← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومنهم من قال: حده إذا وقعت النجاسة في الماء، فكل موضع تيقن وصول النجاسة فيه فيحكم بنجاسته، وإلا فلا، حتى إن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة، تنجس ما يلى موضع النجاسة ما يحتمل وصولها إليها، فأما ما لا يحتمل لا يحكم بنجاسته. دليلنا عليه قوله ﵇: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا). يعني: يدفع الخبث عن نفسه، كما يقال: فلان لا يحمل الضيم، يعني يدفع الضيم والظلم عن نفسه. فإن قيل: هذا مجمل لا يمكن الاستدلال به، لأن القلة اسم لأشياء كثيرة، فإنه يقال لرأس الحبل، قلة، ولقامة الإنسان قلة، وللكيزان الصغار قلة، ولما يستقله البعير قلة. فإذا كان هذا الاسم متشركا بين أشياء، فلا يجوز تخصيصه بشيء دون شيء، إلا بدليل. قلنا: القلة وإن كانت لأشياء، إلا أنه إذا ذكرت مقرونة باسم الماء، فإنه يعرف منه ويفهم ما ذكرنا. وكلام صاحب الشرع إذا أطلق، فإنه يحمل على ما والمعهود والمتعارف بين الناس، هذا كما قال ﵇: في العينين الدية. فإنه يحمل على عين الإنسان أعني الجارحة المخصوصة، حين ذكرها مقرونة باسم الدية، وإن كان اسم العين ينطلق على أشياء من عين الشمس، وعين الماء وغيرها.

стр. 387

كذا هذا مثله على أن ما ذكرتم لا يصلح أن يكون حدًا، لأن الحد ما يكون معلومًا، ويكون جامعًا مانعًا. وقولكم: بأن حده أن يكون عشرًا في عشر، فقد وجد منكم اضطراب متفاحش على ما حكيناه، ولئن قلتم: حده ما إذا حرك أحد جوانبه تحرك الجانب الآخر. هذا لا يكون جامعًا مانعًا، لأنه قد يختلف باختلاف حال المحرك، فإن المحرك لو كان قليلا، ربما يتحرك به الجانب الآخر، ولو كان عصفورا لا يتحرك به الجانب الآخر. ولئن قلتم: بأن ما يلي النجاسة من الماء يكون نجسًا، وما سواه طاهرًا، وهذا يؤدي إلى أن نحكم بأن البحر العظيم إذا وقعت فيه نجاسة أن يكون جميع مائة نجسًا بأن يصب نجاسة في كوز ماء، ثم يصيب الكوز في الحوض، فيصير الكل نجسًا، ثم يصب الحوض في الغدير، فيصير نجسًا، ثم يصب الغدير في الوادي، فيصير نجسًا، ثم يصب الوادي في البحر العظيم حتى لو وصل ماؤه إلى جميع البحر، فيصير الكل نجسًا فهذا فاسد جدًا. واحتج الشافعي: ﵀ أيضا بما روى أن النبي ﷺ سئل فقيل له: إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها المحائض، ولحوم الكلام، وما ينجي الناس. فقال ﵇: خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء، إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته. واختلفوا في إلقاء هذه النجاسات في بئر بضاعة. منهم من قال: كان أهل الجاهلية يلقونها فيها. وقيل: كان في الإسلام يفعلون ذلك مغايظة النبي ﷺ .

стр. 388

وقيل: إن البئر كانت في وهدة من الأرض، وكان على فوهه مزلة تطرح فيها هذه النجاسات، فكانت تهب الريح وتلقيها فيها. واحتجوا بما روى عن ابن عباس أنه نزح زمزم من زنجي مات فيه. أجاب الشافعي عنه بأربعة أجوبة في سطرين: أحدهما: قال: إنا لا نعرفه، وزمزم عندنا، يعني مكة، ونحن أهل مكة فكيف بلغكم ذلك؟ فأشار إلى ضعف هذا الأثر. وقد روى عن سفيان أنه لم ينزح زمزم في الجاهلية، ولا في الإسلام. والثاني: قال: روى عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: أربع لا يجنبن الماء والأرض والثوب والبدن، يعني: لا يضربك بحيث يجتنب عنهن، ثم قال: وهو لا يخالف النبي ﵇ يعني الحديث المعروف. والثالث: قال: يحتمل أنه إنما نزح؛ لأن الدم قد ظهر عليه وغير لونه، أو جعله تظيفا لا واجبا، لأنه معد للشرب. وقيل: إنه ماء جار، فلا يتصور نزحه بوجه ما. قال المزني: قال الشافعي: فالاحتياط أن تكون القلتان خمس قرب. قال: وقرب الحجاز كبار، واحتج بأنه قيل: يا رسول الله، إنما تتوضأ من بئر بضاعة وهي تطرح فيها المحايض ولحوم الكلام، وما ينجي الناس، فقال: الماء لا ينجسه شيء، قال ومعنى لا ينجسه شيء، إذا كان كثيرًا لم يغيره النجس. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: خلق الماء طهورًا، لا ينجسه شيء إلا ما غير ريحه أو طعمه. وقال فيما روى عن ابن عباس: أنه نزح زمزم من زنجي مات فيها: إنا لا

стр. 389

نعرفه، وزمزم عندنا، وروى عن ابن عباس أنه قال: أربع لا يخبثن فذكر الماء منها، وهو لا يخالف النبي ﷺ وقد يكون الدم ظهر فيها، فنزحها، إن كان فعل أو تنظيفا، لا واجبًا. قال: وإذا كان الماء خمس قرب كبار من قرب الحجاز، فوقع فيه دم أي نجاسة كانت، فلم [تغير] طعمه، ولا لونه، ولا ريحه، لم ينجس، وهو بحاله طاهر، لأن فيه خمس قرب، فصاعدًا، وهذا فرق ما بين الكثير الذي لا ينجسه إلا ما غيره وبين القليل الذي ينجسه ما لم يغيره، فإن وقعت ميتة في بئر، فغيرت طعمها، أو ريحها أو لونها، أخرجت الميتة ونزحت البئر، حتى يذهب تغيرها، فتطهر بذلك. قال: وإذا كان الماء أقل من خمس قرب، فخالطته نجاسة، ليست بفائحة نجسته، فإن صب عليه ماء، أو صب على ماء آخر، حتى يكون الماءان جميعًا، خمس قرب فصاعدًا، لم ينجس واحدٌ منهما صاحبه. [قال]: فإن فرقا بعد ذلك، لم ينجسا بعد ما طهرا إلا بنجاسة، تحدث فيهما. قال القاضي حسين: وهذا ركاكة في اللفظ، حيث قال: الماء إذا كان خمس قرب فلم ينجس بوقوع النجاسة فيه، إذا لم يغير طعمه أو لونه أو رائحته، لأنه خمس قرب، جعل صورة المسألة دليلا في المسألة، والشافعي لم يقل هكذا، وإنما قال: لأنه كثير، فجعل الكثرة حدا، أو علة ذلك. إذا ثبت هذا جملة المياة قسمان: راكد وجار. فالراكد إذا وقعت فيه نجاسة لا يخلو إما أن يكون دون القلتين، أو قلتين فصاعدًا. فإن كان دون القلتين، فلا يخلو إما أن تكون النجاسة ذائبة أو جامدة. فإن كانت ذائبة تنجس الماء، سواء تغير الماء به، أو لم يتغير، وإنما يصير طاهرًا بأمرين:

стр. 390

أحدهما: زوال التغير. والثاني: بلوغ القلتين، حتى لو صب فيه ماء أو نبع فيه ماء، ولم يبلغ قلتين لم يطهر، وإن زال تغيره، وكذا لو بلغ قلتين، ولم يزل التغير. فإما إذا بلغ قلتين، وزال التغير حينئذ يصير طاهرًا. فأما إذا كان أكثر من قلتين، فوقعت فيه نجاسة، فلا ينجس ما لم يغير أحد أوصافه الثلاث، فإذا غير أحد هذه الأوصاف يحكم بنجاسته، ثم إنما يظهر ذلك بأن زال تغيره، وهذا إنما يحصل بأن يصب فيه ماء آخر، أو نزح منه الماء، أو نبع فيه الماء، أو هبت عليه الرياح أو مرت عليه الايام، أو أشرقت عليه الشمس، أو نبت فيه العشب، أو الطحلب، فإذا زال تغيره بأحد هذه الأشياء يحكم بطهارته فأما إذا ألقي فيه شيء من الزعفران، أو الكافور، أو شيء له رائحة طيبة، فزال التغير به لا يعود طاهرًا، لأن هذه الأشياء تخفي اللون وتفشي الرائحة، ولا تزيل التغير، ولو ألقي فيه التراب حتى تغير لونه، فيه قولان: أحدهما: أنه كالزعفران، فإنه يغطيه ولا يزيل. والثاني: أنه كالماء؛ لأنه طهور كالماء، بخلاف الزعفران. فأما إذا كانت النجاسة مستجدة، ووقعت فيما دون القلتين ينجس الماء بها، سواء، تغير أحد أوصافه الثلاث، أو لم يتغير وقد ذكرناه. فأما إذا كان الماء قلتين فحسب. قال في الجديد: يكون نجسًا، ولا يسعه استعماله، ولا الاغتراف منه، لأنه يلزمه أن يتباعد عن النجاسة بقدر قلتين، وهذا لا يتصور في القلتين، حتى لو صب فيه الماء، بحيث إنه بلغ مبلغا يمكنه أن يرفع الماء، وبينه وبين النجاسة قلتان، جاز. وقال في القديم: إنها كالنجاسة الذائبة، حتى أنه يجوز أن يغرف منه، ويستعمله إذا لم يكن متغيرا من أي موضع شاء، وهذا القول أصح في هذه

стр. 391

المسألة؛ لأنا لو أخذنا بقوله الجديد، فنوجب أن البحر إذا وقعت فيه نجاسة جامدة أن يكم بنجاسة جميع ماء البحر، لأن الماء الذي يجنب النجاسة نجس، وذاك متصل بما يليه، وكل جزء منه يتصل بالآخر إلى آخر البحر، وهذا لا يقول به أحد. فرع: إذا وقعت نجاسة في بئر فيه ماء قدر قلتين، ثم استقى منها الماء بالدلو على قوله القديم، فلا يخلو إما أن دخلت النجاسة أولا في الدلو، أو دخل الماء أولا فيه. فإن دخل الماء فيه أولا، فلا يخلو الماء إما أن يدخل فيه الماء دفعة واحدة، أو دفعات، فإن دخل فيه الماء دفعة واحدة أولا، دون النجاسة فباطن الدلو والماء الذي فيه طاهر، وظاهره وما في البئر نجس، وإن دخل فيه الماء بدفعات فالكل نجس نعني ظاهر الدلو وباطنه وما في البئر. فأما إذا دخلت النجاسة أولا في الدلو، فلا يخلو، إما أن دخلت النجاسة اولا، ثم الماء أو دخلا معا، أو دخل الماء أولا، ثم النجاسة، فإن دخلت النجاسة أولا، ثم الماء، او دخلا معا، فما في الدلو نجس، وظاهر الدلو وما في البئر طاهر، فإن تقاطر منه شيء في البئر يصير الكل نجسًا. فأما إذا دخل الماء أولا في الدلو، ثم النجاسة فظاهر الدلو وباطنه، وما في البئر نجس. فلو ابتل الحبل، حتى سقط الدلو في هذه المسائل عاد الكل طاهرًا، لأن المائين صارا ماء واحدا، ودخلا في حد الكثرة وفي كل موضع حكمنا بنجاسة ماء البئر، فإنما يطهر إذا زال عنه التغيير، إذا كان الماء أكثر من قلتين. وإن كان دون قلتين فأمره بين على ما ذكرنا. فأما إذا كان أكثر من قلتين، ولم يزل تغييره حتى نزح الماء، أي ماء البئر

стр. 392

كله يجب غسل البئر، وإنما يمكن غسلها بأن يصب فيها الماء، حتى بلغ قلتين، أو ينبع فيها الماء، ويبلغ قلتين، ويرش على جوانبه الماء، ويغسل منه ما أصابه من الماء النجس إن تصور ذلك. فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فنزح بعضه، وزال التغير، فلا يخلو إما أن بقي قلتان، أو أقل من ذلك، فإن بقي قلتان صار طاهرًا، وإن كان دونه، فلا يعود طاهرًا ما لم يصب فيه الماء حتى يبلغ قلتين، أو ينبغ فيه ماء حتى يبلغ ذلك. وقال أبو حنيفة / لو وقع ذنب فأرة في بئر ينزح ماء البئر كله، ولو وقعت فيها فأرة، أو ما في جرم الفأرة ينزح منها عشرون دلوًا، ولو وقعت فيها حمامة، أو ما في جرمها نزحت منها أربعون دلوًا مع الميتة. ولو وقعت فيها شاة، وما في جرمها ينزح منها ستون دلوًا. ولو وقعت فيها بقرة، أو حمارة، أو آدمي ينزح ماء البئر كله. فأما إذا كان الماء أكثر من قلتين، فعلى قوله القديم: إذا وقعت فيها، ولم تتغير أحد أوصافه الثلاثة، يكون الكل طاهرًا، وله أن يغترف منه من أي موضع شاء. وعلى قوله الجديد: ينبغي أن يكون بينه وبين موضع النجاسة قدر قلتين من الماء، فلو كان دون ذلك لا يجوز له الاغتراف منه. قال القفال: أصحابنا لم يذكروا في كيفية اعتبار القلتين حدا، وقالوا: لو كان في بحر عظيم، وتباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر واغترف منه يجوز، لأنه في العمق قد بلغ قلالاً كثيرة. وعندي: يجب أن يكون موضع النجاسة والاغترف منه قدر قلتين على استواء الأضلاع الطول والعرض والعمق، إن كان مساوي الأضلاع، فأما إذا كان متفاوت الأضلاع فلا يجوز، وينبغي أن يكون على أصله بينه وبين الماء قلتان،

стр. 393

طولا وعرضًا وعمقًا، وهو أن يكون ذراعًا وربعًا عرضًا، في عمق ذراع وربع، إن كان له عرض، وإن لم يكن فيعتبر الطول والعمق. فأما إذا تباعد عنه بقدر قلتين من جهة من الجهات الثلاثة، دون الباقي فلا، إذ لو جاز ذلك لجاز في البحر العظيم، إذا تباعد عن النجاسة قدر نصف ظفر أن يغترف منه، لأنه في العمق قد بلغ قلالا لا يعلمها إلا الله تعالى وعلى هذا القول الماء الممتد على وجه الأرض في الصحراء إذا كان ما تحته كله نجسًا من مرابض الغنم ونحوه، فأخذ منه الماء بالكوز، فلا يجوز أخذه ما لم يبلغ من جرم الكوز إلى النجاسة قدر قلتين عمقًا وطولاً. فأما إذا كان أقل من ذلك، فإنه لا يجوز هذا كله، إذا كان الماء راكدًا، فأما إذا كان الماء جاريًا، فلا يخلو إما أن كانت النجاسة ذائبة، أو لم تكن فإن كانت ذائبة، فهي تجري مع الماء لا محالة، فالجرية التي فيها النجاسة نجسة، وما قبلها، وما بعدها، وما حواليها طاهر. فإن كانت النجاسة بولا يعلو زبدها الماء، فحكمها حكم النجاسة الجامدة، وذلك لا يخلو، إما أن يجري مجرى الماء، أم لا؟ فإن كان يجري مع الماء فما قبلها، وما بعدها طاهر، وما حواليها على قوله القديم: طاهر. وعلى قوله الجديد: إن بلغ قلتين، طاهر، وإن كان دونه نجس. فأما إذا كانت واقفة والماء يجري عليها، فإن لم يتراد الماء عنها، فما فوقها طاهر، وما دونها إن اجتمع في موضع قدر قلتين، فهو طاهر يجوز أن يأخذ منه، وإن لم يجتمع في موضع قدر قلتين، وكان تجري على سمت النهر ممتدًا، فإن لم يتباعد الماء عنه بقدر قلتين، فهو نجس، وإن تباعد منه بقدر قلتين، فوجهان: أحدهما: هو نجس أيضًا، لأن لكل جرية حكمًا على حدة، وبأن انتقل من موضع إلى موضع لا تنعدم النجاسة.

стр. 394

والثاني: هو طاهر، لأنه تباعد عن النجاسة، وبلغ قلتين فصار كما لو اجتمع في موضع هذا المقدار، ونظيره ما لو نقب جدار إنسان في شارع الطريق فانثالت الحنطة منه قدرًا يبلغ قيمتها نصابًا، فهل يجب عليه القطع؟ فعلى وجهين: فأما إذا كان يتراد الماء عنه، فحكم ما فوقها حكم ما تحتها، وقد ذكرنا حكمه، والله أعلم بالصواب. فرع: لو اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى ساقية يجري الماء فيها، ويخرج من جانب آخر، فحكم الخليلج والساقية حكم ماء النهر، وحكم الكل حكم الماء الجاري فأما إذا اتخذ خليجًا من نهر كبير إلى حوض، أو إلى غدير، وكان الماء ينصب فيه، ويستقر فيه، فحكم الخليلج حكم الماء الجاري، وحكم الحوض حكم الماء الراكد. فلو أنه امتلأ الحوض واستوى ماؤه بماء النهر، حكم ماء الخليج والحوض حكم الماء الراكد. وكذا لو اتخذ على شط البحر غديرًا يدخل فيه بعض ماء البحر، ويصفو فيه، حكمه الحكم الماء الراكد، وإن كان متصلا بالبحر. فأما إذا اتخذ حوض، على سمت نهر كبير يدخل الماء فيه، ويخرج من جانب آخر وكان على سمت النهر، فحكمه حكم الماء الجاري. فأما إذا كان على غير سمت النهر، بأن اتخذ ساقية من النهر إليه، ويدخل فيه الماء، ويخرج من موضع آخر، ينظر فإن كان الماء يخرج منه سريعًا، ولا يقف فيه، ثم يخرج بأن كان المخرج على الجانب الذي فيه المدخل، وكان الماء يدخل فيه، ويضرب على الجانب الذي بحذائه، ثم ترتد عنه إلى المخرج، ويخرج فإن حكم الحوض حكم الماء الراكد، وحكم الساقية حكم النهر.

стр. 395

فأما إذا كان المخرج بحذاء المدخل، الظاهر أن حكمه حكم الماء الجاري. فأما إذا كان في موضع ماء بلغ قلتين، إلا رطلا، وكان طاهرًا فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء نجس، وفيه وجهان: أحدهما: يطهر ماء القرقاوى، ولا ينجس ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، ثم فرقا في إناءين. والثاني: لا يطهر ماء القرقارة، لأنه لم تختلط بماء الحوض، بدليل أنه لو كان الماء الذي فيه حارًا يبقى حارًا، ولو كان باردًا يبقى كذلك، فعلى هذا ينجس ماء الحوض، وعلى عكسه لو كان ماء الحوض بلغ قلتين، وإلا رطلا، وكان نجسًا، فغمست فيه قرقارة فيها رطل ماء طاهر، فيه وجهان: أحدهما: يطهر ماء الحوض، لأنهما ماءان بلغا قلتين، وإن لم يكن متغيرًا، ثم فرقا في موضعين. والثاني: لا يطهر ماء الحوض، ولا ينجس ماء الكوز لعدم الاختلاط بينهما على ما ذكرنا. وفي هذه الصورة لو صب فيه رطل بول لا يعود طاهرًا، لأنه لم يبلغ الماء قلتين لأن البول ليس بماء. فعلى هذا إذا لم يكن متغيرًا، ولو صب فيه رطل من ماء الورد، وأيضا لا يعود طاهرًا كالبول، لأن ماء الورد لا يصير طهورا بالكثرة، فإنه لو بلغ قلالا لا يعود طهورا، كالبول سواء، ولو صب فيه رطل من الماء المستعمل، هل يعود الكل طاهرًا أم لا؟ هذا ينبني على أن الماء المستعمل إذا اجتمع حتى بلغ قلتين، هل يصير طهورًا أم لا؟ إن قلنا: يصير طهورًا، فيطهر جميع الماء، كما لو صب فيه رطل ماء نجس، أو طاهر، وإلا فحكمه حكم ماء الورد.

стр. 396

فأما إذا كان الماء أقل من قلتين، ووقعت فيه نجاسة، وصب عليه ماء طاهر أو نجس حتى يصير الماءان معا قلتين، ولم يكونا متغيرين يعود الكل طاهرا، حتى لو فرق في إنائين لم ينجسا، إلا بنجاسة تحدث فيهما، هذا إذا كانت النجاسة ذائبة. فأما إذا كانت جامدة، فإذا خرجا من موضع، وبلغا قلتين، على المذهب القديم، عاد طاهرا. وعلى المذهب الجديد، لم يعد طاهرًا، فلو فرقا في إناءين دفعة واحدة، فما بقي فيه الناجسة صار نجسًا على القولين، وما لم تكن فيه نجاسة بقي طاهرا على قوله، القديم. وعلى قوله الجديد: عاد نجسًا، وإن فرقا في إناءين بدفعات عاد الكل نجسا، قال المزني: وإن وقع في الماء القليل ما لا يختلط به، مثل العنبر، أو العود، أو الدهن الطيب، فلا بأس به، لأنه ليس [مخلوطًا] به. قال القاضي حسين: فإنه لا يمنع جواز التوضؤ، وإن غلب على أحد أوصافه، لأن ذلك بالمجاورة، وجعل كما لو تريح الماء بالجيفة الملقاة على شط البحر، وإن كان مما يختلط به مثل الزعفران وغيره يفترق فيه الحكم بين القلة والكثرة، وقد استقصينا القول فيه في أول الكتاب فلا نعد، والله أعلم بالصواب. قال المزني: وإذا كان معه في السفر إناءان يستيقن أن أحدهما قد نجس، والآخر [ليس] ينجس تأخي، وأراق النجس على الأغلب عنده، وتوضأ بالطاهر لأن الطهارة تمكن والماء على أصله طاهر. قال القاضي حسين: إذا كان معه أواني بعضها طاهر، وبعضها نجس، واشتبه عليه ذلك، فإنه يتحرى ويستعمل أحدها بالتحرى، لأن هذا شرط من شرائط

стр. 397

الصلاة، فيجوز الاجتهاد فيه عند الاشتباه، كالقبلة، وسواء عندنا أن يكون عدد الطاهر أقل، أو أكثر، أو هما سواء. وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا إذا كان عدد الطاهر أكثر، ووافقنا في الثياب فنقول: ما جاز التحرى فيه عند الاشتباه إذا كان عدد الطاهر أكثر جاز، وإن كان عدد الطاهر أقل، دليله الثياب، وهل يحتاج في التحرى إلى ضرب من الدليل أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكفيه غلبة الظن؛ لأن الأصل أن الماء على الطهارة، وعليه يدل النص، لأنه قال: أراق النجس على الأغلب عنده. والثاني: لابد في التحرى من ضرب من الدليل، كما في سائر المتجهدات من القبلة، واجتهاد، واجتهاد القاضي في القضاء وغيره. والدليل مثل: إن رأي أحدهما قد انكشف عن الغطاء، أو رأي بللا على شفة أحدهما، ورأي أحدهما يتحرك فيه الماء، أو رأي رجل الكلب أقرب إلى أحدهما: وأبعد من الآخر، ويشم من أحدهما رائحة كريهة. فإن قيل: أليس أن في باب القبلة لا يجوز الاجتهاد بغلبة الظن، وها هنا قلتم، بأنه يجوز في وجه، فما الفرق بينهما؟ قلنا: الفرق بينها أن جهة القبلة مشاهدة معاينة يمكن معرفتها حقيقة ويقينا، إذا أنعم النظر والاجتهاد فيها، فلهذا لا نكتفي فيه بمجرد غلبة الظن، حين لم يتعذر عليه معرفتها بالدليل، أما طهارة الماء ليس بشيء مشاهد يمكن معرفته قطعًا ويقينا. وقلنا: بأنه يكتفي فيه بلغبة الظن، تيسيرا عليه.

стр. 398

إذا ثبت هذا ينظر، فإن لم يتبين له الطاهر من النجس بالاجتهاد، والتحرى، وغلبة الظن، فله أن يتيمم، ويصلي ولكن تلزمه الإعادة، لأن معه ماء طاهرًا بيقين، ولكن الحيلة فيه أن يصب أحدهما، أو يريق أحدهما في الآخر، حتى لا تلزمه الإعادة، بخلاف ما إذا كان معه ماء طاهر متين الطهارة بيقين، فأراقه بعد دخول وقت الصلاة، حيث يلزمه إعادة الصلاة في وجه، لأن هناك هو غير محتاج إلى إراقته، وها هنا يحتاج إلى إراقته، تحرزًا عن استعمال الماء النجس. فأما إذا ظهر له الطاهر من النجس بالتحرى يلزمه استعماله، ولا يجوز له التيمم، ولو توضأ وصلي، ثم أحدث، ودخل عليه وقت صلاة أخرى، يلزمه التحرى فيه ثانيًا، كما في وجه القبلة، ثم ينظر فإن بقي من الماء الأول شيء وأدي اجتهاده إليه توضأ به، ويصلي كما فعل في الابتداء، وإن تيقن نجاسته بأن وجد في أسفل الإناء بعرة، أو أخبر به عدل أو ما أشبه ذلك، يلزمه ان يتوضأ بالثاني، ويغسل من بدنه وثوبه ما يصل إليه من الماء الأول، ويعيد ما صلى بذلك الوضوء، وإن أدي اجتهاده إلى الماء الذي في الإناء الآخر، ولم يعلم قط ما طهارته، فإنه لا يستعمله، لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، بل يريق أحدهما، أو يصب أحدهما في الآخر، ويتيمم، ولا يعيد الصلاة. فأما إذا ترك الإناءين على حالهما، وتيمم، وصلي، فإن كان في الأول من الماء قدر ما يتمكن ان يتوضأ به يلزمه إعادة الصلوات ما دام ذلك معه، وإن كان بقي فيه قدر ما لا يكفي لأعضاء طهارته، فهذا ينبني على أنه لو وجد ذلك القدر من الماء المتيقن طهارته، هل يلزمه استعماله أم لا. إن قلنا: يلزمه استعماله، فها هنا ما دام ذلك القدر معه تلزمه إعادة الصلوات.

стр. 399

وإن قلنا: لا يلزمه استعماله، جعل كما لو صبه، ولا يلزمه إعادة الصلوات. فإن قيل: أليس إنه إذا اجتهد في القبلة، فأدى اجتهاده إلى جهة، فصلى لها، ثم أدي اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى، فإنه يصلي إلى الجهة الثانية، وفيه نقض الاجتهاد. قلنا: ليس هذا كالقبلة، لأن الصلوات تجوز من غير جهة القبلة في الجملة، أما لعذر المسابقة أو السفر وغيره فيجوز أن يؤمر له بالصلاة إلى تلك الجهة. أما الصلاة بالماء النجس قط لا تجوز في حال من الأحوال، فلهذا لم يؤمر بذلك ثانيًا. وأما إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والآخر نجس، واشتبه عليه ذلك. ومعه إناء آخر طاهر بيقين هل يجوز له التحري في الإناءين، أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز للقاضي أن يقضي في الحادثة بالاجتهاد مع وجود النص. والثاني: يجوز، والفرق بينهما أن هناك وجد النص في محل الاجتهاد، وهي الحادثة، فقلنا: بأنه لا يجوز الحكم به، وها هنا لم يوجد النص في محل الاجتهاد، ولأن أحدهما ممتاز عن الآخر صورة ومحلا، فقلنا: بأنه جائز. فإما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر بول، واشتبه عليه ذلك، هل يجوز له التحرى فيه أم لا؟ إن قلنا: بأنه يستعمل بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز. وإن قلنا: انه يستعمل بالدليل، ها هنا وجهان: أحدهما: يجوز. والثاني: لا يجوز، لأن البول ليس له أصل في الطهارة يمكنه رده إليه بالتحري بخلاف الماء، لأن أصله على الطهارة، فيمكنه رده إليه بالتحري، إذا شك في طهارته، ويتسمك فيه بالأصل.

стр. 400

فأما إذا كان معه إناءان: أحدهما ماء، والآخر ماء الورد، هذا ينبني على أنه إذا كان معه إناءان: أحدهما طاهر، والاخر نجس، وشك فيهما، ومعه إناء متيقن الطهارة، فهل له التحرى فيه أم لا؟ إن قلنا: إن هناك لا يجوز له التحري فيهما، فها هنا مثله، ويستعمل أحدهما، ثم الثاني على الترتيب. وإن قلنا: يجوز له التحري فيه، ها هنا ينظر، إن قلنا: إنه يستعمل الماء بغلبة الظن، ها هنا لا يجوز له التحري فيه، بل يستعمل كليهما. فإن قيل: إذا قلتم، فيستعمل كليهما، فإنه لا يدري أن طهارته من الماءين بماذا تحصل يقينا، ويقين الطهارة شرط لصحة الصلاة، إذ النية شرط شرط في الطهارة، فما لم يتيقن طهارة الماء لا يمكنه أن يجزم النية فيه. قلنا: مثله يجوز عند الاشتباه والضرورة، كما لو نسي صلاة من خمس صلوات، فإنه يصلي خمس صلوات، ويحتاج في كل واحدة منها إلى نية الفرض، وإن لم يمكنه جزم النية في الكل، فجوزناه هكذا هذا. فأما إذا كان معه إناءان من ألبان النعم، أحدهما طاهر، والاخر نجس، أو إناءان من خل ودهن وغيره من المائعات، واشتبه عليه ذلك لا يجوز له التحري فيه، كما قلنا في الإناءين من الماء. فأما إذا كان أحدهما لبن النعم، والآخر لبن ما لا يؤكل لحمه، أو كان أحدهما خلا، والآخر خمرا حكمه حكم الإنائين، أحدهما ماء، والآخر بول واشتبه عليه ذلك. فأما إذا كان له دنان من خل وخمر في بيت، فدخل البيت في ليلة ظلماء، وكان معه إناء صغير يغمسه في أحدها، ويأخذ منه قدرا، ويصبه في موضع آخر، ثم يغمس ذلك الإناء في الاخر، ويأخذ منه قدرًا، ويصبه في ذلك الموضع، ثم اشتبه عليه الدنان، واجتهد فيهما، فإن أدى اجتهاده إلى أن ما أخذ منه أولا طاهر، والآخر نجس، وإن أدى اجتهاده إلى أن الطاهر الذي أخذ

стр. 401

منه ثانيًا، فالأول والثاني نجسان، لأنه إذا دخل الإناء في الدن الأول صار نجسًا بزعمه، فإذا أدخله في الثاني تنجس به، فيصير الكل نجسًا. فأما إذا كان معه شاتان مسلوختان، اشتبه عليه المذكاة منهما في الميتةـ، الصحيح: أنه لا يجوز له التحري فيهما، لأن الأصل في الميتات الحرمة، وبالشك لا يجوز استباحتها، بخلاف الماء، فإن الأصل في المياه الإباحية، فإذا وقع فيه الشك تمسك بما هو الأصل فيه بالاجتهاد، وزانه أن لو تحقق أن كل واحدة منهما مذكاة، إلا أن إحداهما مسمومة، والأخرى غير مسمومة، واشتبه عليه المسموم منهما، فإنه يجوز له التحري فيه كالماء سوى. فأما إذا اشتبه عليه غنيمة بين أغنام الناس، أو رحله بين رحال الناس، أو برج حمامه بين حمامات الناس، فإنه يجوز له التحري في هذه المواضع كلها. فأما إذا وجد فلذة لحم ملقاة في الطريق، ولم يكن ملفوفًا بخرقة، ولا بشيء، فالظاهر أنها تكون ميتة، وإنما وقعت في فم طائر، أو غيره ويكون حرامًا، فأما إذا وجده في مكتحل أو خرقة، وما أشبه ذلك فالظاهر أنها مذكاة، ويكون مباحًا، إلا إذا كان في تلك البلدة مجوس ومسلمون، فاختلط البعض بالبعض، فحينئذ الظاهر أنه لا يباح له تناوله. فأما إذا اشتبه امرأته فيما بين جماعة من النسوة لا يجوز له التحرى فيه، لأن الأصل في الفروج التحريم، ولا يجوز استباحتها بالاجتهاد، وعند الشك، ولأنه لا ضرورة له إلى ذلك، لأنه يمكنه أن يعقد على واحدة منهن عقد النكاح، فأما إذا اشتبه عليه واحدة من محارمه بين جماعة من النساء، أو اختلط محارمه بنساء بلدة بعينها ينظر فإن كان نساء تلك البلدة محصورات معدودات لا يجوز له التزوج بواحدة منهن بالاجتهاد، لأن ذلك قد وقع نادرًا، ويمكنه الانتقال إلى غيرهن، فأما إذا كان نساء تلك البلدة غير محصورات، فيجوز له التزوج بواحدة بامرأة غريبة منهم، فيجوز ذلك لأجل الضرورة، والله أعلم.

стр. 402

باب المسح على الخفين . قال الشافعي: أخبرنا الثقفي، يعني عبد الوهاب، عن المهاجر أبي مخلد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، وإذا تطهر، ولبس خفيه فله أن يمسح عليهما، قال: وإذا تطهر الرجل المقيم؛ بغسل، أو وضوء، ثم أدخل رجليه الخفين، وهما طاهرتان، ثم أحدث، فإنه يمسح عليهما من وقت ما أحدث يومًا وليلة، وذلك إلى الوقت الذي أحدث فيه، فإن كان مسافرًا، مسح ثلاثة أيام ولياليهن إلى الوقت الذي أحدث فيه. المسح على الخفين جائز عندنا، وعندنا عامة العلماء، إلا ما حكي عن الشيعة

стр. 403

أنهم قالوا: لا يجوز، وهو مذهب علي كرم الله وجهه. واستدلوا عليه بما روي عن علي أنه قال: لا أبالي أأمسح على خفي أو على ظهر بعيري؟!

стр. 404

.............

стр. 405

قلنا: هذا محمول على ما إذا مسح عليه بعد انقضاء المدة، أو على غير كمال الطهارة بدليل ما روى أن النبي ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر، فلبس خفيه أن يمسح عليهما. وحديث صفوان بن عسال دليل عليه أيضًا. والمعنى فيه أن الناس يضطرون إلى لبس الخف حضرًا، وسفرًا، وقد جرت

стр. 406

عادتهم باستدامته، وتلحقهم المشقة العظيمة في نزعه، فرخص لهم المسح عليه، كما رخص لهم الفطر والقصر وسائر أنواع الرخص، فإذا ثبت هذا نقول: إنما يجوز المسح على الخفين إذا تطهر، ثم لبس الخفين على كمال الطهارة، ثم إن كان مقيمًا له أن يمسح عليهما يومًا وليلة، وإن كان مسافرًا ثلاثة أيام ولياليهن، ويحتسب ابتداء المدة عندنا من وقت الحدث، حتى لو

стр. 407

توضأ، ولبس الخفين، وصلي بذلك يومًا أو أكثر منه، ثم أحدث يجوز له أن يمسح عليه، وبيتدئ مدة المسح من هذا الوقت، وعلى عكسه لو أحدث، ولم يتوضأ حتى مضى يوم وليلة في الحضر، وثلاثة أيام ولياليهن في السفر، فقد تم مدة المسح، وليس له المس عليه، بل يجب عليه نزع الخف. وقال أحمد: الاعتبار بفعل المسح حتى لو أحدث ولم يمسح ولم يصل، ومضت أيام كثيرة، ثم مسح عليهما يحتسب ابتداء المدة من وقت المسح. دليلنا عليه أنه إذا أحدث فقد دخل وقت جواز الرخصة، وهو المسح، فإذا انقضت من ذلك الوقت مدة المقيم، أو المسافر وجب أن يرفع حكمه، لأن العبادات يدخل وقتها بدخول الزمان، ويفوت بفوات الزمان، وإن لم يوجد فعل العبادة، كما في الصوم والصلاة وكذا عبادة المسح مثله. وعندنا: أقصى ما يجوز الصلاة بالمسح على حكم لبس واحد في الحضر ست صلوات، ويصور كأنه أحدث في آخر وقت الظهر، ويتوضأ، ويمسح عليهما، فيصلي الظهر، ثم العصر، ثم المغرب والعشاء والصبح لمواقيتها، ثم الظهر في أول وقتها في اليوم الثاني، فإن جمع الصلاتين لعذر المطر، فيكون سبع صلوات. وفي السفر أقصى ما تتأدى به ست عشرة صلاة، وإذا جمع سبع عشرة على هذا القياس. قال المزني: وإذا جاوز المقدار، فقد انقطع المسح، فإن توضأ، ومسح وصلى بعد ذهاب وقت المسح، أعاد غسل رجليه والصلاة. قال القاضي حسين: قد ذكرنا مدة المسح والوقت الذي تنعقد فيه مدة المسح، فإذا مضت المدة التي ذكرناها، فقد انقطع حكم المسح، ولا يجوز له أن يصلي بما مسح في المدة، ولا بمسح جديد ينشئه، كما لو نزع الخفين في المدة، أو بعد انقضائها، ويلزمه غسل الرجلين، وفي وجوب استئناف الوضوء، قولان، وسيأتي ذكرهما فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 408

قال المزني: ولو مسح في الحضر، ثم سافر مسح مسح مقيم، ولو مسح مسافرًا، ثم أقام، مسح مسح مقيم. قال القاضي حسين: إذا اشترك الحضر والسفر في لبس الخف، ففيه مسائل: إحداها: أنه يتوضأ في الحضر، ولبس الخف، ثم سافر، وأحدث، له أن يمسح مسح المسافرين، بلا خلاف. فأما إذا أحدث في الحضر وسافر قبل المسح فإنه يمسح مسح المسافرين. وقال المزني: يمسح مسح المقيمين، وجعل دخول وقت العبادة كوجودها حقيقة. قلنا: الزمان لا يراد لعينه، فلم يتعلق به حكم اشتراك الحضر والسفر، وإنما المقصود فعل العبادة، ولم يشترك فيه الحضر والسفر. وعند المزني: لو أنشأ السفر بعد دخول الوقت، وقبل فعل الصلاة لا يجوز له القصر، وما ذكرناه دليل عليه في المسألتين. فأما إذا أحدث في الحضر، وتوضأ، ثم سافر، أو مسح على أحد الخفين، ثم سافر، ومسح على الخف الآخر، له أن يمسح مسح المسافر، والحد فيه أنه مهما سافر قبل أن أكمل مسحًا في الحضر بعد لبس الخفين على الطهارة، ثم توضأ، ومسح عليه، ثم سافر، فإنه يمسح مسح المقيمين عندنا. وقال أبو حنيفة: يمسح مسح المسافرين، وقاسه على ما إذا سافر، ومسح في السفر، ثم أقام، فإنه يمسح مسح المقيمين اعتبارًا بالانتهاء كذا هذا مثله. دليلنا عليه عبادة منعقدة اجتمع فيها حكم الحضر والسفر، فغلب الحضر فيها على السفر. دليله الصلاة، فإنه لو افتتح الصلاة في الحضر، ثم سافر بأن كان في سفينة سارت السفينة، أو افتتح الصلاة في السفينة، فصار مقيمًا بأن اتصلت السفينة بالبلد، وكذا إذا أصبح في يوم من رمضان صائمًا، ثم سافر لا يباح له الإفطار

стр. 409

تغليبًا للحضر على السفر، كذا ها هنا مثله، بخلاف ما ذكرنا من المسائل قبلها، لأن هناك لا تنعقد قربة المسح مسحًا في الحضر، وزانه أنه لو نوى الصوم، ثم سافر قبل طلوع الفجر، وها هنا بعكسه على ما بنا. فأما إذا كان مسافرًا، أو أحدث، ومسح عليهما، ثم أقام فإنه يمسح مسح المقيمين، لما ذكرنا من المقيمين ثم ينظر فإن لم تمض مدة مسح المقيم، له أن يمسح عليهما إلى انقضاء تلك المدة، وإن مضت تلك وزادت على يوم وليلة من وقت الحدث، أو لم تزد ثم أقام ليس له المسح عليهما، وعليه نزعهما، وغسل الرجلين، وقال المزني: كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم في الحضر، فعلى هذا إن مضى يوم وليلة في السفر بعد الحدث، فله أن يمسح عليها بعد الإقامة ثلثي يوم وليلة، وإن كان قد مضت يومان وليلتان في السفر، مسح في الإقامة ثلث يوم وليلة، وهذا لا يصح، لأنه لو ابتدأ المسح في الحضر لا تستعمل هذه المقابلة، ولا نقول: مضى في الحضر ثلث يوم، يجوز له إذا سافر أن يمسح يومين، وإن مضى في الحضر ثلاثة أيام يجوز له إذا سافر أن يمسح يومًا، فكذلك فيما نحن فيه، وجب أن يكون مثله. فأما إذا شك في أنه، هل ابتدأ المسح في الحضر، أو في السفر، وهو مسافر فإنه يمسح مسح المقيمين أخذا باليقين، كما لو شك في انقضاء مدة المسح يلزمه نزع الخف احتياطًا، وإن كان الظاهر أن المدة لم تنقض، وأنه مسح وهو مسافر، وقال صاحب التلخيص، الأصل أن كل ما تمهد، وتقرر في الشريعة، فالأصل بقاؤه، ولا يجوز تركه، والنزول عنه بالشك، إلا في مسائل وذكر هاتين المسألتين من جملتها. وأيضا قال في المستحاضة: إذا شكت في خلال الصلاة في انقطاع دمها لا يجوز لها إتماما الصلاة، والأصل سيلان الدم بها، وكذا إذا صلى في ليلة ظلماء في السفر، فدخل بلدة لم يدر أنها بلدة الإقامة ام لا، لا يباح له القصر، وإن

стр. 410

كان الأصل أنه مسافر، وكذا لو دخل بلدة، ثم شك في أنه، هل نوي الإقامة فيها أم لا، فلا يباح له الترخص برخص المسافرين، وإن كان الأصل أنه لم ينو الإقامة، وكذا لو شك في يوم الجمعة، انه هل انقضي وقت الظهر أم لا؟ فلا يجوز له أن يتم الصلاة جمعة، بل يلزمه إتمامها ظهرًا، والأصل بقاء الوقت، فيترك الأصل بالشك في هذه المسائل. قلنا: نحن ما تركنا الأصل بالشك ألبتة في هذه المسائل ولكن قلنا في باب المسح: الأصل غسل الرجلين عليه، وفي باب الصلاة الأصل اشتغال ذمته بها، ووجوب الظهر عليه أربعًا، إلا أنه جوز له، ورخص له في تركها عند استجماع شرائط، ووجود أسباب، فإذا وجد الشك منه في وجود سبب الرخصة، فالأصل أنه لم يوجد ذلك، فتركنا الرخصة بالأصل، وتمسكنا بالقين، لا أن نترك الأصل بالشك. إذا ثبت هذا نقول: لو انه شك في الحضر، أو في السفر قد ذكرنا أنه يأخذ باليقين، ويقتصر على مسح المقيمين، فإن لم يفعل، وصلي في اليوم الثاني بحكم هذا المسح، ثم ظهر له في اليوم الثالث حقيقة الحال بأنه مسح على الخفين في السفر، أعاد ما مضى في اليوم الثاني على الشك، وله أن يمسح في اليوم الثالث إلى تمام مدة مسح المسافرين، من اليوم الأول، ثم ينظر، فإن كان قد مسح في زمان الشك أعاد المسح، وإن كان على مسحه في اليوم الأول لو تصور ذلك اكتفي به كما لو شك في خلال الصلاة أنه هل نوى القصر أم لا؟ ثم ذكر أنه نواه يلزمه الإتمام، وجعل كما لو بقي على الشك، لأن الصلاة عبادة واحدة مرتب بعضها بالعبض، فإذا ألزمه الإتمام في البعض لزمه في الجميع، بخلاف المسحات، فإنها عبادات لا يترتب بعضها بالبعض بدليل أن فساد البعض لا يوجب فساد الباقي فجاز أن يختلف فيه الحكمان. فأما إذا شك في أنه هل صلى بالمسح أربعا أو خمسًا، فيجعل في حق الصلاة بالأقل، وهو الأربع، وفي حق المسح بالأكثر اعتبارًا باليقين، وكانت النكتة في الموضعين واحدًا والحكم مختلف.

стр. 411

قال المزني: وإذا توضأ، فغسل إحدى رجليه، ثم أدخلها الخف، ثم غسل الأخرى، ثم أدخلها الخف، لم يجزئه، إذا أحدث، أن يمسح، حتى يكون طاهرا بكماله قبل لباسه أحد خفيه، فإن نزع الخف الأول الملبوس قبل تمام طهارته ثم لبسه، جاز له أن يمسح لأن لباسه مع الذي قبله بعد كمال الطهارة، قال المزني: كيفما صح لبس خفيه على طهر جاز له المسح عندي. قال الشافعي: وإن تخرق من مقدم الخف شيء، بان منه بعض الرجل، وإن قل لم يجزه أن يمسح على خف غير ساتر لجميع القدم، وإن كان خرقه من فوق الكعبين، لم يضره ذلك، ولا يمسح على الجوربين، إلا أن يكون الجوربان مجلدي القدمين إلى الكعبين حتى يقوما مقام الخفين وما لبس من خف خشب، أو ما قام مقامه أجزأه أن يمسح عليه، ولا يمسح على جرموقين. قال في القديم، يمسح عليهما. قال المزني: قلت أنا: ولا أعلم بين العلماء في ذلك اختلافا وقوله معهم أولى به من انفرداه عنهم، وزعم أنه إنما يريد بالمسح على الخفين، المرفق، فكذلك الجرموقان مرفق، وهو بالخف شبيه. قال القاضي حسين: إذا توضأ أو غسل إحدي رجليه، وأدخلها في الخف، ثم غسل الرجل الثانية وأدخلها في الخف، ثم أحدث وتوضأ لم يجز له أن يمسح عليها لأنه لم يلبسهما على كمال الطهارة حتى لو نزع قبل الحدث الخف الأول الملبوس، ثم لبسه ثانيًا جاز له المسح عليهما.

стр. 412

وقال أبو حنيفة والمزني: له أن يمسح عليهما قبل النزع، وجعلوا دوام اللبس كالابتداء، وقاسوه على اليمين، فإنه لو حلف ألا يلبس، فاستدام اللبس يحنث في يمينه، كما لو ابتدأ اللبس يحنث في يمينه. قلنا في باب المسح: الدوم لا يجوز أن يجعل كالابتداء، ألا ترى أنه لو أحدث بعد اللبس يجوز له المسح على الخفين، ولو ابتدأ اللبس بعد الحدث لا يجوز له ذلك، وأما مسألة اليمين معارض بمثله، فنقول: المحرم إذا لبس المخيط يلزمه الفدية، ثم لو استدام ذلك لا يلزمه شيء، ولو نزع ولبس ثيابًا، المخيط يلزمه الفدية، ثم لو استدام ذلك لا يلزمه شيء، ولو نزع ولبس ثيابا تلزمه الفدية ثانيًا، ففرق بين الاستدامة والابتداء هناك، فتعارضا وتساقطا، وبقي الدليل لنا في باب المسح ولا تعارض فيه. فأما إذا لبس الخف على الحدث، ثم توضأ وصب الماء في خفيه حتى تغسلت رجلاه، فإنه تصح طهارته، ولكن لا يجوز له المسح إذا أحدث، فلو أنه نزعهما ثم لبسهما قبل الحدث حينئذ له المسح عليها، وعند أبي حنيفة والمزني، له ذلك قبل النزع، وهكذا إذا مضت مدة المسح، وتوضأ أو كان

стр. 413

على الوضوء، فصب الماء في خفيه، حتى تغسلت رجلاه، يجوز له المسح عندهما إذا أحدث. وعندنا لا يجوز لأن شرط جواز المسح لبس الخف على كمال الطهارة، ولم يوجد في هذه المسائل، وعندهم حصوله على كمال الطهارة لابسًا للخفين. قوله: وإن تخرق من مقدم الخف شيء، وأراد بالمقدم موضع القدم لا ضد المؤخر، لأن المقدم والمؤخر، من الخف سواء في حكم الخرق، فإذا تخرق الخف ينظر فإن كان في غير محل المغسول لا يضر ذلك، وإن كان الخرق فيما يوازي يصير هذا بدل البدل. قلنا: يجوز مثله، كما في باب الكفارة أن الصوم بدل عن الاعتكاف، والإطعام بدل عن الصوم، فيكون بدل البدل كذا هذا مثله، ونعنى بالجرموقين الخف الذي يلبس فوق الخف، ويستوي فيه الخف المتخذ من اللبد والصوف وغيرهما وصورة القولين إذا كان كل واحد منهما صالحا للمسح عليه عمد الانفراد ويكون مستجمعًا للشرائط الثلاث. فأما إذا كان الأسفل مخرقا يجوز المسح على الأعلى، بلا خلاف، وإن كان الأعلى مخرقا لم يجز المسح قولا واحدًا، بل يمسح على الأسفل، فيدخل اليد تحته، ويمسح على ما يوزاي المغسول من الأسفل. التفريع إن قلنا: لا يجوز المسح على الجرموقين، فلا كلام وإن قلنا: يجوز المسح عليه، فعلى أي معنى يجوز؟ ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان: أحدهم: الأعلى مع الأسفل بمنزلة الطهارة مع النظافة في الخف الواحد.

стр. 414

والثاني: الأعلى بدل الأسفل، والأسفل بدل الرجل، وفائدته إنما تظهر في مسائل: فمنها: أنه إذا لبس الجرموقين فوق الخفين على كمال الطهارة، ثم نزع الجرموقين، إن جعلناهما بمنزلة الطهارة جاز المسح على الخفين، كما لو لبس خفا ذا طاقتين، فيقشط الطاقة العليا منه، وإن جعلنا الأسفل بمنزلة اللفاف لزمه نزع الخف الأسفل أيضًا، وغسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء قولان. وإن جعلناهما بدل الأسفل مسح على الأسفل، وفي استئناف الوضوء قولان. وإن نزع أحدهما إن جعلناهما كالطهارة لم يضر، كما لو تقشط بعض الطاقات من أحد الخفين، وإن جعلناهما كالخف، والأسفل كاللقاف لزمه نزع الجرموق الآخر مع الأسفلين، وغسل الرجلين، واستئناف الوضوء، في أحد القولين، وإن جعلناهما بدل الأسفل نزع الجرموق من الآخر، ومسح على الأسفل، ويدخل يده في الجرموق الآخر، ومسح على الخف الأسفل منه، وفي استئناف الوضوء قولان. فأما إذا لبس في الابتداء أحد الجرموقين دون الآخر، إن جعلناهما بمنزلة الطهارة جاز، ويكون كما إذا كان لأحد خفيه طاقة، وللآخر طاقتان، وإن جعلنا الأسفل بمنزلة اللفافة يجوز، كما لو لبس الخف في إحدي الرجلين مع اللفافة، وفي الأخرى بدونها، وإن جعلناهما بدل البدل، فكذلك لا يجوز، لأن فيه جميعًا بين البدل والمبدل. فأما إذا لبس الجرموقين بعد الحدث، وقبل الطهارة، والمسح، إن جعلناهما كالطهارة جاز، كما لو ألصق بالخف طاقة بعد الحدث، وإن جعلناهما كالخفين والأسفلين، كاللفافة لم يجز، وكذلك إذا جعلناهما بدل الأسفلين، لأن شرط صحة البدل وقوعه على كمال الطهارة كالأصل سواء. فأما إذا أحدث بعد لبس الخفين، فتوضأ، ومسح عليهما، ثم لبس الجرموقين، إن جعلنا كالطهارة جاز له المسح عليهما، كما لو وقع خفه بعد

стр. 415

المسح عليه، وإن جعلناهما كالخفين والأسفلين كاللفافتين، هذا ينبني على أن المسح على الخفين هل يرفع الحدث أم لا؟ إن قلنا: إنه يرفع الحدث جاز المسح عليهما، لأنه حصل لبسهما بعد كمال الطهارة. وإن قلنا: لا يرفع الحدث لا يجوز، وإن جعلناهما بدل الأسفلين جاز، كما لو غسل الرجلين قبل الحدث، إذ المسح عليهما بمنزلة الغسل عند عدم الخف، فأما إذا انخرق أحدهما، فلا يخلو، إما أن يخرق الأعليان، أو الأسفلان. فإن تخرق الأعليان، فحكمهما حكم ما لو نزعهما، وقد ذكرناه، وإن تخرق أحد الأعليين، فحكمه حكم ما لو نزع أحدهما، وقد ذكرنا حكمه، وإن تخرق الأسفلان لا يضر. أما على الأول؛ لأن حكمه حكم ما لو تغيرت الطاقة السفلي من خفه، وعلى المعنى الثاني جعل كما لو تخرق اللفافة. وعلى المعنى الثالث، لأن الأعليين صارا أصلا، وارتفع حكم الأسفلين. ولو تخرق أحدهما لم يضره على المعنى الأول والثاني، لما ذكرناه ويضره على المعنى الثالث، ويلزمه نزع الأعلى من الرجل الذي لم ينخرق خفها الأسفل، ويبطل حكم المنخرق، فيصير الأعلى المنخرق مع الأسفل الآخر في الرجل الأخرى أصلا، وإنما كان كذلك، لأنا لو جوزنا له المسح على الأعليين كان جامعًا بين البدل والمبدل، لأن الأعلى في الرجل الذي لم ينخرق الأسفل فيها بدل، وفي الأخرى أصل، إذ المنخرق لا حكم له، وإن كان أحد الأسفلين منخرقا في الابتداء، فلبسهما، والأعليين فوقهما حكمه حكم ما لو لبس الجرموق في إحدى الرجلين، وقد ذكرناه. فأما إذا انحرق الخف والجرموق لا يخلو، إما أن تخرقا من رجل واحد، ومن رجلين، فإن كان من رجل واحد لا يخلو إما أن تخرقا من موضع واحد، أو من موضعين، فإن تخرقا من موضع واحد، فحكمه حكم ما لو تخرقا بخف، وقد ذكرناه.

стр. 416

وإن تخرقا في موضعين مختلفين على المعنى الأول لا يضر، وعلى المعنى الثاني مثله، وعلى المعنى الثالث يضره، ويجب نزع الخفين وغسل الرجلين، ولا يصير جامعًا بين الأصل والبدل وقد ذكرنا. فأما إذا كانا من رجلين على المعنى الأول والثاني لا يضر، وعلى المعنى الثالث يجب نزع الكل، وغسل الرجلين، وفي استئناف الوضوء قولان. فرع: المستحاضة إذا توضأت، ولبست الخف، ثم أحدثت حدثًا غير الدم قبل أن صلت فريضة، فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لها المسح عليهما، لأن طهر المستحاضة لا يرفع الحدث، وإنما جوزنا لها فعل الصلاة للضرورة، ولا ضرورة بنا إلى أن تجوز صلاتها بالمسح، إذ المسح إنما جاز بعد كمال الطهارة، وطهارتها ناقصة. والثاني: لها المسح عليه، لأن طهرها يرفع الحدث في الصلاة الواحدة، فأما إذا أدت به فريضة، ثم أحدثت لا يجوز لها أن تمسح على الخف لفريضة أخرى، لأن طهرها انعقد لفريضة واحدة، وهكذا حكم المتيمم إذا لبس الخف بعد التيمم ثم وجد الماء، هل له المسح على الخفين. فإن كان قبل أن صلي به صلاة ما، فيه وجهان بناء على أن التيمم هل يرفع الحدث أم لا؟ وإن كان بعد أن أدي به الصلاة لا يجوز وجها واحدًا، وكذلك إذا كان ببعض أعضائه جراحة، فتيمم للجريح، وغسل الصحيح، ولبس الخف، ثم أحدث، هل له أن يمسح على الخف؟ فعلى وجهين، كما ذكرنا في التيمم، وإن كان بعد أداء فريضة لا تجوز.

стр. 417

قال المزني: قال: وإن نزع خفيه بعد مسحهما، غسل قدميه. وفي القديم، وكتاب ابن أبي ليلى يتوضأ. قال المزني: [قلت أنا]: والذي قبل هذا أولى، لأن غسل الأعضاء لا ينتقض في السنة إلا بالحدث، وإنما انتقض طهر القدمين، لأن المسح عليهما كان لعدم طهورهما كمسح التيمم لعدم الماء، فلو كان وجود المعدوم من الماء بعد المسح يبطل المسح، ويوجب الغسل، كان كذلك طهور القدمين بعد المسح، يبطل المسح ويوجب الغسل، وسائر الأعضاء سوى القدمين مغسول، ولا غسل عليها ثانية إلا بحدث ثان. قال القاضي حسين: إذا انقضت مدة المسح فنزع الخفين، أو نزعهما قبل انقضاء المدة، وهو على الطهارة، فعليه غسل الرجلين. وفي وجوب استئناف الوضوء قولان: أظهرهما، وهو قول أبي حنيفة، واختيار المزني، أنه لا يجب. والقول الثاني: نقله المزني عن القديم، وفي كتاب ابن أبي ليلى: أنه يجب اختلف أصحابنا فيه.

стр. 418

منهم من قال: هما قولا تفريق الوضوء، وليس بصحيح، لأن القولين هناك في التفريق بغير العذر. فأما العذر قول واحد: أنه يجوز، وها هنا هذا التفريق بعذر. ومنهم من قال: إنهما ينبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث أم لا؟ فعلى جوابين: أحدهما: لا كالمسح في التيمم، لأنه مسح بالجامد، فكان أضعف. والثاني: نعم كمسح الرأس. إن قلنا: يرفع الحدث، فها هنا تلزمه الطهارة، لأنه إذا نزع الخفين عاد الحدث في الرجلين، والحدث إذا عاد في البعض عاد في الكل، لأنه لا يتجزأ، وإن قلنا: لا يرفع الحدث لا يجب إلا غسل الرجلين، واحتج المزني على اختياره بالتيمم إذا وجد الماء. قال: لا يلزمه إلا غسل ما ينوب المسح عنه، وترك غسله كذا هذا مثله. قلنا: مسألة التيمم حجة عليك، لأن هناك لا يجوز الاقتصار على محل

стр. 419

الغسل عند وجود الماء في الغسل فكذلك فيما نحن فيه وجب أن يكون مثله، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 420

باب كيف المسح على الخفين قال المزني: قال الشافعي: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، واحتج بأثر ابن عمر: أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله. قال: وأحب أن يغمس يديه في الماء، ثم يضع كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمني على أطراف أصابعه، ثم يمر اليمني إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف أصابعه. قال: فإن مسح على باطن الخف، وترك الظاهر عاد، وإن مسح على الظاهر، وترك الباطن أجزأه، وكيفما أتي بالمسح على ظهر القدم بكل اليد أو بعضها، أجزأه. قال القاضي حسين: وفيه فصلان: أحدهما: في بيان أقل ما يجزيء وبيان المستحب. والثاني: في كيفية المسح. أما بيان أقل ما يجزيء هو أن يمسح قدر ما يتعلق عليه اسم المسح، كما ذكرنا في مسح الرأس.

стр. 421

وعند أبي حنيفة قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع رجل كل أحد، كما قال في الخرق. وعندنا: لا يختص المسح باليد حتى لو مسح بخرقة، أو خشبة جاز، وكذا لو غسل الخف بدل المسح، أو وضع اليد المبتلة عليه ولم يمرها عليه أو قطر الماء عليه، وسأل جاز على قول الأصحاب، وعند الشيخ القفال لا يجوز، كما ذكرنا في مسح الرأس. فأما بيان الأفضل، وهو أن يستوعب ما يوازي المغسول من الخف بالمسح، ويمسح أعلاه وأسفله. وقال أبو حنيفة: لا يجوز المسح على أسفل الخف، ويدل عليه ما روى أنه، ﵇ مسح أعلى الخف وأسفله، والمعنى فيه أنه موضع من الخف يوازي المغسول فكان محلا للمسح كظهر الخف. وأما كيف استيعاب الخف بالمسح، فهو أن يضع كفه اليمني على ظهر الأصابع، وكفه اليسرى تحت العقب، ويمر اليمني إلى ساقه، واليسرى إلى أطراف الأصابع، ولا خلاف في جواز الاقتصار في المسح على ظهر الخف، فلو اقتصر على أسفل الخف، قال ها هنا: ولو مسح على الباطن، وترك الظاهر أعاد.

стр. 422

وقال في موضع آخر: لم يعد. منهم من قال: يجوز الاقتصار على أسفل الخف. وقوله: أعاد، أراد به إذا أدخل يده في الخف، ومسح على باطن الخف لما روى عن علي كرم الله وجهه أنه قال: لو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، لكن رأيت النبي ﷺ يمسح على ظهور الخف خطوطًا بالأصابع. ولو مسح على العقب، فمرتب إلى الأسفل، إن جوزنا الاقتصار عليه، فها هنا أولى، وإلا فوجهان، لأن العقب أقرب إلى ظهر الخف، وإلى ما هو في حكم الأعلى، ومنهم من عكس في الترتيب، وقال: إن قلنا هناك: لا يجوز، فها هنا أولى، وإلا فوجهان. والفرق أن النص هناك ورد في أسفل الخف، دون العقب، فأما إذا مسح على منقار الخف لا يجوز، لأنه لا يوازي محل المغسول، فإذا نزع بعض الخف ينظر فيه، فإن بلغ بحيث أنه لو كان في الابتداء لا يجوز المسح عليه ها هنا يبطل حكم المسح عليه، وإلا فلا، والله أعلم بالصواب.

стр. 423

باب الغسل للجمعة والأعياد، وما جاء فيهما . قال المزني: قال الشافعي: والاختيار في السنة لكل من أراد صلاة الجمعة الاغتسال لها، لأن رسول الله ﷺ قال: الغسل واجب على كل محتلم، يريد وجوب الاختيار لأنه روي عنه ﷺ : من توضأ فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل. وقال عمر لعثمان ﵄ حين راح/ والوضوء أيضا؟ وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل، ولو علما وجوبه لرجع عثمان، وما تركه عمر. قال: ويجزيه غسله لها، إذا كان بعد الفجر، وإن كان جنبًا، فاغتسل لهما جميعًا أجزأه. قال: وأحب الغسل من غسل الميت. قال: وكذلك الغسل للاعياد سنة اختيارًا، وإن ترك الغسل للجمعة والعيد أجزأته الصلاة، وإن نوي الغسل للجمعة والعيد، لم يجزه من الجنابة، حتى ينوي الجنابة. قال القاضي حسين: غسل الجمعة سنة مؤكدة، وليس بواجب. وقال داود: إنه واجب ويأثم بتركه غير أنه لو تركه تصح الصلاة دونه. واستدل بقوله ﵇، غسل الجمعة واجب على كل محتلم.

стр. 424

ولأن العرب من عادتهم أنهم إذا بالغوا في شتم رجل يقولون: أنت شر ممن لا يغتسل يوم الجمعة. قلنا: أراد بالمحتلم من وقع له الحلم، فصار بالغا، كما قال ﵇ لا تصلي الحائض إلا بخمار. وأراد به البالغة التي هي من أهل الحيض، وأراد بالوجوب وجوب الندب، والاستحباب والاختيار لا التحتم، كما يقال: حق فلان واجب على فلان، يعني على طريق الاختيار، بدليل ما روى عن النبي ﷺ ، أنه قال: من توضأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل، أي بالسنة أخذ ونعمت أي نعم الخصلة الأخذ بالسنة. وعن عائشة أنها قالت: كان الناس في أول الإسلام عمال أنفسهم، وكان عامة لبوسهم الصوف، وكانوا يروحون إلى المسجد في ثياب مهنهم، تعرق أبدانهم، وتفوح منهم رائحة الصنان، فقال النبي ﷺ للناس: لو اغتسلتم. دل على أنه يكون على طريق الاختيار، ويدل عليه ما روى أن عمر رضي

стр. 425

الله عنه كان يخطب فدخل عثمان وتخطي رقاب الناس، فقال له عمر، أي وقت هذا. فقال عثمان ﵁ كنت في السوق سمعت النداء فوالله ما زدت على الوضوء، فقال والوضوء أيضا أما سمعت أن النبي ﷺ يأمرنا بالغسل يوم الجمعة. قال الشافعي ولو كان واجبًا لرجع عثمان ولما تركه عمر. قال القاضي ﵁: استنبطت من هذا الحديث معنى، وذلك أن الرجل المحتشم الذي يحترم، ويكرم في المجالس يجوز أن يتخطي رقاب الناس، ويخرق الصفوف حتى يأخذ مكانه إذا كان محتشمًا في الدين، فأما إذا كان من أبناء الدنيا، فلا. وروى أيضا أن النبي ﷺ لما مرض فاستخلف أبا بكر ﵁ ليصلي بالناس، فلما وجد من نفسه خفة خرج من بيته، ودخل المسجد، وهو يهادي بين رجلين، ورجلاه يخطان الأرض، ويخرق الصفوف حتى وقف على يسار أبي بكر، والمستحب أن يغتسل عند الخروج إلى المسجد، فلو اغتسل قبله، وبعد طلوع الفجر جاز، ولو أحدث بعده لا يضره خلافاً للمالك. فأما إذا اغتسل قبل طلوع الفجر لا يجوز، ولو اغتسل للعيد قبل طلوع الفجر، فوجهان، والفرق بينهما وجهان: أحدهما: أن غسل الجمعة إنما سن لإزالة الرائحة الكريهة، وإذا طال الفصل تعود الرائحة ثانيًا، وغسل العيد للزينة، وأثر الزينة يبقى. الثاني: أن الغالب أن أهل الرساتيق والقرى إنما يقصدون صلاة العيدين من مواضع بعيدة فلو قلنا: لا يحتسب الغسل له، إلا بعد الفجر شق، وتعذر عليهم ذلك في الطريق خلاف الجمعة، وغسل يوم العيد سنة في حق النساء والرجال والصغار والكبار، ومن حضر المصلي ومن لم يحضر
следующие страницы →