← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والصحيح هو الأول، لأنه قال: (وامسحوا برؤوسكم) (والباء) للتبعيض، ولا تقتضي التقدير، بخلاف ما في الحج، لأن هناك قال: (ولا تحلقوا رءوسكم). يعني: شعور رءوسكم. وأقل الجمع الصحيح ثلاث. ولا فرق بين أن يمسح بيده، أو يأخذ خرقة مبتلة، أو خشبة مبتلة، ويمسح بهما رأسه، وكذا لا فرق بين أن سمح ظاهر الشعر، أو يترك ذاك، ويمسح البشرة. بخلاف ما قلنا في الوجه: أنه لو ترك ظاهر الشعور وغسل البشرة إنه لا يجوز. والفرق بينهما: أن الوجه اسم لما يواجه الإنسان به غيره، وذاك يقع على ظاهر الشعور، والرأس: اسم لما ترأس واعتلى. وهذا وقع على الكل، فإذا مسح على الشعر، فلا يخلو إما إن طال شعره، واسترسل عن حد الرأس، أم لا يسترسل، فإن نزل عن حد الرأس مثل الذوائب، وغيرها، فلو مسح على رأسه لا يجوز، ولو مسح على أصول الشعر، جاز، ولو مسح على ما هو منه في حد الرأس، لكنه زائل عن المنبت فوجهان:

стр. 177

أحدهما: يجوز؛ لأنه في حد الرأس .. والثاني: لا؛ لأنه زائل عن المنبت، فصار كالنازل عن حد الرأس. فأما إذا طال شعره، وكان مستويًا، ولم يزل عن المنبت، فمسح عليه جاز، ولو زال عن المنبت، ولم ينزل عن حد الرأس، فوجهان: فأما إذا كان شعره جمة، مثل شعر الزنج، وكان بحيث لو مد يمتد، فلو مده ومسح على رأسه لا يجوز. ولو لم يرده ومسح عليه، فيه وجهان: الصحيح: أنه لا يجوز كالذؤابة. وفيه وجه آخر: أنه يجوز. فرع لو غسل رأسه بدل المسح. المذهب: أنه يجوز، ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز، لأنه فرضه المسح، فلا يسقط بالغسل، كما لو مسح الأعضاء المغسولة لا يسقط الفرض عنه.

стр. 178

والفرق بينهما: أن الغسل يتضمن المسح، وزيادة. فقلنا: بأنه يقوم مقام المسح بخلاف المسح، فإنه لا يتضمن الغسل. فقلنا: بأنه يبقى الفرض عليه. فأما إذا وضع يده المبتلة على الرأس، فلم يمرها، عليه. المذهب: أنه يجوز. وقال (القفال): إنه لا يحصل المسح ما لم يمر يده عليه، وكذا لو قطر الماء على رأسه، إن سال حصل المسح، وإن لم يسل الماء: عامة أصحابنا على أنه حصل المسح به. وقال (القفال): إنه لا يحصل، ويشترط فعل المسح أو معناه. وكذا المرأة لو وضعت يدها المبتلة على الوقاية، ووصل البلل إلى شعرها، إن مرت يدها عليه، وكانت خفيفة أو كثيفة، ووصل الماء إلى الشعور حصل المسح، وإن لم تمرر اليد عليه، ولكن صارت الشعور مبتلة عند عامة أصحابنا هكذا. وقال (القفال): لا يحصل بها المسح.

стр. 179

فرع لو مسح برأسه، ثم حلق الشعور، أو غسل يديه، ثم قلم الأظافير، أو قطعت يداه، أو كشطت جلدة يديه، ولم يكن عليه نجاسة لم تجب عليه الإعادة، بخلاف ما لو نزع الخف حيث يجب عليه غسل الرجلين، أو الوضوء، لأن ذاك بدل عن الرجلين. فإذا نزع الخف بعد طهر المبدل، والأصل، فسقط حكم البدل، بخلاف ما نحن فيه. فأما إذا كان بعض رأسه محلوقًا دون البعض، فهو بالخيار بين أن يمسح على الشعور، أو على موضع الحلق أيضًا، كما ذكرنا من قبل، هذا كله كلام في الوجوب عندنا. وقال مالك: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه واليدين في التيمم. ونحن نقول: إنه مسح بالماء، فلا يلزمه استيعاب بالمسح، دليله المسح الخفين. وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب، والدليل عليه الآية و (الباء) للتبعيض؛ ولأن المقادير لا تؤخذ قياسًا، ولا اجتهادًا. وقال أحمد: لو مسح على المشاوذ جاز. لما روى أنه ﵇ جهز جيشًا، فأمرهم بالمسح على المشاوذ، والتساخين وهي الخفاف.

стр. 180

قلنا: نحمله على ما إذا مسح تحتها، ولا يرفعه من الرأس، بدليل الآية والله أعلم بالصواب. فأما الكلام في الاستحباب، فمسح جميع الرأس سنة، وكيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه، ويمرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه. ويعده مرة واحدة، ويفعل ذلك مرتين أخريين؛ لأنه إذا أمرهما إلى آخر الرأس، فقد ابتل به باطن شعور مقدم الرأس، وظاهر شغور مؤخر الرأس، فيحتاج إلى أن يعيد اليدين إلى الموضع الذي بدأ منه، حتى يبتل باطن شعور مؤخر الرأس، وظاهر شعور مقدمه ويحصل مسح الرأس، بخلاف ما قلنا في المشي بين الصفا والمروة: إنه لا يشترط فيه الذهاب والرجوع؛ لأن المقصود منه المشي بينهما، وقد حصل بالذهاب المشي، وعندنا التكرار فيه شرط كل مرة بماء جديد. وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بشرط، ثم قال في رواية: يمسح مرة واحدة، وقال في رواية: يمسح ثلاث مرات بماء واحد. دليلنا: أن نقيس هذا على سائر الأعضاء. قوله: (ثم يمسح أذنيه). قال القاضي حسين: مسح الأذنين سنة مستحبة عندنا، يمسحها ثلاثًا، ظاهرهما وباطنهما بماء جديد.

стр. 181

وكيفيته: أن يدخل سبابتيه في صماخي أذنيه، ويمر إبهاميه على ظاهرهما، ثلاث مرات. وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بسنة، ولا يمسح الأذنان بماء جديد، بل يمسحان بالماء الذي يمسح به الرأس. وأما مسح العنق لم ترد فيه سنة، وقد قيل: فيه وجهان. إن قلنا: يسن ذلك: يمسح بالماء الذي يمسح به الأذنان تبعًا لهما، لقوله ﵇: (مسح العنق أمان من الغل)

стр. 182

قوله: (ثم يغسل رجليه) قال القاضي حسين: غسل الرجلين واجب عندنا مع الكعبين. وقال زفر: غسل الرجلين واجب إلى الكعبين. كما قال في اليدين. وقالت الشيعة: إن فرضهما المسح دون الغسل. وقال أهل الظاهر: يجمع بين الغسل والمسح فيهما. وقال ابن جرير الطبري: يتخير فيهما بين المسح والغسل. والدليل على الكل ما روى أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به) ولا نشك أنه غسل الرجلين، وما مسح عليهما. إذا ثبت أن غسل الرجلين مع الكعبين واجب عندنا.

стр. 183

الكعبان: هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، ولكل رجل كعبان. وقال أبو يوسف: الكعبان هما الناتئان عند ظهر القدم.

стр. 184

وهذا لا يصح لما روى عن أبي هريرة أنه قال: كنا نلصق المنكب بالمنكب، والكعب بالكعب، في الصلاة. وإنما يتحقق إلصاق الكعب بالكعب على قوله. قوله: (ويخلل بين أصابعهما) قال القاضي حسين: أصابع الرجلين لا يخلو إما أن تكون منفرجة، أو كانت منضدة بعضها على بعض. فإن كانت منفرجة بحيث يصل الماء إليه عند الصب. فالتخليل مسنون فيه، وليس بواجب، وإن كانت منضدة بعضها على بعض، بحيث لا يتخللها الماء بالصب، فالتخليل واجب فيه إذا أمكن إيصال الماء إليه من غير جرح وشق، وكيفيته أن يخلل بخنصره اليسرى، ويبدأ في التخليل بخنصر رجله اليمني من أسفل، ويختم رجله اليسرى.

стр. 185

والدليل على أن التخليل سنة ما روى عن النبي ﷺ ، أنه قال: (خللوا أصابعكم قبل أن تخلل بالنار). وروى عن لقيط بن صبرة، أنه قال: يا رسول الله، علمني الوضوء، فقال: أسبغ وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا فترفق، وخلل بين أصابعك. وإسباغ الوضوء سنة، وإطالة الغرة، وهو أن يستوعب جميع الوجه، بالغسل ن ويغسل جزءا من الرأس معه، ويغسل اليدين إلى المنكبين، والرجلين إلى الركبتين. لما روى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أمتي تبعث يومَ

стр. 186

القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل). قال الشافعي: وأحب أن يمر الماء على ما سقط من اللحية عن الوجه، وإن لم يفعل ففيها قولان: قال: يجزيه في أحدهما، ولا يجزيه في الآخر. قال المزني: قلت (أنا) (يجزيه) أشبه بقوله؛ لأنه لا يجعل ما سقط من منابت شعر الرأس من الرأس، فكذلك يلزمه ألا يجعل ما سقط من منابت شعر الوجه من الوجه. قال القاضي حسين: لا خلاف أنَّ ما كان من شعور اللحية بحذاء الوجه من الخدين، والأنف وغيره يجب غسله، فأما ما استرسل من اللحية بحذاء الصدر ففيه قولان: أحدهما: يجب غسله، لأن اسم الوجه من المواجهة، وذلك يقع عليه

стр. 187

بخلاف ما يتساقط عن حد الرأس، لأن الرأس اسم لما يترأس، وذلك لا يقع عليه هذا الاسم. والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني: أنه لا يجب غسله، واحتجَّا بأن ما نزل عن حد الرأس لا يعطي له حكم الرأس، حتى لا يجوز المسح عليه، فكذا ما نزل عن حد الوجه مثله. والجواب عنه ما ذكرنا. ثم نقول: ما نزل عن حد الرأس قد يعطي له حكم الرأس في حق الحلق والتقصير للمحرم، فكذلك ما نزل عن الوجه وجه أن يعطي له حكم الوجه بها، وهو الغسل، لأن الاحتياط في الموضعين إنما يكون بما ذكرنا. قال الشافعي: وإن غسل وجهه مرة، ولم يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء، ولم يكن فيهما قدر، وغسل ذراعيه مرة مرة، ومسح بعض رأسه بيده، أو ببعضها، ما لم يخرج عن منابت شعر رأسه أجزأه، واحتج بأن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى عمامته. قال الشافعي: والنزعتان من الرأس، وغسل رجليه مرة مرة، وعم بكل مرة ما غسل أجزأه، واحتج بأن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: (هذا وضوء لا يقبل الله ﵎ صلاة إلا به) ثم توضأ مرتين مرتين، ثم قال: من توضأ مرتين أتاه الله أجره مرتين، ثم توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي ووضوء خليلي إبراهيم ﷺ . قال: وفي تركه أن يتمضمض ويستنشق ويمسح أذنيه ترك للسنة. قال القاضي حسين: أراد به ذكر فرائض الوضوء، وهي سبعة بالنية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب. وفي التتابع قولان:

стр. 188

قال في القديم، وهو مذهب مالك: إنه واجب، وقال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة: إنه لا يجب. وأما سننه اثنتا عشرة: التسمية، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والمضمضة، والاستنشاق، والمبالغة فيهما، والسواك في وجه، والتيامن، والتثليث، وإطالة الغرة، ومسح جميع الرأس، ومسح الأذنين، وتخليل اللحية، وتخليل أصابع الرجلين، وأن يقول في آخره: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدك ورسولك). فإن قيل: الشافعي أدخل في تضاعيف الكلام ما ليس منه؛ لأنه ذكر فرائض الوضوء، ثم احتج في (الوسط) بالخبر. وقال أيضًا: النزعتان من الرأس، ثم قال: ويغسل رجليه.

стр. 189

قلنا: هذا سائغ في كلام العرب يدل عليه قوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم). فالأول خطاب الحاضرين. والثاني خطاب للغائبين، وكما قال الشاعر: إن الثمانين وبلغتها .... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان ثم احتجَّ بأن النبي ﷺ : «توضأ مرة مرة ...» الخبر. من أصحابنا من قال: إنما فعله في مجالس؛ لأنه لو فعله ثلاث مرات في مجلس واحد لأدى ذلك إلى غسل كل عضوٍ ست مرات، وهذا بدعة، لما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: «من زاد عن الثلاث فقد أساء واعتدى وظلم». ومنهم من قال: إنما فعله في مجلسٍ واحد، ولا يكون بدعة في حقه؛ لأنه جلس معلمًا الأحكام للناس، بخلاف غير النبي.

стр. 190

قال: (وفي تركه أن يتمضمض، أو يستنشق) أراد به بيان المضمضة والاستنشاق، وأنهما سنتان في الوضوء، وفي الغسل من الجنابة. وقال أحمد بن حنبل وابن أبي ليلى: إنهما واجبتان فيهما. وقال أبو ثور وإسحاقُ: الاستنشاق واجب فيهما دون المضمضة. وقال أبو حنيفة: هما واجبتان في الغسل، سنتان في الوضوء. قال الشافعي: وليست الأذنان من الوجه، فيغسلان، ولا من الرأس، فيجزي مسحه عليهما؛ فهما سنة على حيالهما، واحتج بأنه لما لم يكن على ما فوق الأذنين مما يليهما من الرأس ولا على ما وراءهما مما يلي منابت الشعر من الرأس إليهما، ولا على ما يليهما إلى العنق مسح- وهو إلى الرأس أقرب- كانت الأذنان من الرأس أبعد. قال المزني: لو كانتا من الرأس أجزأ من حج - حلقهما عن تقصير الرأس؛ فصح أنهما سنة على حيالهما. قال القاضي حسين: فإن قيل: أخل المزني في نقله حيث قال: فيغسلان وجواب النفي بالفاء يكون منصوبًا، وعلامة النصب فيه إسقاط النون كقوله تعالى: (ولا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا). قلنا يجوز بالرفع أيضا كقوله: (ولا يؤذن لهم فيعتذرون).

стр. 191

والثاني: أنه ما أخرج هذا الكلام مخرج النهي، ولكن أخرجه مخرج الاحتجاج، يعني: إنه لو كانتا من الوجه لغسلتا، ولو كانتا من الرأس لجاز المسح عليهما من مسح الرأس. واحتج به على مالك، حيث قال: إنهما من الوجه، بعدم وجوب غسلهما مع الوجه، وعلى أبي حنيفة حيث قال: الأذنان من الرأس، ولا يجوز المسح عليهما عن مسح الرأس. قال على ﵁: ظاهرهما من الرأس، فلا يجوز المسح عليهما، وباطنهما من الوجه، واحتج أيضا بأن البياض المستدير حوالي الأذنين أقرب إلى الرأس خلقة ومساحة من الأذنين، ثم ذاك ليس من الرأس، فهذا أولى. واحتج المزني أيضًا بأنهما لو كانت من الرأس لاكتفى بحلقهما في الإحرام، إلا أنهم يقولون: إنما لا يجزي عن حلق الرأس، لأن عندنا يشترط حلق ربع الرأس، وذلك دونه. قلنا: وجب أنه لو كمل معه حلق ربع الرأس يجوز، ومع ذلك لا يجوز عندكم. قال الشافعي: والفرق بين ما يجزيء من مسح بعض الرأس، ولا يجزئ إلا مسح كل الوجه في التيمم: أن مسح الوجه بدل من الغسل يقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل لا بدل من غيره. قال القاضي حسين: أراد به مالكًا، حيث قال: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه في التيمم، إن مسح الوجه هناك بدل عن الغسل فيقوم مقامه، ومسح بعض الرأس أصل، وليس ببدل عن غيره، فأني يستويان؟ قال الشافعي: وإن فرق وضوءه، وغسله، أجزأه، واحتج في ذلك بابن عمر، ﵄.

стр. 192

قال القاضي حسين: التفريق فيهما إن كان يسيرًا جاز، وإن كان كثيرًا متفاحشًا، فإن كان لعذر بأن نفد ماؤه، فطلب أو خاف من سبع أو عدو فهرب وما في معناه فإنه يكون عفوًا. وإن لم يكن بعذر، ففيه قولان على ما ذكرنا. أحدهما: يكون عفوًا، لأن هذا معنى لا يضاد الوضوء بعد الفراغ، فصار كالأكل، وعكسه الحدث، واحتج فيه أيضا بابن عمر أنه كان في سوق المدينة، فتوضأ، فانتهي إلى المسح على الخفين، فمرت به جنازة، فقام وتبعها، ثم أتى المصلي، ودعاء بماء، ومسح به على الخفين، وكان بين المصلي بالمدينة وسوقها أكثر من زمان الجفاف، فدل على أنه يكون جائزًا. والثاني: لا يكون عفوا قياسًا على الصلاة، وحد التفاحش منه إذا مضى زمان يحصل فيه الجفاف حال اعتدال الهواء.

стр. 193

إن قلنا: لا يكون عفوًا فلا كلام، وإن قلنا: يكون عفوًا، فهل يحتاج فيه إلى تجديد النية أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: بلى؛ لأن النية إنما شرعت للتمييز بين العادة والعبادة، وإذا طال الفصل فلا يحصل ذلك. والثاني: لا؛ لأن أصل النية حكمه باق، والاستدامة فيها ليس بشرط. إن قلنا: لا يحتاج إلى تجديد النية، فلا كلام. وإن قلنا: يحتاج إلى تجديد النية، فإذا نوى، فهل يبني على ما مضى أم يستأنف؟ فيه وجهان، بناء على أنه لو فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان على ما ذكرنا. قال الشافعي: لو بدأ بذراعيه قبل وجهه رجع إلى ذراعيه، فغسلها؛ حتى يكونا بعد وجهه؛ حتى يأتي الوضوء ولاء، كما ذكره الله ﵎، قال:

стр. 194

(فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وهكذا قرأه المزني: (إلى الكعبين) فإن صلى بالوضوء على غير ولاء، رجع فبني على الولاء من وضوئه، وأعاد الصلاة واحتج بقول الله : (إن الصفا والمروة من شعائر الله) فبدأ رسول الله ﷺ بالصفا، وقال: نبدأ بما بدأ الله به، قال: وإن قدم يسرى قبل يمني، أجزأه، قال أبو إبراهيم: إن قدم الوضوء، وأخر يعيد الوضوء والصلاة. قال القاضي حسين: الترتيب عندنا واجب في الوضوء، حتى لو نكس الطهارة بأن غسل رجليه، ثم مسح رأسه، ثم غسل يديه، ثم غسل وجهه يحصل له غسل الوجه فحسب، حتى لو توضأ أربع مرات منكوسًا حصل له الطهارة، ولو غسل وجهه ويديه ورجليه، ثم مسح برأسه حصل له غسل الوجه واليدين ومسح الرأس، ويلزمه غسل الرجلين ثانيًا، وعلى هذا القياس نظائره. فرع لو دخل في الماء، وانغمس فيه، وخرج ينظر؛ فإن أقام فيه ريثما يجري الماء على أعضائه أربع مرات صحت طهارته، وإن مكث دون ذلك. هل تصح طهارته أم لا؟ فيه وجهان: بناء على أن الحدث هل يحل جميع البدن، أم يحل أعضاء الطهارة.

стр. 195

وفيه وجهان: أحدهما: أنه يحل جميع البدن بدليل أنه لا يجوز له مس المصحف بسائر الأعضاء غير أعضاء الطهارة. كما لا يجوز له مسه بأعضاء الطهارة، إلا أنه لا يكلف غسل جميع البدن في الوضوء، لما فيه من المشقة والتعب. والوجه الثاني: أن الحدث يحل أعضاء الطهارة فحسب، وإنما لا يجوز له مسح المصحف بسائر الأعضاء لاتصاله بأعضاء الطهارة. إن قلنا: إن الحديث يحل جميع البدن، فيصح طهارته هناك؛ لأنه أتي بالأفضل وهو الغسل، ولا مدخل للترتيب فيه، فعلى هذا لو ترك لمعة من جميع البدن لا يصح وضوؤه. وإن قلنا بالوجه الثاني، لا يصح وضوؤه إلا أنه يحصل له غسل الوجه فحسب؛ لأن الترتيب واجب عليهن وغسل سائر الأعضاء غير واجب، فلا يسقط الواجب بغير الواجب، وهكذا لو قام تحت المئزاب حتى انصب الماء

стр. 196

عليه، فإن كان بدفعات ومكث تحته قدر ما يجري الماء على أعضائه أربع مرات فلا كلام، وإن جري الماء على أعضائه دفعة واحدة، في حالة واحدة ينبني على ما ذكرنا من الوجهين. وهكذا لو وضع هامته على الأرض، وأمر غيره بأن يصب الماء على رجليه، على ما ذكرنا من التفصيل، فأما إذا أمر أربعة نفر بأن يغسل كل واحد منهم عضوًا من أعضاء طهارته دفعة واحدة، فيه وجهان: أحدهما: يصح وضوؤه؛ لأنه لم يقدم اليدين على الوجه، والبعض على البعض. والثاني: لا لعدم الترتيب، وكذلك لو استأجر رجلين ليحجا عنه، أحدهما حج الفرض، والآخر حج النفل، فحجا في سنة واحدة، وكذا في نظائرهما من رمي الجمر على ما سنذكره في موضعه، والله أعلم.

стр. 197

فرع إذا أحدث الرجل، ثم أجنب. اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: يلزمه الوضوء والغسل، لأن موجب الطهرين مختلف، فصار كما لو قتل المحرم صيدًا مملوكًا في الحرم يلزمه القيمة لمالكه، والجزاء لله تعالى، وهذا مذهب أبي ثور. ومن أصحابنا من قال: يلزمه الغسل لا غير، ويدخل الصغرى في الكبرى؛ لأنها من جنسها، كما يدخل الحج على العمرة. ومنهم من قال: ما يتشاكل منهما يتداخل، وهو أصل الغسل، وما لا يتشاكل مهما لا يتداخل، حتى وجب عليه غسل جميع الأعضاء مرة واحدة، ويجب عليه مراعاة الترتيب في أعضاء الطهارة، كما لو قرن بين الحج والعمرة، ما يتشاكل منهما يتداخل، وما انفرد به أحدهما مثل الوقوف بعرفة يلزمه إتيانه، كذا ها هنا. فأما إذا أجنب، ولم يحدث، وإنما يتصور هكذا بأن نام قاعدًا ممكنًا مقعدته من الأرض، فاحتلم أو لف خرقة على جميع أعضائه، ثم أدخل الفرج في فرج أحد حتى حصل التقاء الختانين، فإنه يصير جنبا لا محدثًا لا خلاف أنه يلزمه غسل جميع الأعضاء دون الوضوء. فأما إذا أجنب ثم أحدث؛ هذه تنبني على المسألة الأولى. إن قلنا هناك: لا يتداخلان، فها هنا أولى. وإن قلنا هناك: يتداخلان، فها هنا وجهان. والفرق أن هناك الكبرى لا يستقر عليه حكمها، فجاز أن تدخل على الصغرى، كما لو أدخل الحج على العمرة، جاز.

стр. 198

وها هنا الكبرى استقر عليه حكمها، فلا تدخل عليها الصغرى، كما لو أدخل العمرة على الحج لا يجوز في قول. فرع ابن الحداد على هذا، وقال: لو أن جنبًا اغتسل جميع بدنه إلا الرجلين، ثم أحدث فعليه غسل الأعضاء الثلاثة مرتبًا، وغسل الرجلين كيف شاء، وهذا إنما كان على مذهب من لا يحكم بطروء الحدث على الجنابة. فأما على المذهب الاخر يجب عليه غسل الرجلين لأجل الجنابة والوضوء كاملا مرتبًا، وفي وجه يجب الوضوء مرة واحدة مرتبًا، ولا يجب غسل الرجلين لأجل الجنابة. قال القفال: الترتيب واجب في الوضوء، إلا في ثلاث مسائل: إحدهما: هذه. والثانية: لو رأي على ثوبه بللاً. قال: هو بالخيار بين أن يقدر أنه مذي أو ودي أو بول، ويتوضأ، ويغسل الثوب، وبين أن يجعله منيا، ويغتسل ولا يغسل الثوب، فلو توضأ، ولم يغسل الثوب، وصلى فيه لا يجوز إلا أنه لا يجب عليه الترتيب في الوضوء، لاحتمال أنه ربما يكون منيا، ولا وضوء عليه مرتبًا، فقد تيقن غسل الأعضاء في الجملة، وشك في الترتيب.

стр. 199

الثالثة: الخنثى المشكل لو أولج ذكره في دبر رجل، فعلى المولج فيه الوضوء، ولا يجب عليه فيه الترتيب لاحتمال أن الخنثي كان رجلاً، وعليه غسل الأعضاء غير مرتب، إلا أنه رجع عن هاتين المسألتين، وقال: الأصل شغل ذمته بالصلاة، فإذا أتى بوضوء غير مرتب، فقد تحققنا أنه ما أتي بطهارة، لأن المولج إن كان رجلا فعليه الغسل، وهو ما أتي به، وإن كان امرأة فعليه الوضوء مرتبًا، وما أتي به. فرع لو أن جنبًا غسل جميع أعضاء وضوئه، ثم أحدث فعليه غسل باقي الأعضاء بلا خلاف، وعليه غسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب في وجه. وفي وجه: مرتين: أحدهما مرتبًا، والآخر غير مرتب. وفي وجه: مرة واحدة مرتبًا. فأما إذا غسل جميع بدنه، إلا الأعضاء الأربعة، ثم أحدث غسل باقي البدن عن الجنابة، وغسل الأعضاء الأربعة مرة واحدة على الترتيب لأجل الحدث. فرع محدث ظن أنه كان جنبًا فاغتسل، فإن راعي فيه الترتيب فلا كلام، وإلا فوجهان بناء على أن الحدث يحل جميع البدن، أو يحل أعضاء الطهارة، وقد ذكرناه. فأما الجنب إذا ظن أنه كان محدثا، واغتسل بنية رفع الحدث، الصحيح أنه جائز، ولعل هذا أيضًا بناء على أن الحدث يحل جميع البدن أم لا؟

стр. 200

إن قلنا: يحل جميع البدن، صحت طهارته، وإلا فلا، لأن باقي الأعضاء لم يغسله بنية الفرض، فلم يحسب له عن الفرض، وما أتي بالترتيب في غسل الأعضاء الأربعة، فلا يحسب له عن الوضوء. فرع لو نسي الترتيب، فيه قولان: في الجديد: لا يجوز الوضوء. في القديم: جاز. فيخرج من مسألة نسيان قراءة الفاتحة في الصلاة، وفيه قولان: قال في الجديد: لاتصح الصلاة. وقال في القديم: صحت. وهكذا لو تيمم، ونسي الماء في رحله. وفي القديم: جاز، وفي الجديد: لا يجوز.

стр. 201

وإنما قال في القديم: لما روى أن عمر ﵁ كان يصلي، وترك قراءة الفاتحة في ركعة، فلما فرغ منها قيل له ذلك، فقال: كيف كان الركوع والسجود، قالوا: حسن قال: فلا بأس إذا. هكذا كله بيان مذهبنًا في الترتيب. وقال أبو حنيفة: الترتيب ليس بواجب. والدليل عليه ظاهر القرآن، حيث أمر بالبداية بغسل الوجه فالظاهر أن ما بدأ الله تعالى به قولا يلزمنا البداية به فعلا؛ كما في الصفا والمروة. قوله: (وتقديم اليمني على اليسرى) قال القاضي حسين: ويستحب تقديم اليمني على اليسرى في البدن والرجلين. وقال أحمد: إنه واجب، وهذا لا يصح، لأنهما في حكم عضو واحد، والله تعالى جمع بينهما بالذكر، وعد أعضاء الوضوء أربعة لا ستة، والترتيب ليس بشرط في العضو الواحد. قال الشافعي: ولا يحمل المصحف ولا يمسه إلا طاهرًا. قال القاضي حسين: لا يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، ولا الحواشي والجلد، ولا الخريطة، ولا يجوز له حمل المصحف، ولا العلاقة

стр. 202

ولا الخريطة، ولا الصندوق، ولا الغلاف، فلو حمل المصحف بالعلاقة، قيل: فيه وجهان. والصحيح أنه لا يجوز، ولو كان في عدل محكم وحمل العدل، فيه وجهان. فأما مس كتب أخبار النبي ﷺ وحمله يجوز للمحدث، لأنه كلام، وهكذا كتب الفقه والتعاليق إذا كان فيها آيات من القرآن يجوز للمحدث حملها، لأنه لا يقصد بها القرآن. فأما كتب التفاسير، فإن كتب على رسم القرآن بخط جلي، وكتب التفسير تحته بخط رقيق مقرمط، لا يجوز للمحدث مسه، وإن كتبت برسم التصانيف جاز. فأما كتبه القرآن، هل يجوز للمحدث؟

стр. 203

ينظر، فإن وضع المصحف على حجر، فلا يجوز. وإن وضعه على الأرض، فإن مست يده الحواشي والكاغد لا يجوز، وإلا فوجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنه لم يوجد المس باليد. والثاني: لا يجوز؛ لأن القلم متصل بيده، وهكذا إذا وضع المصحف على الرجل، وقلب الأوراق بالخشب، فيه وجهان. فأما الصبيان، فإنهم يمكنون من حمل الألواح مع الحدث، وهل يمكنون من حمل المصاحف مع الحدث، أم يكلفون الطهارة؟ فيه وجهان: أحدهما: تلزمهم الطهارة، كما إذا أرادوا الصلاة. والثاني: لا؛ لعدم التكليف في حقهم. وأما البالغ له أيضا حمل الألواح مع الحدث؛ لأنه لا يقصد به حمل القرآن، بل إنما يكتب عليه القرآن لأجل الحفظ لا للإثبات. وفيه وجه آخر، أنه لا يجوز؛ لأنه إنما جوز في حق الصبي لأجل الضرورة، ولا ضرورة في حق البالغ، فأما الطراز على الثوب، أو ما يكتب على المصلي من آيات القرآن، ونقش الخواتيم، فللمحدث مسه إذا لم يقصد به إثبات القرآن، بل المقصود منه النقش.

стр. 204

فأما التعاويذ يكره للمحدث حمله، وفي الدراهم المكتوب عليها: (قل هو الله أحد)، وجهان. وما يكتب على الحلاوى والأطعمة، فلا بأس بأكله، لو كتب على الجدار شيء، أو نقش على الخشب، فللمحدث مسه، فأما إحراق تلك الخشبة لا يجوز، لأن فيه إهانته. فأما تعليم القرآن للكافر إن توسم فيه آثار الميل إلى الإسلام جاز له ذلك، وإلا فلا يجوز. ولا يجوز حمل المصحف إلى دار الكفر، لما روى أن النبي ﷺ ، نهي عن ذلك، ويجوز أن يكتب رقعة إلى الكفار فيها آية من القرآن. كتب النبي ﷺ إلى هرقل عظيم (الشام) كتابصا؛ فيه: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) الآية، ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام؛ لأن فيه تهاونًا به. هذا كله تفريع على مذهبنا.

стр. 205

وقال أبو حنيفة: يجوز للمحدث مس المصحف، لا موضع المكتوب، وهذا لا يصح لقوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون). قال الشافعي: ولا يمتنع من قراءة القرآن إلا جنبًا. قال القاضي حسين: لا يجوز للجنب أن يقرأ شيئا من القرآن، وإن قل، ولو قرأ عصي الله تعالى ويأثم إذا قصد القرآن، فإذا قصد التبرك لافتتاح الأم بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) جاز. أو ذكر الحمد على جهة الشكر، أو قال عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون). أو عند الخاتمة: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، وإلى آخره جاز. وقال أبو حنيفة في رواية: له أن يقرأ ما دون الآية. وفي رواية: ما دون ثلاث آيات، وفي رواية: ما لم يدخل في حد الإعجاز، وهذا لا يصح. لما روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئا من القرآن). فأما الحائض فلا تقرأ القرآن، وإن قل في ظاهر المذهب، كالجنب. وقال أبو ثور: قال أبو عبد الله: للحائض أن تقرأ القرآن.

стр. 206

منهم من قال: أراد به مالكًا، ومنهم من قال: أراد به الشافعي. ومنهم من قال أراد به أحمد، لأنه يكني هؤلاء بأبي عبد الله، فحصل فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لها قراءة شيء من القرآن كالجنب. والثاني جاز، لأن الحيض ربما يمتد إلى زمان طويل، أو كانت معلمة، فيؤدي إلى انقطاع كسبها لو منعناها عن القراءة، وربما تنسي في هذه المدة بخلاف مدة الجنابة، إلا أن هذا لا يصح، لأنه يمكنها أن تستخلف في التعليم، وتطالع في المصحف، ولا تقرأ كي لا ينقطع كسبها، ولا تنساه. يجوز للمحدث قراءة التوراة والإنجيل، وما نسخ من القرآن من سورة الحمد، وهو قوله: اللهم إنا نستعينك ... إلى آخره. وقوله: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم). ومن قوله: (أنا الرحمن، وهي الرحم شققت الرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته). ومن قوله: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). والدليل على أنه لا يجوز للجنب قراءة القرآن ما روى أن عبد الله بن رواحة اتهمته امرأته بأنه قد ألم بجارية له، فقالت: إن لم تجامعها فاقرأ القرآن، فأخذ يقرأ:

стр. 207

شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا إلى آخر الأبيات، فقالت: صدقت وكذبت عيناي. واتفقوا على أن قراءة القرآن حرام غير جائز للجنب. فرع المستحب للمتوضي ألا يستعين بأحد على وضوئه، لما روى عنه ﵇ أنه قال: أما أنا فلا أستعين بأحد على وضوئي

стр. 208

وكان ﵇، لا يكل أمر وضوئه، ولا يكل صدقته إلى الغير. ولو استعان جاز، لما روي عن المغيرة بن شعبة أنه قال: كنت أسكب له الوضوء. وروى عن أنس مثل ذلك فرع المستحب أن لا ينشف أعضاء الوضوء لما روى عن ميمونة أنها قالت: توضأ النبي ﷺ فأتيته بمنديل لينشف به أعضاء الوضوء فردني، ونفض يديه. ولو نشف جاز، لما روى عن عائشة، ﵂ أنها قالت: كان للنبي ﷺ خرقة ينشف بها أعضاء الوضوء.

стр. 209

فرع إذا كان لرجل قدمان على ساق أو يدان على منكب، قال: كانا أسفل الكعبين والمرفقين لا خلاف أنه يجب غسلهما، كالإصبع الزائدة، وإن كانا فوق الكعبين، أو فوق المرفقين، فلا يجب غسلهما. فرع إذا كان على أعضاء طهارته ما يمنع وصول الماء إلى البشرة، مثل الشمع والشحم الذائب، ودهن السندروس، وعين الجبر وعين الحناء لا يصح وضوؤه، لأنه يمنع وصول الماء إلى البشرة. فأما أن الحناء والمداد وسائر الأدهان لا يمنع صحة الوضوء، لأن هذا الأشياء لا تمنع وصول الماء إلى البشرة، وإنما تمنع ثوبته عليها، والشرط هو المرور، وقد وجد. فأما قرار الماء على البشرة فليس بشرط، والله أعلم بالصواب.

стр. 210

باب الاستطابة قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرهما بغائط ولا ببول، وليستنج بثلاثة أحجار، ونهي عن الروث والرمة. قال الشافعي: وذلك في الصحارى، لأن النبي ﷺ قد جلس على لبنتين مستقبل بيت المقدس، فدل أن البناء مخالف للصحاري. قال القاضي حسين الاستطابة والاستجمار والاستنجاء واحد، لأن الاستطابة طلب الطيب. والاستجمار: طلب الجمار والأحجار. والاستنجاء: إزالة النجاسة، النجو، وهو العذرة. فالكل عبارة عن إزالة النجو عن محل مخصوص، والأصل فيه ما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار.، ونهي عن الروث والرمة.

стр. 211

قوله: إنما أنا لكم مثل الوالد. له تفسيران. أحدهما: أن شفقتي عليكم كشفة الوالد على ولده، وأقيكم من عذاب النار كما يقي الوالد ولده من النار. والثاني: أنه قصد أن يذكر أمرًا يحتشم فبدأه بأن قال: إنما أنا لكم مثل الوالد، يعني: لا تحتشموا مني في تعلم آداب الطهارة وأمورها، كما لا يحتشم الولد من الوالد، ثم قال: (إذ جاء أحدكم الغائط): اسم للمكان المطمئن من الأرض، إلا أنه سمى النجو باسمه، ويعبر به عنه مجازًا، لكثرة خروج الناس إليه عند الحاجات. ثم قال: (ولا يستقبل القبلة): لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها في الصحارى للغائط والبول، ويجوز كلاهما في البنيان. وقال أبو حنيفة: لا يجوز الاستقبال فيهما، وعنه روايتان في الاستدبار:

стр. 212

إحداهما: يجوز فيهما. والثانية: لا يجوز فيهما. والحديث محمول على أن النهي ورد في الصحاري بدليل ما روي عن النبي ﷺ أنه جلس في بيت حفصة على لبنتين مستقبل بيت المقدس يقضي حاجته، ومن كان مستقبلا بيت المقدس بالمدينة كان مستدبر الكعبة، فدل على أن البناء مخالف للصحاري فيه، والبنيان ما كان مستقفا، أو كان محوطا، ويمكن تسقيفه فليس حكمها حكم البنيان إلا إذا كان بين يديه سترة من جدار وغيره، بحيث يستر أسفل بدنه، فإن حكمه حكم البنيان لما روى عن ابن عمر أنه حفزه البول، فأناخ راحلته، فتوجه للقبلة وبال قائمًا. ولأي معنى يكره الاستقبال والاستدبار في الصحارى؟ فيه معنيان: أحدهما: أن الصحارى لا يخلو عن مصلى يصلي فيه من ملك أو جني أو إنسي، فربما وقع على فرجه فيتأذى به، فأما الحشوش في البنيانات، فإنها موضع الشياطين، فيخلو عن المصلين فيه.

стр. 213

والثاني: أن الصحارى المكان فيها واصع، فلا تلحقه المشقة في ترك الاستقبال والاستدبار بخلاف البنيان، فإن المكان فيه ضيق، فربما تلحقه المشقة في ترك استقبال القبلة واستدبارها واتخاذ المستجمر والخلاء بجانب آخر، فلا يكون منهيا في البنيان، ثم قال ﵇، (وليستنج بثلاثة أحجار). العدد شرط في الاستنجاء. وأصل الاستنجاء واجب بدليل هذا الخبر، وإنما يكون الاستنجاء بالأحجار إذا لم يعدو المخرج، على ما سنبين بعده إن شاء الله تعالى. ثم نهي عن الروث والرمة. لا يجوز الاستنجاء بالأشياء من: (الروث والبعر والعذرة والسرجين، وأراد بالرمة العظم). ونبه في خبر آخر على المعنى، وقال: (أما الرمة فإنها زاد إخوانكم من الجن، وأما الروث فعلف دوابهم). قال الشافعي: وإن جاء من الغائط، أو خرج من ذكره، أو من دبره شيء، فليستنج بالماء، وليستطب بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع، ولا عظم.

стр. 214

قال القاضي حسين: الاستنجاء واجب في الجملة، إما بالماء أو بالأحجار، ولا يجب الجمع بينهما، بل يستحب ذلك، ويجوز الاقتصار على كل واحد منهما، إلا أن الأولى أنه إذا أراد الاقتصار على أحدهما أن يقتصر على الماء، لأنه أقوى في الإزالة، حيث يزيل العين، والأثر بخلاف الحجر. وقال أبو حنيفة، إن كان النجاسة، قدر الدرهم أو أقل فهو عفو، وهكذا قال في النجاسة في سائر البدن، وإن زاد على ذلك، فيجب إزالتها بالماء، ولا يجوز الاقتصار على الأحجار. والدليل عليه قوله ﵇: (وليستنج بثلاثة أحجار) أمر، والأمر على الوجوب، وروى أنه قال: (لا يجزيء أحدكم في الاستنجاء أقل من ثلاث مسحات). دل على أن الثلاثة تجزيء. إذا ثبت هذا؛ فالخارج قسمان: ريح، وعين. فأما الريح لا توجب الاستنجاء، لأن الاستنجاء كاسمه شرع لإزالة النجو، فإذا خرجت ريح فلم يوجد النجو حتى يزال. فأما العين فعلى قسمين: رطب، ويابس.

стр. 215

فأما الرطب فعلى قسمين: معتاد مثل البول والغائط، أو نادر مثل القيح، والدم والصديد، وغيره. فإن كان معتادًا؛ لا خلاف في أنه يجوز الاستنجاء فيه بالأحجار كما يجوز بالماء. فأما غير المعتاد، ظاهر ما نص ها هنا أنه يجوز الاستجاء فيه بالأحجار، لأنه قال: شيء، ولم يفصل. وقال في رواية الربيع: لو تخلي دما أو قيحًا، فليس له أن يستنجي بالأحجار. وقال في القديم، لو كان في جوف مقعدته بواسير، بالباء والنون، والصاد والسين، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، فجعل بعض أصحابنا في المسألة قولين: أحدهما: يجوز الاقتصار فيه على الأحجار، كما في المعتاد. والثاني: لا؛ لأنه نادر، والرخصة وردت في المعتاد. ومنهم من قال: قول واحد إنه يجوز. وما قال في القديم أراد به إذا كان على بشرته قروح وبثور، فخرج منها دم فلا يجزئه إلا الماء، لأنها نجاسة خرجت من الظاهر. ومنهم من قال: في النقل تصحيف، لأنه قال: ولو كان في جوف معدته بواسير. فعلى هذا لو انثقبت ثقبة في بدنه، فخرج منه المعتاد، فإن كان تحت المعدة، فلا يخلو إما أن أنسد موضع المعتاد، أو لم ينسد موضع المعتاد، فإن انسد ذلك وخرج المعتاد من هذه الثقبة، لا خلاف أنه تنتقض طهارته. وهل يجوز الاقتصار فيه على الأحجار؟ فيه وجهان بناء على ما لو خرج غير المعتاد من مخرج المعتاد. إن قلنا هناك: يجوز اعتبارًا بالمخرج، فها هنا لا يجوز.
следующие страницы →