← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

جوابر لا زواجر، معلّلًا له بأنها عبادات، قد يردّه ظاهرُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾، وهذا زجرٌ. ومن جملة ما تقدّم: الصيام). وفي النص رقم ٢٩٨: قال الشيخ ابن عبد السلام: (ويجوز أن تكون هذه الأحكام كلها لا مصالحَ فيها ظاهرة ولا باطنة). فعلّق عليه البلقيني قائلًا: "الظاهر أن في مثل هذه الأحكام، حِكَمًا لم يُطْلِع عليها اللهُ عبادَه". (ب): وقد يتعقب البلقيني في تعليقاته: بعض أساليب التعبير عند الشيخ ابن عبد السلام. فمن أمثلة ذلك: أن الشيخ ابن عبد السلام ذكر في النص رقم ٢٦٦ أنه (يستحب للتائب إذا ذَكَر ذنبه الذي تاب عنه، أن يجدّد الندمَ على فعله والعزمَ على ترك العود إلى مثله، وعلى هذا يُحمل قوله ﷺ : (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مئة مرة) ... إلخ. ثم قال في النص (رقم ٢٦٧): (فشتان بين من لا ينسى الصغير الحقير، وبين من ينسى عظيمَ ذنوبه، فلا تمرّ على بالِهِ احتقارًا لذنوبه). هذه هي عبارة الشيخ ابن عبد السلام، ويقصد بها بيان الفرق بين عظيمِ مقام النبي ﷺ وبين غيره، فهو ﷺ لا ينسى الصغيرَ الحقيرَ فيستغفر الله ويتوب إليه مئة مرة، وأما غيرُه فينسى عظيمَ ذنوبه، فلا تمرّ على باله احتقارًا لذنوبه. ومع أن هذا ما تمكّن منه الشيخ ابن عبد السلام من التعبير في هذا المقام، ونلحظ فيه مراعاته ما يليق بتعظيم قدر النبي ﷺ ، إلا أن البلقيني علَّق

стр. 37

عليه بتعديل أسلوب تلك العبارة، بحيث صارت -فيما يبدو- أرفعَ مقامًا في حق النبي الكريم ﷺ ، فقال البلقيني: (يقال عليه: صوابه: فشتان بين من يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم مئة مرة ولا ذنبَ له، إجلالًا لربه! وبين من ينسى عظائم ذنوبه فلا يمرّ على باله، احتقارًا لذنوبه!). وفي النص رقم ٩٠ ذكر الشيخ ابن عبد السلام أنه لو أُكرِه بالقتل، على شهادة زورٍ لإحلال بُضع محرّم، لم تجز الشهادة). فعقّب عليه البلقيني بأن التعبير بـ (إحلال البُضع) لا يستقيم. وصوابه أن يقال: (الاستيلاء على بُضعٍ محرّم)، قال البلقيني: "لأن البُضع لا يحلّ بشهادة الزور". وفي النص رقم ١٢٢ قال الشيخ ابن عبد السلام: في تقرير المرتد ثلاثةَ أيام، قولان؛ أحدهما: أنه لا يقرَّر. والثاني: يقرَّر. فعقّب البلقيني على ذلك بأنه: لا يقال في مثل هذا: إنه تقرير، وإنما هو إمهال، فصواب العبارة: (وفي إمهال المرتد قولان: أحدهما: لا يمهَل، والثاني: يمهَل). فتأمله". وفي النص رقم ٣٨١ عبّر الشيخ ابن عبد السلام في حق الغريم المُعسر، بوصفه بـ: (المُعسر المجهول اليسار). فعلّق عليه البلقيني بقوله: صواب العبارة: (الرجل المجهول اليسار)، أو إسقاط لفظة (المعسر)، لأنه لا يصح في التركيب، وصفُ (المعسر) بـ (مجهول اليسار). وفي النص رقم ٦٢١ قال الشيخ بصدد كلامه عن كيفية ذكاة الحيوان المأكول في بعض الحالات: (لو سقط بعيرٌ في بئر يتعذر رفعه منها، وأمكن طعنه في بعض مَقاتله، حلّ بذلك).

стр. 38

فعقّب عليه البلقيني بأن قوله: (في بعض مَقاتله) ليس بجيد. والأحسن أن يقال: (في بعض أعضائه)، لقوله ﷺ : (لو طَعنتَ بها في فخذه لأجزأ عنك). (ج): من تعليقات البلقيني، ما يجيب فيه عن إشكالات يثيرها الشيخ ابن عبد السلام. فمن أمثلة ذلك: النص رقم ٤٢٤ استشكل فيه الشيخ ابن عبد السلام العمل بعموم حديث (دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَريبك)، وهو أنك إنْ حملتَه على (الواجبات) لصيغة الأمر، خرجتْ منه المندوبات. وإن حملتَه على (المندوبات)، كان تحكّمًا. وإن حملتَه عليهما، جمعتَ بين المجاز والحقيقة، أو بين المشتركات ... فأجاب عنه البلقيني بأن الحديث إذا حُمل على (الواجبات)، لا يلزم منه إلا خروج (المندوبات)، ولا محذور فيه. وإذا حُمل على (الندب) لا يكون تحكمًا، لأن ذلك تفريع على أن صيغة الفعل للندب، لأن القدر الزائد على (مطلق الطلب) -وهو الوجوب- مشكوكٌ فيه، فعلمنا بالتيقن، وهو (مجرد الطلب). (د): من أبرز وأكثر ما اشتملت عليه تعليقات البلقيني في هذا الكتاب: تعقباتُه على ما يتناوله الشيخ ابن عبد السلام من المسائل الفقهية، خصوصًا مسائل المذهب الشافعي. وفي بعض ذلك مناقشات وتحريرات قوية، وربما طويلة. فمن أمثلة ذلك: ما جاء في النص رقم ١٢٤ من قول الشيخ ابن عبد السلام عن مغزى أخذ الجزية ممن تؤخذ منهم: (ولا تؤخذ الجزية عوضًا عن تقريرهم على

стр. 39

الكفر، إذ ليس من إجلال الربّ أن تؤخذ الأعواض على سبِّه وشتمِه ونسبتِه إلى ما لا يليق بعظمته. ومن ذهب إلى ذلك فقد أبعد). علّق البلقيني على هذا قائلًا: (هذا يقتضي أن من العلماء مَن ذهب إلى ذلك، ولا أعلم من قال به. وإنما تؤخذ الجزية عن حقن دمائهم أو أجرة سكناهم في بلاد المسلمين، على الخلاف في ذلك. وأما على ما ذكره الشيخ، فلم يقل به أحد). وفي النص رقم ١٢٥ قال الشيخ ابن عبد السلام: (الغيبة مَفسدةٌ محرّمة، لكنها جائزة إذا تضمنت مصلحةً واجبة التحصيل أو جائزة التحصيل. ولها أحوال: أحدها: أن يشاوَر في مصاهرة إنسان، فيذكره بما يكره) (١) إلى أن قال: (فهذا جائز. والذي يظهر لي أنه واجب لأمر رسول الله ﷺ بالنصح لكل مسلم). يقول البلقيني تعليقًا عليه: (ما ذكره من الوجوب على ما ظهر له، جزم به النووي في (الأذكار) و (الرياض) وشرح مسلم. والصواب خلافه؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يَرغب أحدٌ في المستشار فيه، ويؤدي ذلك إلى مفسدة أعظم مما يحصل في مصاهرته، كوقوعٍ في زنى ونحو ذلك. فالصواب: الجواز. وفي النص رقم ١٢٩ قال الشيخ ابن عبد السلام ضمن بيانه لحالات من يدّعي الإعسار: (الحالة الثانية: أن لا يُعرف له غنى ولا فقر. وفيه مذاهب: أحدها: لا يُحبس، لأن الأصل فقرُه) ثم قال: (والثاني: يُحبس، لأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، والفقراء الذين لا يملكون

стр. 40

ذلك: بالنسبة إلى هؤلاء، قليل. وهذا مشكل جدًّا إذا كان الحق غزيرًا كثيرًا كالألف والألفين، إذ ليست الغلبة متحققة في الغنى المتسع، فكيف يُحبس الغريم على عشرة آلاف، وليس الغالب في الناس من يملك عشرة آلاف) ثم قال: (ويحتمل أن يقال: إذا أَدَّى قدرًا يخرج به عن الغلبة، وجب إطلاقه. وهذا قريب. المذهب الثالث: إن لزمه الدين باختياره، فالقول قوله). علّق البلقيني على هذا قائلًا: (ما ذكره من هذه المذاهب، هي أوجه في مذهب الشافعي ﵁، ولكن إنما أوردها الأصحاب في (مَن القولُ قولُه). وهذا الوجه الثاني (١) صائر إلى أن القول قول غريم المفلس؛ لأنه يوافق الظاهر، وطردِ الباب طردًا واحدًا، فلا فرق بين اليسير والكثير. ولأن الأصل استحقاق المطالبة. والشيخ نَصَب الأوجه في حبسه معلِّلًا هذا الوجه بأن الغالب في الناس أنهم يملكون ما فوق كفايتهم، فجاء الإشكال الذي ذكره (٢). وفي النص رقم ٣٥٦ تطرّق الشيخ ابن عبد السلام لمسألة اشتراط الرشد في كل من المدّعي والمنكر. فعقّب البلقيني على ذلك ببيان اختلاف وجوه المذهب الشافعي في هذه المسألة، وما هو المعتمد والمصحح فيها عندهم. ثم تطرّق لمناقشة عبارةٍ لأبي إسحاق الشيرازي في كتابه (التنبيه) وهي

стр. 41

قوله: (لا يصح الدعوى إلا من مطلق التصرف فيما يدّعيه)، وناقشها مناقشة طويلة، وذكر أنها لا تستقيم على إطلاقها هكذا من وجوه عدة، فذكر وجوهًا ونظائر فقهية ستة سُمعت فيها الدعوى -في المذهب- ممن لا يملك التصرف، خلافًا لما قاله الشيرازي. وبناء على هذه المناقشة الطويلة لعبارة الشيرازي المذكورة، انتهى البلقيني إلى أنه لا يستقيم أمرها، ولا يُعمل بمقتضاها، ولا يؤخذ منها بطلان دعوى السفيه؛ لأنه لا يُدرَى ما المراد بها. ولم يذكرها الشيرازي في (المهذّب)، ولا أحدٌ من الأصحاب، وليس لها مخرجٌ تصح به. ولم يذكر الشافعي ﵁، ولا أحدٌ من الأصحاب، اشتراطَ رُشد المدّعي. فقد نص الشافعي في كتبه كلها على نصوص كثيرة في الدعاوى، ليس في شيء منها إخراجُ السفيه من الدعوى، وكذلك جرى عليه الأصحاب. انتهى كلام البلقيني (١). ولعل مما يُلحق بهذا العنصر (أي: مناقشة البلقيني ما يعرضه الشيخ ابن عبد السلام من المسائل): أن الشيخ ابن عبد السلام يتطرق في بعض المسائل للمقارنة بين مذهب الإمام الشافعي ومذهبِ غيرِه من الأئمة، فيشعُر البلقيني أن تلك المواضع محتاجة إلى بيان دليل الإمام الشافعي؛ ليتبين للقارئ وجهُ ما ذهب إليه الشافعي، واختاره في تلك المسائل.

стр. 42

فمن ذلك مثلًا: أن الشيخ ابن عبد السلام ذكر أمثلة لتعارض أصلٍ وظاهرٍ، ومنها: (المثال الرابع: إذا اختلف الزوجان في النفقة مع اجتماعهما وتلازمهما ومشاهدةِ ما ينقله الزوج إلى مسكنها من الأطعمة والأشربة). قال الشيح: (فالشافعي يجعل القولَ، قولَ المرأة، لأن الأصل عدم قبضها كسائر الديون. ومالكٌ يجعل القولَ، قولَ الزوج؛ لأنه الغالب في العادة، وقولُه ظاهرٌ) (ينظر النص رقم ٤٠٨). فقد دافَع البلقيني في تعليقه على هذا المثال، عن مذهب الإمام الشافعي، وانتَصَر لما اختاره الإمام، بحديث هند المشهور ﵄: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بَنِيكِ). ووجه الاستدلال ما وضّحه البلقيني بقوله: (سواء قلنا: إن ذلك قضاء أو فتوى، لأنه إن كان قضاءً فواضحٌ. وإن كان فتوى فلو لم يكن القولُ قولَها، لقال لها النبي ﷺ : إن العادة والظاهر أن الأزواج يكفُون زوجاتهم وأولادَهم. ولم يسلّطها على الأخذ من ماله، ما يكفيها ويكفي بَنِيها ...). ومثال آخر: ذكر الشيخ ابن عبد السلام في فصل تعارض ظاهرين: (إذا تأمل الناسُ الهلال، فشهد برؤيته عدلان منهم، ولم يتفوّه غيرهما برؤيته، فقد اختلف العلماء فيه. فسمع الشافعي ﵀ شهادتهما لظهور صدقهما بما ثبت من عدالتهما الوازعة عن الكذب. ورأى بعض العلماء ردّ شهادتهما لأن العادة تكذِّبهما، فإن العادة أن الجمع الكثير إذا رأوا الهلال: شَهَّرُوه وتفوّهوا برؤيته. فإذا لم يتفوّه برؤيته إلا الشاهدان، دل الظاهر المستفاد من العادة على كذبهما أو على ضعف الظن المستفاد من قولهما) (ينظر النص رقم ٤١٦). فعلّق البلقيني على هذا ببيان دليل الإمام الشافعي، فقال: (دليل مذهب

стр. 43

الشافعي، حديث ابن عباس أن أعرابيًّا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، فقال: (أتشهد أن لا إله إلا الله)؟ قال: نعم. قال: (أتشهد أن محمدًا رسول الله)؟ قال: نعم. قال: "فأذِّن في الناس يا بلال أن يصوموا غدًا". قال البلقيني: "فلو كان ما ذكره المخالف قادحًا، لَبيَّنه، ولَما أَمَر بالصيام". (هـ): من اللفتات المهمة في تعليقات البلقيني التي تُنبئ عن المنهج العلمي الدقيق: ما يتطرّق إليه -في بعض المواضع- من المقارنة بين نسخ كتاب (قواعد الأحكام). وهذه المقارنة من البلقيني، تدل على أنه كان مطّلعًا على نسخ أخرى من كتاب الشيخ ابن عبد السلام هذا، غير النسخة التي كان ينقل عنها نصوص عبارا ت الشيخ هنا في (الفوائد الجسام). ووجه الدقة في صنيع البلقيني هذا، أنه قد يجد استشكالًا في بعض عبارات الشيخ ابن عبد السلام من حيث الخطأ والصواب، أو من حيث وجود نقص فيها مما يتطلب إكمالها حتى يستقيم المعنى؛ فينبّه البلقيني على وجه الملاحظة في مثل هذه المواضع، لكنه لا يُحمّل تَبعتها على الشيخ ابن عبد السلام، بل ينبّه إلى أنه وُجد الأمر هكذا في بعض النسخ من كتاب الشيخ ابن عبد السلام (ومنها النسخة التي كان البلقيني يُورد منها نصوص الشيخ ابن عبد السلام)، لكن النسخ الأخرى من كتاب الشيخ، خالية من هذه الأخطاء، ولهذا فلا يتوجّه على الشيخ ابن عبد السلام بسبب ذلك، إيرادٌ. وقد وقفتُ عند البلقيني على مثالين من هذا القبيل: أحدهما: أنه نقل في النص رقم ٥٢١ عبارة الشيخ ابن عبد السلام هكذا: (التوكيل في البيع المطلق، فإنه يتقيد بثمن المثل وغالبِ نقد بلد البيع) (١).

стр. 44

هكذا أورد البلقيني عبارة الشيخ ابن عبد السلام، ثم علّق عليه بقوله: (يقال عليه: تقييده بـ (نقد بلد البيع) في غير نسخة، ليس بجيد، لاقتضائه أنه لو قال له بمصر: وكّلتُك في بيع كذا، فباعه بمكة، أنه يتقيد بنقد مكة. وليس كذلك، بل ذلك يتقيد بنقد بلد الوكالة) هذا ما قاله البلقيني أولًا، لكنه لم يكتف بذلك بل عطف عليه بعد ذلك بقية الكلام عن هذا النص نفسه، فقال: (وفي نسخة: (نقد البلد)، وهي سالمة من الإيراد). انتهى كلام البلقيني. والمثال الثاني: ما نقله البلقيني في النص رقم ٨٣ من قول الشيخ ابن عبد السلام: (المثال الثامن: إذا ملك نفقةَ زوجةٍ، وله زوجتان متساويتان، سوَّى بينهما. ويجوز أنْ يُقرع بينهما دفعا لمفسدة انكسار المحرومة منهما). عَقَّب البلقيني على هذا النص بقوله: (يقال عليه: لعله سقط بعد قوله: (سوَّى بينهما) شيءٌ، وصوابه: (أو يُخيّر. ويجوز أن يُقرع) إلى آخره. على أن ذلك ثابت في بعض النسخ). ومما كشفت عنه مقارنة البلقيني هذه: أن الطبعة المحققة من كتاب (قواعد الأحكام) الصادرة بتحقيق الأستاذين الفاضلين الدكتور نزيه حماد والدكتور عثمان ضميرية، جاء فيها هذان النصان بنفس الكيفية التي نبه البلقيني أنها محلُّ نظر وخطأ، ومع ذلك لا توجد في كلا النصين إشارة من المحققَيْن إلى أي اختلاف فيما بين أيديهم من النسخ السبع الخطية للكتاب، مما يدل أن تلك النسخ السبع عندهم، اتفقت على إيراد النصين بنفس تلك الكيفية الخاطئة (١)، وأنه لم يأتِ أيٌّ من هذين النصين في أي نسخة من

стр. 45

النسخ السبع تلك، على الوجه الصواب الذي أورده البلقيني من النسخ الأخرى. وهذا يدل أن تلك النسخ الصائبة التي يشير إليها البلقيني، هي نسخ أخرى غير النسخ السبع التي اعتمدها محققا الطبعة المذكورة من (قواعد الأحكام)؛ وأن نُسخ البلقيني هذه عاليةُ الجودة، خصوصًا إذا نظرنا إلى أنها جاءت بصوابٍ لم يأتِ في النسخ السبع الخطية كلها المشار إليها (١). (و): بقي مما يتعلق بروائع منهج البلقيني وطريقته في هذه التعليقات، ما يقوم به من إضافات لفوائد ونكاتٍ قيّمة، ربما تُعدّ من قبيل (خبايا الزوايا) التي تزداد بها قيمةُ أماليه هذه. فمن أمثلة ذلك: النص رقم ١٦٩: ذكر فيه الشيخ ابن عبد السلام أن من المواطن التي يترجح فيها إبداء الصدقة وإظهارها على إخفائها أنه (إن كان ممن يُقتدَى به كان الإبداء أولى لِما فيه من سدّ خلّة الفقراء مع مصلحة الاقتداء). فأضاف البلقيني على ذلك مواضع أخرى لأولويّة إبداء الصدقة فيها، فقال: (ويكون الإبداء أولى إذا حثّ الإمام على الصدقة، لِما فيه من إظهار الامتثال. وقد أَقبَل النبي ﷺ يوم عيدٍ على النساء، فقال: (يا معشر النساء، تَصَدَّقْن ولو من حليّكنّ)، فجعلن يُلقِين في ثوب بلالٍ من أقرطتهن

стр. 46

وخواتيمهن). ثم قال البلقيني: (ومن ذلك حثه على الصدقة في غير ما موطنٍ، كما في قصة سُلَيك، ونحو ذلك، تم تمثيل الأمر بإظهارها). ومن ذلك النص رقم ١٧٥: ذكر فيه الشيخ ابن عبد السلام أن من حقوق المكلفين بعضهم على بعض: إنظار الموسِر. فعلّق البلقيني على ذلك بتوضيح جميل لصورة من صور إنظار الموسِر، وهي: أن لا يكون عنده نقدٌ، وعنده عُرُوضٌ، فيُسعفه الدائن بالنظِرة ولا يتعسف عليه بحمله على بيع العُروض ليسدّد الدَّين عاجلًا، فربما يؤدّي هذا التعسف من الدائن إلى أن يبيع المدين تلك العُروض بثمن ناقص ليتمكن من سداد الدَّين، فيكون قد تضرر بذلك (١). وفي النص رقم ١٧٨: ذكر الشيخ ابن عبد السلام أنواعًا من مضامين القرآن الكريم. فعلّق البلقيني أن الشيخ (قد أَهمَل نوعًا حسنًا، وهو: (الوعد بثواب عاجل وثواب آجل معها)، كـ (الجهاد)، فثوابه العاجل: الغنيمة والسَّلَب بشرطه؛ وثوابه الآجل: ما أعدّه الله تعالى للمجاهد في الدار الآخرة مما نطق به الكتاب العزيز والسنة. وكـ (الإسلام)، فثوابه الآجل: ما وعد الله على الإسلام من الثواب الجزيل؛ وثوابه العاجل: أن العبد بالإسلام يدخل في عِداد من يجوز أن تُصرف إليه الزكوات والكفارات والضحايا والهدايا، وغير ذلك مما شُرط فيه الإسلام). وفي النص رقم ٢٣٤: قال الشيخ ابن عبد السلام: (المفسدة المقتضية

стр. 47

لجعل الربا من الكبائر، لم أقف فيها على ما يُعتمد على مثله، فإن كونه مطعوما أو قيمةً للأشياء أو مقدّرًا، لا يقتضي مفسدة عظيمة يكون من الكبائر لأجلها). فأبان البلقيني في تعليقه على هذا الكلام، ببيان نكتة تكشف عن مفسدة خفية خطيرة في الربا جعلتْه في تلك الدرجة من البشاعة والقبح في نظر الشارع؛ حتى عُدّ من كبائر الذنوب. يقول البلقيني: (بل المفسدة في الربا تعاطيه لمعصية تسري في أموال الناس غالبًا، ويشق الاحتراز منها لو وقعت. فعلّيّةُ انتشارها وعمومها [جُعلت] سببًا لجعلها من الكبائر. وقد (لَعَن رسول الله ﷺ آكِلَ الربا ومُوكِلَه)، الحديث". انتهى كلام البلقيني. وفي النص رقم ٢٨٠: ذكر الشيخ ضمن استحباب تقديم الأعضاء اليمنى على اليسرى، أن ذلك تكريم وتشريف لها، (ولذلك يُبدأ بها في الانتعال لأنه إكرام لها)، (لأن الانتعال بمثابة اللباس للقدم، فهو إكرامٌ لها، ولهذا يُبدأ فيه بالرِّجل اليمنى، كما يُبدأ في لباس البدن بالأعضاء اليُمنى). هذا كلامٌ قيّم من الشيخ ابن عبد السلام. ولكن علّق عليه البلقيني بإضافة لفتة جميلة إلى أدب الانتعال عند الخروج من المسجد، عندما يتعارض هذا الأدب، مع (أدب الخروج من المسجد بالرِّجل اليسرى). فكيف يمكن تطبيق هذين الأدبين في آنٍ واحدٍ -وهي صورة واقعية يومية- بحيث يتحقق مقصود الشارع فيهما معًا: بأن يُبتدأ بإخراج الرِّجل اليُسرى من المسجد، وفي نفس الوقت يُبدأ أيضًا بلُبس النعل في الرِّجل اليمنى؟ أفاد البلقيني إمكانية تطبيق ذلك بسهولة، فقال: (فإذا تعارض الخروجُ من المسجد، والانتعالُ: قَدَّم اليسرى في الخروج، ويضعُها على ظهر نعله؛ ثم يُخرِجُ اليمنى فيُنَعِّلها، ثم يُنَعّلُ اليسرى)!

стр. 48

وفي النص رقم ٥٠٠: تطرّق الشيخ ابن عبد السلام لبيان معنى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]، وما سِرّ تقييده بقوله (إذا حسد). يقول الشيخ ابن عبد السلام: (فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥]، فالجواب: أن الحسد الحكمي لا يضرّ المحسودَ لغفلة الحاسد عنه. والحسدُ الحقيقي هو الحاثّ على أذية المحسود. فقوله : ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ﴾ صالحٌ للحسد الحكمي والحقيقي). هذا ما قاله الشيخ ابن عبد السلام. وأفاد البلقيني في التعليق عليه بيان نكتة أخرى لهذا القيد، فقال: (ولك في الجواب مسلكٌ آخر، وهو أن العُلقة بين الحاسد والمستعيذ، إنما تكون حال حسده الحقيقي، ولا عُلقةَ بينهما إذا خلا عن حسده الحقيقي بغفلة ونحوها وإن كان متعلقًا بالحسد الحكمي، فلذلك خَصّ الحالة التي تكون فيها العُلقة فيها). وفي النص رقم ٦١٤: أفاد الشيخ ابن عبد السلام حكمة منع المرأة من تزويجها بنفسها استثناءً من قاعدة (الأحرار المُطْلقون مستقلون بالتصرف في منافع أموالهم وأجسادهم)، فقال الشيح: (واستثني من ذلك: تزويج المرأة نفسها، لما في مباشرتها ذلك من المشقة والخجل والاستحياء). وعلّق عليه البلقيني بسطرين وجيزين، أبان فيهما عن لفتة أخرى لهذا الحكم التشريعي، فقال: (الأَولى في تعليل ذلك أن يقال: المرأة غالبًا سريعة الانخداع، فربما وَضعتْ نفسَها تحت من لا يكافئها). وهكذا نرى إضافات البلقيني في هذه التعليقات تنمّ عن مثل هذه الإفادات القيّمة. وعلى كل، ففي جملة تعليقات البلقيني في الكتاب كله، يحس القارئ أنه أمام عالم ضليع، آتاه الله فحولةً، وقوةَ شخصية، ودقةَ نظر، وعمقَ اطلاع

стр. 49

فيما يبديه من التعقب والنقد والتحرير والاستدراك، بحيث يمكن أن يقال في حق تعليقاته: إنها زادت كلام الشيخ ابن عبد السلام تمتينًا وتحريرًا. (ز): وأخيرًا، فمع ما سبق من روائع ما جادت به قريحة البلقيني من التعليقات، وقوة الأنظار، فقد بدت في بعض تعليقاته مسامحات فيما كان يَتَعَقَّب به على الشيخ ابن عبد السلام، خاصة إذا لوحظ أن الشيخ ابن عبد السلام ينطلق من جهة النظر المقاصدي، فيُبدي ما يراه مما ينبغي أن تكون عليه المسألة من حيث النظر المقاصدي لديه، وإن كان ذلك ربما يقع مخالفًا لما تقرر عند غيره من أهل العلم، لوجوهٍ أخرى عندهم. فيأتي البلقيني في بعض هذه المواضع، ويتعقّب الشيخَ فيها أو يناقشه ويردّه إلى ما هو معتمد لدى أولئك الآخرين، والحال أن الشيخ -فيما يظهر- لا يُنكِر ما يقوله الآخرون، ولا يُنكر أيضًا ما قد يكون مقرَّرًا بحسب ما في نفس الأمر في تلك المسائل، وإنما يُبدي ما يتراءى ويترجح لديه، من النظر المقاصدي فيها، فتظهَرُ مناقشة البلقيني في هذه المواضع، بعيدةً عن النظرة المقاصدية التي يريدها الشيخ ابن عبد السلام. والله أعلم. فمن ذلك مثلًا: النص رقم ١٣٢ المتعلق بضرب الصبيان للتأديب ضربًا غير مبرّح: انطلق الشيخ ابن عبد السلام في هذه المسألة من نظرة مقاصدية دقيقة، وخالفه البلقيني تبعًا لبعض علماء الشافعية لنظرة مقاصدية أخرى تختلف عن نظرة الشيخ. ولكن تبيّن بالبحث والمراجعة في كتب الشافعية، أن المختار عند محققيهم المتأخرين هو ما ارتآه الشيخ ابن عبد السلام في هذه المسألة، كما وضحته في التعليق على هذا النص. وكذلك التعليق على النص رقم ٢٧٧ يبدو فيه أيضًا بعدٌ من البلقيني عن النظرة المقاصدية التي ينطلق منها الشيخ ابن عبد السلام.

стр. 50

توضيح ذلك أن الشيخ ابن عبد السلام يقول في هذا الموضع: (أحكام الله تعالى كلها مصالح لعباده) (قواعد الأحكام ١: ٢٩٧). وبناء عليه بدأ الشيخ يفصّل تلك الأحكام، سواء ما تعلق منها بالقلوب أو الأبدان أو الجوارح أو الحواس. . . إلخ. فمن ذلك أن الشيخ نبّه أن هناك أحكامًا تتعلّق بجارحتي (الأفواه والبطون) من الواجبات والمحرّمات والمندوبات والمستحبات. . . إلخ، ومبناها جميعًا على المصالح والمفاسد، فينبغي امتثال ما يُعتبر مصلحةً واجتناب ما يُعدّ مفسدةً. فمما ينبغي اجتنابه في حق هاتين الجارحتين لكونه محرَّمًا، فهو مفسدةٌ في حقهما: أنَّه "لا يجوز أن يُلقَى فيها ما يَحرُم أكله". (النص ٢٧٧). فجاء البلقيني وتعقب على هذا بأنّه يجوز إلقاء ما لا يتحلل منه شيء إلى الجوف، كالزجاج! وكما يُلحظ فإنَّه تعقيب بعيدٌ عن النظرة المقاصدية التي يريدها الشيخ في هذا الموضع، إذ إن قصد الشيخ -كما وضحته قبل قليل- هو تقرير أحكام هاتين الجارحتين التي تظهر فيها آثار المصالح والمفاسد، ومن ثَمّ مثّل الشيخ لذلك ببعض الأمثلة، ومنها هذا المثال (لا يجوز إلقاء ما يحرُم أكله في الأفواه والبطون). وليس قصد الشيخ هنا: بيان ما في نفس الأمر مما يجوز أن يُلقى في الأفواه والبطون، وما لا يجوز؛ إذ محلّ ذلك في كتب الفقه والفتاوى. ولعله لا يُتصور أن مثل الشيخ ابن عبد السلام يغيب عنه -عند تقرير مثل هذه النظرة المقاصدية في أحكام هاتين الجارحتين- ما ذكره البلقيني من هذا الاستدراك بمسألة فرعية لو وقعت ولو صح التسليم بها، لكانت من النوادر أو

стр. 51

الفرضيات؟! فكيف تُستدرك عليه تلك المسألة الجزئية، في مقامٍ يقرر فيه الشيخ نظراتٍ كلية مقاصدية في الموضوع المشار إليه. وكما يُلحظ فإنَّه لا غبارَ على كلام الشيخ ابن عبد السلام إطلاقًا؛ ولهذا فإن استدراك البلقيني عليه وإن كان صحيحًا في حدّ ذاته، إلا أنَّه يظهر أنه بعيدٌ عن نظرة الشيخ المقاصدية. ومن ذلك ما في النص ٩١ ففيه يقول الشيخ ابن عبد السلام: (لو وَجَد المضطر إنسانًا ميتًا، أَكَل لحمَه). فتعقبه البلقيني بقوله: "محلُّ ذلك ما إذا لم يكن نبيًّا، فإن كان الإنسان الميتُ نبيًّا، فلا يجوز أكلُ لحمه". وماذا عسى أن يقول القارئ أمام مثل هذا التعقب الذي يُستغرب صدورُه من البلقيني! ﵀. ويُنظر ما وضّحتُه في التعليق على هذا النص في داخل الكتاب. ومما يمكن أن يُعدّ من قبيل مسامحات البلقيني في تعقباته على الشيخ ابن عبد السلام، ما يبدو في بعضها من التكلف في النقد والمؤاخذة بحيث لا يَرقَى نقدُه فيها إلى المقام العلمي لمثله. وربما يُلحظ في أمثال تلك التعقبات، أنها أشبهُ بمناقشات لفظية بعيدة عن السجية الطبيعية التي ينطلق منها الشيخ ابن عبد السلام. فمن ذلك مثلًا: النص رقم ٢٤٨: ففيه يقول الشيخ عن العبادات التي لا تلتبس بالعادات مثل (التسبيح والتقديس والتهليل والتكبير) أنها (قربةٌ في أنفسها، متميزةٌ لله بصورتها، لا تفتقر إلى قصد تميّزها ولجعلها قربة، فلا حاجة في هذا النوع إلى نيةٍ تصرفه إلى الله تعالى). فتعقب البلقيني على ذلك فيما يتعلق بـ (التسبيح) أن فيه نظرا لأنه

стр. 52

يُستعمل في غير الله ، كقول الشاعر (وهو الأعشى): (سبحان من علقمةَ الفاخر)، فاستعمَل مادة (التسبيح) لغير الله تعالى. فإذًا مقتضى ذلك -حسب ما يريد البلقيني- أنه لا بد من القصد والنية في لفظة (التسبيح). وهذا تسامح غريب من البلقيني، فإن من المعلوم أن التسبيح إذا أُطلق لا يراد به إلا تسبيح الله تعالى، وهو ما أراده الشيخ ابن عبد السلام. أما أن يقال: إنه قد يراد به تسبيح غير الله تعالى بناء على بيتِ شعرٍ لشاعرٍ جاهلي! فيبدو ذلك تكلفًا شديدًا! وهل يوجد اليوم من يقول عن شخص: (سُبحان فلان)؟ أو يقول عن شيء: (سبحان ذاك الشيء)؟! ثمَّ ناقش البلقيني الشيخَ ابن عبد السلام في لفظتي (التكبير) و (التقديس) أيضًا، مناقشة لفظية متكلفة. والخلاصة أن تعليق البلقيني على هذا النص كله، متكلف جدًّا، لا يعدو أن يكون مجرد نقاشات لفظية بعيدة عن السجية التي ينطلق منها الشيخ ابن عبد السلام في تقرير تلك الأحكام. ويمكن أن يقال للبلقيني في هذا المقام، نفسُ ما قاله هو للشيخ ابن عبد السلام -في موضع من الكتاب-: (إنه أعلى قدرًا، وأدقّ فكرًا من كلامه الذي أورده في هذا الموضع) (١). ومن شواهد مثل هذه التعليقات أيضًا المتكلَّفة: تعليقات البلقيني على النصوص من ٢٨٢ - ٢٨٩ فهي لا تخلو في الجملة من تكلفات ومناقشات لفظية. هذا وقد تقع مسامحات علمية أخرى من البلقيني -غير ما تقدم- مما لا تختص بتعقباته على الشيخ ابن عبد السلام. فمن ذلك مثلًا: ما جاء في تعليقه على النص رقم ٥٠ حيث نَسَب فيه

стр. 53

تصحيحا للرافعي والنووي -شيخي المذهب- في مسألة المُحرِم الذي يضيق عليه وقت الوقوف بعرفة ولم يكن صلى العشاء، ولا يتسع الوقت الموجود لديه إلا لأداء فرض العشاء، فلو اشتغل بها لفاته الوقوف. هذه المسألة، نَسبَ البلقيني فيها للرافعي والنووي اتفاقهما على تصحيح أن هذا المُحرِم يُتمّ صلاته وإن فاته الوقوف بعرفة. وقد تبيّن بالرجوع لكتب الشيخين الرافعي والنووي، وكذلك كتب غيرهما من محققي الشافعية اللذين نقلوا المسألة عنهما: أن ما نَسبه البلقيني إليهما من اتفاقهما معًا على تصحيح هذا الوجه، ليس كذلك؛ بل هو صحيح بالنسبة للرافعي؛ أما النوويّ فتصحيحه يختلف عن تصحيح الرافعي (١). سابعًا: مزايا الكتاب: ١ - من أعظم مزايا الكتاب وخصائصه: أنَّه من الكتب الوحيدة -في حدود ما اطُّلع عليه إلى الآن- التي تعتبر تحشية وتعليقًا على قواعد ابن عبد السلام (٢). ٢ - من أهم مزايا الكتاب أنَّه يعدّ مرجعًا لتحرير مذهب الشافعية في المسائل الفقهية التي كان الشيخ ابن عبد السلام تطرّق لها، ومن ثَمّ علّق عليها البلقيني في مناقشاته لها.

стр. 54

والشيخ ابن عبد السلام وإن كان من أجلة أئمة الشافعية، إلا أن البلقيني يُعدّ أيضًا من الأساطين الذين جاؤوا بعده، وكان ممن يُعوّل، عليه ويُرجَع إلى أقواله وتحريراته فيما يُعتمد في المذهب الشافعي، ولهذا نرى محققي علماء الشافعية المتأخرين كالشيوخ: زكريا الأنصاري، وابن حجر الهيتمي، والخطيب الشربيني، والشمس الرملي، وأمثالهم، يكثُر عندهم ورود اسم (البلقيني) مقرونًا مع أسماء أعلام آخرين من أهل المذهب، ممن يُعوّل عليهم في معرض الترجيح والتصويب والتحرير والتنقيح للمسائل الخلافية في المذهب. ولهذا فإن ما يحرّره البلقيني هنا على كلام الشيخ ابن عبد السلام فيما يتعلق بمسائل المذهب الشافعي، له وزنه وقيمته بالنظر إلى ما ذُكر من مكانة البلقيني في المذهب. ومما يتصل بهذه الميزة ويعزّزها أن الناسخ (وهو تلميذ البلقيني) يحكي في عدد من المسائل اختيارات شيخه البلقيني، فيقول مثلًا: (اختار شيخنا) أو (مختار شيخنا) وهكذا (١). ويلمح القارئ في بعض تلك المختارات البلقينية، نظرات مستجادة ولفتات بارعة في فقه النصوص وحِكَمها وأسرارها. - فمن ذلك مثلًا: أن الشيخ ابن عبد السلام جعل النهي عن بيع الغرر من أجل قاعدة اعتبار الرضا (النص ٥٩٧). فكتب عليه الناسخ أن اختيار شيخه البلقيني: أن النهي عن بيع الغرر لقطع النزاع، لا لِما ذكره الشيخ ابن عبد السلام من قاعدة اعتبار الرضا. - وفي (النص ٦٢٣) ذكر الشيخ ابن عبد السلام أن من قدر على استيفاء

стр. 55

حق فله استيفاؤه، إلا القصاص فإنَّه لا يُستوفى إلا بحضرة الإمام لأنَّ الانفراد باستيفائه محركٌ للفتن. لكن الشيخ ابن عبد السلام استثنَى بعد ذلك صورة يجوز فيها استيفاء القصاص بدون حضرة الإمام، وهي أن المجني عليه، أو الوليّ المقتصّ: لو اقتص من الجاني على انفراده بحيث لا يُرى، فينبغي أن لا يُمنع منه، ولا سيّما إذا عجز عن إثباته. فكتب الناسخ على هذا نقلًا عن شيخه البلقيني: أنه اختار أنه يُمنع استيفاء القصاص مطلقًا إلا بحضرة الإمام سدًّا للباب، خشية زيادة التعذيب. ٣ - مما يمكن أن يُدرج ضمن ميزات البلقيني في تعقباته على الشيخ ابن عبد السلام: تدقيقه النظرَ في استدلالات الشيخ بالنصوص، وخصوصًا ما يتعلق باستدلالاته بالأحاديث. أ- فمن ذلك مثلًا: أن الشيخ ابن عبد السلام ذكر أن كبائر الذنوب تتفاوت درجاتها، واستدل لذلك بحديث (إن من الكبائر أن يَشتم الرجلُ والدَيْه!) (النص رقم ١٣ من هذا الكتاب). ووجه استدلال الشيخ بهذا الحديث على ما يريده من تفاوت درجات الكبائر، ما وضّحه هو نفسه بعد إيراد الحديث، أنَّه: (جَعَل ﷺ التسبب إلى سبّهما من الكبائر، وهذا تنبيه على أن مباشرة سبّهما أكبرُ من التسبب إليه). انتهى كلامه. لكن هذا الاستدلال من الشيخ، لا يخلو عن غموضٍ وبُعدٍ! وأسهلُ منه وأقربُ ما فعله البلقيني في تعليقه على كلام الشيخ، بأنّه كان الأولى بالشيخ أن يَستدل لهذا الغرض بحديث (قال رجل: يا رسول الله، أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: (أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك). قال: ثم أيٌّ؟ قال:

стр. 56

(أن تقتل ولدك مخافة أن يَطعَم معك). قال: ثمَّ أيّ؟ قال: (أن تُزاني حليلة جارك). وكما نرى فإنَّه حديثٌ مباشرٌ واضحٌ في إثبات ما كان يريده الشيخ ابن عبد السلام، من تفاوت درجات الكبائر. ب- ومثالٌ آخر لتدقيق البلقيني النظر في استدلالات الشيخ ابن عبد السلام، ما يتعلق بالنص رقم ٢٣٠. وتوضيحه أن الشيخ ذكر فيه أن الربّ سبحانه قد يَعذِرُ مَن اشتدّتْ شهوتُه، وغلبتْه نفسُه على المعصية، ما لا يَعذِرُ من خفّت شهوته، وضعُفت دواعيه بدليل قوله ﵊: "ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة. . . شيخٌ زان، وسائل مستكبر، وملِكٌ كذّاب). ثمَّ أورد الشيخ ابن عبد السلام حديثًا آخر للاستشهاد على هذا المعنى، وهو حديث: (إن آخِرَ من يخرج من النار، يعاهد ربَّه إذا أعطاه سؤله، لا يسألُه غيرَه، فإذا سأله غيرَه، ذَكَّره بغَدره (١) إلى أن قال: (وربُّه يعذِرُه لأنه يرى ما لا صبرَ له عليه). استشهد الشيخ بهذا الحديث لتأييد ما ذكره من إعذار الله لمن تشتدّ الدواعي عنده لفعل أمرٍ من الأمور، بما لا يُعذِر من كان على خلاف ذلك، بأن كانت الدواعي عنده ضعيفةً خفيفةً. ووجه انطباق الحديث على هذا المعنى -في نظر الشيخ- هو ما وضّحه بقوله (فعَذَره لشدة الداعي إلى الغَدر) (٢).

стр. 57

ولكن كما يرى القارئ الكريم، فإن استدلال الشيخ بهذا الحديث على ما يريده، بعيدٌ. وهذا ما لحظه البلقيني فعقَّب عليه بقوله: (ما استدل به من قوله ﷺ (وربُّه يعذِرُه): لا يتوجّه، من حيث إنه لا يصح الاستدلال بأمور الآخرة على أمور الدنيا) (١). ٤ - يتحلى البلقيني -كعادة علماء السلف- بالإنصاف العلمي في تعليقاته. أ- فمن ذلك أن الشيخ ابن عبد السلام قد يذكر شيئًا بدون إيراد الأدلة، فيعقّب البلقيني على الشيخ برأيٍ مخالفٍ لكلامه، لكنه مع ذلك إن رأى أن هناك أدلة تؤيد كلام الشيخ، فإنَّه يذكرها، إنصافًا له، ﵀. فمثلًا: جاء في كلام الشيخ ابن عبد السلام في النص رقم ١٤٥ فيما يتعلق بما يؤجَر المكلف على قصده دون فعله، أنَّه: (إنْ كَذَبَ الظنُّ، بأن ثبت في الظاهر ما يخالف الباطن، أُثيب المكلف على قصد العمل بالحق، ولا يثاب على عمله لأنه خطأ، ولا ثواب على الخطأ). هذا ما قاله الشيخ بدون أن يورد له شيئًا من الأدلة، فعلّق عليه البلقيني بأن الرأي المختار، خلافُ ما ذكره الشيخ، لكنه أردف ذلك بذكر دليلٍ من النص الحديثي يؤيد ويشهد لرأي الشيخ، فقال: (. . . ولكن يشهد لِما قَعَّده الشيخ، قولُ النبي ﷺ لعمرو بن العاص:

стр. 58

(اقضِ على أنك إن أَصَبتَ، كان لك عشرُ حسنات. وإن أخطأتَ، كان لك حسنةٌ واحدة)، الحديث. رواه الدارقطني وغيره. وله قصة). انتهى. ب- ومن إنصاف البلقيني، أنَّه قد يرى أن كلام الشيخ ليس بمسلَّم، فيتعقبه ويستدرك عليه! ثمَّ يرى أن تعقيبه هو نفسه، محلُّ نظرٍ أيضًا، فيُنصِف الشيخَ من نفسه، ويصرّح بكل إنصاف بذكر ما ظهر له من وجه النقد في كلامِ نفسِه! فمن ذلك مثلًا أن الشيخ ابن عبد السلام ذكر (في النص ٧١) (أن من وجد أموالًا مغصوبة، فإنْ عَرَف مالكيها فلْيَرُدّها. . . فإن يَئس من معرفتهم، صرفها في المصالح العامة). وقد استدل الشيخ لذلك بأدلةٍ من النصوص القرآنية والحديثية، إلا أنها لم تكن ناهضةً -في رأي البلقيني- لإثبات هذا المعنى، فتعقّب البلقيني استدلالاتِ الشيخ تلك، ذاكرًا حديثين آخرين يراهما أولى من أدلة الشيخ، ولكن ظهر للبلقيني أن أحد هذين الحديثين، ما يزال غيرَ تام في دلالته على المعنى المراد، بل هناك فرقٌ بينه وبين الموضوع محلّ البحث (وهو موضوع الغصب). فصرّح البلقيني بهذا الإحساس والخدش المتعلق بهذا الحديث، ولم يسكُت إيهامًا للقارئ بأن الحديث تمت به الحجة على الشيخ ابن عبد السلام، بل أردف ببيان محلّ النظر فيه، بما يجعله هو الآخَر غيرَ ناهضٍ للاستدلال به -في نظره- في محلّ البحث، وكان كل ذلك من البلقيني ﵀ إنصافًا وانتصافًا من نفسه تجاه الشيخ ابن عبد السلام ﵀. ٥ - من محاسن منهج البلقيني في هذا الكتاب: ما يسمى بـ (أخلاقيات النقد) تجاه الشيخ ابن عبد السلام ﵀. فنراه حين يتعقّب الشيخ ابن عبد السلام ويَنتقد عليه كلامه، يختار

стр. 59

الألفاظ والعبارات الرصينة اللائقة بمقام الشيخ، فيقول مثلًا: في كلام الشيخ نظر، أو ليس بجيد، أو ليس كذلك. . . . وهكذا إلخ. هذا من جهة، ثمَّ من جهة أخرى: يقتضي الالتزام بمنهج (أخلاقيات النقد)، أن يُقتصر فيه على القدر اللازم من النقد، كما ينبغي أن يُلتزم فيه بالموضوعية. وكل ذلك نلحظه ونستفيده من طريقة الإمام البلقيني في تعليقاته في هذا الكتاب. ثامنًا: مصادر البلقيني في الكتاب، وطريقته في العزو: ١ - الكتاب كما سبق مرارًا، أمالٍ من البلقيني، ولذا فلا ذكر فيه للمصادر إلا قليلًا. ٢ - فالأحاديث لم يعزُها البلقيني إلى مصادرها إلا أحيانًا، وإلا فإنَّه يُطلق ذكر الحديث بدون عزوٍ. ٣ - وجملة المصادر الحديثية التي سماها: سنن أبي داود، وسنن ابن ماجه، وسنن البيهقي، وسنن الدارقطني، و (مسند الفردوس) للديلمي، و (تاريخ أصبهان) لأبي نُعيم صاحب (حلية الأولياء) (١)، ومن كتب النووي: (الأذكار) و (رياض الصالحين) وشرح مسلم؛ وشرح (عمدة الأحكام) لابن دقيق العيد (٢) (أورده البلقيني بقوله: القشيري شارح (العمدة)).

стр. 60

٤ - وأطلق العزو مرةً إلى الصحيح (في النص ٣٩١) والحديث المذكور هناك مخرج في الصحيحين كليهما. كما أطلق في موضعٍ واحد قوله: (الحديث الصحيح) وكان هذا الحديث مخرّجًا في صحيح مسلم (ينظر النص رقم ٥). ٥ - وأحيانًا يُطلق العزو إلى الحديث بقوله (كما جاءت به السنّة) مثل قوله في النص رقم ٦٤ (وضابط التخيير في (المميّز): أن يكون بين ذَكَرٍ مؤخّر، وأنثى مقدّمة؛ كما جاءت به السنة). ٦ - وتارة يورد مضمون الحديث بدون ذكر لفظه: - كما في قوله في النص رقم ٥: (من ثواب المعرفة والإيمان: النظرُ إلى وجه الرحمن، والحديث الصحيح دالٌّ على أن ذلك أفضلُ ما أُوتُوا). - ومثل قوله في النص رقم ٧١) أن رسول الله ﷺ جَعَل للملتقط: التملكَ، بعد مدة التعريف) (١). ٧ - وقد يسوق ألفاظ الأحاديث، ولكنه يضمّنها في سياق الكلام، وهو أسلوب بديع. مثال ذلك قوله في النص رقم ٢٦). . . . ففي مقام: (هل رضيتم) ونحوه، تكون المحبة أفضل، وفي نحو مقام (إن ربي قد غضب اليوم غضبًا) الحديث، تكون الهيبة والإجلال أفضل). ٨ - وقد وقعت مسامحتان من البلقيني فيما يتعلق بعزو الأحاديث إلى مصادرها: المسامحة الأولى: في النص رقم ٧١ فقد ساق فيه حديثًا وعزاه لابن

стр. 61

ماجه، لكن اللفظ الذي ساقه، ليس لابن ماجه، وإنما هو للترمذي. أما لفظ ابن ماجه فهو مختلف عنه كما وضحته في الهامش هناك. المسامحة الثانية: في النص رقم ١٧١ فقد جاء فيه قول الشيخ ابن عبد السلام: (وصلاةُ الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة، على ما جاءت به السنة). فعقَّب البلقيني على هذا بقوله (لم يجيء في حديثٍ أن صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذّ بخمس وعشرين). وهذا الإطلاق في نفي هذا اللفظ غيرُ صحيح، فقد ورد هذا اللفظ صريحًا في الصحيحين وغيرهما، كما وضحتُه في موضعه من الكتاب. ٩ - أما المصادر الفقهية عند البلقيني، فهي تقتصر على مذهبه الشافعي، ومع هذا فما جاء تسميتها منها، هو أيضًا قليل جدًّا كما كان الحال في المصادر الحديثية. والسبب في ذلك هو ما تقدم من كون البلقيني بصدد الإملاء هنا، وليس هو بصدد التأليف، ومن المعلوم أن طبيعة كل منهما تختلف في التعامل مع المصادر. ١٠ - والمصادر الفقهية الشافعية التي جاءت تسميتها في الكتاب، هي: (منهاج الطالبين) و (روضة الطالبين) كلاهما للنووي، و (الرسالة) للشافعي، و (الأم) له، و (تتمة الإبانة) للمتولي، و (بحر المذهب) للرُّوياني، و (المختصر) للبويطي (١)، و (الحاوي الصغير) للقزويني، و (المهذب) و (التنبيه) كلاهما للشيرازي، وشرح (المهذب) للنووي (٢)، والشرح الكبير والصغير كلاهما للرافعي (٣)، و (نهاية المطلب) لإمام الحرمين الجويني.

стр. 62

وورد -في بعض المواضع- اسم كتابين من مؤلفات البلقيني نفسه، وهما (تصحيح المنهاج)، و (التدريب) في فقه الشافعية. ١١ - وقد كثُر عنده العزوُ إلى شيخي المذهب: الرافعي والنووي، لكنه -عادةً- يطلق العزو إليهما باسميهما دون تسمية كتبهما التي ينقل عنها. ١٢ - ويعزو البلقيني إلى نصوص الإمام الشافعي ﵀ من دون ذكر للمصدر إلا في بعض المواضع (١). ١٣ - ويعزو في بعض المواضع إلى أئمة وعلماء المذهب الشافعي من غير ذكر كتبهم، مثل عزوه للجويني والغزالي (النص ٣٣٢)، وللفُوراني (النص ٣٥٣)، ولابن الرفعة (النص ٣٥٦)، وللماوردي (النص ٣٧١)، ولصاحب (التقريب شرح مختصر المزني) (٢) (النص ٥٤٦). ويبدو أن مثل هذا العزو يُطلقه البلقيني بواسطة النقل عن شيخي المذهب الرافعي والنووي، وذلك لورود أسماء هؤلاء العلماء عند هذين الشيخين، كما ظهر من مراجعة بعض تلك المواضع. ومما يشير إلى هذا ما في (النص رقم ٦٠١)، ففيه تصريح بالعزو لـ (فتاوى البغوي) نقلا عن (روضة الطالبين) للنووي، وكذلك (النص رقم ٦٢٨) فيه تصريح بالعزو لـ (التهذيب) للبغوي نقلًا عن (الشرح) و (الروضة).

стр. 63

١٤ - هذا، وفيما عدا ما تقدم من المصادر الحديثية والفقهية: أ - فقد ورد في موضع واحد، اسم كتاب (الإنجاد في الجهاد) لابن أصبغ المالكي (النص رقم ٤٦٨). ب- وأطلق البلقيني مرةً، عن الإقراع في الحضانة، أنَّه مجزوم به في التصانيف (النص رقم ٦٤). ج - وأطلق في النص رقم ٣٦٣ العزو إلى كتب الأصول (أي أصول الفقه). * * *

стр. 64

المبحث الثاني التعريف بابن عبد السلام، والبلقيني، والناسخ يحيى الكرماني أولًا: التعريف بابن عبد السلام (١): ١ - موجز عن سيرته: هو سلطان العلماء، العالم المجدِّد، شيخ الإسلام والمسلمين: عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم السُّلمي، المغربي أصلًا، الدمشقي مولدًا، ثمَّ المصري سكنًا ووفاةً، الشافعي مذهبًا، المشهور بعز الدين بن عبد السلام، الملقّب بسلطان العلماء. (والذي لقّبه به: تلميذه شيخ الإسلام ابن دقيق العيد). ولد سنة ٥٧٧ بدمشق وتلقى العلم بها، فسمع الحديث من الحافظ أبي محمَّد القاسم بن الحافظ الكبير ابن عساكر صاحب (تاريخ دمشق)؛ وتفقه على الفقيه الشافعي فخر الدين بن عساكر (ابن أخي الحافظ ابن عساكر)

стр. 65

وقاضي القضاة المعمّر جمال الدين الحرستاني (١)، وأخذ الأصول عن الإمام الأصولي سيف الدين الآمدي، أحد أذكياء العالم (٢). وبرع الشيخ في الفقه والتفسير والعربية، وفاق الأقران في سائر العلوم المتداولة، فكان إمام عصره بلا مدافعة لا سيما في اطلاعه على حقائق الشريعة وأسرارها ومقاصدها، عديمَ النظير ورعًا وقيامًا في الحق وقمع الضلالات والبدع، وشجاعةً، وقوةَ جَنان، وطلاقةَ لسان، (مع البراعة في التصنيف واقتناص أبكار الأفكار) (٣). وانتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي. وشهرتُه تغني عن الإطناب في وصفه. وقد تخرّج به تلامذةٌ، منهم ثلاثةٌ وُصفوا بأنهم بلغوا رتبة الاجتهاد. وهم: ١ - شيخ الإسلام ابن دقيق العيد: محمَّد بن علي القشيري المنفلوطي، المولود سنة ٦٢٥ والمتوفى سنة ٧٠٢. ويكفيه فخرًا وشرفًا قول شيخه ابن عبد السلام عنه: ديارُ مصر تفتخر برجلين: ابن المُنيّر، وابن دقيق العيد. ٢ - الإمام العلامة القرافي: أحمد بن إدريس الصنهاجي، صاحب

стр. 66

(الفروق) المولود سنة ٦٢٦ والمتوفى سنة ٦٨٤ (١). انتهت إليه رياسة المالكية في عصره. كان الشيخ ابن عبد السلام أعظمَ شيوخ القرافي بالمشرق، وقد لازمه القرافي طويلًا (أكثر من عشرين عامًا). وكان القرافي عظيمَ الاعتداد به، يُفخِّم قدرَه جدًّا، ويذكره كثيرًا في كتبه. ٣ - العلامة المفنّن أبو شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي الدمشقي. المولود سنة ٥٩٩ والمتوفى سنة ٦٦٥. له (كتاب الروضتين في أخبار الدولتين) (الصلاحية والنورية). و (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز). وإبراز المعاني من حرز الأماني (في شرح الشاطبية). و (الباعث على إنكار البدع والحوادث). وغير ذلك. ومن كبار تلامذة الشيخ ابن عبد السلام: حافظ الوقت الحجة شيخ المحدثين شرف الدين الدمياطي: عبد المؤمن بن خلف، المولود سنة ٦١٣ والمتوفى سنة ٧٠٥ عن نحو اثنتين وتسعين سنةً، ولم يخلّف في معناه مثله. قال المزي -وهو تلميذه-: ما رأيت أحفظ منه. وله مصنفات نفيسة، منها كتابه المشهور (المتجر الرابح في ثواب العمل الصالح). وقد خَرَّج الدمياطي لشيخه ابن عبد السلام أربعين حديثًا. وكان الشيخ ابن عبد السلام مع هذه الجلالة التي حازها والعلوم التي حواها، يَنْظِم الأشعار السهلة، فمن ذلك ما أَنشده لنفسه في استغاثة دعائية:

стр. 67

أُوجِّه وجهي نحوهم مستشفعًا ... إليهم بهم منهم، إذا الخطبُ أعياني فهُمُ كاشفو ضُرِّي وكربي وشدتي ... وهُمُ فارِجُو همّي وغمي وأحزاني وهُمُ واهِبُو الأبصار والسمع والنُّهَى ... وهُمُ عالِمُو سِرِّي وجهري وإعلاني وإنْ مُذنبٌ يومًا أَتَى متنصلًا ... ومعتذرًا، حَنَوْا عليه بغفران وإنْ سائلٌ يومًا أتاهم بفاقةٍ ... ومسكنةٍ، جادُوا عليه بإحسان فأصبحتُ ما إنْ لي إليك وسيلةٌ ... سوى فاقتي والذلِّ منّي وإذعاني وكان يكتب خطًّا حسنًا قويًّا. وكانت له يد طولى في تعبير الرؤيا. توفي الشيخ ابن عبد السلام بمصر سنة ٦٦٠ بعد أن عاش ثلاثًا وثمانين سنةً، وحضر جنازتَه الخاصُّ والعامُّ، السلطانُ فمن دونه. ٢ - براعته في التصنيف والتأليف: سبقت الإشارة إلى براعة الشيخ ابن عبد السلام في هذا الجانب. وفي الواقع فإن هذه البراعة حقيقةٌ ملموسةٌ في تصانيف الشيخ، وكتاباته: * فقد اختار الشيخ لكتاباته بعض الموضوعات العميقة الدقيقة وأعلاها مقاصد الشريعة وقواعدها التي لا تسهُل الكتابة فيها بجودة إلا لمن كان ذا ملَكة مقتدرة فيها محيطًا إحاطة جيدة بجوانبها، مثل (مجاز القرآن)، و (مشكل القرآن)، و (الإمام في بيان أدلة الأحكام) (في موضوع أصول الفقه)، و (مقاصد الصلاة) (١)، بالإضافة إلى كتابه الذي سارت بذكره الرُّكبان: (قواعد الأحكام).

стр. 68

* ثمَّ إن الشيخ في كتاباته: صاحبُ ابتكار وإبداع، وصاحبُ ذوق وفقه ودراية، (هو فقيهُ النظر، له دُربة بأقوال الناس ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات) (١). وبالجملة فالشيخ صاحبُ فكرٍ أصيل ناضجٍ، وصاحبُ فكر استقلاليٍّ بلغ الذروة في ذلك؛ حتى وُصف بصاحب (الفكر الاجتهادي). * ثمَّ إن من أخص وأبرز ميزات كتابات الشيخ ابن عبد السلام: أنه يمزج الفقه بالتربية والسلوك. فهو إلى جانب ضلاعته في فقه الأحكام: صاحبُ شفافية، وحِسّ باطني مُرهَف فيما يتعلق بتطبيق العلم في واقع حياة الشخص، والتفطن لدقائق الآداب الشرعية التي هي ثمرة العلم. إن من يقرأ للشيخ ابن عبد السلام يجد أن الشيخ يوقظ فيه ضميرَه الداخلي، وحِسَّه الإيماني (أو ما يسمى بلغة الفقهاء: الجانب الدِّياني) بحيث يحمل القارئَ على محاسبة النفس محاسبةً ذاتيةً تنطلق من الرقابة الداخلية تجاه أعماله وخطواته، وهي المعبَّر عنها في قول الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى

стр. 69

نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤ - ١٥]؛ وهل هو صادقٌ فيما بينه وبين ربّه فيما يأتيه من العمل المطالَب به وما يَذَر من ذلك. والشيخ تارة ينبّه إلى ذلك بتنبيهات صريحة قوية، وتارة يقدِّمها بإشارات وتلميحات ذكية مؤثرة في أسلوب ناصحٍ مشوِّق؛ بحيث إن من كان حَيِّ القلب، يقِظَ الضمير، لا يملك إلا أن يستجيب للقيام والامتثال لما ينبهه الشيخ إليه. ويمكن أن يقال بلغة اليوم عما يتعلق بهذه السِّمة في كتابات الشيخ: إن ميزة الشيخ في تآليفه وكتاباته: أنَّه يربط الجانب التعليمي بالجانب التربوي. وهي ميزة برزت بصورة جلية قوية في كتابات بعض العلماء، منهم الشيخ ابن عبد السلام. ٣ - مكانة كتاب (قواعد الأحكام) للعز بن عبد السلام: إن مؤلفات الشيخ ابن عبد السلام عديدة معروفة، لكن أشهر كتبه التي صارت عنوانًا على الشيخ -مثل القِلادة أحاطت بالجِيد- هو كتابه (قواعد الأحكام) (١). هذا الكتاب هو محلّ خدمة البلقيني في صورة الكتاب الذي بين أيدينا المسمى بـ (الفوائد الجسام). ولا داعي لبسط الكلام هنا عن ميزات كتاب (قواعد الأحكام) فقد كُتب عنه شيء كثيرٌ لا بأس به. لكن قد تجدر الإشارة هنا إلى بعض اللفتات عنه، وهي: ١ - أن هذا الكتاب بقي ممتدَّ الأثر فيما بعد، فقد كُتبت عليه ذيول منها: - كتابٌ لمحمد بن أحمد بن عثمان التونسي المالكي، ويُعرف بالوانّوغي

стр. 70

(بتشديد النون المضمومة وسكون الواو وبعدها معجمة) المولود سنة ٧٥٩ هـ والمتوفى سنة ٨١٩ هـ. قال السخاوي: له تأليف على قواعد ابن عبد السلام، زاد عليه فيه، وتَعَقَّب كثيرًا (١). - معيار أغوار الأفهام، في الكشف عن مناسبات الأحكام (أو: المعيار في المناسبات بين القواعد الفقهية): لعبد الله بن محمَّد بن أبي القاسم بن علي بن ثامر اليماني الزيدي المعروف بالنجري، المولود سنة ٨٢٥ هـ والمتوفى سنة ٨٧٧ هـ (٢). قال الشوكاني: (جعله على نمط قواعد ابن عبد السلام. قال: وهو كتاب نفيس مفيد) (٣). - ومنها كتاب البلقيني هذا الذي بين أيدينا، المسمى بـ (الفوائد الجسام)؛ فإنَّه نوعُ ذيلٍ أيضًا عليه، من جهة التعليق والتعقيب وبعض الإضافات، في المواضع التي رأى البلقيني أنها تحتاج إلى ذلك. ٢ - أنه على الرغم من الكتابات العديدة التي تناولتْ كتابَ (قواعد الأحكام) من الجانب القواعدي والمقاصدي؛ فإن الكتاب ما يزال يتسع لعناصر أخرى في هذين الجانبين نفسهما -فضلًا عن جوانب أخرى أيضًا جاءت في الكتاب- تكشف عن مزيد من إمامة شخصية الشيخ ابن عبد السلام ونبوغه في فقه الشريعة وأسرارها. ٣ - ثم بالرغم أيضًا مما أبرزه كتاب (قواعد الأحكام) من مكانة الشيخ ابن عبد السلام في فنّ القواعد والمقاصد؛ فإن شخصية الشيخ -عمومًا- ما تزال تحتاج لكشف جوانب أخرى لامعة فيه، وذلك من خلال جملة مؤلفاته. ولقد وقفتُ على بعض الكتابات المتميزة عن الشيخ، التي قد تكشف

стр. 71

عن بعض تلك الجوانب الأخرى التي ربما لا يُتفطّن لها في شخصيته. فمن ذلك: - (الشيخ عز الدين بن عبد السلام، سلطان العلماء وبائع الأمراء) للدكتور علي محمَّد محمَّد الصلّابي، ضمن سلسلةٍ سماها بـ (فقهاء النهوض). - مقدمة الدكتور سيد رضوان الندوي لتحقيق كتاب (فوائد في مشكل القرآن) للعز بن عبد السلام. - مقدمة الأستاذ عمر حسن القِيّام لتحقيق كتاب (الفروق) للقرافي (طبع حديثًا بمؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٤). ٤ - نموذج من علومه ومعارفه: الشيخ ابن عبد السلام، "هو من الذين قيل فيهم: (علمُهم أكثرُ من تصانيفهم). ومرتبتُه في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول. وأما في علوم المعارف والعلمِ بالله وحضور هيبته واستيلاء جلالته وعظمته. . .، فهو مما هو معروف عند أهله"، كما قاله اليافعي (١). ولا يتسع المقام هنا لنقل أقوال الشيخ المختلفة التي تكشف عن عبقرياته في مختلف جوانب الشريعة وعلومها. وإنما يكفي نقلُ نص واحد يمثل نموذجًا لما حباه الله تعالى من الذهن النيّر الأخّاذ المحلّق في الآفاق، في معرفة حقائق الشريعة وأسرارها. جاء في (طبقات الشافعية) لابن السبكي، كلام للشيخ عز الدين بن عبد السلام، في بيان الجامعية المعنوية لكلمات الذكر المأثورة (سبحان الله

стр. 72

والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله) (١)، وكيف أن هذه الكلمات الأربع، اندرجت فيها أسماء الله الحسنى التسعة والتسعون! يُبيِّن الشيخ ذلك فيقول: (وأسماؤه (٢) مندرجةٌ في أربع كلمات هن (الباقيات الصالحات): الكلمة الأولى: قول: سبحان الله. ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته؛ فما كان من أسمائه سَلْبًا فهو مندرج تحت هذه الكلمة، كـ (القدوس) وهو الطاهر من كل عيب، و (السلام) وهو الذي سَلِم من كل آفة. الكلمة الثانية: قول: الحمد لله. وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته؛ فما كان من أسمائه متضمنًا للإثبات، كـ (العلم) و (القدير) و (السميع) و (البصير) فهو مندرج تحت الكلمة الثانية. فقد نَفَينا بقولنا: (سبحان الله) كلَّ عيب عقلناه، وكلَّ نقص فهمناه، وأثبتنا بـ (الحمد لله) كلَّ كمال عرفناه، وكلَّ جلال أدركناه. ووراءَ ما نفيناه وأثبتناه، شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا: الله أكبر، وهي الكلمة الثالثة؛ بمعنى أنَّه أجلُّ مما نفيناه وأثبتناه؛ وذلك معنى قوله ﷺ : (لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).

стр. 73

فما كان من أسمائه متضمنًا لمدحٍ فوق ما عرفناه وأدركناه، كـ (الأعلى) و (المتعالي) فهو مندرج تحت قولنا (الله أكبر). فإذا كان في الوجود مَنْ هذا شأنُه، نَفَينا أن يكون في الوجود مَنْ يشاكله أو يناظره، فحقَّقْنا ذلك بقولنا: لا إله إلا الله، وهي الكلمة الرابعة؛ فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية، ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه. فما كان من أسمائه متضمنًا للجميع على الإجمال، كـ (الواحد) و (الأحد) و (ذي الجلال والإكرام) فهو مندرج تحت قولنا (لا إله إلا الله). وإنما استَحقَّ العبوديةَ لِما وَجَب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعدّه العادّون: حُسنُك لا تنقضي عجائبُه ... كالبحر حدِّث عنه بلا حرجِ) ثمَّ قال الشيخ: (ولو أُدرجت (الباقيات الصالحات) في كلمةٍ منها على سبيل الإجمال، وهي (الحمد لله): لاندرجت فيها. . .؛ فإن الحمد هو الثناء، والثناء يكون بإثبات الكمال تارةً، وبسَلْب النقص أخرى؛ وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك؛ وتارةً بإثبات التفرد بالكمال. والتفردُ بالكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. فقد اشتملت هذه الكلمة (١) على ما ذكرناه في (الباقيات الصالحات)؛ لأنَّ الألف واللام فيها: لاستغراق جنس المدحِ والحمدِ مما عَلِمْنا وجَهِلْناه. ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه. ولا يستحق الإلهيةَ إلا من اتصف بجميع ما قررناه) (٢). ٥ - جوانب مشرقة من سيرته ومناقبه: ١ - فمن ذلك أنَّه عَرَض عليه الملك الظاهر بيبرس بعد بنائه المدرسة

стр. 74

الظاهرية، أن يتولى الشيخُ أمرَ التدريس فيها إضافةً إلى تدريسه في الصالحية، فأَبَى وقال: إن معي تدريس الصالحية، فلا أُضيِّق على غيري! وسأله الملك أن يَشترط في وقفها أن يكون التدريس لأولاده، فقال: إن في هذا البلد من هو أحق منهم، فقال: لا بد أن يكون لهم فيها وظيفةٌ بالشرط، ففكّر الشيخ وقال: إن كان لا بد فتكون الإمامة، فشَرَط لهم. وعَرَض عليه الظاهر بيبرس أيضًا، حين مرض الشيخ ابن عبد السلام وأحس بالموت، أن يُعيِّن الشيخ مناصبه -التي كان يتولّاها- لمن يريد من أولاده، فقال: ما فيهم من يصلُح! وهذه المدرسة الصالحية تصلُح للقاضي تاج الدين ابن بنت الأعز (وهو أحد تلاميذ الشيخ)، ففُوّضتْ إليه (١). ٢ - وكان مع فقره كثير الصدقات. ولقد وقع مرةً بدمشق غلاءٌ كبير حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مَصاغًا لها وقالت: اشتر لنا به بستانًا نَصِيفُ به، فأَخَذ ذلك المصاغ وباعه وتصدق بثمنه! فقالت: يا سيدي اشتريتَ لنا؟ قال: نعم بستانًا في الجنة! إني وجدتُ الناس في شدة، فتصدقتُ بثمنه. فقالت له: جزاك الله خيرًا. ٣ - وأفتَى مرةً بشيء، ثمَّ ظهر له أنَّه خطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: مَنْ أَفتَى له فلان (يعني نفسَه) بكذا فلا يَعمَلْ به، فإنَّه خطأ! ٤ - ومن أدعيته التي تلهج بها الألسن على المنابر يوم الجمعة، قوله:

стр. 75

(اللهم فانصر الحق وأظهر الصواب، وأَبْرِمْ لهذه الأمة أمرًا رشدًا، يُعَزّ فيه وليُّك ويُذَلُّ فيه عدوُّك، ويُعمَل فيه بطاعتك ويُنهَى فيه عن معصيتك) (١). وبالجملة فالشيخ ابن عبد السلام كان أحد العلماء الربانيين، وأحد الأفذاذ من (فقهاء النهوض) (٢) الذين اختارهم الله تعالى لتجديد فقه الشريعة. وقد اتفقت الكلمة على جلالة قدره حتى وُصف بأنّه بلغ رتبة الاجتهاد. ولقد قيل في حقه: إنه سَبَق أئمة زمانه بدمشق، بل سَبَق كثيرًا من السابقين المتقدمين (٣). ولعل خير ما توجزه سيرةُ الشيخ ابن عبد السلام، أنه هو (من كان عصرُه تأريخًا به) (٤). رحم الله هذا الشيخ الجليل، فلقد قال فيه عارفُو قدرِه كلمةَ حقٍّ: (لم يَرَ مثلَ نفسه، ولا رأى -من رآه- مثلَه) (٥). وهي كلمةٌ عالية لم تُقل على مرّ التاريخ إلا في حق أعلام أفذاذٍ.
следующие страницы →