Полный текст (1 014 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وإن كان عالمًا به يصح أيضًا على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه آخر: أنه يصح، وسواء أخطأ من النوع إلى النوع، أو من الجنس إلى الجنس، لأن نية ذلك غير متعينة عليه.
وقال مالك: ﵀: لا يجوز، سواء أخطأ من الجنس إلى الجنس، أو من النوع إلى النوع، وبه قال البويطي، والربيع بن سليمان المرادي.
وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إن أخطأ من النوع إلى النوع جاز، وإن أخطأ من الجنس إلى الجنس لا يجوز.
واحتج المزني على مخالف الشافعي بفصلين:
أحدهما: يخص ربيعة، والثاني يعم الجميع.
أما ما يلزم ربيعة وحده.
قال: لو كان الخطأ من الجنس إلى الجنس يمنع الإجزاء، لكان الخطأ من النوع إلى النوع في معناه والذي يلزم الكل.
قال: الطهارة لها طرفان:
طرف يتطهر له وهو الصلاة، وما في معناها، وطرف يتطهر عنه، وهو الأحداث.
ثم لو عين صلاة استباحها، وسماها في الوضوء، فلا يتعين ما نواها،
стр. 317
فكذلك إذا عين حدثًا بالرفع وجب أن ترفع جميع الأحداث، ولا يضره التعين.
قوله: (وإذا وجد الجنب الماء بعد التيمم اغتسل، وإذا وجد الذي ليس بجنب توضأ).
قال القاضي حسين: أراد به: أن التيمم لا يرفع الجنابة والحدث، بل يبيح الصلاة، ثم إذا وجد الماء يعود إلى ما كان عليه، فإن كان جنبًا اغتسل، وإن كان محدثًا توضأ، وما مضى لا إعادة عليه.
قال المزني: وإذا وجد الجنب الماء بعد التيمم، اغتسل، وإذا وجده الذي ليس بجنب، توضأ، وإذا تيمم ففرغ من تيممه بعد طلب الماء، ثم رأي الماء، فعليه أن يعودإلى الماء، وإن دخل في الصلاة، ثم رأي الماء بعد دخوله، بني على صلاته وأجزأته الصلاة.
قال المزني: وجود الماء عندي ينقض طهر التيمم في الصلاة وغيرها سواء، كما أن ما ينقض الطهر في الصلاة وغيرها سواء، ولو كان الذي منع نقض طهره الصلاة، لما ضره الحدث في الصلاة، وقد أجمعوا والشافعي [منهم] أن رجلين، لو توضأ أحدهما، وتيمم الآخر في سفر، لعدم الماء، أنهما طاهران، وأنهما قد أديا فرض الطهر، فإن أحدث المتوضي ووجد المتيمم الماء: أنهما في نقض الطهر قبل الصلاة سواء، فلم لا كانا في نقض الطهر بعد الدخول فيها سواء؟ وما الفرق، وقد قال فيه جماعة العلماء: إن عدة من لم تحض الشهور، فإن اعتدت بها إلا يومًا، ثم حاضت: أن الشهور تنتقض [بوجود] الحيض في بعض الطهر، فكذلك التيمم ينتقض، وإن كان في الصلاة وجود الماء، كما ينتقض طهر المتوضي، وإن كان في الصلاة إذا كان الحدث، وهذا عندي بقوله أولى.
قال القاضي حسين: المتيمم إذا رأي الماء، فإن كان قبل الشروع في الصلاة يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء عند عامة العلماء.
стр. 318
إلا ما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال له: أن يصلي بذلك التيمم.
فإما إذا وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لم تلزمه إعادة الصلاة عند عامة العلماء.
وقال طاوس اليماني: إن كان الوقت باقيًا تلزمه إعادة الصلاة بالتوضؤ بالماء.
فأما إذا وجد الماء في خلال الصلاة، نص ها هنا على أنه يبني على صلاته، ونص في المستحاضة على أنه إذا انقطع دمها في خلال الصلاة لا يبني عليه من أصحابنا من قال: فيه قولان، نقلا وتخرجا، وهو ابن سريج.
ومن أصحابنا من فرق بينهما بأن المستحاضة يتجدد لها الحدث، فأي حدث لم تتطهر له؟ فقلنا بأنها تعيد الطهارة، بخلاف المتيمم، فإنه لم يتجدد له حدث لم يتطهر له، فقلنا بأنه يمضي على صلاته.
وحكي أبو بكر الفارسي في عيون المسائل في المستحاضة قولين:
قال أصحابنا: النص ما ذكرنا عن الشافعي، وهو إنما أخرج القول الآخر من كيس نفسه إن قلنا في المستحاضة: لا تبني على صلاتها، فإذا اغتسلت وعادت، فهل تبني على الصلاة، أم تستأنف الصلاة؟
حكمها حكم من سبقه الحدث، وهو في الصلاة.
في الجديد: يستأنف.
стр. 319
وفي القديم: لا يستأنف.
وإذا قلنا: المتيمم يبني على صلاته، فهل يستحب له الخروج من الصلاة، وأداء تلك الصلاة بالوضوء؟ ذكر أصحابنا فيه وجهين.
قال القاضي ﵁: عندي يكره له إبطال العبادة، والخروج عنها وجهًا واحدًا.
ولكن الوجهان في أنه، هل يستحب له أن يقلب الصلاة نفلاً، ويسلم عن ركعتين أم لا؟
فيه وجهان مستنبطان من مسألة، وهي أن رجلا لو افتتح الصلاة منفردًا، ثم تقدم الامام للجماعة.
قال في الجديد: يستحب له أن يقلب الفرض نفلا، ويسلم عن ركعتين، ويقتدي بالإمام في الصلاة الفرض، كذا ها هنا يستحب له ذلك.
وفيه وجه آخر: أنه يستحب ها هنا.
والفرق بين هذا، وبين تلك المسألة: أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الواحد وأنها أكثر ثوابًا منها.
فقلنا: يستحب له الخروج عنه بنية النفل، والاقتداء بالإمام ليحوز فضيلة الجماعة، وها هنا الصلاة بالتيمم، كالصلاة بالوضوء في الفضيلة، فقلنا بأنه لا يستحب له الخروج عنه.
وفرق آخر: وهو أن هناك لو صلى منفردًا، ثم أدرك الجماعة يستحب له إعادة تلك الصلاة بالجماعة، وها هنا لو صلى بالتيمم، ثم قدر على الماء لا يستحب له إعادة تلك الصلاة بالطهارة بالماء.
وقال أبو حنيفة: المتيمم إذا راي الماء في خلال الصلاة تبطل صلاته، وهو اختيار المزني، واستدل بأن قال: رؤية الماء في الصلاة لو لم تبطل التيمم، لوجب ألا تبطله خارج الصلاة، وكذا في الصلاة مثله كالحدث، وقال: لو أن
стр. 320
رجلين توضأ أحدهما، وتيمم الآخر في سفر لعدم الماء أنهما طاهران، فإن أحدث المتوضيء، ووجد المتيمم أنهما في نقض الطهر قبل الصلاة سواء.
فلم لا كانا في نقض الطهر بعد الدخول فيها سواء، وما الفرق؟
واستدل بالمعتدة بالأشهر، إذا حاضت قبل انقضاء الأشهر، أن الشهور تنتقض لوجود الحيض، كذا هذا مثله.
قلنا: مجرد رؤية الماء لا يبطل التيمم خارج الصلاة، وإنما القدرة على استعماله تبطله.
ألا ترى أنه لو كان يحتاج إلى ذلك الماء ليشربه، أو لدابته لا يلزمه استعماله، ويجعل عاجزًا عنه شرعًا، كالعاجز طبعًا، كذلك ها هنا.
وأما مسألة العدة حجة عليكم، لكن هناك ما مضى لا يحكم ببطلانه، بل يحتسب ذلك عندنا قرءا واحدًا، كذا ها هنا، وجب ألا تبطل، ثم ليس وزان مسألتنا منه أن لو شرع في النكاح بعد انقضاء الأشهر، ثم رأت الدم، لأن المقصود من العدة النكاح، فلا جرم لا يلزمها شيء، وزانه في مسألتنا أن لو شرع في التيمم الذي هو بدل عن الوضوء، ثم رأي الماء لا جرم يبطل تيممه، ولا فرق عندنا بين المتنفل، والمفترض، إلا أن الشافعي قال: المتنفل إذا رأي الماء في خلال الصلاة، أحب أن يسلم من ركعتين.
قال أصحابنا: صورة المسألة إذا كان قد أطلق النية أو قيدها بأربع ركعات.
فأما إذا نوى ركعتين، لا يجوز له الزيادة عليها.
قال الشيخ القفال: وإن قيد بركعتين يجوز له الزيادةن لأن رؤية الماء لا تبطل صلاته، ويجعل كما لو لم ير الماء.
стр. 321
فرع
إذا فرغ من الصلاة التي رأي فيها الماء، هل يجوز له أن يتنفل بذلك التيمم؟ فإن كان موجودًا معه، أو تلف بعد خروجه عن الصلاة، أو في الصلاة، ولم يكن عالمًا به، لا يجوز له ذلك، وإن تلف في الصلاة، وكان عالمًا به يجوز له النافلة بذلك التيمم.
وكذا لو رأي سرابًا ظنه ماء، أو رأي خضرة أو طيورًا يقعن ويجتمعن على موضع، أو رأي ركبانًا أو رجلا لابسًا لشيء يبطل تيممه، لتوهم وجود الماء، ولو رأي رجلا عريانًا لا يبطل تيممه.
فأما إذا سمع أحدًا يقول: معي ماء يبطل تيممه، ولو سمع أحدًا يقول: أو دعني فلان ماء، لا يبطل تيممه.
ولو قال: عندي ماء، أو دعنيه فلان.
قال أصحابنا: يبطل تيممه.
قال القاضي: عندي هذا بناء على أنه لو قال لفلان: على ألف درهم من ثمن خمر أو خنزير، هل يلزمه الألف، أو هل يقطع آخر كلامه عن أوله، وفيه قولان:
إن قلنا هناك: تلزمه الألف ها هنا يبطل أيضًا تيممه، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ولا يجمع بالتيمم صلاتي فرض، بل يجدد لكل فريضة طلبًا للماء وتيمما بعد الطلب الأول، لقوله جل وعز (إذا قمتم إلى الصلاة)، وقول ابن عباس: لا تصلي المكتوبة إلا بتيمم، قال: ويصلي بعد الفريضة النوافل، وعلى الجنائز، ويقرأ في المصحف، ويسجد سجود القرآن.
قال القاضي حسين: وهم أبو إسحاق المروزي من هذا، حيث قال: إنه لا يجوز للمتيمم الجمع بين الصلاتين، لأنه يحتاج إلى طلب الماء لكل صلاة،
стр. 322
فربما طال الفصل بينهما، فينقطع نظم الجمع، ولأنه إذا قدم العصر إلى الظهر، فيؤدي إلى التيمم قبل دخول وقت الفريضة، وهذا لا يجوز.
قلنا: هذا لا يصح، لأن الطلب للماء في الصلاة الثانية أخف من طلبه في المرة الأولى، لأنه يكفيه أن يلتفت يمينا وشمالا، ويمشي عشر خطوات، وفي هذا لا يطول الفصل، لأنه من مصلحة الصلاة، فصار كالإمامة.
واما الثاني يقول: إذا قدم العصر إلى الظهر، فوقت الظهر صار وقتا لها ها هنا، فالتيمم إنما يكون بعد دخول وقت الفريضة، إذا تم ما عذرك، فيما لو أخر الظهر إلى وقت العصر، فإنه لا يؤدي إلى ذلك، ومع هذا عندك لا يجوز.
دل أن كلام الشافعي، ﵁ محمول على أنه لا يجوز الجمع بين الفريضتين بتيمم واحد، أراد به ردًا على أبي حنيفة، حيث قال: له أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل، كالوضوء سواء، ولا يبطل التيمم بخروج الوقت، ودخوله.
وقال في طهر المستحاضة: إنه يبطل بخروج الوقت، ولا يبطل بدخوله حتى
стр. 323
لو تطهرت قبل الزوال، ثم دخل وقت الظهر لا تبطل طهارتها، ولو تطهرت بعد الزوال، ثم خرج وقت الظهر تبطل طهارتها، فنقيس عليه، فنقول طهارة ضرورية، فلا يجمع بين صلاتي فرض.
دليله طهر المستحاضة، فأما إذا تيمم لصلاة فريضة، وأدى بها الفريضة، هل يجوز له أن يصلي به صلاة الجنازة.
نص ها هنا على أنه يجوز، ونص في موضع آخر: لا يجوز صلاة الجنازة راكبًا.
وقضية أحد النصين تخالف قضية الآخر من أصحابنا من جعل فيه قولين نقلا وتخريجًا:
أحدهما: يجوز راكبًا، وبالتيمم الذي أدى به الفرض مرة.
ومن أصحابنا من قال:
المسألة على حالين، حيث قال: لا يجوز راكبًا، أراد به إذا كان متعينًا لتلك الصلاة، ولم يكن هناك غيره، وحيث قال: يجوز ما أدى الفريضة بتيمم واحد، أراد به إذا كان معه جماعة لا يتعين عليه.
ومن أصحابنا من فرق بين النصين، بأن هناك إنما لا يجوز راكبًا لأنه يؤدي إلى الإخلال بما هو الركن فيها، وهو القيام، وهذا غير موجود ها هنا.
فأما إذا تيمم لفريضة، لا خلاف أنه يجوز أن يؤدي به صلاة الجنازة، فأما إذا أدي به صلاة الجنازة، فهل يؤدي به الصلاة الفريضة أم لا؟
ينبني على ما قبله.
إن قلنا: يجوز أداء صلاة الجنازة بعد ما أدي الفرض بيمم واحد، فها هنا يجوز، وإلا فلا.
فأما إذا تيمم لصلاة الجنازة، وأدي به صلاة الجنازة، فهل يجوز له أن يؤدي
стр. 324
به صلاة الفرض؟ فعلى ما ذكرنا وإن لم يؤد به صلاة الجنازة، فهل يجوز أن يؤدي به الفريضة؟
فعلى ما ذكرنا أيضًا، إن جعلناها كفرائض الأعيان، وإلا فعلى الجديد تجوز، وعلى القول القديم لا يجوز كما في النفل.
فأما إذا تيمم لفريضة، وأدي به الفريضة، هل يجوز له أن يؤدي به المنذورة؟
هذا ينبني على أن النذر، هل يحمل على أقل إيجاب الله تعالى أو على أقل ما يتقرب إليه من جنسه شرعًا؟
وفيه قولان:
إن قلنا: يحمل على أقل إيجاب الله تعالى فها هنا لا يجوز، وإن قلنا بالقول الثاني: فجاز.
وإن لم يرد به الفريضة، لا خلاف أنه يجوز به المنذور في ظاهر المذهب.
فأما إذا تيمم لصلاة المنذورة، ثم صلى المنذورة أو لم يصل، هل يجوز أن يصلي بذلك التيمم صلاة الفرض أم لا؟
فيه جوابان بناء على ما ذكرنا من الأصل، وفيه قولان.
فأما إذا تيمم لصلاة الفرض.
стр. 325
وإن أدى به الفرض لا يجوز أن يطوف به طواف الفرض، وكذا إن تيمم لطواف الفرض يجوز أن يؤدي به صلاة الفرض.
وإذا صلى لا يجوز له الطواف بذلك التيمم، فأما إذا طاف أولا لا يجوز أن يصلي به الفرض.
وهل يجوز أن يصلي به ركعتين الطواف أم لا؟
فيه قولان بناء على أن ركعتي الطواف، هل هما نفل أو فرض؟
إن قلنا: نفل جاز، وإن قلنا: فرض لا يجوز على الصحيح من المذهب.
وفيه وجه آخر: إنه يجوز، لأنه تبع للطواف، بخلاف سائر الفرائض.
قال المزني: وإن تيمم بزرنيخ، أو نورة، او ذراوة ونحوه، لم يجزه.
قال القاضي حسين: والذراوة، دقاق القصب، وعندنا لا يجوز التيمم بهذه الأشياء.
وقال أبو حنيفة: النورة والزرنيخ، إن كانا مطبوخين لا يجوز، وإلا فجاز. وحكى أن أنسًا أتهم بسرقة الذريرة والشحم، فقال: إن كان صادقًا، فيغفر الله لي، وإن كان كاذبًا، فيغفر الله له.
وأراد به: أنه لما غسل النبي ﷺ بقي شيء [من] الذريرة من الحنوط، فأخذه أنس تبركًا به.
وقيل: إنه اشترى لحمًا من القصاب، فوضعه على الوضم، فالتصق به قليل من شحم، ولا يعلم ذلك فاتهم بهما لأجله.
стр. 326
فرع
قال ابن الحداد: لو نسي صلاة من صلوات اليوم والليلة، يلزمه أن يصلي خمس صلوات بتيمم واحد، لأن الفرض عليه واحد لا بعينها.
وقال صاحب التلخيص: يصلي خمس صلوات بخمس تيممات؛ لأنه ما من صلاة يشرع فيها إلا وهو يعتقد أنها الفرض عليه، حتى لو لم يعتقد ذلك، لا يخرج عن الفرض باليقين.
فأما إذا نسى صلاتين من صلوات يوم وليلة.
فعلى قول صاحب (التلخيص): يصلي خمس صلوات بخمس تيممات.
وعلى قول ابن الحداد: يصلي ثماني صلوات بتيممين، فيصلي الصبح والظهر والعصر والمغرب بتيمم، ثم يتيمم ثانيًا، ويصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وكذا لو نكس ذلك بأن يصلي المغرب والعصر والظهر والصبح بتيمم واحد، ثم يتيمم، ويصلي العصر والظهر والصبح والعشاء جاز.
وينبغي أن تكون المتروكة في الثانية هي التي ابتدأ بها في المرة الأولى.
فأما إذا تيمم، وصلى أولا المغرب والعشاء والصبح والظهر، ثم يتيمم،
стр. 327
ويصلي العصر، والظهر والعصر جاز أيضًا، لأن المتروكة في الثانية المغرب، وهي المبتدأة في المرة الأولى.
فأما إذا عكس بان صلى المغرب والعشاء والصبح والظهر بتيمم واحد، ثم تيمم وصلي العصر والمغرب والعشاء والصبح لا يجوز، ولم يخرج عنها بذلك لجواز أن يكون الفائتتان الصبح والظهر، وقد أدى الصبح في المرة الأولى، ولم توجد الظهر في المرة الثانية، فبقيت عليه.
فأما إذا نسي ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة، فعلى طريقة صاحب التلخيص: الخطب سهل، فيصلي خمس صلوات بخمس تيممات
وعلى طريقة ابن الحداد: يصلي تسع صلوات بثلاث تيممات، يصلي الصبح والظهر والعصر بتيمم، ويصلي الظهر والعصر والمغرب بتيمم آخر، ويصلي العصر والمغرب والعشاء بتيمم آخر.
فأما إذا نسي أربع صلوات من صلوات يوم وليلة، فعلى طريقة صاحب التلخيص: يصلي خمس صلوات بخمس تيممات.
وعلى طريقة ابن الحداد: يصلي ثماني صلوات بأربع تيممات، يصلي الصبح والظهر بتيمم، والظهر والعصر بتيمم آخر، والعصر والمغرب بتيمم آخر، والمغرب والعشاء بتيمم آخر.
فأما إذا نسي صلاتين من صلوات يومين وليلتين.
فأن علم أنهما كانا مختلفين، فحكمه حكم ما إذا نسي صلاتين من صلوات يوم وليلة.
وإذا علم أنهما كانتا متفقتين، أو لم يعلم أنهما كانتا متفقتين أو مختلفتين، فعلى طريقة صاحب التلخيص: يصلي عشر صلوات بعشر تيممات.
وعلى طريقة ابن الحداد: يصلي عشر صلوات بتيممين.
стр. 328
وقال القفال: يصلي عشر صلوات بخمس تيممات، يصلي الصبح والظهر بتيمم، والظهر والعصر بتيمم آخر، هكذا إلى تمام العشر.
فرع.
إذا أراد أن يتمم لنافلة لا سبب لها في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها.
هل يجوز أم لا؟
هذا ينبني على أنه لو صلي في هذه الأوقات صلاة لا سبب لها.
هل يصح أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لورود النهي عنها.
والثاني: يصح، والنهي محمول على التنزيه إن قلنا: تصح الصلاة في هذه الأوقات، فيصح تيممه لها.
وإن قلنا: لا تصح، فلا يصح لها.
فأما إذا تيمم قبل ذلك، ثم دخل عليه الوقت الذي تكره فيه الصلاة، لا خلاف أنه لا يبطل تيممه.
فرع
إذا تيمم لفريضة، وصلي الفريضة منفردًا، ثم أدرك الجماعة، وأراد أن يصلي بالجماعة.
ثانيًا: هل يحتاج إلى التيمم أم لا؟
إن قلنا: إن الفريضة منها الأولى، فلا يتيمم للثانية على ظاهر المذهب.
стр. 329
وإن قلنا: إن كل واحد منهما فرض، فيتيمم للثانية.
وإن قلنا: إن الفرض منهما، أحدهما لا بعينه، إلا أنه يحتسب الله، تعالى بالأكمل والأفضل.
حكمه حكم ما لو نسي صلاة من صلاتين، وأراد أن يعيدهما بالتيمم، وقد ذكرناه.
فرع:
إذا أراد أن يتيمم لصلاة الجنازة، عليه أن يتيمم لها بعد الفراغ عن غسل الميت، وإن كان قبل التكفين، لا يجوز الصلاة عليه بعد الغسل وقبل التكفين.
ولو تيمم قبله لا يجوز، والمستحب أن يتيمم بعد أن يكفن الميت، لأن الصلاة عليه قبل التكفين يكون مكروهًا، وإن كان جائزًا.
فرع:
إذا تيمم ثم ارتد - والعياذ بالله بطل تيممه، ولو توضأ، ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، هل يبطل وضوؤه أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يبطل ذلك كالتيمم.
والثاني: لا، والفرق أن التيمم ضعيف، فإنه يبطل بوجود ما يمنعه من استباحة الصلاة، بدون الحدث من رؤية السراب والركب، ووقوع الطير وغيره،
стр. 330
فجاز أن تبطل بالارتداد، لأنه يمنع من استباحة الصلاة، بدون الحدث، أما الوضوء طهارة قوية، فلا يبطل بوجود ما يمنعه من استباحة الصلاة من غير الحدث، وكذا لا يبطل بالارتداد، والله أعلم بالصواب.
стр. 331
باب جامع التيمم والعذر فيه وغيره .
قال الشافعي ﵀: وليس للمسافر أن يتمم إلا بعد دخول وقت الصلاة وإعواز الماء بعد طلبه.
قال القاضي حسين: أباح الله تعالى في كتابه التيمم في حالين، السفر، والمرض، لقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) إلى قوله: (فيمموا صعيدًا طيبًا).
والمعنى المبيح في الحقيقة للتيمم واحد، وهو العجز عن استعمال الماء غير أن العجز تارة يكون لعدمه، وتارة مع وجود، إما لمرض أو لحاجته إليه، لسقيه او لسقي دابته.
وقوله تعالى: (فلم تجدودا ماء).
يعني: فلم تقدروا على استعمال الماء فتيمموا إذا ثبت هذا القول، لا يجوز التيمم إلا بعد دخول الوقت.
وعند أبي حنيفة: يجوز قبل دخول الوقت كالوضوء.
دليلنا أن نقول: إن التيمم أبيح للضرورة، فوجب أن يباح عند نهاية الضرورة، كأكل الميتة، ونهاية الضرورة بعد افتراض الفعل عليه، وذلك إنما يكون بعد دخول الوقت.
أو نقول: طهارة ضرورة، فإذا وجدت قبل دخول الوقت، لا يجوز أداء فرض الوقت به.
دليله المستحاضة إذا توضأت قبل دخول الوقت العصر، ثم دخل وقت العصر، لا يجوز لها أداء العصر به.
стр. 332
فأما إذا طلب الماء، فلم يجده واجب عليه أن يتيمم لعذر السفر لا لعذر المرض، وإنما يجب عليه الطلب بعد دخول الوقت، حتى لو طلب قبل دخول الوقت، بحيث إنه لما فرغ عن الطلب دخل الوقت، لا يجوز.
كما لو أذن لغير الصبح قبل دخول الوقت، فلما فرغ عن الأذان دخل الوقت لا يجوز.
وإنما قلنا: لا يجوز الطلب قبل دخول الوقت، لأنه إنما وجب لأجل المطلوب، وذاك يجب بعد دخول الوقت، فلما كان المقصود يجب بعد دخول الوقت، فكذا التبع مثله، وكيفية الطلب: أن يطلب الماء أولا في رحله، ثم من رفقائه، وإذا راى خضرة أو طيورًا يجتمعن في موضع، فيسأل هناك، ولو كان على صعود ينحدر إلى الهبوط، ولو كان في هبوط يرقي إلى الصعود، وإن كان في قاع من الأرض يمشي قدر غلوة سهم من الجوانب الأربع، فإن أعوذ الماء حينئذ يتيمم.
فأما إذا أمر عبده، أو واحدًا من رفقائه يطلب الماء لأجله، يجوز ذلك، بخلاف ما لو أمر غيره ليجتهد له في القبلة.
والفرق بينهما: أن أمر القبلة خفي غير معاين، فربما يخفي على أحد، ولا يخفي على غيره؛ لأن مبناه على الاجتهاد، فلا يقوم اجتهاد غيره مقام اجتهاده فيه.
وأما رؤية الماء شيء مشاهد معاين يستوي فيه الكل، إذ ليس مبناه على الاجتهاد فجاز أن يقوم غيره فيه مقامه.
فإذا طلب واحد الماء بغير أمره، لا يسقط بذلك فرضية الطلب عنه، لأنه لم يوجد من جهته، لا الطلب، ولا الأمر بالطلب والقصد به.
قال المزني: وللمسافر أن يتيمم أقل ما يقع عليه اسم سفر، طال أو قصر؛ واحتج في ذلك بظاهر القرآن، وبأثر ابن عمر.
стр. 333
قال القاضي حسين: الرخص المتعلقة بالسفر ثمانية:
أربعة لا تجوز إلا في السفر الطويل، وهي: القصر، والمسح ثلاثًا، والإفطار، والجمع على أحد القولين.
وأربعة يجوز فيهما، وهي:
ترك الجمعة، وأكل الميتة، والتيمم، والصلاة على الراحلة.
وفيه قول آخر: إنه لا يجوز إلا في الطويل.
قال المزني: ولا يتيمم مريض في شتاء، ولا صيف إلا من به قرح له غور، أو به ضني من مرض يخاف أن يمسه الماء أن يكون منه التلف أو يكون منه المرض المخوف، لا لشين، ولا لإبطاء برء.
قال: في القديم: يتيمم، إذا خاف، [إن مسه الماء، شدة المرض].
قال القاضي حسين: المريض إذا كان به مرض، مثل وجع الضرس، أو العين، أو الصداع، او حمي خفيفة لا يتضرر باستعمال الماء لا يباح له التيمم.
وقال أهل الظاهر: يجوز له ذلك، واستدلوا بظاهر القرآن.
стр. 334
والدليل عليه ما روي عن جابر أنه قال: كنا جماعة من أصحاب النبي ﷺ في بعض الغزوات، فأصابت أحدنا شجة في رأسه، واحتلم في تلك الليلة، فقال للقوم: هل تجدون لي رخصة؟، فقالوا: لا.
стр. 335
فاغتسل، فدخل الماء شجته، فمات منه فأخبر به النبي ﷺ فقال: قتلوه قتلهم الله، فهلا سألوا إذ لم يعلموا، فإن سفاء العي السؤال؟ يكفيه ان يعصب عليه عصابة ويمسح عليها، ثم يغسل ما قدر عليه، ويتيمم للباقي.
وروى عن عمرو بن العاص أنه قال: ولاني رسول الله ﷺ في غزوة ذا السلاسل، فاحتلمت، وكانت ليلة باردة، فتيممت وصليت بالقوم، ثم سألت النبي ﷺ بعده فقال: صليت بالناس وأنت جنب.
فقلت: سمعت الله تعالى يقول: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). فتبسم النبي ﷺ .
وفي الخبر دليل من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه يجوز التيمم للجنابة، كما جاز من الحدث.
والثاني: على أنه يجوز للمتوضيء الاقتداء للمتيمم، خلافًا لمحمد بن الحسن والثالث: على أنه إذا لم يخف الهلكة، والتلف على نفسه لا يجوز له التيمم.
فأما إذا خاف التلف على نفسه، أو على عضو من أعضائه أو الزيادة في العلة إن استعمل الماء، فإنه يباح له التيمم.
هذا إذا أخبره به طبيب، حاذق في صناعته، مسلم عدل فأما إذا أخبره طبيب حاذق كافر، لا يجوز له التيمم لقوله: لأن ما كان من أمر الديانة لا يعتمد فيه على قول الكافر؛ لأنه متهم فيه.
ولو كان فاسقا مسلماً، فيه وجهان:
стр. 336
أحدهما: يعتمد على قوله، لأنه لا تهمة في حقه فيما يرجع إلى العبادة.
والثاني: لا؛ لأنه لا يقبل قوله في الشهادات ونحوها.
وكذا في المرأة والعبد وجهان.
وفي الصبي المراهق وجه واحد: أنه لا يعتمد على قوله؛ إذ لا قول له، فأما إذا خاف شدة الضنى.
قال في القديم: يتيمم إذا خاف من شدة الضنى.
وفي الجديد: لا يباح له التيمم، فحصل فيه قولان:
أحدهما: لا يجوز، لأنه أبيح للضرورة فيعتبر فيه نهاية الضرورة، وهو خوف التلف.
والثاني: يجوز لأن شدة الضنى تقضي على خوف التلف إذا كثر، وهذا كالقولين في وقت جواز أكل الميتة، وفيه قولان:
أحدهما: أنه لا يجوز إذا خاف على نفسه الهلاك لو لم يأكل.
стр. 337
والثاني: يجوز إذا اشتد به الجوع، وقل صبره.
ومنهم من قال: يتيمم قولا واحدًا، لما ذكرنا من المعنى، وما قاله في الجديد محمول على ما إذا كان لا يفضي إلى إبطاء البرء، وكان المرض يسيرًا.
وأما إذا خاف من استعماله الماء الشين، فلا يباح له التيمم بذلك.
وإن خاف إبطاء البرء، نص ها هنا على أنه لا يجوز له التيمم لأجله، وجمع بينه وبين الشين.
وفيه وجه آخر: أنه يباح له التيمم، لأن ذلك يفضي إلى شدة الضنى، ويؤدي إلى التلف في الآخرة، وفي كل موضع أبحنا له التيمم.
فإذا صلى به لا يعيد، لأن المرض عذر عام، كعدم الماء في السفر، فأما إذا كان به جراحة يمكنه غسل ما حواليها، ولو وجد من يعينه على ذلك، فتيمم، وصلي أعاد الصلاة، لأنه عذر نادر.
وكذلك المريض الذي يقدر على استعمال الماء لو وجد من يقربه منه، ويعينه عليه، فصلي بالتيمم لعدم المعين، أعاد لأنه عذر نادر.
وكذا لو جاء رجل، وحول وجهة المصلي عن القبلة، تلزمه الإعادة، لأن النوادر من الأعذار لا تسقط الإعادة، بخلاف الأعذار العامة.
فأما المسافر إذا لم يجد الماء والتراب، هل يصلي أم لا؟
فيه قولان:
أحدهما: لا يصلي، وهو قول القديم، ومذهب أبي حنيفة.
والثاني: وهو قوله الجديد يصلي لحرمة الوقت، ويعيد لأنه نادر، ويكون ذلك تشبيهًا بالمصلين.
ثم لو كان جنبًا لا يجوز له أن يقرأ سورة الفاتحة.
وهل يجوز له قراءة غير الفاتحة أم لا؟
стр. 338
الصحيح أنه لا يجوز له ذلك؛ لأن القراءة مما تسقط بالأعذار إذا كان أميًا ونحوه.
فجاز أن يسقط أيضًا بعذر الجنابة.
وفيه وجه آخر، أنه يقرؤها.
فأما إذا تكلم في تلك الصلاة عامدًا، أو أحدث فيها عامدًا تبطل صلاته.
ولو رأى الماء في خلالها هل تبطل تلك الصلة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا تبطل كسائر الصلوات.
والثاني تبطل: لأن هذه ليست بصلاة على الحقيقة، بل يكون تشبيها بالصلاة، وهكذا حكم المقيم إذا لم يجد الماء في الحضر على ما ذكرنا.
فأما المسافر إذا وجد الماء، وخاف التلف إن اغتسل من شدة البرد.
إن وجد آلة تسخين الماء، فعليه أن يسخن الماء، ولا يتيمم، وكذلك إذا كان معه ثوب أمكنه أن يغسل اعضاءه قليلا قليلا، ويجففه به ودفئها، فعليه أن يفعل ذلك ولا يتيمم.
فإن لم يجد شيئًا مما ذكرنا يتيمم، ويصلي.
ثم إن كان ذلك في الحضر يعيد الصلاة، وإن كان في السفر، فيه جوابان:
أحدهما: بلى، لأنه عذر نادر في الحضر والسفر، بخلاف عدم الماء في السفر.
والثاني: لا تلزمه الإعادة؛ لأن مثل ذلك لا يندر في السفر بخلاف الحضر.
قال المزني: قال، وإن كان في بعض جسده، دون بعض، غسل ما لا ضرر عليه ويتيمم، لا يجزئه أحدهما دون الآخر.
قال القاضي حسين: إذا كان بعض اعضاء طهارته صحيحا، وبعضها جريحًا
стр. 339
قال ها هنا: يغسل الصحيح، ويتيمم للجريح على الوجه واليدين، وخرج فيه قول آخر: أنه يقتصر فيه على التيمم ما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته في قول يتيمم، ويترك الماء، والصحيح هو الأول.
والفرق بينهما: أن في تلك المسألة القصور في الالة، فجعل كالعدم، كما إذا وجد بعض الرقبه في باب الكفارات، يجعل كعدم الكل في جواز الانتقال إلى الصيام، وها هنا القصور في المحل، فصار كما لو كان فقد بعض الأعضاء، فإنه يغسل الباقي لا محالة، كذا هذا، ولا فرق بين ان يكون الأكثر صحيحًا، أو جريحًا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الأقل صحيحا يقتصر على التيمم، وإن كان الأكثر صحيحا يقتصر على الماء، ولا يجمع بينهما أصلا.
فنقول: استعمال الماء في بعض أماكنه لا يسقط فرض ممكنه قياسًا على فقد الأعضاء، وإذا ثبت الجمع بينهما، فالمذهب أنه بالخيار في البداية، إن شاء بدأ بالغسل، وإن شاء بدأ بالتيمم.
وفيه وجخ آخر، أنه يبدأ بالغسل خرج مما إذا وجد من الماء بقدر ما لا يكفيه لأعضاء طهارته.
وقلنا: يلزمه استعمال الماء أولا، وكذلك ها هنا، والأصح هو الفرق، وهو أن المبيح للتيمم هناك عدم الماء، مما لم يغن الموجود لا يتحقق العدم، وها هنا المبيح للتيمم الجراحة وهي في الحالين سواء، فعلى هذا لو كان جنبًا، وعليه جراحة فعلى الصحيح من المذهب أنه يتخير بين أن يغسل ما قدر عليه أولا، ثم يتيمم للباقي، وبين أن يتيمم أولا ثم يغسل، لأنه لا ترتيب في الاغتسال.
فأما المحدث إذا كان على بعض أعضاء طهارته جراحة إن قلنا، بأنه لا يشترط الترتيب فيه، يتوضأ أولا ثم يتيمم.
وإن قلنا: بأنه يعتبر الترتيب، فإن كانت الجراحة على الوجه يتخير على المذهب الصحيح بين أن يغسل الوجه، ثم يتيمم، وبين أن يتيمم، ثم يغسل
стр. 340
الوجه، ولكن ما لم يفرغ عن غسل الوجه والتيمم، لا يجوز له غسل اليدين، وكذا لو كانت الجراحة على اليدين، فإنه يغسل الوجه أولا، ثم يتخير في اليدين بين أن يغسلهما أولا، ثم يتيمم، وبين أن يتيمم أولا، ثم يغسل اليدين، فإذا فرغ عنهما يمسح برأسه، وإن كانت الجراحة على رأسه، وقل ما تتصور جراحة تعم جميع رأسه، فإن تصور، يغسل الوجه واليدين، ثم يتيمم، ثم يغسل الرجلين، وإن كان على الرجلين يغسل الوجه، واليدين، ويمسح برأسه، ثم يتخير في الرجلين بين البداية بغسلهما، وبالتيمم كما ذكرنا.
وأما إذا كان على وجهه، وعلى يديه ورجليه جراحات، فعلى قول من يقول: الترتيب ليس بشرط فيه، وإنما يشترط في طهر واحد دون طهرين.
ها هنا يتوضأ، ويكفيه تيمم واحد بعد الفراغ عن الوضوء.
وعلى القول الذي يقول: يعتبر الترتيب فيه، ففي الترتيب فيه وجهان.
والصحيح على هذا الوجه: أنه لا يجب الترتيب، واختيار القفال الجريان على ترتيب فرض كل عضو، يغسل الوجه ثم يتيمم، ثم اليدين، ثم يتيمم ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه ثم يتيمم.
فأما إذا دخل وقت فريضة أخرى، فعليه أن يتيمم ثانيًا، لأنه لا يمكن أن يؤدي إلا فرضًا واحدًا، ويغسل ما بعده من الأعضاء الصحيحة على المذهب الذي يوجب الترتيب، فإن كانت الجراحة على الوجه لا يغسل الوجه واليدين.
لكن يتيمم، ويتم الطهارة بالغسل.
ولو كان على الرجلين يتيمم فحسب.
وعلى القول الذي نقول: لا يراعي فيه الترتيب، لا يلزمه إلا التيمم فحسب.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه غسل ما قبل العضو الذي عليه الجراحة، وما بعده أيضا مخرج من تفريق الوضوء، وفيه قولان.
стр. 341
وهذا لا يصح، لأن هذا تفريق بعذر، وذاك عفو بلا خلاف.
فأما إذا اندملت الجراحة غسل مكان الجرح، وما بعده، لمراعاة الترتيب على المذهب الصحيح.
وهل يلزمه غسل ما قبله.
على ما ذكرنا، منهم من جعل فيه قولين من تفريق الوضوء، والصحيح ما ذكرنا، ولو كان جنبًا يغسل مكان الجرح فحسب، إلا على قول من قال في المحدث: يغسل ما قبله من قول تفريق الوضوء.
وها هنا: نقول يغسل جميع البدن، والصحيح هو الأول.
فأما إذا ظن الاندمال بأن توهم الاندال، فنزع الخرقة عنه، فإذا هي بحالها لم يلزمه تجديد التوهم بخلاف ما إذا توهم وجود الماء، وطلب فلم يجده حيث يلزمه تجديد التيمم، لأن طلب البرء غير واجب عليه.
إذ الأصل بقاؤه، وفي الماء الطلب الواجب عليه، إذ الأصل وجوده، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإن كان على قرحخ دم، يخاف إن غسله تيمم، وأعاد إذا قدر على غسل الدم.
قال القاضي حسين: يعني يغسل النجاسة، ويعيد الصلاة، لأن التيمم لا يرفع النجاسة، سواء كانت القروح على أعضاء الطهارة، او على غيرها.
وقال أبو حنيفة والمزني، لا إعادة عليه.
قال المزني: وإن كان في المصر في حش أو موضع نجس، أو مربوطًا على خشبة، صلى يوميء ويعيد، إذا قدر.
قال القاضي حسين، المحبوس في الحش لا يسعه ترك الصلاة؛ لعدم طهارة المكان، بل عليه أن يصلي على حسب حاله، على حسب ما نذكر في كتاب الصلاة إن شاء الله.
стр. 342
وتلزمه الإعادة عندنا.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا تلزمه الإعادة.
وكذلك المربوط على الخشب يصلي بالإيماء، ويعيد خلافًا لهما.
قال المزني: ولو ألصق على موضع التيمم لصوقًا، نزع اللصوق وأعاد.
قال القاضي حسين: إذا كان عليه جراحة يمكنه غسله في الطهارة، فإنه يرفع اللصوق، ويغسل ما تحته.
وقوله: (وأعاد):
هذا تعليم، ولا يجب عليه ذلك.
ومنهم من قال: أراد به إذا لم يمكنه إيصال الماء إليه، وعليه نجاسة، فإذا اندمل ينزع اللصوق، ويغسل ذلك الموضع واعاد، يعني: الصلوات.
قد ذكرنا أنه إذا كان محبوسًا في حش، أو مربوطًا على خشبة أنه يصلي على حسب ما أمكنه، وأعاد خلافًا للمزني.
ونص في موضع آخر على أنه لو غرقت السفينة، ووقع إنسان على لوح منها، وصلى أياما لا يقضى الصلاة التي يصليها نحو القبلة، ويقضي التي يصليها غير مستقبل القبلة.
من أصحابنا من جعل في المسائل كلها قولين نقلا وتخريجًا.
احدهما: تلزمه الإعادة في الكل، لأن هذه أعذار نادرة، فلا تسقط الإعادة، والثاني: لا يلزمه في الكل، كما قال المزني.
فإذا قلنا: يقضي ففرضه من الصلاتين ماذا؟
من أصحابنا من قال: الثانية فرضه، لأن الأولى ليست بصلاة ذات ركوع وسجود وقيام وقراءة، بل تشبهًا بالمصلين.
стр. 343
وقال الشيخ القفال: بل فرضه الثانية، والأولى أيضًا، لأنه وجد منه أداء بعض الأركان في الأولى، فترك البعض، والقياس أن يلزمه قضاء ما ترك من الأركان، إلا أنه لا يمكنه قضاؤها على الانفراد، فيلزمه قضاء صلاة كاملة، لأن الصلاة الواحدة لا تتجزأ، وما لا يتجزأ فيجعله بعضه كلا.
وفائدته إن قلنا: إن فرضه الثانية يجوز له أن يصليها بالتيمم الأول على ظاهر المذهب.
وإن قلنا: كل واحد منهما يكون فرضًا، فيحتاج إلى تيممين.
قال المزني: ولا يعدو بالجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلا على وضوء، كالخفين، فإن خاف الكسير غير متوضيء التلف، إذا ألقيت الجبائر، ففيها قولان:
أحدهما: يمسح عليها ويعيد ما صلى، إذا قدر على الوضوء.
والقول الآخر: لا يعيد، وإن صح حديث علي ﵁، أنه انكسر أحد زنديه فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر قلت به، وهذا مما أستخير الله فيه.
قال المزني: أولى قوليه بالحق عندي أن يجزئه، ولا يعيد، وكذلك كل ما عجز عنه المصلي، وفيما رخص له في تركه، من طهر ولا غيره، وقد أجمعت العلماء والشافعي معهم: ألا تعيد المستحاضة والحدث في صلاتها دائم، والنجس قائم ولا المريض الواجد للما، ولا الذي معه الماء يخاف العطش، إذا صليا بالتيمم، ولا العريان، ولا المسابف يصلي إلى غير القبلة يومي إيماء فقضى ذلك من إجماعهم على طرح ما عجز عنه المصلي، ورفع الإعادة وبالله التوفيق.
وقد قال الشافعي ﵀، من كا معه ماء يوضئه في سفره، وخاف العطش، [فهو] كمن لم يجد.
قال المزني: وكذلك من على قروحه دم، يخاف إن غسلها، كمن ليس به نجس.
стр. 344
قال [الشافعي]: ولا يتيمم صحيح في مصر لمكتوبة، ولا لجنازة، ولو جاز ما قال غيري، يتيمم [للجنازة]، لخوف الفوت، لزمه ذلك، لفوت الجمعة والمكتوبة، فإذا لم يجز عنده، لفوت الأوكد، كان من أن [يجوز] فيما دونه أبعد، وروى عن ابن عمر ﵄ أنه كان لا يصلي على جنازة إلا متوضئًا.
قال القاضي حسين: الجبائر جمع جبيرة، وهي اسم للخشبة التي توضع على الكسر، وتترك عليه حتى يندمل.
ثم المزني أخل بالنقل، لأن ما نقله توهم ألا يضع الجبائر على ما حواليه من الصحيح، وليس كذلك، بل له أن يدخل شيئًا من الصحيح فيها، لأنه إذا وضع بحيث لا يجاوز الكسر شيئًا لا يلتئم.
والشافعي قال: في موضع الكسر وحوله.
والمزني حذف قوله: وحوله، وينبغي ان يضعه على الطهارة، لأنه ساتر، يريد المسح عليه كالخفين.
ويجب المسح على الجبائر، وهل تستوعب الجبيرة بالمسح أم لا؟
فيه جوابان:
أحدهما: لا لأنه مسح بالماء فصار كالمسح على الخفين.
والثاني: يلزمه، لأنه بدل في محل مغسول، فأشبه التيمم، وليس كالمسح على الخفين، لأن المسح على الجبيرة لا يتقدر بزمان دون زمان، ولا يختلف بالسفر والحضر، بخلاف المسح على الخفين، وهل يلزمه التيمم بعد أن مسح على الجبيرة أم لا؟ ظاهر النص أنه يقتصر على مسح الجبيرة، ونص في الكبير على وجوب التيمم.
منهم من جعل ذلك على قولين:
أحدهما: لا يجب، لأنا أوجبنا عليه المسح بدلا عن المحل المغسول، ولا توجب عليه بدلا آخر.
стр. 345
والثاني: يجب عليه، كما إذا كان بعض أعضاءه صحيحًا، وبعضه جريحًا، وفي الخبر ما يدل عليه أيضًا، لأنه قال في تلك القصة المعروفة: كان يكفيه أن يعصب على رأسه عصابة ويمسح عليها ثم يغسل ما قدر عليه، وتيمم للباقي.
ومن أصحابنا من قال: المسألة على حالين: حيث قال: (يتيمم)، أراد به: أنه إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة، لا يمكنه استعمال الماء، فصار كمن كان بعض أعضاءه صحيحًا، وبعضه جريحًا، وحيث قال: لا يتيمم، أراد به: إذا كان بصفة لو رفع الجبيرة يمكن غسل ما تحته، وإذا أوجبنا التيمم فيتيمم لكل فريضة، ويغسل ما بعده من الأعضاء، مراعاة للترتيب وما قبله لا يجب عليه في ظاهر المذهب على ما ذكرنا.
فأما إذا اندمل، ونزع الجبيرة، يغسل ذلك المحل، ثم لو كان جنبًا لا يجب عليه غسل شيء بعده، على ظاهر المذهب، وإن كان محدثًا يغسل ما بعده من الاعضاء مراعاة للترتيب.
وهل يغسل ما قبله؟ فعلى ما ذكرنا.
وهل يلزمه إعادة الصلوات التي صلاها بالمسح على الجبيرة؟
ينظر: فإن وضعها، وهو على الطهارة في القديم يلزمه.
وفي الحديد: قولان.
وإن وضعها على غير الطهارة في الجديد يلزمه.
وفي القديم قولان.
فإما إذا اندملت الجبرة وهو لا يشعر بذلك حتى صلى عليه صلوات، تلزمه الإعادة، لأنه نادر، وقد وجد التفريط منه.
стр. 346
وهكذا إذا أوتي انفه أو خدش صدره، فألصق به قشر الباقلاء. أو غيره، حكمه حكم الجبيرة.
قال الشافعي: إن صح حديث علي أن النبي ﷺ أمره أن يمسح على الجبيرة ولم يأمره بالإعادة قلت به، وإنما توقف فيه، لأن في إسناده خللا وهو مرسل وعنده المرسل ليس بحجة.
واختيار المزني في الصلاة ألا يعيدها، ولا يختص ذلك به عنده، بل كلما تركه المصلي، من أركان الصالة وشرائطها للعجز لا يعيد الصلاة لأجله، وكذا لو كان على قرحه دم يخاف التلف من غسله، والمحبوس في الحش، والمربوط، على الخشب، يصلي بالإيماء، ولا يعيد على أصله.
واحتج على أصل الشافعي بالمسافر والمريض إذا عجز عن استعمال الماء، والمريض إذا عجز عن القيام، والعاجز عن الستر يصلي عريانًا، ويترك القبلة في حالة المسابقة، وكذلك المستحاضة، ومن به سلس البول، لا يلزمه إعادة الصلاة، والنجس بهما قائم.
وكذلك سائر الأعذار مثله.
قال أصحابنا: الأعذار قسمان:
عامة تسقط الإعادة، مثل عدم الماء في السفر، والعجز عن استعماله في المرض.
ونادرة: وهي قسمان:
أحدهما: يمتد ويدوم كالاستحاضة، وسلس البول، فسقطت الإعادة أيضًا، لأنا [إن] أوجبنا عليهما الإعادة يتضرران بذلك، لأن هذا معنى يمتد ويدوم دهرًا، فتلحقها المشقة، والضرر في وجوب الإعادة أيضًا.
وقسم لا يدوم، وهي التي تنازعنا فيها من الدم على القروح، وعدم الماء في الحضر، وانكسار العظم، وأمثالها، فإنها لا تسقط الإعادة أيضًا.
стр. 347
فرع:
إن كان معه ماء فأراقه، واحتاج إلى التيمم، فهل تلزمه إعادة تلك الصلاة أم لا؟
إن كان أراق الماء قبل دخول الوقت أي: وقت الصلاة، فلا إعادة عليه، بل يتيمم، ويصلي، وإن أراقه بعد دخول الوقت، فإن كان له فيه غرض صحيح بأن يغسل به نجاسة عليه، او نقي ثوبه من الدرن للتجمل، أو اغتسل للتبرد، فلا إعادة عليه أيضًا.
وإن لم يكن له غرض في الإراقة يتيمم، ويصلي.
وفي وجوب الإعادة عليه جوابان:
أحدهما: لا يجب لأنه كان عادمًا للماء حالة التيمم.
والثاني: يجب لأنه تعلق فرض الصلاة بالوضوء بذلك الماء فإذا أراق، فقط فرط في الإراقة فعوقب عليه.
وهما كالقولين في المبتوتة في مرض الموت، هل تستحق الميراث أم لا؟
أحدهما: بلي؛ لأن حقها تعلق بما له في مرض موته، وهو بالطلاق، قصد حرمانها عن الميراث، فرد عليه قصده، وعوقب عليه بذلك.
стр. 348
والثاني: لا تستحق، لأنها صارت مبانة عنه، كسائر الأجانب إن قلنا: يعيد الصلاة ها هنا، فكم يعيد؟
فيها جوابان:
أحدهما: يعيد صلاة واحدة، وهي أقل ما يؤدي بذلك الوضوء
والثاني: يعيد الصلوات التي يمكنه أداؤها بذلك الوضوء في العرف والعادة. وهما كالقولين فيما إذا أعطي لاثنين من كل صنف في باب الزكاة، أو أوصى بشيء للفقراء، فأعطاه لاثنين منهم كم يغرم للثالث.
فيه قولان:
أحدهما: الثالث.
والثاني: أقل ما يعطي له إن قلنا هناك: يغرم له الثلث ها هنا، يقضي ما يمكنه من الصلوات بذلك الوضوء.
وإن قلنا هناك: يغرم له أقل ما يعطي له.
فها هنا: يقضي صلاة واحدة.
وهكذا حكم ما إذا كان له ثوب، فخرقه، ومزقه على ما ذكرنا من الفصل في إراقة الماء إلى آخره.
стр. 349
فأما إذا وهب الماء، إن كان قبل دخول الوقت، فعلى ما ذكرنا من الإراقة، وإن كان بعده، ففي صحة الهبة وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه من أهل التمليك.
فعلى هذا، لا يلزمه إعادة الصلاة؛ لأنه له فيه مثوبة، ومحمدة ومنة عليه.
والثاني: لا يستحق الهبة، لأنه مستحق الصرف إلى عبادة، فعلى هذا يسترد الماء، وإلا فيلزمه قضاء الصلوات التي صلاها ما دام الماء في يده، فإذا زال عن يده لا إعادة عليه بعده.
ثم ينظر، إن أتلف هو الماء يلزمه بالضمان. وإن تلف في يده، فيه وجهان.
أحدهما: لا ضمان، لأن الفاسد يأخذ حكم الصحيح في الضمان، كالإجارة.
стр. 350
والرهن.
стр. 351
والثاني: يلزم الضمان، كالإعارة الفاسدة.
قوله: ولا يتيمم صحيح في مصر للمكتوبة، ولا لجنازة.
وقال أبو حنيفة: للمقيم الصحيح أن يتيمم لصلاة الجنازة عند خوف الفوت مع وجود الماء، لأن عنده لا تقضي تلك الصلاة بعد الفوات، وقال: أداؤها بعد التيمم خير من تركها.
والشافعي ﵀ ألزمه صلاة الجمعة، فإنها لا تقضي إذا فاتت،
стр. 352
وهي آكد، لأنها فرض عين، ومع ذلك لا يجوز بالتيمم عند خوف الفوت، واستدل أيضًا بأثر ابن عمر.
قال الشافعي: وإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة، غسل أي بدنه شاء، وتيمم وصلى.
وقال في موضع آخر، يتيمم ولا يغسل من أعضائه شيئا، وقال في القديم، لأن الماء لا يطهر بدنه بغسل البعض. قال المزني [قلت أنا]: هذا أشبه بالحق عندي، لأن كل بدل لعدم فحكم ما وجد من بعض المعدوم حكم العدم، كالقاتل خطأ، يجد بعض رقبة، فحكم البعض [كحكم العدم]، وليس عليه إلا البدل، ولو لزمه غسل بعضه، لوجود بعض الماء، وكذلك البدل، لزمه عتق بعض رقبة لوجود البعض، وكمال البدل، ولا يقول بهذا أحد نعلمه، وفي ذلك دليل، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين، يغسله للجنابة، إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته، إن كان محدثًا، أو لجميع بدنه إن كان جنبًا.
قال في الجديد: يستعمل ما وجده، ويتيمم للباقي.
وقال في القديم: يقتصر على التراب، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتج المزني بأن كل أصل له بدل ينتقل إليه عند عد الأصل، فقدم بعضه كعدم كله، كالرقبة، في الكفارة.
والفرق بينهما أن إعتاق بعض الرقبة لا يفيد شيئا لا في الحال، ولا في ثاني الحال، وها هنا استعمال بعض الماء، يفيد الطهارة في ثاني الحال، حتى لو وجد الماء بعده يبني على غسل ما مضى.
والثاني: أن هناك الشرع ما ورد بإعتاق بعض الرقبة ابتداء، فلهذا لا يؤمر هو به.
وها هنا قد ورد الشرع بغسل بعض الأعضاء دون البعض، بأن كان بعض
стр. 353
أعضاءه جريحًا، وبعض أعضائه صحيحًا، وأيضا أن هناك جوز الانتقال إلى البدل إذا لم يجد الرقبة، وبعض الرقبة لا يسمى رقبة.
فقلنا: بأنه جاز الانتقال إلى البدل، وها هنا إنما يجوز الانتقال إلى التراب إذا لم يجد الماء، وبعض الماء يسمى ماء.
فأما واجد بعض التراب، بحيث لا يكفيه لأعضاء تيممه، يلزمه استعماله، لأن ها هنا ليس للتراب بدل يصار إليه بخلاف الماء إذا كان عليه نجاسات، ووجد من الماء لا يكفيه لغسل الكل.
الصحيح أنه يلزمه استعماله، لأن النجاسة مما لا يتجزأ زوالا وحصولاً.
وفيه وجه آخر، أنه لا يلزمه استعماله، لأنه لا يطهر البدن تطهيرًا يباح معه الصلاة.
فأما إذا وجد بعض خرقة، وجب عليه أن يستر به عورته وجهًا واحدًا، لأنه يلزمه ستره عن أعين الناظرين.
ثم ينظر فإن كان يكفيه البعض، فيستر به السوئتين، لأن حكمهما أغلظ، وأفحش من باقي المحل، وإن كان يكفي لأحدهما دون الآخر.
القاضي ﵀، إن كان رجلا يستر به الدبر، وإن كان امرأة يستر به القبل، لأن ما بدا من الرجل من العورة بالدبر أغلظ، فيه وأكثر.
والمغلظ في قبل المرأة أكثر من المغلظ في دبرها في أعين الناظرين.
إذا تيمم ثم وجد الماء في إناء، ولم يدر أنه هل يكفيه لأعضاء طهارته أم لا؟ فإنه يبطل تيممه.
وإذا علم بأنه لا يكفي لأعضاء طهارته يقيًا، ينبني على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إنه لو وجد في الابتداء يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه. وإن قلنا هناك: لا يلزمه استعماله، فها هنا لا يبطل تيممه.
стр. 354
فأما إذا وجد ماء في إناء، ولم يدر أنه طاهر أم نجس يبطل تيممه، وإن كان الماء نجسًا، فأما إذا تحقق نجاسة الماء عند الرؤية لا يبطل تيممه.
فأما الجنب، إذا غسل جميع بدنه، وترك لمعة من بدنه لعدم الماء، ثم أحدث وطلب الماء، ولم يجده وتيمم ثم وجد من الماء قدر ما يكفيه لتلك اللمعة.
إن قلنا: لا يلزمه استعماله في الحدث لو وجد قبل التيمم، فها هنا لا يبطل تيممه، بل يغسل به تلك اللمعة ويصلي.
وإن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه، لأنه لم يتعين عليه استعماله في احدهما دون الآخر.
قال المزني: قال الشافعي ﵀، وأحب تعجيل التيمم، لاستحبابي تعجيل الصلاة.
وقال في الإملاء، لو أخره إلى آخر الوقت، رجاء أن يجد الماء كان أحب إلي.
قال القاضي حسين: إذا دخل وقت الصلاة، وهو عادم للماء، إن تحقق عدم الماء في أجزاء الوقت، فالمستحب له تعجيل الصلاة في أول الوقت وكذلك إذا احتمل وجوده في آخر الوقت، واحتمل عدمه هكذا.
فأما إذا تيقن وجود الماء في آخر الوقت، فهل يجوز له تعجيل الصلاة، فعلى قولين:
أحدهما: لا يجوز، لأن تيقن القدرة على الماءـ وأداء الصلاة به في الوقت، والثاني: نعم، لأنه عادم للماء، وقد دخل الوقت.
فأما إن ترجي وجود الماء في آخر الوقت، وهي مسألة الكتاب، لا خلاف أن له التعجيل، وفي الاستحباب قولان:
أحدهما: يعجل ليحوز فضيلة أول الوقت.
стр. 355
والثاني: يؤخر، ليحوز فضيلة الوضوء.
واختيار المزني التعجيل.
وقال: (ما كان أداؤه أفضل بالوضوء).
يعني: الصلاة في اول الوقت، (كان أداءه أفضل بالتيمم)، كصلاة الجماعة، قال المزني: [قلت أنا]، كأن التعجيل عندي بقوله أولى، لأن النسة أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، فيما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء، فالتيمم [مثله]، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين: لم يرد به آخر الوقت، وإنما أراد به آخر أول الوقتن لأن أول الوقت يمتد إلى انتصاف الوقت، حتى لو قال لامرأته، أنت طالق مع آخر أول الوقت، يقع الطلاق، عليها عند انتصاف الوقت.
ولو قال: أنت طالق آخر أول اليوم، تطلق قبل الزوال.
ولو قال: أول آخر اليوم، تطلق بعد الزوال، والله أعلم.
قال الزني: فإن لم يجد الماء، ثم علم أنه [كان] في رحله أعاد.
قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: هذه المقالة غير صحيحة، لأنه قابل العلم بعدم الوجود.
والصحيح أن يقابل الوجود بالعدم.
والشافعي قال: ولو نسي الماء في رحله، ثم علم، إذا ثبت هذا إذا علم أن في رحله ماء فنسيه، وتيمم وصلي، قال ها هنا: يلزمه الإعادة.
وفيه قول مخرج: أنه لا يلزمه الإعادة.
من مسألة نسيان الفاتحة في الصلاة ونسيان الترتيب في الوضوء.
وقال في الكبير: لو تيمم، ثم عبر على بئر بقربه لا إعادة عليه.
следующие страницы →