Полный текст (1 014 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فقيل لسفيان بن عيينة، هذا ثناء، وليس بدعاء، فقال: أما أنشدك قول أمية بن أبي الصلت، في شأن عبد الله بن جدعان،
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء؟
إذا أثني عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء.
فقال سفيان: هذا في وصف المخلوق، فكيف برب العالمين؟
стр. 37
وروي أن النبي ﷺ قال يقول الله تعالى، من شغله ذكرى عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، الحديث.
وجواب آخر: إن المزني لم يكن مصنفا، وإنما كان ناقلا،، وليس من عادة النقلة أن يأتوا بالتحميد، كما نقول في نقلة الأخبار.
والمصنف كان الشافعي ﵀ وهو ذكر التحميد في صدر كتاب الرسالة، وهو كتاب في الأصول والفروع.
والتحميد فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله الذي لا يؤدي شكر نعمه من نعمه، إلا بنعمة حادثة يوجب على مؤدي شكر ماضى نعمه بأدائها نعمة حادثة يجب عليه شكرها، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، وهو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه الواصفون من
стр. 38
خلقه: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، وصلى الله على محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون.
وحكي أن الشافعي ﵀ رآه واحد في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي.
فقيل: بماذا غفر الله لك؟
فقال: بالتحميد الذي صدرت به كتاب الرسالة والصلاة التي صليت على النبي ﷺ فيه.
ولعل الشافعي ﵀ أخذ هذا من داود النبي ﷺ وذلك ما روى أن الله تعالى أوحى إلى داود النبي ﵇ فقال له: يا داود اشكرني.
فقال: كيف أشكرك، وشكري لك يوجب علي شكرا آخر؟
فقال الله تعالى: الآن شكرتني حين أقررت بالعجز عن شكري.
وروى أن النبي ﷺ قال: يقول الله تعالى: حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فمني، الحديث.
وقد نظم محمود الوراق، بيتين في هذا المعنى، فقال:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... على له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغي الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام وانفتل العمر؟
قال المزني: اختصرت.
стр. 39
الاختصار: اشتقاقه من الخصر، وهو خلاصة الشيء، واختلف عبارات أصحابنا في معنى الاختصار.
منهم من قال: الاختصار: إقلال اللفظ مع توفير المعنى.
وقيل: الاختصار: إقلال من غير إخلال.
وقيل: هو القاء المباني، وإبقاء المعاني.
وقيل: هو قبض البسيط من الكلام، ورده إلى وجيزه.
وقيل: هو رد الكثير إلى القليل، وفي القليل معنى الكثير
ومعناه: اختصر مسائل متفرقة في لفظ وجيز.
وقيل: الاختصار، الجمع، ومن هذا سمى العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه (مخصرة)، وسمي: الخاصرة، لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل.
اعترضوا عليه بأنه لم يقل، اختصرت، ولم يختصر بعد؟
الجواب عنه: يحتمل أنه فرغ من تصنيف الكتاب، ثم جاء وذكر ترجمة الكتاب، وهذه عادة المصنفين، أنهم يثبتون ترجمة الكتاب بعد فراغهم من تصنيف الكتاب.
وجواب آخر: معناه سأختصر، كما قال الله تعالى (أتي أمر الله) الاية.
معناه: سيأتي.
وكقوله تعالى: (ونفخ في الصور).
وقوله: (ونادي أصحاب الأعراف).
стр. 40
ومعناه: سينفخ، وسينادي
فإن قيل: لماذا اختصر والكلام إذا كان بسيطا، فيكون أقرب من الوجيز؟
قلنا: الكلام الوجيز يستفصح.
كقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) الاية.
وقال ﵇: الماء من الماء.
القطع في ربع دينار، والعمد قود
وقال ﵇: أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارًا. الحديث.
وقال (علي)، كرم الله وجهه، خير الكلام ما قل ودل، ولم يطل فيمل.
стр. 41
قوله هذا.
قال القاضي حسين، اعترض عليه، فقيل له: قال: هذا، ولم يصنف الكتاب بعد والهاء إشارة إلى الموجود.
جوابه: ما ذكرت قبله.
وجواب آخر، نقول: لما سهل عليه تصنيف الكتاب، جعله كالموجود لأن (هذا) قد يشار إلى الشيء الحاضر، ويشار إلى شيء قرب وجوده.
كقوله تعالى (هذا يوم الفصل)، الاية
وقوله: (هذا يوم لا ينطقون) الاية.
وقال الشاعر:
هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شاء ساقكم إلى قطينا
أي جميعا
وهذا اسم، تارة يشار إلى العين الحاضرة، وتارة يضاف إلى الذكر الحاضر، قوله من علم الشافعي.
قال القاضي حسين: فإن قيل: علم الإنسان يكون في صفات ذاته، فلا يمتاز عنه، كالبياض والسواد.
قلت: معناه من معلوم الشافعي، وذلك أن المزني، سمع منه المسائل، ولم ينسخ ذلك، ثم صنف من ذلك العلم الذي سمع منه
ويجوز مثل هذا، كما نقول: هذا من ضرب الإمام.
يعني: من مضروبه.
وكما يقال: اللهم أريتنا قدرتك، فأرنا رحمتك.
стр. 42
معناه: أريتنا مقدورك، فأرنا مرحومك، فإن قدرة الله تعالى لا تكون مرئية.
أو تقول: معناه من كتاب الشافعي.
كما قال تعالى هل عندكم من علم.
يعني من كتاب.
وكما روي عن ابن عباس أنه قال: يشتري لي علما بدرهمين.
يعني كتابًا.
وقوله: (ومن معنى قوله)
قال القاضي الحسين: فإن قيل: المعنى إذا اختصر اختل، فما معنى هذا؟ قلنا معناه أن الشافعي رحمه الله تعالى، ذكر في المسائل معاني، واللفظ لفظ الوحدان، والمراد به الجمع، كما قال تعالى (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، الآيات.
فلما استثني منه جماعة علمنا أن المراد منه الناس، لأن الجماعة لا يستثني من الواحد.
والمزني، لما رأي المعاني نقل أصحها، وأجود ما عنده، ويجوز أن يكون في المسألة معان، كما يقال: كل امرأة منكوحة مرتدة فنكاحها حرام لمعان.
стр. 43
وجواب آخر: معني قوله: (من معنى قوله)
يعني: على معنى قول الشافعي
وذلك أن المزني نقل مسائل كثيرة تخريجًا على معنى قول الشافعي كما نقول في الشركة والضمان والحوالة، ويجوز أن يكون من مكان على كما قال تعالى: ونصرناه من القوم الذي كذبوا بآياتنا. الاية.
стр. 44
يعني: على الذين.
وكقوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) الآية.
يعني: مع أموالكم.
وقال الله تعالى (في جذوع النخل) الآية.
معناه: على جذوع النخل.
وكما يقال: الذود إلى الذود إبل.
معناه: مع الذود إبل
قوله: لأقربه على من أراده.
قال القاضي حسين: التقريب المراد به التسهيل والتيسير، وقد يكون المراد به الإدناء.
فإذا كان المراد به التقريب من الإدناء، فتكون صلته إلى.
كما قال الله تعالى فقربه إليهم، الآية.
وإن كان المراد به التسهيل والتيسير، فتكون صلته على.
стр. 45
كما يقال: قرب الله عليك الخطا
معناه: سهل الله عليك السفر.
ومعناه: لأسهل هذا الكتاب على من يريد هذا الكتاب.
وقوله: مع إعلامية نهيه عن تقليده.
قال القاضي حسين: لا خلاف في أن قوله: إعلامي، الياء راجع إلى المزني.
وأما الإعلام إلى من يرجع، منهم من قال: يرجع إلى (المزني).
معناه: مع إعلامية المتعلم نهي (الشافعي) عن التقليد.
والهاء الأولى ترجع إلى المريد، والهاء الثانية في نهيه راجعة إلى المريد.
معناه: أن المتعلم منهي عن التقليد.
وقيل: كلا الهائين يرجع إلى (الشافعي) ﵀
والأظهر أن الهاء الأولى ترجع إلى المتعلم، والهاء الثانية راجعة إلى الشافعي.
والإعلام، مصدر تارة يضاف إلى الفعل، وتارة يضاف إلى المفعول، فإذا أضفت إلى الفاعل، فالمزني يكون معلما.
يعني مع إعلامي المتعلم أنه نهي عن التقليد، وإذا أضفناه إلى المفعول فالمزني يكون معلما.
ومنهم من قال: معناه، مع إعلام الشافعي إياي النهي عن التقليد
وقوله: نهيه يكون مصدرًا على ما ذكرت، ومعناه، مع إعلام الشافعي نهيه.
يعني: منهيه عن التقليد
فإن قيل: قد قلتم: إن المزني، ﵀ قصد بذلك التسهيل والتيسير، وأي تيسير في هذا التدقيق الذي قلتم؟
قلنا: العرب تستحسن أن تذكر اللفظ الوجيز يتضمن معاني كثيرة:
стр. 46
كقول الشاعر:
بكرت على عواذلي ... يلحينني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه
يحتمل انه ليس كما قلن، ويحتمل أن معناه: كما يقلن، ويحتمل أن ذلك إنما يكون لزيادة قوة في.
ونهي الشافعي عن أن يقلد.
فإن قلتم: انتم قلدتم الشافعي ﵀
قلنا: نحن ما قلدناه، وإنما أخذنا ذلك بالدليل.
والتقليد: قبول قوله من غير حجة.
فإن قيل: الشافعي نهي عن التقليد، وقلد زيد بن ثابت في
стр. 47
الفرائض، فقال: وعنه قبلنا أكثر الفرائض، وكذلك قلد عثمان، ﵁ في مسألة بيع الحيوان بشرط البراءة عن العيوب
قال: فالذي أذهب إليه: قضاء عثمان أنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه، ولا يبرأ من عيب علمه، ولم يسمه له، ويقفه عليه، تقليدًا لعثمان.
قلنا: هو ما قلد زيدًا، وإنما قبل قول النبي ﷺ لأنه قال: أفرضكم زيد، أقضاكم على، أقرؤكم أبي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر.
وأما حديث عثمان فإن معه قياسا خفيا، وذلك لأن الشافعي قال: ولأن الحيوان يفارق ما سواه، لأنه يغتدي بالصحة والسقم، وتحول طبائعه، وقل ما يبرأ من عيب يخفي أو يظهر.
قوله: لينظر فيه لدينه.
قال القاضي حسين: معناه: أن الشافعي نهي عن التقليد، ولكن يأخذ المسائل بالحجة حتى لا تزل قدمه عن ذلك، فإنه لو أخذ من غير الدليل، فربما تزل قدمه عن قريب.
قوله: ويحتاط لنفسه.
стр. 48
قال القاضي حسين: معناه، أنه يأخذ منه المذهب بالحجة والبيان، والعنى، دون الأخذ بالتقليد، ومن غير الدليل، فإنه يوبق نفسه بالنار.
قوله: وبالله التوفيق.
ومعناه التوفيق من جهة الله تعالى والتوفيق ماذا؟
منهم من قال: التوفيق: تسهيل سبيل الخير، وسد سبيل الشر
والخذلان تسهيل الشر، وسد سبيل الخير.
يقال: وفقك الله.
معناه جعل الله تعالى فعلك وقولك وفق رضاه
وقيل: التوفيق درك الأسباب ومعرفة الصواب
وقيل التوفيق الوقوع على الخير من غير استعداد له.
وإنما قصد بذلك المزني حتى لا يزل إلى الاعتزال، فإن المعتزلة.
стр. 49
يقولون: الخير من الله، والشر إنما يكون من جهتك، وليس من جهة الله تعالى وهذا خطأ، بلا كلاهما من جهة الله تعالى وبإرادته، إلا أنه لا يرضى بالشر.
وقد قيل: توفيق المتعلم في أربعة أشياء: في ذكاء القريحة، واستواء الطبيعة، ومعلم ذي نصيحة، وشدة العناية.
وقيل ليزدجمهر: بم أدركت ما أدركت، قال: ببكور كبكور الغراب، وصبر كصبر الحمار، وحرص كحرص الخنزير، وتملق كتملق الهرة.
وقال الشيخ الإمام سهل، ﵀ عليه: عليك بالهمة، فإن الهمة مستتبعة للجد، والجد لا يتأخر عن الجد، والله أعلم بالصواب.
стр. 50
فصل في التقليد
قال ﵁: التقليد اشتقاقه من القلادة، فإن قبلت قول المجتهد من غير دليل ولا حجة، فإنك قلدته خيره وشره، ولا خلاف أن ما يؤخذ من الله تعالى لا يسمى تقليدًا.
ولا خلاف أن ما يؤخذ من غير النبي ﷺ من الصحابة والتابعين، يسمى تقليدًا.
стр. 51
لأن الشافعي قال في كتاب أدب القاضي، فإما أن يقلده، فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله ﷺ ، فأما ما يؤخذ من جهة النبي ﵇ هل يسمى تقليدًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يسمى تقليدًا.
والوجه الثاني: أن ذلك لا يكون تقليدًا، لأن التقليد إنما يكون قبول قول من يخبر عن الصدق وعن الكذب، والنبي ﷺ لا يخبر إلا عن صدق.
وهذا بناء على أصل: وذلك أن التقليد ماذا؟
منهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يجب عليك قبول قوله.
فعلى هذا قول النبي ﷺ ، لا يكون تقليدًا، لأنه وجب علينا قبول قوله. وقيل: هو قبول قول الغير من غير حجة، وهو ممن يجوز عليه الغلط والغفلة ويقر على الخطأ، فعلى هذا أيضا قبول قول النبي ﷺ لا يكون تقليدًا، لأنه ﵇ لا يقر على الخطأ.
ومنهم من قال: التقليد: قبول قول من لا يدري من أي موضع يقول:
فعلى قول هذا قول النبي ﷺ يكون تقليدًا لأنا لا ندري أنه عليه
стр. 52
السلام، كان يخبر عن وحي من جهة الله تعالى أو من إلهام ألهم، أو من جهة قياس استنبطه من جهة نفسه.
والناس في التقليد قسمان: عالم، وعامي
أما العالم، نعني بذلك، من بلغ رتبة الاجتهاد، وإن شذ أشياء من العلم لا اعتبار له.
فأما العامي، فرضه التقليد بدليل الكتاب والسنة.
أما الكتاب قوله تعالى (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) الآية.
فأمر بالسؤال إذا كان الرجل جاهلا.
والخبر ما روي جابر بن عبد الله، أن رجلا من الصحابة كان في بعض الغزوات، فأصابته شجة، فاحتلم تلك الليلة، فسأل الصحابة، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة في التيمم، فاغتسل فدخل الماء في جرحه، ثم سى إلى النفس، ومات فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال ﵇: قلتوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إن شفاء
стр. 53
العي السؤال فإنه يكفيه أن يعصب عصابة على رأسه ويمسح عليه، ويغسل ما قدر عليه ويتيمم لأجل ما تحت العصابة.
فأما العامي يجب عليه أن يجتهد حتى يميز بين الفقهاء وبين العوام، ويميز بين الأفقه والأورع، فإنه يمكنه ذلك.
فإن لم يجتهد وسأل فلا يجوز له أن يعمل بقول المفتي.
والدليل على ذلك قصة الشيخ (القفال) ﵁، وذلك أنه مر بصف الحدادين بـ (مرو) فاستبله رجل فسأله عن مسألة، فقال له من أنا، فقال: لا أدري، فقال لا يجوز ذلك أن تعمل بقولي ما لم تعلم أني أفقه أهل بلد مرو، وأني ذلك القفال الذي يقول أهل بلد مرو إنه أفقه أهل بلد مرو.
ومنهم من قال: لا يجب على العامي الاجتهاد، ولأنه ليس له آلة الاجتهاد،
стр. 54
فإذا سأل أي فقيه كان، جاز له أن يعمل بقوله، فلو كان في البلد فقيهان: فقيه أفقه ورع، وفقيه اورع.
فالأفقه الورع أولى في الفتوي من الأروع الفقيه، وفي باب الإمامة للصلاة الأورع الفقيه أولى من الأفقه الورع.
والفرق بينهما أن الإمامة سفارة بينه وبين الله تعالى - إنما يرشح للسفارة من كان اوجه، وأعلى مرتبة عند الله تعالى ودرجة الأورع والأتقي أعظم عند الله تعالى لقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) والأفقه الورع أولى في الفتوى من الأورع الفقيه، وذلك لأنه يحتاج إلى استنبط المعاني، فلو كان في البلد فقهاء، وواحد منهم مجتهد، فيتعين على المجتهد الفتوي، ولا يجوز للغير أن يفتن، لأن المجتهد يكون كالنص، ولا يتعين على المجتهد أن يجيب على مذهب، بل يفتي بما بلوح عنده من الدليل، ولو كان في البلد فقيهان يستويان في الفقه وفي الورع، هل يجب عليه أن يجتهد نوع اجتهاد حتى يطلع على أفههما وأورعهما أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا يجب عليه أن يجتهد، وله أن يسأل أيهما شاء.
والثاني: يجتهد؛ لأن ذلك يصير معلومًا بالتسامع فيما بين الناس أيهما أفقه، وأيهما أورع.
стр. 55
ولو كان في البلد فقيهان، وسأل أحدهما، فله أن يعمل بقوله: ولا يجب عليه أن يسأل الآخر، فلو أنه سأل الآخر ينظر أن اتفقا فنعما، وإن اختلفا، فيه وجهان:
أحدهما: أن يأخذ بقول أيهما شاء.
والوجه الثاني: يأخذ بالأحوط والحظر.
فلو كان في البلد فقيه ثالث لا يجب عليه أن يسأله، فلو أنه سأله، إن اتفق قول اثنين فيقبل قولهما، ويقع به الترجيح، وإن اختلف قول الكل، فيه وجهان كما ذكرنا.
стр. 56
مسألة: [العامي هل له مذهب أم لا]
العامي هل له مذهب أم لا؟ اختلفوا فيه، منهم من قال: العامي لا مذهب له، لأنه لا يعرف الدلائل في المسألة، ففرضه التقليد، فعلى هذا له أن يسأل أي فقيه كان سواء كان شفعويا أو حنفيا.
وقال الشيخ القفال ﵀ عليه، العامي له مذهب، فإن كان شافعيا فليس له أن يقبل قول الحنفي، لأنه لما ميز بين مذهب ومذهب، واختار مذهبا على مذهب تبين عنده بالدليل أن له مذهبا، حتى لو كان في البلد شفعوي، وذاك حنفي ليس له أن يقبل قول الشفعوي، وعلى عكسه عكسه.
стр. 57
بل يجب عليه أن يسأل حنفيا إن كان ببلد آخر حتى يفتي له على مذهبه.
العامي إذا سأل مسألة لفقيه، فإذا وقع له تلك الحادثة، مرة أخرى، هل يحتاج إلى أن يجدد السؤال عنه كل مرة أم لا.
ينظر إن كان المفتي أفتى وأخبره بأني أفتي عن نص من جهة الله تعالى ومن جهة رسول الله ﷺ أو إجماع أو قياس جلي، فلا يجب عليه أن يجدد السؤال عند كل حادثة، وإن لم يخبره بأني أفتى عن نص، أو أفتاه بقياس من جهة نفسه، فليس له أن يعمل بذلك ما لم يسأله ثانيا، بل يجب عليه أن يجدد السؤال عند كل مرة، لأن المفتى إذا سأله رجل عن هذه المسألة يجب عليه أن يجدد الاجتهاد عند كل مرة.
ولو كان العامي الذي سمع مسألة من مفتى يخبر الغير بذلك، هل يجوز لذلك الرجل أن يعمل بقوله؟
ينظر إن أخبره القاضي، أو المفتي من نص من جهة الله تعالى أو من جهة النبي ﷺ جلي، يجوز لذلك الرجل أن يعمل بقوله ويكون مقلدًا للمفتي، وإن لم يخبره عن نص من جهة الله تعالى، أو من جهة النبي ﷺ أو قياس جلي، فليس لذلك الرجل أن يعمل بقوله، بل عليه أن يسأل الفقيه هذا كما نقول في الأعمي، فإن عليه أن يقلد البصير في القبلة، فإن كان أعمي في مسجد، وكان هناك محراب دله على القبلة فعند كل صلاة لا يحتاج إلى أن يجدد السؤال عن القبلة، فإما إذا كان على مفازة، يجب عليه أن يجدد تقليد البصير في القبلة عند كل صلاة، لأن البصير يجدد الاجتهاد عند كل صلاة إذا كان في المفازة.
стр. 58
مسألة: العامي عند تقليد المفتي هل يسمى مقلدًا ؟
العامي إذا قلد المفتي، هل يسمى هذا مقلدًا أم لا؟
قال الشيخ ﵁ وأرضاه، عامة أصحابنا على أنه يكون مقلدًا، وحكي عن الأستاذ أبي القاسم الإمام، ولعله حكي عن الأستاذ الإمام أبي إسحاق الإسفرايني ﵀ عليهما أن العامي إذا سأل فقيها عن مسألة فلا نسميه مقلدًا، لأنه اجتهد حتى ميز بين مذهب وبين مذهب، وميز بين الفقهاء والجهال، وميز ين الأفقه والأورع، فإنه بذل جهده، وطاقة وسعه بما أمكنه ذلك، فيكون هذا كالعالم إذا عرف المسائل بالدلائل، فلا يكون مقلدًا، كذلك هذا مثله.
فأما العالم فرضه أن يعمل بعلم نفسه، ولا يجوز له أن يعمل بقول الغير ويقلده، لأن العالم له آلة الدرك والاجتهاد.
ونعني بالعالم: أن يكون عالما بالكتاب والسنة، وأقاويل الصحابة، وآثار التابعين، وإجماع المسلمين، واختلافهم، ووجوه القياس، ولسان العرب.
стр. 59
فأما الكتاب: ينبغي ان يعرف ناسخه ومنسوخه،
стр. 60
وخاصه،
стр. 61
وعامه،
стр. 62
ومطلقه،
стр. 63
ومقيده،
стр. 64
ومجمله ومفسره، وأقاويل الصحابة والأخبار عن النبي ﷺ ، ويعرف كيفية ترتيب الكتاب على السنة، والسنة على الكتاب، ويعرف وجوه القياس، ولكن إنما يشترط هذه الشرائط أن يعلم جُلَّ هذه الأشياء ومعظمها، ولا يتصوَّر في زماننا أن يكون شخص يتعلم هذه العلوم.
فإذا بلغ الرجل محل الاجتهاد، فله أن يجتهد في المسائل، ويفتي على ما أدى اجتهاده إليه من جهة نفسه، وليس للعالم أن يقلد الغير ليفتي الغير قولاً واحدًا، فلو وقعت له حادثة ينظر إن كان في الوقت سعة، فليس له أن يقلد الغير قولا واحدًا، فأما إذا كان في الوقت ضيق، وخاف فوته، وأشكل عليه ذلك، هل يجوز له أن يقلد العالم أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يجوز له أن يقلد الغير.
وحكي عن ابن سريج، أنه قال: لو نزلت بي نازلة، وضاق وقتها،
стр. 65
وخفت فوت الواجب علي فيها، فلي أن أقلد من هو في مثل حالي، ولأنه إذا لم يتفرغ إلى معرفته بالدليل، ويفوت الفريضة عن وقتها يجعله كالعامي في هذه الحادثة، فجاز له التقليد، فإذا قلت له التقليد فإنه يقلده.
ولا يجب عليه القضاء بعد ذلك، وإن بان من بعد أنه كان مخطئًا، لأن الاجتهاد لا ينقض بالإجتهاد.
وحكي أن ابن سريج كان يقلد الملاحين في القبلة.
والوجه الثاني: ليس له أن يقلد الغير؛ لأن له آلة الدرك والاجتهاد، وبخلاف العامي، فعلى هذا يصلي على التخمين، وعليه القضاء، كمن اشتبه عليه جهة القبلة، وصلى إلى جهة من غير دليل، فيجب عليه القضاء، وإن بان من بعد أنه كان مصيبًا.
وكذلك الأعمى إذا لم يجد من يدله على القِبلة، وصلى إلى جهة عليه القضاء كيف ما كان.
стр. 66
مسألة
إذا كان رجل في بلد وكان عاميًا، وكان هناك فقيهان، شفعوي وحنيفي، فعلى مذهب بعض الناس، ليس للعامي مذهب، له ان يسأل أيهما شاء، وعلى مذهب القفال، وهو الأصح أن له مذهبًا، فعلى هذا إن كان الرجل شفعويا يجب عليه أن يسأل الإمام الشفعوي، وليس له أن يسأل الحنيفي، وعلى عكسه عكسه، فإذا سأل الإمام الشفعوي يجب عليه أن يفتي على مذهب الإمام الشافعي، وليس له أن يفتي على مذهب أبي حنيفة، لأنه إنما تعمق في معاني مذهب الشافعي، وتبحر فيه، وما تعمق في معاني مذهب أبي حنيفة، وعلى عكسه عكسه.
وقال ﵁: عندي أنه إذا كان في البلد فقيهان فإنه يسألهما، ويأخذ الأحوط، وما فيه الاحتياط أكثر والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 67
فصل في الإجماع
يجب أن يعلم أن إجماع المسلمين يكون حجة مقطوعًا بها عند عامة
стр. 68
المسلمين، إلا ما حكي عن بعض الزنادقة أن الإجماع لا يكون حجة،
стр. 69
والدليل عليه قوله تعالى (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم).
فدل على أن الإجماع حجة، وقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا)
وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف).
стр. 70
فالله تعالى مدح هذه الأمة بأنهم يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فدل على أنهم لا يجتمعون على الضلالة.
يدل عليه قوله ﵇: لا تجتمع أمتي على ضلالة، الحديث
وروى أنه ﵇ قال: إن الله تعالى لا يجمع أمتي على الضلالة.
وروى أنه قال: المسلمون شهداء الله في الأرض فما رآه المسلمون حسنًا، فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا، فهو عند الله قبيح.
стр. 71
ولأن المسلمين مع اختلافهم هممهم، وتفاوت عقولهم، وتباين آرائهم لا يجتمعون على شيء، إلا ويكون الحق معهم لا محالة.
فلو أنهم أجمعوا على شيء إلا واحدًا منهم.
قال الشيخ: لا يكون الإجماع منعقدًا.
وقال أهل الأصول: إن ذلك يكون إجماعًا، لأن الاعتبار بالأكثر.
وقال ﵇: (عليكم بالسواد الأعظم).
وهكذا لو خالفهم اثنان أو ثلاثة.
ثم الإجماع على قسمين:
إجماع من يعرفه الخاص والعام، وإجماع صدر عن شيء يعرفه الخاص دون العام.
فأما ما يعرفه الخاص والعام كما نقول في فرائض الصلاة، وسنن الرابتة وصلاة العيدين، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
والإجماع الذي يعرفه الخاص دون العام مثل مسألة العول، ونكاح المتعة، وبيع الدرهم بالدرهمين، فمن خالفه فإنه يفسق ويخطأ، ولا يكفر.
стр. 72
والإجماع تارة يكون إجماعا اتفقوا عليه ابتداء، كما نقول في الصلاة.
وتارة يكون في الابتداء كان مختلفا فيه، ثم أجمعوا عليه، كما روى أن النبي ﷺ لما قبض إلى رحمة الله تعالى، اختلفوا في موضع دفنه،
стр. 73
صلوات الله وسلامه عليه حتى روى أبو بكر خبرًا أن النبي ﷺ قال: إن الأنبياء إنما يدفنون حيث يموتون، فرجعوا إلى قول أبي بكر، ﵁.
وكذلك اختلفوا في توريث النبي ﷺ حتى روى الصديق ﵁ خبرًا أن النبي ﷺ قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث، فرجعوا إلى قوله، وكذلك اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، حتى روى الصديق ﵁ أن النبي ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا، لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها.
فقال: أبو بكر، هذا من حقها، فرجعوا إلى قوله.
ونعني بالإجماع، إجماع من كان من أهل الحل والعقد.
стр. 74
فأما أن يتوهم أن بأقصى الصين ففيها لا اعتبار بهذا التوهم، حتى إن المسلمين لو اجتمعوا على شيء، ثم بلغوا إجماعهم فقيهًا بأقصى الصين، فلا يجوز له مخالفهم.
والإجماع على نوعين: إجماع صادر عن نص من جهة الله تعالى أو من جهة رسول الله ﷺ أو عن قياس جلي، فمن خالف هذا الإجماع يكفر.
стр. 75
فمن اعتقد أن عائشة ﵂ زنت يكن كافرًا بالله سبحانه، لأن الله تعالى، أنزل الآية في براءة ساحتها عن الإفك.
وإجماع صدر عن قياس خفي، كما نقول في خلافة أبي بكر الصديق، ﵁، فإن النبي ﷺ ، لما توفي اختلفوا فيه، فقالت الأنصار- منا أمير ومنكم أمير، فقال المهاجرون الأمير منا.
حتى اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: لما ارتضى النبي ﷺ أبا بكر لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟
فقاسوا إمامة الدنيا على إمامة الدين، وهذا قياس خفي.
следующие страницы →