Полный текст (1 014 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
باب استقبال القبلة ولا فرض إلا الخمس
كانت القبلة في ابتداء الإسلام بيت المقدس، ثم نسخت وحولت إلى الكعبة بدليل ما روى ان النبي ﷺ مكث بـ مكة ثلاث عشرة سنة بعد أو اوحي إليه، وقبلته بيت المقدس، وكا يقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل القبلتين فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه استقبال الكعبة، لأن المدينة على يسار الكعبة، ومن استقبل بيت المقدس بـ (المدينة) يكون مستدبر الكعبة، وكان يشق ذلك عليه، وكان يتمني أن تكو قبلته الكعبة، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵇، وأيضا فإن اليهود كانوا يعيرونه بذلك، ويقولون: هذا لو كان نبيا حقا لكان له قبله دون قبلتا، فشاور في ذلك، جبريل ﵇ يوما، فقال جبريل: إنك لعبد عند الله تعالى بمكان وإنا لا نؤمر بالسؤال فسل الله تعالى تعطه، وفي رواية تجب، فخرج النبي ﷺ ذات يوم بعد ما صلى الظهر إلى الصحراء ودعا الله تعالى، وكا يقلب عينيه إلى السماء انتظارًا للوحي، فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء)، الآية فسر به النبي ﷺ سرورًا شديدًا، ثم رجع وصلى العصر نحو الكعبة، وفي القوم رجل من أهل قباء فخرج في الحال إلى قباء وكان القوم في صلاة العصر، فأخبرهم بأن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا على صلاتهم، فلما سمع اليهود ذلك، قالوا للمسلمين، إذا قد ضاعت صلواتكم التي صليتموها نحو: (بيت المقدس) فأنزل الله تعالى، قوله: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)، أي: صلواتكم.
стр. 562
قال المزني: قال الشافعي: ولا يجوز لأحد صلاة فريضة، ولا نافلة، ولا سجود قرآن، ولا جنازة إلا متوجهًا إلى البيت الحرام ما كا يقدر على رؤيته إلا في حالتين:
إحداهما: النافلة في السفر راكبًا وطويل السفر وقصيره سواءٌ.
وروى عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يصلي على راحلته في السفر، أينما توجهت به، وأنه ﷺ كان يوتر على البعير، وأن عليًا، ﵁، كان يوتر على الراحلة.
قال الشافعي: وفي هذين دلالة على أن الوتر ليس بفرض، ولا فرض إلا الخمس، لقول النبي ﷺ للاعرابي حين قال: هل علي غيرها؟ فقال النبي ﷺ لا إلا أن تطوع.
قال القاضي حسين: قال أصحابنا: استقبال القبلة في جميع الصلوات شرط إلا في حالتين:
إحداهما: في النافلة في السفر.
والثانية: في حال المسابقة.
أما النافلة في السفر على الراحلة يجوز إذا كات المواضع التي يلاقيها بدنه
стр. 563
وثوبه طاهرة من السرج، والإكاف والقربوس وغيره، فأما إذا كان آخذا باللجام وكانت الحكمة نجسة، فيه وجهان بناء على ما إذا صلى وبيده حبل، وأحد طرفيه مشدود في عنق كلب، هل تصح صلاته أم لا؟
فيه وجهان كذا وكذا، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ويوميء فيهما إيماء، ولو سجد على ظهر الدابة، ووضع جبهته على السرج، وكانت الشكيمة بيده يجوز أيضاً، ولكن لا تجب عليه ذلك، فأما إذا وطئت الدابة نجاسة لا تبطل صلاته، كما لو صلى على سرير وقوائمه في النجاسة، وهل يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة أم لا؟
ينظر فيه، فإن كان سفره نحو القبلة لا خلاف أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة، فأما إذا لم يكن سفره نحو القبلة، ووجه دابته لا إلى القبلة، ولا إلى الطريق الذي يريده، فإنه يلزمه استقبال القبلة عند افتتاح الصلاة، ثم يحول وجه دابته نحو الطريق.
فأما إذا كان وجه دابته نحو الطريق الذي يريده، نص في موضع على أنه يلزمه أن يستقبل القبلة عند افتتاح الصلاة، ونص في موضع آخر على أنه لا يلزمه ذلك.
اختلف أصحابنا فيه، ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: لا يلزمه ذلك، كما لا يلزمه أن يستقبل القبلة في سائر أركان الصلاة.
стр. 564
والثاني: أنه يلزمه ذلك، لأنه لا يشق عليه استقبال القبلة عند الشروع في الصلاة.
ومن أصحابنا من قال: ليست المسألة على قولين، بل المسألة على حالين، حيث قال: يلزمه ذلك أراد به إذا لم تكن الإبل، وكان يتعذر عليه تحويل وجهها إلى القبلة، فأما إذا شرع في الصلاة، ثم حول وجه الدابة عن القبلة، وكان طريقه نحو القبلة، إن كان عامدًا بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا، فإن كان يسيرًا لا تبطل صلاته، وإن كان كثيرًا.
قال الشافعي: ولو تمادى وكان مخطئًا، أو ساهيًا تبطل صلاته.
هذا النص يدل على أن العمل الكثير مع السهو يبطل الصلاة، والأكل الكثير مع النسيان يبطل الصوم، وفي الكل وجه آخر انه يعذر فيه؛ لوجود النسيان، كما لو كان يسيرًا، فأما إذا تحولت الدابة بنفسها، وعدلت عن جهة القبلة، فإن ردها إلى جهة القبلة فلا كلام، وإن تركها كذلك، وكان عالمًا بذلك بطلت صلاته، وإن كان ناسيًا فعلى ما ذكرنا، فأما إذا أعداها، وأجراها جريًا شديدًا فإن كان له فيه غرض بأن فعل ذلك لخوفه من عدو ونحوه لا تبطل صلاته، وإلا فوجهان.
فأما إذا كان ماشيًا فإنه يلزمه استقبال القبلة في ثلاثة مواضع: عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود، وينبغي أن يسجد على وجه الأرض، ولا يلزمه الجلوس في التشهد والسلام، ولا استقبال القبلة فيما بينهما.
فأما إذا كان سفره نحو القبلة فيلزمه استقبال القبلة في جميع الصلاة، ولو تخطي على النجاسة بطلت صلاته، فأما إذا كانت النجاسة بين خطوتيه على الأرض، ولم يصبها رجلاه، فيه وجها بناء على ما إذا سجد على الأرض، وكان عليها نجاسة بحذاء صدره ولم تلاقها ثوبه، هل تبطل صلاته أم لا؟
فيه وجهان، فأما إذا عدا عدوًا شديدًا إن كان الغرض له في ذلك لا تبطل صلاته.
стр. 565
فيه وجهان وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: تجوز النافلة في السفر راكبًا، ولا تجوز ماشيًا.
قلنا: إحدي حالتي السفر فتجوز الصلاة فيها دليله الحالة الأخرى.
قال القفال: سألت الشيخ أبا زيد فقلت له: لماذا جوز الشافعي، ﵁، صلاة النفل في السفر راكبًا وماشيًا غير مستقبل القبلة؟
قال: لأن للناس أورادًا كثيرة، وربما تحتاج إلى الخروج في السفر في معاشه ومكاسبه، فلو قلنا: إنه لا يجوز له النافلة في السفر، لأدى ذلك إلى أن يشتغل بالأوراد وينقطع عليه معاشه.
وقال أيضا: سألت أبا عبد الله الخضري عن هذا.
فقال: ربما كان للإنسان أوراد كثيرة، وخرج إلى السفر في بعض حوائجه، لأمر معاشه ومعاده، فلو قلنا: لا يجوز له النافلة في السفر لأدى ذلك إلى أن يشتغل بأمر معاشه، وتنقطع أوراده.
قال القفال ﵀، انظروا إلى فضل ما بين العقيدتين، فإن أبا زيد كان رجلا زاهدًا عالمًا، وكان مشتغلا بعبادة الله تعالى، فلهذا قدم أمر الدين على أمر الدنيا في الجواب عنه.
فأما أبو عبد الله فإنه كان مشغولا بأمر الدنيا، وكان يصلي مثل ما يصلي الفقهاء في العادة، فلهذا قدم أمر الدنيا على أمر الدين، فأما إذا كان في الحضر عامة أصحابنا على أنه لا تجوز النافلة في الحضر راكبًا.
وحكم عن أبي سعيد الإصطخري أنه كان يقول بأنه يجوز، ووروى أنه كان محتسبًا بـ (بغداد)، وكان يطوف في السكك، ويصلي راكبًأ، فأما إذا صلى ماشيًا في الحضر، فهل يجوز أم لا؟
стр. 566
يترتب على ما إذا صلى راكبًا، إن قلنا ذاك لا يجوز فهذا أولى به، وإن قلنا بأن ذاك يجوز فها هنا وجهان، والفرقُ أنه إذا كان ماشيًا في الحضر لا ضرورة به إلى ذلك لأنه يمكنه أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ما شاء، بخلاف ما إذا كان راكبًا.
فرع
إذا كان على الراحلة في السفر، وكان يمكنه أن يصلي النافلة نحو القبلة، فهل يلزمه ذلك أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنه يلزمه استقبال القبلة في جميع أركان الصلاة؛ لأنه لا يشق عليه ذلك، ولا يجوز له ترك استقبال القبلة بالاختيار من غير ضرورة، كما إذا كان طريقه نحو القبلة.
والوجه الثاني: أنه يجوز له ترك استقبال القبلة، لأن ذلك وقع نادرًا، فصار كما إذا لم يمكنه ذلك، فأما إذا أمكنه أن يصلي على ظهر الفيل قائمًا مستقبل القبلة إن كان الفيل مشدودًا جاز، كما لو كان على سرير وإن كان يسير في الأرض ففيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما إذا كان في سفينة، وهي تجري في البحر.
والثاني: لا يجوز؛ والفرق بينهما أن العادة جارية بأن الإنسان يبقي في السفينة شهرًا ودهرًان فتجعل السفينة في حقه من البحر كالبيت من الدار في حق البرى وها هنا ما جرت العادة بأن يبقى الإنسا على ظهر الدابة أكثر من يوم أو نصف يوم، وقد قيل بالفرق بينهما أن فعل الدابة مضاف إلى صاحبها بدليل أنه لو طاف راكبًا يجوز وبدليل أنه لو دخل دار إنسانن وهتك حرزه، وأخذ المتاع، ووضعه على ظهر الدابة وأخرج الدابة من الحرز يلزمه القطع، كما لو أخرجه بنفسه بخلاف السفينة إلا أن هذا لا يصح وذلك أن الدابة كما
стр. 567
احتاجت إلى مسير يسيرها، فالسفينة احتاجت إلى مجرى يجريها فلا فرق بينهما، فأما إذا كان في السفينة فلا يجوز له أن يصلى الفرض قاعدًا مع القدرة على القيام، خلافا لأبي حنيفة، واستدل بما روى أنس بن سيرين أن أنس بن مالك كان يصلي في السفينة الفريضة قاعدًا.
قلنا: نحمله على ما إذا كان لعذر من دورا الرأس وغيره، وعندنا إذا كان بهذه الصفة يجوز أيضا، فأما إذا هبت الريح، وحولت السفينة من جانب إلى جانب حتى حولت وجهه عن القبلة، فإنه لا تبطل صلاته، بخلاف ما إذا كان في الصلاة في البر، وجاء إنسان وحول وجهه عن القبلة فإنه تبطل صلاته، والفرق بينهما أن هذا نادر، فلهذا تبطل به الصلاة، وفي البحر عذر عام، لأن الغالب أن الرياح تهب وتحول السفينة من جانب إلى جانب في ساعة واحدة مرارًا كثيرة.
فرع:
إذا كان على الدابة في السفر، ودخل عليه وقت الصلاة، وكان يخاف من أنه لو نزل وصلى الفريضة على وجه الأرض ربما ينقطع عن الرفقة، أو يخاف على نفسه، أو على ماله، فإنه يصلي على ظهر الدابة لحرمة الوقت.
وهل يلزمه إعادة تلك الصلاة؟
قال القاضي ﵀: يحتمل وجهين:
أحدهما: لا يلزمه ذلك كما لو كان في حالة المسابقة، ويخاف على نفسه، فإنه يصلى على حسب حاله ولا يعيدها.
والثاني: أنه يلزمه ذلك؛ لأن هذه عذر نادر لا يدوم بخلاف حالة المسابقة، والله أعلم بالصواب، فأما إذا شرع في صلاة النافلة راكبًا، ثم وصل بلد إقامته،، أو بلغ المنزل فإنه ينزل من البداية، ويبني على صلاته.
إذا قلنا: إنه لا تجوز النافلة على الراحلة في الحضر.
стр. 568
وإن قلنا: بأنها تجوز، فإنه لا يلزمه النزول من البداية، بل له أن يتمها على ظهر الدابة، فأما إذا اجتاز ببلدة في وسط الطريق، ولم ينو الإقامة فيها، بل دخلها مجتازًا ينظر فيه، فإن لم يكن له فيها أهل ومال، فإنه لا يلزمه النزول، بل يصلي راكبًا، وحكمه حكم المسافرين.
فأما إذا كانت بلدة له فيها أهل، ومال وغيرهما مثل أن كان في (مرو الروز) مسافر من بلخ إلى نيسابور، فاجتاز في وسط الطريق بـ (مرو الروز) أم لا؟
فيه جوابا بناء على انه إذا دخل فيها، هل يجوز له الترخص برخص المسافرين من القصر والإفطار ونحوه؟
وفيه قولان بناء على ما لو كان في لجة البحر في سفينة، أو كان في وسط المفازة ونوى الإقامة هل يصير مقيمًا أو لا؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يصير مقيمًا اعتبارا بالنية
والثاني: لا لعدم الأهل والمال وصلاحية المحل.
إن قلنا: هناك يصير مقيمًا لوجود النية، فها هنا لا يصير مقيمًا لعدم النية منه، وإن قلنا: لا يصير مقيمًا لعدم الأهل والمحل، فها هنا يصير مقيمًا فيه لوجودهما.
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ ، كان يصلي على راحلته، في السفر أينما توجهت به، وأنه ﵇ كان يوتر على البعير، وأن عليا كان يوتر على الراحلة.
قال: وفي هذا دلالة على أن الوتر ليس بفرض، وأراد به ردًا على أبي حنيفة: حيث قال: إنه واجب، لأنه لو كان واجبًا لما فعله النبي ﷺ ، على البعير كسائر الواجبات.
والدليل على أنه ليس بواجب ما روى أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، كم علي من الصلوات في كل يوم وليلة؟ فقال عليه
стр. 569
السلام: خمس صلوات، فقال الأعرابي: هل علي غيرها يا رسول الله؟ فقال ﵇: لا إلا أن تطوع.
وجه الدليل منه من خمسة أوجه:
أحدهما: أنه سئل عن الصلوات الفرض، فقال: خمس صلوات، فلو قلنا: إن الوتر فرض لأدى ذلك إلى أن الفرض ست صلوات، وهذا يخالف قوله ﵇ فلا يجوز.
والثاني: أنه قال: هل علي غيرها؟ فقال: لا يعني بدون الخمس.
والثالث: قال: إلا أن تطوع سمى ما زاد على الصلوات الخمس تطوعًا.
والرابع: في آخر الحديث الأعرابي، قال، والله لا أزيد ولا أنقص، فقال له النبي ﷺ : أفلح الأعرابي إن صدق.
وفي رواية: دخل الأعرابي الجنة إن صدق.
وفي رواية من أراد أن ينظر إلى وجه رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى وجه الأعرابي، فلما حلف أنه لا يزيد عليه لم ينكر عليه النبي ﷺ .
والخامس: أن النبي ﷺ مدحه، وأثني عليه إذا سمع منه هذا القول، ولو كان الوتر واجبًا عليه لما استحق به المدح والثناء، وإنما استحق اللوم والتوبيخ والعقاب، لأن حد الواجب ما يستحق اللوم على تركه لا ما يستحق البناء على تركه.
стр. 570
قال المزني: والحالة الثانية: شدة الخوف/ لقول الله ، فإن خفتم، فرجالا أو ركبانًا.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها.
قال القاضي حسين: إنما اشتغل ببيان الوتر في خلال الحالتين، ويكون ذلك اعتراضًا في الكلام، وهذا سائغ في لغة العرب، وقد تقدم ذكره إذا كان في حال المسابقة يجوز له أن يصلي الفريضة ماشيًا وراكبًا، ومستقبل القبلة أو غير مستقبلها، كيف ما أمكنه ذلك، ولا تلزمه الإعادة.
وقال أبو حنيفة: يصلي فيه راكبًا ولا يصلي ماشيًا، والدليل عليه قوله تعالى: فإن خفتم فرجالا أو ركبانًا، الآية.
قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير مستقبلها.
قال نافع: لا أرى أنه يذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ
قال المزني: فلا يصلي في غير هاتين الحالتين، إلا إلى البيت، إن كان معاينًا، فبالصواب، وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد بالدلائل على صواب جهة القبلة.
قال القاضي حسين: قد ذكرنا أنه في غير هاتين الحالتين لا تجوز الصلاة إلا مستقبل القبلة، ثم يظر فإن كان بـ: (مكة) لا يجوز له أن يؤدي الفريضة بالاجتهاد لأن الاجتهاد في محل النص محال، سواء كان يصلي مشاهد الكعبة او كان في دار من دور مكة وجب عليه إصابة عين الكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة، ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيا للكعبة إذا كان يصلي مشاهدًا للكعبة ويجب أن يكون جميع بدنه محاذيًا للكعبة دون البعض ففيه قولا يقربان مما إذا طاف بالبيت فإنه يبتديء الطواف من الحجر الأسود، وينبغي أن يحاذي الحجر الأسود بجميع بدنه فلو أنه يحاذي الحجر ببعض بدنهن هل يحسب له ذلك الشوط من الطواف أم لا؟
فيه قولان كذا هذا مثله، فأما إذا صلى بالجماعة عند الكعبة فإن الإمام يقف عند مقام إبراهيم ﵇ ويستقبل الكعبة.
стр. 571
فأما المأمومون فينبغي لهم أن يقوموا حوالي الكعبة حتى يكون الكل محاذين للكعبة.
فأما إذا سووا الصفوف من وراء الإمام، فكل من كان محاذيًا بالجهة الكعبة بجميع بدنه لا تصح صلاته، وكل من كان محاذيًا للكعبة ببعض بده دون البعض ففيه قولان، وهكذا حكم الصف الثاني والثالث.
وقال أبو حنيفة: تصح صلاة الكل، لأن عنده إصابة عين الكعبة ليست بشرط بل إصابة جهة الكعبة شرط، وهكذا عندنا من كان غائبًا عن الكعبة الصحيح أنه ينوي ويعتقد إصابة عين الكعبة، وفيه قول آخر ينوي إصابة جهة الكعبة، والنص يدل عليه، لأنه قال: وإن كان مغيبًا فبالاجتهاد وبالدلائل على صواب جهة الكعبة، وقال بعده: ومن اجتهد فصلى إلى الشرق، ثم رأى القبلة إلى المغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، فإن قيل: كيف يعتقد من كان غائبًا عنها إصابة عين الكعبة، ولا يمكن لكل من كان غائبًا أن يقف محاذيًا لها؛ لأن عين الكعبة صغير.
قلنا: الشيء إذا وقع في محاذاة الشيء فكل ما كان أبعد منه كان أقرب منه محاذاة، ألا ترى أن قرص الشمس مثل رغيف في أعيننا، ومع ذلك يمكن لكل واحد من المشرق إلى المغرب محاذاتها مع ما بينهما من البعد، وكذلك لو كان جماعة في صحراء، فظهر لهم ميل، وكل واحد منهم يقول: إنه يحاذي الميل، وإن كان إذا دنا منهم في الحقيقة واحد منهم كان محاذيًا له لا غير كذا هذا مثله.
فأما إذا صلوا خلف الإمام حلقة حول الكعبة، فإن كان بعض المأمومين أقرب إلى البيت من الإمام ينظر فيه، فإن كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها لا يضر، وإن كان في الجهة التي توجه الإمام إليها لا تصح صلاته، والحد منه أنه
стр. 572
إذا تقدم المأموم في الجهة التي يتوجه الإمام إلى تلك الجهة لا تصح صلاته، لأنه لا يتحقق منه الاقتداء به لتقدمه على الإمام في تلك الجهة.
وقال مالك: تصح صلاته كما لو تقدم عليه، وكان في غير الجهة التي توجه إليها الإمام، وهكذا قال في سائر الأماكن قياسًا على هذا الموضع.
وقيل: إن هذا قول قديم للشافعي، والفرق بينهما ما ذكرنا أن في سائر الأماكن فيما إذا كان في الجهة التي توجه الإمام إليها كان مستدبرا للإمام، فلا تصح صلاته بخلاف ما إذا كان في غير الجهة التي توجه الإمام إليها.
فأما إذا كان الإمام والقوم في البيت فإنه لو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه، أو استدبرهم وهم يستدبرونه، أو وقف الإمام بجنب المأموم على يمينه، أو على يساره، فإنه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم الإمام وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم، لأنهم تقدموا على الإمام في الجهة التي توجه الإمام إليها، فلا تصح صلاتهم كما لو كان خارج البيت فلو استقبلهم الإمام وهم يستقبلونه تصح صلاتهم، ولو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح، ولو استدبرهم الإمام وهم يستقبلونه تصح، ولو استدبرهم وهم يستدبرونه أيضًا لا تصح، لأنهم لم يتوجهوا نحو القبلة.
فأما إذا كان الإمام خارج البيت والقوم في البيت، فلو استقبلهم الإمام، وهم يستقبلونه تصح، وإن استدبرهم أو استقبلهم وهم يستدبرونه لا تصح صلاتهم ولو وقفوا بحذاء الباب، وكان الباب مجافًا أو كان مفتوحًا، وكانت العتبة قدر مؤخرة الرحل حكمه حكم سائر الجوانب، وإن كانت لاطئة بالأرض، ولم يبلغ طولها ذلك القدر، وكان يحاذي للباب، فإنه لا تصح صلاته لأنه لم يتوجه إلى غير الكعبة.
وقال مالك: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل مكة، ومكة قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق.
стр. 573
وقال أبو حنيفة: المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق، والجنوب قبلة لأهل الشمال، والشمال قبلة لأهل الجنوب.
فأما إذا كان نائيًا عن (مكة) نظر فيه، فإن كان بـ (المدينة) فلا يجوز له أن يجتهد في القبلة أيضا يصلي نحو قبلة مسجد النبي ﷺ لأنه كالنص أيضا، فأما إذا كان في غير المدينة من سائر البلاد، فإذا دخل مسجدًا، وفيه محاريب لا يجوز له أن يجتهد في القبلة، بل يصلي مستقبل القبلة باعتبار تلك المحاريب، ولو استدبر تلك المحاريب لا يجوز.
فأما إذا انحرف عنها قليلا بالاجتهاد يجوز، فأما إذا دخل مسجدا منها في ليلة ظلماء فإن وجد فيه محرابًا يصلي إلى جهته، وإن لم يجد شيئًا من المحاريب يصلي على البحث ويقضي، وإن وجد فيها كوة واحدة فإنها كالمحراب، فأما إذا كان فيه ثقب كثيرة على جوانب المسجد، وكان الكل على نمط واحد، فإنه يصلي ويعيد، فلو كان على واحدة منها علامة المحراب بأن كان بجنبه وتد السراج ونحوه، فإنه يصلي نحوه ولا يعيد.
فأما إذا كان في الصحراء وهناك محراب متخذ من حجر وغيره، فإن كان ذلك الطريق مما يمد به الخلق كثيرًا والجم الغفير، وكان المحراب قديمًا فإنه يصلي نحوه ولا يجتهد في القبلة، فإن كان المحراب محدثًا أو لم يمر به الخلق الكثير فإنه لا يصلي به، بل يجتهد في عين القبلة، فأما إذا كان في الصحراء، ولم يجد المحراب فإنه يجتهد في القبلة، ويصلي حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه يعيد الصلاة وإن أصاب عين الكعبة كما لو حكم الحاكم من غير الاجتهاد جزافًا فإنه لا يصح، وإن أصاب حكمه موافقًا للنص والقياس.
فأما معرفة دلائل القبلة، هل تكون فرضًا على الكافة، أو فرضًا على الكفاية؟
стр. 574
فعلى قولين: أحدهما: أنه يكون فرضًا على الكافة، لأنه لا يتعذر على كل أحد معرفتها، بخلاف دقائق المسائل.
والثاني: يجب على الكفاية، فعلى هذا إذا كان في الصحراء فإن أدى اجتهاده إلى جهة أو لم يكن م أهل الاجتهاد إن قلنا: إن المعرفة دلائل القبلة تكون فرضًا على الكافة، فليس له أن يقلد أحدًا في ذلك، بل يصلي على التبخيت ويعيد.
وإن قلنا: يكون فرضًا على الكفاية، فعلى هذا يقلد من كان عارفًا بها، ويصلي ولا يعيد، وحكم الأعمي إذا دخل مسجدا في البلدة كحكم البصير إذا دخل ذلك المسجد في ليلة ظلماء وقد ذكرنا.
وأما معرفة القبلة إنما يكون بدلائل كثيرة أقواها القطب، وأضعفها ريح الشمال، فأما القطب فإنه كوكب صغير في بنات نعش الصغرى، فينبغي أنه إذا وقف الإنسان في الصلاة أن يكون ذلك الكوكب خلف أذنه اليمني بحيث إنه لو سلم أول تسليمة يقع بصر عينه اليمني عليه، وقد يستدل أيضًا عليها بالشمس والقمر والنجوم وكذلك إذا هبت ريح الشمال في بعض البلاد، فإنه يمكن أن يستدل بها على جهة القبلة، لأنها تهب على يسار القبلة، فيجعلها الإنسان على يمينه ويصلي إلى تلك الجهة، وتصح صلاته وهو أضعف الدلائل عليه، والله أعلم بالصواب.
стр. 575
مسألة
قد ذكرنا أنه إذا كا في الصحراء فإنه يصلي بالاجتهاد في جهة القبلة حتى لو صلى من غير الاجتهاد على التبخيت فإنه لا يصح، وإن تبين له أنه أصاب جهة القبلة، لأنه ترك ما هو فرض عليه، فإذا دخل عليه وقت الصلاة، فاجتهد في القبلة، وأدى اجتهاده إلى جهة، فإنه يصلي إليها، فإذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، فإنه يجب عليه أن يجتهد في القبلة ثانيًا، فلو اجتهد وإن أدى اجتهاده إلى تلك الجهة بعينها فلا كلام.
فأما إذا أدى اجتهاده إلى جهة أخرى ينظر فيه، فإن كان اجتهاده الثاني دون اجتهاده الأول، فإنه لا عبرة به أيضًا، ويصلي إلى الجهة التي صلى إليها أولا، وإن كان مثل اجتهاده الأول، فإنه يكون كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء، ويقضي الصلاة الثانية دون الأولى، ولكن لا يعصي بذلك حتى لو صلى إلى جهة ثالثة فإنه يعصي ويأثم، ويلزمه قضاء تلك الصلاة.
فأما إذا كان اجتهاده الثاني أقوي من اجتهاده الأول، فإنه قد تغير اجتهاده، وينحرف إلى الجهة الأخرى، ويصلي إليها، ولا قضاء عليه، وكذلك إذا دخل عليه وقت صلاة ثالثة أو رابعة، وأكثر على التفصيل الذي ذكرنا حتى لو كان اجتهاده الثالث أقوي من الثاني، وأكثر على التفصيل الذي ذكرنا حتى لو كان اجتهاده الثالث أقوي من الثاني، فإنه يصلي إليها، وكذا لو كان اجتهاده الرابع أقوى من الثالث حتى لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربع اجتهادات، فإنه يصح ولا قضاء عليه.
قال أبو إسحاق الإسفراييي الأستاذ الإمام رحمة الله عليه: إنه إذا صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات يلزمه قضاء الكل؛ لأنه تيقن أنه مصيب في واحدة منهن، ومخطيء في الثلاثة ولا يمكنه معرفة الخطأ من الصواب منهن، فيلزمه قضاء الكل ليتحقق فراغ ذمته عن الكل كما لو نسي صلاة من صلوات يوم وليلة، فإنه يلزمه قضاء خمس صلوات لما ذكرنا من المعنى كذا هذا مثله.
стр. 576
قلنا: فرق بينهما، لأن هناك إذا صلى صللاة أو اثنتين، فلا يعتقد يقينًا أنه قد صلى الصلاة المنسية، وأنها سقطت عنه قطعًا، لأنه ربما كانت من الصلوات التي لم يقضها بعد، والأصل شغل ذمته بالصلاة، فقلنا بأنه لا يحكم بفراغ ذمته إلا بقضاء الكل، وأما ها هنا ما من صلاة يصليها إلى جهة إلا ويعتقد أنه أدى ما كلف به، وسقط عنه فرض الوقت، فلهذا لا يلزمه قضاء الكل.
فإن قيل: إذا دخل عليه وقت الصلاة وجب أن يقولوا: إنه لا يصلي بالاجتهاد إلى جهة، بل يصلي تلك الصلاة إلى أربع جهات حتى يتيقن سقوط الفرض عنه قطعًا، كما لو نسي صلاة من صلوات الخمس.
قلنا: فرق بينهما، وذلك لأن هناك لا يلوح له بالاجتهاد والتحري دلالة تدل على أن المنسية ماذا منه؟ فهذا قلنا: إنه لا يشتغل هناك بالاجتهاد، بل يصلي الكل، وها هنا للقبلة أمارات ودلالات، فربما تلوح له دلالة تدله على جهة القبلة، فقلنا بأنه يصلي بالاجتهاد والتحري، فأما إذا دخل في الصلاة بالاجتهاد، وصلي ركعة، ثم تغيرا اجتهاده في الركعة الثانية إلى جهة أخرى، ينظر فيه: فإن كان اجتهاده الثاني أقوى من اجتهاده الأول، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، ولا تبطل صلاته، وهكذا لو تغيرا اجتهاده في الركعة الثالثة والرابعة إلى جهة أقوى من الجهة التي تقدمت، فإنه يتحول إليها، حتى لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات، فهل يصح ذلك أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصح كما لو صلى أربع صلوات بهذه الصفة.
والثاني: لا يصح، والفرق بينهما أن الصلاة الواحدة عبادة واحدة لا تتجزز في البطلان والصحة، بل آخرها متصل بأولها، ويتداعي فساد آخرها إلى فساد أولها، فجاز أن يقال بأنها تبطل بتغيير الاجتهاد فيها بخلاف الصلوات، لأن كل واحدة منهن لا تكو مرتبطة بالأخرى، وفساد البعض لا يوجب فساد الكل في ذلك، فأما إذا كان اجتهاده الثاني مثل اجتهاده الأول، فإنه لا ينحرف إلى تلك
стр. 577
الجهة، بل يصلى إلى الجهة الأولى، ولا تلزمه الإعادة، والفرق بين هذا وبين ما إذا تغير اجتهاده في الصلاتين في وقتيهما، أن ها هنا انعقد له هذا الاجتهاد، فلو قلنا: إنه تلزمه إعادة الصلاة ينحرف إلى الجهة الثانية لأدى ذلك إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهناك لم ينعقد له الاجتهاد في الصلاة الثانية فوجوب القضاء عليه لا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد عروض مسألتا منه الصلاة الأولى هناك أنه لما انعقد له الاجتهاد فيها، وفرع عنها، ثم تغير اجتهاده بعد ذلك، لا جرم لا يلزمه قضاء تلك الصلاة، كي لا يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال المزني: فإن اختلف اجتهاد رجلين، لم يسع أحدهما اتباع صاحبه.
قال القاضي حسين: إذا كان جماعة في الصحراء، ودخل عليهم وقت الصلاة، واجتهدوا في القبلة ينظر فيه، فإن أدي اجتهاد كل واحد منهم إلى جهة، فإن كان واحد منهم يصلي إلى الجهة التي أدى اجتهاده إليها، ولو صلوا جماعة صحت صلاة الإمام، وبطلت صلاة المأمومين، فأما إذا أدى اجتهاد الكل إلى جهة واحدة، فإنه يجوز لهم أن يصلوا جماعة وفرادى، فلو اقتدوا بواحد منهم، ثم تغير اجتهادهم في حال الصلاة، لا يخلو إما أن تغير اجتهاد المأمومين، أو تغير اجتهاد الإمام، فإن تغير اجتهاد المأمومين، أو تغير اجتهاد واحد من المأمومين، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، وماذا حكم صلاته؟
قال الشافعي: ومن جوز الخروج عن صلاة الإمام بغير عذر، وقال: لا يبني على صلاته، فإنه يستأنف الصلاة، وإنما قال بغير عذر، لأنه إذا تغير اجتهاده
стр. 578
تبين أنه لم يكن معذورًا فيه، بل هو مفرط في ذلك، لأنه وجب عليه في الابتداء أن يبالغ في الاجتهاد، ويستقصي ويمعن النظر فيه، فإذا تغير اجتهاده تبين أنه كان مفرطًا فيه إذا أخرج نفسه عن صلاة الإمام.
اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيه قولان، سواء كان معذورًا فيه، أو لم يكن معذورًا فيه، ومنهم من قال القولان فيما إذا كان معذورا فيه، فأما إذا لم يكن معذورًا فيه قوله واحد، أنه تبطل صلاته ومنهم من قال القولان فيما إذا لم يكن معذورًا فيه، فأما إذا كان معذورًا فيه قول واحد: أنه لا تبطل صلاته.
فحصل في مسألتنا من صلاة المأمومين بعدما تحرفوا إلى الجهة الثاية قولان:
أحدهما: أنه بطلت صلاتهم.
والثاني: أنها لا تبطل صلاتهم، ولهم أن يبنوا على صلاتهم فأما إذا تغير اجتهاد الإمام، فإنه ينحرف إلى الجهة الثانية، وماذا حكم صلاة القوم
قال الشافعي ﵁: القياس أنه كالمسألة الأولى، اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: فيها قولان، كما في المسألة الأولى.
ومنهم من قال: ها هنا الصحيح أنهم يبنون على صلاتهم، لأنهم كانوا معذورين في ذلك، إذ لا يمكنهم أن يحفظوا اجتهاد الإمام كي لا يتغير ولم يوجد التفريط من جهتهم في ذلك، فعلى هذا تأويل قوله: إنه كان كالمسألة الأولى يعني في إخراج أنفسهم عن صلاتهم الإمام.
قال المزني: فإن كان الغيم، وخفيت الدلائل على رجل، فهو كالأعمي.
وقال في موضع آخر، ومن دله من المسلمين وكان أعمي، وسعه اتباعه، ولا يسع بصيرًا خفيت عليه الدلائل اتباعه.
قال المزني: لا فرق بين من جهل القبلة، لعدم العلم، وبين من جهلها، لعدم البصر، وقد جهل الشافعي من خفيت عليه الدلائل كالأعمى، فهما سواء.
стр. 579
قال القاضي حسين: يحتمل أن المراد بالنص الأول أنه إذا كان عاميًا لا يعرف دلائل القبلة، فيجوز له أن يقلد في ذلك عالما، كالاعمى سواء.
والنص الثاني: يدل على أنه لا يجوز له تقليده، بل عليه أن يتعلم دلائل القبلة، وقد ذكرنا وجهين في أن تعلم دلائل القبلة، هل هو فرض على العين أو فرض على الكفاية؟
والوجها مستنبطان من هذين النصين، ويحتمل أن المراد بالنص الأول أنه إذا كان عارفًا بدلائل القبلة، ولكن كان اليوم يوم الغيم، وخفيت عليه الدلائل، فإنه يجوز له ها هنا التقليد كالأعمى سواء.
والنص الثاني يدل على انه لا يجوز له التقليد في هذه الحالة أيضًا، وقد ذكرنا أيضا في مسائل التقليد، أن العالم إذا نزلت به نازلة في حق نفسه، وضاق به الوقت، هل يجوز له أن يقلد فيه عالمًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز له ذلك، لأنه من أهل الاجتهاد.
والثاني: يجوز له ذلك، وروى عن ابن سريج أنه كان يقلد الملاحين في السفينة في البحر في أوقات الصلوات، وكان يقول إذا نزلت بي نازلة، وضاق بي الوقت، وخفت فوت الفريضة على نفسي، فلي أن أقلد فيه من هو في مثل حالي، فأما الأعمي ففرضه التقليد، ولا يجوز له أن يصلي على التبخيث، ولا بالاجتهاد، اللهم إلا أن يدخل مسجدًا في البلدة، ووجد المحراب على جانب من الجوانب الأربعة بالمس باليد، فإنه يصلي إليها، وقد ذكرنا ذلك، وهكذا له أن يتحرى في الإناءين بمثل ذلك بأن اشتم من أحدهما رائحة كريهة، أو وجد الماء يتقلقل في أحد الإنائين دون الثاني، فإنه يستعمل أحدهما بالاجتهاد، وهو والبصير فيه سواء.
стр. 580
وأما إذا كان في الصحراء، فلا يمكنه الاجتهاد في القبلة ألبتة، بل فرضه التقليد فحسب، ولو كان له أوراد معلومة، أو عمل واصب يمكنه أن يعرف بها أوقات الصلاة، ولا يمكنه أن يعرف بها جهة القبلة ألبتة، لأن ذلك لا يدل عليها، فلو أنه أخبره بصير بجهة القبلة، فإنه يصلي إلى تلك الجهة، ثم ينظر، فإن أخبره عن حقيقة الحال بأن قال له: صل إلى هذه الجهة؛ لأن الشمس تغرب في هذه الجهة، أو تطلع الشمس من تلك الجهة، أو كان القطب خلف أذنك اليمني، فإنه إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، وكان جالسًا على ذلك المكان، ولا يتحول عنه، فإنه يصلي إلى تلك الجهة ثانيًا وثالثًا، ولا يسأل أحدًا عن شيء.
فأما إذا أخبره بالاجتهاد، لا بحقيقة الحال، فإنه إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، فإنه يسأل بصيرًا آخر عن جهة القبلة، سواء تحول عن ذلك المكان أو لم يتحول عنه، لأنه لو وجد من يسأل عنه في الكرة الأولى لزمه أنه يسأل عنه ثانيًا، كما أن البصير لو أراد أن يصلي بنفسه ثانيًا يلزمه، الاجتهاد ثانيًا، فحكم الأعمي فيه حكم البصير.
قال المزني: ولا يتبع دلالة مشرك بحال.
قال القاضي حسين: إذا قلنا: بأنه يقلد غيره، فينبغي أن يقلد رجلا مسلمًا عدلا عارفًا بدلائل القبلة، حتى لو كان كافرًا، فلا يجوز له أن يقلده في ذلك، وهكذا لا يجوز أن يعتمد على قول المشرك فيما يرجع إلى أمر الدين لا في المداواة وما أشبهها.
فأما الفاسق فهل يعتمد فيه على قوله أم لا؟
فيه وجهان، فأما العبد والمرأة له أن يعتمد فيه على قولهما.
وأما المراهق قال القفال، سألت أبا زيد عن ذلك، فقال: نص الشافعي على انه لا يجوز له أن يقلد المراهق في أمر القبلة، ثم سألت أبا عبد الله الخضري،
стр. 581
عن ذلك فقال: لا يجوز له تقليده نصًا، فأخبرته بقول أبي زيد فقال: أنا لا أتهمه في ذلك، ويحتمل، أن الشافعي، ﵀، أراد بذلك النص إذا دله فإنه يجوز، وبالنص الثاني أراد أراد أنه أخبره بجهة القبلة باجتهاد من قبله.
فأما إذا قال له: إني رأيت الشمس تطلع من هذا الجانب، أو تغرب من هذا الجانب، أو رأيت القطب من هذا الجانب، فإنه يأخذ بقوله، ويصلي إلى تلك الجهة، وليس هذا بتقليد منه له، لأنه لما أخبره عن حقيقة الحال، ولم يخبره عن تحر واجتهاد، فصار هذا كالعالم إذا أفتى عاميًا في مسألة، وأخبره بأنه أفتى له بنص من كتاب أو سنة، فيجوز له أن يفتي لغيره في تلك المسألة، ولو أفتى له العالم بالاجتهاد، فحينئذ لا يجوز له أن يفتي لغيره في تلك المسألة بذلك الاجتهاد.
فأما تقليد المؤذن ينظر فيه، فإن كان عارفاً، لأوقات الصلاة له يقلده في أوقات الصلاة، وإن لم يكن عارفًا بها، فليس له أن يقلده في شيء من أوقات الصلاة.
فأما الديك فهل يجوز أن يعتمد على صياحه في وقت صلاة الصبح، في يوم الغيم، ينظر فيه، فإن اختبره في الأيام المنكشفة، ووجده يصيح في وقت الصبح في جميع الأيام، فإنه يجوز له أن يعتمد فيه صياحه، وإلا فلا، وقد ذكرنا أنه إذا كان للرجل أوراد معلومة، أو عمل واصب، فإنه يجوز له أن يعتمد على ذلك في معرفة أوقات الصلاة دون معرفة القلة.
قال المزني: قال الشافعي: ومن اجتهد فصلى إلى المشرق، ثم رأى القبلة إلى الغرب استأنف، لأن عليه أن يرجع من خطأ جهتها إلى يقين صواب جهتها، قال القاضي حسين: إذا صلى إلى جهة ثم تبين له يقين الخطأ ويقين الصواب، فهل يلزمه إعادة تلك الصلاة أم لا؟
فيه قولاه:
стр. 582
أحدهما: أنه يلزمه ذلك كما لو حكم الحاكم بالاجتهاد، ثم تبين أنه خالف النص في ذلك.
والثاني: لا يلزمه ذلك، لأنه أدى ما كلف، وقول من اجتهد فصلى هذا يدل على أنه إنما تبين له يقين الخطأ من بعد فراغه من الصلاة، لن قوله: فصلى إنما يستعمل فيما إذا فرغ عن الصلاة، فأما قبل الفراغ عنها لا يقال: إنه صلى.
وقوله: استأنف، هذا اللفظ يدل على أنه كان في خلال الصلاة، لأنه لو كان بعد الفراغ عنها، يقال: أعاد ولا يقال: استأنف، فحصل من هذا أنه إذا تبين له ذلك بعد الفراغ من الصلاة قولان.
فأما إذا ظهر له يقين الصواب من الخطأ في حال الصلاة، فيه قولان، مرتبان على ما إذا بدا له ذلك بعد الفراغ من الصلاة.
إن قلنا هناك: يستأنف فها هنا أولى.
وإن قلنا: هناك: لا يستأنف فها هنا وجهان، والفرق أن هناك إنما ظهر له بعد فراغه من الصلاة، وها ها قبل فراغه عن الصلاة، فيكون بالاستئناف أولى إذا تبين له يقين الخطأ، ولم يتبين له يقين الصواب، فيه وجهان مرتبا على الأول.
إن قلنا: إنه إذا تبين له يقين الصواب لا يستأنف، فها هنا أولى وإلا فوجهان:
والفرق أن هناك تبين له يقين الصواب، فكان أولى بوجوب الاستئناف بخلاف ما نحن فيه.
قال المزني: ويعيد الأعمى ما صلى معه، متى أعلمه، وإن كان شرقًا، ثم رأى أنه منحرف وتلك جهة واحدة، كان عليه أن ينحرف ويعتد بما مضى، وإن كان معه أعمى، ينحرف بانحرافه، وإذا اجتهد به رجل، ثم قال له رجل آخر، قد أخطأ بك، فصدقه تحرف، حيث قال له، وما مضى مجزئ عنه، لأنه اجتهد به من له قبول اجتهاده.
стр. 583
قال المزني: ﵀: قد احتج الشافعي في كتاب الصيام فيمن اجتهد، ثم علم أنه أخطأ، أن ذلك يجزئه، بأن قال: وذلك أنه لو توخي القبلة، ثم علم بعد كمال الصلاة: أنه أخطأ أجزأت عنه، كما يجزئ ذلك في خطأ عرفة، واحتج أيضا في كتاب الطهارة، بهذا المعنى، فقال إذا تأخى في أحد الإنائين، أنه طاهر والآخر نجس، فصلى ثم أراد أن يتوضأ ثانية، فكان الأغلب عنده: أن الذي ترك هو الطاهر، لم يتوضأ بواحد منهما، ويتيمم، ويعيد كل صلاة صلاها بتيمم، لأن معه ماء متيقنًاـ، وليس كالقبلة يتأخاها في موضع، ثم يراها في غيره لأنه ما م ناحية إلا وهي قبلة لقوله.
قال المزني: فقد أجاز صلاته، وإن أخطأ القبلة في هذين الموضعين، لأنه أدى ما كلف ولم يجعل عليه إصابة العين، للعجز عنها في حال الصلاة.
قال المزني: وهذا القياس على ما عجز عنه المصلى في الصلاة، من قيام، وقعود وركوع، وسجود وستر أن فرض الله كله ساقط عنه، دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد، لم يعد فكذلك إذا عجز عن التوجه إلى عين القبلة، كان عنه أسقط، وقد حولت القبلة، ثم صلى أهل قباء ركعة إلى غير القبلة، ثم أتاهم آت، فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا وبنوا بعد يقينهم، أهم صلوا إلى غير قبلة، ولو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا ما أجزأهم خلاف الفرض، لجهلهم به، كما لا يجزيء من توضأ بغير ماء طاهر لجهله (به)، ثم استيقن أنه غير طاهر فتفهم رحمك الله.
قال المزني: ودخل في قياس هذا الباب، أن من عجز عما عليه من نفس الصلاة، أو ما أمر به فيها، أو لها: أن ذلك ساقط عنه، لا يعيد إذا قدر، وهو أولى بأحد قوليه، من قوله فيمن صلى في ظلمة، أو خفيت عليه الدلائل، أو به دم، لا
стр. 584
يجد ما يغسله به، أو كان محبوسًا في نجس: أنه يصلي كيف أمكنه ويعيد إذا قدر.
قوله: ويعيد الأعمي ما صلى معه متى أعلمه، فإذا صلى الأعمي بتقليد من كان بصيرًا، ثم بان للبصير يقين الخطأ ويقين الصواب، ففي كل موضع قلنا: يجب على البصير إعادة الصلاة.
قلنا: إنه يجب على الأعمى إعادتها أيضًا، وفي كل موضع.
قلنا: إنه إذا تغير اجتهاده ينحرف إلى تلك الجهة.
قلنا: إن الأعمى ينحرف إلى تلك الجهة أيضًا، وفي كل موضع قلنا: إنه إذا تغير اجتهاده يمنة أو يسرة. فإنه ينحرف إليها، فيكون حكم الأعمي فيها حكم البصير الذي قلده الأعمى في ذلك حرفًا بحرف، والنص يدل عليه؛ لأنه قال: وإن كان شرقًا، ثم رأى أنه منحرف وتلك الجهة واحدة، فإن عليه أن ينحرف ويعيد بما مضى، وإن كان معه أعمى انحرف بانحرافه.
...
فرع
إذا اجتهد رجلان أو جماعة، فاتفق اجتهاد الكل إلى جهة واحدة، وشرعوا في الصلاة بالجماعة، ثم تغيرا اجتهاد المأمومين يمنة أو يسرة، ماذا حكمه؟
نقدم على هذا مقدمة، وهي لو كان في ابتداء الصلاة، وقبل الشروع فيها أدى اجتهاد الكل إلى جهة واحدة إلا أنه تغير اجتهاد الإمام في تلك الجهة يمنة أو يسرة، فهل يجوز لغيره الاقتداء به أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الشافعي ﵀ قال: لو اختلف اجتهاد رجلين لم يسع لأحدهما اتباع صاحبه.
والثاني: يجوز، ويحمل النص على ما لو تغير اجتهادهما في جهتين مختلفتين،
стр. 585
وها هنا في جهة واحدة، وكان الاختلاف يسيرًا فكان معفوا، فلا يمنع صحة الاقتداء، والله أعلم بالصواب.
قوله: إذا صلى الأعمى بالتقليد، ثم قال له رجل آخر: قد أخطأ بك فلان، ينظر فإن كان في خلال الصلاة، وكان الآخر عنده دون الأول أو مثله، فلا يلتفت إلى قوله، بل يمضي في صلاته، وإن كان أرجح من الأول عنده، فإنه إن قال: أخطأ بك في التحرف يمنة أو يسرة، فإنه ينحرف ويمضي في صلاته، ولا إعادة عليه، وإن قال: أخطأ بك في الجهة، فيخرج على القولين وقد ذكرناهما.
فأما رذا كان قبل الشروع في الصلاة ينظر فيه، فإن كان الثاني دون الأول عنده في الاجتهاد، فإنه لا يصدقه، بل يصدق الأول فيه، وإن كان دون الأول، فإنه كالمتحير يصلي إلى أي الجهتين شاء ويعيد، وإن كان أرجح من الأول، فإنه يصدقه، ويصلي إلى الجهة التي دله عليها.
فأما إذا شرع في الصلاة بدلالة بصير، ثم ارتد بصيرًا في خلال الصلاة، فإن قلنا: يجوز له التقليد في الابتداء لو كان بصيرًا، فها هنا يمضي في صلاته.
وإن قلنا: هناك لا يجوز له التقليد، فها هنا وجهان:
أحدهما: وهو الصحيح أنه تبطل صلاته، لأنه بصير، فلا يجوز له التقليد، كما لو كان في ابتداء الصلاة.
والثاني: أنه لا تبطل صلاته؛ لأن صلاته انعقدت في الابتداء بالتقليد، ففي الدوام مثله؛ لأن الدوام ينبني على الابتداء، فأما إذا كف بصره في خلال الصلاة، ثم قال له آخر: فإن احتمل أنه تحول عن ذلك المكان، فإنه يعتمد على قوله في ذلك، وإلا فلا.
فإن قيل: قد قلتم بأنه إذا شك في أنه هل صلى ثلاثًا، أو أربعًا يبني على اليقين، ويطرح الشك، فوجب أن يقولوا ها هنا، لا يصلي بالاجتهاد، بل يؤخر الصلاة حتى يتيقن له إصابة عين القبلة.
стр. 586
قلنا الفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن هناك ليس لذلك أمارات ودلالات تلوح له أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا، فلهذا قلنا: إنه يترك الاجتهاد، ويأخذ باليقين، وها هنا للقبلة أمارات ودلالات تعرف بها جهة القبلة، فقلنا: بأنه يجتهد فيها حتى تلوح له تلك الدلالة.
وأيضا إن هناك لو قلنا: إنه لا يجتهد، ويبني على اليقين لا يؤذي إلى إخراج الصلاة عن وقتها، فقلنا: بأنه جائز، وها هنا لو قلنا: بأنه لا يجتهد، ويترك حتى يتبين له يقين الصواب لأدى ذلك إلى خروج الصلاة عن وقتها، وهذا لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: لو صلى ثم تبين له يقين الصواب، ويقين الخطأ لا يلزمه الإعادة، وهو اختيار المزني، واحتج عليه بمسائل:
منها: أن الأسير في أيدي الكفار إذا اشتبه عليه شهر رمضان، فإنه يصوم شهرًا بالاجتهاد، وإن وافق ذلك الشهر غير الشهر أي شهر رمضان لا قضاء عليه.
قلنا: فيه تفصيل على المذهب، إن وافق ذلك الشهر شهرًا قبل شهر رمضان فإنه يلزمه القضاء، وإن وافق شهرًا بعده لا يلزمه القضاء، لأن الواجب عليه ما أتى به، وفي الجملة الفرق بينهما أن الصوم يجوز له تأخيره عن وقته باختياره مع علمه بذلك بعذر المرض والسفر ونحوهما، فجاز أن يقال بأنه لا يلزمه القضاء، وها هنا لا يجوز له ترك استقبال القبلة باختياره مع علمه بذلك، فقلنا: بأنه يلزمه القضاء إذا تحقق منه ترك استقبال القبلة.
واحتج أيضًا بأن الحجيج لو وقفوا بعرفة غالطين يوم العاشر، فإنه يجزيهم حجهم ولا قضاء عليهم.
قلنا: له فيه تفصيل أيضا، والصحيح أنهم إذا كانوا خلقًا كثيرًا لا يلزمهم الإعادة، والفرق بين هذا وذاك من وجهين:
стр. 587
أحدهما: أنا لو أمرناهم بالقضاء، لأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالخلق الكثير والجمع الغفير، بخلاف ما نحن فيه.
والثاني: أن هناك لا يؤمن من وقوع مثله في القضاء، كما وقع في الأداء، فلو أمرناهم بذلك لأدى ذلك إلى أن يتكرر القضاء عليهم مرارًا، وها هنا إذا تعين له يقين الصواب، لا جرم لا نأمره بقضاء الصلاة لأنه ربما يقع مثله في القضاء كما لو وقع مثله في الأداء، واحتج أيضا في كتاب الطهارة بهذا المعنى في الإناءين إذا أدى اجتهاده، واستعمله، ثم في وقت صلاة أخرى أدى اجتهاده إلى أن الذي نزل هو الطاهر.
قال: لم يتوضأ بواحد منهما، بل يتيمم ويعيد، ولا حجة له فيه، لأن وزان مسألتنا منه أن لو تحقق له أنه استعمل الأول وهو نجس، فلا جرم قلنا بأنه يلزمه إعادة الصلاة.
فأما إذا لم يتحقق له نجاسة الأول، فلا يلزمه إعادتها، فوزانه من مسألتنا أن لو صلى بالاجتهاد إلى جهة، ثم تغير اجتهاده في الصلاة الثانية إلى جهة أخرى لا يلزمه قضاء الأولى دل على أنه لا فرقا بينهما ثم أخذ يفرق بينهما.
فقال: ليس كالقبلة يتأخاها في موضع ثم يراها في غيره، لأنه ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم، أراد به إذا صلى إلى جهة، ثم تبين له يقين الصواب، فإن تلك الجهة كانت قبلة لقوم في الجملة، فجاز ألا يؤمر بإعادة الصلاة إليها، فأما إذا تيقن أنه استعمل الماء النجس، فإن ذلك لا يكون طاهرا في حق واحد ما، فلهذا قلنا: تلزمه إعادة الصلاة ثانيًا، واختلف أصحابنا في قوله: ليس من ناحية إلا وهي قبلة لقوم.
فمنهم من قال: أراد به أن المشرق قبلة لأهل المغرب، والمغرب قبلة لأهل المشرق على قول بعض الناس.
ومنهم من قال: أراد به أن كل جهة قبلة لصلاة الفرض في حق المستأنف،
стр. 588
والصلاة النفل في حق المسافر والعذر عنه، إن تلك الجهة وإن صارت قبلة لقوم في حال، فإنما صارت قبلة لهم بعذر وبضرورة ثبتت في حقهم، وها هنا لم يوجد ذلك المعنى في حقه، فأشبه ما إذا تطهر ثم تبين له أنه استعمل الماء النجس فيلزمه إعادة الصلاة لكونه غير معذور فيه كذا هذا، وهذا هو الجواب عن قوله: إنه أدى ما كلف.
قلنا لا نسلم، بل أدى غير ما كلف، لأنه مفرط فيه، بل الواجب عليه أن يمعن في الطلب، ويبالغ فيه حتى يبين له في الابتداء ما يبين في الاخرة، فأشبه ما إذا طلب الماء، ونسي الماء في رحله، وصلى فإنه تلزمه الاعادة كذا هذا مثله، واحتج أيضا بما إذا عجز المصلي عنه في الصلاة من القيام، أو القعود، أو الركوع والسجود أو الستر، أو كان محبوسًا في حش، أو به دم سائل، فإنه يصلي كيفما أمكنه، وأن فرض الله كله ساقط عنه دون ما قدر عليه من الإيماء عريانًا، فإذا قدر من بعد لم يعد، والعذر عنه ما ذكرنا في باب التيمم، أن الأعذار على قسمين والفرق بينهما ما ذكرنا من أنه قد تحقق العذر في حقهم فلهذا أسقط عنهم الصلاة ها هنا بعكسه، واحتج أيضًا بقصة أهل قباء، أنهم كانوا في الصلاة، فأخبرهم آت أن القبلة حولت، فاستداروا وبنوا بعد يقينهم انهم صلوا إلى غير قبلة، أو كان صواب عين القبلة المحول إليها فرضًا لما أجزأهم خلاف الفرض لجهلهم به، كما لا يجزئ من توضأ بغير ماء طاهر لجهله، ثم استيقن أنه غير طاهر.
قلنا: الفرق بينهما أن قبلتهم في الابتداء التي توجهوا إليها، فإذا نسخت فحكم النسخ لا يلحقهم إلا بعد بلوغ الخبر إليهم، فلهذا لا يطالبون بقضاء ما مضى قبل بلوغ النسخ إليهم، وها هنا بخلافه.
قال المزني: قال الشافعي: ولو دخل غلام في صلاة، فلم يكملها أو صوم يوم، فلم يكمله، حتى استكمل خمس عشرة سنة، أحببت أن يتم، ويعيد، ولا يبين أن عليه إعادة.
стр. 589
قال المزني: لا يمكنه صوم يوم، هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخر وقتها غير مصل، ألا ترى أن من أدرك ركعة، من العصر قبل الغروب، أنه يبتديء العصر من أولها، ولا يمكنه في آخر يوم أن يبتديء صومه من أوله، فيعيد الصلاة لإمكان القدرة ولا يعيد الصوم، لارتفاع إمكان القدرة، ولا تكاليف مع العجز.
قال القاضي حسين: إذا بلغ الصبي في خلال الصلاة المكتوبة، الصحيح من المذهب أنه يمضى في صلاته ولا إعادة عليه، وفيه قول آخر أن عليه إعادتها، لأنه قيد القول فيه حيث قال: ولا يبين لي إعادة، فأما إذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخره، فإنه لا إعادة عليه وجهًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: إنه تلزمه الإعادة هنا هنا، فأما إذا بلغ في خلال النهار، وكان صائمًا فينظر فيه، فإن نوي الصوم من الليل، فإنه لا يلزمه قضاء صوم ذلك اليوم، وإن نوي الصوم من النهار أو كان مفطرًا ماذا حكمه؟
سنذكر هذا فيما بعد إن شاء الله ، وإما يتصور البلوغ في خلال الصلاة بالسن دون الاحتلام، لأنه إذا احتلم فقد بطلت صلاته.
وقال المزني: إنه إن بلغ في خلال الصلاة تلزمه إعادتها، ولو بلغ في خلال الصوم لا تلزمه إعادته، وعلل بأنه قال: لا يمكنه صوم يوم هو في آخره غير صائم، ويمكنه صلاة هو في آخر قتها غير مصل.
من أصحابنا من قال: إنه أخل بالنقل، لأن مؤدي قوله أن يقول: لا يمكنه صوم يوم هو في أوله غير صائم، لأن مقصوده منه أني لا أوجب عليه صوم باقي اليوم لارتفاع إمكان القدرة لأنه لا يتصور أن يكون في آخر اليوم صائمًا وفي أوله مفطرًا، لأن صوم الفرض لا يتجزأ ولا يتبعض.
ومن أصحابنا من قال: ليس فيه كثير خلل، لأنه إذا لم يكن صائمًا في آخر اليوم لا يكون في أوله أيضاً، بخلاف الصلاة فإنه يجوز أن يصلي في آخر
стр. 590
وقتها دون أوله، وفي أوله دون آخره، فوجد إمكان القدرة فيها، فوجب عليه إعادتها.
قلنا له: أي الرجلين أنت؟ فإن قلت: إذا صلى في أول الوقت، وبلغ في آخر الوقت يلزمه قضاؤها، فالكلام معك فيه كالكلام مع أبي حنيفة، فنقول: صلى وظيفة وقته، وفريضة مثله، فحدوث الكمال بعده لا يوجب عليه الإعادة، دليله: الأمة إذا صلت مكشوفة الرأس في أول الوقت، ثم عتقت في آخر الوقت لا يلزمها قضاؤها، كذلك هذا مثله.
ولئن قلت: إنه لا يلزمه قضاؤها فقد مكنت من ثغرة النحر، ويلزمك الفرق بينهما.
فرع:
قال ابن الحداد: إذا صلى الصبي في أول الوقت صلاة الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ قبل أن يصلي الجمعة، فإنه تلزمه صلاة الجمعة، ولو صلى العبد أو المسافر في اول الوقت صلاة الظهر يوم الجمعة، ثم عتق العبد، وأقام المسافر قبل أن يصلي الجمعة، فإنه لا يلزمهما صلاة الجمعة.
والفرق بينهما بأن مؤدى الصبي يكون نفلا، فلهذا يؤمر بالجمعة ومؤداهما يكون فرضا، فلهذاا لم يؤمر بالجمعة.
قلنا: من أصحابنا من قال: إنه أخطأ في الفتوى وفي العلة.
إما في الفتوي فإنه أجاب بهذا على مذهب أبي حنيفة، لأن عنده ان الصبي إذا صلى في اول الوقت، ثم بلغ قبل خروج الوقت يلزمه قضاؤها، وكثيرًا ما يغلط إلى مذهب أبي حنيفة.
وأما الخطأ في العلة حيث قال: مؤدى الصبي يكون نفلا وليس كذلك، لأنه أدى فرض مثله، ووظيفة وقته كالبالغ سواء.
стр. 591
قال القفال: ﵀ الفتوى كما ذكر، ولكن المعنى فيه غيره، وهو أن الصبي مندوب بالحضور إلى الجمعة، ومأمور بذلك، ومضروب عليها إذا تركها فلهذا قلنا: بأنه يلزمه الحضور إلى الجمعة، لأنه ترك ما هو مندوب إليه، حيث صلى في أول الوقت، وأما العبد والمسافر غير مأمورين بالجمعة ولا مندوبين إليها، فلهذا لا يلزمها الجمعة ها هنا، لأنهما لم يتركا ما كان يندبان إليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 592
باب صفة الصلاة وما يجوز منها، وما يفسدها وعدد سجود القرآن وغير ذلك .
قال الشافعي: وإذا أحرم إمامًا أو وحده، نوى صلاته في حال التكبير، لا قبله ولا بعده ولا يجزئه إلا قوله: الله أكبر، أو الله أكبر.
أما إذا أراد الصلاة فإنه يحتاج إلى النية لها، ومتى ينوي لا خلاف أنه لو نوى بعد التكبير، فإنه لا يجوز، وكذا لو نوي قبل التكبير بلفظة ثم عزبت نيته قبل أن يبتديء التكبير، فإنه لا يجوز، فلو وزع النية على حروف التكبير.
من اصحابنا من قال: إنه يجوز، لأن الشافعي ﵀ قال: وينوي في حال التكبير لا بعده ولا قبله.
والصحيح أنه لا يجوز، لأنه إذا افتتح التكبير، ولم يوجد منه إتيان جميع النية، فقد أخلى بعض أركان الصلاة عن النية فلا يجوز، كما لو نوي بعد التكبير.
وقوله: حال التكبير لا بعده ولا قبله، محمول على ما إذا نوى قبل التكبير، ويستصحب النية إلى أن فرغ عن التكبير، قاله ابو على السنجي ﵀ عليه والمذهب الصحيح انه لا يجزيء عن هذا.
ومن أصحابنا من قال: وهو القفال ﵀، إنه لو نوى قبيل التكبير، ويستصحب النية إلى أن افتتح التكبير، فإنه يكتفي، وإن لم يستصحبها إلى أن فرغ عن التكبير، لأنه قرن النية بالتكبير.
стр. 593
فلو قلنا: إنه يلزمه استصحاب النية إلى الفراغ عنه لكان ذلك تكرارًا للنية، وذلك غير واجب عليه، كما أنه لا يلزمه استصحاب النية في آخر الصلاة، والصحيح هو الأول، وإنما قلنا، ذلك لأن الواجب عليه أن يأتي بالنية عند افتتاح الصلاة، ويداوم عليها إلى أن تنعقد له الصلاة، وإنما تنعقد له الصلاة إذا فرغ عن التكبير ولو أتى ببعض أجزاء التكبير، فإنه لا تنعقد له الصلاة.
وقال أبو حنيفة: لونوى في بيته ان يخرج ويصلي في المسجد، فإنه يصح، وإن عزبت نيته بعد ذلك لا يضره.
قال القاضي ﵀: سألت أبا علي النسفي عن هذا، فقال: عندنا إنما يجوز ذلك، إذا لم يخطر بباله شيء آخر إلى أن يدخل في الصلاة، فلو كان الأمر كما ذكر لم يبق بيننا وبينه فيه خلاف، فأما كيفيته فالصلاة على قسمين:
فرائض، وغير فرائض.
فأما غير الفرائض على قسمين:
نوافل وسنن.
فأما النوافل، فإنه ينوي فيها الصلاة مطلقًا، بأن يقول: نويت الصلاة، أو
стр. 594
نويت أن أصلي، ويكفيه ذلك، فأما السنن، فإنه يحتاج فيها إلى أصل النية، وإلى تعييها بأن يقول: نويت أصلي سنة الوقت، فإن كان صبحًا، فينوي سنة صلاة الصبح، وإن كان مغربًا فينوي سنة صلاة المغرب، وأما الفرائض على قسمين:
أداء وقضاء.
فأما الأداء فالأكمل فيه أن ينوي أداء صلاة الظهر فرض الوقت لله تعالى، وإنما قلنا: إنه ينوي أداء؛ لأن الصلاة قد تكون قضاء، وقد تكون أداء، فهو ينوي الأداء كي يتميز به عن القضاء.
وإنما قلنا: ينوي صلاة الظهر، لأن الصلاة قد تكون ظهرًا، وقد تكون غير الظهر فينوي الظهر لكي يتميز عن غير الظهر.
وإنما قلنا: ينوي فرض الوقت؛ لأن الظهر قد تكون فرضًا، وقد تكون غير الفرض بأن يصلي الظهر وحده، ثم أدرك الجماعة ويصليها بالجماعة ثانيًا، فإن إحداهما تكون فرضًا، والأخرى نافلة، وأيضا فإنه يجوز أن تكون الصلاة فرض الوقت عليه، ولا يكون طهرًا بأن يذكر فائتة عليه لقوله ﵇: من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، لا وقت لها غيره، وأيضا قد تكون ظهرًا في الوقت، ولا تكون أداء بأن شرع في صلاة في وقتها، ثم أفسدها وكان الوقت باقيًا يلزمه أن يصليها في الوقت فائتة بنية القضاء وإنما قلنا: ينوي لله تعالى في الإخلاص لقوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين، فلو نوى في صلاة الظهر مثلا أداء فرض الوقت لله تعالى، فيه وجهان:
стр. 595
أحدهما: يجوز؛ لأن فرض الوقت لا يكون إلا ظهرًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرناه أنه يجوز أنه يكون فرض الوقت، ولا يكون ظهرًا، وهكذا لو نوى أداء صلاة الظهر، ولم ينو فرض الوقت فيه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضًا.
والثاني: لا يجوز لما ذكرنا أنه يجوز أن تكون صلاة الظهر، ولا تكون فرضا وهكذا لو لم ينو لله تعالى فيه وجهان:
أحدهما: يجوز لأن الصلاة لا تقع إلا لله تعالى.
والثاني: لا؛ لأن المبالغة في الإخلاص شرط بدليل الاية، ولا خلاف إنه إذا لم ينو اليوم، ولا أعداد الركعات، فإنه يجوز، وكذلك لو لم ينو الصلاة بأن نوى فرض الوقت ظهرًا، أو ظهرا لوقت فرضًا، فإنه يصح.
فأما إذا كان مأمومًا، فإنه أيضا ينوي الاقتداء بالإمام، فلو ترك ذلك لا تحصل له فضيلة الجماعة، وهل تصح صلاته أم لا؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا؛ لأنه وقف أفعاله على أفعال غيره، فلا تصح صلاته.
والثاني: بلى، لأنه أتي بجميع أركان الصلاة وشرائطها.
فأما الإمام فالصحيح من المذهب أنه لا يلزمه نية الجماعة، لأنه لا يقتدي بأحد حتى ينوي ذلك.
стр. 596
وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق ﵀: إنه ينوي الجماعة، وعلل بأنه أحد ركني الجماعة، فتلزمه نية الجماعة دليله المأموم.
قلنا: بينهما أن المأموم يكون تبعا له في الصلاة فيحتاج إلى نية الاقتداء به لتصح التبعية له في الصلاة، بخلاف الإمام، فإنه يستتبع المأموم في الصلاة.
الدليل عليه: أنه يوجب أشياء على الإمام، والمأموم لا يوجب عليه شيئًا، فأما إذا صلى رجل منفردًا، ثم جاء آخر واقتدى به، فإنه يحصل للمقتدي ثواب الجماعة، وماذا حكم المقتدى به؟
قال القاضي ﵀: سألت الشيخ القفال ﵀ عن هذه المسألة فقال إنما يحال في هذا على فضل الله تعالى، في ألا يحرمه فضيلة الجماعة، لأنه يكون سببًا لتحصيل فضيلة الجماعة لغيره، فالأولى ألا يحرم عنها فأما في الجمعة فالأفضل أن ينوي صلاة الجمعة فرض الوقت لله تعالى مقتديًا بالإمام فرضًا، وإنما ينوي فريضة الاقتداء، لأن الاقتداء بالامام في الجمعة يكون فرضًا وفي سائر الصلوات لا يكون فرضًا، ولو نوي صلاة الجمعة لله تعالى الصحيح من المذهب أنه لا يجوز، لأن الجمعة لا تصح إلا بجميع اركانها وشرائطها، ولا تقع إلا فريضة، ولا تصح إلا في الوقت، ولا يجوز الاقتداء بالإمام، فلو نوى صلاة الظهر مقصورة لله تعالى.
من أصحابنا من قال: هذا بناء على أن الجمعة فرض على حدة أم ظهر، مقصور؟
وفيه قولان:
إن قلنا: إنه يكون فرضًا على حدة فلا يجوز، وإلا فجاز، فأما إذا كانت الصلاة قضاء، فإنه ينوي قضاء صلاة الظهر فرضًا لله تعالى، وإن أراد أن ينوي قضاء أول ظهر كانت عليه، أو آخر ظهر كانت عليه، وهذا غير واجب عليه.
وقال أبو حنيفة: إنه واجب عليه، وعندنا لو نوى مطلقًا يجوز، فأما إذا عين اليوم، وأخطأ بأن ينوي قضاء صلاة الظهر الذي فاتت عنه من يوم الخميس،
стр. 597
وذاك يكون في يوم السبت، أو الجمعة، فإنه لا يجوز، ولو عين اليوم في الأداء، ثم أخطأ تصح صلاته.
والفرق بينهما أن في الأداء ينوي فرض الوقت، فقد وجدت الإشارة فيغلب على العبارة، وتصح صلاته، وفي القضاء لم توجد الإشارة حتى يغلب على العبارة.
فقلنا: إنه لا يصح القضاء، فأما إذا نوى الأداء، في صلاة القضاء، أو القضاء في صلاة الأداء، هل يجوز أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن القضاء غير والأداء غير.
стр. 598
والثاني: جاز، لأن الأداء والقضاء في اللغة شيء واحد.
قال الله تعالى فإذا قضيتم مناسككم، أي أديتموها، وقال الله تعالى فإذا قضيت الصلاة، أي أديت، ويقال: اقض ديني، معناه: أد ديني، فعلى هذا لو أفسد صلاة الوقت، فأراد قضاءها، مقتضى قول أصحابنا: إنه ينوي القضاء، لأنه يقضي ما التزمه في الذمة، لأن الشروع يلزم الفرض في الذمة بدليل أن المسافر لو نوي إتمام الصلاة، وشرع فيها، ثم أفسدها لا يقضيها مقصورة، بل تامة، لأنه التزم الإتمام، وهذه المسألة تلزم فيما لو شرع في صلاة التطوع ثم أفسدها، فإن عندنا لا يجب عليه قضاؤها والعذر فيه أنه فرض التزمه بعقده، لأن الفرض على المسافر الإتمام كما على المقيم، إلا أنه جوز له القصر، فإذا لم ينوي القصر، فقد التزم الفرض بعقده.
وأما هذا تطوع شرع فيه، فلم يلزمه بحكم عقده، وإذا أفسد الصلاة التي شرع فيها بنية القصر، وقلنا: لا يقضي المقصورة مقصورة يلزمه الإتمام في الوقت ايضًا، وينوي القضاء على مقتضي قول أصحابنا، وعلى ما قاله الشيخ القفال يتخير فيه بين نية الأداء، ونية القضاء.
فرع
وإذا ترك ركعتي الفجر حتى صلى الصبح، أو طلعت الشمس فهي قضاء، فينوي القضاء على طريقة الأصحاب، وقبل طلوع الشمس يحتمل وجهين:
أظهرهما: أنها أداء، لأن الوقت قائم، فهذا وقت لها بدليل أنه لو لم يكن صلى الصبح كان هذا وقتًا لها، فعلى هذا ينوي الأداء على طريقة الأصحاب.
والثاني: يكون قضاء، لأن وقتها قبل فعل الفرض، فعلى هذا ينوي القضاء [و] على قول الشيخ ينوي كيف شاء.
стр. 599
فرع:
لو اقتدي برجل ظنه إمامًا، فبان أنه مأموم بعد الفراغ من الصلاة.
قال: يجب أن يخرج على الوجهين: لأنه وقف أفعاله على أفعاله، وقد ذكرنا من قبل إلا أنه مشكل، وذلك، لأن من أصلنا أنه لو كان الإمام جنبًا، أو محدثًا لا تلزمه الإعادة، وإن وقف أفعاله على أفعاله.
فصلٌ:
رجلان يصلي كل واحد منهما بجنب صاحبه، إن كان الإمام والمأموم بينا لكل واحد منهما فذاك، وإن اشتبه الأمر ففيه أربع مسائل:
إحداهما: أن يكون عند كل واحد منهما أنه مقتد بصاحبه، فالصلاتان باطلتان، لأنه لو اقتدى بمن هو مقتد بالغير لم تصح صلاته، فإذا اقتدي بمن هو مقتد به أولى الا تصح.
فإن قيل: اليس أن أبا بكر ﵁ وأرضاه، ويصلي بصلاة رسول الله ﷺ والقوم كانوا يصلون بصلاة أبي بكر ﵁.
قلنا: أبو بكر لم يكن إمامًا للقوم، وإنما كان كالمترجم بينهم على أفعاله.
والثانية: أن يشك كل واحد منهما في أنه إمام أو مأموم، فالصلاتان باطلتان أيضا، لأن على المأموم نية الاقتداء يقينًا.
والثالثة: أن يشك أحدهما في أنه إمام أو مأموم، ولم يشك الاخر، بل كان يعرف نفسه إمامًا او مأمومًا.
قال الشافعي: ﵁، صلاة الشاك باطلة، وصلاة من لم يشك لم تبطل.
قال أصحابنا: صلاة من لم يشك إنما لم تبطل إذا كان عنده أنه إمام أو منفرد، فأما إذا كان عنده أنه مأموم تبطل صلاته، لأنه يجوز أن يكون الثاني
стр. 600
مقتديًا به، ومن صلى خلف رجل ظن أنه مقتد برجل آخر لم يصح، فإذا ظن أنه مقتدى به أولى ألا يصح.
الرابعة: أن يكون عند كل واحد منهما أنه إمام، فالصلاتان صحيحتان، لأن الإمام كالمنفرد، وإذا اقتدى برجلين لم تصح صلاته، لأنهما لا يتفقان، والواجب على المأموم متابعة إمامه، ولا يمكنه متابعة شخصين لاختلاف آرائهما، ولو اقتدى بأحدهما لا يعينه أيضا لا تصح صلاته.
فصل
رجل شرع في الصلاة، ثم شك هل نوى أم لا؟ فإن لم يتذكر لم تصح صلاته، لأن الأصل عدم النية، وإن تذكر نظر فيه، فإن تذكر قبل أن عمل عملا على قرب الفصل صحت صلاته، وإن تذكر بعد أن عمل عملا بطلت صلاته، والعمل ما قاله الشافعي: أن يكون قائمًا فيركع، أو راكعًا فيقوم أو قائمًا فيسجد، لأنه نص عليه.
وقال: إنه إن أحدث فعلا بطلت صلاته، وإن لم يحدث فعلا صحت صلاته، فأما إذا شك فيه حالة القيام وسكت سكوتًا طويلا، ثم تذكر فيه وجهان بناء على أنه لو سكت في حالة القيام من غير عرض سكوتًا طويلا هل تبطل صلاته ام لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: تبطل، يجعل طول السكوت منه بمنزلة إحداث فعل.
والثاني: لا؛ لأنه لم يأت بفعل، ولا ينقطع به نظم الصلاة.
следующие страницы →