← Фикх шафии

Фикх шафии · id 17812

التعليقة للقاضي حسين

القاضي الحسين

Полный текст (1 014 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

التعليقة القاضي أبو محمد الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي تحقيق/ الشيخ/ علي محمد معوض والشيخ/ عادل أحمد عبد الموجود مكتبة نزار مصطفى الباز مكة المكرمة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين الحمد لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله أجمعين. قال- ﵁ وعن والديه -: ليس شيء أفضل عند الله تعالى من طلب العلم، والله تعالى إنما فضل آدم صلوات الله عليه لأجل العلم. قال الله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها). الآية قيل: أراد به اسم جميع الأشياء حتى الفأس والقدر، وغيرهما. وقال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم). فجعل العلماء في الدرجة الثالثة في الشهادة على وحدانيته وقد روي في هذا الباب أخبار كثيرة: روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: «من أحب العلم والعلماء لم تكتب عليه خطيئة أيام حياته».

стр. 3

وروي أنه قال ﵇: «من أكرم عالما فكأنما أكرم سبعين نبيا، ومن أكرم متعلما فكأنما أكرم سبعين شهيدًا». وروي أنه قال ﵇: «من صلى خلف عالم فكأنما صلى خلف نبي، ومن صلى خلف نبي فقد غفر له من ذنوبه ما تقدم». وروي أنه قال ﵇: «من تعلم بابًا من العلم ليعمل لنفسه، أو ليعلم غيره كان أفضل من ألف ركعة». وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلاطين، فإذا خالطوهم فاجتنبوهم، ومن تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو يأتي باب الملوك ويستجلب دنانيرهم، ودراهمهم لقي الله

стр. 4

تعالى وهو عليه غضبان، ويأتي ذلك العلم وشقه مائل ولعابه سائل، يقذره الخلائق». وروي أن النبي ﷺ ، سأل جبريل ﵇: أي الجهاد أفضل؟ قال: طلب العلم، قال: ثم بعد؟ قال: النظر إلى وجه العالم، قال: ثم بعد؟ قال زيارة العلماء)

стр. 5

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين. ما من طالب علم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله تعالى له بكل قدم عبادة سنة، وبني له بيتا في الجنة، ويمشى على الأرض، والأرض تستغفر له، ويصبح ويمسى مغفورًا له، وشهدت الملائكة بأن هؤلاء عتقاء الله من النار. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: النوم على العلم أفضل من الصلاة على الجهل. وروى أن النبي ﷺ قال لأبي الدرداء: أغد عالمًا أو متعلمًا، ولا

стр. 6

تكن الثالث فتهلك. وروى أنه قال ﵇: اغد عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا أو محبًا، ولا تكن الخامس فتهلك. وروى أنه قال ﵇: الناس اثنان: عالم، ومتعلم، وسائر الناس همج لا خير فيهم. والهمج: دويبة تطير على رأس الحش. وروى أنه ﵇، قال: اطلبوا العلم ولو بالصين.

стр. 7

وروي عن كثير بن قيس أنه قال: كنت في مجلس أبي الدرداء، إذ دخل من ناحية دمشق، فقال له: من أين جئت؟ فقال: جئت من ناحية دمشق، فقال: لماذا جئت؟ فقال: جئت لتروي لي خبرًا عن النبي ﷺ فقال له أبو الدرداء: أما جئت إلا لهذاا؟ فقال: والله ما جئتك لحاجة في دينار ولا درهم، وإنما جئتك لتروي لي خبرًا عن النبي ﷺ فقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقا في طلب العلم سلك به طريق من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العلماء يستغفر لهم من في السموات، ومن في الأرض حتى الحيتان في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب،

стр. 8

وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ شيئا منه، فقد أخذ بحظ وافر. قوله: تضع أجنحتها، قيل: تواضعًا وتقربًا إليهم. كقوله تعالى (واخفض جناحك للمؤمنين). وقيل: إنها تبسط أجنحتها حتى يمشوا عليها. وروى أن عبد الله بن المبارك قيل له: لو أوحي الله تعالى إليك، أنه لم يبق من عمرك إلا هذه العشر، ما كنت صانعًا فيه؟ قال: كنت أطلب العلم. وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: ليس شيئا أفضل عند الله تعالى من طلب العلم إذا صحت النية.

стр. 9

فقيل: وما صحة النية؟ فقال: أن يراد به وجه الله تعالى، والدار الآخرة. وروى عنه أيضا أنه قال: تعلمنا العلم لغير الله، فأبي العلم أن لا يكون إلا لله. وسفيان رجل كثير العلم حتى أنه قيل: إنه جلس بين يديه أربعة آلاف محبرة يكتبون الحديث منه. وقال الشافعي ﵀، وأنار برهانه، وجعل الجنة مثواه ومضجعه، طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.

стр. 10

وقال أيضا: طالب العلم عبد، والعلم حر، فمن خدمه ملكه، ومن تجبر عليه هجره، والعلم أشد تجبرًا من أن يخضع لمن لا يخضع له. فصلٌ: العلم علمان: علم التوحيد، وعلم الشريعة .

стр. 11

فأما علم التوحيد: فيجب علي كل مكلف أن يعرف الله تعالى بالصفات التي وصف بها نفسه، ولا يجوز التقليد في علم التوحيد، فإذا عرف الله

стр. 12

تعالى ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالبعث والقيامة، وما يليق به فيكون مؤمنا، والمتكلمون من أصحابنا تعمقوا فيه، فقالوا: ينبغي أن يعرف الله تعالى بالدليل، فإن لم يعرفه بالدليل، فلا يكون مؤمنًا.

стр. 13

والأصح: أنه يحكم بإيمانه إذا كان مقرًا بمعرفة الله تعالى وبأوامره ونواهيه، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى. والدليل على أن معرفة الله تعالى ممكن من غير لحاق مشقة: أن الله تعالى إذا أتم خلقه الإنسان، وسوى حواسه الخمس، فإذا نظر إلى السماوات وما فيها، وإلى الأرضين وما فيها من أنواع الخلائق، وإلى نفسه علم أن له صانعًا مدبرًا حكيمًا. قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). وهذا العلم يفترض على من كان بالغًا عاقلاً. والعلم الثاني: علم الشريعة: وذلك قسمان: قسم يجب على من كان بالغًا عاقلا أن يتعلم ذلك، وقسم يكون فرضًا على الكفاية. فأما ما هو فرض عين: فإنه علم ما يتوصل به إلى عبادة الله تعالى لأن

стр. 14

الله تعالى، قال (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين) الاية، وقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). فمن كان بالغًا، يجب عليه أن يتعلم علم الصلاة: الفرائض، والسنن، والتمييز بين فريضة وفريضة، وبين السنن والفرائض، ويجب عليه أن يتعلم ما تكون السنن من الصلاة والأركان، فلو أتي بالصلاة بأركانها، وسنتها على اعتقاد أن الكل يكون سنة لا تصح صلاته قولا واحدًا. ولو أنه أدى الكل على ظن أن الكل فرض، فالمذهب الصحيح، أنه لا تصح صلاته. ومن أصحابنا من قال: تصح صلاته. وكذلك إذا ابتلي بالزكاة، فيجب عليه أن يتعلم علم الزكاة، في أي جنس تجب الزكاة، ومن أي جنس تخرج الزكاة، ومتى تخرج؟، وإلى من تصرف؟

стр. 15

وإذا ابتلي بالصوم، فعليه أن يتعلم كيفية النية، والمفطرات للصوم. وإذا ابتلي بالحج، فعليه أن يعرف أركان الحج، والمفسدات للحج.

стр. 16

وإذا ابتلي بالبيع والتجارة، فعليه أن يتعلم من علم البيع كيفية المعاملة، وما يجري فيه الربا.

стр. 17

وما لا ربا فيه، وكيفية الإيجاب والقبول وإذا ابتليى بالنكاح، فينبغ أن يعرف الوقت الذي يحرم فيه إتيان

стр. 18

النساء، والدليل على هذا قوله ﵇، بني الإسلام على خمس. الحديث. وقال ﵇: طلب العلم فريضة على كل مسلم، الحديث

стр. 19

أراد به: ما ذكرنا مما هو فرض على كل بالغ عاقل. قال الشافعي ﵀: ويجب على كل امريء أن يتعلم من العربية ما يؤدي به فرائص الله تعالى. والعلم الثاني: مثل دقائق المسائل في الصلاة، وفي الشركة.

стр. 20

وفي القراض، والديات، وهذا فرض على الكفاية.

стр. 21

فإذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين. فإذا كان بلد، فلو واحدًا من أهل ذلك البلد، تعلم من العلم ما يحتاجون إليه، فقد أسقط الفرض عن الباقين. وإن لم يقم به أحد، فإن الكل عاصون لله تعالى. كما نقول في الجهاد، فإن ذلك فرض على

стр. 22

الكفاية، فيجب على الإمام أن يغزو في كل سنة إما بنفسه، وإما

стр. 23

بسراياه، حتى [لا] يكون النفير معطلا في عام، وأن تكون كلمة الإسلام عالية، وكلمة الشرك مقهورة. وكذلك نقول في رد السلام، ودفن الموتى، فإن هذه فروض على الكفايات، فإذا قام به البعض، سقط الحرج عن الباقين، وإن لم يقم به أحد، حرج الكل. والدليل على أنه إذا قام به البعض، سقط على الحرج عن الباقين، قوله تعالى: (وما كان المؤمنين لينفروا كافة). منهم من قال: إنما نزل هذا في الجهاد لما نزل قوله تعالى: (انفروا خفافًا وثقالاً).

стр. 24

خرج جميع الصحابة إلى الغزو، فأنزل الله تعالى هذه الأية، فقالوا هلا خرج من كل قوم طائفة، وبقيت طائفة ليتعلموا علم الشريعة؟ ومنهم من قال: إنما نزل هذا في شأن حي من أحياء بني أسد وبني خزيمة، جاءوا بقضهم وقضيضهم إلى المدينة لطلب العلم حتى أفسدوا الطريق على الناس بالعذرة. فقال الله تعالى: (فولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين) الآية، يعني: أحد. والمراد بـ (الطائفة): الواحد، فهذا دليل على أنه لا يجب على كافتهم أن يتعلموا الشرع. قال ﵁: استنبط من هذا: أنه إذا تفقه في الدين، ورجع إلى قومه أن يذكر قومه وينذرهم لأن الله تعالى قال (ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم) الاية. وفي العلوم كثرة، فيجب على العاقل اللبيب أن يتعلم أولى العلوم، وأولى العلوم علم الشريعة، حتى يتوصل بذلك إلى عبادة الله تعالى. وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. الحديث.

стр. 25

وقال ﵇: من تفقه في دين الله، كفاه الله هم دينه ودنياه ... الحديث. وقال أبو الفتح البستي: مدة العمر لا تفي بجميع المطالب ... فدع النفل جانبًا واشتغل بالواجب ويجب على المرء أن يختار مذهبًا، وأصح المذاهب، مذهب الشافعي ﵀ لأن النبي ﷺ قال: الأئمة من قريش. وقال ﵇: قدموا قريشًا ولا تقدموها، وتعلموا من قريش ولا تعلموها، وروى: ولا تعاطوها.

стр. 26

والشافعي ﵀ عليه كان من صميم قريش، وحرمت عليه الصدقة المفروضة، كما حرم عليهم، ويستحق منهم [سهم] ذوي القربى، كما أنهم يستحقونه. وروى أن المزني ﵀ عليه رأي النبي ﷺ في المنام، فسأله عن محمد بن إدريس الشافعي، فقال ﷺ : من أحب محبتي وسنتي فعليه بمحمد بن إدريس الشافعي، فإنه منى وأنا منه.

стр. 27

والمتبحرون في العلم ثلاثة: مالك،

стр. 28

أبو حنيفة، والشافعي. فأما مالك: فكان قويا في الأخبار، ضعيفا في الرأي، والاستنباط. وأبو حنيفة: كان قويًا في الرأي والاستنباط، ضعيفًا في الأخبار. والشافعي: كان قويًا فيهما جميعًا. فلهذا اخترنا مذهبه على سائر المذاهب.

стр. 29

فإذا انتحلت مذهب رجل فلا أقل من أن تعرف اسمه، ونسبه. واسم الشافعي: أبو عبد الله، محمد بن إدريس بن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن المطلب بن عبد مناف. والمطلب كان أخا هاشم جد أبي النبي ﷺ وكان اسم النبي ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. فجد الشافعي ﵁ الأعلى المطلب، وجد النبي ﷺ الأعلى هاشم، وهما ابنا عبد مناف. وكان الشافعي ﵁ من جملة بني أعمام النبي ﷺ فهاشم الذي هو جد أبي النبي ﷺ كان عم هاشم، الذي هو جد الشافعي، ﵀ الأعلى، وهو هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف، والمطلب الذي هو جد الشافعي الأعلى، هو عم عبد المطلب جد النبي ﷺ وكان لعبد مناف أربعة بنين، المطلب وهاشم، وعبد شمس، ونوفل. والشافعي إنما ولد بـ (غزة) قرية من قرى الشام، قريبة من بيت

стр. 30

المقدس، ونشأ بـ (مكة) و (المدينة) وتعلم العلم هناك، وولد في خمسين ومائة من الهجرة، وتوفي في خمس ومائتين، وكان سنه خمسًا وخمسين. فلما تعلم العلم بـ (مكة) و (المدينة) انتقل إلى (انتقل) في سنة سبع وسبعين، وصنف هناك كتبه القديمة، وكان من رواته أحمد بن حنبل، وأبو

стр. 31

علي الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، وأبو ثور، والحسين بن علي الكرابيسي، ثم انتقل إلى مكة، وأقام هناك إلى تسع وتسعين ثم انتقل إلى بغداد، وأقام هناك مدة يسيرة، ثم انتقل إلى مصر، وأقام هناك إلى أن قبض إلى رحمه الله تعالى وصنف هناك كتبه الجديدة، وكان رواة كتبه الجديدة أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان المرادي،

стр. 32

والربيع بن سليمان الجيزي، وأبو يعقوب البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي. وقيل: إنه صنف مائة وثلاثة عشر كتابًا في علم القرآن، وفي علم الأخبار، وفي علم الشريعة. والمزني: كان رجلا بليدًا، فقال له الشافعي ﵀ كنت بليدًا، فخرجتك المواظبة. ثم المزني لما رأي كثرة تفريعات الشافعي، وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سماه جامع الكبير، وكان كتابًا حسنا بالغًا، ولم يوجد ذلك

стр. 33

الكتاب في ديار خراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصر، الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصر فصنف كتابًا في جزئيات. والربيع بن سليمان المرادي صنف كتبًا كثيرة، ولكن لكثرة ورع المزني، وفقره بارك الله تعالى في كتابه، وكان يدرس هذا المختصر، وكان الفقهاء يتداولونه إلى قيام الساعة. قال الشيخ أبو زيد ﵀ من تأمل في المختصر حق تأمله، تطلع على جميع الفروع والأصول، فإنه ما من مسألة أوردها إلا ورمز هناك إلى شيء من أصول الشافعي رحمة الله عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. واعترض أبو طالب المعري، وأبو بكر محمد بن داود الأصفهاني على المزني، بدأ النبي ﷺ قال: كل أمر ذي بال لم يبدأ بحمد الله فهو أبتر. وروى: فهو أقطع. الحديث.

стр. 34

وهذا الكتاب لا يخلو، إما أن يكون له بال، أو لم يكن له بال، فإن لم يكن له بال، فالاشتغال به محال، وإن كان له بال، فلم ترك التحميد في أول الكتاب؟ الجواب عن هذا أن تقول: هذا السؤال يرد عليك، فإن كلامك لا يخلو، إما أن يكون له بال أو لم يكن له بال، إلا أن هذا يؤدي إلى ما لا نهاية له، ولكن نجيب عن هذا فنقول: هذا الخبر قد روي بروايات: كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله ... ، وروى: لم يبدأ فيه بذكر الله. وإن صح صار منسوخًا، لأن النبي ﷺ لما كتب كتاب الصلح مع أهل مكة، كتب: هذا ما صالح محمد بن عبد الله، ولم يأت بالتحميد. وكتاب النبي ﷺ ، من أشرف الكتب. وقيل: بأن هذا الخبر موقوف على أبي هريرة.

стр. 35

وجواب آخر نقول: ليس من الشرط أن نكتب التحميد في أول الكتاب، ولكن المراد به أن يحمد الله تعالى - اللسان، فلا يظن بـ (المزني) مع كثرة ورعه أنه ترك التحميد في ابتداء الكتاب. وقيل: إنه ما جمع بين مسألتين، وما اختار قولا على قول إلا وصلى ركعتين، واستخار الله تعالى، وتصدق بما يملك. وروى أن النبي ﷺ ، قال: حق المؤمن على أخيه ستة: أن يسلم عليه إذا لقيه، وأن يجيبه إذا دعاه، وأن يشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشيع جنازته وألا يظن به إلا خيرًا. الحديث. وجواب ثالث: المزني نقل ما هو أعلى الأذكار، وهو بسم الله الرحمن الرحيم، فإن هذا من أعلى الأذكار وأعظمها، قال الله تعالى (هل تعلم له سميًا). معناه: هل تعلمون أحدًا تسمى الله غير الله. وهذه الأذكار ينوب بعضها عن البعض كما قال ﵇: أفضل ما دعوته أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحد وهو على كل شيء قدير.

стр. 36

فقيل لسفيان بن عيينة، هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما أنشدك قول أمية بن أبي الصلت، في شأن عبد الله بن جدعان، أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟ إذا أثني عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء. فقال سفيان: هذا في وصف المخلوق، فكيف برب العالمين؟

стр. 37

وروي أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى، من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، الحديث. وجواب آخر: إن المزني لم يكن مصنفا، وإنما كان ناقلا،، وليس من عادة النقلة أن يأتوا بالتحميد، كما نقول في نقلة الأخبار. والمصنف كان الشافعي ﵀ وهو ذكر التحميد في صدر كتاب الرسالة، وهو كتاب في الأصول والفروع. والتحميد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمه من نعمه، إلا بنعمة حادثة يوجب على مؤدي شكر ماضى نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكرها، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، وهو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون من

стр. 38

خلقه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون. وحكي أن الشافعي ﵀ رآه واحد في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي. فقيل: بماذا غفر الله لك؟ فقال: بالتحميد الذي صدرت به كتاب الرسالة والصلاة التي صليت على النبي ﷺ فيه. ولعل الشافعي ﵀ أخذ هذا من داود النبي ﷺ وذلك ما روى أن الله تعالى أوحى إلى داود النبي ﵇ فقال له: يا داود اشكرني. فقال: كيف أشكرك، وشكري لك يوجب علي شكرا آخر؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني حين أقررت بالعجز عن شكري. وروى أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فمني، الحديث. وقد نظم محمود الوراق، بيتين في هذا المعنى، فقال: إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... على له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغي الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام وانفتل العمر؟ قال المزني: اختصرت.

стр. 39

الاختصار: اشتقاقه من الخصر، وهو خلاصة الشيء، واختلف عبارات أصحابنا في معنى الاختصار. منهم من قال: الاختصار: إقلال اللفظ مع توفير المعنى. وقيل: الاختصار: إقلال من غير إخلال. وقيل: هو القاء المباني، وإبقاء المعاني. وقيل: هو قبض البسيط من الكلام، ورده إلى وجيزه. وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير ومعناه: اختصر مسائل متفرقة في لفظ وجيز. وقيل: الاختصار، الجمع، ومن هذا سمى العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه (مخصرة)، وسمي: الخاصرة، لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل. اعترضوا عليه بأنه لم يقل، اختصرت، ولم يختصر بعد؟ الجواب عنه: يحتمل أنه فرغ من تصنيف الكتاب، ثم جاء وذكر ترجمة الكتاب، وهذه عادة المصنفين، أنهم يثبتون ترجمة الكتاب بعد فراغهم من تصنيف الكتاب. وجواب آخر: معناه سأختصر، كما قال الله تعالى (أتي أمر الله) الاية. معناه: سيأتي. وكقوله تعالى: (ونفخ في الصور). وقوله: (ونادي أصحاب الأعراف).

стр. 40

ومعناه: سينفخ، وسينادي فإن قيل: لماذا اختصر والكلام إذا كان بسيطا، فيكون أقرب من الوجيز؟ قلنا: الكلام الوجيز يستفصح. كقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) الاية. وقال ﵇: الماء من الماء. القطع في ربع دينار، والعمد قود وقال ﵇: أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا. الحديث. وقال (علي)، كرم الله وجهه، خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.
следующие страницы →