр. 35

وعليه دَيْنٌ لم يأثم بسببه ولا بمَطْله، فهل يؤخذ من حسناته في الآخرة بمقدار ما عليه من الدَّين؟ قلنا: نعم ... كما تؤخذ أمواله ومساكنه وعبيده وإماؤه في الدنيا. فانتقد البلقيني هذا الجواب من الشيخ وعقّب عليه بكلام جيد بقوله: (هذا الجواب ممنوع. والأرجح أنه لا يؤخذ في الآخرة من ثواب حسناته شيء، لعدم تعدّيه. وفي الحديث: (من أَخَذ أموال الناس يريد أداءها، أدَّى الله عنه). ثم قال البلقيني: (وما ذكره الشيخ ﵀ من قياس الغائب على الشاهد، لا يصح؛ إذ لا يلزم من أخذ أمواله ومساكِنِه وعبيدِه في الدنيا، أن يؤخذ من ثواب حسناته في الآخرة، لأن الدنيا دار تكليف، والآخرةُ دارُ أجر على الطاعة أو المعصية، ولم يوجد منه معصية". وفي النص رقم ٢٠١: قال الشيخ ابن عبد السلام: (لو قَصَد الإنسانُ القربةَ بوسيلة ليست بقربة، لا يثاب على قصده دون فعله، كمن قَصَد نوم بعض الليل ليتقوّى به على قيام بقيته). فأبدى البلقيني نظرًا في كلام الشيخ هذا، وعقّب عليه -بالاستناد إلى حديث يخالف ظاهر كلام الشيخ- بقوله: (ظاهر هذا أنه لا يثاب على النوم المذكور، وهذا قد يُنازع فيه قولُ معاذ ﵁: (إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي). وفي النص رقم ٢٠٢: ذكر الشيخ ابن عبد السلام الاختلاف في كون بعض الكفارات: هل هي جوابر أو زواجر؟ ثم رجَّح أن (الظاهر أنها جوابر لأنها عبادات وقُرُبات لا تصح إلا بالنيات، وليس التقرب إلى الله تعالى زاجرًا). وهذا الترجيح من الشيخ، لم يلق أيضًا قبولًا عند البلقيني، فعقّب عليه بالاستدلال بآية تخالف ما ارتآه الشيخ، فقال: (ما ذكره من أن الكفارات

стр. 36

جوابر لا زواجر، معلّلًا له بأنها عبادات، قد يردّه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، وهذا زجرٌ. ومن جملة ما تقدّم: الصيام). وفي النص رقم ٢٩٨: قال الشيخ ابن عبد السلام: (ويجوز أن تكون هذه الأحكام كلها لا مصالحَ فيها ظاهرة ولا باطنة). فعلّق عليه البلقيني قائلًا: "الظاهر أن في مثل هذه الأحكام، حِكَمًا لم يُطْلِع عليها اللهُ عبادَه". (ب): وقد يتعقب البلقيني في تعليقاته: بعض أساليب التعبير عند الشيخ ابن عبد السلام. فمن أمثلة ذلك: أن الشيخ ابن عبد السلام ذكر في النص رقم ٢٦٦ أنه (يستحب للتائب إذا ذَكَر ذنبه الذي تاب عنه، أن يجدّد الندمَ على فعله والعزمَ على ترك العود إلى مثله، وعلى هذا يُحمل قوله ﷺ : (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة) ... إلخ. ثم قال في النص (رقم ٢٦٧): (فشتان بين من لا ينسى الصغير الحقير، وبين من ينسى عظيمَ ذنوبه، فلا تمرّ على بالِهِ احتقارًا لذنوبه). هذه هي عبارة الشيخ ابن عبد السلام، ويقصد بها بيان الفرق بين عظيمِ مقام النبي ﷺ وبين غيره، فهو ﷺ لا ينسى الصغيرَ الحقيرَ فيستغفر الله ويتوب إليه مئة مرة، وأما غيرُه فينسى عظيمَ ذنوبه، فلا تمرّ على باله احتقارًا لذنوبه. ومع أن هذا ما تمكّن منه الشيخ ابن عبد السلام من التعبير في هذا المقام، ونلحظ فيه مراعاته ما يليق بتعظيم قدر النبي ﷺ ، إلا أن البلقيني علَّق

стр. 37

عليه بتعديل أسلوب تلك العبارة، بحيث صارت -فيما يبدو- أرفعَ مقامًا في حق النبي الكريم ﷺ ، فقال البلقيني: (يقال عليه: صوابه: فشتان بين من يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مئة مرة ولا ذنبَ له، إجلالًا لربه! وبين من ينسى عظائم ذنوبه فلا يمرّ على باله، احتقارًا لذنوبه!). وفي النص رقم ٩٠ ذكر الشيخ ابن عبد السلام أنه لو أُكرِه بالقتل، على شهادة زورٍ لإحلال بُضع محرّم، لم تجز الشهادة). فعقّب عليه البلقيني بأن التعبير بـ (إحلال البُضع) لا يستقيم. وصوابه أن يقال: (الاستيلاء على بُضعٍ محرّم)، قال البلقيني: "لأن البُضع لا يحلّ بشهادة الزور". وفي النص رقم ١٢٢ قال الشيخ ابن عبد السلام: في تقرير المرتد ثلاثةَ أيام، قولان؛ أحدهما: أنه لا يقرَّر. والثاني: يقرَّر. فعقّب البلقيني على ذلك بأنه: لا يقال في مثل هذا: إنه تقرير، وإنما هو إمهال، فصواب العبارة: (وفي إمهال المرتد قولان: أحدهما: لا يمهَل، والثاني: يمهَل). فتأمله". وفي النص رقم ٣٨١ عبّر الشيخ ابن عبد السلام في حق الغريم المُعسر، بوصفه بـ: (المُعسر المجهول اليسار). فعلّق عليه البلقيني بقوله: صواب العبارة: (الرجل المجهول اليسار)، أو إسقاط لفظة (المعسر)، لأنه لا يصح في التركيب، وصفُ (المعسر) بـ (مجهول اليسار). وفي النص رقم ٦٢١ قال الشيخ بصدد كلامه عن كيفية ذكاة الحيوان المأكول في بعض الحالات: (لو سقط بعيرٌ في بئر يتعذر رفعه منها، وأمكن طعنه في بعض مَقاتله، حلّ بذلك).

стр. 38

فعقّب عليه البلقيني بأن قوله: (في بعض مَقاتله) ليس بجيد. والأحسن أن يقال: (في بعض أعضائه)، لقوله ﷺ : (لو طَعنتَ بها في فخذه لأجزأ عنك). (ج): من تعليقات البلقيني، ما يجيب فيه عن إشكالات يثيرها الشيخ ابن عبد السلام. فمن أمثلة ذلك: النص رقم ٤٢٤ استشكل فيه الشيخ ابن عبد السلام العمل بعموم حديث (دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك)، وهو أنك إنْ حملتَه على (الواجبات) لصيغة الأمر، خرجتْ منه المندوبات. وإن حملتَه على (المندوبات)، كان تحكّمًا. وإن حملتَه عليهما، جمعتَ بين المجاز والحقيقة، أو بين المشتركات ... فأجاب عنه البلقيني بأن الحديث إذا حُمل على (الواجبات)، لا يلزم منه إلا خروج (المندوبات)، ولا محذور فيه. وإذا حُمل على (الندب) لا يكون تحكمًا، لأن ذلك تفريع على أن صيغة الفعل للندب، لأن القدر الزائد على (مطلق الطلب) -وهو الوجوب- مشكوكٌ فيه، فعلمنا بالتيقن، وهو (مجرد الطلب). (د): من أبرز وأكثر ما اشتملت عليه تعليقات البلقيني في هذا الكتاب: تعقباتُه على ما يتناوله الشيخ ابن عبد السلام من المسائل الفقهية، خصوصًا مسائل المذهب الشافعي. وفي بعض ذلك مناقشات وتحريرات قوية، وربما طويلة. فمن أمثلة ذلك: ما جاء في النص رقم ١٢٤ من قول الشيخ ابن عبد السلام عن مغزى أخذ الجزية ممن تؤخذ منهم: (ولا تؤخذ الجزية عوضًا عن تقريرهم على

стр. 39

الكفر، إذ ليس من إجلال الربّ أن تؤخذ الأعواض على سبِّه وشتمِه ونسبتِه إلى ما لا يليق بعظمته. ومن ذهب إلى ذلك فقد أبعد). علّق البلقيني على هذا قائلًا: (هذا يقتضي أن من العلماء مَن ذهب إلى ذلك، ولا أعلم من قال به. وإنما تؤخذ الجزية عن حقن دمائهم أو أجرة سكناهم في بلاد المسلمين، على الخلاف في ذلك. وأما على ما ذكره الشيخ، فلم يقل به أحد). وفي النص رقم ١٢٥ قال الشيخ ابن عبد السلام: (الغيبة مَفسدةٌ محرّمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحةً واجبة التحصيل أو جائزة التحصيل. ولها أحوال: أحدها: أن يشاوَر في مصاهرة إنسان، فيذكره بما يكره) (١) إلى أن قال: (فهذا جائز. والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله ﷺ بالنصح لكل مسلم). يقول البلقيني تعليقًا عليه: (ما ذكره من الوجوب على ما ظهر له، جزم به النووي في (الأذكار) و (الرياض) وشرح مسلم. والصواب خلافه؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يَرغب أحدٌ في المستشار فيه، ويؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم مما يحصل في مصاهرته، كوقوعٍ في زنى ونحو ذلك. فالصواب: الجواز. وفي النص رقم ١٢٩ قال الشيخ ابن عبد السلام ضمن بيانه لحالات من يدّعي الإعسار: (الحالة الثانية: أن لا يُعرف له غنى ولا فقر. وفيه مذاهب: أحدها: لا يُحبس، لأن الأصل فقرُه) ثم قال: (والثاني: يُحبس، لأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، والفقراء الذين لا يملكون

стр. 40

ذلك: بالنسبة إلى هؤلاء، قليل. وهذا مشكل جدًّا إذا كان الحق غزيرًا كثيرًا كالألف والألفين، إذ ليست الغلبة متحققة في الغنى المتسع، فكيف يُحبس الغريم على عشرة آلاف، وليس الغالب في الناس من يملك عشرة آلاف) ثم قال: (ويحتمل أن يقال: إذا أَدَّى قدرًا يخرج به عن الغلبة، وجب إطلاقه. وهذا قريب. المذهب الثالث: إن لزمه الدين باختياره، فالقول قوله). علّق البلقيني على هذا قائلًا: (ما ذكره من هذه المذاهب، هي أوجه في مذهب الشافعي ﵁، ولكن إنما أوردها الأصحاب في (مَن القولُ قولُه). وهذا الوجه الثاني (١) صائر إلى أن القول قول غريم المفلس؛ لأنه يوافق الظاهر، وطردِ الباب طردًا واحدًا، فلا فرق بين اليسير والكثير. ولأن الأصل استحقاق المطالبة. والشيخ نَصَب الأوجه في حبسه معلِّلًا هذا الوجه بأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، فجاء الإشكال الذي ذكره (٢). وفي النص رقم ٣٥٦ تطرّق الشيخ ابن عبد السلام لمسألة اشتراط الرشد في كل من المدّعي والمنكر. فعقّب البلقيني على ذلك ببيان اختلاف وجوه المذهب الشافعي في هذه المسألة، وما هو المعتمد والمصحح فيها عندهم. ثم تطرّق لمناقشة عبارةٍ لأبي إسحاق الشيرازي في كتابه (التنبيه) وهي
следующие страницы →