← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيه قولان، كما نقول في المقابر المنبوشة، فإنه لو تحقق أنها منبوشة قديمة لا تجوز الصلاة فيها، إلا أن يفرش ثوبًا فيصلي عليه، وإن كانت جديدة، وتتحقق أنها لم تكن منبوشة تجوز الصلاة هناك قولاً واحدًا. فأما إذا كان بعضها منبوشة، ولكن لا يتحقق، يتحمل هذا ويحتمل ذاك، فإن فيها قولين: أحدهما: يجوز له أن يصلي؛ لأن الأصل طهارة المكان، وأنها لم تكن منبوشة. والقول الثاني: أنه لا تصح الصلاة؛ لأن الظاهر أنه لا يكون إلا نجسًا. وهكذا القول في وحل الطريق إذا كان يحتمل هذا ويحتمل ذاك، فهل يكون طاهرًا أم لا؟

стр. 142

فيه قولان. وقال المراوزة، لو قال قائل إذا كان على ثوبك طين الطريق، فلو قال لك: نجس ثوبك، يجب عليه غسله، ولو قال: وحل ثوبك من الطرين، لا يجب غسله. فأما الصلاة في ثياب الصبيان الذين لا يميزون، هل يجوز أم لا؟ فيه قولان: أحدهما لا يصح، لأن الظاهر أن ذلك يكون نجسًا. والثاني: يجوز، لأن الأصل طهارة الثوب، وكذلك الصلاة في ثياب القصابين، والأساكفة الذين يستعملون الهلب، ولا يحترزون عنه. والله أعلم، بالصواب.

стр. 143

باب السواك قال الشافعي: وأحب السواك للصلوات، وعند كل حال تغير فيه الفم، عند الاستيقاظ من النوم، والأزم، وكل ما يغير الفم، لأن رسول الله صلى الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. قال ﵁: السواك والمسواك اسم للخشب الذي يوضع على الأسنان حتى يقلع الوضر. والسواك يكون سنة مستحبة، والفعل يكون من هذا: الاستياك ويقوي في السواك الإتيان بالسنة، والمقصود يحصل من ضمنه، وهو تطهير الفم، كما أن الرجل يقصد بالجماع النسب، قال الله تعالى (وابتغوا ما كتب الله لكم). أراد به: الولد. والمقصود يحصل في ضمنه، وهو اقتضاء الشهوة.

стр. 144

ومضاجعة الرجل مع امرأته سنة. ولهذا أمر الله تعالى في النشوز بالمفارقة فقال تعالى (واهجروهن في المضاجع) الآية. والأصل في السواك ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب. وروى أن النبي ﷺ قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.

стр. 145

وروي أن النبي ﷺ ، قال: طهروا أفواهكم لقراءة القرآن. وروى العباس بن عبد المطلب، أنه دخل على رسول الله ﷺ قوم قلح، فقال لهم النبي ﷺ ، مالي أراكم تدخلون على قلحا؟ استاكوا؟ وروى عن عائشة، ﵂، أن النبي ﷺ ، كان إذا كان قام من الليل يشوص فاه. يعني: يستاك. وروى عنها أيضًا أنها قالت: كان السواك من رسول الله ﷺ بمنزلة القلم من أذن الكاتب، ثم روت ان النبي ﷺ قال: ما يزال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه سيحرم طلاقها، وما يزال يوصيني بالعبد حتى ظننت أنه يضرب له مدة فإن بلغها عتق، وما يزال يوصيني بالسواك حتى حسبت أن تدردر أسناني.

стр. 146

وروي: حتى يدردر أسناني. ويستحب السواك عند القيام إلى الصلاة، وعند كل حال تغير فيه الفم. مثل: الاستيقاظ من النوم، والأزم، وأكل ما يغير ما يغير الفم من الثوم والبصل والكراث، وكذلك لو سكت ساعة طويلة فيستحب له السواك، لأنه إذا انضمت شفتاه، وانطبقت فيتغير الفم بذلك. قال المزني: وأحب السواك للصلوات عند كل حال تغير فيه الفم، وهذا النص يدل على أنه إنما يستحب السواك إذا اجتمع شيئان: الصلاة، وتغير الفم. وليس كذلك، لأنه إذا وجد أحدهما يستحب له السواك، فلو أنه نقل: وعند كل حال، لما وقع الإشكال. قال وكل ما يغير الفم، قال القاضي حسين: وقريء وكلما تغير الفم. والأصح أن يقال: وأكل ما يغير الفم، لأنه نقل أولاً: وعند كل حال تغير

стр. 147

فيه الفم، ثم قال: لأن رسول الله ﷺ قال: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا. ونقل هذا الخبر على وجه الاحتجاج، وهذا الخبر دليل على نفي الوجوب، ونفي الوجوب لا يدل على أنه يكون مستحبًا. قال الشافعي: ولو كان واجبًا لأمرهم به، شق أو لم يشق. وعندنا يكون سنة مستحبة، وليس بواجب وقال أصحاب الظاهر، يكون واجبًا. دليلنا هذا الخبر. والسواك يكون عبادة بدليل ما روى عن النبي ﷺ أنه قال: صلاة بسواك أفضل عند الله من سبعين صلاة بغير سواك.

стр. 148

والسنة أن يستاك عرضًا، ولا يستاك طولا. وروى أن النبي ﷺ قال: استاكوا عرضا ولا تستاكوا طولا. والسنة أن يستاك بخشب وسط، لا يكون حديدًا بحيث إنه يقرح اللثة، ولا يكون لينا بحيث إنه لا يقلع الوضر. قال الشافعي: ويستاك بخشب حريف. معناه: فيها حدة ولسع، حتى يقلع النكهة. كما يقال: خلف ثقيف، وبقل حريف، وخبز نظيف، ولحم مشوي، ما عابه أحد. ولو استاك بخرفة خشنة أو بالأصبع يحصل الاستياك بهذا. والسواك هل هو من سنن الوضوء أم لا؟ فيه وجهان.

стр. 149

وإنما يستحب السواك في جميع الأوقات، إلا أن يكون صائمًا، يكره له السواك بالعشي، ولا يكره له ذلك بالغداة. وقال أبو حنيفة: لا يكره له السواك في زمن ما. واستدل بما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: خير خصال الصائم السواك. وقال مالك: إن كان صوم فرض، فهو كما ذكرنا، وإن كان نفلاً يستحب السواك في جميع الأحوال، حتى لا يتهم بأنه كان صائمًا، ليكون أبعد عن الرياء والسمعة، وإن كان فرضًا فيستحب إظهاره. قال الله تعالى (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم). دليلنا أن نقول: إن هذا أثر العبادة إذا كان بعد العشي. فأما إذا كان قبل الزوال تغير الفم، إنما يكون من امتلاء المعدة، فيستحب إزالته، وأما إذا كان بعد الزوال، فإن ذلك يكون من الخواء، ويكون ذلك أثر العبادة. وأثر العبادة تكره إزالته، كما نقول في دم الشهيد.

стр. 150

والدليل على هذا، ما روى أن النبي ﷺ قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك). ولأن هذا أثر عبادة مستحبة ورد الشرع بها على لسان صاحب الشرع، فكره إزالته، وما روى أن النبي ﷺ قال في شهداء أحد: (زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، وأوداجهم تشخب دمًا اللون لون الدم، والريح ريح المسك). فدل على أنه يكره إزالة دم الشهيد، كذلك الخلوف يكون أثر العبادة، فتكره إزالته. قال ﵁: قد ذكرنا أن المزني، صدر الباب بأن السواك يكون مستحبًا، ثم نقل خبرًا يدل على على نفي الوجوب، وقال: (وعندي أن هذا إنما يعلم ذلك زيادة وتأكيدًا في الاستحبا، إلا أن الشافعي قال بعد هذا: ولو كان واجبًا لأمرهم به شق أو لم يشعق). وهذا دليل على نفي الوجوب - والله أعلم بالصواب.

стр. 151

باب نية الوضوء قال الشافعي: ولا يجزئ طهارة من غسل ولا وضوء ولا تيمم إلا بنية، واحتج على من أجاز الوضوء بغير نية، بقوله ﷺ : (الأعمال بالنيات). ولا يجوز التيمم بغير نية، وهما طهارتان، فكيف يفترقان؟ قال القاضي حسين: الطهارة على نوعين: عينية، وحكمية. فالعينية، ما اختص وجوبها بمحل حلول موجبها، وذلك لا يحتاج إلى النية عند عامة أصحابنا. وقال ابن سريج، وسهل الصعلوكي، إنها تحتاج إلى النية.

стр. 152

والحكمية: ما يتعدى وجوبها عن محل حلول موجبها، مثل الوضوء والاغتسال والتيمم، والكل يحتاج إلى النية، سواء كانت بالمائع أو بالجامد. وقال أبو حنيفة: ما كان بالمائع لا يحتاج إلى النية، وما كان بالجامد يحتاج إلى النية. وقال زفر: الطهارة بالجامد لا تحتاج إلى النية. إذا ثبت هذا، فالكلام في النية يقع في أربعة مواضع: في أصل النية، ومحلها، ووقتها، وكيفيتها. أما أصل النية، فإنه واجب لقوله ﵇: (إنما الأعمال بالنيات) الخبر. وأما محل النية. اعلم أن محل النية الجنان، ولو نوي بالجنان، وتلفظ باللسان فهوا الأكمل، والأولى. ولو نوى بالجنان، ولم يتلفظ باللسان جاز. ولو تلفظ باللسان ولم ينو بالجنان لا يجوز.

стр. 153

لأن الشافعي رحه الله قال في كتاب الزكاة. لو قال عند الأداء: هذا عطاء الفرض جاز. من أصحابنا من قال: إنما جاز هناك أيضاً إذا نوى معه بالقلب. ومن أصحابنا من قال: يجوز هناك بمجرد التلفظ باللسان، والفرق بينهما وبين سائر العبادات، أن في الزكاة أداء الغير ينوب عن أداء من وجب عليه مع قدرته على الأداء. فكذا التلفظ باللسان جاز أن ينوب عن النية بالجنان، بخلاف سائر العبادات فأما وقت النية: اعلم أن للنية وقتين: وقت استحباب، ووقت إيجاب. فوقت الاستحباب: أن ينوي عند غسل اليدين، فلو نوي عند غسل اليدين، واستصحب النية إلى أن غسل جزءا من الوجه، أو عزبت نيته، ثم نوي عند أول غسل جزء من أجزاء الوجه، جاز. ولو عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه لا يجوز. ولو نوي عند المضمضة والاستنشاق، واستصحب النية إلى غسل أول جزء من الوجه جاز. وإن عزبت نيته، ولم ينو عند أول غسل جزء من الوجه اختلف أصحابنا فيه: منهم من قال: يجوز، لأنه نوي عند افتتاح الطهارة، والشروع فيها، فصار كما لو نوي عند تكبيرة الافتتاح للصلاة.

стр. 154

ومنهم من قال: لا يصح؛ لأنه لم ينو عند غسل أول فرض من فرائض الوضوء. ومنهم من قال: ينظر، إن انغسل في المضمضة والاستنشاق شيء من ظاهر الفم والأنف يجوز، وإلا فلا. وأما وجه الوجوب هو أن ينوي عند غسل أول جزء من الوجه، إلا أنه لا يحصل له فضيلة المضمضة والاستنشاق، فلو نوي عند غسل الوجه، واستصحب النية إلى آخر الوضوء، فهو المستحب.

стр. 155

وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضر لما فيه من التعذر والمشقة، فيعفي عنه كما في سائر العبادات، [حيث] تكفي النية إلى آخر جزء. فأما كيفية النية: الطهارة على قسمين: بالجامد مرة، وبالمائع أخرى. فما كان بالجامد كالتيمم، فإنه ينوي فيه استباحة الصلاة، لأن التيمم لا يرفع الحدث، بل يبيح الصلاة، بدليل انتفاضه بدون الحدث. والطهارة بالماء قسمان: طهارة رفاهية، وطهارة ضرورة. فالرفاهية: أن يتطهر الصحيح المقيم، فيتخير بين أن ينوي رفع الحدث واستباحة الصلاة. أو ينوي أداء أوامر الله تعالى وفرائضه. فلو نوي الطهارة فحسب. قال القاضي: عندي أنه لا يجوز، لأن الطهارة هي التنظيف ولو نوي التنظيف لا تصح طهارته، كذا هذا. فأما طهارة الضرورة، كطهارة المستحاضة، ومن به سلس البول، فإنه ينوي استباحة الصلاة عند عامة أصحابنا. وقال (القفال) و (الخضري): إنه يجمع بين نية رفع الحدث،

стр. 156

واستباحة الصلاة، لأن طهارته ترفع الحدث السابق، وتبيح الصلاة مع الحدث اللاحق. قال الشافعي: وإذا توضأ لنافلة أو لقراءة مصحب أو لجنازة أو لسجود قرآن أجزأ، وإن صلى به فريضة. قال القاضي حسين: جملة ما يتوضأ ويغتسل له ثلاثة أقسام: منها: ما تجب الطهارة له أو الغسل، كصلوات الفرض والنفل، وسجود التلاوة، والطواف والخطبة، ومس المصحف للمحدث وغيره. فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور صحت طهارته، ويؤدي بها ما شاء من الصلوات. ومنها: ما لا تجب له الطهارة ولا تسن، كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وزيارة الوالدين، والسلام على الناس. فلو توضأ بنية أحد هذه الأمور لا تصح طهارته. ومنها: ما تسن له الطهارة أو الغسل ولا تجب؛ مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد في حق المحدث، أو العبور فيه في حق الجنب، والغسل للجمعة والأعياد، أو تجديد الطهارة. فلو نوي أحد هذه الأمور في الطهارة، فهل تصح أم لا؟ فيه ثلاثة أوجه:

стр. 157

أحدهما: لا تصح؛ لأنه لا يجب له الوضوء. والثاني: تصح؛ لأنه مما تندب له الطهارة. والثالث: ينظر إن كان تندب له الطهارة لأجل الحدث والجنابة، مثل قراءة القرآن عن ظهر القلب، والمكث في المسجد، والعبور فيه؛ فتنعقد الطهارة بتلك، وإن كان تندب له الطهارة، لا لأجل الحدث، ولكن لأجل زيادة الثواب والدرجة، مثل الاغتسال للجمعة، والاغتسال للعيد، لا تصح الطهارة بتلك النية. فرع لو ترك لمعة من أعضاء طهارته في المرة الأولى، ثم غسلها في المرة الأخرى، ينظر، فإن كان ذاكرا لنية الفرض، جاز، وإن غسلها بنية النفل، هل تقع عن الفرض أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقع؛ لأن النفل لا يقوم مقام الفرض، كما لو ترك سجدة في صلب الجمعة، ثم سجد للسهو أو للتلاوة، فإنها لا تقوم مقام الفرض، كذا ها هنا.

стр. 158

والثاني: تقع عن الفرض. والفرق بينه وبين الصلاة: أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين، وثلاث مرات، ونية الصلاة لا تشتمل على سجدة التلاوة والسهو قطعًا ويقينًا، لأنها تطرأ عليها أحيانا، وأيضًا فإن الغسل عن النفل إنما يقع بعد فراغ المحل عن الفرض. فإذا ترك لمعة، ثم غسلها في المرة الثانية، فذاك المحل لم يفرع عن الفرض، فوقع عن الفرض في تلك المرة، لا عن النفل. فعلى هذا: المحدث إذا توضأ بنية تجديد الطهارة، فظن أنه لم يكن محدثًا ينبني على المسألة الأولى. إن قلنا هناك: لا يحسب عن الفرض، فها هنا أولى. وإن قلنا هناك: يحسب عن الفرض، فها هنا وجهان. والفرق أن نية الطهارة تشتمل على الغسل مرة ومرتين وثلاثًا، يعني: نفلاً وفرضًا. فإذا غسلها في المرة الثانية صار مغسولاً بنية توجد من قبل. وها هنا نية رفع الحدث لا تشتمل على تجديد الوضوء، حتى لو أراد أن يجدد الوضوء بتلك النية لا يجوز، فإذا نوى تجديد الوضوء، فقد نوي ما لا يشتمل عليه نية في الابتداء، فلا يصح. فرغٌ هل تجب النية في غسل الميت أم لا؟ فيه وجهان مستنبطان من كلام الشافعي حيث قال: (لو غسل ثم خرج منه نجاسة أعاد عليه غسله)، وقريء غسله.

стр. 159

فمن قرأ غسله قال: أراد به غسل جميع أعضائه. ومن قرأ غسله اختلفوا فيه: فمنهم من قال: أراد به غسل أعضاء طهارته. ومنهم من قال: أراد به محل النجاسة فحسب. إن قلنا: إن الواجب فيه جميع الأعضاء، أو غسل الأعضاء الأربعة جعل فيه النية، لأنه جعل تعبدًا وطهارة حكمية. وإن قلنا: الواجب فيه غسل محل النجاسة، فلا تجب فيه النية كالطهارة العينية. فعلى هذا: لو مات ميت في الماء، هل يعاد غسله أم لا؟ إن قلنا: تجب فيه النية يعاد، وإلا فلا. وكذلك المجوسي لو غسل مسلمًا، هل يعاد غسله أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على هذا. قال الشافعي: وإن نوي فتوضأ، ثم عزبت نيته، أجزأته نية واحدة، ما لم يحدث نية أن يتبرد، أو يتنظف بالماء فيعيد ما كان غسله لتبرد أو تنظف. قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه إذا عزبت نيته لا يضره. فأما إذا نوى في أثناء الطهارة التبرد والتنظف، فإن كان ذاكرًا لنية الفرض لا يضر، وإن كان ناسيًا لها، ولم يكن رافضًا لها، فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن الشافعي قال: (ما لم يحدث نية أن يتبرد أو يتنظف). والثاني: يجوز؛ لأنه لو جمع بينهما في الابتداء جاز، فكذا ها هنا.

стр. 160

وأول قوله أنه أراد به: إذا رفض نية الفرض، ثم أحدث نية التبرد والتنظف. إن قلنا: يجوز، فلا كلام. وإن قلنا: لا يجوز، فهل يستأنف الوضوء، أو يبني عليه، أم لا؟ فيه وجهان بناء على أصل، وهو أنه إذا فرق النية على أعضاء الطهارة، هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لو فرق النية في الصلاة على أركان الصلاة. والثاني: يجوز. والفرق بينهما: أن الطهارة يجزئ فيها التفريق من حيث الزمان، فكذا من حيث النية بخلاف الصلاة. التفريع: إن قلنا: يجوز تفريق النية على أعضاء الطهارة، فها هنا يبني، وإن قلنا: لا يجوز، فها هنا يستأنف. فأما إذا رفض نية الفرض لا خلاف أنه لا يحسب ما غسل بعده عن الفرض، وإذا جدد نية الفرض، فهل يبني على الأول أو يستأنف؟ يخرج على ما ذكرنا من وجهين.

стр. 161

فرع إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة، فيجب عليه غسله عن النجاسة، حتى يذهب عينها وأثرها، ثم يجب عليه غسله لأجل الطهارة فأما إذا أصاب دم الكلب محلاً، فغسل به مرة أو مرتين، أو ثلاثًا حتى ذهبت عين الدم، فهل تحسب هذه الغسلات عن السبع أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يحتسب له ذلك، كما في الاستنجاء لو حصل الإنقاء بالثلاث لا يجب عليه التكرار بعده، فعلى هذا لو ذهبت عين الدم في الكرة السابعة لا يجب عليه شيء. والثاني: أنه لا يحتسب له عن السبع، بل يجب عليه أن يغسله سبع مرات والتعفير، كما إذا كان على أعضاء طهارته نجاسة يجب عليسه غسل لأجل الخبث ثم لأجل الحدث. وهكذا لو أصاب أعضاء طهارته ولوغ الكلب، يغسله عشر مرات، سبع مرات لأجل الخبث، وثلاثا لأجل الحدث. فأما إذا كان على بدنه عجين أو طين، فغسله حتى زال عنه لا يحسب ذلك الغسل عن الطهارة. وكذا لو سال عن ذلك المحل إلى محل آخر، لأنه صار مستعملا، فلا يحصل به التطهير. فرع لو غسل وجهه ويديه ومسح رأسه، ثم زلت رجلاه، ووقع في الماء

стр. 162

فغسل رجليه، هل يحسب له عن الطهارة، أو يجب عليه غسل الرجلين، ثانيًا. المذهب أنه لا يجب عليه. وفيه وجه آخر: أنه يجب عليه ثانيًا، لأنه لم يقصد غسلهما، فجعل كما لم يوجد منه الغسل والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 163

باب سنة الوضوء . قال الشافعي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده. قال المزني: أشك في ثلاث. قال الشافعي: فإذا قام الرجل إلى الصلاة من نوم، أو كان غير متوضيء، فأحب أن يسمي الله، ثم يغرق من إنائه على يديه، ويغسلهما ثلاثًا، ثم يدخل يده اليمني في الإناء، فيغرف غرفة لفيه وأنفه، ويتمضمض ويستنشق ثلاثًا، ويبلغ خياشيمه الماء إلا أن يكون صائمًا، فيرفق، ثم يغرف الثانية بيديه، فيغسل وجهه ثلاثًا، من منابت شعر رأسه، إلى أصول أذنيه، ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه، فإن كان أمردًا، غسل بشرة وجهه كلها، وإن نبتت لحيته، وعارضاه، أفاض الماء على لحيته وعارضيه، وإن لم يصل الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر أجزأه، إذا كان شعره كثيرًا، ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق، ثم اليسرى مثل ذلك، ويدخل المرفقين في الوضوء في الغسل ثلاثًا ثلاثًا، وإن كان أقطع اليدين، غسل ما بقي منهما إلى المرفقين، وإن كان أقطعهما من المرفقين، فلا فرض عليه فيهما، وأحب (زأن) لو مس موضعه الماء، ثم يمسح رأسه ثلاثًا، وأحب أن يتحرى جميع رأسه وصدغيه، يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما، إلى المكان الذي بدأ منه، ويمسح أذنيه ظاهرهما، وباطنهما بماء جديد، ويدخل إصبعيه في صماخي أذنيه، ثم يغسل رجليه ثلاثًا إلى الكعبين، والكعبان هما الناتئان، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم وعليهما الغسل كالمرفقين،

стр. 164

ويخلل أصابعهما، لأمر رسول الله ﷺ ، لقيط بن صبرة بذلك، وذلك أكمل الوضوء، إن شاء الله تعالى. قال القاضي حسين: أول سنن الوضوء التسمية عندنا، وليست بواجبة، حتى لو تركها لا يأثم. وقال الحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، إنها واجبة، إلا أنه إن تركها ساهيًا تصح الطهارة. قال مالك وأهل الظاهر، إنها واجبة، ولا يجوز تركها عامدًا أو

стр. 165

ساهيًا، واستدلوا بقوله ﵇: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى في وضوئه. قلنا: أراد به نفي الفضيلة والكمال، لا نفي الأصل والجواز، لقوله ﵇: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وأمثاله. أو أراد به إذا لم يكن اسم الله في قلبه، ولم يكن ذاكرًا له بالقلب، مثل أن يتوضأ عابثًا لاهيًا بترك النية. قوله: (ثم يفرغ من الإناء على يديه).

стр. 166

قال القاضي حسين: غسل اليدين قبل إدخالها الإناء ثلاثًا سنة، سواء قام من نوم الليل، أو من نوم النهار، أو كان مستيقظًا وأراد الوضوء. وقال الحسن: إنه واجب، إلا أنه إن غمس يديه في الما، قبل الغسل يصير الماء مهجورًا، ولا يصير مستعملا ولا نجسًا، حتى لو أصاب موضعًا لا يجب غسل ذلك الموضوع عنه. وقال أحمد بن حنبل: إذا قام من نوم الليل وجب عليه غسل اليدين، وإن قام من نوم النهار لا يجب، لأن الحديث ورد في القيام من نوم الليل حيث قال ﵇: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده منه) فالبيتوتة تستعمل في نوم الليل. فأما نوم النهار يقال له: القيلولة. قلنا: الحديث محمول على الاستحباب، بدليل أنه قال: لا يدري، علقه بأمر موهوم، ولو كان واجبًا لما علقه بأمر موهوم، وإنما قال ذلك، لأن العرب هم المخاطبون به، وهم يستنجون بالأحجار، لقلة الماء، ثم ينامون في ثياب مهنهم ويعرقون، فربا يصيب أيديهم ذلك الموضع، وهم لا يشعرون بذلك، فأمر بغسل الدين على طريق الاستحباب. قوله: (ثم يدخل يده اليمني في الإناء، فيغرف غرفة لفمه وأنفه، ويتمضمض، ويستنشق ثلاثًا).

стр. 167

قال القاضي حسين: هذا ما نقله (المزني)، لم يرد به أن يتمضمض، ثم يستنشق، ثم يتمضمض، ثم يشتنشق هكذا ست مرات. وإنما أراد به أن يتمضمض ثلاثًا، ثم يستنشق ثلاثًا، لأن الأصل في الطهارة، ألا ينتقل إلى عضو إلا بعد أن يفرغ من العضو الأول. وقال في رواية (البويطي): إنه يغرف غرفة لفيه، ويتمضمض بها ثلاثًا، ويغرف غرفة لأنفه، ويستنشق بها ثلاثًا، فحصل منه قولان. ومن أصحابنا من قال: الأولى أن يتمضمض بثلاث غرفات، ويستنشق بثلاث غرفات. قوله: (ويبلغ خياشيمه الماء). قال القاضي حسين: المبالغة سنة في المضمضة والاستنشاق، وهو أن يدخل الماء في فيه، ويمر أصبعه على لسانه ولثته وأسنانه، ويبلغ الماء أقصى الحنك، ويحركه. وفي الاستنشاق أن يأخذ الماء بالنفس، ويبلغ الماء أقصى الخياشيم، ثم يستنثر كالمتخط، هذا كله إذا لم يكن صائمًا، فأما إذا كان صائمًا فلا يبالغ. لما روى عنه ﵇، أنه قال: إلا أن تكون صائمًا فترفق.

стр. 168

قوله: (ثم يغرف الماء بيده، فيغسل وجهه ثلاثًا من مثلث شعر رأسه إلى أصول أذنيه، ومنتهي اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه). قال القاضي حسين: قال أصحابنا: أخل (المزني) في النقل حيث قال: (ومنتهى اللحية)، وهذا إنما يكون تحت الذقن، وربما يمتد إلى الحلق، ولا يجب غسل ما تحت الذقن. بل الصحيح ما قاله الشافعي في موضع آخر: (ومنتهي اللحيين). فعلى هذا: حد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس إلى أطراف الذقن، وعرضاً من شحمة الأذن إلى شحمة الأذن، فإن كان أمردًا غسل جميع المحدود، وان نبت لحيته وعارضاه، فإنه يجب عليه إيصال الماء إلى تحت الحاجبين والأهداب، والعذارين والشارب، خفيفة كانت أو كثيفة. (والحاجبان): الشعر النابت على طرفه الجبهة. (والأهداب): الشعور النابتة حوالي العينين. (والعذاران): الشعور النابتة على الوجه بعد الأذنين. (والشارب): الشعور النابتة على الشفة العليا. ولأي معنى وجب إيصال الماء إلى تحت هذه الشعور؟ فيه معنيان: أحدهما: أن الغالب فيه الخفة، والكثافة فيه نادر.

стр. 169

والثاني: لإحاطة المغسول بها، فعلى هذا هل يجب إيصال الماء إلى ما تحت العنفقة، وهي الشعور النابتة على الشفة السفلى؟ فإن كان خفيفًا، وكان حواليه مكشوفًا يجب. وإن كان كثيفا متصلا باللحية، فيه وجهان ينبنيان على المعنيين. إن قلنا: المعنى فيه الخفة، فها هنا يجب، لأن الغالب فيه الخفة. وإن قلنا بالمعنى الثاني فها هنا لا يجب. فأما العارضان: وهي الشعور النابتة على منبت الأسنان العليا؛ الصحيح أنه من اللحية. فأما اللحية، فإن كانت خفيفة: يجب إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة يجب إيصال الماء إلى ظاهرها دون باطنها. واختلف أصحابنا في حد الكثافة والخفة: منهم من قال: يرجع فيه إلى العرف والعادة، فكل ما يعد خفيفا في العرف، فهو خفيف، وكل ما يعد كثيفا فهو كثيف. ومنهم من قال: الخفيف ما يتراءى للناظر منه بشرة الوجه، والكثيف ما لا يتراءى له ذلك منه: والصدغ في الرأس، ولا يجب غسله مع الوجه، ويجوز المسح عليه. مسألة قال الشافعي في الكبير: وليس ما جاوز من شعر الأغم النزعتين من الرأس، وللأصلع مقدم الرأس صلعته من الوجه.

стр. 170

(الأغم): من تنبت الشعور على جبهته ورأسه، ينظر فيه. إن كان متصلاً بالحاجبين، يجب غسله مع الوجه، ما كان منه في حد الإستواء، وما كان في حد الاعتلاء، والانعطاف فهو من الرأس، وإن بقي بينه وبين الحاجبين فرجة ولم يكن متصلا بها، لا خلاف في أنه يجب غسل تلك الفرجة من البياض. والصحيح أنه يجب غسل الشعور، ما كان منه في حد الاستواء. وفيه وجه آخر: أنه لا يجب مأخوذا من قوله: حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس. (والأصلع): من لا ينبت على مقدم رأسه شعر، فحكمه ما ذكرنا: أن كل ما كان منه في حد الاستواء يجب غسله مع الوجه، وما كان منه في حد الانعطاف فهو في حكم الرأس. قوله: ثم يغسل ذراعه اليمني إلى المرفق. قال القاضي حسين: غسل اليدين مع المرفقين واجب. وقال (زفر): لا يجب غسل المرفق، واحتج بقوله تعالى: (إلى المرافق). والحد لا يدخل في المحدود. قلنا: أراد بها مع المرافق، وقد يذكر (إلى)، والمراد بها (مع) كقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم).

стр. 171

أي: مع أموالكم. وكما قيل: (الذود إلى الذود إبل). أي: الذود مع الذود، كذا ها هنا. وهكذا لو كان على ذراعيه شعور كثيفة يجب إيصال الماء إلى البشرة؛ لأنه يكون نادرًا، وكذا إذا نبتت للمرأة لحية يجب عليها إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة، لأنها تندر في النساء، ولهذا يستحب لها حلق اللحية، ونتفها دون الرجال؛ لأنها مثلة في حق النساء.

стр. 172

وهذا إذا كان سليم اليدين. فأما إذا كان مقطوع اليدين، فإن كان أقطع اليدين من الذراع غسل الباقي مع المرفق، وإن كان أقطعها من فوق الذراع سقط عنه الفرض، إلا أن المستحب له أن يمر يده المبتلة على العضو تشبيها بالغاسلين، كما قلنا في المحرم، إذا كان أقرع لا يجب عليه الحلق، ويستحب له أن يمر الموسى على رأسه تشبيها بالحالقين. وإن كان أقطعهما من المرفقين: نقل (المزني) أنه لا فرض عليه فيهما. ونقل (الربيع): وإن كان أقطعهما مع المرفقين لا فرض عليه فيهما. من أصحابنا من قال: الصحيح هذا، و (المزني) أخل بالنقل. ومنهم من قال: ما أخل بالنقل، لكن أراد به مع المرفقين. ومنهم من قال: ما أخل بالنقل، ولا نقول قوله. فحصل فيه قولان: أحدهما: يجب غسله. والثاني: لا يجب.

стр. 173

ومن أصحابنا من قال: القولان ينبنيان على أن المرفق، هل يجب غسله تبعًا للذراع إذا كان صحيحًا أو متبوعًا؟ وفيه قولان: إن قلنا: يجب تبعًا له، فها هنا لا يجب غسله، لأنه إذا سقط الفرض عن المتبوع سقط عن التبع. وإن قلنا: متبوعًا يجب غسله. ومنهم من قال: القولان ينبنيان على أن المرافق ماذا؟ وفيه قولان: أحدهما: أنه اسم لطرف عظم الذراع، وطرف عظم العضد، فعلى هذا يجب غسله. والثاني: أنه اسم لظرف عظم العضد متصلاً بعظم الساعد، فعلى هذا لا يجب غسله. مسألة لو تقشط جلدة من ذراعه فلا يخلو: إما أن تبقى متدلية؛ أو صارت ملتصقة. فإن بقيت متدلية واندملت وجب غسل كلا وجهيها، وما حواليها على الموضع الذي تقشطت منه. فأما إذا التصقت بآخر فلا يخلو: إما أن التصقت بالذراع؛ أو بالساعد. إن التصقت بالذراع، ولم يبق بينهما فرج وجب غسله ظاهرًا؛ إذ لا يمكن غسل باطنها.

стр. 174

وإن بقي بينهما فرجة وجب غسل ما تحته من الذراع، وغسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا. وإن التصقت بالعضد، ولم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وما زاد عليه لا يجب غسله، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما تحته من الذراع، ويجب غسل الجلدة ظاهرًا وباطنًا إلى محل الفرض، وما وراء ذلك يجب غسل الجلدة باطنًا، لأنه كان من ظاهر الذراع. فأما إذا تقشطت جلدة عضده، فإن بقيت متدلية، أو التصقت بلحم العضد فلا يجب غسله، وإن التصقت بلحم الذراع، فإن لم يكن بينهما فرجة وجب غسل ما كان في محل الفرض، وإن كان بينهما فرجة يجب غسل ما كان من الذراع، ولا يجب غسل الجلدة، لا ظاهرًا ولا باطنًا إلا الطرف الذي التصق بالذراع، فإنه يجب غسله بدل ما تحته من البشرة. ثم يمس برأسه ثلاثًا، والكلام فيه في فصلين: أحدهما: في بيان أقل ما يجزئ. والثاني: في بيان الأكمل والمستحب. وأما أقل ما يجزيء عندنا ما ينطلق عليه اس المسح، ولو كان قدر رأس

стр. 175

إبرة، كما قال الشافعي في أرش الموضحة، فإنه يجب إذا أوضحه، قدر رأس إبرة، كذا هذا. ومن أصحابنا من قال: أقل ما يجزيء مسح شعرات، كما في المحرم إذا أراد التحلل، فلا يحصل له ذلك إلا بحلق ثلاث شعرات.

стр. 176

والصحيح هو الأول، لأنه قال: (وامسحوا برؤوسكم) (والباء) للتبعيض، ولا تقتضي التقدير، بخلاف ما في الحج، لأن هناك قال: (ولا تحلقوا رءوسكم). يعني: شعور رءوسكم. وأقل الجمع الصحيح ثلاث. ولا فرق بين أن يمسح بيده، أو يأخذ خرقة مبتلة، أو خشبة مبتلة، ويمسح بهما رأسه، وكذا لا فرق بين أن سمح ظاهر الشعر، أو يترك ذاك، ويمسح البشرة. بخلاف ما قلنا في الوجه: أنه لو ترك ظاهر الشعور وغسل البشرة إنه لا يجوز. والفرق بينهما: أن الوجه اسم لما يواجه الإنسان به غيره، وذاك يقع على ظاهر الشعور، والرأس: اسم لما ترأس واعتلى. وهذا وقع على الكل، فإذا مسح على الشعر، فلا يخلو إما إن طال شعره، واسترسل عن حد الرأس، أم لا يسترسل، فإن نزل عن حد الرأس مثل الذوائب، وغيرها، فلو مسح على رأسه لا يجوز، ولو مسح على أصول الشعر، جاز، ولو مسح على ما هو منه في حد الرأس، لكنه زائل عن المنبت فوجهان:

стр. 177

أحدهما: يجوز؛ لأنه في حد الرأس .. والثاني: لا؛ لأنه زائل عن المنبت، فصار كالنازل عن حد الرأس. فأما إذا طال شعره، وكان مستويًا، ولم يزل عن المنبت، فمسح عليه جاز، ولو زال عن المنبت، ولم ينزل عن حد الرأس، فوجهان: فأما إذا كان شعره جمة، مثل شعر الزنج، وكان بحيث لو مد يمتد، فلو مده ومسح على رأسه لا يجوز. ولو لم يرده ومسح عليه، فيه وجهان: الصحيح: أنه لا يجوز كالذؤابة. وفيه وجه آخر: أنه يجوز. فرع لو غسل رأسه بدل المسح. المذهب: أنه يجوز، ومن أصحابنا من قال: إنه لا يجوز، لأنه فرضه المسح، فلا يسقط بالغسل، كما لو مسح الأعضاء المغسولة لا يسقط الفرض عنه.

стр. 178

والفرق بينهما: أن الغسل يتضمن المسح، وزيادة. فقلنا: بأنه يقوم مقام المسح بخلاف المسح، فإنه لا يتضمن الغسل. فقلنا: بأنه يبقى الفرض عليه. فأما إذا وضع يده المبتلة على الرأس، فلم يمرها، عليه. المذهب: أنه يجوز. وقال (القفال): إنه لا يحصل المسح ما لم يمر يده عليه، وكذا لو قطر الماء على رأسه، إن سال حصل المسح، وإن لم يسل الماء: عامة أصحابنا على أنه حصل المسح به. وقال (القفال): إنه لا يحصل، ويشترط فعل المسح أو معناه. وكذا المرأة لو وضعت يدها المبتلة على الوقاية، ووصل البلل إلى شعرها، إن مرت يدها عليه، وكانت خفيفة أو كثيفة، ووصل الماء إلى الشعور حصل المسح، وإن لم تمرر اليد عليه، ولكن صارت الشعور مبتلة عند عامة أصحابنا هكذا. وقال (القفال): لا يحصل بها المسح.

стр. 179

فرع لو مسح برأسه، ثم حلق الشعور، أو غسل يديه، ثم قلم الأظافير، أو قطعت يداه، أو كشطت جلدة يديه، ولم يكن عليه نجاسة لم تجب عليه الإعادة، بخلاف ما لو نزع الخف حيث يجب عليه غسل الرجلين، أو الوضوء، لأن ذاك بدل عن الرجلين. فإذا نزع الخف بعد طهر المبدل، والأصل، فسقط حكم البدل، بخلاف ما نحن فيه. فأما إذا كان بعض رأسه محلوقًا دون البعض، فهو بالخيار بين أن يمسح على الشعور، أو على موضع الحلق أيضًا، كما ذكرنا من قبل، هذا كله كلام في الوجوب عندنا. وقال مالك: مسح جميع الرأس واجب، وقاسه على مسح الوجه واليدين في التيمم. ونحن نقول: إنه مسح بالماء، فلا يلزمه استيعاب بالمسح، دليله المسح الخفين. وقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب، والدليل عليه الآية و (الباء) للتبعيض؛ ولأن المقادير لا تؤخذ قياسًا، ولا اجتهادًا. وقال أحمد: لو مسح على المشاوذ جاز. لما روى أنه ﵇ جهز جيشًا، فأمرهم بالمسح على المشاوذ، والتساخين وهي الخفاف.

стр. 180

قلنا: نحمله على ما إذا مسح تحتها، ولا يرفعه من الرأس، بدليل الآية والله أعلم بالصواب. فأما الكلام في الاستحباب، فمسح جميع الرأس سنة، وكيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه، ويمرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه. ويعده مرة واحدة، ويفعل ذلك مرتين أخريين؛ لأنه إذا أمرهما إلى آخر الرأس، فقد ابتل به باطن شعور مقدم الرأس، وظاهر شغور مؤخر الرأس، فيحتاج إلى أن يعيد اليدين إلى الموضع الذي بدأ منه، حتى يبتل باطن شعور مؤخر الرأس، وظاهر شعور مقدمه ويحصل مسح الرأس، بخلاف ما قلنا في المشي بين الصفا والمروة: إنه لا يشترط فيه الذهاب والرجوع؛ لأن المقصود منه المشي بينهما، وقد حصل بالذهاب المشي، وعندنا التكرار فيه شرط كل مرة بماء جديد. وقال أبو حنيفة: التكرار فيه ليس بشرط، ثم قال في رواية: يمسح مرة واحدة، وقال في رواية: يمسح ثلاث مرات بماء واحد. دليلنا: أن نقيس هذا على سائر الأعضاء. قوله: (ثم يمسح أذنيه). قال القاضي حسين: مسح الأذنين سنة مستحبة عندنا، يمسحها ثلاثًا، ظاهرهما وباطنهما بماء جديد.
следующие страницы →