← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17811

الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام

سراج الدين البلقيني

Полный текст (515 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

عن بعض تلك الجوانب الأخرى التي ربما لا يُتفطّن لها في شخصيته. فمن ذلك: - (الشيخ عز الدين بن عبد السلام، سلطان العلماء وبائع الأمراء) للدكتور علي محمَّد محمَّد الصلّابي، ضمن سلسلةٍ سماها بـ (فقهاء النهوض). - مقدمة الدكتور سيد رضوان الندوي لتحقيق كتاب (فوائد في مشكل القرآن) للعز بن عبد السلام. - مقدمة الأستاذ عمر حسن القِيّام لتحقيق كتاب (الفروق) للقرافي (طبع حديثًا بمؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٢٤). ٤ - نموذج من علومه ومعارفه: الشيخ ابن عبد السلام، "هو من الذين قيل فيهم: (علمُهم أكثرُ من تصانيفهم). ومرتبتُه في العلوم الظاهرة مع السابقين في الرعيل الأول. وأما في علوم المعارف والعلمِ بالله وحضور هيبته واستيلاء جلالته وعظمته. . .، فهو مما هو معروف عند أهله"، كما قاله اليافعي (١). ولا يتسع المقام هنا لنقل أقوال الشيخ المختلفة التي تكشف عن عبقرياته في مختلف جوانب الشريعة وعلومها. وإنما يكفي نقلُ نص واحد يمثل نموذجًا لما حباه الله تعالى من الذهن النيّر الأخّاذ المحلّق في الآفاق، في معرفة حقائق الشريعة وأسرارها. جاء في (طبقات الشافعية) لابن السبكي، كلام للشيخ عز الدين بن عبد السلام، في بيان الجامعية المعنوية لكلمات الذكر المأثورة (سبحان الله

стр. 72

والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله) (١)، وكيف أن هذه الكلمات الأربع، اندرجت فيها أسماء الله الحسنى التسعة والتسعون! يُبيِّن الشيخ ذلك فيقول: (وأسماؤه (٢) مندرجةٌ في أربع كلمات هن (الباقيات الصالحات): الكلمة الأولى: قول: سبحان الله. ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، فهي مشتملة على سلب النقص والعيب عن ذات الله وصفاته؛ فما كان من أسمائه سَلْبًا فهو مندرج تحت هذه الكلمة، كـ (القدوس) وهو الطاهر من كل عيب، و (السلام) وهو الذي سَلِم من كل آفة. الكلمة الثانية: قول: الحمد لله. وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته؛ فما كان من أسمائه متضمنًا للإثبات، كـ (العلم) و (القدير) و (السميع) و (البصير) فهو مندرج تحت الكلمة الثانية. فقد نَفَينا بقولنا: (سبحان الله) كلَّ عيب عقلناه، وكلَّ نقص فهمناه، وأثبتنا بـ (الحمد لله) كلَّ كمال عرفناه، وكلَّ جلال أدركناه. ووراءَ ما نفيناه وأثبتناه، شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا: الله أكبر، وهي الكلمة الثالثة؛ بمعنى أنَّه أجلُّ مما نفيناه وأثبتناه؛ وذلك معنى قوله ﷺ : (لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).

стр. 73

فما كان من أسمائه متضمنًا لمدحٍ فوق ما عرفناه وأدركناه، كـ (الأعلى) و (المتعالي) فهو مندرج تحت قولنا (الله أكبر). فإذا كان في الوجود مَنْ هذا شأنُه، نَفَينا أن يكون في الوجود مَنْ يشاكله أو يناظره، فحقَّقْنا ذلك بقولنا: لا إله إلا الله، وهي الكلمة الرابعة؛ فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية، ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه. فما كان من أسمائه متضمنًا للجميع على الإجمال، كـ (الواحد) و (الأحد) و (ذي الجلال والإكرام) فهو مندرج تحت قولنا (لا إله إلا الله). وإنما استَحقَّ العبوديةَ لِما وَجَب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال الذي لا يصفه الواصفون ولا يعدّه العادّون: حُسنُك لا تنقضي عجائبُه ... كالبحر حدِّث عنه بلا حرجِ) ثمَّ قال الشيخ: (ولو أُدرجت (الباقيات الصالحات) في كلمةٍ منها على سبيل الإجمال، وهي (الحمد لله): لاندرجت فيها. . .؛ فإن الحمد هو الثناء، والثناء يكون بإثبات الكمال تارةً، وبسَلْب النقص أخرى؛ وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك؛ وتارةً بإثبات التفرد بالكمال. والتفردُ بالكمال من أعلى مراتب المدح والكمال. فقد اشتملت هذه الكلمة (١) على ما ذكرناه في (الباقيات الصالحات)؛ لأنَّ الألف واللام فيها: لاستغراق جنس المدحِ والحمدِ مما عَلِمْنا وجَهِلْناه. ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه. ولا يستحق الإلهيةَ إلا من اتصف بجميع ما قررناه) (٢). ٥ - جوانب مشرقة من سيرته ومناقبه: ١ - فمن ذلك أنَّه عَرَض عليه الملك الظاهر بيبرس بعد بنائه المدرسة

стр. 74

الظاهرية، أن يتولى الشيخُ أمرَ التدريس فيها إضافةً إلى تدريسه في الصالحية، فأَبَى وقال: إن معي تدريس الصالحية، فلا أُضيِّق على غيري! وسأله الملك أن يَشترط في وقفها أن يكون التدريس لأولاده، فقال: إن في هذا البلد من هو أحق منهم، فقال: لا بد أن يكون لهم فيها وظيفةٌ بالشرط، ففكّر الشيخ وقال: إن كان لا بد فتكون الإمامة، فشَرَط لهم. وعَرَض عليه الظاهر بيبرس أيضًا، حين مرض الشيخ ابن عبد السلام وأحس بالموت، أن يُعيِّن الشيخ مناصبه -التي كان يتولّاها- لمن يريد من أولاده، فقال: ما فيهم من يصلُح! وهذه المدرسة الصالحية تصلُح للقاضي تاج الدين ابن بنت الأعز (وهو أحد تلاميذ الشيخ)، ففُوّضتْ إليه (١). ٢ - وكان مع فقره كثير الصدقات. ولقد وقع مرةً بدمشق غلاءٌ كبير حتى صارت البساتين تباع بالثمن القليل، فأعطته زوجته مَصاغًا لها وقالت: اشتر لنا به بستانًا نَصِيفُ به، فأَخَذ ذلك المصاغ وباعه وتصدق بثمنه! فقالت: يا سيدي اشتريتَ لنا؟ قال: نعم بستانًا في الجنة! إني وجدتُ الناس في شدة، فتصدقتُ بثمنه. فقالت له: جزاك الله خيرًا. ٣ - وأفتَى مرةً بشيء، ثمَّ ظهر له أنَّه خطأ، فنادى في مصر والقاهرة على نفسه: مَنْ أَفتَى له فلان (يعني نفسَه) بكذا فلا يَعمَلْ به، فإنَّه خطأ! ٤ - ومن أدعيته التي تلهج بها الألسن على المنابر يوم الجمعة، قوله:

стр. 75

(اللهم فانصر الحق وأظهر الصواب، وأَبْرِمْ لهذه الأمة أمرًا رشدًا، يُعَزّ فيه وليُّك ويُذَلُّ فيه عدوُّك، ويُعمَل فيه بطاعتك ويُنهَى فيه عن معصيتك) (١). وبالجملة فالشيخ ابن عبد السلام كان أحد العلماء الربانيين، وأحد الأفذاذ من (فقهاء النهوض) (٢) الذين اختارهم الله تعالى لتجديد فقه الشريعة. وقد اتفقت الكلمة على جلالة قدره حتى وُصف بأنّه بلغ رتبة الاجتهاد. ولقد قيل في حقه: إنه سَبَق أئمة زمانه بدمشق، بل سَبَق كثيرًا من السابقين المتقدمين (٣). ولعل خير ما توجزه سيرةُ الشيخ ابن عبد السلام، أنه هو (من كان عصرُه تأريخًا به) (٤). رحم الله هذا الشيخ الجليل، فلقد قال فيه عارفُو قدرِه كلمةَ حقٍّ: (لم يَرَ مثلَ نفسه، ولا رأى -من رآه- مثلَه) (٥). وهي كلمةٌ عالية لم تُقل على مرّ التاريخ إلا في حق أعلام أفذاذٍ.

стр. 76

ثانيًا: التعريف بالبلقيني (١): ١ - اسمه، ولادته، دراسته وتفوقه العلمي: هو شيخ الإسلام الحافظ سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (٢)، المصري، الشافعي، (مفخرةُ القرن التاسع في الجمع بين علوم التفسير والحديث والأصول والفقه) (٣). ولد في بُلقِينة (من غربية مصر) سنة ٧٢٤ ونشأ وتعلّم بها، ثمَّ قدم القاهرة مع والده، وله اثنتا عشرة سنة، فعَرَض محفوظاته على جماعة منهم العلامة تقي الدين السبكي، فبهرهم بذكائه، وكثرة محفوظه، وسرعة فهمه. وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي وغيرهما. ٢ - مكانته العلمية، وثناء الأعلام عليه: وهو ممن اشتهر اسمه، وعلا ذكره، واجتمع الطلبة للاشتغال عليه بكرة وعشيًّا، وصار إمامًا يشار إليه، ومرجعًا في الإشكالات والفتاوى، وأتته الفتاوى من أقطار بعيدة ورحل الناس إليه من الأقطار النائية، وكان يخضع له كلُّ من يجتمع به لكثرة استحضاره، وأنه طبقةٌ وحدَه فوق جميع الموجودين. وأثنى عليه علماء عصره، وعظّمه أجلّاء شيوخه كأبي حيان النحوي، فإنَّه كَتَب له في الإجازة ما لم يَكتُب لأحدٍ قبله، علمًا بأن سِنّ البلقيني إذ ذاك كان دون العشرين. وقد عُمّر البلقيني وتَفَرَّد، ولم يَبْقَ من يزاحمه.

стр. 77

وكان في الجملة أحفظَ الناس لمذهب الشافعي لا سيما لنصوصه، مع معرفة تامة بالتفسير والحديث والأصلين والعربية. وكانت له اختياراتٌ يفتي بها. قال عنه سبط ابن العجمي: رأيته رجلًا فريدَ دهره، لم تَرَ عيناي أحفظ للفقه وأحاديث الأحكام منه ... قال ابن حجر: وشهد جمع جمٌّ بأنّه العالِم الذي على رأس القرن (١)، وممن رأيتُ خطَّه بذلك في حقه، شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقي. وقال ابن حجر: انتهت إليه الرياسة في الفقه، والمشاركةُ في غيره. قال: وكانت آلة الاجتهاد في الشيخ كاملة ... ٣ - أعلام من تلامذته: تخرج به الصدور البدور من الأئمة، مثل العلامة المصنِّف المحرِّر البدر الزركشي، والحافظ شيخ الإسلام الولي العراقي أحمد بن عبد الرحيم، والحافظ المحدِّث الرُّحلة البرهان سبط ابن العجمي الحلبي، وشيخ الإسلام السراج قارئ الهداية عمر بن علي الكناني، وخاتمة الحفاظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ مفيد البلاد الحجازية وعالمها المتقي الفاسي محمد بن أحمد بن علي. ٤ - من سيرته في الحياة: وكان كثير الصدقة، طارحًا للتكلف، ناصرًا للسنة، قامعًا لأهل البدعة، مبطلًا للمكوس والمظالم، معظَّمًا عند الملوك. وكان عظيم المروءة، جميل المودة، كثير الاحتمال، كثير المباسطة

стр. 78

لأصحابه والشفقةِ عليهم والتنويهِ بذكرهم، مع مهابته. وكان وقورًا حليمًا، ذا همة عالية في مساعدة أصحابه. وكان في صفاء الخاطر، وسلامة الصدر بمكانٍ، بحيث يُحكى عنه ما يفوق الوصف. ٥ - مؤلفاته: من كتبه (محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح)، و (التدريب) في فقه الشافعية (١)، و (تصحيح المنهاج)، وغير ذلك. ولم يكمُل من مصنفاته إلا القليل، لأنه كان يَشرَع في الشيء، فلسعة علمه يطول عليه الأمر، فيصنِّف منه قطعةً ثمَّ يتركه، حتى إنه كَتَب من شرح البخاري، على نحو عشرين حديثًا، مجلدين! ولو قُدر إكماله لبلغ مائتي مجلد! ٦ - وفاته: تُوفي ﵀ يوم الجمعة قبل صلاة العصر، العاشر من ذي القعدة سنة ٨٠٥ هـ، ولم يخلف بعده مثله. * * * ثالثًا: التعريف بناسخ المخطوط: أ - ترجمة الناسخ (٢): هو القاضي تقي الدين يحيى بن شمس الدين محمَّد بن يوسف السعيدي

стр. 79

-نسبة إلى الصحابي الجليل سعيد بن زيد أحد العشرة المبشَّرين- الكرماني القاهري الشافعي. ووالده: شمس الدين محمَّد بن يوسف، هو العلامة المحدِّث الكرماني، العَلَم الشهير، صاحب الشرح المشهور على صحيح البخاري، المسمى بـ (الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري)، (وهو المتداول باسم: شرح الكرماني)، المولود سنة ٧١٩ هـ والمتوفى راجعًا من مكة بعد الحج سنة ٧٨٦ هـ رحمه الله تعالى. وُلد المترجَم (المتقي يحيى) ببغداد -موطن آبائه- سنة ٧٦٢ هـ بـ (دَرب شُهْدة الكاتبة)، ونشأ بها، وحفظ القرآن، وتلقّى العلم عن عددٍ من المشايخ، ولازم غيرَ واحد من أصحاب الفنون سيّما من كان يجتمع على أبيه، واستفاد منهم كثيرًا، ولكن جُلّ انتفاعه إنما كان بوالده، فإنَّه لازمه سفرًا وحضرًا وتنقّل معه في نحو خمسين مدينةً، حتى كان معه حين مجاورته بمكة سنَتَيْ خمس وست وسبعين وسبعمئة. ومما أخذه عن والده: الكتب الستة، سماعًا غير مرة، وكتبًا أخرى في التفسير والنحو والصرف والمنطق والفقه والأصول، وسمع عليه (الوجيز) للغزالي وشرحه (العزيز) للرافعي في نحو اثنتي عشرة سنة حين إلقاء أبيه الدروس ببعض مدارس بغداد. كما سمع المترجم على أبيه: بعضَ كُتُبِ أبيه، ومن أجلّها شرحه للبخاري (الكواكب الدراري)، سمعه منه مرارًا، بل قرأ عليه بعضَه (١).

стр. 80

قَدِم المترجَم من بغداد إلى القاهرة على رأس سنة ثمانمئة، فنزل تحت نظر السراج البلقيني في جامع الحاكم، ولازمه في قراءة (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام) (١) وغيرها. وكَتَب من فتاويه جملةً. وأذن له البلقيني في الإفتاء والتدريس وأَخَذ عن العراقي ألفيّته، وكذا أخذ عن ابن الملقن. ولما قدم المترجَم إلى القاهرة، أَحضَرَ معه شرح أبيه على البخاري، فابتهج الناس به، وأُعجِب به الفقهاء، وكُتبتْ منه نسخ عديدة، فاشتهر من حينئذ. ووُلِّي المترجَم نظر وقف الأسرى، ووكالة بيت المال، وقضاء العسكر بدمشق، وإفتاء دار العدل بها. وكان إمامًا لنائب الشام، الأمير المؤيد شيخ المحمودي. وعُرف تقي الدين هذا بالفضيلة. قال المقريزي: كان فاضلًا في عدة فنون. وذكر السخاوي: أنَّه جلس للإفادة من صِغَره في حياة أبيه. وقال ابن حجر -كما نقل السخاوي-: (وهو سريع الخط جيّده. لديه مسائل وفوائد وفضائل). واستجاز ابن حجر منه، لابنه محمَّد. وله شرح صحيح البخاري أيضًا (سوى شرح أبيه) سماه (مجمع البحرين وجواهر الحبرين) (٢)، قال السخاوي: (انتزعه من شرح أبيه). وله شرح صحيح مسلم. واختصر (الروض الأنف)، وكذا (تحفة المودود) لابن القيم، سماه: (المقصود من تحفة المودود). وله مصنف في الطب، وغير ذلك نظمًا ونثرًا.

стр. 81

توفي سنة ٨٣٣ شهيدًا بالطاعون، بدَرب شَهيدة بالقاهرة. قال السخاوي: (فوُلِد بدَرْب شُهْدة، ومات بدَرب شَهيدة، ودُفن بحوش سعيد السعداء. . . ﵀ وإيّانا). ب- مشاركات الناسخ العلمية في هذا الكتاب: هذا العنوان، دعاني إليه، ما استوقفني في أثناء خدمة الكتاب من بعض العبارات التي يظهر من خلال أسلوبها ولهجتها أنها إضافاتٌ على كلام البلقيني من طرف غيره. فإذا كان الكتاب من إملاء البلقيني، فمن يكون يا ترى مصدر هذه الإضافات؟ هذا ما كان استوقفني، ثمَّ خطرتْ ببالي إجابةٌ عنه، وهو أنَّه يبدو أن هذه الإضافات: هي من طرف الناسخ الذي هو تلميذ البلقيني والمتلقّي عنه لهذا الكتاب، فكأنه كان ينقل كلام شيخه البلقيني، ثم يضيف إليه شيئًا من عنده، ولكن بما أنه لا يميز كلامه عن كلام شيخه البلقيني، ولا يخص نسبة ما ذكره إلى نفسه، فقد يُفهم أن الكلام كله للبلقيني، ولكن المتأمل في السياق يجد أن هناك شيئًا مضافًا من عند الناسخ على كلام البلقيني، فكأن الناسخ لم يقتصر هنا على مجرد نقل أو حكاية كلام شيخه البلقيني، بل يشارك هو أيضًا بنظراته ومرئياته، ويُضفي من طابَعه ورُوحه العلمية ما يتراءى له حول ما نقله من كلام شيخه. ومما جعل هذه الخاطرة تترجح عندي، ما رأينا في ترجمة الناسخ عن مكانته العلمية، فليس هو مجردَ ناسخٍ كاتبٍ، بل هو ناسخٌ عالمٌ جيّدُ العلم. فلا شك أن مثله لا يكاد يمرّ على معلومة علمية إلا ويدقّق فيها، ويُبدي ما عنده من الرأي حولها. إذًا فليس هذا الكتاب صادرًا عن البلقيني وحده، بل نجد فيه شيئًا من

стр. 82

(بصمات الناسخ) أيضًا، وهو ما قصدتُ إبرازه بهذا العنوان (مشاركات الناسخ العلمية). وعلى هذا فالكتاب، بالإضافة إلى ما سبق من كونه ثمرات فكر الشيخين ابن عبد السلام والبلقيني، تزداد قيمته العلمية بما انضم إليه من مشاركات علمية جيدة لهذا الناسخ العالم تقي الدين يحيى ابن العلامة الشمس الكرماني. وفيما يلي بعض الأمثلة، التي تشفع لي في صحة ما استظهرتُه: فمثلًا: جاء في النص ٢٣٤ نقلُ البلقيني عن الشيخ ابن عبد السلام: أنه لم يقف على ما يُعتمد على مثله في المفسدة التي اقتضت جعل الربا من الذنوب الكبائر. فعلق عليه البلقيني بما ظهر له من تلك المفسدة التي كانت سببًا في كون الربا في نظر الشرع من الكبائر. وبعد هذا استأنف الناسخ الكلام في الموضوع نفسه كما يلي: (واختار شيخنا (أي: البلقيني) أن الذي يكون من الربا كبيرةً، إنما هو (ربا الفضل) لقوله في الحديث: (فمن زاد أو استزاد فقد أَربَى)، إذ في الحديث أنواعٌ من الربا، ولم يُخصّ بالذكر إلا (ربا الفضل). لكن ظاهر قوله: (لعن الله آكِلَ الربا ومُوكِلَه) يقتضي التعميم. انتهى). فمن الواضح من سياق هذه الفقرة، أنها مضافة من طرف الناسخ. والذي يؤكّد ذلك، ما علّقه على رأي شيخه في هذه المسألة، في آخر هذه الفقرة، حين قال: (لكن ظاهر قوله ﷺ (لعن الله آكِلَ الربا ومُوكِلَه) يقتضي التعميم). ويعني الناسخ بهذا: أنه لا فرقَ في كون الربا من الكبائر، بين أن يكون ربا الفضل أو ربا النساء، وأن ما ارتآه شيخه البلقيني من هذه

стр. 83

التفرقة وتخصيص الوعيد بربا الفضل فقط، يخالف تعميم وإطلاق نص كلام النبي ﷺ . ومن الواضح أن أسلوب هذا التعقيب (وهو قوله: (لكن ظاهر قوله ... " لا ينسجم أن يكون صادرًا من البلقيني، إذ كيف يصح أن يتعقب هو بنفسه على نفسه؟ وتعقيب الناسخ هذا على شيخه البلقيني، يدل على أنه يتمتع بتدقيق النظر وتمحيص الفكر فيما ينقله عن شيخه البلقيني من الآراء. مثال آخر مما يدل على مشاركة الناسخ العلمية: النص ٢٦٥: جاء فيه قول الشيخ ابن عبد السلام أن التوبة لها أركان: الندم، والعزم، والإقلاع. هذا الرأي للشيخ ابن عبد السلام، علَّق عليه البلقيني كما نقله عنه تلميذه الناسخ، هكذا: قال الناسخ: (قال شيخنا (أي: البلقيني): الأقرب عندي أنَّه لا يعتبر في التوبة إلا الندم فقط، ويلزم منه الإقلاع والعزم أن لا يعود، وإلا فلا يكون ندمًا نافعًا، ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ : (الندم توبة) ... وهذا دقيق). انتهى. فكلمة: (وهذا دقيق) في آخر هذا التعليق، يُستشف من أسلوبها، أنها جاءت على لسان هذا الناسخ، ثناءً واستحسانًا منه على ما أبداه شيخه من الرأي في حقيقة التوبة والركن الأساسي فيها، وهو أنها ندمٌ! ومقصود البلقيني أنه عند ما يصدُق هذا الندم عند التائب في توبته، سيَتْبعه تلقائيًّا الإقلاعُ عن الذنب والعزمُ على عدم العود إليه، فإذًا لا حاجة -في نظر البلقيني- إلى إضافة تلك الأركان الثلاثة في ماهية (التوبة)، بل يكفي الاقتصار على أنها (ندمٌ). وعلى هذا، فتعقيب الناسخ على رأي شيخه هنا، أنَّه دقيق، هي مشاركة

стр. 84

علمية منه، تدل على مقدرته العلمية الجيدة التي تُمكّنه من المفاضلة بين الآراء العلمية واختيار بعضها على بعض. والله أعلم. ومما يشير إلى مشاركات الناسخ العلمية في الكتاب: النص رقم ٦٠٦: فسياق التعبير فيه في التعليق على كلام الشيخ ابن عبد السلام، يشير إلى أنه مصوغ على لسان الناسخ. وكذلك النص رقم ٦٠١: جاء فيه قول الشيخ ابن عبد السلام: (من لا يملك تصرفًا، لا يملك الإذن فيه. ويستثنى من ذلك: المرأة، فإنها لا تملك النكاح، وتملك الإذن فيه). فقد نبه الناسخ في التعليق على هذا النص: أن شيخه البلقيني استثنى استثناءً آخرَ سوى الذي ذكره الشيخ ابن عبد السلام. ثم جاء بعد ذلك سياق الكلام هكذا: (ومن فروع المسألة ...) حيث نقل الناسخ استشهادًا بفرعٍ منقول من (الروضة) للنووي، يُعتبر نظيرًا للمسألة المستثناة التي ذكرها الشيخ ابن عبد السلام، مع مناقشة هذا الفرع. فسياق التعبير وأسلوبه في إيراد هذا الفرع النظير، يبدو أنه إضافة من الناسخ. والله أعلم. إن ما سبق من الأمثلة، يُعدّ نموذجًا لقسمٍ من مشاركات الناسخ، وهي التي تتمثل في مشاركاته العلمية في صلب نصوص الكتاب نفسها. وهناك نموذجٌ لقسمٍ آخر من مشاركاته العلمية، وهي التي تظهر فيما كان يكتبه من تعليقاتٍ جانبية -في هوامش المخطوط- على كلام شيخه البلقيني، والتي تنبئ أيضًا عن مقدرته العلمية الجيدة، واستيعابه لما يُورده شيخه من المضامين في هذا الكتاب، وإبداء ما يتراءى له حولها من الأنظار العلمية.

стр. 85

فمن ذلك مثلًا: جاء في النص رقم ٢٤٦ قول الشيخ ابن عبد السلام: (لأن تطهير الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالمياه). فعلّق عليه البلقيني بقوله: (يقال على هذا: فيه تجوّز من جهة أن النجاسة لم تَرِد على الحيوان المأكول إلا بعد موته من غير ذكاة. ولعله أراد أن الحيوان يَحرُم حتى يُذكَّى، فكأنه قال: (لأن تحليل الحيوان بالذكاة كتطهير الأعضاء بالماء). انتهى كلام البلقيني. وعلّق الناسخ -في هامش المخطوط- أمام كلام شيخه هذا، بتأييده بأنه هو المراد، ثمَّ أتى لذلك بنظير أورده البخاري في صحيحه من قول أبي الدرداء ﵁ معلَّقًا -: (ذَبَح الخمرَ النِّينانُ والشمسُ). وهو تعليق يدلّ على دقة الفهم وسرعة البديهة لدى الناسخ، بحيث تمكّن من استحضار نظيرٍ -من صحيح البخاري- يؤيد ما قاله شيخه البلقيني في توجيه كلام الشيخ ابن عبد السلام. ولا يكفي في مثل هذا المقام أن يكون الشخص مجردَ حافظٍ للنصوص والروايات الحديثية فقط، ما لم يكن لديه بصيرة علمية جيدة، ووعيٌ دقيق في فقه تلك النصوص، تُمكّنه من إيرادها والاستدلال بها في مواضعها الصحيحة. ومن ذلك أيضًا: ما في النص رقم ١٣٩ الذي جاء فيه قول الشيخ ابن عبد السلام: (وذلك كمن يطأ جاريةً بالإباحة معتقدًا لمذهب عطاء، فيجب الإنكار عليه). والعبارة هكذا، محل إشكال كبير، كما لا يخفى! إذ كيف يباح وطء الجواري بالإباحة، على مذهب عطاء (وهو ابن أبي رباح)؟ ولاستبعاد هذا الإشكال، عَلَّق الناسخ في هامش المخطوط أمام هذه

стр. 86

العبارة، ببيان حقيقة مذهب هذا التابعي الجليل، فكَتَب هكذا: (ومذهبه أن إعارة الجواري للوطء جائز). وهو توضيحٌ في غاية السداد والإجادة، وحُسنُ تصرف من الناسخ، وإلا لكان يُظن بمثل هذا التابعي الجليل، ما ليس بمرادٍ له. ومثال ثالث من تعليقات الناسخ العلمية: جاء في النص رقم ٣١١ قول الشيخ ابن عبد السلام: (وقد أَطلق بعض أصحاب الشافعي ﵁، أنَّه يُستحب الخروج من الخلاف حيث وقع ...). فعلّق الناسخ أمام هذا في -هامش المخطوط- ببيان المراد ببعض أصحاب الشافعي، فكَتَب: (هو ابن أبي هريرة (١)، أطلقه في تعليقه). ومن ذلك أيضًا: أنَّه جاء في كلام الشيخ ابن عبد السلام في النص رقم ٤٣٠ كلمة (جمع الحاج). فرأى البلقيني أنها خطأ، وأن صوابها: (جميع الحاج). هذا ما رآه البلقيني فيما يتعلق بالصواب والخطأ في هذه الكلمة. ولكن الناسخ علّق -في الهامش- على كلام شيخه، بأن تخطئة شيخه لهذه الكلمة جاءت بناء على أنه رآها هكذا في النسخة التي كانت بيده من (قواعد الأحكام)؛ وإلا فإن الناسخ قد رآها في نسخة أخرى من (قواعد الأحكام) على الوجه الآخر الصواب الذي كان يريده شيخه البلقيني فيها، أي: بلفظ (جميع الحاج)، ولهذا يرتفع إيراد شيخه في تخطئة هذه الكلمة. هذه المشاركات العلمية للناسخ، سواء في صلب نصوص الكتاب، أو في هوامش المخطوط، تُعرِّفنا بما أشار البلقيني فيما كتبه عن تلميذه هذا في

стр. 87

آخر النسخة المخطوطة، أنه كانت له مباحثات في أثناء قراءة هذا الكتاب عليه، وأنه غاص في ذلك، وحَقَّق، ودَقَّق (١). فكل ذلك يفيد أن الناسخ لم يكن مجرد قارئ، بل كان يباحث شيخه البلقيني، ويحقق معه ما يمليه عليه من مضامين هذا الكتاب، ومن ثَمّ كان يشارك بمرئياته ونظراته العلمية حسب ما تتبدّى له. وبالجملة، فالذي خَلَصتُ إليه من خلال العمل في هذا الكتاب، أن يقال -في نهاية هذا العنصر المتعلق بمشاركات الناسخ العلمية-: إن أصل مضامين الكتاب وإن كانت إملاءً من البلقيني ﵀، فمع ذلك يبدو أنَّه كان للناسخ أثرٌ ومشاركةٌ في استيعاب تلك المضامين من شيخه، ثمَّ في عرضها وصياغتها والتعبير عنها على الصورة التي بين أيدينا من هذا الكتاب. وبهذا لا حرج أن يقال: إن نِتاج مادة هذا الكتاب على الوجه الموجود بين أيدينا: لعله لم ينفرد به البلقيني، بل شاركه فيه، وشَدّ عضُدَه: تلميذُه الناسخ العالِم تقي الدين يحيى ابن العلامة شارح البخاري الشمس الكرماني. والله تعالى أعلم.

стр. 88

المبحث الثالث وصف المخطوط أ- قيمة النسخة المخطوطة المعتمدة في إخراج الكتاب: النسخة التي اعتُمد عليها في هذا العمل، هي نسخة وحيدة، لكنها نفيسة قيّمة، ذلك أنها: أولًا: مكتوبة بيد رجل عالمٍ ابنِ عالمٍ، ومع كونه كذلك فهو في الوقت نفسه تلميذٌ للبلقيني. ثانيًا: أنها نسخة مقروءة -في الجملة (١) - على البلقيني، بقراءة هذا التلميذ الناسخ نفسه، وهو ما صرّح به البلقيني، بل كتبه بخط يده في آخر النسخة، كما يلي: (أما بعد حمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد وآل سيدنا محمَّد والتابعين. فقد قرأ عليّ الشيخ الفاضل. . . تقي الدين أبو السعادات يحيى، ابن الشيخ الإمام العالم. . . شمس الدين أبي عبد الله محمَّد، ابن الشيخ المرحوم جمال الدين يوسف الكرماني ... ، قطعة كبيرة من (الفوائد الجسام على قواعد شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام)، فبحث في ذلك وحَقَّق، وغاص على المعاني ودَقَّق. . . قال ذلك، وكتبه الفقير إلى عفو ربه، عمر البلقيني ...).

стр. 89

وجاء التصريح بهذا أيضًا في موضعين من هوامش النسخة: -فأحد الموضعين يقول فيه الناسخ: (بلغ كاتبه قراءة على مؤلفه شيخ الإسلام). (بداية الورقة ٥ / ب من المخطوط). - أما الموضع الآخر فهو مكتوب بخط البلقيني نفسه، ونصه: (بلغ قراءة وتحقيقًا، وهذا الأصل بيد صاحبِه صاحبِنا الشيخ تقي الدين الكرماني، نفع الله تعالى به. وكتبه مؤلفه، لَطَف الله تعالى به). (نهاية الورقة [١٢ / أ] من المخطوط). وبالإضافة لما تقدم، يوجد أربعة عشر موضعًا في المخطوط، ثبتت فيها الإشارة لمجالس هذه القراءة، بكلمة (بلغ) (١). ثالثًا: أن الناسخ حين قرأ هذه النسخة على شيخه البلقيني، لم يكن مجرد قارئ لها، بل كان يباحث شيخه، ويشاركه الرأي في التحقيق والغوص

стр. 90

على المضامين والمعاني. فإذًا لم تكن قراءته مجرد قراءة سَرد وعرضٍ، بل كانت قراءة تحقيق وتدقيق وتمحيص لما كان يمليه شيخه البلقيني. رابعًا: أن البلقيني أثبت خطَّه عليها في موضعٍ في أثناء النسخة، وكذلك في آخر النسخة. خامسًا: أن الناسخ أشار إلى وجود فروقٍ واختلافٍ في بعض الكلمات بين نسخته هذه وبين نسخة أخرى؛ مما يدلّ أنه اعتنى بتوثيق نسخته هذه ومقابلتها بتلك النسخة الأخرى. فمن ذلك: ما جاء في النص رقم ٨١ (اللوحة ١٢ / أمن المخطوط)، قول الشيخ ابن عبد السلام: (التضحية بالأينق أولى لِما فيها من تعميم الإقاتة والنفع). فكلمة (الإقاتة) جاءت هكذا في النص (مشتقة من مادة الاقتيات). لكن الناسخ وضع أمامها في الهامش كلمة (الإفادة) ووضع عليها حرف (خ)، يشير بذلك إلى أن كلمة (الإقاتة) وقعت في تلك النسخة الأخرى بلفظ (الإفادة). ومثال آخر: جاء في النص رقم ٩٧ (اللوحة ١٤ / أمن المخطوط) قول الشيخ ابن عبد السلام: (فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة وإن فوّتْنا المصلحة) (١). فكلمة (وإن فوّتْنا المصلحة) كتب الناسخ أمامها في الهامش: (ولا نبالي بفوات المصلحة) ووضع عليها حرف (خ)، أي: فيكون سياق الكلام في

стр. 91

النسخة الأخرى هذه التي أشار لها الناسخ بـ (خ) هكذا: (فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة) (١). ومثال ثالث: ما جاء في النص رقم ٤٨٦ (اللوحة ٥١ / أمن المخطوط) من قول الشيخ ابن عبد السلام: (وأما التعبير بـ (لفظ الشرط) عن (أسباب الأسباب المحذوفة)، فله أمثلة ...). ففي أصل المخطوط وقع الكلام هكذا: (وأما التعبير بلفظ الشرط عن الأسباب المحذوفة) بدون كلمة (أسباب) المنكّرة. ولكن الناسخ وضع بعد كلمة (الشرط) وقبل كلمة (الأسباب)، علامةَ

стр. 92

لَحَقٍ إلى جهة الهامش، ثمَّ كتب في الهامش كلمة (أسباب) المنكّرة، ووضع عليها حرف (خ)، إشارة إلى أن هذه الكلمة المنكّرة ثابتة هنا في هذا المكان في نسخة أخرى، فتصير العبارة على الصواب بتمامها هكذا: (وأما التعبير بـ (لفظ الشرط) عن (أسباب الأسباب المحذوفة) (١). ومما تجدر الإشارة إليه هنا: أنني كنتُ أحسب بادئ ذي بدء، أن هذه النسخة الأخرى التي يرجع إليها الناسخ ويقابِل بها؛ هي نسخة أخرى من نفس كتاب (الفوائد الجسام). هكذا حسبتُ وقدّرتُ، وعلى ذلك مشيتُ طوال العمل في الكتاب، إلى أن كنتُ قرب الانتهاء من العمل -وخصوصًا أثناء كتابة هذه المقدمة- إذ خطرت ببالي خاطرة أخرى صارت هي المعوَّل عليها، والفيصلَ في أمر هذه النسخة الأخرى. وهي أن هذه النسخة الأخرى ليست نسخةً ثانية من كتاب (الفوائد الجسام)؛ بل يظهر أنها نسخة من كتاب الشيخ ابن عبد السلام (قواعد الأحكام)، وأن الناسخ رجع إليها لمقابلة وتوثيق نصوص الشيخ ابن عبد السلام التي نقلها البلقيني، وعلّق عليها. والذي قوَّى هذا الاحتمال عندي، أنني رجعتُ إلى جميع تلك الكلمات التي أشار الناسخ فيها إلى وقوع الاختلاف فيها بين نسخته الحالية وبين النسخة الأخرى، فوجدتها كلها واقعة ومحصورة في نفس نصوص الشيخ ابن عبد السلام، وليس شيء منها من كلام البلقيني (سوى النص رقم ٤٧٤، وهو أيضًا يرجع في الحقيقة إلى أصل نص كلام الشيخ). فكون الناسخ لم يشر إلى الخلاف في تلك الكلمات، إلا في عبارات

стр. 93

الشيخ ابن عبد السلام فقط، ربما يرجّح القول بأن النسخة الأخرى، هي نسخة من كتاب (قواعد الأحكام) وليست من (الفوائد الجسام). ثمَّ مما جعلني أجزم بهذا الاحتمال ويستقر عليه رأيي، أنني وجدتُ دليلًا واضحًا عليه من كلام الناسخ نفسه، وذلك فيما جاء في النص رقم ٤٣٠. ففي هذا النص نقل البلقيني قول الشيخ ابن عبد السلام: (فإن كانوا شرذمةً قليلةً، وجب القضاء. وإن كان جَمْع الحاجّ، لم يجب القضاء). انتهى. هكذا نقل البلقيني كلام الشيخ ابن عبد السلام، ثمَّ علّق عليه بتصحيح كلمة (جَمْع)، فقال: (صوابه: جميع، أو أكثرهم). ويقصد البلقيني أن كلمة (جَمْع الحاج) الواقعة في كلام الشيخ ابن عبد السلام، صوابها أن تكون: (جميع الحاج. . .). هذا ما قاله البلقيني، لكن عَلَّق عليه تلميذه الناسخ في هامش المخطوط بقوله: (أقول: كأن نسخة شيخنا كانت: (جَمْع). وأما النسخة التي رأيتُها، فهي (جميع)، فحينئذ السؤالُ ساقط). انتهى كلام الناسخ. فينظر، كيف أن الناسخ يقارن هنا بين نسختين في تصويب كلمة جاءت في لفظ كلام الشيخ ابن عبد السلام، وكيف استدرك على شيخه البلقيني بأن تلك الكلمة جاءت -في نسخة أخرى- على الصواب تمامًا حسب ما كان يريده شيخه فيها. ومن الواضح أن استدراك الناسخ هذا -على شيخه البلقيني- لا يصح، ولا يُثمر نتيجةً، إلا إذا كانت تلك النسخة الأخرى التي يقول عنها: إنه رأى فيها هذه الكلمة على الصواب، هي من نفس كتاب (قواعد الأحكام).

стр. 94

وبهذا يقال: إن النسخة الأخرى التي أشار إليها الناسخ: هي نسخة أخرى من كتاب (قواعد الأحكام) للشيخ ابن عبد السلام، وأن الناسخ قابل بها، ووثَّق بها نصوص كلام الشيخ ابن عبد السلام التي كان ينقلها البلقيني. ويُخلص مما تقدم إلى القول بأن هناك نسختين مبطّنتين من كتاب (قواعد الأحكام) ضمن كتابنا هذا (الفوائد الجسام): إحداهما: نسخة البلقيني من (قواعد الأحكام) التي كان ينقل منها نصوص الشيخ ابن عبد السلام، ثمَّ يعلّق عليها. والأخرى: نسخة الناسخ من نفس (قواعد الأحكام) أيضًا، التي كان يرجع إليها، ويقارن بها ما ثقله شيخه البلقيني من تلك النصوص، ويُثبت الاختلافات بينها وبين نسخة شيخه. وينبني على ما سبق نتيجة مهمة: وهي أن طبعة دار القلم المحققة من كتاب (قواعد الأحكام)، الصادرة بتحقيق الأستاذين الدكتور نزيه حماد والدكتور عثمان ضميرية، اعتمد فيها المحققان على سبع نسخ خطية للكتاب. ولكن ظهر لي أن نسختَيْ (قواعد الأحكام) هاتين (أي نسخة البلقيني، ونسخة الناسخ) المضمّنتين هنا في (الفوائد الجسام)، هما غير تلك النسخ السبع التي تم اعتمادها في تحقيق هذه الطبعة من (قواعد الأحكام). وللتدليل على هذا، أكتفي بذكر مثالين -يقاس عليهما غيرهما- يتضح بهما ما أريد أن أصل إليه من هذه النتيجة. فالمثال الأول: من النص رقم ٨١: وقع في هذا النص اختلاف في لفظ (الإقاتة) بين ما أثبته البلقيني من نص كلام الشيخ ابن عبد السلام من نسخة (قواعد الأحكام) التي عنده، وبين ما نبه إليه الناسخ من النسخة الأخرى

стр. 95

للكتاب نفسه. فاللفظ جاء هكذا (الإقاتة) عند البلقيني؛ أما في نسخة الناسخ، فهو: (الإفادة). وقد جاء هذا اللفظ في طبعة دار القلم من (قواعد الأحكام) حسب ما أثبته البلقيني، أي: بلفظ (الإقاتة)، ولم يُشر المحققان إلى ورود هذا اللفظ عندهم في أي نسخة من النسخ السبع التي بين أيديهم، بلفظ (الإفادة) (الذي جاء في نسخة الناسخ من (قواعد الأحكام)، مما يدل أن تلك النسخ السبع، كلها متفقة في هذا اللفظ حسب ما أثبته البلقيني؛ وأنه لا يوجد هذا اللفظ في أي منها، بلفظ (الإفادة) حسب ما جاء في نسخة الناسخ، وإلا لكان المحققان أشارا إلى ذلك حسب ما يحرصان عليه من التنبيه الدقيق على فروق النسخ. فيثبت بهذا المثال أن (نسخة الناسخ) من (قواعد الأحكام) هي غير النسخ السبع التي صدرت عليها طبعة دار القلم. أما المثال الثاني: فهو من النص رقم ٤٣٠ الذي وقع فيه اختلاف بين نسخة البلقيني من (قواعد الأحكام) وبين نسخة الناسخ، في لفظ (جَمْع الحاج) و (جميع الحاج). فقد جاء في نسخة البلقيني على الصورة الأولى، بينما صرح تلميذه الناسخ في الاستدراك على شيخه أنه وجده في نسخة أخرى على الصورة الثانية. والأمر هنا فيما يتعلق بطبعة دار القلم من (قواعد الأحكام): على العكس من المثال الأول السابق؛ يعني أن هذا اللفظ وقع في هذه الطبعة، طبقًا لما أشار إليه الناسخ، أي: بلفظ (جميع الحاج)، وليس كما أثبته البلقيني بلفظ (جَمْع الحاج)؛ ولكن هنا أيضًا سكت المحققان عن الإشارة إلى أي اختلاف في هذا اللفظ فيما بين أيديهم من النسخ السبع للكتاب، مما يدلّ أن تلك النسخ السبع كلها متفقة في إيراد هذا اللفظ حسب ما أثبته

стр. 96

الناسخ، وأنه لم يأت في شيء منها حسب ما أثبته البلقيني، وإلا فلو كان ورد في شيء منها كما أورده البلقيني، لكان المحققان أشارا إلى ذلك في التنبيه على فروق النسخ. وثبت بهذا المثال الثاني: أن نسخة البلقيني من (قواعد الأحكام) هي أيضًا غير النسخ السبع التي رجع إليها محقِّقا هذا الكتاب. هذان مثالان للتدليل على ما أريد أن أصل إليه من هذه النتيجة، وهي أن نسختَيْ (قواعد الأحكام) هاتين (أي نسخة البلقيني ونسخة الناسخ) هما نسختان أخريان غير النسخ السبع الخطية المعتمدة في طبعة دار القلم. وهكذا وجدتُ الأمر فيما يتعلق بباقي النصوص أيضًا التي نبه الناسخ فيها إلى اختلافٍ بين ما يُثبته البلقيني من كلام الشيخ ابن عبد السلام، وبين ما يجده الناسخ في النسخة الأخرى. فلم أجد في تلك النصوص أيضًا -في طبعة دار القلم المحققة المشار إليها من (قواعد الأحكام) -، أيَّ تنبيه من طرف المحققين إلى فروق النسخ فيها، مما يدلّ أنه لا توجد عندهم في تلك النسخ السبع أيُّ اختلافات في تلك النصوص. وإلا فلو كانت تلك الاختلافات موجودة أمامهما، في أي نسخة من تلك النسخ السبع، لَمَا أغفلا الإشارة إليها، خصوصًا مع حرصهما على إثبات فروق النسخ بمنهجية دقيقة، ولو كان الفرق يتعلق باختلاف حرفٍ واحدٍ فقط. فيدل كل ذلك أن ما بين أيديهم من النسخ السبع لكتاب (قواعد الأحكام)، هي غير هاتين النسختين اللتين كَشَف عنهما كتابنا هذا (الفوائد الجسام) (١).

стр. 97

ولا أريد بهذا، الاستدراك على هذين الأستاذين فيما يتعلق بأمر هاتين النسختين، خصوصًا مع ما بذلاه من جهد طيب مشكور في إخراج هذا الكتاب النفيس (قواعد الأحكام) وتحقيقه -لأول مرة- على تلك النسخ السبع الخطية بعناية فائقة، وإنما أردتُ مجرد توجيه النظر إلى قيمة كل من هاتين النسختين الإضافيتين. ولا يخفى أنهما نسختان عاليتان: فقد اعتَمَد على إحداهما العلامة البلقيني في نقل نصوص الشيخ ابن عبد السلام، ثم التعليقِ عليها في كتابه هذا (الفوائد الجسام). أما النسخة الثانية فقيمتها تظهر من جهة أن ناسخ (الفوائد الجسام) -وهو تلميذ البلقيني والمتلقي لهذا الكتاب عنه-، اعتمد عليها في توثيقِ تلك النصوص من كلام الشيخ ابن عبد السلام التي نقلها شيخه البلقيني، ومقابلتِها بما جاء فيها والإشارةِ لما وقع من اختلاف بينها وبين نسخة شيخه البلقيني.

стр. 98

ومن الواضح أنه لم يمكن معرفةُ هاتين النسختين والوقوفُ عليهما إلا من خلال هذا الكتاب (الفوائد الجسام)، فلعل ذلك يكون داعيةً للبحث عنهما -أو ما يوافقهما من النسخ- لتُضافا إلى النسخ السبع السابقة، حين إخراج الطبعة القادمة من كتاب (قواعد الأحكام). سادسًا: أن الناسخ اعتنى بنَسْخ الكتاب وكتابته وفق منهج علمي دقيق (١). وفذلكة الكلام في مميزات هذه النسخة المخطوطة لكتاب (الفوائد الجسام): - أنها نسخة مكتوبة بيد رجلٍ عالمٍ -وليس هو مجرد ناسخ-، ثمَّ هو في الوقت نفسه تلميذ للبلقيني. - وهي نسخة مقروءة -في الجملة- بقراءة الناسخ نفسه على شيخه البلقيني. ولم تكن قراءته قراءة سَردٍ فقط، بل قراءة معايشة لمضامين الكتاب والمباحثة فيها مع شيخه. - وعلى النسخة خط البلقيني. - ثمَّ إن نصوص الشيخ ابن عبد السلام التي كانت محلَّ تعليق البلقيني، وكان البلقيني نقلها من نسخة عنده من (قواعد الأحكام)؛ وثَّقها الناسخ من نسخة أخرى من نفس كتاب (قواعد الأحكام). - وأخيرًا، هي نسخة مُتقنة دقيقة من حيث القواعد العلمية المطلوبة للنسخ والكتابة. فجملة تلك المميزات، تُضفي على هذه النسخة قيمة علمية رفيعة.

стр. 99

ب- وصف المخطوط شكلًا: سبق أن النسخة التي اعتُمد عليها في هذا العمل، هي نسخة وحيدة لكنها نفيسة قيّمة، وفيما يلي وصفها: ١ - هي من محفوظات مكتبة أيا صوفيا السليمانية بتركيا، رقمها (١٠٠٠)، عدد أوراقها: ٦٤ ورقة، كل ورقة (مقسمة إلى قسمين: أ، ب)، وعدد الأسطر: ما بين ٢٢ إلى ٢٦ سطرًا. وخطها رقعة واضح. ٢ - ويبدو من ورقة العنوان (الورقة ٢) أن هذا الكتاب يقع ضمن مجموع يشتمل على كتب أخرى، وهي التي كُتبت أسماؤها في أعلى ورقة العنوان. ٣ - وعلى ورقة العنوان (الورقة ٢ في الجهة اليمنى) نص وقفية للكتاب من طرف السلطان العثماني محمود خان، رحمه الله تعالى. ٤ - ثمَّ إن ورقة العنوان مليئة بفوائد مكتوبة بقلم الناسخ، وأكثرُها أبيات شعرية من الحِكم والمواعظ، أو أشعار في مدح أعلام علماء الشافعية أو مدح كتبهم، وهذه الأشعار منها ما هو من إنشاد شيخ الإسلام السراج البلقيني صاحب الكتاب نفسه، أو من إنشاد ولده الجلال البلقيني، كما صرّح الناسخ بكل ذلك. كما جاءت بعض الفوائد -بقلم الناسخ- في آخر المخطوط أيضًا. ولا بأس بنقل فائدتين من تلك الفوائد المشار إليها في أول المخطوط وآخِرِه. فإحداهما فائدة حديثية، جاءت في أول المخطوط، أسفل ورقة العنوان، كتبها الناسخ نقلًا عن شيخه الجلال البلقيني ولد شيخه السراج البلقيني، وهي: (حنظلة بن حِذْيَم بن حَنيفة بن حِذيَم، كلهم صحابيون (١). ولا يوجد

стр. 100

غيره هكذا من الصحابة سوى في بيت الصديق: عبدُ الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، كلهم صحابيون. وكذلك عبدُ الله -بن الزبير- بن أسماء (١) بنت أبي بكر بن أبي قحافة، واسمه: عثمان). انتهت الفائدة. أما الفائدة الأخرى فهي طويلة، جاءت في آخر المخطوط. وهي ضابط فقهي نقله الناسخ عن شيخه السراج البلقيني صاحب هذا الكتاب، فقال: (فائدة من شيخ الإسلام، أحيا اللهُ به من العلم ما دَرَس، وأَبقَى مُهجتَه وحَرَس: الشهور في الأبواب كلها بالأهلة، إلا في مسألتين: إحداهما: أقل مدة الحمل. والذي ذكره الفقهاء في أقل مدة الحمل أنه ستة أشهر، ولم يتعرضوا لكونها (هلالية) أو (عددية). والصواب أنها (عددية) لأن في حديث ابن مسعود في الصحيحين: صريح بأربعين يومًا للنطفة، وأربعين يومًا للعلقة، وأربعين يومًا للمضغة؛ الجملة: مئة وعشرون يومًا، هي أربعة أشهر (عددية)، والباقي من الستة لا يمكن أن يكون (هلاليًّا) ويكون الأول (عدديًّا)! للتبعيض الذي لم يَصِرْ إليه أحد من العلماء، فوجب أن تكون كلها (عددية). ولم أجد في ذلك تصريحًا في كتب الشافعية ولا في كتب الحنفية ولا في كتب الحنابلة. ووجدتُ في كلام القاضي عياض في (التنبيهات): التصريحَ بالمسألة، وحَكَى فيها ثلاثة أقوال: أحدها: أنها عددية كلها ... وهو الذي قدّمناه؛ والثاني: يُغتفر نقصان. . . (٢) والثالث: يُغتفر نقصان ستة أيام، وهو أبعدُها.

стр. 101

والمسألة الثانية: دَوْرُ المستحاضة: (عددي)، على ما فُصّل في كتاب الحيض). انتهت الفائدة بطولها. ٥ - ومن أهم ما جاء في آخر المخطوط: كتابة طويلة بقلم البلقيني، نص فيها على: ١ - قراءة الناسخ -وهو تلميذه- لقطعة كبيرة من هذا الكتاب عليه، مع الثناء عليه بجودة التلقي في طلب العلم والتحقيق فيه. ٢ - ما قرأه هذا التلميذ الناسخ، عليه من كتب الحديث الشريف. ٣ - ثم إجازة البلقيني لتلميذه هذا، بجميع مصنفاته ومرويّاته. ٦ - ثم بعد ذلك أورد الناسخ -في آخر المخطوط- قصيدة طويلة لشيخه البلقيني، نَظَمها في مدح كتاب (قواعد الأحكام) ومحتواه، وهي في أكثر من خمسين بيتًا. ج - وصف المخطوط مضمونًا: ١ - من أهم ما يقال في بداية هذا العنصر: أن هذه النسخة لكتاب (الفوائد الجسام) التي نسخها تلميذ البلقيني تقي الدين يحيى الكرماني، يمكن أن تُعتبر هي نسخةً وحيدةً بحسب ما وصل إلينا من نسخ هذا الكتاب، وإلا فيبدو أنها ليست وحيدة في حقيقة الأمر، بل توجد إشارات من الناسخ في داخل نسخته هذه إلى ما يُلوِّح بأنه كانت توجد بيده نسخة أخرى من هذا الكتاب غير نسخته هذه الخاصة به (١). والدليل على هذا أنني وجدتُ الناسخَ وَضَع حرف (خ) -التي هي علامةٌ للإشارة إلى نسخٍ أخرى- على بعض كلمات الكتاب:

стр. 102

فمن ذلك أن البلقيني يُورِد نص كلام الشيخ ابن عبد السلام، بلفظ: (قوله)، ثم يسوق العبارة، ثم يعلّق عليها. هكذا يفعل البلقيني في جميع ما يسوقه من نصوص الشيخ ابن عبد السلام، فيسوقها مبتدئًا بكلمة (قوله). وقد وَضَع الناسخ علامة (خ) على كلمة (قوله)، في بداية النصين رقم ٥٣٠ ورقم ٦٠١، وكأنها إشارة منه إلى أن إثبات كلمة (قوله) هنا، مستدرَكٌ من نسخة أخرى من كتاب (الفوائد الجسام)، وأنه ينبغي إثبات هذه اللفظة في هذين الموضعين كما هي عادة البلقيني في سائر الكتاب. وعلى هذا، فإن صح هذا التخمين والتقدير، فإن نسخة الناسخ هذه التي يتم إخراج هذا العمل وفقًا لها، يمكن أن تُعتبر نسخةً وحيدةً بحسب ما وصل إلينا من نسخ هذا الكتاب، وإلا فلا تكون وحيدةً بحسب الحقيقة والواقع، بل ربما كانت هناك نسخ أخرى لهذا الكتاب لم تصل إلينا. ٢ - إن هذه النسخة للكتاب -مع كونها نسخة وحيدة- هي مُتقَنة النسخ، أبان فيها الناسخ عن مظاهر الدقة والاعتناء التي تتميز بها الكتابة العلمية عن الكتابة غير العلمية. أ- فمن أجود وأعلى ميزات الناسخ: عنايته بضبط الكلمات، سواء بالتشكيل بالحركات وهو الأغلب، أو بالضبط بالحروف وهو نادر. وكان الناسخ متيقظًا دقيقًا في الحرص على ضبط بعض الكلمات، بحيث إنه إن لم يضبطها لأدّى ذلك إلى اشتباهها على القارئ ووقوعِه -لا محالة- في خطأ قراءتها، فيتغير المعنى المقصود. - مثل: ضبط كلمة (قَتَل) في جملة (كما إذا قَتَل في قطعٍ لطريقٍ ...) في النص رقم ١٢٧، فقد حَرَص الناسخ على ضبطها بالبناء للمعلوم؛ لئلا تُقرأ بالمجهول (قُتل) فتكون خطأً. - ومثل ضبطه لجملة (الحر يَملِك) في النص رقم ١٣٠، فقد حَرَص

стр. 103

الناسخ فيها على ضبط كلمة (يَملِك) بفتح الياء وكسر اللام، لئلا تُقرأ -عن غير قصد- عند إهمال ضبطها: (يُملَك) بالبناء للمجهول، فتكون خطأً فادحًا. ومن أمثلة هذا التيقظ لدى الناسخ ودقته العلمية في ضبط الكلمات المشتبهة التي ربما يخطئ القارئ في قراءتها لو لم تُضبط، أو يُظن بأن الناسخ نفسه ربما يكون أخطأ في ضبط تلك الكلمة، وأن الصواب فيها خلاف ما ضبطها الناسخ: ما نراه في ضبط كلمة (المخبَرون) (النص رقم ٣٩٩)، فقد دقَّق الناسخ في ضبط (الباء) هنا، فضبطها أولًا بوضع الفتحة عليها، ثم لم يكتف بذلك بل نص على ضبطها صريحا بالكلمات، فقال عقبها (بفتح الباء)، وما ذلك إلا لأن الكلمة محل اشتباه كبير في السياق؛ لأن تُقرأ بكسر الباء حسب المتبادر الذي تسبق إليه الألسنة لدى قراءتها من أول وهلة، فكان من دقة الناسخ وتيقظه: أن اعتنى بالضبط الحرفي الصريح؛ لئلا يظن القارئ عند الاكتفاء بوضع الفتحة على الباء فقط، أنه ربما كان ذلك سهوَ قلم من الناسخ، وأنه أخطأ في ذلك، وأن الصواب فيها كسر الباء! فلإزالة هذا الاشتباه والالتباس لدى القارئ، احتاط الناسخ فنصّ على الضبط صريحًا مع الضبط بالتشكيل؛ ليطمئن القارئ أن وضع الفتحة على الباء ليس خطًا وسهوًا من الناسخ، بل هو الصواب المتعين هنا. ب- ومن مظاهر الدقة لدى الناسخ فيما يتعلق بالضبط: عنايته باستعمال بعض علامات الضبط والتقييد التي تُتبع في الكتابة العلمية: - فمن ذلك: وضع علامة اللَّحق للكلمات التي تسقط من صلب المتن، فتحتاج إلى أن تُكتب في الهامش أمام اللحق. ومن التدقيق العلمي في كتابة هذه الكلمات في الهامش -وهو ما يفعله الناسخ- أن لا يُكتَفَى بمجرد كتابتها وإلحاقها في الهامش فقط، بل ينبغي أن توضع عليها علامة (صح) لإشعار القارئ بأن هذه الكلمة هي في موضعها الصحيح هنا، وليست مقحمة خطأً.

стр. 104

وقد بدا من خلال تصفح المخطوط، أن الناسخ التزم بوضع هذه العلامة (صح) على جميع الكلمات الساقطة التي كان يضع لها لَحَقًا، ثم يكتبها أمام اللحق في الهامش، إلا في ثلاثة مواضع: فأول تلك المواضع: في النص رقم ١٤٢ (اللوحة ١٨ / ب) جاءت هنا آية ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. فهذه الآية سقط منها من بدايتها كلمة ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾، ثم سقط من أثنائها كلمة ﴿أَحْيَا﴾ الثانية. فوضع الناسخ لكلتا الكلمتين، علامة لَحَق في داخل المتن، ثم كتبهما في الهامش، ولكن لم يضع عليهما علامة (صح). ولعل سبب ذلك واضح، وهو أنهما كلمتان من آية قرآنية، وهي لا يمكن أن تكون إلا هكذا، فلا داعي لعلامة (صح) هنا. وثاني تلك المواضع: في النص رقم ٢٧٦ (اللوحة ٣١ / أ) جاء فيه قول البلقيني: (وحينئذ فمجموع نية المؤمن خيرٌ من مجموع فعل الكافر) وقد سقطت كلمة (فعل) من المتن، فوضع لها الناسخ لَحَقًا وكتبها في الهامش بدون علامة (صح). وثالث المواضع: في النص رقم ٢٨٢ (اللوحة ٣١ / ب) جاء فيه قول البلقيني: (قد يجب النظر في المصحف للمصلي الذي لا يحفظ الفاتحة إذا أمكنه ذلك) وسقطت كلمة (الذي) منه من المتن، فوضع الناسخ عندها علامة اللحق، ثم كتبها في الهامش بدون علامة (صح). - وفي بعض المواضع لم يضع الناسخ علامة اللحق للكلمات الساقطة من المتن، بل أَكمل ذلك المقدار الساقط من النص، بكتابته مباشرةً ملاصقًا للكلمة التي سقط من عندها الكلام، ثم وضع في النهاية علامة (صح) (١).

стр. 105

- ومن مظاهر استعمال الناسخ لعلامات الضبط: وضع حرف حاء مهملة صغيرة تحت بعض الكلمات التي تشتمل على هذا الحرف، وفيها احتمال الاشتباه أو الغلط في القراءة. ينظر مثلًا: اللوحة ٥٠ / ب من المخطوط: عبارة (ويقترن الانعقاد والصحة بآخر حروفه)، فقد وضع الناسخ (ح) صغيرة تحت حاء (حروفه) لأنه بيَّن هناك في الهامش أن كلمة (حروفه) هذه نفسها، فيها وجه آخر وهي أنها تحتمل أن تكون (جزء منه)، فللتمييز بين الجيم من (جزء) وبين الحاء من (حروفه) وضع تلك الحاء الصغيرة تحت (حروفه) للتأكيد على أنها حاءٌ وليست جيمًا (١). ج- من مظاهر دقة الناسخ واتباعه للمنهج العلمي في النسخ: إثباته لـ (التعقيبة). والتعقيبة هي أن يكتب الناسخ في نهاية كل لوحة، الكلمةَ التي تبتدئ بها اللوحة التالية؛ لتنبيه القارئ إلى ربط الكلام في بداية اللوحة التالية بما سبق في اللوحة التي قبلها. وفائدة هذا تظهر فيما لو فُرض مثلًا أنه وُجد سقط أو طمس في نهايات لوحات المخطوط أو في بداياتها، أو حصل خلط في ترتيب أوراق المخطوط، فإن إثبات هذه التعقيبة ستدل القارئ على الكلمة الصحيحة التي يبتدئ بها كل لوحة من المخطوط، وبذلك يصل إلى بُغيته

стр. 106

بدقة. وهذا ما يجعل أهميةً لـ (التعقيبة) بحيث يُستدل بوجودها لدى أي ناسخ من نساخ المخطوطات، على دقة المنهج العلمي لديه في فن النسخ. وقد اتّبع ناسخ (الفوائد الجسام) هذه الطريقة، فأَثبت التعقيبة في أسفل لوحات المخطوط، في نهاية الوجه (أ) من كل لوحة، فكان يُثبت هناك الكلمة التي يبتدئ بها الوجه (ب) من نفس اللوحة. وهكذا مَشَى في جميع لوحات المخطوط. د- ومن مظاهر دقة الناسخ: ما يتعلق بتصحيح الكلمات التي كُتبت خطأً، وتحتاج إلى تصحيح. فمن ذلك ما هو معروف من طريقة الضرب على الكلمة التي كُتبت خطأً في المتن، ثم كتابتها مرة أخرى صحيحة في الهامش. وهذا ما فعله الناسخ في بعض الكلمات كما في النص رقم ٢٠ الذي جاء فيه قول الشيخ ابن عبد السلام: (وكذلك قراءة حمدلة الفاتحة في الصلاة، مساوية لقراءتها في غير الصلاة، مع أنها أفضل منها إذا قُرئت خارج الصلاة). فكلمة (مساوية) كانت كُتبت في داخل المتن: (مستوية) فضَرَب عليها الناسخ، ووَضَع عندها علامة لحق إلى جهة الهامش، ثم كتب الكلمة في الهامش صحيحة (مساوية) مع التصحيح عليها. وقد يكتفي بالضرب فقط على موضع الخطأ في الكتابة -دون إعادة كتابة الصواب في الهامش- إن كان ذلك كافيًا في إشعار القارئ، وتنبيهه لموضع الخطأ. ومن براعة الناسخ في هذا الصدد: ما فعله في قول البلقيني في النص رقم ١١٩: (نعم يُعطَى اليقينَ فيما إذا خلّف زوجة حاملًا وأبوين، فإن للزوجة ثُمُنًا عائلًا، وللأبوين سُدسين عائلين، لأن لكلٍّ منهما ها هنا مقدارًا يرجع به على التركة، فأُعطِيَه عائلًا، لأنه لا يمكن أن يأخذ أقل منه على كل تقدير).

стр. 107

ففي هذه العبارة كان وقع خطأ في الكتابة في موضعين: - الخطأ الأول في كتابة كلمة (وأبوين)، حيث كُتبت بحرف (أو) هكذا: (أو أبوين). والصواب أنها بـ (الواو). فصحح الناسخ هذا الخطأ بتصرف قليل، بأنْ اكتفى بشطب همزة (أو) فقط، وتَرَك حرف (و) كما هو، بل زاد دقةً في التصحيح فوَضَع على هذه الواو - بعد أن شَطَب همزتها- فتحةً هكذا (وَ)؛ ليؤكد للقارئ بأن (الواو) هي الصواب، إذ إنها لو كانت (أوْ) لكانت (الواو) فيها ساكنة لا مفتوحة. فكون الناسخ يضع فتحةً هنا على الواو، هو تلميح ذكيٌّ منه للقارئ بأن الناسخ متنبه لما يفعله، وأن الهمزة في هذه الكلمة مشطوبة فعلًا، ولهذا صارت الواوُ بعدها مفتوحةً. وهكذا صارت كلمة (حاملًا أو أبوين) بعد هذا الشطب الدقيق، صحيحة هكذا: (حاملًا وأبوين). هذا ما يتعلق بالخطأ الأول في الكتابة في العبارة المذكورة. - أما الخطأ الثاني فيها في الكتابة، ففي كلمة (لأن لكلٍّ منهما)، حيث وقع خطأ في كتابتها هكذا (لأن لكلًا منهما) أي بنصب (كلًّا)، والصواب أنها مجرورة بحرف اللام الجارّة. فكان من فطنة الناسخ في تصحيح هذه الكلمة أنه لم يشطب عليها كلها، ولم يُعِدْ كتابتَها مرة أخرى في الهامش، بل شطب على الألِف (١) فقط من كلمة (كلا) ثم وضع كسرتين تحت اللام، فصارت هكذا (لكلٍا) (في الرسم) ولكنها تُقرأ: (لكلٍّ) (لأن الألف قد شُطبت). هـ - ومما يتعلق بتصحيح الكلمات، أنه قد يَزِلّ قلم الناسخ بكتابة كلمةٍ واحدةٍ مرتين، فيضرب على واحدة منها ويُبقي الثانية. مثال ذلك: حديث (إذا مرض العبد أو سافر، كَتَب الله له ما كان يعمل

стр. 108

صحيحًا مقيمًا) (في النص رقم ٢٨)، فقد جاء نصه في داخل المتن مكتوبًا هكذا: (إذا مرض سافر العبد أو سافر، كَتَب الله له ... " فكُتبت كلمة (سافر) خطأً قبل كلمة (العبد)، والحال أنها موجودة في موضعها الصحيح بعد ذلك في السياق، فاكتفى الناسخ هنا بالضرب على الموضع الأول، وبذلك صار سياق الحديث صحيحًا. ويبدو من ملاحظة موضع هذه الكتابة في المخطوط: أن الناسخ كان سَبَق قلمه عند كتابة بداية الحديث، حيث كَتَبه خطأً هكذا: (إذا مرض سافر)، ثم تذكرّ مباشرةً أن كلمة (سافر) هنا خطأٌ، فضَرَب عليها فورًا، واستمرّ في إكمال كتابة باقي الحديث صحيحًا تامًّا. و- ومما لفت نظري من صنيع الناسخ في هذا الجانب المتعلق بتصحيح الكلمات: أنه في النص رقم ٤٨٨ (اللوحة ٥١ / أ) جاءت كلمة: (والبرّ والفجور أوصاف) فجاءت كلمة (الفجور) مكتوبة في داخل المتن بالضمة على الجيم هكذا (الفجُور)، وكأنه لذلك تنبه الناسخ فأعاد كتابتها في الهامش بوضع الضمة على الراء هكذا: (الفجورُ). ولم يتبين لي سبب هذه الإعادة، إلا أن يكون الناسخ أراد تصحيح الخطأ الذي وقع في تشكيل حرف الجيم، وأن الصواب فيه وضع ذلك التشكيل على الراء. والله أعلم. ٣ - ومن مظاهر دقة الناسخ في فن النسخ ومعرفته بقواعده العلمية: أنه في موضع من المخطوط، انتهى من كتابة فقرة، ثم بدأ بكتابة فقرة أخرى في السطر نفسه مع ترك فراغٍ بين الفقرتين. ولئلا يَظُن القارئ أن هذا الفراغ سَقَط فيه شيء من الكلام، جَعَل الناسخ فيه خطوطًا مائلة هكذا / / / / لسدّ ذلك الفراغ، وليُطَمْئِن القارئ أنه لا يوجد هنا سَقَطٌ، هانما الكلامُ متصلٌ بعضه ببعض. (ينظر لذلك في المخطوط: اللوحة ٤ / ب في بدايتها).

стр. 109

وفَعَل هذا الشيء نفسه في اللوحة ١٢ / ب (عند عبارة: (كما يشير إليه قوله وفضيلةُ المهريّة تفوتُ بذبحها ... ". فقد جاءت صورة العبارة كما هي أمامك، أي: بوجود فراغ بين كلمة (قوله) وبين كلمة (وفضيلة)، مع أن الكلام في الواقع متصلٌ بعضه ببعض، أي: أن كلمة (وفضيلة) هي مقول كلمة (قوله)، فهنا أيضًا وضع الناسخ خطوطًا مائلة / / / / في موضع الفراغ، للإشارة إلى أن الكلام متصلٌ، ولا يوجد شيء ساقط منه. ٤ - جرى الناسخ على عدم الاهتمام بتنقيط الكلمات الواضحة التي لا تُسبب صعوبة في القراءة. ٥ - توجد مواضع قليلة في المخطوط، فيها طمس أو بياض، وبسبب ذلك جاء كلام البلقيني في هذه المواضع مبتورًا وناقصًا، ولم يمكن تدارك ذلك بسبب كون هذه النسخة هي الوحيدة التي كان عليها المعوّل في إخراج الكتاب، فلا توجد نسخة أخرى -أو مصدر آخر- يمكن أن يُسعِف في مثل هذه المواضع لإكمال الطمس. ٦ - توجد للناسخ تعليقات علمية على هوامش المخطوط في بعض المواضع، وهي تشتمل على تعقيب من الناسخ مثلًا على كلام شيخه البلقيني، أو إبداء وجهة نظر تجاه ما قاله شيخه (١). ٧ - يضع الناسخ حرف (ظ) على بعض الكلمات في هامش المخطوط، ويبدو أنه اختصار لكلمة (انظر)، إشارة من الناسخ للقارئ بأن يتثب من تلك الكلمة.

стр. 110

[المبحث الرابع عملي في خدمة الكتاب] أولًا: ما يتعلق بخدمة النص في صلب المتن: ١ - لقد أخذتْ قراءةُ نصوص الكتاب وتقويمُها وإزالةُ ما يعتريها من غموض في الأسلوب أو تشويش في السياق، ثم وضعُ تلك النصوص في سياقها الصحيح، وربطُ بعضها ببعض (خصوصًا ربط تعليقات البلقيني بنصوص الشيخ ابن عبد السلام) بحيث يكون الكلام في جملته مفهومًا واضحًا مُريحًا للقارئ، كلُّ ذلك أخذ مني جهدًا ووقتًا لا بأس به. وإنه ليسرّني في هذا المقام أن أقول من دون أي غضاضة، تحدّثًا بنعمة الله تعالى، أنني بذلتُ جهدًا لا بأس به -بتوفيق الله تعالى وفضله- في إثبات نص الكتاب على أصح وأضبط وأقرب صورة أرادها المؤلف البلقيني ﵀ (١).
следующие страницы →