Полный текст (1 014 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
والثاني: يلزم الضمان، كالإعارة الفاسدة.
قوله: ولا يتيمم صحيح في مصر للمكتوبة، ولا لجنازة.
وقال أبو حنيفة: للمقيم الصحيح أن يتيمم لصلاة الجنازة عند خوف الفوت مع وجود الماء، لأن عنده لا تقضي تلك الصلاة بعد الفوات، وقال: أداؤها بعد التيمم خير من تركها.
والشافعي ﵀ ألزمه صلاة الجمعة، فإنها لا تقضي إذا فاتت،
стр. 352
وهي آكد، لأنها فرض عين، ومع ذلك لا يجوز بالتيمم عند خوف الفوت، واستدل أيضًا بأثر ابن عمر.
قال الشافعي: وإن كان معه في السفر من الماء ما لا يغسله للجنابة، غسل أي بدنه شاء، وتيمم وصلى.
وقال في موضع آخر، يتيمم ولا يغسل من أعضائه شيئا، وقال في القديم، لأن الماء لا يطهر بدنه بغسل البعض. قال المزني [قلت أنا]: هذا أشبه بالحق عندي، لأن كل بدل لعدم فحكم ما وجد من بعض المعدوم حكم العدم، كالقاتل خطأ، يجد بعض رقبة، فحكم البعض [كحكم العدم]، وليس عليه إلا البدل، ولو لزمه غسل بعضه، لوجود بعض الماء، وكذلك البدل، لزمه عتق بعض رقبة لوجود البعض، وكمال البدل، ولا يقول بهذا أحد نعلمه، وفي ذلك دليل، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين، يغسله للجنابة، إذا وجد من الماء ما لا يكفيه لأعضاء طهارته، إن كان محدثًا، أو لجميع بدنه إن كان جنبًا.
قال في الجديد: يستعمل ما وجده، ويتيمم للباقي.
وقال في القديم: يقتصر على التراب، وهو مذهب أبي حنيفة.
واحتج المزني بأن كل أصل له بدل ينتقل إليه عند عد الأصل، فقدم بعضه كعدم كله، كالرقبة، في الكفارة.
والفرق بينهما أن إعتاق بعض الرقبة لا يفيد شيئا لا في الحال، ولا في ثاني الحال، وها هنا استعمال بعض الماء، يفيد الطهارة في ثاني الحال، حتى لو وجد الماء بعده يبني على غسل ما مضى.
والثاني: أن هناك الشرع ما ورد بإعتاق بعض الرقبة ابتداء، فلهذا لا يؤمر هو به.
وها هنا قد ورد الشرع بغسل بعض الأعضاء دون البعض، بأن كان بعض
стр. 353
أعضاءه جريحًا، وبعض أعضائه صحيحًا، وأيضا أن هناك جوز الانتقال إلى البدل إذا لم يجد الرقبة، وبعض الرقبة لا يسمى رقبة.
فقلنا: بأنه جاز الانتقال إلى البدل، وها هنا إنما يجوز الانتقال إلى التراب إذا لم يجد الماء، وبعض الماء يسمى ماء.
فأما واجد بعض التراب، بحيث لا يكفيه لأعضاء تيممه، يلزمه استعماله، لأن ها هنا ليس للتراب بدل يصار إليه بخلاف الماء إذا كان عليه نجاسات، ووجد من الماء لا يكفيه لغسل الكل.
الصحيح أنه يلزمه استعماله، لأن النجاسة مما لا يتجزأ زوالا وحصولاً.
وفيه وجه آخر، أنه لا يلزمه استعماله، لأنه لا يطهر البدن تطهيرًا يباح معه الصلاة.
فأما إذا وجد بعض خرقة، وجب عليه أن يستر به عورته وجهًا واحدًا، لأنه يلزمه ستره عن أعين الناظرين.
ثم ينظر فإن كان يكفيه البعض، فيستر به السوئتين، لأن حكمهما أغلظ، وأفحش من باقي المحل، وإن كان يكفي لأحدهما دون الآخر.
القاضي ﵀، إن كان رجلا يستر به الدبر، وإن كان امرأة يستر به القبل، لأن ما بدا من الرجل من العورة بالدبر أغلظ، فيه وأكثر.
والمغلظ في قبل المرأة أكثر من المغلظ في دبرها في أعين الناظرين.
إذا تيمم ثم وجد الماء في إناء، ولم يدر أنه هل يكفيه لأعضاء طهارته أم لا؟ فإنه يبطل تيممه.
وإذا علم بأنه لا يكفي لأعضاء طهارته يقيًا، ينبني على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إنه لو وجد في الابتداء يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه. وإن قلنا هناك: لا يلزمه استعماله، فها هنا لا يبطل تيممه.
стр. 354
فأما إذا وجد ماء في إناء، ولم يدر أنه طاهر أم نجس يبطل تيممه، وإن كان الماء نجسًا، فأما إذا تحقق نجاسة الماء عند الرؤية لا يبطل تيممه.
فأما الجنب، إذا غسل جميع بدنه، وترك لمعة من بدنه لعدم الماء، ثم أحدث وطلب الماء، ولم يجده وتيمم ثم وجد من الماء قدر ما يكفيه لتلك اللمعة.
إن قلنا: لا يلزمه استعماله في الحدث لو وجد قبل التيمم، فها هنا لا يبطل تيممه، بل يغسل به تلك اللمعة ويصلي.
وإن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا يبطل تيممه، لأنه لم يتعين عليه استعماله في احدهما دون الآخر.
قال المزني: قال الشافعي ﵀، وأحب تعجيل التيمم، لاستحبابي تعجيل الصلاة.
وقال في الإملاء، لو أخره إلى آخر الوقت، رجاء أن يجد الماء كان أحب إلي.
قال القاضي حسين: إذا دخل وقت الصلاة، وهو عادم للماء، إن تحقق عدم الماء في أجزاء الوقت، فالمستحب له تعجيل الصلاة في أول الوقت وكذلك إذا احتمل وجوده في آخر الوقت، واحتمل عدمه هكذا.
فأما إذا تيقن وجود الماء في آخر الوقت، فهل يجوز له تعجيل الصلاة، فعلى قولين:
أحدهما: لا يجوز، لأن تيقن القدرة على الماءـ وأداء الصلاة به في الوقت، والثاني: نعم، لأنه عادم للماء، وقد دخل الوقت.
فأما إن ترجي وجود الماء في آخر الوقت، وهي مسألة الكتاب، لا خلاف أن له التعجيل، وفي الاستحباب قولان:
أحدهما: يعجل ليحوز فضيلة أول الوقت.
стр. 355
والثاني: يؤخر، ليحوز فضيلة الوضوء.
واختيار المزني التعجيل.
وقال: (ما كان أداؤه أفضل بالوضوء).
يعني: الصلاة في اول الوقت، (كان أداءه أفضل بالتيمم)، كصلاة الجماعة، قال المزني: [قلت أنا]، كأن التعجيل عندي بقوله أولى، لأن النسة أن يصلي ما بين أول الوقت وآخره، فيما كان أعظم لأجره في أداء الصلاة بالوضوء، فالتيمم [مثله]، وبالله التوفيق.
قال القاضي حسين: لم يرد به آخر الوقت، وإنما أراد به آخر أول الوقتن لأن أول الوقت يمتد إلى انتصاف الوقت، حتى لو قال لامرأته، أنت طالق مع آخر أول الوقت، يقع الطلاق، عليها عند انتصاف الوقت.
ولو قال: أنت طالق آخر أول اليوم، تطلق قبل الزوال.
ولو قال: أول آخر اليوم، تطلق بعد الزوال، والله أعلم.
قال الزني: فإن لم يجد الماء، ثم علم أنه [كان] في رحله أعاد.
قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: هذه المقالة غير صحيحة، لأنه قابل العلم بعدم الوجود.
والصحيح أن يقابل الوجود بالعدم.
والشافعي قال: ولو نسي الماء في رحله، ثم علم، إذا ثبت هذا إذا علم أن في رحله ماء فنسيه، وتيمم وصلي، قال ها هنا: يلزمه الإعادة.
وفيه قول مخرج: أنه لا يلزمه الإعادة.
من مسألة نسيان الفاتحة في الصلاة ونسيان الترتيب في الوضوء.
وقال في الكبير: لو تيمم، ثم عبر على بئر بقربه لا إعادة عليه.
стр. 356
اختلف أصحابنا فيه:
منهم من جعل في وجوب الإعادة عليه قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من فرق بينهما، وقال بأنه ها هنا إذا علم، ثم نسي، فإنه وجد التفريط من جهته، حيث لم ينعم النظر في الطلب إذ يمكنه طلب الماء في رحله، وهناك في البئر لم يعلم به، ولم يوجد التقصير منه في الطلب، لأنه لا يمكنه أن يفتش جميع وجه الأرض، وزان مسألتنا أن لو كان عالمًا به، ثم نسيه، فلا جرم تلزمه الإعادة، ووزانه من مسألتنا أن لو لم يعلم بوجود الماء في رحله بأن جاء آخر ووضعه فيه، ولا يخبره بذلك، لا جرم لا يلزمه الإعادة.
وهكذا لو نسي رحله فيما بين الرجال، ولم يطلبه حكمه حكم ما لو نسي الماء في رحله.
فأما إذا أضل رحله فيما بين رحال الناس، أو أضل رجل ماءه فيما بين رحال نفسه، فالصحيح أنه لا يلزمه الإعادة، لأنه لم يوجد التفريط من جهته في الطلب.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه إعادة الصلاة، هذا لا يصح لأن الناسي غير عادم للماء، بل هو مفرط، لأنه لم ينعم النظر، والله تعالى إنما أباح التيمم عند عدم الماء، فلتزمه الإعادة لهذا.
قال المزني: وإن وجده بثمن في موضعهن وهو واجد الثمن، غير خائف، إن اشتراه، الجوع في سفره، فليس له التيمم، [وإن] أعطيه بأكثر [من] الثمن، لم يكن عليه أن يشتريه، ويتيمم.
قال القاضي حسين: إذا لم يكن معه في السفر ماء، ومعه ثمن الماء.
ينظر فيه، فإن كان لا يفضل عن حاجته، بأن يكون ما معه من المال قدر ما يستنفقه في ذهابه وجوعه لا يلزمه شراء الماء، وإن كان يفضل عنه ينظر فإن وجد الماء بأكثر من ثمن المثل لا يلزمه الشراء قلت الزيادة أم كثرت، وثمن المثل اختلفوا فيه:
стр. 357
منهم من قال: هو أجرة نقله من مكان الوجود إلى مكان العز، لأن الماء لا يتقوم.
ومنهم من قال: هو في مكان العز كسائر المتقومات، فيجب قيمة مثله في ذلك المكان، وإن وجده يباع بثمن مثله وجب عليه شراؤه.
فأما إذا كان معه ماء، ولكن يحتاج إليه لسقيه، او لسقي دابته او يحتاج إلى ثمنه لأجل النفقة يجوز له التيمم، ولا يلزمه استعمال الماء.
فأما إذا وجد من يبيعه الماء بالنسئة، إن لم يكن له المال ببلده لا يلزمه شراؤه، وكذا إن كان له مال ببلده، ولكن يباع زائدًا على ثمن مثله، لأجل النسيئة لا يلزمه أيضًا.
فأما إذا بيع منه نسئة بما يباع نقدًا، وضرب له أجل يتمكن من دفع الثمن إليه إذا رجع إلى بلده يلزمه شراؤه.
ولو وهب منه الماء يلزمه القبول، لأن الماء أصله على الإباحة، فلا تلحقه المنة في قبوله.
ولو وهب منه ثمن الماء لا يلزمه قبوله، لأنه يلحقه فيه منة، ولا يكلف الإنسان التزام المنة.
فأما إذا وجد بئرًا، ولم يجد آلة الاستقاء فلو وجد من يعيرها منه يلزمه قبوله، إذ ليس فيه كبير منة.
ولو وهبها منه لا يلزمه القبول، فأما إذا وجدها بالثمن، فهو كالماء سواء.
стр. 358
وقد ذكرنا حكمه، فأما إذا وجدها بأجرة المثل، ووجد ذلك هكذا يلزمه أن يستأجرها ولا يتيمم.
فأما إذا كان معه ثياب يمكنه أن يشد البعض بالبعض، ويجعله حبلا يستقي به الماء.
إن كان لا ينقص من ثمنه إلا قدر ما يستأجر به الرشا، أو يشتري به الرشا، يلزم ذلك.
وإن كان ينقص من ثمنه أكثر من ذلك، لا يلزمه ذلك، وكذا لو كان عليه كرباس، بحيث أنه لو شقه، ويشد البعض بالبعض يمكنه أن يستقي به الماء، فعلى ما ذكرنا إن كان ينتقص منه مثل ما يستأجر به الرشا، أو أقل من ذلك وإلا فلا.
فأما إذا كان له عبد في السفر، لا يلزمه أن يشتري له بالماء ألبتة.
بل له أن يتيمم بخلاف الثوب، فإنه يلزمه أن يشتري ما يستر به عورته، لأن ذلك إنما يجب عليه لحق البلاد كيلا ينظر إليه الناس.
وها هنا تمحض ذلك حقًا لله تعالى.
وفرق بينهما كما في حق الصبي والمجنون.
فأما العبد إذا احتاج إلى الماء ليسقيه يلزمه شراء الماء، وكذا لو كان معه دابة من حمار أو غيره، يلزمه أن يقوم بكفايتها، وكذا لو كان معه من الماء والشعير وغيرهما.
وكذا لو كان معه كلب عطشان، يلزمه تحصيل الماء لأجله إذا كان كلب صيد، أو ماشية أو حرث، ثم ينظر، فإن وجد من يبيعه الماء بثمن المثل يلزمه ذلك.
стр. 359
وإن وجد من يبيعه بأكثر من ثمن المثل، فعليه أن يشتريه، وليس له أن يكابره، ويقاتله عليه، وهل تلزمه الزيادة على ثمن المثل إذا اشتراها بالزيادة أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن هذا عقد جائز صدر من أهله، فيجوز كما لو باعه غير الماء بأضعاف ثمنه.
والثاني: لا يجوز: لأنه كالمكره في قبول هذه الزيادة في حال وجوب شراء الماء عليه، فلم ينعقد البيع في حق الزيادة، لكونه مكرها في ذلك.
فأما إذا لم يبعه صاحبه منه لا يخلو.
أما إن كان صاحبه محتاجًا إليه، أو لم يكن محتاجًا إليه، فإن لم يكن محتاجا إليه يجوز له أن يكابره، ويأخذ منه الماء لكلبه، ودابته، كما يأخذ منه الماء لنفسه، وإن أبي الدفع إلى صاحب الماء يكون هدرًا.
стр. 360
ولو أبى الدفع على هذا القاصد يكون دمه مضمونًا عليه، وهكذا إذا احتاج إليه صاحبه للوضوء، وهناك مضطر إليه ليسقيه، يلزمه الدفع إليه، ويتيمم هو.
فأما إذا كان كلبه يحتاج إلى طعام، ومع آخر شاة، فهل له أن يكابره على أخذ الشاة منه لكلبه أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، كما قلنا في الماء.
والثاني: لا، لأنه كما للكلب حرمة، لأنه ذو روح، وكذا الشاة فاستويا.
فأما إذا كان صاحبه محتاجًا إليه، فلا يجوز لغيره أن يكابره، ولو كابره على أخذه، فأتي الدفع على صاحبه الماء يكون دمه مضمونا عليه ولو أبي الدفع على القاصد يكون دمه هدرًا، لأن صاحب الماء لو آثره على نفسه، ودفع الماء إليه له ذلك.
وفيه قوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).
فأما إذا احتاج إليه لوضوئه، وهناك جنب، أو محدث فليس له الإيثار، لأنه يعود إلى أمر العبادة.
فإن فعل فهو مسألة الهبة، وقد ذكرناها، وإن كان صاحبه احتاج إليه في المنزل الثاني.
وهناك من يحتاج إليه في المنزل الأول.
فيه وجهان:
أحدهما: صاحبه أولى لأنه لم يفضل عن حاجته، وهو مالكه.
والثاني: غيره أولى لتحقق الحاجة في حقه في الوقت، وتلك حاجة موهومة في ثاني الحال.
فأما إذا كان معه ثوب، وغيره محتاج إليه، حكمه حكم الماء، وقد ذكرناه.
стр. 361
فإن كان يحتاج إلى ذلك الثوب ليستر العورة في الصلاة فإن باعه بثمن المثل، يلزمه الشراء،
وإن باعه بأكثر من ثمن المثل، لا يلزمه ذلك.
ولو احتاج إليه لشدة البر المفرط، فإن باعه بأكثر من زيادة مثله، ففي الزيادة وجهان، كما ذكرنا، وإن لم يبعه منه، فهل له أن يكابره على أخذه منه، فعلى ما ذكرنا في الماء.
فرع:
لو اجتمع نفر على رأس بئر، وآلة الاستقاء مع احدهم يعرها للباقي ينظر فيه، فمن علم أن النوبة تئول إليه قبل خروج الوقت يصبر حتى تئول النوبة إليه ويصلي في الوقت بالوضوء، وإن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الخروج ما حكمه؟
لم ينص على ذلك، ولكن نص في موضع آخر على أن جماعة لو كانوا في سفينة، وفيها مكان واحد للقيام.
فمن علم أن النوبة ينتهي إليه قبل خروج الوقت صبر.
ومن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت يصلي قاعدًا في الوقت.
ونص على أن جماعة لو كانوا عراة، ومع أحدهم ثوب يعيره من أصحابه واحدًا فواحدا.
فمن علم أن النوبة تأتيه قبل خروج الوقت صبر.
ومن علم أن النوبة لا تأتيه إلا بعد خروج الوقت، لا يصلي عريانًا في الوقت، بل يصبر حتى يصل مع الستر خارج الوقت.
قال القفال: لا أعلم فرقا بين المسألتين، وجعل المسألة على قولين.
стр. 362
ومن أصحابنا من أقر النصين قرارها، وفرق بينهما بأن ترك القيام أخف حكما في الصلاة من ترك الستر، لأنه قد يسقط القيام، بعذر المرض وغيره.
وقد يجوز تركه في النوافل مع القدرة عليه.
فإنه لا يسقط في أي صلاة كانت مع القدرة عليه، ولأن للقيام بدلا، وهو القعود، وليس للستر بدل.
فلهذا أمره بالصلاة في الوقت قاعدًا، ولم يأمره بها في الصلاة عاريًا، جئنا إلى مسألتنا إن جعلنا في المسألتين قولين.
ففي هذه المسالة أيضًا قولان.
وإن فرقنا بينهما هناك، فمسألتنا نظير مسألة السفينة، لأن للوضوء، بدلا وهو التيمم، قال المزني، ولو كان مع رجل ماء، فأجنب رجل، وطهرت امرأة، من الحيض، ومات رجل ولم يسعهم الماء، كان الميت أحبهم إلي: أن يجاد بالماء عليه، ويتيمم الحيان، لأنهما قد يقدران على الماء، والميت إذا دفن، لم يقدر على غسله، فإن كان مع الميت ماء، فهو أحقهم به، فإن خافوا العطش، شربوه، ويمموه وأدوا ثمنه في ميراثه.
قال القاضي حسين صورة المسألة اجتمع جنب، وحائض طهرت، وميت لم يغسل، وهناك ماء يكفي لأحدهم، فالميت به أولى يغسل به، ويتمم الحيان، لأن أمر الميت يفوت ويمكنها استعمال الماء في المستقبل
وصورة المسألة فيما إذا كان الماء مباحًا أو جاء أحد به، وجاء به على أحدهم لا على التعين.
وأما إذا كان لأحد الجنبين فهو أولى به، فلو كان هناك ميت وحي عليه نجاسة، وهناك ماء مباح فوجهان.
أحدهما: الميت أولى لما ذكرنا.
стр. 363
والثاني: من عليه النجاسة أولى لأحدهما.
فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: الجنب أولى؛ لأن وجوب الاغتسال في حقه منصوص عليه بقوله تعالى: (وإن كنتم جنبًا فاطهروا).
وأيضًا فإنه يمنع عن قراءة القرآن على قول القديم، ولأن الصحابة اختلفوا في تيمم الجنب، دون تيمم الحائض.
والثاني الحائض، أولى لأن حكم الحيض أغلظ بدليل أنه يحرم القربان إليها والجنابة بخلافه.
والثالث: هما سواء، يقرع بينهما.
فأما إذا كان هناك محدث يقرع بنهما.
فأما إذا كان هناك محدث وجنب.
إن كان الماء يكفي المحدث دون الجنب، فهو أولى، لأنه يكمل طهارته، وإن كان يكفي الجنب، ولو استعمله المحدث يفضل للجنب شيئًا منه، فيه وجهان:
أحدهما: الجنب أولى، لأن الجنابة أغلظ حكمًا.
والثاني: المحدث أولى، لأنه يكمل به طهارته، ويفضل للجنب بعضه.
هذا إن قلنا: إن وجدنا بعض الماء يلزمه الاستعمال، وإلا فالجنب أولى، وإن كان للميت ماء، فالميت أولى به، فأما إذا كان الحي مضطرًا إليه، فالمضطر أولى، والميت يتمم.
قال: (ويؤدي ثمنه في ميراثه).
قال القاضي حسين: وعني بالثمن القيمة.
فإن قيل: لم أوجب قيمته، وهو من ذوات الأمثال؟
قلنا: لأن الماء يقوم في مكان العز، ويضمن بالمثل في مكان الإباحة، فلو أوجبنا المثل.
стр. 364
ها هنا: يتضرر به الميت، حتى لو ظفر الوارث به في مكان للماء فيه قيمة، فله أن يغرمه المثل.
فأما إذا كان في مكان لا قيمة للماء فيه، وغرمه القيمة ثم اجتمع في مكان للماء فيه قيمة، فهل له أن يسترد القيمةن ويغرمه المثل؟
فيه وجهان:
وهكذا لو أتلف حنطة على إنسان بـ (مرو الروذ) ثم القيمة، ليس له أن يغرمه المثل، بل يغرمه قيمة الحنطة، ب (مرو الروذ)، ولو اجتمع في المكان الذي أتلف فيه الحنطة.
هل له أن يرد عليه القيمة ويسترد المثل؟
فعلى وجهين، وكذا لو أتلف على إنسان جملاً في الصيف، ثم ظفر به في الشتاء، وغرمه القيمة، ثم دخل الصيف.
فهل له رد القيمة، واسترداد المثل؟
فعلى وجهين، والله أعلم بالصواب.
стр. 365
باب ما يفسد الماء .
الماء على قسمين: قليل وكثير.
ويعني بالقليل ما يتقاصر عن القلتين، وبالكثير ما بلغ القلتين فصاعدًا، وسيأتي حكم الكثير.
فأما القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة.
وقال مالك: لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، كالماء الكثير واستدل عليه بقوله ﵇: خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
стр. 366
ولم يفصل بين القليل والكثير.
قلنا: هذا عام فنحمله على الكثير بدليل قوله ﵇: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا».
فمفهومه يدل على أن القليل بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي-﵀: وإذا وقع في الإناء نقطة خمر، أو بول أو دم، أو أي نجاسة كانت مما يدركه الطرف، فقد فسد الماء، ولا تجزئ به الطهارة.
قال القاضي حسين: خص بدركها الطرف بالذكر.
من أصحابنا من قال: المزني أخل بالنقل، لأن الشافعي إنما فصل بين ما يدركها الطرف، وبين ما لا يدركها الطرف في الثياب لا في الماء.
فإنه قال في القديم: وإن كان على ثوبه قدر كف من دم، فهو معفو، وإن كان من سائر النجاسات، إن كان مما لا يدركها الطرف فمعفو، وإن كان مما يدركها الطرف، فليس بمعفو.
وقال في الجديد: إذا كان عليه قدره دم البراغيث، من الدم الذي خرج من بدنه، فهو معفو، وسائر النجاسات لا يعفى عنها، أدركها الطرف، أو لم يدركها.
واستدل على قوله القديم بما روي عن جعفر بن عبد الله بن محمد الباقر أنه قال: لقد هممت أن أتخذ ثوبًا للمغتسل لما رأيت أن الذباب تقع على النجاسات، ثم تطير على الثياب، إلا إني رأيت السلف لا يتحرزون عن ذلك فتركته.
стр. 367
فحاصل المذهب: أن ما يدركها الطرف ينجس به الماء والثوب.
فأما ما لا يدركها الطرف:
من أصحابنا من جعل في الثوب والماء قولين:
أحدهما: ينجس به الماء والثوب.
والثاني: ينجس به الماء دون الثوب.
والفرق بينهما أن الماء يمكن صونه، وتغطيته في الأواني، كي لا يقع فيه الذباب، ولا يتعذر ذلك، بخلاف الثياب.
وأيضا فإن الذباب إذا طار من النجاسة، فتجف رجله في الهواء، ثم لو وقع على الثوب، وكان الثوب يابسًا، فإنه لا يؤثر فيه بخلاف الماء، فإنه مائع فإذا لاقاه الماء يترطب رجله فينجس به الماء.
قال المزني: وإن توضأ رجلٌ، ثم جمع وضوءه في إناء نظيف، ثم توضأ به، أو غيره، لم يجزه، لأنه أدي به الفريضة مرة، وليس بنجس لأنه النبي ﷺ توضأ ولا شك أن من بلل الوضوء [ما] يصيب ثيابه، ولا نعلمه غسله، ولا أحدًا من المسلمين فعله، ولا يتوضأ به، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة من غير نجاسة، وليس على ثوب، ولا أرض تعبد ولا أن يماسه ماء من غير نجاسة.
قال القاضي حسين: الماء المستعمل على قسمين: مستعمل في الحدث، ومستعمل في الخبث.
فأما المستعمل في الحدث فهو الذي استعمل في طهارة الفرض في المرة الأولى، وأدى به حكمي من حيض أو جنابة.
ظاهر المذهب: أنه طاهر غير مطهر.
وفيه قول قديم للشافعي، وهو مذهب مالك أنه طهور، وحكي عيسى بن أبان عن الشافعي هذا القول.
стр. 368
قال ابن سريج: وهم في نقل هذا القول، فظن أن مذهبه أن الماء المستعمل طهور لكثرة ما رأي الشافعي يحتج على أبي يوسف فيه على أنه طاهر.
وعن أبي حنيفة روايتان.
وقال أبو يوسف/ إنه نجس، وعندنا يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.
стр. 369
ولأي معنى صار مستعملاً.؟
فيه معنيان:
أحدهما: لأنه أدي به الفرض مرة، وقد نص عليه الشافعي في أول الفصل.
стр. 370
والثاني: أن يستعمل، ويؤدي به العبادة، مستنبط من قوله، لأن على الناس تعبدًا في أنفسهم بالطهارة، وليس على الثوب تعبد، ولا على أرض تعبد.
فعلى هذا: إذا استعمل الماء في الكرة الثانية والثالثة في الوضوء، أو جدد الوضوء أو اغتسل للجمعات، أو الأعياد أو الصبي المراهق يتوضأ.
هل يكون طهورًا أو لا؟
فيه وجهان ينبنيان على المعنيين.
إن قلنا: إن المعنى فيه أنه أدي الفرض به، وهذه المياه لم يؤد بها الفرض، فيكون طهورًا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: فلا يكون طهورًا، لأنه أدي به العبادة.
فأما الذمية إذا طهرت من الحيض، واغتسلت لقربان الزوج إليها.
إن قلنا بالمعنى الأول: يصير الماء مستعملا.
وإن قلنا بالمعنى الثاني: لا يصير الماء مستعملا، لأنه لم يؤد به العبادة.
فرع:
الماء المستعمل في إزالة الحدث، هل يجوز إزالة الخبث به
فوجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأن للماء قوتين:
قوة رفع الحدث، وقوة رفع الخبث.
والثاني: لا، لأن هذا ما لا يرفع الحدث، فلا يرفع الخبث، وكذا الماء المستعمل في إزالة الخبث.
فهل تجوز إزالة الحدث به؟
стр. 371
فوجهان على ما ذكرنا.
فرع:
فأما إذا جمع الماء المستعمل في إناء حتى بلغ قلتين.
فيه قولان:
أحدهما: يعود طاهرًا مطهرًا، لأنه صار إلى حاله، ولو كان عليه في الابتداء لم يحكم بكونه مستعملا، كالمياه النجسة، إذا جمعت حتى بلغت قلتين.
والثاني: لا بخلاف الماء النجس، لأن العلة لنجاسة القلة، وقد ارتفعت العلة إذا بلغت قلتين، وها هنا العلة فيه كونه مستعملا، وهذه الصفة تكون مع كثرة الماء، ولاترتفع عنه إذا بلغ قلتين.
فرع:
لا خلاف أن تجديد الوضوء سنة لقوله ﵇: الوضوء شطر الإيمان.
وروى عنه ﵇، أنه قال: من جدد الوضوء جدد الله إيمانه، فلو توضأ، ولم يصل به شيئا يكره له تجديد الوضوء، لأنه يؤدي إلى الزيادة على الثلاث في كل عضو.
وإن توضأ وصلى به الفرض، فإن أراد أن يصلي فرضًا آخر يستحب له تجديد الوضوء، وإن أراد أن يصلي به النافلة، هل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟
стр. 372
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن العادة ما جرت بتجديد الوضوء للنافلة.
والثاني: بلى؛ لأنه قد أدى بالوضوء فرضًا واحدًا.
فأما إذا توضأ وأدي به صلاة التطوع، ثم أراد أن يصلي صلاة الفرض، فهل يستحب له تجديد الوضوء أم لا؟
فيه وجهان ينبنيان على المعيين في الماء المستعمل.
إن قلنا: إن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به الفرض، فها هنا لا يستحب له تجديد الوضوء.
وإن قلنا: بأن الماء إنما يصير مستعملا إذا أدى به العبادة فها هنا يستحب له تجديد الوضوء ثانيًا.
فأما الماء المستعمل في إزالة الخبث فلا يخلو إما أن ينفصل عن المحل، ويحكم بطهارة المحل، أم لا يحكم بطهارته، فإن حكم بطهارة المحل، ينظر في الماء، فإن لم يكن متغيرًا.
الظاهر من المذهب: أنه طاهر.
وحكي أبو القاسم الأنماطي قولا آخر: أنه يكون نجسًا، وهو مذهب أبي حنيفة وفيه قول قديم، وهو مذهب مالك، أنه يكون طهورًا، والمذهب الأول فأما إذا كان الماء متغيرا فإنه يكون نجسًا وفي المحل وجهان:
أحدهما يكون طاهرًا، لأن النجاسة انتقلت منه إلى الماء.
والثاني: يكون نجسًا، لأنه بقي على المحل بلل، وهو بعض الماء، والماء الواحد لا ينقسم في الطهارة والنجاسة.
فأما إذا لم يحكم بطهارة المحل، بأن انفصل الماء عنه، وعين النجاسة على المحل باق، والماء متغير، فهما نجسان الماء والمحل، فأما إذا انفصل الماء غير متغير، والعين على المحل قائمة.
стр. 373
فالمحل نجس لا محالة، فأما حكم الماء يبني على المسألة الأولى إن قلنا هناك: يكون الماء نجسًا، فها هنا أولى.
وإن قلنا: لا يكون نجسًا فها هنا فيه وجهان.
والفرق أن هناك انفصل عن محل طاهر، وها هنا انفصل عن محل نجس، ثم ذكر ابن سريج في غسالة النجاسة ثلاثة معان:
أحدهما: أن حكم الماء بعد ما انفصل عن المحل حكم الماء قبل إيراده على المحل، وهذا ينزع إلى القول القديم.
والثاني: أن حكمه حكم المحل قبل ورود الماء عليه.
والثالث: أن حكمه حكم المحل بعد ورود الماء عليه، وفائدته إنما تظهر في غسالة ولوغ الكلب إذا أصاب محلا، فينبني على المعاني الثلاثة التي ذكرناها في غسالة غير الكلب، فإن أصابه في المرة أولى.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل لم يجب غسله منه.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه لم يجب غسله سبع مرات، ويجب التعفير.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراده الماء عليه، فيجب غسله ست مرات ثم إن وجد التعفير في محل الولوغ، فلا يجب ها هنا في الموضع الذي تقاطرت إليه وإلا فعليه التعفير، وعلى هذا القياس لو تقاطر من المرة الأولى والثانية والثالثة، فأما إذا تقاطر من المرة السابعة.
إن قلنا: إن حكمه حكم الماء قبل إيراده على المحل، فلا يجب غسله.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل قبل إيراد الماء عليه، فيجب غسله مرة واحدة، وحكم التعفير على ما ذكرنا.
وإن قلنا: إن حكمه حكم المحل بعد إيراد الماء عليه لا يجب غسله أيضًا، وفي غسلات الكلب إذا جمعت وجهان:
стр. 374
أحدهما: أنها نجسة ما لم تبلغ قلتين.
والوجه الثاني: أنها طاهرة، لأن مجموعها طهرت المحل، فصار كغسالة غير الكلب، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: وإذا ولغ الكلب في الإناء، فقد نجس الماء، وعليه أن يهريقه، ويغسل منه الإناء سبع مرات، أولاهن بالتراب، كما قال رسول الله ﷺ .
قال القاضي حسين: إذا ولغ الكلب فيه فقد نجس الماء وعليه أن يهريقه، ويغسل الإناء منه سبع مرات، أولاهن أو آخرهن بالتراب.
وقال أبو حنيفة: يغسل ثلاث مرات، ولا يجب التعفير، وكذا عند حكم سائر النجاسات الحكمية، والدليل عليه حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ ، قال: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب.
ولا نعنى بالتعفير إن نلقي التراب الجامد في الإناء، ونمسح به الإناء أو الطين، إذا كان متجمدًا غير سيال يلقى فيه، وتحركه فيه، بل نعنى به أن نلقي التراب في واحد من الغسلات السبعة مع الماء، حتى يتكدر الماء به، فيكون محسوبًا، ولو كان الماء كدرًا بالتراب بأن كان في وقت الربيع، فإنه يقوم مقام التعفير.
فأما الغسلة الثامنة هل تقوم مقام التراب أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى، لأن الماء أبلغ قوة في التطهير.
стр. 375
والثاني: لا؛ لأن النص ورد في التراب تعبدًا.
وهي يقوم غير التراب من الأشنان، والصابون والنخالة مقام التراب أم لا؟ فيه قولان نص عليهما في الجديد:
أحدهما: لا؛ لورود النص في التراب.
والثاني: وهو اختيار المزني، نعم، لأنها طهارة ورد الشرع بها بالجامد فلم يختصر بذلك الجامد كالاستنجاء وكالدباغ ثم اختلفوا في محل القولين منهم من قال: القولان في جميع المحال كلها.
ومنهم من قال القولان عند عدم التراب، لأن الشافعي، قال وإن كان في بحر لا يجد فيه ترابًا، فأما إذا وجد التراب قول واحد: أنه لا يجوز.
ومنهم من عكس ذلك وقال: عند وجود التراب قولان.
قال: فإن كان في بحر، لا يجد فيه ترابًا، فغسله بما يقوم مقام التراب في التنظيف من أشنان أو نخالة، أو ما أشبهه ففيه قولان:
أحدهما: ألا يطهر إلا بأن يماسه التراب.
والاخر: يطهر بما يكون خلفا من تراب، أو انظف منه [مما] وصفت، كما نقول في الاستنجاء.
قال المزني: قلت أنا: هذا أشبه بقوله: لأنه جعل الخزف في الاستنجاء، كالحجارة لأها لا تقي إنقاءها، فكذلك يلزمه أن يجعل الأشنان كالتراب، لأنه ينقي نقاءه، أو أكثر وكما جعل ما عمل عمل القرظ والشث في الإهاب في معنى لقرظ والشث، فكذلك الأشنان في تطهير الإناء في معنى التراب.
قال المزني: [الشث شجرة تكون بالحجاز].
قال القاضي حسين: أراد به أن الغالب أن التراب لا يوجد في البحر، كما نص على الحجر في الاستنجاء، فذكره لا لتعليق الحكم.
стр. 376
فأما عند عدم التراب قول واحد: أنه يجوز.
فإذا قلنا: غير التراب في الإناء يقوم مقامه، ففي التراب أولى، وإلا فوجهان، والفرق أن تأثير الأشنان والصابون أقوي في الثوب.
وأيضا إن العادة ما جرت باستعمال التراب في غسل الثياب، لأنه مما يفسده بخلاف الأواني.
فأما إذا أصاب الأرض ولوغ الكلب، ففي اعتبار التعفير وجهان:
الأظهر: أنه لا يعتبر، لأنه يحصل في كل مرة.
والثاني: بلي، للنص.
فأما إذا ولغ الكلب في إناء، ثم غمس الإناء في ماء لا يخلو، إما أن يكون الماء جاريًا أو راكدًا، فإن كان جاريًا إن تركه فيه ريثما يجري الماء عليه سبع جريات فذاك.
والثامنة هل تقوم مقام التعفير؟ فعلى ما ذكرنا من الوجهين:
وإن أخرجه في الحال فعلى وجهين:
أحدهما: عاد طاهرًا لأنه صار إلى حالة لو كان عليها لم ينجس بالولوغ. والثاني: لا، ويحتسب ذلك غسلة واحدة.
وإن كان الماء راكدًا، فإن غمسه فيه، وخضخض الماء فيه سبع مرات فذاك، وإن أخرجه في الحال لا يعود طاهرًا، وإن تركه فيه زمانًا، ولم يحرك الماء، فيه وجهان.
فأما دم الكلب وبوله في ظاهر المذهب كريقه إذا راعينا المعنى، وهو قوله الجديد، وإن راعينا النص، وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذلك إن مس قوائمه، أو بجزء من أجزائه موضعًا رطبًا إن راعينا القياس، وهو قوله الجديد يلزمه غسله سبع مرات إحداهن بالتراب، وإن راعينا النص،
стр. 377
وهو قوله القديم حكمه حكم سائر النجاسات، وكذا حكم الخنزير حكم الكلب في الجديد، لأنه أسوأ حالاً منه، إذ هو متفق في تحريمه، والكلب مختلف فيه.
وفي القديم إذا راعينا النص حكمه حكم سائر النجاسات.
فرع:
لو ولغ كلبان في إناء واحد وأكثر لا تجب فيه الزيادة على السبع، بخلاف ما لو بال رجلان في أرض يصب عليه ذنوبان من الماء، لأن ذلك لإذهاب عين النجاسة فكلما أزدادت النجاسة زيد في الماء بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: ﵀، ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثًا، أحب إلى فإن غسله واحدة، تأتي عليه، طهر، وما مس الكلب والخنزير من الماء من ابدانهما نجسة، وإن لم يكن في أبدانهما قذر.
قال القاضي حسين: فقد ذكرنا حكم نجاسة الكلب والخنزير، وأما نجاسة سواهما، إن كانت عينية فعليه إزالة العين، فإن لم يذهب الأثر، فعليه أن يغسله بالأشنان وغيره، ويستقصى فيه، فإن لم يذهب فالظهر أنه يكون معفوًا لما روى عن عائشة، ﵂ أنها قالت كنا نغسل الثياب من دم الحيض وتبقي فيه بقعة، أو بقع، فنمسحها بالحناء، ونصلي فيها.
وإن كانت حكمية فنغسلها إلى أن يغلب على ظنه طهارته، ولا يعتبر فيه العدد.
ومن أصحابنا من قال: إنه يصب عليه سبعة أضعاف النجاسةن والصحيح هو الأول، ويدل عليه حديث أسماء.
وقوله: (ثم اغسليه بالماء)،
قال القاضي حسين، ليس فيه ذكر عدد، ولا شيء، ولكن يستحب عندنا غسله ثلاث مرات.
стр. 378
وقال أبو حنيفة: إنها واجبة، وقد ذكرناه.
فأما إذا انغمس الثوب في نجاسة من بول وغيره، ثم غسل بماء معلوم القدر، وانفصل منه الماء، ووزن بعده، فإن زاد الماء على مقداره يكون نجسًا، لا محالة، وإن لم يكن متغيرًا، لأن هذه الزيادة أقوى دليل على نجاسته من التغيير.
ثم المزني احتج على أبي يوسف في أن الماء المستعمل طاهر، حيث قال: إنه ماء طاهر منفصل عن محل طاهر، فالنجاسة من أين.
فاعترضوا عليه بأن قالوا: عندكم لو كان الماء القليل في إناء فنجس، وفي إناء آخر مثله، وكان نجسأ ثم جمعا في إناء واحد، وبلغا قلتين يصيران طاهريين، وهذا ماء نجس اجتمع مع ماء نجس فالطهارة من أين.؟
جوابه ما ذكرنا أن العلة فيه القلة عندنا وقد ارتفعت بالجمع والكثرة،
والثاني: قالوا: إذا غر العبد بأمة فولدت منه، قلتم،: بأن الولد حر، وهذا مولد بين رقيقين، والحرية من أين؟
جوابه: أنه وطئها على زعم أن ولده يكون حرًا منها، فإذا غر بالأمة صار الولد حرًا لغروره بذلك.
واحتج مالك في كونه طهورًا، وقاسه على الثياب أنه يجوز أن يتأدى به فرائض كثيرة، فكذا الماء مثله، وهذا شرط من شرائط الصلاة، كالستر، سواء قلنا: الفرق بينهما أن العادة جرت أن الناس يصلون في ثوب واحد أيامًا، بخلاف الماء، وأيضا فإنه جامد، فلم يصر مختلطًا به، ولا مستعملا في شيء حقيقة، بخلاف الماء.
قال المزني: واحتج بأن الخنزير أسوأ حالا من الكلب، فقاسه عليه، وقاس ما سوى ذلك من النجاسات على أمر النبي ﷺ أسماء بنت أبي بكر في دم الحيضة، يصيب الثوب، أن تحته، ثم تقرصه بالماء، وتصلي فيه، ولم يوقت في ذلك سبعًا، قال القاضي حسين: أسار الحيوانات على نوعين، فإن كان الحيوان نجس
стр. 379
العين كالكلب والخنزير والمتولد منهما، أو من أحدهما، سؤر الكل نجس، فأما ما كان طاهر العين، فسؤره يكون طاهرًا يستوي فيه الآدمي وغيره من البهائم والسباع وغيره.
فأما الهرة فسؤرها طاهر، فأما إذا أكلت نجاسة، ثم ولغت في ماء قليل في الحال حكم بنجاسة ذلك، ولو تحقق طاهرة فمها، ثم ولغت في الماء القليل لا يحكم بنجاسته فلو عادت، ثم عادت وولغت ينظر فإن لم يكن هناك ما يتوهم أنها ولغت فيه، وطهرت فمها فإنه يحكم بنجاسة ذلك الماء، ولو بقيت مدة يحتمل ورودها على ماء كثير بأن كان ماء كثير قريب من ذلك الموضع فوجهان:
أحدهما: يحكم بطهارته لاحتمال ورودها على الماء الكثير.
والثاني: لا يحكم لأنا تيقنا نجاسة فمها، وشككنا في الطهارة، فاجتمع فيه الأصل والظاهر، وكل مسألة اجتمع فيها الأصل والظاهر، فيه قولان للشافعي ﵀.
وقال أبو حنيفة ﵀: ما كان مأكول اللحم، فسؤره يكون طاهرًا، إلا سؤر الدجاجة، فإنه يكون مكروهًا لأنها تأكل العذرة، وما كان غير مأكول من الحيوان، فسؤره يكون نجسًا، وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه.
قال المزني: واحتج في جواز الوضوء بفضل ما سوى الكلب والخنزير بحديث رسول الله ﷺ أنه سئل أنتوضأ بما أفضلت الحمر: قال نعم، وبما أفضلت السباع كلها، وبحديث أبي قتادة ﵁ في الهرة أن رسول الله ﷺ قال إنها ليست بنجس وبقوله ﵊ إذا سقط الذباب في الطعام، فامقلوه، فدل على أنه ليس في الأحياء نجاسة إلا ما ذكرت من الكلب والخنزير.
قال القاضي حسين: وقال سؤر الحمار والبغل مشكوك فيه، وأما الخيل عند محمد، فسؤرها طاهر، وعند أبي حنيفة، مشكوك فيه كالبغل، وسؤر سباع
стр. 380
الطيور مكروهة، وسؤر سباع البهائم نجسة، لأنها تأخذ الماء بمشفريها، وذلك لحم، وتتعدى النجاسة إلى الماء بخلاف سباع الطيور، فإنهن يأخذ الماء بالمخالب، وذلك عظم لا تتعدي النجاسة منهن إلى الماء، فيدل عليه ما روى أن النبي ﷺ سئل، أيتوضأ بما أفضلت الحمر، قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها.
والدليل عليه حديث أبي قتادة في الهرة إلى قوله: إنها من الطوافين عليكم، وبقوله: إذا سقط الذباب في الطعام فامقلوه.
стр. 381
فدل أنه ليس سؤرهن بنجس إلا سؤال الكلب والخنزير، قال القاضي حسين: قوله: والذباب لا يؤكل لم يرد به أنه ليس مأكولا، إذ لا يشتبه ذلك على أحد، ولكن قصد به التعليل، وأنه غير مأكول، ومع ذلك أمر النبي ﷺ بمقله في الطعام.
دل على أن الحكم لا يدور على المأكول في طهارة السؤر ونجاسته، كما قال أبو حنيفة، بل الأمر على ما بيناه.
وقوله: (وغمس الذباب في الإناء ليس يقتله).
قال القاضي حسين: إنما قال ذلك مع أبي حنيفة، حيث أستدل به على أن ما ليس له نفس سائلة من الحيوانات إذا مات في طعام لا ينجسه عنده، ووجه الاستدلال له أنه أمر بالغمس فيه، فلو كان ينجسه إذا مات فيه لما أمر بذلك.
فأما ألبان ما لا يؤكل لحمه لا لحرمته، فنجسة على ظاهر المذهب.
والقياس أنها طاهرة كالعرق والريق، إلا أن الصحيح أنها نجسة، لأن اللبن مما يتغذى به، كاللحم سواء، وإنما يعفي عن العرق والريق وغيره لعموم البلوى به.
وقال الإصطخري: لبن الأتان طاهر كعرقه.
قال المزني: فإن مات ذباب أو خنفساء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر، إن وقع الماء أو نحوهما في إناء، نجسه.
وقال في موضع آخر: إن وقع في الماء الذي ينجسه مثله، إذا كان مما له نفس سائلة.
قال المزني: هذا أولى بقول العلماء، وقوله معهم أولى به من انفراده عنهم، قال: وإن وقعت فيه جرادة ميتة، أو حوت، لم تنجسه، لأنهما مأكولان ميتين.
стр. 382
قال: ولعاب الدواب، وعرقها قياسًا على بني آدم.
قال: وأيما إهاب ميتة دبغ بما يدبغ به العرب أو نحوه، فقد طهر، وحل بيعه، ويتوضأ فيه، إلا جلد كلب، أو خنزير، لأنهما نجسان، وهما حيان، ولا يطهر بالدباغ عظم، ولا صوف، ولا شعر، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إذا مات في الماء القليل حيوان لا يخلو، إما أن يكون آدميا، أو غير آدمي، فإن كان آدميا، ففيه جوابان بناء على أن الآدمي، هل ينجس به، الماء.
وقسم لا يؤكل لحمه، وهو قسمان:
قسم له نفس سائلة إذا مات في الماء القليل ينجس الماء.
وقسم ليس له نفس سائلة، وهو قسمان:
منها ما يكون نشوءه في الطعام، كدود الباقي والخلي والتفاح ونحوه، فلا ينجس محل نشوئه إذا مات فيه للضرورة العامة، وإن أخرج من هذا المحل، ثم رد إليه، أو مات في غير محل نشوئه حكمه حكم ما ليس نشوءه في الطعام مثل الخنفساء والوزغ والعقرب وغيرها.
وفيه قولان:
في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة عن المزني: أنه ينجس بالموت.
وفي رواية عدنان: لا ينجس.
وقال أبو حامد قولا واحدًا: أنه ينجس بالموت، ولكن القولان في تنجس الماء به.
стр. 383
وقال القفال: القولان في أنه هل ينجس بالموت أم لا؟
إن قلنا: ينجس بالموت فينجس الماء به، وإلا فلا.
فأما دود القز، فإنه طاهر في حال حيته، ويجوز لانتفاع به، ويجوز بيعه، والصلاة معه ثم إذا مات، هل ينجس بالموت أم لا؟
فيه قولان.
فأما براز دود القز ورقه، هل يجوز بيعه والصلاة معه، إن قلنا: إذا مات لا ينجس، فيجوز ذلك، وإن قلنا: ينجس بالموت فلا يجوز، وإن قلنا: لا يجس بالموت، هل يجب غسل اليلح إذا مات فيه؟ إن قلنا ينجس بالموت، يجب غسله، وإلا فلا، فأما الهلب إذا خرز به خف لا تجوز الصلاة معه، فإذا غسل هل تجوز الصلاة معه؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتصور غسل باطنه، فإن الماء لا يدخل تحت تلك الثقبة التي أصابها الهلب وفيه الخرز، فلا يتحقق طهارته، ثم ذكر الشافعي ﵀ ما يطهر بالدباغ وما لا يطهر، وقد أطلنا الكلام فيه فيما تقدم فلا يفيد، والله أعلم بالصواب.
стр. 384
باب الماء الذي ينجس، والذي لا ينجس
قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن الوليد بن كثير المخزومي، عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، ﵄، عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو قال: خبثًا.
وروى الشافعي أن ابن جريج رواه عن النبي ﷺ بإسناد لا يحضر الشافعي [ذكره]: أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان الماء قلتين، لم يحمل نجسًا، أو خبثًا، وقال في الحديث: بقلال هجر.
قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر، فالقلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئا، قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الماء القليل، وهو ما يتقاصر عن قلتين، والكلام في هذا الباب في حكم الماء الكثير، والماء الكثير هو أن يبلغ قلتين.
واختلف أصحابنا في قدر القلتين.
منهم من قال: القلتان خمسمائة من؛ لأن القلة اسم لما يستقل به البعير، والبعير إنما يستقل بمائتين وخمسين منا.
ومنهم من قال: القلتان ثلاثمائة من، لأن بعران العرب كانت صغارا لا تستقل بأكثر من وسق، وهو ستون صاعًا، فيكون مائة وستين منا، والقلتان ثلاثمائة وعشرون منا، فيذهب الوعاء والحبال عشرين منا، ويبقى الماء الخالص ثلاثمائة من.
ومنهم من قال: وهو الصحيح إن القلتين مائتان وخمسون منا لما روي
стр. 385
عنه ﵇، أنه قال: إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر لم يحمل خبثًا أو نجسًا.
قال ابن جريج: رأيت قلال (هجر) فكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا.
قال الشافعي: الاحتياط أن يجعل الشيء نصفا، لأن العرب إذا ذكروا عددا أو شيئا، أرادوا بالشيء النصف، أو ما دونه، فتكون القلتان خمس قرب، كل قربة تكون خمسين منا، فجملتها مائتان وخمسون منا، وحده في الماء الكثير ذراع وربع في ذراع وربع طولا وعرضًا وعمقًا.
واختلف أصحابنا في أن هذا القدر تحديد أم تقريب.
فإن قلنا: إنه تحديد لو انتقص منه شيء، حكمه حكم القليل، وإن كان ما انتقض منه نصف من أو أقل منه، كما قلنا في نصاب الذهب والفضة، في باب الزكاة، لما كان ذلك القدر تحديدًا إذا انتقص منه شيء، قل أم كثر سقط الزكاة، وإن قلنا: أنه تقريب، فعلى هذا لو انتقص منه من أو منان أو ثلاثة لا يدخل في حد القلتين.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في حد الماء الكثير فسئل محمد بن الحسن عن ذلك، فقال: هو أن يبلغ مسجدي هذا، فذرع مسجده، فقيل: إنه ثمان في ثمان.
وقيل: إنه عشر في عشر.
وقيل: إنه خمس عشرة في خمس عشرة.
وقيل: إنه عشرون في عشرين.
ومنهم من قال: حد الماء الكثير هو أنه إذا حرك أحد جوانبه لا يتحرك الآخر.
стр. 386
ومنهم من قال: حده إذا وقعت النجاسة في الماء، فكل موضع تيقن وصول النجاسة فيه فيحكم بنجاسته، وإلا فلا، حتى إن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، تنجس ما يلى موضع النجاسة ما يحتمل وصولها إليها، فأما ما لا يحتمل لا يحكم بنجاسته.
دليلنا عليه قوله ﵇: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا).
يعني: يدفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم، يعني يدفع الضيم والظلم عن نفسه.
فإن قيل: هذا مجمل لا يمكن الاستدلال به، لأن القلة اسم لأشياء كثيرة، فإنه يقال لرأس الحبل، قلة، ولقامة الإنسان قلة، وللكيزان الصغار قلة، ولما يستقله البعير قلة.
فإذا كان هذا الاسم متشركا بين أشياء، فلا يجوز تخصيصه بشيء دون شيء، إلا بدليل.
قلنا: القلة وإن كانت لأشياء، إلا أنه إذا ذكرت مقرونة باسم الماء، فإنه يعرف منه ويفهم ما ذكرنا.
وكلام صاحب الشرع إذا أطلق، فإنه يحمل على ما والمعهود والمتعارف بين الناس، هذا كما قال ﵇: في العينين الدية.
فإنه يحمل على عين الإنسان أعني الجارحة المخصوصة، حين ذكرها مقرونة باسم الدية، وإن كان اسم العين ينطلق على أشياء من عين الشمس، وعين الماء وغيرها.
стр. 387
كذا هذا مثله على أن ما ذكرتم لا يصلح أن يكون حدًا، لأن الحد ما يكون معلومًا، ويكون جامعًا مانعًا.
وقولكم: بأن حده أن يكون عشرًا في عشر، فقد وجد منكم اضطراب متفاحش على ما حكيناه، ولئن قلتم: حده ما إذا حرك أحد جوانبه تحرك الجانب الآخر.
هذا لا يكون جامعًا مانعًا، لأنه قد يختلف باختلاف حال المحرك، فإن المحرك لو كان قليلا، ربما يتحرك به الجانب الآخر، ولو كان عصفورا لا يتحرك به الجانب الآخر.
ولئن قلتم: بأن ما يلي النجاسة من الماء يكون نجسًا، وما سواه طاهرًا، وهذا يؤدي إلى أن نحكم بأن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة أن يكون جميع مائة نجسًا بأن يصب نجاسة في كوز ماء، ثم يصيب الكوز في الحوض، فيصير الكل نجسًا، ثم يصب الحوض في الغدير، فيصير نجسًا، ثم يصب الغدير في الوادي، فيصير نجسًا، ثم يصب الوادي في البحر العظيم حتى لو وصل ماؤه إلى جميع البحر، فيصير الكل نجسًا فهذا فاسد جدًا.
واحتج الشافعي: ﵀ أيضا بما روى أن النبي ﷺ سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها المحائض، ولحوم الكلام، وما ينجي الناس.
فقال ﵇: خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته.
واختلفوا في إلقاء هذه النجاسات في بئر بضاعة.
منهم من قال: كان أهل الجاهلية يلقونها فيها.
وقيل: كان في الإسلام يفعلون ذلك مغايظة النبي ﷺ .
стр. 388
وقيل: إن البئر كانت في وهدة من الأرض، وكان على فوهه مزلة تطرح فيها هذه النجاسات، فكانت تهب الريح وتلقيها فيها.
واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه نزح زمزم من زنجي مات فيه.
أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة في سطرين:
أحدهما: قال: إنا لا نعرفه، وزمزم عندنا، يعني مكة، ونحن أهل مكة فكيف بلغكم ذلك؟
فأشار إلى ضعف هذا الأثر.
وقد روى عن سفيان أنه لم ينزح زمزم في الجاهلية، ولا في الإسلام.
والثاني: قال: روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: أربع لا يجنبن الماء والأرض والثوب والبدن، يعني: لا يضربك بحيث يجتنب عنهن، ثم قال: وهو لا يخالف النبي ﵇ يعني الحديث المعروف.
والثالث: قال: يحتمل أنه إنما نزح؛ لأن الدم قد ظهر عليه وغير لونه، أو جعله تظيفا لا واجبا، لأنه معد للشرب.
وقيل: إنه ماء جار، فلا يتصور نزحه بوجه ما.
قال المزني: قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب.
قال: وقرب الحجاز كبار، واحتج بأنه قيل: يا رسول الله، إنما تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض ولحوم الكلام، وما ينجي الناس، فقال: الماء لا ينجسه شيء، قال ومعنى لا ينجسه شيء، إذا كان كثيرًا لم يغيره النجس.
وروى عن النبي ﷺ أنه قال: خلق الماء طهورًا، لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه.
وقال فيما روى عن ابن عباس: أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها: إنا لا
стр. 389
نعرفه، وزمزم عندنا، وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يخبثن فذكر الماء منها، وهو لا يخالف النبي ﷺ وقد يكون الدم ظهر فيها، فنزحها، إن كان فعل أو تنظيفا، لا واجبًا.
قال: وإذا كان الماء خمس قرب كبار من قرب الحجاز، فوقع فيه دم أي نجاسة كانت، فلم [تغير] طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، لم ينجس، وهو بحاله طاهر، لأن فيه خمس قرب، فصاعدًا، وهذا فرق ما بين الكثير الذي لا ينجسه إلا ما غيره وبين القليل الذي ينجسه ما لم يغيره، فإن وقعت ميتة في بئر، فغيرت طعمها، أو ريحها أو لونها، أخرجت الميتة ونزحت البئر، حتى يذهب تغيرها، فتطهر بذلك.
قال: وإذا كان الماء أقل من خمس قرب، فخالطته نجاسة، ليست بفائحة نجسته، فإن صب عليه ماء، أو صب على ماء آخر، حتى يكون الماءان جميعًا، خمس قرب فصاعدًا، لم ينجس واحدٌ منهما صاحبه.
[قال]: فإن فرقا بعد ذلك، لم ينجسا بعد ما طهرا إلا بنجاسة، تحدث فيهما.
قال القاضي حسين: وهذا ركاكة في اللفظ، حيث قال: الماء إذا كان خمس قرب فلم ينجس بوقوع النجاسة فيه، إذا لم يغير طعمه أو لونه أو رائحته، لأنه خمس قرب، جعل صورة المسألة دليلا في المسألة، والشافعي لم يقل هكذا، وإنما قال: لأنه كثير، فجعل الكثرة حدا، أو علة ذلك.
إذا ثبت هذا جملة المياة قسمان: راكد وجار.
فالراكد إذا وقعت فيه نجاسة لا يخلو إما أن يكون دون القلتين، أو قلتين فصاعدًا.
فإن كان دون القلتين، فلا يخلو إما أن تكون النجاسة ذائبة أو جامدة.
فإن كانت ذائبة تنجس الماء، سواء تغير الماء به، أو لم يتغير، وإنما يصير طاهرًا بأمرين:
стр. 390
أحدهما: زوال التغير.
والثاني: بلوغ القلتين، حتى لو صب فيه ماء أو نبع فيه ماء، ولم يبلغ قلتين لم يطهر، وإن زال تغيره، وكذا لو بلغ قلتين، ولم يزل التغير.
فإما إذا بلغ قلتين، وزال التغير حينئذ يصير طاهرًا.
فأما إذا كان أكثر من قلتين، فوقعت فيه نجاسة، فلا ينجس ما لم يغير أحد أوصافه الثلاث، فإذا غير أحد هذه الأوصاف يحكم بنجاسته، ثم إنما يظهر ذلك بأن زال تغيره، وهذا إنما يحصل بأن يصب فيه ماء آخر، أو نزح منه الماء، أو نبع فيه الماء، أو هبت عليه الرياح أو مرت عليه الايام، أو أشرقت عليه الشمس، أو نبت فيه العشب، أو الطحلب، فإذا زال تغيره بأحد هذه الأشياء يحكم بطهارته فأما إذا ألقي فيه شيء من الزعفران، أو الكافور، أو شيء له رائحة طيبة، فزال التغير به لا يعود طاهرًا، لأن هذه الأشياء تخفي اللون وتفشي الرائحة، ولا تزيل التغير، ولو ألقي فيه التراب حتى تغير لونه، فيه قولان:
أحدهما: أنه كالزعفران، فإنه يغطيه ولا يزيل.
والثاني: أنه كالماء؛ لأنه طهور كالماء، بخلاف الزعفران.
فأما إذا كانت النجاسة مستجدة، ووقعت فيما دون القلتين ينجس الماء بها، سواء، تغير أحد أوصافه الثلاث، أو لم يتغير وقد ذكرناه.
فأما إذا كان الماء قلتين فحسب.
قال في الجديد: يكون نجسًا، ولا يسعه استعماله، ولا الاغتراف منه، لأنه يلزمه أن يتباعد عن النجاسة بقدر قلتين، وهذا لا يتصور في القلتين، حتى لو صب فيه الماء، بحيث إنه بلغ مبلغا يمكنه أن يرفع الماء، وبينه وبين النجاسة قلتان، جاز.
وقال في القديم: إنها كالنجاسة الذائبة، حتى أنه يجوز أن يغرف منه، ويستعمله إذا لم يكن متغيرا من أي موضع شاء، وهذا القول أصح في هذه
следующие страницы →